* الإمام المهدي عليه السلام ليس الغلام عليه الركام !
من أعجب الأمور أن نرى الغلام يدعي أنه المسيح الموعود والمهدي في آن واحد , فهذا من التحريف لسنة محمد صلى الله عليه السلام , أما زعمه أنه المسيح عليه السلام فقد بيّنا كذبه وزيف ما زعم , أما زعمه أنه المهدي فهذا ما سنبينه في هذا الباب , فلقد استفاضت الأحاديث النبوية الشريفة في السنة المطهرة في وصف المهدي عليه السلام واسمه ومكثه , وكذا سيرته وحال زمانه وأنه سيساعد المسيح عليه السلام في قتل الدجال .
1- أخرج أبو داود من حديث إبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يكون في أمتي المهدي إن قصر فسبع وإلا فتسع تنعم فيه أمتي نعمة لم يسمعوا بمثلها قط , تؤتي أكلها ولا تترك منهم شيئا والمال يومئذ كرءوس . يقوم الرجل فيقول : يا مهدي اعطني فيقول خذ " .
ولقد رأينا كيف أن الغلام اقتطع من أموال أتباعه من أجل المتعة والترف , ولقد بلغ البذخ والتصرف في الأموال والواردات تصرفا مطلقا جدا أثار النقاش بين صفوة أصحابه , وتلامذة دعواه المقربين , فهذا هو الخواجة " كمال الدين " يبلغ به الحنق على هذه التصرفات أن يشكو بثه وحزنه إلى صديقه " محمد علي اللاهوري " أمير جماعة القاديانية في لاهور فيما بعد , والشيخ " سرور شاه " القادياني . ( " كشف الإختلاف " لسرور شاه القادياني ص 13 ) .
2- عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المهدي منا أهل البيت ، يصلحه الله في ليلة ) ( أخرجه أحمد في مسنده ) .
( يصلحه الله في ليلة ) : أي يصلح أمره و يرفع قدره في ليلة واحدة ، أو في ساعة واحدة من الليل ، حيث يتفق على خلافته أهل الحل والعقد فيها. وهذا معناه قطعاً أن المهدي لن يعرف نفسه أنه المهدي حتى يبايعه الناس . وليس قطعاً بطالب للخلافة ولا ظان لأهليته لها، ولذلك يبايعه الناس وهو كاره .
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتي يبعث فيه رجلا مني أو يواطيء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي " ( أخرجه أبو داود والترمذي ) .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المهدي مني – أي من نسلي – ، أجلى الجبهة – أي منحسر الشعر من مقدمة رأسه ، أو واسع الجبهة - ، أقنى الأنف – أي طويل الأنف ودقة أرنبته مع حدب في وسطه - ، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، كما ملئت ظلماً وجوراً ، ويملك سبع سنين " ( رواه أبو داود وإسناده حسن ) .
وأخرج أبو داود في سننه بسند صحيح عن أم سلمة رضي الله عنها ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( المهدي من عترتي ، من ولد فاطمة ) .
فهل كان الغلام من آل بيت محمد صلى الله عليه وسلم ؟! وهل الغلام اسمه محمد بن عبد الله ؟! وهل ملأ الأرض عدلا وقسطا ؟! وهل وحد الأمة ؟! أم على النقيض من كل ذلك !
3- يستدل الغلامية على صحة معتقدهم من أن الغلام هو المسيح الموعود والمهدي في نفس الوقت بحديث أخرجه ابن ماجة في كتاب الفتن , عن يونس بن عبد الأعلى , عن محمد بن إدريس الشافعي , عن محمد بن خالد الجندي , عن أبان بن صالح , عن الحسن عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يزداد الأمر إلا شدة ولا الدنيا إلا إدباراً ولا الناس إلا شحاً ، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ، ولا مهدي إلا عيسى بن مريم " .
وهذا الحديث لا يحتاج إلى رده عناء , وهو ساقط سندا ومتنا , أما سنده ففيه محمد بن خالد الجندي :
قال العلامة ابن القيم : " فأما حديث : ( لا مهدي إلا عيسى ابن مريم ) . فرواه ابن ماجة في سننه عن يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي عن محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم , وهو مما تفرد به محمد بن خالد .
وقال أبو الحسين محمد بن الحسين الآبري في كتاب " مناقب الشافعي " : " محمد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل " .
وقال البيهقي : " تفرد به محمد بن خالد هذا " .
وقد قال الحاكم أبو عبد الله : " هو مجهول وقد اختلف عليه في إسناده فروي عنه عن أبان ابن أبي عياش عن الحسن مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد وهو مجهول , عن أبان بن أبي عياش وهو متروك , عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو منقطع " ( انظر المنار المنيف ص 145-146 , والتذكرة للقرطبي ص 570 ) .
وقال الذهبي : " قال الآزدي : منكر الحديث – أي محمد بن خالد - , قلت : حديث (لا مهدي إلا عيسى) وهو خبر منكر أخرجه ابن ماجة " ( ميزان الإعتدال 3/535 ) .
" وصرح النسائي بأنه منكر " . (الصواعق المحرقة للهيتمي 2/476) .
ونقل الحافظ ابن حجر قدح أبي عمرو , وأبي الفتح الآزدي بمحمد بن خالد . ( تهذيب التهذيب 9/125 ) .
وضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية في " منهاج السنة " (8/256) .
وهذا الحديث له طرق صحيحة أخرى لاتوجد فيها تلك الزيادة ، منها ما أخرجه الطبراني والحاكم بسندهما عن أبي أمامة وبنفس ألفاظ حديث ابن ماجة لكن من غير عبارة : " ولامهدي إلاّ عيسى بن مريم " . وقد صححه الحاكم فقال : " هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه ".
ولما صرح بالزيادة قال : " فذكرت ما انتهى إلي من علة هذا الحديث تعجباً لا محتجاً به في المستدرك على الشيخين " ( المستدرك 4/441-442 ) .
وقال الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة حديث رقم ( 77) : " حديث منكر " . ثم قال رحمه الله : " هذا الحديث تستغله طائفة القاديانية لنبيهم المزعوم , ميرزا غلام أحمد القادياني الذي ادعى النبوة ثم ادعى أنه عيسى بن مريم بنزوله آخر الزمان ، وأنه لا مهدي إلا عيسى بناء على هذا الحديث المنكر " .
فالخبر منكر ، ولا تصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فهل يجوز أن نأخذ العقائد من حديث موضوع أو حتى ضعيف ؟! إن القاديانيين يرفضون أحاديث صحيحة في البخاري ومسلم لأنهم يقولون بأنها ظنية الثبوت ولا تصح بها عقيدة . فكيف يقبلون إذاً بأحاديث معدومة الثبوت في باب العقيدة ؟! أم أن القواعد كلها تهون عندهم من أجل عيون غلام قاديان ؟!
وهؤلاء الغلامية يستدلون بتوثيق يحيى بن معين لمحمد بن خالد , ويقولون لا يضر تضعيف الأخرين له طالما وثقه ابن معين فقط !
فانظر إلى حال هؤلاء الجهلة المبتدعة , وما هذا إلا تحزب أعمى يظهر مدى تعلقهم بالقشة لإثبات صحة معتقدهم الفاسد , فمن المعروف عند أهل الحديث أن الجرح مقدم على التعديل , فإذا وجدنا طعناً في بعض رجال الأسانيد بغفلة أو بسوء حفظ أو ضعف أو سوء رأي تطرق ذلك إلى صحة الحديث لا محالة , فما بالك بمحمد بن خالد الجندي المنكر الحديث ؟!
ومن المعلوم عند أهل الصنعة من المحدثين أن الإمام يحيى ابن معين رحمه الله كان يوثق من كان له روايات مستقيمة بأن يكون له فيما يروي متابع أو شاهد صحيح , وحديث ( لا مهدي إلا عيسى ) حديث باطل غير مستقيم السند والمتن , وليس له شواهد أو متابعات صحيحة , بل ولا حتى باطلة مكذوبة , بل هناك شواهد تثبت بطلانه قطعا , فعلم من ذلك أن توثيق ابن معين لمحمد بن خالد لا يصح وفقا لمنهجه , وإن صح فهو لروايات أخرى بلغت ابن معين عن محمد بن خالد لها شواهد صحيحة , لأنه لم يثبت توثيق ابن معين لمحمد بن خالد فور سماعه للحديث .
وهذا من هفوات ابن معين رحمه الله إذ جعل الحكم على الراوي باستقامة الروايات أولا ثم متابعة حال استقامة الراوي نفسه , وقد يخلط الراوي بعد توثيقه له , أما أغلب علماء الحديث فلا يوثقون -في العادة- أحداً حتى يغلب على ظنه أن الإستقامة كانت ملَكةً لذلك الراوي ثم يطلعون على عدة أحاديث له تكون مستقيمة ، ولذلك تجد البخاري دقيقٌ جداً في أحكامه ، وإلا سكت عن الرجل .
قال المعلمي في " التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل "( 1/67) : ( وكان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخاً فسمع منه مجلساً ، أو ورد بغدادَ شيخٌ فسمع منه مجلساً ، فرأى تلك الأحاديث مستقيمة ، ثم سُئِلَ عن الشيخ وثَّقه! وقد يتفق أن يكون الشيخ دجَّالاً استقبل ابنَ معين بأحاديث صحيحة ، ويكون قد خلط قبل ذلك أو يخلط بعد ذلك . ذكر ابن الجنيد أنه سأل ابنَ معين عن محمد بن كثير القرشي الكوفي فقال: "ما كان به بأس" (وهو توثيق باصطلاحه). فحكى له أحاديث تُستنكر، فقال ابن معين: "فإن كان هذا الشيخ روى هذا فهو كذَّاب ، وإلا فإني رأيتُ حديث الشيخ مستقيماً". وقال ابن معين في محمد بن القاسم الأسدي: "ثقة وقد كتبت عنه". وقد كذّبه أحمد وقال: "أحاديثه موضوعة". وقال أبو داود: "غير ثقة ولا مأمون، أحاديثه موضوعة " ) .
وقال المعلمي(1 / 69) : " فقد عرفنا في الأمر السابق رأي بعض من يوثق المجاهيل من القدماء إذا وجد حديث الراوي منهم مستقيماً ، ولو كان حديثاً واحداً لم يَروِه عن ذاك المجهول إلا واحد. قإن شئت فاجعل هذا رأياً لأولئك الأئمة كابن معين. وإن شئت فاجعله اصطلاحاً في كلمة "ثقة" كأن يراد بها استقامة ما بلغ الموثق من حديث الراوي، لا الحكم للراوي نفسه بأنه في نفسه بتلك المنزلة " . ثم قال : " ابن معين كان ربما يطلق كلمة "ثقة"، لا يريد بها أكثر من أن الراوي لا يتعمد الكذب " .
والعجيب في الأمر أن هؤلاء الغلامية يتمسكون بحديث ( لا مهدي إلا عيسى ) رغم أن الغلام أمرهم بالإبتعاد كلية عن أحاديث المهدي , فضعف الأحاديث من جهة المتن لا السند , وهذا لما رأها تكشف إفكه وباطله , لأنها تتناقض مع دعواه وهيئته , وصفاته وسيرته !
وقد تعجب الغلام نفسه من حديث ( لا مهدي إلا عيسى ) مما يثبت تناقضه في دعواه أنه المسيح الموعود والمهدي في آن واحد !
كتب الميرزا في كتابه "حمامة البشرى" ص 314-315 : ( وأما أحاديث مجيء المهدي فأنت تعلم أنها كلها ضعيفة مجروحة حتى جاء حديث في ابن ماجة وغيره من الكتب أنه لا مهدي إلا عيسى بن مريم فكيف يتكأ على مثل هذه الأحاديث ... فالحاصل أن هذه الأحاديث كلها لا تخلو من المعارضات والتناقضات فاعتزل كلها ) .
أما بالنسبة لمتن الحديث , فساقط باطل لا يصح , لأنه قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر المهدي وأنه من أهل بيته وأنه يملك سبع سنين وأنه يؤم الأرض عدلا, وأن عيسى يخرج فيساعده المهدي على قتل الدجال وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه , وقد ورد ذلك صريحا في مسند الحارث بن أسامة بسنده عن جابر بن عبد الله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ينزل عيسى بن مريم , فيقول أميرهم المهدي تعال صل بنا , فيقول لا , إن بعضهم أمير بعض تكرمة الله لهذه الأمة " . قال ابن القيم : إسناده جيد . (المنار المنيف ص 147) .
وقال القرطبي : "والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة أصح من هذا الحديث ، فالحكم لها دونه " (التذكرة ص 570) .
وعلى سبيل التنزل نقول : أنه لو صح الحديث لم يكن فيه حجة , لأن عيسى أعظم مهدي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الساعة .
قال ابن القيم : " واحتج أصحاب هذا القول بحديث محمد بن خالد الجندي المتقدم ، وقد بينا حاله ، وأنه لا يصح ، ولو صح لم يكن به حجة ; لان عيسى أعظم مهدي بين يدي رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وبين الساعة ، وقد دلت السنة الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وآله - على نزوله على المنارة البيضاء شرقي دمشق ، وحكمه بكتاب اللّه، وقتله اليهود والنصارى ، ووضعه الجزية ، وإهلاك أهل الملل في زمانه ، فيصح أن يقال لا مهدي في الحقيقة سواه ، وإن كان غيره مهدياً ، كما يقال لا علم إلاّ ما نفع ، ولا مال إلاّ ما وقى وجه صاحبه ، وكما يصح أن يقال إنما المهدي عيسى ابن مريم ، يعني المهدي الكامل المعصوم " ( المنار المنيف ص 148-149 ) .
يتبع ...
من أعجب الأمور أن نرى الغلام يدعي أنه المسيح الموعود والمهدي في آن واحد , فهذا من التحريف لسنة محمد صلى الله عليه السلام , أما زعمه أنه المسيح عليه السلام فقد بيّنا كذبه وزيف ما زعم , أما زعمه أنه المهدي فهذا ما سنبينه في هذا الباب , فلقد استفاضت الأحاديث النبوية الشريفة في السنة المطهرة في وصف المهدي عليه السلام واسمه ومكثه , وكذا سيرته وحال زمانه وأنه سيساعد المسيح عليه السلام في قتل الدجال .
1- أخرج أبو داود من حديث إبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يكون في أمتي المهدي إن قصر فسبع وإلا فتسع تنعم فيه أمتي نعمة لم يسمعوا بمثلها قط , تؤتي أكلها ولا تترك منهم شيئا والمال يومئذ كرءوس . يقوم الرجل فيقول : يا مهدي اعطني فيقول خذ " .
ولقد رأينا كيف أن الغلام اقتطع من أموال أتباعه من أجل المتعة والترف , ولقد بلغ البذخ والتصرف في الأموال والواردات تصرفا مطلقا جدا أثار النقاش بين صفوة أصحابه , وتلامذة دعواه المقربين , فهذا هو الخواجة " كمال الدين " يبلغ به الحنق على هذه التصرفات أن يشكو بثه وحزنه إلى صديقه " محمد علي اللاهوري " أمير جماعة القاديانية في لاهور فيما بعد , والشيخ " سرور شاه " القادياني . ( " كشف الإختلاف " لسرور شاه القادياني ص 13 ) .
2- عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المهدي منا أهل البيت ، يصلحه الله في ليلة ) ( أخرجه أحمد في مسنده ) .
( يصلحه الله في ليلة ) : أي يصلح أمره و يرفع قدره في ليلة واحدة ، أو في ساعة واحدة من الليل ، حيث يتفق على خلافته أهل الحل والعقد فيها. وهذا معناه قطعاً أن المهدي لن يعرف نفسه أنه المهدي حتى يبايعه الناس . وليس قطعاً بطالب للخلافة ولا ظان لأهليته لها، ولذلك يبايعه الناس وهو كاره .
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتي يبعث فيه رجلا مني أو يواطيء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي " ( أخرجه أبو داود والترمذي ) .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المهدي مني – أي من نسلي – ، أجلى الجبهة – أي منحسر الشعر من مقدمة رأسه ، أو واسع الجبهة - ، أقنى الأنف – أي طويل الأنف ودقة أرنبته مع حدب في وسطه - ، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، كما ملئت ظلماً وجوراً ، ويملك سبع سنين " ( رواه أبو داود وإسناده حسن ) .
وأخرج أبو داود في سننه بسند صحيح عن أم سلمة رضي الله عنها ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( المهدي من عترتي ، من ولد فاطمة ) .
فهل كان الغلام من آل بيت محمد صلى الله عليه وسلم ؟! وهل الغلام اسمه محمد بن عبد الله ؟! وهل ملأ الأرض عدلا وقسطا ؟! وهل وحد الأمة ؟! أم على النقيض من كل ذلك !
3- يستدل الغلامية على صحة معتقدهم من أن الغلام هو المسيح الموعود والمهدي في نفس الوقت بحديث أخرجه ابن ماجة في كتاب الفتن , عن يونس بن عبد الأعلى , عن محمد بن إدريس الشافعي , عن محمد بن خالد الجندي , عن أبان بن صالح , عن الحسن عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يزداد الأمر إلا شدة ولا الدنيا إلا إدباراً ولا الناس إلا شحاً ، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ، ولا مهدي إلا عيسى بن مريم " .
وهذا الحديث لا يحتاج إلى رده عناء , وهو ساقط سندا ومتنا , أما سنده ففيه محمد بن خالد الجندي :
قال العلامة ابن القيم : " فأما حديث : ( لا مهدي إلا عيسى ابن مريم ) . فرواه ابن ماجة في سننه عن يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي عن محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم , وهو مما تفرد به محمد بن خالد .
وقال أبو الحسين محمد بن الحسين الآبري في كتاب " مناقب الشافعي " : " محمد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل " .
وقال البيهقي : " تفرد به محمد بن خالد هذا " .
وقد قال الحاكم أبو عبد الله : " هو مجهول وقد اختلف عليه في إسناده فروي عنه عن أبان ابن أبي عياش عن الحسن مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد وهو مجهول , عن أبان بن أبي عياش وهو متروك , عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو منقطع " ( انظر المنار المنيف ص 145-146 , والتذكرة للقرطبي ص 570 ) .
وقال الذهبي : " قال الآزدي : منكر الحديث – أي محمد بن خالد - , قلت : حديث (لا مهدي إلا عيسى) وهو خبر منكر أخرجه ابن ماجة " ( ميزان الإعتدال 3/535 ) .
" وصرح النسائي بأنه منكر " . (الصواعق المحرقة للهيتمي 2/476) .
ونقل الحافظ ابن حجر قدح أبي عمرو , وأبي الفتح الآزدي بمحمد بن خالد . ( تهذيب التهذيب 9/125 ) .
وضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية في " منهاج السنة " (8/256) .
وهذا الحديث له طرق صحيحة أخرى لاتوجد فيها تلك الزيادة ، منها ما أخرجه الطبراني والحاكم بسندهما عن أبي أمامة وبنفس ألفاظ حديث ابن ماجة لكن من غير عبارة : " ولامهدي إلاّ عيسى بن مريم " . وقد صححه الحاكم فقال : " هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه ".
ولما صرح بالزيادة قال : " فذكرت ما انتهى إلي من علة هذا الحديث تعجباً لا محتجاً به في المستدرك على الشيخين " ( المستدرك 4/441-442 ) .
وقال الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة حديث رقم ( 77) : " حديث منكر " . ثم قال رحمه الله : " هذا الحديث تستغله طائفة القاديانية لنبيهم المزعوم , ميرزا غلام أحمد القادياني الذي ادعى النبوة ثم ادعى أنه عيسى بن مريم بنزوله آخر الزمان ، وأنه لا مهدي إلا عيسى بناء على هذا الحديث المنكر " .
فالخبر منكر ، ولا تصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فهل يجوز أن نأخذ العقائد من حديث موضوع أو حتى ضعيف ؟! إن القاديانيين يرفضون أحاديث صحيحة في البخاري ومسلم لأنهم يقولون بأنها ظنية الثبوت ولا تصح بها عقيدة . فكيف يقبلون إذاً بأحاديث معدومة الثبوت في باب العقيدة ؟! أم أن القواعد كلها تهون عندهم من أجل عيون غلام قاديان ؟!
وهؤلاء الغلامية يستدلون بتوثيق يحيى بن معين لمحمد بن خالد , ويقولون لا يضر تضعيف الأخرين له طالما وثقه ابن معين فقط !
فانظر إلى حال هؤلاء الجهلة المبتدعة , وما هذا إلا تحزب أعمى يظهر مدى تعلقهم بالقشة لإثبات صحة معتقدهم الفاسد , فمن المعروف عند أهل الحديث أن الجرح مقدم على التعديل , فإذا وجدنا طعناً في بعض رجال الأسانيد بغفلة أو بسوء حفظ أو ضعف أو سوء رأي تطرق ذلك إلى صحة الحديث لا محالة , فما بالك بمحمد بن خالد الجندي المنكر الحديث ؟!
ومن المعلوم عند أهل الصنعة من المحدثين أن الإمام يحيى ابن معين رحمه الله كان يوثق من كان له روايات مستقيمة بأن يكون له فيما يروي متابع أو شاهد صحيح , وحديث ( لا مهدي إلا عيسى ) حديث باطل غير مستقيم السند والمتن , وليس له شواهد أو متابعات صحيحة , بل ولا حتى باطلة مكذوبة , بل هناك شواهد تثبت بطلانه قطعا , فعلم من ذلك أن توثيق ابن معين لمحمد بن خالد لا يصح وفقا لمنهجه , وإن صح فهو لروايات أخرى بلغت ابن معين عن محمد بن خالد لها شواهد صحيحة , لأنه لم يثبت توثيق ابن معين لمحمد بن خالد فور سماعه للحديث .
وهذا من هفوات ابن معين رحمه الله إذ جعل الحكم على الراوي باستقامة الروايات أولا ثم متابعة حال استقامة الراوي نفسه , وقد يخلط الراوي بعد توثيقه له , أما أغلب علماء الحديث فلا يوثقون -في العادة- أحداً حتى يغلب على ظنه أن الإستقامة كانت ملَكةً لذلك الراوي ثم يطلعون على عدة أحاديث له تكون مستقيمة ، ولذلك تجد البخاري دقيقٌ جداً في أحكامه ، وإلا سكت عن الرجل .
قال المعلمي في " التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل "( 1/67) : ( وكان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخاً فسمع منه مجلساً ، أو ورد بغدادَ شيخٌ فسمع منه مجلساً ، فرأى تلك الأحاديث مستقيمة ، ثم سُئِلَ عن الشيخ وثَّقه! وقد يتفق أن يكون الشيخ دجَّالاً استقبل ابنَ معين بأحاديث صحيحة ، ويكون قد خلط قبل ذلك أو يخلط بعد ذلك . ذكر ابن الجنيد أنه سأل ابنَ معين عن محمد بن كثير القرشي الكوفي فقال: "ما كان به بأس" (وهو توثيق باصطلاحه). فحكى له أحاديث تُستنكر، فقال ابن معين: "فإن كان هذا الشيخ روى هذا فهو كذَّاب ، وإلا فإني رأيتُ حديث الشيخ مستقيماً". وقال ابن معين في محمد بن القاسم الأسدي: "ثقة وقد كتبت عنه". وقد كذّبه أحمد وقال: "أحاديثه موضوعة". وقال أبو داود: "غير ثقة ولا مأمون، أحاديثه موضوعة " ) .
وقال المعلمي(1 / 69) : " فقد عرفنا في الأمر السابق رأي بعض من يوثق المجاهيل من القدماء إذا وجد حديث الراوي منهم مستقيماً ، ولو كان حديثاً واحداً لم يَروِه عن ذاك المجهول إلا واحد. قإن شئت فاجعل هذا رأياً لأولئك الأئمة كابن معين. وإن شئت فاجعله اصطلاحاً في كلمة "ثقة" كأن يراد بها استقامة ما بلغ الموثق من حديث الراوي، لا الحكم للراوي نفسه بأنه في نفسه بتلك المنزلة " . ثم قال : " ابن معين كان ربما يطلق كلمة "ثقة"، لا يريد بها أكثر من أن الراوي لا يتعمد الكذب " .
والعجيب في الأمر أن هؤلاء الغلامية يتمسكون بحديث ( لا مهدي إلا عيسى ) رغم أن الغلام أمرهم بالإبتعاد كلية عن أحاديث المهدي , فضعف الأحاديث من جهة المتن لا السند , وهذا لما رأها تكشف إفكه وباطله , لأنها تتناقض مع دعواه وهيئته , وصفاته وسيرته !
وقد تعجب الغلام نفسه من حديث ( لا مهدي إلا عيسى ) مما يثبت تناقضه في دعواه أنه المسيح الموعود والمهدي في آن واحد !
كتب الميرزا في كتابه "حمامة البشرى" ص 314-315 : ( وأما أحاديث مجيء المهدي فأنت تعلم أنها كلها ضعيفة مجروحة حتى جاء حديث في ابن ماجة وغيره من الكتب أنه لا مهدي إلا عيسى بن مريم فكيف يتكأ على مثل هذه الأحاديث ... فالحاصل أن هذه الأحاديث كلها لا تخلو من المعارضات والتناقضات فاعتزل كلها ) .
أما بالنسبة لمتن الحديث , فساقط باطل لا يصح , لأنه قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر المهدي وأنه من أهل بيته وأنه يملك سبع سنين وأنه يؤم الأرض عدلا, وأن عيسى يخرج فيساعده المهدي على قتل الدجال وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه , وقد ورد ذلك صريحا في مسند الحارث بن أسامة بسنده عن جابر بن عبد الله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ينزل عيسى بن مريم , فيقول أميرهم المهدي تعال صل بنا , فيقول لا , إن بعضهم أمير بعض تكرمة الله لهذه الأمة " . قال ابن القيم : إسناده جيد . (المنار المنيف ص 147) .
وقال القرطبي : "والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة أصح من هذا الحديث ، فالحكم لها دونه " (التذكرة ص 570) .
وعلى سبيل التنزل نقول : أنه لو صح الحديث لم يكن فيه حجة , لأن عيسى أعظم مهدي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الساعة .
قال ابن القيم : " واحتج أصحاب هذا القول بحديث محمد بن خالد الجندي المتقدم ، وقد بينا حاله ، وأنه لا يصح ، ولو صح لم يكن به حجة ; لان عيسى أعظم مهدي بين يدي رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وبين الساعة ، وقد دلت السنة الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وآله - على نزوله على المنارة البيضاء شرقي دمشق ، وحكمه بكتاب اللّه، وقتله اليهود والنصارى ، ووضعه الجزية ، وإهلاك أهل الملل في زمانه ، فيصح أن يقال لا مهدي في الحقيقة سواه ، وإن كان غيره مهدياً ، كما يقال لا علم إلاّ ما نفع ، ولا مال إلاّ ما وقى وجه صاحبه ، وكما يصح أن يقال إنما المهدي عيسى ابن مريم ، يعني المهدي الكامل المعصوم " ( المنار المنيف ص 148-149 ) .
يتبع ...
Comment