(46)
قال شيخ الإسلام رحمه الله :
( وقد بين أن عباده هم الذين ينجون من السيئات الذي زينها الشيطان قال: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري )
وقد بين أن عباده هم الذين ينجون من السيئات، قال الشيطان: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيتي لأزينَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) قال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ .
الشرح :
-هذا من فضل الله على عباده، أن الله يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت كما أخبر الله في كتابه،( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ )
وأن من ضل فإنما ضل بظلمه لنفسه.
بل لما قام الظلم واستحكم في نفسه، وعن هذا جاء اسم فاعل في الآية، قال ( وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)
والله - سبحانه وتعالى يصطفي من عباده من يصطفي، وهذا الاصطفاء من الله سبحانه وتعالى - هم فيه - أعني عباده هم فيه على درجات،
وكل ذلك من الله فضل، كما أن عقوبته على من كفر به هي من الله عدل، ولا يظلم ربك أحداً.
قال ابن تيمية رحمه الله :
(وقال: فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ وقال في حق يوسف: ﴿كَذَلِكَ لنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾
الشرح :
-صرف عنه السوء والفحشاء؛ لأنه من عباد الله المخلصين، أي بتوحيدهم وإيمانهم وما جعل الله له من العاقبة - وهي عاقبة النبوة - فجعله الله نبياً ورسولاً.
قال ابن تيمية رحمه الله :
( وقال: سُبْحَانَ اللهُ عَمَّا يَصِفُونَ إِلا عِبَادَ اللهُ الْمُخْلَصِينَ )
الشرح :
-لذلك هذه المعاني الكلية تستصحب في تفسير القرآن، كما سبق في المجلس في الفقه في فروع الشريعة، ففي هذا من باب أولى، ولا تجرد السياقات عن هذه القواعد التي هي أوصاف شرعية مؤثرة .
كما أنك تقول في المثال الأدنى وليس في المثال الملائم أو المساوي، كما أنك تقول في المثال الأدنى:
إن الوقائع القضائية لا تفك عن الأحوال المقارنة لها وتجرد عنها، فكذلك هنا في الأمور الشرعية من باب أولى.
ولذلك لما جاء قول الله - جل وعلا: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾
تكلم بعض المفسرين أو كثير منهم، ونقلوا في ذلك آثاراً عن بعض الصحابة - جمهورها لا يصح - من جهة أن يوسف - عليه الصلاة والسلام وقع منه الهم أو إلى ما ذلك، ثم صاروا يقولون وهذا الهم هو الهم الأول وهو الهم الذي غفره الله لعباده وهو الذي قال عنه النبي :
((إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به،))
قالوا: فهو الهم المغفور، إلى غير ذلك.
وهذا النظر غريب، لأنه ليس النظر في سياق عادي، هذا لم يأتي خبراً في سياق رجل من الناس، هذا جاء في سياق أمر نبي من الأنبياء، صحيح أن هذا كان قبل نبوته، ولكن الله جل وعلا - اصطفى أولئك القوم - وهم رسل الله وأنبياء الله -
فلا يمكن أن أحداً منهم يقع في مثل هذا الهم المنافي في أخلاقه للشريعة التي يجعلها الله - سبحانه وتعالى - لهم.
ولهذا بين طائفة من محققي العلماء من المفسرين ومن علماء اللغة بأن يوسف عليه الصلاة والسلام لم يقع منه الهم أصلاً، ليس الشأن أنه يغفر أو لا يغفر، أو أنه الهم المغفور أو ليس المغفور، هذا محل معروف،
لكن لا يقال بأن النبي في هذا المقام - وهو مقام الأخلاق - عرض منه أدنى درجة، هذا الأنبياء أشرف من ذلك، حتى قبل نبوتهم لا يقع ذلك منهم،
لذلك صار بعض المحققين من العلماء وبينوا امتناع ذلك، والآية التي تليها تقول:
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾
فإذا امتنع وقوعه في الهم؛ لأنه رأى برهان ربه، فهذا هو معناها.
وبعضهم أورد اعتراضاً على هذا من جهة اللغة، ولكن التحقيق من جهة اللغة، أن هذا معروف عند العرب، وصار بعض علماء النحو إذا لم يكن هذا هو المشهور فى كلام العرب، قال بأن هذا يخالف شرط اللغة، ثم هذا الشرط إنما بناه- أي كونه شرطاً - على المشهور في كلام العرب،
مع أن الشرط هنا من جنس الشرط الشرعي، بل أدنى منه.
فإن الشرط الشرعي الذي يذكره الفقهاء منه ما يكون ثابتاً بنص، ومنه ما يكون ثابتا بوجه من الاجتهاد، كما إذا قال بعض الفقهاء بأن هذا العقد قد خالف الشرط، مع أنه قد يكون مخالفاً للشرط بوجه من الاجتهاد، أي أن هذا الشرط وكونه من شروط صحة هذا العقد، هذا محل اختلاف أو محل اجتهاد
فكذلك اللغة، يجتهد من يجتهد، فيقول : ولكن هذا السياق أو هذا الورود من جهة اللغة من شرطه كذا وكذا، فلا يصلح أن تفسر الآية به، فيتوهم الباحث وكأن هذا الشرط نزل به قرآن أو نزل به نص أو استحكم عند العرب في كلامها وأطبقت عليه في شعرها وقولها، وهذا ليس كذلك.
وإنما هو قدر من الاستقراء، استقرأه بعض علماء اللغة ثم من هذا الاستقراء الذي استقرأوه ومن تلك القواعد التي قعدوها،
صاروا يقولون بأن هذا يشترط كذا ولا يشترط كذا، وإذا نظرت في كلام العرب وشعرها، وجدت أنه ليس من باب الشرط وإنما من باب المشهور ويأتي غيره.
ولا سيما أن الإحاطة بلسان العرب إحاطة متوهمة، فلا أحد يحيط بما قالته العرب من شعرها ونثرها وما إلى ذلك، فهذا،
ولذلك هناك مذهب معروف الطائفة من النحاة بل من كبار أئمة النحاة يصححون هذه الطريقة في تفسير هذه الآية وأنها لا تخالف قواعد العربية ولا سياق كلام العرب الذين نزل القرآن بكلامهم،
ولكن البعض أغلق ذلك، وإنما أغلق اجتهاداً، والاجتهاد لا يغلق ولا يُغلق به،
وهذا القول - حتى لو قدر جدلاً بأنه ليس المشهور في كلام العرب - فإنه هو الأليق في تفسير هذه الآية لما سبق من معاني الشريعة.
وهنا تكون المعاني مبينة وجه الاختيار في كلام العرب، وكله كلام معتبر، وإن كان بعض النحاة ليضبطوا قواعد علم النحو صاروا يتحرون لصناعة تلك القواعد، ولا سيما زمن الصناعة أي -زمن صناعة قواعد النحو - صاروا حتى تستقر لهم القواعد يتقون ما ليس مشهوراً أو قد يسمونه شاذاً أو قد يسمونه يسمع ولا يقاس عليه وما إلى ذلك؛ لتستقرلهم الصنعة والقواعد،
وهذا صار فيه من بعض الملخصين عن متقدمي النحاة ولا سيما من المصريين - صار فيه غلو، حتى صار يضاف إلى مذهب البصريين الزيادة في ذلك وإلى ترك ما ورد القرآن به في قراءات متواترة، ويجعلون ذلك مخالفاً لما وجب في استعمال العرب، وهذا من الجهل، فإن ما ورد به قراءة متواترة لا يمكن أن يقال بأن هذا خالف ما وجب في كلام العرب، هذا من التناقض ولا بد؛ لأنك إذا نظرته وجدته متناقضاً من جهة العقل فضلاً عن اللغة.
والمقصود هنا : أن تفسير القرآن بل وتفسير الأحكام والقول في الأحكام يجب أن تستصحب فيه هذه المقدمات من قواعد ومقاصد وما إلى ذلك، حتى يكون التفسير للنص ملاقياً لها، وأما أخذ الكلمة المفردة من النص أو أخذ السياق الواحد ويقطع عن قواعده وعن جملة السياق وعن مقاصد الشريعة في هذا الباب وفي كليات القواعد، فهذا هو علامة الجهل الذي لا يدرك صاحبه أنه جهل ويتوهم أنه محقق.
فيأتي في سياق آية أو في سياق حرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويُقلب هذا الحرف على أوجه متكلفة مع أن هذا يخالف التحصيل من جهة القواعد،
ثم يقول بأن النص يقدم على غيره، وكأن غيره هذا ليس من النص، وكأنه لا يعرف بأن القاعدة هي حكم نص مستفيض القواعد هي: حكم نص مستفيض،
هذا نص وذاك نص مستفيض، لكن النص المستفيض قد سلم من الاجتهاد وهذا لم يسلم من الاجتهاد في تحصيل حكمه.
قال شيخ الإسلام رحمه الله :
( وقد بين أن عباده هم الذين ينجون من السيئات الذي زينها الشيطان قال: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري )
وقد بين أن عباده هم الذين ينجون من السيئات، قال الشيطان: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيتي لأزينَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) قال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ .
الشرح :
-هذا من فضل الله على عباده، أن الله يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت كما أخبر الله في كتابه،( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ )
وأن من ضل فإنما ضل بظلمه لنفسه.
بل لما قام الظلم واستحكم في نفسه، وعن هذا جاء اسم فاعل في الآية، قال ( وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)
والله - سبحانه وتعالى يصطفي من عباده من يصطفي، وهذا الاصطفاء من الله سبحانه وتعالى - هم فيه - أعني عباده هم فيه على درجات،
وكل ذلك من الله فضل، كما أن عقوبته على من كفر به هي من الله عدل، ولا يظلم ربك أحداً.
قال ابن تيمية رحمه الله :
(وقال: فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ وقال في حق يوسف: ﴿كَذَلِكَ لنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾
الشرح :
-صرف عنه السوء والفحشاء؛ لأنه من عباد الله المخلصين، أي بتوحيدهم وإيمانهم وما جعل الله له من العاقبة - وهي عاقبة النبوة - فجعله الله نبياً ورسولاً.
قال ابن تيمية رحمه الله :
( وقال: سُبْحَانَ اللهُ عَمَّا يَصِفُونَ إِلا عِبَادَ اللهُ الْمُخْلَصِينَ )
الشرح :
-لذلك هذه المعاني الكلية تستصحب في تفسير القرآن، كما سبق في المجلس في الفقه في فروع الشريعة، ففي هذا من باب أولى، ولا تجرد السياقات عن هذه القواعد التي هي أوصاف شرعية مؤثرة .
كما أنك تقول في المثال الأدنى وليس في المثال الملائم أو المساوي، كما أنك تقول في المثال الأدنى:
إن الوقائع القضائية لا تفك عن الأحوال المقارنة لها وتجرد عنها، فكذلك هنا في الأمور الشرعية من باب أولى.
ولذلك لما جاء قول الله - جل وعلا: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾
تكلم بعض المفسرين أو كثير منهم، ونقلوا في ذلك آثاراً عن بعض الصحابة - جمهورها لا يصح - من جهة أن يوسف - عليه الصلاة والسلام وقع منه الهم أو إلى ما ذلك، ثم صاروا يقولون وهذا الهم هو الهم الأول وهو الهم الذي غفره الله لعباده وهو الذي قال عنه النبي :
((إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به،))
قالوا: فهو الهم المغفور، إلى غير ذلك.
وهذا النظر غريب، لأنه ليس النظر في سياق عادي، هذا لم يأتي خبراً في سياق رجل من الناس، هذا جاء في سياق أمر نبي من الأنبياء، صحيح أن هذا كان قبل نبوته، ولكن الله جل وعلا - اصطفى أولئك القوم - وهم رسل الله وأنبياء الله -
فلا يمكن أن أحداً منهم يقع في مثل هذا الهم المنافي في أخلاقه للشريعة التي يجعلها الله - سبحانه وتعالى - لهم.
ولهذا بين طائفة من محققي العلماء من المفسرين ومن علماء اللغة بأن يوسف عليه الصلاة والسلام لم يقع منه الهم أصلاً، ليس الشأن أنه يغفر أو لا يغفر، أو أنه الهم المغفور أو ليس المغفور، هذا محل معروف،
لكن لا يقال بأن النبي في هذا المقام - وهو مقام الأخلاق - عرض منه أدنى درجة، هذا الأنبياء أشرف من ذلك، حتى قبل نبوتهم لا يقع ذلك منهم،
لذلك صار بعض المحققين من العلماء وبينوا امتناع ذلك، والآية التي تليها تقول:
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾
فإذا امتنع وقوعه في الهم؛ لأنه رأى برهان ربه، فهذا هو معناها.
وبعضهم أورد اعتراضاً على هذا من جهة اللغة، ولكن التحقيق من جهة اللغة، أن هذا معروف عند العرب، وصار بعض علماء النحو إذا لم يكن هذا هو المشهور فى كلام العرب، قال بأن هذا يخالف شرط اللغة، ثم هذا الشرط إنما بناه- أي كونه شرطاً - على المشهور في كلام العرب،
مع أن الشرط هنا من جنس الشرط الشرعي، بل أدنى منه.
فإن الشرط الشرعي الذي يذكره الفقهاء منه ما يكون ثابتاً بنص، ومنه ما يكون ثابتا بوجه من الاجتهاد، كما إذا قال بعض الفقهاء بأن هذا العقد قد خالف الشرط، مع أنه قد يكون مخالفاً للشرط بوجه من الاجتهاد، أي أن هذا الشرط وكونه من شروط صحة هذا العقد، هذا محل اختلاف أو محل اجتهاد
فكذلك اللغة، يجتهد من يجتهد، فيقول : ولكن هذا السياق أو هذا الورود من جهة اللغة من شرطه كذا وكذا، فلا يصلح أن تفسر الآية به، فيتوهم الباحث وكأن هذا الشرط نزل به قرآن أو نزل به نص أو استحكم عند العرب في كلامها وأطبقت عليه في شعرها وقولها، وهذا ليس كذلك.
وإنما هو قدر من الاستقراء، استقرأه بعض علماء اللغة ثم من هذا الاستقراء الذي استقرأوه ومن تلك القواعد التي قعدوها،
صاروا يقولون بأن هذا يشترط كذا ولا يشترط كذا، وإذا نظرت في كلام العرب وشعرها، وجدت أنه ليس من باب الشرط وإنما من باب المشهور ويأتي غيره.
ولا سيما أن الإحاطة بلسان العرب إحاطة متوهمة، فلا أحد يحيط بما قالته العرب من شعرها ونثرها وما إلى ذلك، فهذا،
ولذلك هناك مذهب معروف الطائفة من النحاة بل من كبار أئمة النحاة يصححون هذه الطريقة في تفسير هذه الآية وأنها لا تخالف قواعد العربية ولا سياق كلام العرب الذين نزل القرآن بكلامهم،
ولكن البعض أغلق ذلك، وإنما أغلق اجتهاداً، والاجتهاد لا يغلق ولا يُغلق به،
وهذا القول - حتى لو قدر جدلاً بأنه ليس المشهور في كلام العرب - فإنه هو الأليق في تفسير هذه الآية لما سبق من معاني الشريعة.
وهنا تكون المعاني مبينة وجه الاختيار في كلام العرب، وكله كلام معتبر، وإن كان بعض النحاة ليضبطوا قواعد علم النحو صاروا يتحرون لصناعة تلك القواعد، ولا سيما زمن الصناعة أي -زمن صناعة قواعد النحو - صاروا حتى تستقر لهم القواعد يتقون ما ليس مشهوراً أو قد يسمونه شاذاً أو قد يسمونه يسمع ولا يقاس عليه وما إلى ذلك؛ لتستقرلهم الصنعة والقواعد،
وهذا صار فيه من بعض الملخصين عن متقدمي النحاة ولا سيما من المصريين - صار فيه غلو، حتى صار يضاف إلى مذهب البصريين الزيادة في ذلك وإلى ترك ما ورد القرآن به في قراءات متواترة، ويجعلون ذلك مخالفاً لما وجب في استعمال العرب، وهذا من الجهل، فإن ما ورد به قراءة متواترة لا يمكن أن يقال بأن هذا خالف ما وجب في كلام العرب، هذا من التناقض ولا بد؛ لأنك إذا نظرته وجدته متناقضاً من جهة العقل فضلاً عن اللغة.
والمقصود هنا : أن تفسير القرآن بل وتفسير الأحكام والقول في الأحكام يجب أن تستصحب فيه هذه المقدمات من قواعد ومقاصد وما إلى ذلك، حتى يكون التفسير للنص ملاقياً لها، وأما أخذ الكلمة المفردة من النص أو أخذ السياق الواحد ويقطع عن قواعده وعن جملة السياق وعن مقاصد الشريعة في هذا الباب وفي كليات القواعد، فهذا هو علامة الجهل الذي لا يدرك صاحبه أنه جهل ويتوهم أنه محقق.
فيأتي في سياق آية أو في سياق حرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويُقلب هذا الحرف على أوجه متكلفة مع أن هذا يخالف التحصيل من جهة القواعد،
ثم يقول بأن النص يقدم على غيره، وكأن غيره هذا ليس من النص، وكأنه لا يعرف بأن القاعدة هي حكم نص مستفيض القواعد هي: حكم نص مستفيض،
هذا نص وذاك نص مستفيض، لكن النص المستفيض قد سلم من الاجتهاد وهذا لم يسلم من الاجتهاد في تحصيل حكمه.
وقوله: من سأل الناس وله مَا يُغْنِيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو خموشا أو كدوشا في وجهه
Comment