فوائد من شرح رسالة العبودية لابن تيمية ... من شرح الشيخ الغفيص

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • السليماني
    عضو
    • Oct 2008
    • 350

    #31
    (31)

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

    ( وَقد ذَكَرَ عَن الْمُشْركين مَا ابتدعوه من الدَّين الَّذِي فِيهِ تَحْلِيل الْحَرَام وَعبادَة الله بِمَا لم يشرع الله فِي مثل قَوْله تَعَالَى [١٣٨ الْأَنْعَام] : {وَقَالُوا هَذِه أنعام وحرث حجر لَا يطْعمهَا إِلَّا من نشَاء بزعمهم وأنعام حرمت ظُهُورهَا وأنعام لَا يذكرُونَ اسْم الله عَلَيْهَا افتراء عَلَيْهِ} إِلَى آخر السُّورَة وَكَذَلِكَ فِي سُورَة الْأَعْرَاف [٢٧-٣٣] : {يَا بني آدم لَا يفتننكم الشَّيْطَان كَمَا أخرج أبويكم من الْجنَّة} إِلَى قَوْله: {وَإِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أمرنَا بهَا قل إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء أتقولون على الله مَا لَا تعلمُونَ * قل أَمر رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأقِيمُوا وُجُوهكُم عِنْد كل مَسْجِد} إِلَى قَوْله: {وكلوا وَاشْرَبُوا وَلَا تسرفوا إِنَّه لَا يحب المسرفين * قل من حرم زِينَة الله الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ والطيبات من الرزق} إِلَى قَوْله: {قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ} .

    وَهَؤُلَاء قد يسمّون مَا أحدثوه من الْبدع حَقِيقَة كَمَا يسمّون مَا يشْهدُونَ من الْقدر حَقِيقَة وَطَرِيق الْحَقِيقَة عِنْدهم هُوَ السلوك الَّذِي لَا يتَقَيَّد صَاحبه بِأَمْر الشَّارِع وَنَهْيه وَلَكِن بِمَايرَاهُ ويذوقه ويجده فِي قلبه مَعَ مَا فِيهِ من غَفلَة عَن الله جلّ وَعلا وَنَحْو ذَلِك.

    وَهَؤُلَاء لَا يحتجون بِالْقدرِ مُطلقًا بل عمدتهم اتِّبَاع آرائهم وأهوائهم وجعلُهم مَا يرونه وَمَا يهوَونه حَقِيقَة ويأمرون باتباعها دون اتِّبَاع أَمر الله وَرَسُوله نَظِير بدع أهل الْكَلَام من الْجَهْمِية وَغَيرهم الَّذين يجْعَلُونَ مَا ابتدعوه من الْأَقْوَال الْمُخَالفَة للْكتاب وَالسّنة حقائق عقلية يجب اعتقادها دون مَا دلّت علية السمعيات ثمَّ الْكتاب وَالسّنة إِمَّا أَن يحرفوا القَوْل فيهمَا عَن موَاضعه وَإِمَّا أَن يعرضُوا عَنهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا يتدبرونه وَلَا يعقلونه بل يَقُولُونَ: نفوض مَعْنَاهُ إِلَى الله مَعَ اعْتِقَادهم نقيض مَدْلُوله وَإِذا حُقّق على هَؤُلَاءِ مَا يزعمونه من العقليات الْمُخَالفَة للْكتاب وَالسّنة وُجدت جهليات واعتقادات فَاسِدَة.

    وَكَذَلِكَ أُولَئِكَ إِذا حقق عَلَيْهِم مَا يزعمونه من حقائق أَوْلِيَاء الله الْمُخَالفَة للْكتاب وَالسّنة وجدت من الْأَهْوَاء الَّتِي يتبعهَا أَعدَاء الله لَا أولياؤه.)

    الشرح :

    - في سياق كلام الإمام ابن تيمية -رحمه الله -في رسالته العبودية بين أصل الانحراف عن دين الرسل -عليهم الصلاة والسلام - إنما هو بالبدع والضلالات التي أحدثت في دين الرسل- عليهم الصلاة والسلام - إلى أن انصرف من انصرف بها عن أصل الدين أو ضل من ضل بها عما هو واجب عليه في دينه .

    -لما كانت هذه البدع تعرض لكثير من الناس في أمور العبادة ويظنون بهذه البدع أنها من التحقيق وهي منافية لذلك علماً وإرادة بين المصنف رحمه الله في ذلك مايتعلق بوجوب تحقيق الاتباع للكتاب والسنة وأن هذا التحقيق يكون في باب العلم ويكون في باب الإرادة وأن كل من ضل أو وقع في بدعة مخالفة لماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فمخالفتة هذه تنشأ إما عن :

    1) مقام العلم
    2) وإما عن مقام الإرادة .

    وقد يتلازم المقامان بل قد يقع ذلك لكثير من الناس إما بوجه ظاهر وإما بوجه خفي .

    -كما يقع لمن يقع في ذلك فيما هو من الهوى الخفي الذي لا يظنه صاحبه منافياً لهدي الشريعة أو لداعي الشريعة .

    -ولذلك كان عماد الدين الذي بعث الله به جميع الرسل هو تحقيق الإخلاص لله سبحانه وتعالى فمن حقق الإخلاص لله وحده حقق العلم والإرادة .

    فإن الإخلاص يتضمن : الاتباع للحق والاتباع الصادق والاقتداء بهدي الرسل عليهم الصلاة والسلام .

    وليس الاخلاص يتعلق بمحض الإرادة المنفكة عن العلم والاتباع بل الإخلاص الذي هو الاسم الشرعي الذي أمر الله سبحانه وتعالى به

    وبين أن الدين الذي قال الله جل وعلا ( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ) ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )

    فإخلاص الدين يتضمن العلم والإرادة .

    وليس الإرادة المحضة المنفكة عن العلم المبنية على الجهل والهوى الظاهر أو الخفي .

    والجهل إذا أطبق لحقه الهوى وصار دركات في حق المكلف .

    - ولهذا صار لعلم الشريعة من المقام في دين الرسل جميعاً وفي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وفيما أنزل الله في كتابه صار للعلم من المقام ما ليس لغيره

    ولهذا صار أفضل العبادات بعد الفرائض هو : العلم الذي بعث الله به الرسل وهو علم الشريعة العلم بالله سبحانه وتعالى وبماشرع سبحانه لعباده

    وإذا تبين ذلك بان بأن كل من وقع في بدعة :

    -إما في باب العلم كما هو شأن أصحاب الكلام أو أصحاب النظر الذين مالوا ببدعتهم وما أحدثوه عن طريق الصحابة -رضي الله عنهم - وعن الهدي الذي كان عليه السلف الصالحون -رضي الله تعالى عنهم - فأولئك لما مالوا عن هذه الطريقة وقعوا في البدع والضلالات في باب العلم بما أحدثوه من علم مخترع زاحم علم الشريعة .

    - وقد يقع الضلال كما هو عند أهل الأحوال في باب الإرادات وباب الإرادات لا ينفك عن باب العلم وباب العلم لا ينفك عن باب الإرادات .

    وهما مقامان متلازمان ولابد

    ولذلك عند التحقيق يقع التقصير في هذا وهذا .

    وإن كان أحدهما يكون في حال هذا المكلف أو ذاك أظهر وإلا فإن هذا الباب وذاك بينهما تلازم .

    -ولهذا كان تحقيق العلم وتحقيق الإرادة هو جماع دين الرسل -عليهم الصلاة والسلام -

    1) تحقيق العلم بالاتباع .

    2) تحقيق الإرادة بإخلاص الدين لله وحده لا شريك له .

    فهذه البدع التي عرضت لبعض الصوفية أو لبعض المتكلمين وتقع في كلامهم إما في باب علم الكلام أو النظر وهي فرع عن هذا الباب الكلي .

    -ومن الوهم الذي يعرض لأولئك أنهم يسمون هذه البدع بأسماء فاضلة في الشريعة أو في العقل أو في المدارك العلمية فيوهم لأفاضل هذه الأسماء فضل المعاني التي تكون تحتها وليس الأمر كذلك .

    -فلما سمت المعتزلة مقالتها في القدر عدلاً لم يكن ذلك عدلاً عند الحقيقة

    ولماسمت المعتزلة مقالتها في الصفات توحيداً لم يكن هذا هو تحقيق التوحيد الذي بعث الله به الرسل

    بل وقع الخلل والمخالفة ما هو معروف عند أهل العلم .

    -ومثله في أصحاب الأحوال والإرادات من الصوفية لما سموا ما سموه من الآراء المبتدعة في التصوف سموا ذلك تحقيقاً أو عبودية أو شهوداً لمقام الربوبية أو شهوداً لمقام العبودية وما إلى ذلك من الأسماء .

    - الأسماء وحدها ليست موجبة لثبوت الحقائق في نفس الأمر ولكن ربما تُخدع بعض النفوس بظهور الأسماء الفاضلة الصحيحة في العقل أوفي الشرع ولكن المعاني معتبرة بحقائقها .

    - ولذلك الذي يجب على المكلف هو تحقيق الاتباع وماوقعت بدعة في أمة من الأمم إلا بترك الاتباع لما أنزله الله

    لإن البدع هي المقابلة للسنن وعن هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( من عمل عملًا ليس عليه أمرِنا فهو رَدٌّ )

    ومع أنه صلى الله عليه وسلم لما ذكر الاجتهاد الفاضل كما في حديث عمرو بن العاص الثابت في الصحيحين وغيرهما قال ( إذا حَكَمَ الحاكِمُ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإذا حَكَمَ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطَأَ فَلَهُ أجْرٌ)

    فهذا في الاجتهاد المشروع وهو من جنس اجتهاد الفقهاء -رحمهم الله - كاجتهاد أبي حنيفة ومالك والشافعي وأصحابه وأحمد وأصحابه في مسائل فقه الشريعة من أحكام العبادات ومفصلها أو أحكام المعاملات ومفصلها التي يتفقون فيها تارة ويختلفون فيها تارة فهذا الاجتهاد المحمود .

    وأما السنن التي بُعث بها الرسول صلى الله عليه وسلم فهي محكمة ولذلك ما خالفها يكون بدعة مردودة وليس من الاجتهاد الذي حمدته الشريعة .

    Comment

    • السليماني
      عضو
      • Oct 2008
      • 350

      #32
      (32)

      قال الشيخ رحمه الله :

      ( وأصل ضلال من ضل هُوَ بِتَقْدِيم قِيَاسه على النَّص الْمنزل من عِنْد الله وَتَقْدِيم اتِّبَاع الْهوى على اتِّبَاع أَمر الله )

      الشرح :

      -أصل الضلال والانحراف هو بالقياس الباطل وهذا الخلل في أصل العلم يكون بالأقيسة الباطلة

      وفي باب الإرادات باتباع مقام من الهوى في مقام الإرادات .

      -ولذلك ثمة مقامان محكمان في الشريعة وهما :

      1) مقام العلم . 2) مقام الإرادة .

      لابد أن يكون العلم على هدي الرسل عليهم الصلاة والسلام

      لابد أن يكون المسلم على هدي نبيه صلى الله عليه وسلم الذي جعله الله خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .

      ولابد أن تتحقق الإرادة خالصة لله سبحانه وتعالى ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) فهذا تحقيق مقام الإرادة .

      وتحقيق مقام العلم في قول الله تعالى (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ ).

      فهذه البصيرة وتلك الإرادة التي اصطفى بها الرسل عليهم الصلاة والسلام وحققوا عبوديتهم لله سبحانه بما جعلهم الله عليه من النبوة والرسالة والعصمة عن التقصير والانحراف في هذين الأصلين الشريفين اللذين هما قوام جميع العبادات .

      - فمامن عبادة إلا ومن شرطها وأصلها أن تكون خالصة لله وحده .

      -ومامن عبادة إلا ومن شرطها وأصلها أن تكون على السنة .

      فإن خرجت العبادة عن السنة أو خرجت عن الإخلاص لم تكن العبادة التي شرعها الله ويحبها .

      Comment

      • السليماني
        عضو
        • Oct 2008
        • 350

        #33
        (33)

        قال الشيخ رحمه الله :

        ( فَإِن الذَّوْق والوجد وَنَحْو ذَلِك هُوَ بِحَسب مَا يُحِبهُ العَبْد ويهواه فَكل محب لَهُ ذوق وَوجد بِحَسب محبته وهواه فَأهل الْإِيمَان لَهُم من الذَّوْق والوجد مثل مَا بيّنه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم )

        الشرح :

        -هذه الأسماء وجدت في كلام الصوفية وقد يعبرون عنها عن معان صحيحة لأنك تعلم أن التصوف ليس طبقة واحدة أو درجة واحدة .

        - فقد يعبر بها عن معنى صحيح تقره الشريعة كما عبر بعضهم عن الفناء بماهو من المعنى الصحيح كما سبق في كلام شيخ الإسلام وغيره .

        -وقد يعبر عنها بما هو من المعاني الباطلة المنافية لما هو من أصل الشريعة نوع منافاة .

        - وقد يعبر عنها بما هو من المعاني الباطلة المنافية لما هو من أصل الشريعة .

        وهذا بحسب أحوال الصوفية ما بين مقتصدة ما بين غلاة ومادون ذلك من هؤلاء .

        ولكن على كل تقدير حتى إذا عبر بهذه الأسماء عما هو من المعاني الصحيحة فإنه يقال :

        إن تلك المعاني الصحيحة السنة والهدي فيها والقصد - بل الواجب - أن يعبر بها بالأسماء المحكمة المفصلة وبالأسماء الشرعية بعيداً عن الأسماء المحدثة المجملة التي صار استعمالها على أدنى أحواله موجباً للبس والإيهام .

        ولذك في أسماء الشريعة غنية كاسم الإخلاص والتوحيد والإيمان ومحبة الله لعبده ومحبة العبد لربه وما إلى ذلك من الأسماء الشرعية

        ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) وفي قول الله سبحانه وتعالى ( أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ )

        وفي هذه الأسماء وأمثالها من أسماء الإيمان والدين هي الأسماء المشروعة في عبادة المسلم .

        - وقد ذكر الله الأسماء الشرعية كالخوف والرجاء والإخبات والخشوع فهذه الأسماء البالغة في العلم والتحقيق .

        - وأما اسم الوجد والذوق وما إلى ذلك والتتيم فهذه أسماء فيها قدر واسع من التكلف من وجه

        وفيها قدر واسع من اللبس بل لبس الحق بالباطل من من وجه آخر .

        - وهكذا كل من عدل عن أسماء الشريعة في الشرعيات وقع في أسماء قاصرة أو باطلة .

        - وهكذا كل من عدل عن دليل الشريعة وبراهينها في العقليات إما ببرهان يوجده وقع في إما دليل قاصر يتوهمه برهاناً وهو ليس كذلك
        أو في دليل باطل فإن الله سبحانه وتعالى أتم الدين مسائل وأدلة فالدين كامل في دلائله ومسائله

        وليس الكمال في مسائله دون دلائله بل دلائله ومسائله كاملة .

        - لكن هذا فقه في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم يعرفه من يعرفه من أهل العلم والتحقيق .

        - ولهذا لما نظر الناظرون في أدلة الشريعة بينوا وفصلوا أدلتها بما سموه في علم أصول الفقه مما هو محقق من أدلة الشريعة وأصولها الكلية

        وهما الأصلان الكليان :

        1- الكتاب 2- والسنة .

        فهذا من علم التحقيق في الجملة وإن كان يقع في كلام بعض أهل الأصول ما يكون محل نظر

        فهذا يقع في كلام آحادهم لكن ما استقرت عليه جمل الأصوليين فإن مبني على التحقيق .

        - المقصود أن الأسماء الشرعية في الشرعيات تامة

        وإنما قد يحتاج الناس إلى الأسماء الاصطلاحية فيما لم تجعل الشريعة فيه الأسماء محل توصيف من الشريعة وهذا باب وذاك باب آخر .

        Comment

        • السليماني
          عضو
          • Oct 2008
          • 350

          #34
          (34)

          قال الشيخ رحمه الله :

          ( فَأهل الْإِيمَان لَهُم من الذَّوْق والوجد مثل مَا بيّنه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله فِي الحَدِيث الصَّحِيح: " ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الْإِيمَان من كَانَ الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا وَمن كَانَ يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله وَمن كَانَ يكره أَن يرجع فِي الْكفْر بعد إِذْ أنقذه الله مِنْهُ كَمَا يكره أَن يلقى فِي النَّار "
          وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " ذاق طعم الْإِيمَان من رَضِي بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا " )

          الشرح :

          هذا حديث أنس رضي الله عنه وهو حديث متفق على صحته ( ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الْإِيمَان )

          والمقصود بحلاوته ما يقع في قلب المسلم من المحبة واليقين


          وأثر الإيمان في قلبه وهي حلاوة معنوية لكنها متحققة الوقوع في قلوب المؤمنين .ا.هــ

          -----------------

          قال الشيخ ( وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: " ذاق طعم الْإِيمَان من رَضِي بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا "

          الشرح :

          وتجد أن هذه الصفات الثلاث ( ثَلَاث من كن فِيهِ ) جماعها ترك الهوى

          ولذلك كلها مبنية على ترك الهوى ( من كَانَ الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا )

          فلايدخل في الهوى الذي قال الله فيه ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ ) .

          Comment

          • السليماني
            عضو
            • Oct 2008
            • 350

            #35
            (35)

            قال الشيخ الإمام ابن تيمية رحمه الله :

            ( وَأما أهل الْكفْر والبدع والشهوات فَكل بِحَسبِهِ قيل لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة: مَا بَال أهل الْأَهْوَاء لَهُم محبَّة شَدِيدَة لأهوائهم؟
            فَقَالَ: أنسيت قَوْله تَعَالَى {وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل بكفرهم} أَو نَحْو هَذَا من الْكَلَام.

            فعبّاد الْأَصْنَام يحبونَ آلِهَتهم كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله} ا.هــ كلامه .

            الشرح :

            -ولهذا لم يكن الانتصار للرأي المحض من الكمال في العقل ولافي الشرع وإنما يكون الانتصار للمحكم مما جاء في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

            ولهذا لمابنى العلماء المحققون -رحمهم الله - مسائل الاجتهاد مع أنها مبنية في أدلتها على أدلة الشريعة لكن لما صاحب هذا الاستدلال مادة الاجتهاد وأثر اجتهاد المكلف من المجتهدين

            بمعنى : أنه صاحبها شي من مدارك النظر الذي يقع فيه الخطأ والصواب لم يكن لهم تعصب في ذلك بل نهو عن التعصب في هذا .

            فإذا كان التعصب في الفقهيات التي هي مبنية على الشريعة اذا اختُلف فيها بعض المجتهدين يكون مذموماً

            فمن باب أولى الآراء التي هي عارية عن هذه الأصول والمصادر في إثبات أحكامها .

            لأنك تعلم أن المسائل الفقهية ما من فقيه من أئمة الفقهاء أو من أصحابهم المحققين إلا وتعود مسألته ويعود حكمه إلى استدلال معتبر في الشريعة

            ومع ذلك لم يكن التعصب فيها محموداً باسم الشريعة لما يخالطها من مادة الاجتهاد الذي يقع فيه الخطأ والصواب .

            فإذا كان هذا متحققاً ذُم التعصب في مثل هذا النوع من المسائل علمت أن التعصب في الرأي الذي يقصر عن هذا الأثر وعن هذا المبنى وعن هذا الاعتبار يكون من باب أولى .

            والتعصب للرأي كلما تجرد كان أبعد عن الحكمة العقلية والحكمة الشرعية

            وعن هذا قال الله تعالى عن الذين ضلوا من بني إسرائيل ( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) فهذا هو التعصب الباطل .

            وأما ما كان محكماً فيتمسك به وسماه الله استمساكاً ( فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ )

            -كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله}

            وقد يتوهم أن التعصب يدل على العلم وهو أبعد ما يكون عن ذلك وكل من كان أجهل كان تعصبه لرأيه أكثر

            وإنما يكون التعصب في الانتصار للمحكمات والمقصود بالتعصب الاستمساك وليس التعصب بمعنى يكون منافياً لذلك والله سماه استمساكاً .

            - وَقَالَ {فَإِن لم يَسْتَجِيبُوا لَك فَاعْلَم أَنما يتبعُون أهواءهم وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله}

            وهذا أسلوب قصر في اللغة والله سبحانه وتعالى هو المحيط بالعباد

            وحينما تقرر هذه المسائل لا تقرر من حيث الأعيان أو الحكم على الأعيان لكن تقرر من حيث أحكام المسائل الشرعية


            وأما الأعيان من الناس الذين يقعون في هذه البدع أو غيرها فهؤلاء حكمهم إلى الله سبحانه وتعالى من حيث هذه الأوصاف التي هي مرتبطة بالقلوب

            ولايحيط بما في الصدور ويعلمها إلا الله وحده لكن ربنا -جل ذِكره - بين في أحكام العلم قوله جل وعلا ( فَإِن لم يَسْتَجِيبُوا لَك فَاعْلَم أَنما يتبعُون أهواءهم )

            إذا هما مقامان :

            1) إما مقام الاستجابة .

            2) وإما مقام اتباع الهوى .

            والاستجابة قد تكون موافقة تارة وقد تكون مخالفة للحقيقة الشرعية في نفس الأمر تارة بحسب المحل واحتماله للاجتهاد من عدمه .


            -وَقَالَ {إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَلَقَد جَاءَهُم من رَبهم الْهدى}

            ولذلك يسمي الله سبحانه وتعالى ما يكون عليه من خالف دين الرسل إما هو الظن وما تهوى الأنفس .

            وانت ترى أن الظن هو ينافي العلم وما تهوى الأنفس ينافي مقام الإخلاص وهما مقامان منهما يؤتى العبد :

            1) إما النقص في العلم .

            2) وإما النقص في الإرادة .

            وإن كان عند التحقيق يقع التلازم في الجملة بينهما .

            Comment

            • السليماني
              عضو
              • Oct 2008
              • 350

              #36
              (36)

              قال الشيخ رحمه الله :

              ( وَلِهَذَا يمِيل هَؤُلَاءِ ويغرمون بِسَمَاع الشّعْر والأصوات الَّتِي تهيج الْمحبَّة الْمُطلقَة الَّتِي لَا تخْتَص بِأَهْل الْإِيمَان بل يشْتَرك فِيهَا محب الرَّحْمَن ومحب الْأَوْثَان ومحب الصلبان ومحب الأوطان ومحب الإخوان ومحب المردان ومحب النسوان وَهَؤُلَاء الَّذين يتبعُون أذواقهم ومواجيدهم من غير اعْتِبَار لذَلِك بِالْكتاب وَالسّنة وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سلف الْأمة.) ا.هـــ

              الشرح :

              ولذلك التنبيه الذي ذكر الإمام ابن تيمية -رحمه الله - من التحقيق في طريقة الخطاب فإن الخطاب من الناظر أو الباحث يجب أن يعتبر موضوع الخطاب ومناسبة الخطاب ومحل الخطاب ويكون درجة الأثر من جهة اختيار الألفاظ مبنية على ما يناسب المقام .

              فإذا تكلم في محكمات الشريعة والدين أتى بما يناسب هذا المقام من الكلام والقول بخلاف إذا كان دون ذلك .

              - ولذلك ليس من الحكمة الشرعية فيما كان من الرأي أو من الاجتهاد المتردد فيه أو ما إلى ذلك أن تختار له الألفاظ التي تناسب المحكمات .

              فبعض الناس قد يكون في خطابه أو كتابته من الحرص على تأكيد ما وصل إليه اجتهاداً أو رأياً ضد ما قصر عن الاجتهاد بالعبارات التي تناسب المحكمات .

              فهذا يقع فيه وهم لبعض من ينظر في كلامه ممن قصر عقلهم أو قصر علمهم .

              ولكن في الحقيقة أن كل مقام له ما يناسبه من الخطاب واللغة ولايزاد في الكلام تأكيداً .

              -ولذلك لما وضع علماء المنطق وقدماؤهم الأقيسة والصناعات التي يكون بها الخطاب قسموها إلى درجات

              وجعلوا الغالب على القول الذي يقوله جمهور الناس هو القول الخطابي الذي يناسب الضمائر العامة

              بخلاف ما يكون على سبيل تصحيح المدارك وماإلى ذلك فله في ذلك خطاب فوقه وهو مايسمونه بالقياس الجدلي

              وثمة ما هو فوقه وهو ما يسمونه القياس البرهاني المعرف بالحقائق المحكمة .

              وهذا التقسيم وإن كان من حيث الموضوع قد يخالفون فيه لكنه من حيث المعنى الكلي هو تقسيم له وجه من المناسبة والتصحيح .

              -بمعنى أن درجات الخطاب مختلفة

              فإذا تكلم المتكلم أو كتب الكاتب أو عبر المعبر عن مسألة فينبغي أن يعتبر موضوعها ودرجتها من العلم ودرجتها من الأحكام ثم يختار لهذه المسألة الألفاظ التي تناسبها

              ولايختار الألفاظ التي تغلقها والتي تؤكد صحة رأيه وإغلاق رأي غيره أو يضيف عليها من الألقاب والأوصاف ما يدل على إحكام كتابته أو إحكام رأيه أو إحكام كلامه

              فهذا من قلة العقل وعدم تحقيق العلم بل وعدم تحقيق الدين إذا كان هذا في مسائل الديانة

              لإنه يحمل لبسأ بوجه من الوجوه وهو إغلاق النظر واستعطاف القلوب العامية لقبول هذا الخطاب الذي قد يكون الحق على خلافه

              بل غالب من يعبر في مثل هذا لا تجد أن التحقيق يوافقه والصواب يقارنه .

              ولهذا كان عقلاء وحكماء الفقهاء -رحمهم الله - والعقل بمعنى الحكمة والتمام العقلي

              كان حكماء الفقهاء رحمهم الله وبصراؤهم يجتنبون ويتقون ذلك في الاجتهاد فضلاً عن الرأي الذي دون ذلك .

              فأنت ترى الإمام أحمد في كثير من المسائل إنما يعبر بالعبارات المقاربة فإذا سئل عن الإباحة قال ( أرجو أن يكون لابأس به ) ( أخشى ذلك )

              لا تجد أن عبارات القطع غالبة عليه في موارد الاجتهاد ومثله الإمام مالك أو كلام متقدمي العلماء ترى أن عبارات هؤلاء ...

              وهذا من تحقيق الورع في الدين لإنهم يتكلمون في الدين والقطع إنما يناسب القطعيات

              فإذا بينت أصول الدين وقواعد الدين فقل بالكلمة الفصل الصريحة البينة القاطعة المفيدة للعلم المطلق والحكمة المطلقة .

              - وأما إذا تكلم المتكلم في الاجتهاديات أو ما دونها من الرأي فهذه تعبر عنها بالعبارة التي تناسبها .

              وأما تداعي العبارات واختيار الألفاظ المغلِقة لاجتهاد المخالفين وقد يكون المخالف هم سواد الفقهاء أو جمهور الفقهاء أو ما إلى ذلك

              فهذا في الغالب ينشأ عن إشكال في مدارك العقل من صاحبه ومدارك العلم والتحقيق عنده

              لإنه إما أن يكون محيطاً بالحقائق العلمية فتجنبها وهذا لَبس

              أو لا يكون محيطاً فيكون هذا سببه في عدم الإحاطة نقص المدارك إليه أو سوء الفهم في إحاطته أو قصور في البحث عنده

              ولاينفك من حيث المنطق عن هذه الأسباب وجميع هذه الأسباب إذا اعتبرتها وجدتها أسباباً ليست شريفة .

              Comment

              • السليماني
                عضو
                • Oct 2008
                • 350

                #37
                (37)

                قال الشيخ رحمه الله :

                ( وَهَؤُلَاء الَّذين يتبعُون أذواقهم ومواجيدهم من غير اعْتِبَار لذَلِك بِالْكتاب وَالسّنة وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سلف الْأمة فالمخالف لما بعث الله بِهِ رَسُوله من عِبَادَته وَحده وطاعته وَطَاعَة رَسُوله لَا يكون مُتبعا لدين شَرعه الله أبدا كَمَا قَالَ تَعَالَى {ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر فاتبعها وَلَا تتبع أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ * إِنَّهُم لن يغنوا عَنْك من الله شَيْئا وَإِن الظَّالِمين بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالله ولي الْمُتَّقِينَ}. ا.هـــ

                الشرح :

                - ولاترى أن الله ذكر الهوى في مقام إلا ذكره -سبحانه وتعالى - منافياً للعلم لتعلم أن الهوى لايتصل بمحض الإرادة فحسب بل يتصل بالإرادة ويتصل بالعلم ومنه هذه الآية ( ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر فاتبعها وَلَا تتبع أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ )

                فأولئك إنما هم براء من العلم وهذا من أخص أسباب الهوى الذي انتابهم .

                -ولهذا الجهل هو أكبر باعث على الهوى والجهل في حقيقته ليس فحسب هو الجهل بالمدارك بل الجهل بالمدارك نوع من الجهل

                ولهذا كل من عصى الله سبحانه وتعالى فهو جاهل فضلاً عمن خالف ببدعة أحدثها فهو أولى من يوصف بالجهل .

                - أما الدليل على أن كل من عصى الله فهو جاهل من هذا الوجه - أي بمعصيته - فهو قول الله جل وعلا ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ )

                وقد أجمع العلماء قاطبة على أن عصى وهو يعلم المعصية فتاب فتوبته صحيحة مع أن الآية تقول (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ )

                فالجهل هنا هو الجهل بحق الله سبحانه وتعالى ولهذا قال أبو العالية : (سألت أصحاب محمد عن هذه الآية فقالوا لي كل من عصى الله فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ) فهذا هو الجهل الذي ذم الله سبحانه وتعالى أهله ولهذا ولو كان عارفاً فهو جاهل .

                - والعلم أشرف من مجرد الإدراك بل العلم أثر في القلب وأثر في السلوك ولهذا صارت العبادة في دين الرسل جميعاً مبنية على العلم ومامن عبادة إلا وأصلها وقاعدتها العلم وكل عبادة خلت عن العلم فليست عبادة .

                - ولهذا يبين لك بهذا وهم الغلاة من المرجئة بل جماهير المرجئة الذين قالوا إن الأعمال -مايسمونه - الظاهرة ليست داخلة في مسمى الإيمان مع اتفاقهم أن العلم من الإيمان

                مع أنه لا عبادة إلا وهي مبنية على العلم وماهيتها منه وإذا قُدر انفكاك العلم منها لم تكن العبادة التي شرعها الله سبحانه وتعالى .

                Comment

                • السليماني
                  عضو
                  • Oct 2008
                  • 350

                  #38
                  (38)

                  قال الشيخ رحمه الله :

                  ( فالمخالف لما بعث الله بِهِ رَسُوله من عِبَادَته وَحده وطاعته وَطَاعَة رَسُوله لَا يكون مُتبعا لدين شَرعه الله أبدا كَمَا قَالَ تَعَالَى

                  {ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر فاتبعها وَلَا تتبع أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ * إِنَّهُم لن يغنوا عَنْك من الله شَيْئا وَإِن الظَّالِمين بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالله ولي الْمُتَّقِينَ}

                  بل يكون مُتبعا لهواه بِغَيْر هدى من الله قَالَ تَعَالَى {أم لَهُم شُرَكَاء شرعوا لَهُم من الدَّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله} .

                  وهم فِي ذَلِك تَارَة يكونُونَ على بِدعَة يسمونها حَقِيقَة يقدمونها على مَا شَرعه الله وَتارَة يحتجون بِالْقدرِ الكوني على الشَّرِيعَة كَمَا أخبر الله بِهِ عَن الْمُشْركين كَمَا تقدم.)

                  الشرح :

                  -ما يذكره المصنف في كتبه وتراه في هذه الرسالة من أنه إذا ناظر أو بين بعض القول أو بين القول في بعض البدع التي ظهرت إما في مسائل النظر والعلم وإما في مسائل الأحوال والإرادة ربما استدل في بيان خطأ هذه الطريقة أو بطلانها ببعض الآيات التي وردت في كتاب الله في ذكر المشركين أو ذكر من خالف أصل دين المرسلين .

                  فهذا ليس مقصود منه في كلام الشيخ- رحمه الله - أن أولئك البدع من أهل القبلة من المسلمين تكون حالهم مطابقة لحال أولئك المخالفين لأصل دين الرسل .

                  وإنما يبين -رحمه الله - بما يذكره من آيات الكتاب وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بيان أصول الضلال

                  لأن أصول الضلال ليست في اتباع الرسل بل فيمن كذب الرسل فهم أرباب أصول الضلال وهم من كذب المرسلين

                  وليس من آمن بالمرسلين وخالفهم نوع مخالفة .

                  لكن هؤلاء عندهم من الخطأ والانحراف والبدع وماهو من الضلال بقدر لكن الذين بنوا أصول الضلال هم من كذب المرسلين وخالف أصول دين المرسلين .

                  وأنت تعلم أن الله -سبحانه وتعالى - نهى عباده المسلمين من مشاكلة ومشابهة المشركين سواء في مقام الأخلاق والسلوك وفي مقام العلم والنظر ونحو ذلك من باب أولى

                  وهذا داخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم ( من تشبه بقوم فهو منهم ).

                  Comment

                  • السليماني
                    عضو
                    • Oct 2008
                    • 350

                    #39
                    (39)

                    قال الشيخ رحمه الله :

                    ( وَمن هَؤُلَاءِ طَائِفَة هم أعلاهم عِنْدهم قدرا وَهُوَ مستمسكون بِمَا اخْتَارُوا بهواهم من الدَّين فِي أَدَاء الْفَرَائِض الْمَشْهُورَة وَاجْتنَاب الْمُحرمَات الْمَشْهُورَة لَكِن يضلون بترك مَا أمروا بِهِ من الْأَسْبَاب الَّتِي هِيَ عبَادَة ظانين أَن الْعَارِف إِذا شهد الْقدر أعرض عَن ذَلِك مثل من يَجْعَل التَّوَكُّل مِنْهُم أَولدُّعَاء مِنْهُم وَنَحْو ذَلِك من مقامات الْعَامَّة دون الْخَاصَّة بِنَاء على أَن من شهد الْقدر علم أَن مَا قدر سَيكون فَلَا حَاجَة إِلَى ذَلِك وَهَذَا ضلال مُبين.
                    َإِن الله قدر الْأَشْيَاء بأسبابها كَمَا قدر السَّعَادَة والشقاوة بأسبابهما كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: " إِن الله خلق للجنة أَهلا خلقهَا لَهُم وهم فِي أصلاب آبَائِهِم وبعمل أهل الْجنَّة يعْملُونَ وَخلق للنار أَهلا خلقهَا لَهُم وهم فِي أصلاب آبَائِهِم وبعمل أهل النَّار يعْملُونَ " وكما قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أخْبرهُم بِأَن الله كتب الْمَقَادِير فَقَالُوا: يَا رَسُول الله أَفلا نَدع الْعَمَل ونتكل على الْكتاب؟ فَقَالَ: " لَا اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ أما من كَانَ من أهل السَّعَادَة فسييسر لعمل أهل السَّعَادَة وَأما من كَانَ من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة ".
                    َكل مَا أَمر الله بِهِ عباده من الْأَسْبَاب فَهُوَ عبَادَة والتوكل مقرون بِالْعبَادَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى [ظ،ظ¢ظ£ هود] : {فاعبده وتوكل عَلَيْهِ} وَفِي قَوْله [ظ£ظ# الرَّعْد] : {قل هُوَ رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ متاب} وَقَول شُعَيْب عَلَيْهِ السَّلَام [ظ¨ظ¨ هود] : {عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب} .

                    وَمِنْهُم طَائِفَة قد تتْرك المستحبات من الْأَعْمَال دون الْوَاجِبَات فتنقص بِقدر ذَلِك.

                    وَمِنْهُم طَائِفَة يغترون بِمَا يحصل لَهُم من خرق عَادَة - مثل مكاشفة أَو استجابة دَعْوَة مُخَالفَة للْعَادَة وَنَحْو ذَلِك - فيشتغل أحدهم بِهَذِهِ الْأُمُور عَمَّا أَمر بِهِ من الْعِبَادَة وَالشُّكْر وَنَحْو ذَلِك.

                    فَهَذِهِ الْأُمُور وَنَحْوهَا كثيرا مَا تعرض لأهل السلوك والتوجه وَإِنَّمَا ينجو العَبْد مِنْهَا بملازمة أَمر الله الَّذِي بعث بِهِ رَسُوله فِي كل وَقت كَمَا قَالَ الزُّهْرِيّ: كَانَ من مضى من سلفنا يَقُولُونَ: الِاعْتِصَام بِالسنةِ نجاة. وَذَلِكَ أَن السّنة كَمَا قَالَ مَالك رَحمَه الله: مثل سفينة نوح من ركبهَا نجا وَمن تخلف عَنْهَا غرق.

                    وَالْعِبَادَة وَالطَّاعَة والاستقامة وَلُزُوم الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَنَحْو ذَلِك من الْأَسْمَاء مقصودها وَاحِد وَلها أصلان:

                    أَحدهمَا أَن لَا يعبد إِلَّا الله.

                    وَالثَّانِي أَلا يعبده إِلَّا بِمَا أَمر وَشرع لَا يعبده بِغَيْر ذَلِك من الْأَهْوَاء والظنون والبدع قَالَ تَعَالَى [ظ،ظ،ظ# الْكَهْف] : {فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا} وَقَالَ تَعَالَى [ظ،ظ،ظ¢ الْبَقَرَة] : {بلَى من أسلم وَجهه لله وَهُوَ محسن فَلهُ أجره عِنْد ربه وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ} وَقَالَ تَعَالَى [ظ،ظ¢ظ¥ النِّسَاء] : {وَمن أحسن دينا مِمَّن أسلم وَجهه لله وَهُوَ محسن وَاتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا} .

                    فَالْعَمَل الصَّالح هُوَ الْإِحْسَان وَهُوَ فعل الْحَسَنَات والحسنات هِيَ مَا أحبه الله وَرَسُوله وَهُوَ مَا أَمر بِهِ أَمر إِيجَاب أَو اسْتَجَابَ.

                    فَمَا كَانَ من الْبدع فِي الدَّين الَّتِي لَيست فِي الْكتاب، وَلَا فِي صَحِيح السّنة، فَإِنَّهَا - وَإِن قَالَهَا من قَالَهَا، وَعمل بهَا من عمل - لَيست مَشْرُوعَة؛ فَإِن الله لَا يُحِبهَا وَلَا رَسُوله، فَلَا تكون من الْحَسَنَات وَلَا من الْعَمَل الصَّالح. كَمَا أَن من يعْمل مَا لَا يجوز، كالفواحش وَالظُّلم لَيْسَ من الْحَسَنَات وَلَا من الْعَمَل الصَّالح.

                    وَأما قَوْله [ظ،ظ،ظ# الْكَهْف] : {وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا} وَقَوله [ظ،ظ،ظ¢ الْبَقَرَة] {أسلم وَجهه لله} فَهُوَ إخلاص الدَّين لله وَحده وَكَانَ عمر بن الْخطاب يَقُول: اللَّهُمَّ اجْعَل عَمَلي كُله صَالحا واجعله لوجهك خَالِصا وَلَا تجْعَل لأحد فِيهِ شَيْئا.

                    ----------------------------------------------------------------

                    الشرح :

                    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ( َمن هَؤُلَاءِ طَائِفَة هم أعلاهم عِنْدهم قدرا وَهُوَ مستمسكون بِمَا اخْتَارُوا بهواهم من الدَّين فِي أَدَاء الْفَرَائِض الْمَشْهُورَة وَاجْتنَاب الْمُحرمَات الْمَشْهُورَة لَكِن يضلون بترك مَا أمروا بِهِ من الْأَسْبَاب الَّتِي هِيَ عبَادَة ....) إلى آخر ما قرئ وسمعتم من قراءة الشيخ وفقه الله .

                    -المصنف رحمه الله يبين الدرجات التي عليها الصوفية في هذه المسائل وقد بين طريقة الغلاة من قبل وبعد ذلك بين طريقة من هم متوسطون في هذه الحال .

                    وبين ذلك هذه الطريقة التي أصحابها يستمسكون بالدين أي الفرائض ويترك المحرمات ولكن غلطهم فيما ذكره المصنف من جهة تركهم للأسباب .

                    وهم على وجه من التوهم الذي هم غالطون فيه مخالفون للشرع والعقل أيضاً .

                    - من حيث التوهم بأن السبب اقتضاؤه ينافي التوكل على الله سبحانه وتعالى واليقين وما إلى ذلك وهذا الوهم الذي يعرض لهؤلاء أسقطوا به الأسباب أو استصحاب الأسباب وهم في ذلك مخالفون للشريعة لأن الأسباب على وجهين :

                    1) إما أسباب شرعية كأن تقول الأعمال الصالحة هي سبب لدخول الجنة وهذه الأسباب لا يصح تعطيلها .

                    2) وإما أسباب قدرية كونية فهذه الأسباب قضى الله سبحانه وتعالى أمرها وجعلها سنة في كونه ومضى بها قدر الله سبحانه وتعالى ومع ذلك فهذه الأسباب الكونية لتختص وحدها ولايصاحبها التأثير من جهة انفكاكها عن أمر الله سبحانه وتعالى وما إلى ذلك .

                    - ولذلكم فإن الأسباب تنزل بما نزلتها الشريعة من الصفة والقدر والناس بهذا كما يذكر المحققون من أهل العلم على طرفين ووسط :

                    1) منهم الغلاة في الأسباب .( الإفراط بها )

                    2) ومنهم الغلاة في ترك الأسباب وتعطيلها .( التفريط فيها )

                    3) أهل العدل والاعتدال وأهل القسط والشريعة الذين هم على علم بمقتضى الشرع ودلائله وما جعلت الشريعة في ذلك .

                    - وتجد أن هؤلاء الذين أشار لهم المصنف قد يتركون مقامات من الدعاء اعتباراً بما مضى به القدر وهذا وهم

                    فإن قدر الله سبحانه وتعالى متعلق بجميع حال المكلف فما من فعل من أفعال المكلف إلا وهو متعلق بها قدر الله

                    ولايفعل الإنسان شيئاً لا خيراً ولاشراً إلا وقد مضى به القضاء والقدر من الله سبحانه وتعالى علماً ومشيئة وتدبيراً وما إلى ذلك من مقامات القدر

                    وإن كان الله سبحانه وتعالى حرم أوجه الشر أو أوجه الفساد والمعصية وهذا متعلق آخر .

                    - وبين بعد ذلك رحمه الله ما جاء في نصوص الشريعة كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( إِن الله خلق للجنة أَهلا خلقهَا لَهُم وهم فِي أصلاب آبَائِهِم )

                    فهذا يتوهم من يتوهم- بعض أهل البدع الذين سلكوا تلك الطريقة - من تعطيل الأسباب الشرعية أو ماهوا منها يستعملون هذه الأدلة ويتوهمون أنها موافقة لمقصودهم وهي مناقضة لمقصودهم

                    فإن النبي صلى الله عليه وسلم هنا يخبر عن أمر الرب وقضائه - عن أمر الله الكوني - والله سبحانه وتعالى - قضى للجنة خلقاً وهم في أصلاب آبائهم وعلم الله سبحانه وتعالى أمرهم

                    ذلكم لأن من أصول القدر بل أخص أصوله الجامعة هو العلم ولذك كان الإمام أحمد وأمثاله يقول ( ناظروهم بالعلم فإن أنكروه كفروا وأن أقروا به خصموا )

                    فهو أصل جامع أي أن الله كتب أهل الجنة وكتب أهل النار لعلم الله سبحانه وتعالى وإحاطته بما سيكون من أحوال عباده .

                    وليس أن الأعمال التي يفعلها العباد من التوحيد والصالحات أو من الشرك والموبقات أنها لم تجعل أسباباً لثواب الله وعقابه أو لرضاه أو غضبه

                    فهذا مناقض لجميع دين الأنبياء

                    فإن يعلم أن الدين والاستجابة والتوحيد والطاعة توجب رضا الله وأن الكفر والشرك يوجب غضب الله سبحانه وتعالى .

                    - وبعد ذلك بين المصنف طائفة أخرى بقوله ( وَمِنْهُم طَائِفَة قد تتْرك المستحبات من الْأَعْمَال دون الْوَاجِبَات فتنقص بِقدر ذَلِك.) وهم المفرطون في المستحبات على دعوى التوكل على ما قضى الله وقدره أو على دعوى شهود مقام الربوبية والتسليم المطلق لأمر الله .

                    فكل هذه المادة هي في أصلها كما سبق مادة واحدة ولكنهم اتخذوها على درجات وكلها مادة باطلة مخالفة للشريعة فإن أصدق الخلق وهو النبي صلى الله عليه وسلم لتحقيق مقام العبودية أتى صلى الله عليه وسلم وحفظ ما شرع الله سبحانه وتعالى من الواجب والمستحب ولهذا كان أكمل الخلق في عبادته لله جل وعلا .

                    - ثم بين المصنف أن الأسماء الشرعية متفقة فقال ( وَالْعِبَادَة وَالطَّاعَة والاستقامة وَلُزُوم الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَنَحْو ذَلِك من الْأَسْمَاء مقصودها وَاحِد )

                    والخلاف بينهما :

                    1) أما ان يكون خلافاً لفظياً تارة . 2) وإما يكون خلاف تنوع تارة أخرى .

                    بحسب تفسيرها فقد تفسر بما يقتضي كونها من الخلاف اللفظي وقد تفسر بما يقتضي كونها من خلاف التنوع لكن لا يصح بحال أن تفسر بما يقتضي كأنها من خلاف التضاد .

                    - ولذلك أذا فسرت بما هو من الخلاف اللفظي صارت مطابقة وإذا فسرت بما هو من خلاف التنوع صارت من المعاني التي يصدق بعضها بعضاً

                    ولاتفسر بحال بما هو من خلاف التضاد وهذا مطرد في الأسماء الشرعية .

                    - إلا أن بعض أهل البدع قد يأخذ اسماً من الأسماء الشرعية ويحمله على ماهو من خلاف التضاد ويكون استعماله وأخذه منازع في أصله

                    كما أخذت المعتزلة العدل - وهو من الأسماء الشرعية - فجعلته دالاً في أصولها على مسألة خلق أفعال العباد وأن الله لم يخلق أفعال العباد ولم يردها ولم يشأها إلى غير ذلك من الأصول القدرية في كلام المعتزلة سموا هذا باسم جامع في أصولهم وهو اسم العدل .

                    وإذا نظرت العدل على معنى الشريعة أو نظرت القدر على معنى الشريعة فهو مخالف لأصول المعتزلة لفظاً ومعنى .

                    فلما كان كذلك عُلم بأن استعمالهم لهذا الاسم الشرعي مما ينازعون في أصله فضلاً عن نتائجه .

                    Comment

                    • السليماني
                      عضو
                      • Oct 2008
                      • 350

                      #40
                      (40)

                      قال الشيخ رحمه الله :

                      ( وَلها أصلان:

                      أَحدهمَا أَن لَا يعبد إِلَّا الله.

                      وَالثَّانِي أَلا يعبده إِلَّا بِمَا أَمر وَشرع لَا يعبده بِغَيْر ذَلِك من الْأَهْوَاء والظنون والبدع )

                      -------------------

                      الشرح :

                      -أي العبادة أو العبودية لها أصلان شريفان :

                      الأصل الأول : (أَن لَا يعبد إِلَّا الله ) وهو الإخلاص .

                      الأصل الثاني : أن يعبد الله سبحانه وتعالى بما شرع ( لا بغير ذَلِك من الْأَهْوَاء ) فكل ما يقابل ما شرع الله فهو بدعة

                      كل ما يقابل المشروع فهو المبتدع والمحدث في الدين .

                      -لكن المشروع منه ما يكون محكماً في مشروعيته ومنه ما يدخله مادة من الاجتهاد المعتبر وهو الذي مدح صاحبه كما في حديث عمرو بن العاص المتفق عليه ( إذا حكَم الحاكمُ فاجتَهَد ثمَّ أصاب فله أجرانِ وإذا حكَم فاجتَهَد ثمَّ أخطأ فله أجرٌ)

                      فهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الاجتهاد المعتبر وهو الاجتهاد حيث لا يوجد الدليل الموجب الصريح أو البين وإنما يكون في المسألة مادة من الاستنباط وهذه الأوجه من الاستنباط هي التي وقع فيها اجتهاد الفقهاء من الصحابة ومن بعدهم كاجتهاد الأئمة الأربعة والمدارس الفقهية في فروع الشريعة

                      وأما في أصول الشريعة فهذه ليست من ذلك البتة .

                      -ولهذا كان السلف رحمهم الله يسمون من يخالف الأصول من أهل البدع ولايسمون من يخالفهم من أصناف الفقهاء فلاتجدنهم يسمي بعضهم بعضاً بذلك أو يسمي أقوالهم بذلك يل يجعلون أقوالهم من أقوال أهل العلم وينقلها أهل العراق عن أهل المدينة وينقل أهل الشام عن أهل مصر وما إلى ذلك

                      كلها أقوال معتبرة مادامت أنها للأصول التي حُفظت عن السلف رحمهم الله من كبار أئمة الفقهاء والاجتهاد كالاجتهاد الذي مضى في أصول الأئمة الأربعة في فروض الشريعة .

                      - ولهذا لم ينصب خلاف بينهم في أصول الدين لإن أصول الدين متفقة ليست محلاً لذلك .

                      - المقصود أن المصنف بين الأصلين الجامعين في العبادة وتحقيقها وهو :

                      الأصل الأول ( أَن لَا يعبد إِلَّا الله ) وهو الاخلاص لله

                      والأصل الثاني : أن يعبد الله بماشرع .

                      -والأصل الأول متعلق بالعلم والقصد والأصل الثاني متعلق بالعلم والفعل .

                      والعبادة في ركنها مركبة منهما ولذلك لا تكون العبادة بجهل البتة حتى أبلغ المسلمين عامية عنده ولابد قدر من العلم فإنه إذا عرف أن صلاة الظهر أربع ركعات وصلاها كذلك وصلى العصر على صفتها فهذا وجه من العلم ولابد وإذا يعرف ما يكون بعد تكبيرة الإحرام فهذا وجه من العلم

                      فلايتصور أن العبادة تخفى على الجاهل المطلق لكن هم في العلم درجات .

                      -وأن لا يعبد الله إلا بماشرع وهذا يغلق باب البدع وهو باب كثرت الشبهات عند المتأخرين وكثرة الشبهات لم تأت من جهة مناقضة للأصل وإنما من جهة التوهم في المقصود بالمشروع وغير المشروع فتوهم كثير من المتأخرين وبعض العامة بعض البدع توهموها من باب المشروعات .


                      - ومن سبب ذلك ما يتكلم به بعض المبطلين في القول الذي يزينون بعض البدع فهذا التزيين على وجه من الغلو أو التعصب أو ما إلى ذلك من الأسباب يُفوت على عموم المسلمين مقام العلم والتحقيق والنور والهدى وإلا فقواعد الشريعة واضحة .

                      - ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم لم يقع عندهم بدع وحتى الذين أسلموا بين يدى النبي صلى الله عليه وسلم وهم حدثاء العهد وربما رجعوا إلى باديتهم وما إلى ذلك لم يكن يظهر فيهم البدع وذلك أنهم مستمسكون بالأصل والدين يسر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن هذا الدين يسر ) كما جاء في صحيح البخاري وغيره

                      وما جعل الله فيه حرجاً كما قال الله تعالى ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )

                      هذا يبين لك أن الشبهات التي صارت سبباً لكثير من البدع في الأقوال والأعمال والتصورات سببها هو هذه المادة من عدم تحقيق الإخلاص لله سبحانه وتعالى

                      وعدم تحقيق الاتباع لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فإن الهدي بين وقواعد العلم بينة ولهذا لم تشتبه على الصحابة رضي الله عنهم .

                      Comment

                      • السليماني
                        عضو
                        • Oct 2008
                        • 350

                        #41
                        (41)

                        قال الشيخ رحمه الله :

                        (قَالَ الفضيل بن عِيَاض فِي قَوْله تَعَالَى [ظ§ هود، ظ¢ الْملك] : {ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا} قَالَ: أخلصه وأصوبه قَالُوا: يَا أَبَا عَليّ مَا أخلصه وأصوبه؟ قَالَ: إِن الْعَمَل إِذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل وَإِذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص أَن يكون لله وَالصَّوَاب أَن يكون على السّنة.)

                        -------------


                        الشرح :

                        -هذا من تحقيق دلالة الآية وعلى كل تقدير فماذكر عن الفضيل بن عياض رحمه الله معروف عن سائر السلف وهذا أصل محكم مستقر في القرآن

                        ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) فبين الله فيه الإخلاص بالأمر وقوله ( وَمَا أُمِرُوا ) هذا يبين أن الدين أمر وتشريع ( وَمَا أُمِرُوا) هذا يجمع أصل الأمر .

                        - وبين بعد ذلك أن جميع ما أمروا به لابد أن يكون خالصاً لله سبحانه وتعالى ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )

                        فهذه الآية جمعت الأصلين وغيرها كثير لا يحصى في القرآن تبين حقيقة التوحيد وهو العلم بالله وإخلاص الدين له سبحانه وتعالى والاتباع لماشرع الله جل وعلا

                        ومايضاد ذلك من البدع والمحدثات التي اشتغل بها بعض المسلمين وتركوا عنها أو بها أو فاتهم بسببها كثير من السنن التي كان عليها السلف الأول .

                        - ولهذا ينبغي للمسلم أن يحرص على السنة وعلى الاتباع وأن يعرف أن عبادة الله لا تكون إلا بماشرع الله جل وعلا

                        وماشرعه الله بين في القرآن وفي كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وإذا اشتبه عليه أمر فيقتدي بأئمة العلم فهل هذا مما أقره أئمة العلم أو لم يقروه ؟

                        وأئمة العلم هم الصحابة رضي الله عنهم ومن سلك طريقهم واتبعهم بإحسان من أئمة التابعين كالإمام مالك وأبي حنيفة والشافعي والإمام أحمد .

                        -أما الأقوال المتأخرة والعارضة التي ليس لها سلف في كلام أئمة الإسلام أو في كلام الصحابة رضي الله عنهم فلايمكن أن تكون هذه هي المناط في تحقيق ما شرع الله لعباده .

                        قوله ( وَإِذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص أَن يكون لله وَالصَّوَاب أَن يكون على السّنة.)

                        - والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة .

                        Comment

                        • السليماني
                          عضو
                          • Oct 2008
                          • 350

                          #42
                          (42)

                          قال الشيخ رحمه الله :

                          ( وَقَالَ الفضيل بن عِيَاض فِي قَوْله تَعَالَى [ظ§ هود، ظ¢ الْملك] : {ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا} قَالَ: أخلصه وأصوبه قَالُوا: يَا أَبَا عَليّ مَا أخلصه وأصوبه؟ قَالَ: إِن الْعَمَل إِذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل وَإِذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص أَن يكون لله وَالصَّوَاب أَن يكون على السّنة.

                          فَإِن قيل: فَإِذا كَانَ جَمِيع مَا يُحِبهُ الله دَاخِلا فِي اسْم الْعِبَادَة فلماذا عطف عَلَيْهَا غَيرهَا كَقَوْلِه فِي فَاتِحَة الْكتا{إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين} وَقَوله لنَبيه [ظ،ظ¢ظ£ هود] : {فاعبده وتوكل عَلَيْهِ} وَقَول نوح [ظ£ نوح] : {اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} وَكَذَلِكَ قَول غَيره من الرُّسُل؟

                          قيل: هَذَا لَهُ نَظَائِر كَمَا فِي قَوْله [ظ¤ظ¥ العنكبوت] : {إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر} والفحشاء من الْمُنكر وَكَذَلِكَ قَوْله [ظ©ظ# النَّحْل] : {إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي} وإيتاء ذِي الْقُرْبَى هُوَ من الْعدْل وَالْإِحْسَان كَمَا أَن الْفَحْشَاء وَالْبَغي من الْمُنكر وَكَذَلِكَ قَوْله [ظ،ظ§ظ# الْأَعْرَاف] : {وَالَّذين يمسّكون بِالْكتاب وَأَقَامُوا الصَّلَاة} وَإِقَامَة الصَّلَاة من أعظم التَّمَسُّك بِالْكتاب وَكَذَلِكَ قَوْله عَن أنبيائه [ظ©ظ# الْأَنْبِيَاء] : {إِنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات ويدعوننا رغبا ورهبا} ودعاؤهم رغبا ورهبا من الْخيرَات وأمثال ذَلِك فِي الْقُرْآن كثير.

                          وَهَذَا الْبَاب يكون تَارَة مَعَ كَون أَحدهمَا بعض الآخر فيعطف عَلَيْهِ تَخْصِيصًا لَهُ بِالذكر لكَونه مَطْلُوبا بِالْمَعْنَى الْعَام وَالْمعْنَى الْخَاص.)

                          ---------------------------------------------

                          الشرح :

                          -هذا الأثر الذي قاله الفضيل بن عياض رحمه الله وهو من العباد والصالحين وأهل العلم المعتبرين وله كلمات مأثورة وإن كان قد زيد عليه في النقل كثيراً في كتب الصوفية فنسب إليه مقالات ليست من قوله .

                          - ويعلم من حاله رحمه الله أنه إمام على السنة والهدي الذي عليه الصحابة رضي الله عنهم .

                          -ولكن هنا قاعدة شرعية تسلك وهي مسألة الإثبات وثبوت النقل عن فلان من العلماء أو العباد أو غيرهم فيقال العبرة بما جاء به دليل الشريعة
                          فالعبرة والمستند والذي بحتج به دليل الشريعة من كلام الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم

                          وهذا يقصد به الإشارة إلى أن له كلمات ليست وفق ما جاء في الكتاب والسنة ولكن قد نسب إليه وإلى غيره من العباد وأهل الأحوال والسلوك مقالات في بعض كتب الصوفية مخالفة لما جاء في كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم .

                          وهذه لا تثبت ولكن لو أن أحداً تكلف إثباتها أو ادعى أنها ثابتة فإن لدينا قاعدة سابقة لهذه القاعدة العلمية التي تتحدث عن الإثبات والنفي والإسناد والانقطاع والاتصال وهي قاعدة ميزان الشريعة وهو الكتاب والسنة وكل أحد فهو محكوم بالكتاب والسنة .

                          وعليه فالعبرة بما جاء في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

                          - وهذا يعطي طالب العلم المتبع للسنة منهجاً وهو أن باب السلوك والأحوال والتعبد لله سبحانه وتعالى يعتبر بكلمات الكتاب والسنة ففي كتاب الله من الوعظ وبيان الحق ومنهج الحق والشريعة التامة والهدي التام في عبادة الله سبحانه وتعالى والنسك له جلا وعلا مالا يقدر قدره في نظر الباحثين والبصراء وأهل الأحوال وأهل السلوك ولايحيط به أحد منهم .

                          - كل من حقق وجهاً صحيحاً من فاضل القول في باب السلوك والأحوال من العبّاد والصالحين وأرباب السلوك فهؤلاء إنما أصابهم هذا النور من نور القرآن أي بما اهتدوا به من آيات كتاب الله التي فيها ذكر العبودية وأوجه تحقيق العبادة لله والاستعانة به والتوكل عليه والاخبات لوجهه الكريم والخشوع له وغير ذلك .

                          - وهذه السعة المتضمنة في كتاب الله مقَصر في تحقيقها وأنت ترى علماء الفقه رحمهم الله التمسوا الأحكام وفقهوا الأحكام مما سماه بعض أهل العلم من المتأخرين بآيات الأحكام مع أن هذه التسمية فيها نظر ولايوجد في القرآن آيات تخص بأنها هي آيات الأحكام وحدها بمعنى أن غيرها ليسي داخلاً في آيات الأحكام

                          لأن طريقة دلالة القرآن على الأحكام واسعة ولكن من قصر نظره لا يرى في آيات الأحكام إلاماصرح بذكر الحكم المعين مثل قوله تعالى ( وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا )
                          ومثل قوله تعالى (ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ... الآية )

                          فهذه لاشك أنها آيات أحكام ولكن البحث ليس في هذا البحث في قصر الأحكام على نوع من الآيات تسمى آيات الأحكام .

                          ومثله في الأحاديث فيقال أحاديث الأحكام وهذا اذا استعمل على معنى الصريح في الحكم ولايقصد به الإغلاق ولايؤول إلى حال من الإغلاق
                          فإن القصد ينتفي ولكن الحال لا تنتفي فاتقاء القصد سهل ولكن اتقاء الحال ليس كذلك .

                          -ولذلك لم يعرف عند الصحابة - رضي الله عنهم - هذا التخصيص وترى أن سياق القرآن ينافي هذا التخصيص؛ ولهذا ليس هنالك سور جمعت فقط الأحكام، وسور أخرى جمعت القول في اليوم الآخر، وسور أخرى جمعت قصص الرسل، وسور أخرى جمعت المعاملات، وسور جمعت العبادات على أوجه من الاختصاص ، بل ترى في سياق كتاب الله من ذكر الأحكام على وجه هو من كمال كتاب الله وبلاغته وإعجازه؛ لأنه من عند رب العالمين - سبحانه وتعالى-.

                          -فهذا التمام الذي تراه بكتاب الله ينبغي أن يقدر قدره وأن تميز الآيات المصرحة بالحكم على قدر من ترتيب العلم فقط، لا على جهة التخصيص؛ لأن هذا يؤول إلى قطع بعض الأوجه من الاستدلال الصحيح من القرآن عن مقتضى الأحكام.

                          -ولذلك الفقيه يرى في كثير، بل في عامة آيات القرآن يرى فيها أوجها من الحكم، وهذا يختلف باختلاف نفس المجتهدين وعارضة العلم التي لديهم في فقه القرآن وعلمهم باللغة وقواعد الشريعة، إلى غير ذلك.

                          -فالمقصود أن هذا التخصيص الذي قال به بعض العلماء، ثم صارت البحوث المعاصرة تتجه له وتقيده أكثر، وصار بعضهم يقول: هذه آيات الأحكام، ويخصصون آيات معينة لما رأوا بعض الحفاظ في السنة قد جمعوا أحاديث كبلوغ المرام وغيرها، فهذه في جملة من الأحكام، لكن ليست على سبيل جمع الأحكام أجمع.

                          -لذلك؛ من فقه السلف كالإمام البخاري رحمه الله، أنه ربما أورد في صريح الأحكام، كالزكاة أو الصيام أو المعاملات التي هي في أبواب الفقه المعروفة عند الفقهاء، تجد أنه يورد فيها من الروايات المخرجة عنده في الصحيح ما أصله في السير أو المغازي أو ما إلى ذلك؛ لأن الأحكام هنا لها نظام واسع من الفقه.

                          -وأنت تعرف في أدلة الشريعة الأصولية سعة طرق الاستدلال وسعة الأدلة، ولا سيما في هذا الباب وهو باب فروع الشريعة والأحكام العملية
                          وعليه، فمثل هذا التخصيص وإن استحسن لدى البعض شكله من حيث الترتيب، لكنه لا ينتظم

                          -وفوق ذلك من بالغ وصار يسمي لآيات الأحكام في كل باب من الآيات، فيقول: الآيات المتعلقة بالعبادات بأحكام مباني الإسلام الأربعة، وهي الصلاة والصيام والحج والزكاة، فيقول: آيات العبادات الأربع كذا، ويسمي عددا، وآيات المعاملات المادية كذا، ويسمي عددا، وآيات الحقوق أو الأحكام السلطانية هي كذا، ويسمي عددا، وآيات ذلك الباب من الأبواب التي يصفها، ويسمي عددا.

                          فهذه طريقة وهمية لا تصح ولا تليق بنبوة نبي، فضلا عن كتاب الله ونبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ؛ لأن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- أوتي جوامع الكلم

                          وقوله عليه الصلاة والسلام فيه من النور والهدى وسعة الدلالة على الأحكام ما لا يمكن ضبطه بتقدير باحث أو نحو ذلك؛

                          ولهذا تفاوت العلماء في فقه هذه الشريعة كتابا وسنة.

                          وفوق ذلك يقال في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو كلام الله -سبحانه وتعالى-

                          فالمقصود أن كلام الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو لا ينطق عن الهوى - عليه الصلاة والسلام - يصان عن مثل هذه التصانيف والتراتيب الضيقة التي تضيق الفقه في القرآن.

                          ولذلك صار بعض يقول: ويعلم المشاهد آيات الأحكام !

                          ما هي آيات الأحكام؟ من قال إن هذه الآية تدل على الحكم وهذه الآية تدل على الحكم ؟ ألست ترى أن الأحكام ترتبط بالقواعد وبالمقاصد وبالأصول وبعلوم شتى كلها ترتبط بأحكام المعاملات والعبادات.

                          -ولذلك؛ علم التشريع لما كتبه علماء المسلمين ارتبط بعدة علوم، ما ارتبط بالفقه وحده، ارتبط بالفقه، وارتبط بعلم أصول الفقه، وعلم مقاصد الشريعة، وعلم القواعد الفقهية، وعلم التخريج الفقهي، وله اتصال بعلوم أخرى مراعاة في أحوال المجتهد، أو يراعيها المجتهد في اجتهاده في أحوال المكلفين.

                          -فإذا كان كذلك، فكتاب الله واسع من جهة الاستدلال، وإنما العبرة بأن يكون هذا الاستدلال على وفق القواعد المعتبرة في العلم التي حفظت عن سلف هذه الأمة وكتبت فيها صنف في علوم الشريعة وقواعد الاستدلال فيها.

                          المقصود هنا في باب الأحوال: أن هذا الباب من علم الشريعة توسع فيه وفي تحقيقه، وحسن تحقيقه في الجملة بكثرة ما كتب في علم الفقه وفي علوم الشريعة المتصلة بعلم الفقه، كعلم الأصول الذي هو مقدمته، وكذلك علم القواعد... إلى آخره

                          -ولكن إذا جئت في باب التعبد والسلوك والأحوال، وجدت في هذه الكتب المعنية بذلك كثرة الكلمات المروية عن العلماء أو عن آحاد العباد، والاستئناس بهذه الكلمات الصالحة من كلمات الصالحين والاستشهاد بها حسن في ذاته.

                          ولكن إذا زادت وصار أكثر ما يسمعه السالك في هذا الباب هي تلك الكلمات، وكأنها معيار التعبد، ويكون فقهه وعلمه بما تضمنه كتاب الله - سبحانه وتعالى - قاصرا وناقصاَ فهذا من فوات الفقه الصحيح.

                          ولهذا؛ لما غلب على كثير من الناظرين في السلوك والتعبد تلك الكلمات، وصارت أشبه ما تكون بالمعيار عندهم؛ ضعف نظام تعبدهم وطريقة تعبدهم، وقصرت عن طريقة التحقيق البالغة الشرعية التي كان عليها الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - الذين فقهوا عبادتهم لربهم سبحانه وتعالى - من كتاب الله .

                          فخير ما يؤخذ منه التعبد منهجا وسلوكا، وطريقة وتصفية للنفس وتزكية لها، وترتيباً لمدارك النفس ... وما إلى ذلك، خير ذلك وأصدقه كما هو بدهي: هو القرآن.

                          -ولذلك ينبغي للمسلم أن يلزم كتاب الله في حال سيره إلى الله وسلوكه إلى الله سبحانه وتعالى، متعبدا وبه بإخلاص الدين، وبمحبة الله، وبتحقيق الخشوع له، وباتقاء غضبه وسخطه سبحانه وتعالى، والإقبال على ما يرضي وجهه الكريم -جل وعلا، ويستأنس بكلمات الصالحين والعباد والبصراء في التعبد، فإن لهم كلمات فيها من النور والخير الشيء الكثير .

                          -ولكن لا ينبغي أن يغلب ذلك، بل غالب حال المسلم يكون مستنيرا بالنص، ويكون ما يتبعه من ذلك هو من بيانه وتفسيره، وما يسبق به أولئك البصراء والعباد والصالحون من نور القرآن، وإلا فكتاب الله فيه الكفاية وفيه التمام، ولكن المسلم يحتاج إلى أهل الاقتداء من أولئك الصالحين والعباد الصادقين الذين استفاض عند الأمة صلاحهم -ويحسبونها هكذا والله حسيب عباده- لكن لهم من مقامات الديانة والعلم والتحقيق كلمات نافعة، وإشارات بالغة في التعبد.

                          فهذه يستأنس بها، وهي من شواهد الإيمان الذي يلقيه الله - سبحانه وتعالى - في قلوب عباده الصالحين.

                          -فالمقصود أن هذه الكلمة للفضيل من فاضل الكلمات، لكن بين في كتاب الله هذا المعنى: أن العمل يُراد أن يكون خالصا وأن يكون صوابا، والإخلاص هو مقام الإرادة الأول، والصواب هو مقام الاتباع الأول .

                          -ثم أورد المصنف - رحمه الله - ما يقع من العطف في قوله: ï´؟إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ [الفاتحة: ظ¥]، مع أن الاستعانة من عبادة الله وبين أن هذا معروف في القرآن، وهو كذلك، وهو معروف في لغة العرب، وهو ما يعرف بعطف الخاص على العام.

                          وقد يقع ذلك على سبيل التنوع كما في الوجه الآخر الذي أشار إليه، فإذا اجتمع الاسمان اختص كل واحد منهما تنوعًا بوجه دون الآخر، كقول الله سبحانه: ï´؟إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ï´¾ ،


                          فالفقير درجة والمسكين هنا درجة وأما إذا ذكر المسكين وحده في سياق دخل فيه الفقير كقوله جل وعلا ( إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ )

                          فيدخل في ذلك من كان فقيراً من باب أولى .

                          Comment

                          • السليماني
                            عضو
                            • Oct 2008
                            • 350

                            #43
                            (43)

                            قال الشيخ رحمه الله :

                            (وقد قيل: إن الخاص المعطوف على العام لا يدخل في العام حال الاقتران، فلا يكون من هذا الباب. والتحقيق أن هذا ليس لازما،

                            قال تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا الله وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ï´¾ [البقرة: غ¹غ¸]،

                            وقال تعالى: ï´؟وَإِذْ أَخذنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذنا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ï´¾ [الأحزاب: ظ§).

                            وذكر الخاص مع العام يكون ثباتًا متنوعًا تارة لكونه له خاصية ليست السائر أفراد العام، كما في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى).

                            -لأنهم أولي العزم من الرسل

                            (وتارة لكون العام فيه إطلاق قد لا يفهم منه العموم، كما في قوله: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (غ²) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَï´¾ )

                            الشرح :

                            -كون بيانا وتفسيرا للعموم

                            (فقوله: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِï´¾ [البَقَرَة: ظ£] يتناول الغيب الذي يجب الإيمان به، لكن فيه إجمال، فليس فيه دلالة على أن من الغيب ما أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) [البَقَرَة: ظ¤]. وقد يكون المقصود أنهم يؤمنون بالمخبر به وهو الغيب، وبالإخبار بالغيب وهو بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ï´¾

                            ومن هذا الباب قوله تعالى: ï´؟اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ [العنكبوت: ظ¤ظ¥]، وقوله: ï´؟وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَï´¾

                            وتلاوة الكتاب هي اتباعه كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: ï´؟الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِï´¾ [البقرة: ظ،ظ¢ظ،]

                            قال: يحللون حلاله ويحرمون حرامه، ويؤمنون بمتشابهة ويعملون بمحكمه.

                            فاتباع الكتاب يتناول الصلاة وغيرها، لكن خصها المذكورة لمزيتها، وكذلك قال الموسى: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه: ظ،ظ¤]

                            وإقامة الصلاة لذكره من أجل عبادته.

                            وكذلك قوله تعالى: (اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) [الأحزاب: ظ§ظ#]، وقوله: ï´؟اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة [المائدة: ظ£ظ¥]،

                            وقوله: (اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: ظ،ظ،ظ©].


                            فإن هذه الأمور هي أيضًا من تمام تقوى الله، وكذلك قوله: ï´؟فَاعْبُدُهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ï´¾ [هود: غ±غ²غ³]

                            فإن التوكل والاستعانة هي من عبادة الله، لكن خصت بالذكر ليقصدها المتعبد بخصوصها، فإنها هي العون على سائر أنواع العبادة؛ إذ هو سبحانه لا يعبد إلا بمعونته إذا كان هذا، فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته الله، وواقع العبد تحقيقا للعبودية وواقع كماله وعلته درجته، ومن توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه، أو أن يخرج عنها أكمل؛ فهو من أجهل الخلق وأضلهم،


                            قال تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عباد مكرمون (ظ¢ظ¦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَï´¾ [الأنبياء: ظ¢ظ¦ ، ظ¢ظ§] إلى قوله: ï´؟وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَï´¾ [الأنبياء: غ²غ¸]، وقال تعالى: ï´؟وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (غ¸غ¸) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِداً) [مريم: غ¸غ¸، غ¸غ¹]

                            إلى قوله : (إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (غ¹غ³) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدهم عَداً (ظ©ظ¤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) [مريم: غ¹غ³ - ظ©ظ¥]،

                            وقال تعالى في المسيح إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف: ظ¥ظ©]،


                            وقال تعالى: ï´؟وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (غ±غ¹) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتَرُونَ) [الأنبياء: غ±غ¹ ، غ²غ°]،

                            وقال تعالى لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا اللَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) [النساء: ظ،ظ§ظ¢]

                            إلى قوله: ï´؟وَلَا يَجِدُونَ لهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهُ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) [النساء: غ±غ·غ³]).

                            الشرح :

                            إذا هذه الآيات التي ساقها المصنف رحمه الله - في هذا المقام، وبين ما في عطف الخاص على العام من مقاصد الشريعة، وهذا كثير في القرآن، ويكون فيه من أوجه الدلالات

                            كدلالته على امتياز هذا الخاص الذي عطف على العام.

                            أو يكون فيه من البيان للعام... إلى غير ذلك

                            و من تحقيق المصنف - رحمه الله - أن هذه الآيات التي يستشهد بها في رسالته يمضيها على وجهه الذي وردت به، بمعنى لا يشرع في توجيه أو بيان معناها بالدلالات القاصرة عن كمالها.

                            وهذا ليبين أن التعبد لله - سبحانه وتعالى - يكون بما في القرآن وبهدي القرآن.

                            وبعض الأوجه من التفسير الذي يفسر بها القرآن لا تكون مناسبة لهذا المقام، بمعنى أن بعض الناس صار عنده رغبة في أن كل ما يسمعه من الكتاب أو السنة يحتاج عنده إلى تفسير، وأن هذا التفسير هو بواب الدخول إلى قلبه، وهذا خطأ.

                            الأصل أن كلام الله - سبحانه وتعالى - وكلام الرسول - عليه الصلاة والسلام - محل إدراك للمكلفين، صحيح أن هناك من أوجه الاستدلال على بعض الأحكام أو الفقه بعض الأدلة ما يحتاج إلى البصيرة ويحتاج إلى التقريب ويحتاج إلى البيان بالجمل المبينة والمفسرة ... إلى آخره، هذا له مادته ولكن ليس على سبيل الاطراد.

                            الأصل أن الآية يكون أثرها مباشرًا إذا كان للمسلم في سياقها؛ لأن سياق القرآن لا يمكن المفسر مهما علا وقع، حتى الصحابة - رضي الله عنهم، أن يأتوا على طريقة القرآن في تفسيره.

                            ولذلك:

                            1 - المفسر إما أن يفسر اللفظ بمرادف، فهو وإن ذكر مرادفا من حيث اللغة، لكنه لا يستطيع أن يجد في اللغة مرادفا من حيث السياق، فيقصر تفسيره ولا بد من هذا الوجه، ويصير لو قدر خلافه من تحصيل حاصل.

                            2 - وإما أن يفسر بالمبين من النوع أو الآحاد من الدلالة، فيكون هذا قاصرا عما تضمنه الآية من الشمول والعموم.

                            ولذلك مثل هذا يستعمل إذا قام سبب لبيان حكمه أو تقريب دلالة والناس فيه درجات من جهة العلم تتعلق درجة واحدة،

                            وذلك مقام له اعتبار، وهو اختلاف درجات المكلفين في الإدراك بالعلم، تتعلق أعني المكلفين - تتعلق درجة واحدة

                            وثانياً باعتبار مقام الآيات ودلالة الآية على أحكام الشريعة، وكذلك هذا المقام له اعتباره.

                            لكن يكفي إلى هذا المقام وإلى هذا المقام ما يزاد على ذلك ليصل نور القرآن إلى قلوب الناس.

                            الآن تجد الكثير من المواعظ والخطب والمحاضرات وما إلى ذلك، تسعين بنسبة أو ثمانين بنسبة كلام للمتكلم، وتجد النصوص من القرآن أو السنة قليلة مقارنة بغلبة هذا الكلام، هذه بهذه الطريقة لم يكن معروفاً عند السلف - رحمه الله -، لم يكن وعظهم وطريقتهم بهذه الطريقة.

                            -ينبغي أن يكثر على الناس سماع الكلام الأعظم، وهو كلام الله - سبحانه وتعالى - وكلام الرسول - عليه الصلاة والسلام، ويبين بين ذلك بين الآيات والأحاديث، كما هي طريقة المصنف وهو ما كتب هذه الرسالة للعلماء، هي ليست متناً في علم أصول الفقه، أو رسالة في مشكل المسائل الفقهية أو ما إلى ذلك، هي رسالة في العبودية، والأصل أنه يخاطب بها العموم من الناس من المكلفين ومع ذلك تجد من سرده للآيات، ويجعل التعليق عليها يسيرا بقدر ما يستدعيه المقام.

                            وله مشابه في ذلك لما كتب العقيدة الواسطية أو الرسالة الواسطية، تجد أنه في صدرها ذكر كثيرًا من آيات القرآن، ثم بعد ذلك جملة من الأحاديث الصحاح، ثم فرع بعد ذلك.

                            -وإذا نظرت في كتب السلف - رحمه الله - ومن روى عن السلف كلامهم فالأمر كذلك، وكتب الحديث. بل كان بعض الأئمة - كالإمام أحمد - يتقي أن يعلق على الأحاديث، كان بعض الأئمة كالإمام أحمد يتقي أن يكتب على الأحاديث شيئًا، والإمام مالك في موطئه كتب كثيرًا ثم اختصر ما كتب.

                            هذا على كل حال - كما قلت - مرتبط بدرجات العلم ودرجات المكلفين وأحوال المكلفين والعلم إذا كان بيبين ما في القرآن والسنة فهو خير.

                            لكن المقصود هنا الذي فات على كثير من الناس: شغفهم بكلام الناس من حيث لا يشعرون فصارت كثير من الكلمات والمواعظ والمحاضرات يغلب فيها كلام المتكلم،

                            وحتى طرق التفسير، كما أشرت سابقا، القرآن نزل بينا، وسمعه العامة، وسمعه من ليس من أهل العلم من المشركين ولا من أهل الدين، فأمنوا به،

                            وما كفر به إلى لا من كابر وعاند، وإلا فلم يكن أحد يسمع هذا القرآن ويجد عليه مطعنا أو مأخذاً غير أنه لا يدرك ولا يفهم.

                            فلذلك ينبغي لأهل العلم أن يوصوا الناس، وينبغي للمسلم أن يلزم القرآن؛ لأن القرآن فيه النور، وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام.

                            Comment

                            • السليماني
                              عضو
                              • Oct 2008
                              • 350

                              #44
                              (44)

                              قال الشيخ الإمام ابن تيمية رحمه الله وأسكنه الفردوس :

                              ( وقال تعالى: ï´؟وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)

                              وقال تعالى: ï´؟وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (غ³غ·) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) [فصلت: غ³غ·، غ³غ¸]،


                              وقال تعالى: ï´؟وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعَ وَخِيفَةً)

                              إلى قوله: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَï´¾

                              وهذا ونحوه مما فيه وصف أكابِر المخلوقات بالعبادة وذم من خرج عن ذلك متعدد في القرآن، وقد أخبر أنه أرسل جميع الرسل بذلك).

                              ---------------------

                              الشرح :

                              -أي أن الله - سبحانه وتعالى - جميع الخلق قد ذلوا له طوعًا أو كرها، وهم عباده، كما قال الله - جل وعلا-: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) [مريم: (غ¹غ³)، وكقوله جل وعلا-: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ï´¾ [الإسراء: ظ¤ظ¤].


                              -----------------

                              قال الشيخ رحمه الله :


                              (فقال تعالى: ï´؟وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: ظ¢ظ¥]، وقال: ï´؟وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهُ وَاجْتَنبوا الطَّاغُوت)
                              وقال تعالى لبني إسرائيل: ï´؟يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ï´¾ [العنكبوت: ظ¥ظ¦]، وقال: ï´؟وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) [البقرة: ظ¤ظ،]، وقال: ï´؟يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَقُونَï´¾

                              قال: (وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إلا ليعبدون ) [الذاريات : ظ¥ظ¦]، وقال تعالى: (قل إنى أمرتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مخلصا له الدِّينَ. وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ. قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم. قل الله أَعْبُدُ مخلصا له ديني فَاعْبُدوا مَا شِئْتُمْ [الزمر: ظ،ظ،-ظ،ظ¥]، وكل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى عبادة الله

                              -------------------

                              الشرح :

                              -في هذه الرسالة - رسالة العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية - جاء في ذكر الله - جل ذكره : ï´؟وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا ليعبدون ) وقبلها جملة آيات وبعدها جملة آياته

                              كقول الله جل وعلا-: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبد الله مخلصا له الدين) وما إلى ذلك من الآيات التي ذكرها الله في كتابه، وهي مستفيضة في كلام الله - جل وعلا-أو ذكر ذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - في سنته،


                              وهذا يبين به أعظم الأصول التي خلق الله الخلق وأرسل الرسل وأنزل الكتب لتحقيق هذا الأصل الشريف وهو عبادة الله وإخلاص الدين له وحده لا شريك له ومعرفة الله - سبحانه وتعالى - حق معرفته،



                              -فإن توحيد الله - جل وعلا - هو معرفة الله وعبادة الله وإخلاص الدين الله وحده لا شريك له، وهذا المقام الشريف يسمى بجملة أسماء:

                              (1) فتارة يسمى بالاسم العام له المتضمن لسائر شعائره: كاسم الإيمان، واسم التقوى، واسم الإسلام، واسم العبادة ويسمى أصحابه بهذا على ذكر اسم الفاعل في حقهم كالمؤمنين والمسلمين والعابدين،

                              كما في قول الله - جل وعلا- التَّائبُونَ الْعَابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ الله وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) .

                              (غ²) وقد يُذكر ببعض مقاماته الشريفة: كالركوع والسجود وكالحمد.

                              فتارة يذكر باسمه العام، وتارة يذكر ببعض مقاماته الشريفة.

                              وهذا يسمى الإيمان، ويسمى الإسلام، ويُسمى الإحسان، فكل ذلك داخل في عبادة الله - جل وعلا.

                              (غ³) ويسمى التوحيد كما سماه الصحابة، وأصل ذلك وارد في ذكر كلام الله - جل وعلا - لقوله سبحانه وتعالى: ï´؟قل هُوَ اللهُ أحد ) وسمى الصحابة هذا الاسم وهو التوحيد كما قال جابر - رضي الله عنه - كما في الصحيح وغيره في قصة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم : (فأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتوحيد )

                              -فهذه الأسماء الشرعية: الأسماء الشرعية التي يقصد إلى تحقيقها وإلى التمسك بها ويتسمى بها هي الأسماء التي ذكرها الله ورسوله كاسم الإسلام، ويُسمى صاحبها مسلماً، ويُسمى أصحابها مسلمين، ويسمى مؤمناً، ويسمى أصحابها المؤمنين، كما سمى الله عباده بذلك، وكما خاطبهم بذلك، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا )

                              ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصَّيَامُ ) إلى غير ذلك.

                              -وأما الأسماء المحدثة: وفوقها الأسماء المبتدعة، فهذه يجب على المسلمين أن يُعرضوا عنها، وأن يكتفوا بالأسماء الشرعية التي سماها الله - جل وعلا - وسماهم بها، كما قال ربنا جل ذكره هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ï´¾ .

                              وفي قول الله - جل وعلا : ï´؟وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ï´¾ لأنهم مكلفون، وإن كان التكليف لا يختص بالجن والإنس، وما من خلق خلقه الله - وإن كانوا ليسوا من المكلفين - إلا وهم يسبحون بحمد الله، كما قال الله جل وعلا:

                              (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا غَفُورًا ï´¾.

                              فهذا المقام هو مقام العبودية، وهو معرفة الله وإخلاص الدين الله وحده لا شريك له، هو المقام الذي بعث به الرسول وبعث به الرسل كما قال ربنا: ï´؟وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت ï´¾ وهو مقام الإيمان والتوحيد.

                              -ولكن قد يحتاج العلماء لما كثرت الشبه أو ضعف الإدراك لدى بعض المكلفين فيستعمل طرقاً من البيان العلمي، فصار بعضهم يقسم التوحيد عند ذكره إلى قسمين، فيقول:

                              التوحيد الطلبي أو الإرادي

                              ويجعل القسم الثاني: التوحيد العلمي أو التوحيد الخبري.

                              وصار بعضهم يقول : التوحيد ثلاثة:

                              . توحيد الربوبية

                              وتوحيد الألوهية

                              وتوحيد الأسماء والصفات.

                              -فهذه التقاسيم وأمثالها ليس متعبداً بها، ولا يجب استعمالها من حيث الوجوب الشرعي كالتقاسيم، وإنما الذي يجب أخذه ومعرفته والعمل به هو توحيد الله الذي شرعه الله في كتابه، وهذه التقاسيم مبينة لما أنزله الله وبعث به رسوله، لكنها - من حيث هي تقاسيم هي تراتب علمية، فهي ليست واجبة،

                              ولكنها ليست بدعة محدثة، ليست واجبة كتقاسيم ولكنها ليست بدعة محدثة.

                              فمن ادعى الشبهة عليها يقوله بأن هذه لم ترد في القرآن ولا في السنة، فيقال له: إن هذه التقاسيم هي من البيان العلمي وليست مما يتعبد به كتقسيم،

                              ولذلك من آمن بالله ولم يستعمل هذا التقسيم أو حقق توحيد الله ولم يستعمل هذا التقسيم، فهذا لا نقول فقط أن إيمانه صحيح، بل نقول أن هذا هو الأصل،

                              وما أحتيج إلى هذه التقاسيم والاصطلاحات والتراتيب إلا لما ضعفت الفصاحة العربية وضعف الإدراك وما إلى ذلك،

                              وإلا إذا جئت للصحابة - رضي الله عنهم - ما وجدت عندهم هذه التقاسيم، لكن بالمقابل - لا يعني هذا أن هذه التقاسيم من البدع.

                              -هذه تقاسيم على سبيل التراتيب العلمية وليست من باب البدع؛ لأنها - أعني هذه التقاسيم حينما يقولون التوحيد العلمي والتوحيد الطلبي أو توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية - هذه معاني وكلمات وحروف بينة وصحيحة في الشريعة،


                              فالربوبية هو ربوبية الله - سبحانه وتعالى، فإذا قلت توحيد الربوبية، هذه الكلمة المضافة، التوحيد اسم معتبر في الشريعة، وربوبية الله - جل وعلا - اسم شرعي،

                              فالله هو رب العالمين، فيما في الاسم بدعة، ومثله إذا قلت توحيد العبادة أو توحيد الألوهية، فكذلك اسم الألوهية اسم شرعي، فإن الله هو رب العالمين وهو الذي أمر بعبادته،

                              (واعْبُدُوا اللَّهُ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهِ غيره ï´¾

                              هذه دعوة الرسل، فهو استعمال شرعي، فالكلمات كلمات صحيحة، كلمات شرعية.

                              لكن لماذا بعضهم سماها ثلاثة أوجه؟ وبعضهم سمى ذلك على وجهين أو قال إنه نوعان والآخر قال إنه ثلاثة أنواع أو ثلاثة أوجه ؟

                              هذه من باب التراتيب العلمية؛ لأن هذا المقام قد يزاد فيه وينقص، فبعض الناس قد يتكلف في بيئة ما ألفوا هذه التقاسيم وكأنها ما تعبد بها ضرورة، وهذا ليس ضرورياً، وإنما العلم الضروري هو العلم بمعانيها سواء عبر عنها بأنها ثلاثة أقسام أو بأنها قسمان، فهذا كله واسع،


                              أو قيل بأن التوحيد هو توحيد الله، وهو عبادة الله، وهو إخلاص الدين الله، وهو معرفة الله، وهو تحقيق أسماء الله وصفاته، فهذا أيضاً كلام صحيح، والعلماء تنوع سياقهم في ذلك، فمنهم من يستعمل طريقة التقاسيم، ومن من يستعمل طريقة الجمع في الكلمات والمعاني، وكل هذا صحيح، فلا يتعصب لوجه من هذه التقاسيم.

                              ولكن بالمقابل - من زعم أن هذا من البدع وأن هذا من المحدثات، فهذا لا يستعمله في العادة وفي الوقوع إلا أهل البدع، يعني من يتكلمون بأن هذا التقسيم بدعة هم في الحقيقة أصحاب البدعة الذين إذا نظرت في حالهم وجدت أنهم واقعون في البدع الشرعية - التي هي بدع في حكم الشريعة ، إما البدع في التصورات وإما البدع في الأعمال.

                              -ولذلك اتفق العلماء على أن هذه التقاسيم - أعني التقاسيم التي تقال - هي من باب الاصطلاح والتراتيب العلمية، وهي أيضاً من حيث الحروف - كما ترى - حروفها حروف صحيحة، ككلمة الربوبية والألوهية والأسماء والصفات بل هي حروف شرعية،

                              فإنها اسم الربوبية: أي أن الله رب العالمين، هذا قد أخبر عنه في القرآن بأوجه من السياق،

                              وكذلك الألوهية، وكذلك الأسماء الله سبحانه وتعالى، وأفعال الله وصفات الله - جل وعلا، هذا قد تنوع ثبوت سياقه في القرآن والحديث.

                              وإنها قسم بعض العلماء بهذه الطريقة ليميزوا مراتب التوحيد، وليميزوا ما وقع فيه الجهل أغلب من غيره،

                              فإنك إذا نظرت إلى مقام الربوبية وإلى مقام الألوهية، فإن بين هذين المقامين من الفرق من جهة أحوال المكلفين،


                              -ولهذا ضلال المشركين وجحدهم وشركهم في الألوهية أظهر منه في الربوبية، وهم - أعني جمهور المشركين - يقرون بجملة الربوبية وإن كانوا ليسوا محققين لها،


                              وإلا فقد أخبر الله عن مشركي العرب وغيرهم بأنهم يقرون أن الله هو الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض إلى غير ذلك،


                              ولكن هذا لا يعني أنهم محققون لمعرفة الله أو لربوبية الله، فهم أيضاً يقع لهم الشرك في ذلك وإن كان شركهم المستطير هو شرك في العبودية،


                              وهم واقعون في هذه الأنواع من الشرك، ولكن هذا الإقرار إقرار مذكور في القرآن، والعرب كان في ذلك على درجات أيضاً - في درجات الإقرار بالربوبية .

                              ولذلك يصح أن يقال إن الربوبية قد أقر به العرب في جاهليتها،


                              والمقصود بالإقرار هنا الإقرار بجملته وليس هو التحقيق له أو العلم به على ميزان الشريعة التي جاء، لما نزل القرآن وبعث الرسول - صلى الله عليه وسلم ، فهذا مقام، وما كانت عليه العرب مقام آخر .

                              Comment

                              Working...