كشف الغمة في مدح سيد الأمة - للشاعر محمود سامي البارودي

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • أبو فراس السليماني
    عضو
    • Sep 2008
    • 1551

    #1

    كشف الغمة في مدح سيد الأمة - للشاعر محمود سامي البارودي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين
    والصلاة والسلام على رسول الله
    وعلى آله وصحبه أجمعين

    القصيدة الرائعة
    ...
    كشف الغُمة
    في مدح سيد الأمة
    صلى الله عليه وآله وسلم


    الشاعر محمود سامي البارودي
    رحمه الله تعالى رحمة واسعة


    ===============

    يا رَائِدَ البَرقِ يَمّمْ دارَةَ العَلَمِ
    وَاحْدُ الغَمامَ إِلى حَيٍّ بِذِي سَلَمِ

    وَإِن مَرَرتَ عَلى الرَّوحَاءِ فَامْرِ لَها
    أَخلافَ سارِيَةٍ هَتّانَةِ الدِّيَمِ

    مِنَ الغِزارِ اللَّواتي في حَوالِبِها
    رِيُّ النَّواهِلِ مِن زَرعٍ وَمِن نَعَمِ

    إِذا استَهَلَّت بِأَرضٍ نَمْنَمَتْ يَدُهَا
    بُرْداً مِنَ النَّوْرِ يَكسُو عارِيَ الأَكَمِ

    تَرى النَّباتَ بِها خُضْراً سَنابِلُهُ
    يَختَالُ في حُلَّةٍ مَوشِيَّةِ العَلَمِ

    أَدعُو إِلى الدَّارِ بِالسُّقيا وَبِي ظَمَأٌ
    أَحَقُّ بِالرِّيِّ لَكِنّي أَخُو كَرَمِ

    مَنازِلٌ لِهَواها بَينَ جانِحَتي
    وَدِيعَةٌ سِرُّها لَمْ يَتَّصِلْ بِفَمِي

    إِذا تَنَسَّمتُ مِنها نَفحَةً لَعِبَت
    بِيَ الصَبابَةُ لِعبَ الريحِ بِالعَلَمِ

    أَدِر عَلى السَّمعِ ذِكراها فَإِنَّ لَها
    في القَلبِ مَنزِلَةً مَرعِيَّةَ الذِمَمِ

    عَهدٌ تَوَلّى وَأَبقى في الفُؤادِ لَهُ
    شَوقاً يَفُلُّ شَباةَ الرَأيِ وَالهِمَمِ

    إِذا تَذَكَّرتُهُ لاحَت مَخائِلُهُ
    لِلعَينِ حَتّى كَأَنّي مِنهُ في حُلُمِ

    فَما عَلى الدَّهرِ لَو رَقَّت شَمائِلُهُ
    فَعادَ بِالوَصل أَو أَلقَى يَدَ السَّلَمِ

    تَكاءَدَتني خُطُوبٌ لَو رَمَيتُ بِها
    مَناكِبَ الأَرض لَم تَثبُتْ عَلى قَدَمِ

    في بَلدَةٍ مِثلِ جَوفِ العَير لَستُ أَرى
    فيها سِوَى أُمَمٍ تَحنُو عَلَى صَنَمِ

    لا أَستَقِرُّ بِها إِلاّ عَلى قَلَقٍ
    وَلا أَلَذُّ بِها إِلاّ عَلَى أَلَمِ

    إِذا تَلَفَّتُّ حَولي لَم أَجد أَثَراً
    إِلا خَيالي وَلَم أَسمَع سِوى كَلِمي

    فَمَن يَرُدُّ عَلى نَفسي لُبانَتَها
    أَو مَن يُجيرُ فُؤادِي مِن يَدِ السَّقَمِ

    لَيتَ القَطا حِينَ سارَت غُدوَةً حَمَلَت
    عَنّي رَسائِلَ أَشواقي إِلى إِضَمِ

    مَرَّت عَلَينا خِمَاصاً وَهيَ قارِبَةٌ
    مَرَّ العَواصِفِ لاتَلوي عَلى إِرَمِ

    لا تُدركُ العَينُ مِنها حينَ تَلمَحُها
    إِلا مِثالاً كَلَمْعِ البَرقِ في الظُّلَمِ

    كَأَنَّها أَحرُفٌ بَرقِيَّةٌ نَبَضَت
    بِالسِّلكِ فَانتَشَرَت فِي السَّهل وَالعَلَمِ

    لا شَيءَ يَسبِقُها إِلاّ إِذا اِعتَقَلَت
    بَنانَتي في مَديحِ المُصطَفى قَلَمِي

    مُحَمَّدٌ خاتَمُ الرُسلِ الَّذي خَضَعَت
    لَهُ البَرِيَّةُ مِن عُربٍ وَمِن عَجَمِ

    سَميرُ وَحيٍ وَمَجنى حِكمَةٍ وَنَدى
    سَماحَةٍ وَقِرى عافٍ وَرِيُّ ظَمِ

    قَد أَبلَغَ الوَحيُ عَنهُ قَبلَ بِعثَتِهِ
    مَسامِعَ الرُسلِ قَولاً غَيرَ مُنكَتِمِ

    فَذاكَ دَعوَةُ إِبراهيمَ خالِقَهُ
    وَسِرُّ ما قالَهُ عِيسى مِنَ القِدَمِ

    أَكرِم بِهِ وَبِآباءٍ مُحَجَّلَةٍ
    جاءَت بِهِ غُرَّةً في الأَعصُرِ الدُّهُمِ

    قَد كانَ في مَلَكوتِ اللهِ مُدَّخراً
    لِدَعوَةٍ كانَ فيها صاحِبَ العَلَمِ

    نُورٌ تَنَقَّلَ في الأَكوانِ ساطِعُهُ
    تَنَقُّلَ البَدرِ مِن صُلبٍ إِلى رَحِمِ

    حَتّى اسْتَقَرَّ بِعَبدِ اللهِ فَاِنبَلَجَت
    أَنوارُ غُرَّتِهِ كَالبَدرِ في البُهُمِ

    وَاختارَ آمِنَةَ العَذراءَ صاحِبَةً
    لِفَضلِها بَينَ أَهلِ الحِلِّ وَالحَرَمِ

    كِلاهُما فِي العُلا كُفءٌ لِصاحِبِهِ
    وَالكُفءُ في المَجدِ لا يُستامُ بِالقِيَمِ

    اللهم لك الحمد
    كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك

  • أبو فراس السليماني
    عضو
    • Sep 2008
    • 1551

    #2
    فَأَصبَحَت عِندَهُ في بَيتِ مَكرُمَةٍ
    شِيدَت دَعائِمُهُ في مَنصِبٍ سِنمِ

    وَحِينما حَمَلَت بِالمُصطَفى وَضَعَت
    يَدُ المَشيئَةِ عَنها كُلفَةَ الوَجَمِ

    وَلاحَ مِن جِسمِها نُورٌ أَضاءَ لَها
    قُصُورَ بُصرى بِأَرضِ الشَّأمِ مِن أمَمِ

    وَمُذ أَتى الوَضعُ وَهوَ الرَّفعُ مَنزِلَةً
    جاءَت بِرُوحٍ بِنُورِ اللهِ مُتَّسِمِ

    ضاءَت بِهِ غُرَّةُ الإِثنَينِ وَابتَسَمَت
    عَن حُسنِهِ في رَبيعٍ رَوضَةُ الحَرَمِ

    وَأَرضَعَتهُ وَلَم تَيأَس حَليمَةُ مِن
    قَولِ المَراضِعِ إِنَّ البُؤسَ في اليَتَمِ

    فَفاضَ بِالدَّرِّ ثَدياها وَقَد غَنِيَت
    لَيالياً وَهيَ لَم تطعَم وَلَم تَنَمِ

    وَاِنهَلَّ بَعدَ اِنقِطاعٍ رِسْلُ شارِفِها
    حَتّى غَدَت مِن رَفِيهِ العَيشِ في طُعَمِ

    فَيَمَّمَت أَهلَها مَملُوءَةً فَرَحاً
    بِما أُتيحَ لَها مِن أَوفَرِ النِّعَمِ

    وَقَلَّصَ الجَدبُ عَنها فَهيَ طاعِمَةٌ
    مِن خَيرِ ما رَفَدَتها ثَلَّةُ الغَنَمِ

    وَكَيفَ تَمحَلُ أَرضٌ حَلَّ ساحَتَها
    مُحَمَّدٌ وَهوَ غَيثُ الجُودِ وَالكَرَمِ

    فَلَم يَزَل عِندَها يَنمُو وَتَكلَؤُهُ
    رِعايَةُ اللهِ مِن سُوءٍ وَمِن وَصَمِ

    حَتّى إِذا تَمَّ مِيقاتُ الرَّضاعِ لَهُ
    حَولَينِ أَصبَحَ ذا أَيدٍ عَلَى الفُطُمِ

    وَجاءَ كَالغُصنِ مَجدُولاً تَرِفُّ عَلى
    جَبِينِهِ لَمحاتُ المَجدِ وَالفَهَمِ

    قَد تَمَّ عَقلاً وَما تَمَّت رَضاعَتُهُ
    وَفاضَ حِلماً وَلَم يَبلُغ مَدى الحُلُمِ

    فَبَينَما هُوَ يَرعى البَهْمَ طافَ بِهِ
    شَخصانِ مِن مَلَكوتِ اللهِ ذي العِظَمِ

    فَأَضجَعاهُ وَشَقّا صَدرَهُ بِيَدٍ
    رَفِيقَةٍ لَم يَبِت مِنها عَلى أَلَمِ

    وَبَعدَ ما قَضَيا مِن قَلبِهِ وَطَراً
    تَوَلَّيا غَسلَهُ بِالسَّلسَلِ الشَّبِمِ

    ما عالَجا قَلبَهُ إِلا لِيَخلُصَ مِن
    شَوبِ الهَوى وَيَعِي قُدسِيَّةَ الحِكَمِ

    فَيا لَها نِعمَةً للهِ خَصَّ بِها
    حَبيبَهُ وَهوَ طِفلٌ غَيرُ مُحتَلِمِ

    وَقالَ عَنهُ بَحِيرا حِينَ أَبصَرَهُ
    بِأَرْضِ بُصرى مَقالاً غَيرَ مُتَّهَمِ

    إِذ ظَلَّلَتهُ الغَمامُ الغُرُّ وَانهَصَرَت
    عَطفاً عَلَيهِ فُروعُ الضَّالِ وَالسَّلَمِ

    بِأَنَّهُ خاتَمُ الرُّسلِ الكِرامِ وَمَن
    بِهِ تَزُولُ صُرُوفُ البُؤسِ وَالنِّقَمِ

    هَذا وَكَم آيَةٍ سارَت لَهُ فَمَحَت
    بِنُورِها ظُلمَةَ الأَهوالِ وَالقُحَمِ

    ما مَرَّ يَومٌ لَهُ إِلا وَقَلَّدَهُ
    صَنائِعاً لَم تَزَل فِي الدَّهرِ كَالعَلَمِ

    حَتّى اسْتَتَمَّ وَلا نُقصانَ يَلحَقُهُ
    خَمساً وَعِشرِينَ سِنُّ البارِعِ الفَهِمِ

    وَلَقَّبَتهُ قُرَيشٌ بِالأَمينِ عَلى
    صِدقِ الأَمانَةِ وَالإِيفاءِ بِالذِّمَمِ

    وَدَّت خَديجَةُ أَن يَرعى تِجارَتَها
    وِدادَ مُنتَهِزٍ لِلخَيرِ مُغتَنِمِ

    فَشَدَّ عَزمَتَها مِنهُ بِمُقتَدِرٍ
    ماضِي الجِنانِ إِذا ما هَمَّ لَم يخمِ

    وَسارَ مُعتَزِماً لِلشَّأمِ يَصحَبُهُ
    في السَّيرِ مَيسُرَةُ المَرضِيُّ فِي الحَشَمِ

    فَما أَناخَ بِها حَتّى قَضى وَطَراً
    مِن كُلِّ ما رَامَهُ في البَيعِ وَالسَّلَمِ

    وَكَيفَ يَخسَرُ مَن لَولاهُ ما رَبِحَت
    تِجارَةُ الدِّينِ في سَهلٍ وَفِي عَلَمِ

    فَقَصَّ مَيسُرَةُ المَأمونُ قِصَّتَهُ
    عَلَى خَديجَةَ سَرداً غَيرَ مُنعَجِمِ

    وَما رَواهُ لَهُ كَهلٌ بِصَومَعَةٍ
    مِنَ الرَّهابينِ عَن أَسلافِهِ القُدُمِ

    في دَوحَةٍ عاجَ خَيرُ المُرسَلينَ بِها
    مِن قَبل بعثَتِهِ لِلعُربِ وَالعَجَمِ

    هَذا نَبِيٌّ وَلَم يَنزِل بِساحَتِها
    إِلا نَبيٌّ كَريمُ النَّفسِ وَالشِّيَمِ

    وَسِيرَةَ المَلَكَينِ الحائِمَينِ عَلى
    جَبِينِهِ لِيُظِلاَّهُ مِنَ التّهَمِ

    فَكانَ ما قَصَّهُ أَصلاً لِما وَصَلَت
    بِهِ إِلى الخَيرِ مِن قَصدٍ وَمُعتَزَمِ

    أَحسِن بِها وصلَةً في اللَّهِ قَد أَخَذَت
    بِها عَلى الدَّهرِ عَقداً غَيرَ مُنفَصِمِ

    فَأَصبَحا في صَفاءٍ غَير مُنقَطِعٍ
    عَلى الزَّمانِ وَوِدٍّ غَير مُنصَرِمِ
    اللهم لك الحمد
    كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك

    Comment

    Working...