يقول بعض الكتّاب: " إن الإيمان بالله لم يأت نتيجةً لبحثٍ علمي، أو تحليل منطقي، وإنما جاء عن طريق أن إنساناً ما وهو النبي قال للناس: إن هناك إلهاً وهذه هي صفاته، وهذه هي أحكامه وتشريعاته، فالمؤمن لم يتوصل إلى ذاك " الله " بمحض عقله، بل إن إيمانه جاء عن طريق تصديق النبي فيما قاله. إذاً الإيمان ما هو إلا نوع من تصديق شخص ما وليس أكثر من ذلك.." ا.هـ ، بهذا التبسيط الساذج، يقرر الملاحدة قضية الإيمان بالله، ليس هناك من دليل على وجوده، سوى شخص جاء وأخبر عنه، وأمر الناس بطاعته، فالإيمان لا يعدو أن يكون تصديق شخص ما، لا أقل ولا أكثر، فهل رأى أحدٌ سخرية من العقل والمنطق كهذه السخرية !!
إن الإيمان بالله عز وجل خالق الوجود ومسيّره، أعظم وأجل من أن يقال فيه هذا، ووجوده أعظم من أن يقتصر في الاستدلال عليه على خبر النبي رغم أهميته وعظم دلالته، بل أدلة وجوده أوسع وأعمق، فهي تتسع لتشمل كل ذرات الكون من فرشه إلى عرشه، فما من مخلوق في هذا الكون إلا وهو ينادي بالدلالة على خالقه، وهي دلالة لا تقتصر على إثبات الوجود فقط، بل تتسع لتدل على صفات هذا الخالق العظيم، من العلم والحكمة والإرادة والقدرة وغيرها.
ورغم سعة هذه الدلالات وعظمتها، فقد وجد من شواذ البشر، من زعم أنه لا إله، وأن الحياة مادة صماء لا تعقل ولا تنطق، وهي مع ذلك قد أوجدت نفسها بنفسها عن طريق التلقائية والمصادفة !! وهي ذاتها تسيَّر نفسها عن طريق نظام الطبيعة وقوانينها، دون أن يتدخل أحد لا في إيجادها ولا في تسييرها، في منطق يعجز العقل عن تصوره، إذ كيف لمادة صماء أن توجد نفسها، فضلا على أن تهب الحياة لغيرها ؟!! كيف ؟! والعقل قاضٍ بأن الموجود لابد له من موجد، وأن المخلوق لا بد له من خالق، كما نطق بذلك لسان الفطرة عند أعرابي، عندما سئل عن دليل وجود الله ؟ فقال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدل على العليم الخبير.
وفي كل شيء له آية *تدل على أنه واحد
ومع وضوح دلائل وجود الخالق سبحانه، إلا أننا نرى أن لا بد من الإتيان على ما يتشبث به الملاحدة من شبه بالنقض والإبطال، ليعلموا أن ليس معهم من العلم شيءٌ يستندون إليه في إنكار خالقهم ورازقهم، فمن شبهات الملاحدة:
الشبهة الأولى ، قولهم: إن العقول عاجزة عن تصور كنه هذا الإله وحقيقته، وما عجزت العقول عن إدراكه وتصوره فهذا دليل على عدم وجوده.
ونحن نجيب على هذه الشبهة بقولنا: إن المقدمة الأولى من هذه القضية صحيحة بلا شك، فالعباد قاطبة عاجزون عن معرفة حقيقة هذا الإله العظيم، ومن مأثور كلام أهل العلم في ذلك، قولهم: "كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، وعجزك عن درك الإدراك إدراك، والبحث في كنه ذات الله إشراك "، لكن المقدمة الثانية غير صحيحة، إذ ليس كل ما عجزت العقول عن معرفة حقيقته وكنهه عدم، وإلا للزم أن تنكر العقول كثيرا من أسرار هذا الكون لعجزها عن معرفة حقيقتها وكنهها، فقد وقف العلماء عاجزين عن معرفة حقيقة المادة التي بين أيديهم، وهم يرونها بأعينهم، ويذوقونها بألسنتهم، ويشمونها بأنوفهم، ويصرفونها في طرق الحياة والعيش . فإذا كان هذا الشأن في معرفة أقرب الأشياء من الإنسان وألصقها به، فهل يطمع الإنسان أن يصل بعقله إلى معرفة حقيقة الله تعالى؟ وهل يطمع الإنسان الذي لا يعرف كيف يعرف ؟ ولا يدرك كيف يدرك ؟ ولا يعقل كيف يعقل ؟ أن يعقل حقيقة الله تعالى !!.
إن العلم لا يزال عاجزاً عن معرفة الطريقة التي يتم بها الإدراك، والوسيلة التي يتم بها الاتصال بين المادة والعقل، والكيفية التي يتلقى بها العقل الروحاني الإحساس بالشيء المادي فيدركه، فهل يطمع بعد ذلك أن يعرف كنه ذات الله تعالى ؟.
إن عدم اقتداركم – أيها الملاحدة - على تصور حقيقة الله لا يعني استحالة وجوده، ويكفي العقول أن تستدل على وجود الله بآثاره من نظام وإتقان وإحكام في هذا العالم، أما التطلع إلى إدراك حقيقة ذاته، فهذا ما لا سبيل للإنسان إليه، وفي هذا يقول أحد الفلاسفة الكبار، "روجر باكون " : " إنه لا يوجد عالم من علماء الطبيعة يستطيع أن يعرف كل شيء عن حقيقة ذبابة واحدة وخواصها، فضلا عن أن يعرف كنه ذات الله ".
الشبهة الثانية قولهم: إن عقولنا لا يمكن أن تتصور حصول شيء من لا شيء، أي استحالة خلق المادة من العدم، فكيف يخلق الإله من العدم ؟ وجوابنا عن هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول: أن قولهم لا يمكننا أن نتصور حصول شيء من لا شيء، مبني على قولهم بقدم المادة وأزليتها، وهذا عين المحال، إذ كيف للمادة الصماء أن توجد نفسها !! وإذا كنتم ادعيتم عجز العقول عن تصور خلق شيء من لا شيء، فإن العقول أعجز عن تصور قدم المادة وأزليتها، ذلك أن المادة لا يعقل أن تخلو من صورة تقوم بها، والعقل السليم يقطع بأن كل صورة تقوم في المادة هي حادثة لأنها تزول وتتغير، ولا يخفى أن كل ما يطرأ عليه العدم يستحيل عليه القدم .
الوجه الثاني: أن عجز العقول عن تصور حصول شيء من لا شيء، لا يعني امتناعه في نفسه، فقد تعجز العقول عن تصور أمور كثيرة وهي ثابتة، كعجزها عن تصور حقيقة المادة رغم أنها ملامسة مشاهدة، فإذا كان هذا الشأن في معرفة أقرب الأشياء من الإنسان وألصقها به، فهل يطمع الإنسان أن يخضع بعقله أفعال الله سبحانه لقوانين البشر وقدراتهم .!!
إن منشأ هذه الشبهة – إنكار الخلق من العدم - هو قياس التمثيل، فعندما رأوا أن المخلوق لا يمكن أن يصنع شيئا إلا من شيء آخر، نفوا أن يكون شيء مصنوعا من لا شيء، وإبطال هذا القياس بإيضاح الفرق بين الخالق والمخلوق، فالمخلوق لا يمكنه أن يصنع شيئا من لا شيء، أما الخالق فقدرته ليس لها حدود، فهو على كل شيء قدير، { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } ( يس : 82 ) .
الشبهة الثالثة : قولهم لو كان نظام الكائنات مخلوقا من إله حكيم، لكان موضوعا بقصد وحكمة، ولكانت علامات القصد والحكمة تامة في كل شيء، إلا أننا نرى في العالم أشياء لا تنطبق على القصد والحكمة.
والجواب على هذه الشبهة: أن جهلنا بحكمة مخلوق أو نظام ما في هذا الكون، ليس مبررا على الإطلاق أن ننكر خالقه سبحانه، ذلك أننا نشاهد من أسرار الله في مصنوعاته الحكم الباهرة ولم تزل تظهر لنا يوما بعد يوم حكمة بعد أخرى، مما كان خافيا علينا دهورا طويلة، فليس عدم إدراكنا للحكمة يعني انتفاءها وعدم وجودها، فقد تظهر لنا في يوم من الأيام ، كما ظهر سواها .
وإذا تأملتم – أيها الملاحدة - قصور العقل البشري وعجزه عن إدراك كثير من الأمور المادية المشاهدة لنا، وقارنتم بين هذا العجز وبين قدرة الله العظمى وحكمته، لم تستغربوا اختفاء حكمة بعض الأشياء عن عقولنا، ورأيتم أن من الأولى قياس القليل النادر، مما لم تظهر حكمته، على الكثير المستفيض الذي لا يعد ولا يحصى من شواهد حكم الله الظاهرة في مخلوقاته، لا أن تتخذوا من هذا القليل النادر الذي خفيت حكمته دليلا على إنكار وجود الله الخالق.
الشبهة الرابعة ، قولهم: إذا كان لكل موجود موجد، ولكل مخلوق خالق فمن خلق الله ؟ والجواب على هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول: أن إيراد هذا السؤال خطأ بين، ذلك أن قدرة الله جل جلاله تتعلق بالممكنات لا المستحيلات، وأن يخلق الله إلها من المستحيلات بلا شك، فلا تتعلق به القدرة، ذلك أن هذا الإله الذي سيخلقه الله سبحانه سيكون مخلوقا، وإذا كان مخلوقا فبالضرورة لن يكون خالقا وبالتالي لا يصلح أن يكون إلها.
الوجه الثاني: أننا لو تنزلنا وقلنا بصحة السؤال، لأفضى ذلك إلى التسلسل، وهو محال عقلا، بيانه أننا إذا أجبنا على سؤال من خلق الله ؟ بالقول: إنه خالق آخر، فسوف يرد نفس السؤال على الخالق الآخر، فيقال من خلق الخالق الآخر، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية، وفي المحصلة سنكون قد ارتكبنا محالين عقليين: الأول نفي الخالق، والثاني: القول بتسلسل علل لا نهاية لها.
الإيمان والعلم والفلسفة :
كثيرا ما يستند الملاحدة في إنكارهم للخالق إلى الفلسفة والمنطق، ويحاولون أن يظهروا بمظهر الباحثين والمفكرين، ولكنهم في حقيقة الأمر من أجهل المخلوقات على الإطلاق، ذلك أن الدين والعلم والفلسفة كلها قد اتفقت على الإيمان بالله سبحانه، وأنه موجد الكون ومدبره، ولكن كما قال بعض الفلاسفة: القليل من الفلسفة يبعد عن الله، لكن الكثير منها يرد إلى الله، وقد اخترنا في خاتمة هذا المقال بعض مقولات لعظماء من الفلاسفة الذين نصوا على وجود الله سبحانه، والإيمان به:
يقول "أفلاطون": " إن العالم آية في الجمال والنظام، ولا يمكن أن يكون هذا نتيجة علل اتفاقية، بل هو صنع عاقل، توخى الخير، ورتب كل شيء عن قصد وحكمة "
ويقول "ديكارت": "إنِّي مع شعوري بنقصٍ في ذاتي، أُحسُّ في الوقت نفسه بوجود ذاتٍ كاملة، وأراني مضطرًّا إلى اعتقادي؛ لأنَّ الشعور قد غَرَسَتْه في ذاتي تلك الذات الكاملة المتحليَّة بجميع صفات الكمال؛ وهي الله".
ويقول "أناكساغورس" أحد فلاسفة اليونان الأوائل: " من المستحيل على قوة عمياء، أن تبدع هذا الجمال، وهذا النظام اللذين يتجليان في هذا العالم، لأن القوة العمياء لا تنتج إلا الفوضى، فالذي يحرك المادة هو عقل رشيد، بصير حكيم "
ويقول ديكارت أيضاً: " أنا موجود فمن أوجدني ومن خلقني؟ إنني لم أخلق نفسي، فلا بد لي من خالق. وهذا الخالق لا بد أن يكون واجب الوجود، وغير مفتقر إلى من يوجده، أو يحفظ له وجوده، ولا بد أن يكون متصفا بكل صفات الجمال. وهذا الخالق هو الله بارئ كل شيء "
ويقول باسكال: " إن إدراكنا لوجود الله، هو من الإدراكات الأولية، التي لا تحتاج إلى جدل البراهين العقلية، فإنه كان يمكن أن لا أكون، لو كانت أمي ماتت قبل أن أولد حيا، فلست إذا كائنا واجب الوجود، ولست دائما ولا نهائيا، فلا بد من كائن واجب الوجود، دائم لا نهائي، يعتمد عليه وجودي، وهو الله الذي ندرك وجوده إدراكا أوليا، بدون أن نتورط في جدل البراهين العقلية، ولكن على الذين لم يقدر لهم هذا الإيمان القلبي أن يسعوا للوصول إليه بعقولهم.."
وبهذه الثلة من أقوال هؤلاء الفلاسفة وبما سبق من أدلة عقلية جلية، يتبين أن الإيمان بوجود الخالق قضية ضرورية بديهية، مركوزة في النفس والعقل، لا يخالطها ريب ولا شك، ولا تحتاج لبرهان إلا لمن فسدت فطرته، والله الموفق والهادي إلى سواء لسبيل.
هل يمكن أن يفتن النبي عن الوحي ؟
كتب بعض المفتونين قائلاً: " إنها لظاهرة خطيرة ومؤلمة، وهي إمكان فتنة الناس للنبي عن الوحي، وإمكان ركون النبي إلى فتنتهم – أي المشركين - "، واستشهد على قوله هذا بقول الله تعالى: { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً }(الإسراء: 73-75 ) ثم ساق بعض الروايات المذكورة في التفاسير ليدلل على صحة كلامه، والذي يريد من ورائه التشكيك في صدقية الوحي وموثوقيته، والتشكيك في صدقية النبي – صلى الله عليه وسلم -، والتأكيد على أن النبي غير قادر على تحمل ضغط قريش .
وللرد على هذا الافتراء لابد أن نقف مع الآية وقفة موضوعية توضح معانيها، وتضعها في سياقها، ومن خلال هذه الوقفة سيتضح بطلان ما ذكره الطاعنون. حيث وردت الآية في سياق الحديث عن الكفار في الآخرة، وذلك في قوله تعالى:{ ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً } والتي أعقبتها الآية محل البحث، وكان فيها انتقالاً واضحاً من الكلام عن الكفار في الآخرة إلى ذكر بعض أفعالهم في الدنيا، ولعل ذلك كان بمثابة التعليل لما يصيبهم في الآخرة من عذاب وعمى، حيث ذكر سبحانه أن الكفار بعد أن عجزوا عن ثني النبي عن دعوته، وعجزوا عن التأثير عليه بتعذيب أصحابه لجؤوا إلى سياسية اللين، حيث حاولوا ثني النبي – صلى الله عليه وسلم - عن بعض ما أوحي إليه { عن الذي أوحينا إليك }، من غير أن تبين الآية ما هو الشيء الذي طلبوا من النبي تغييره، وما هو الشيء الذي طلبوا إضافته للوحي { لتفتري علينا غيره } إلا أن السياق العام يدل على أنهم طلبوا من النبي تنازلاً ما تجاه آلهتهم الباطلة، وبالغوا في الأمر فطلبوا أن ينسب النبي هذا التنازل إلى الله، وجعلوا جائزة ذلك رضاهم وكف أذاهم عنه، ومصاحبتهم له { وإذا لاتخذوك خليلاً } إلا أن الله ثبته على الحق { ولولا أن ثبتناك }، ونبهه إلى خطورة هذا المسلك، ووعظه في ذلك: { إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً } فكانت هذه الآية بمثابة إعلام للأمة بأن الله حفظ كتابه، وامتنان من الله لنبيه على هذا الحفظ والتثبيت، فليس في الآية إذاً ما يمكن أن يشكل طعنا في الوحي، أو تشكيكا في النبي، كيف والآية صريحة أن الذي وقع من النبي من ميل لموافقتهم، لم يعدوا أن يكون حديث نفس لم يترجم إلى واقع عملي، أو تعهد لفظي، بل كان مجرد هم وربما خاطر سرعان ما نزل التثبيت الإلهي ليقطعه وليؤكد حفظ الله لنبيه ولكتابه، فالآية تدل على عكس ما يقوله الطاعنون .
وأما أسباب نزول الآية فهي ضعيفة، وإن ذكرها المفسرون، فإنهم يذكرون ما ثبت وما لم يثبت، فمما ذكره المفسرون في أسباب نزول الآية رواية سعيد قال: كان رسول - صلى الله عليه وسلم - يستلم الحجر الأسود، فمنعته قريش، وقالوا: لا ندعه حتى يلم – يمس - آلهتنا، فحدث نفسه، وقال: ما علي أن ألم بها بعد أن يدعوني أستلم الحجر، والله يعلم أني لها كاره، فأبى الله، فأنزل الله: { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره } الآية.
وهذه الرواية كما ترى مرسلة فسعيد وهو ابن جبير لم يدرك عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - فروايته عنه وعن الأحداث الواقعة في زمنه – عليه الصلاة والسلام – مرسلة، والمرسل من أقسام الضعيف، وعليه فالرواية من جهة السند لا تصح . وعلى فرض صحتها فحديث النبي لنفسه بموافقتهم كان اجتهاداً منه – عليه الصلاة والسلام – إذ ظن أن مس آلهتهم سوف يجلب مصالح شرعية منها: تمكينه من استلام الحجر، وهو عبادة وقربة، والمصلحة الثانية: تليين قلوب المشركين عليه وعلى أتباعه بما يزيد من احتمال إسلامهم وتخفيف معارضتهم للدعوة . وقد تقرر في أصول الفقه جواز اجتهاد النبي فيما لم ينزل عليه فيه شيء إلا أن الله يثبته على اجتهاده، أو يرشده إلى سبيل الصواب فيه، وهو ما حدث هنا؛ إذ نهاه عن إجابة المشركين إلى ما طلبوا؛ لما سيترتب على ذلك من نتائج سلبية تضر بالدعوة، وفي مقدمة تلك النتائج السلبية فتنة المؤمنين عن دينهم، بقول المشركين لهم: إن نبيكم وقدوتكم قد استلم آلهتنا وعظمها، وتخلى عما كان يدعو إليه، وفي ذلك أعظم الفتنة وأسوأ الأثر .
ومما ذكره المفسرون في سبب نزول الآية رواية قتادة - رحمه الله - قال: ذُكر لنا أن قريشاً خلوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة إلى الصبح، يكلمونه ويفخمونه ويسودونه ويقاربونه، وكان في قولهم أن قالوا: إنك تأتي بشيء لا يأتي به أحد من الناس، وأنت سيدنا وابن سيدنا، فما زالوا يكلمونه حتى كاد أن يقارفهم – يوافقهم -، ثم منعه الله وعصمه من ذلك .
والكلام في هذه الرواية كالكلام في رواية سعيد سنداً ومتنا فقتادة وهو ابن دعامة السدوسي تابعي ثقة لم يلق النبي – صلى الله عليه وسلم – فحديثه مرسل، والمرسل من أقسام الحديث الضعيف، والكلام في المتن لا يختلف عن سابقه غير أن الرواية السابقة فصلت ما طلب المشركون من النبي، وهذه أجملت .
ومما ذكروه أيضاً رواية ابن عباس - رضي الله عنهما - وهي أن: ثقيفاً كانوا قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله أجلنا سنة حتى يُهدى لآلهتنا، فإذا قبضنا الذي يُهدى لآلهتنا أخذناه، ثم أسلمنا وكسرنا الآلهة، فهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعطيهم، وأن يؤجلهم، فقال الله: { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلاً } .
وهذه الرواية وإن كانت مسندة إلا أن الطبري ألمح إلى ضعفها في تفسيره، هذا من جهة الكلام في سند الرواية أما الكلام في متنها فهي داخلة ضمن الاجتهاد المشروع للنبي – صلى الله عليه وسلم – ووجه الاجتهاد في ذلك أن القوم كانوا كفاراً، وترك النبي – صلى الله عليه وسلم - قتالهم سنة – على القول بأن هذه الآيات مدنية - غير مضرٍ، طالما أنهم بعد هذه المدة سيسلمون طواعية . هذا وجه اجتهاد النبي – صلى الله عليه وسلم - إلا أن الله نهاه عن إجابتهم، لما يحمل هذا الإذن من معنى الرضا بالكفر، والسماح بوجوده، وربما تشوفت قبائل أخرى غير ثقيف لتحصيل مثل هذا التأجيل، بما يؤدي إلى تعطيل جهاد الكفار .
وبهذا يظهر ألا مطعن في مدلول الآية الكريمة التي استشهدوا بها، بل على العكس، فالآية تدل على حفظ الله لنبيه من أن تزيغه الأهواء، وحفظه لكتابه أن يدخل فيه ما ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه، وهو حفظ تكفل الله به لنبيه وللأمة جمعاء، حتى يصل كتاب الله إلى البشر جميعا صافيا نقياً كما أنزل من غير زيادة ولا نقصان .
تحريف كلم القرآن عن مواضعه من الكذب على الله
ماحكم قول (لم يلد ولا يولد) ؟.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد:
قول (لم يلد ولا يولد) لا يجوز إن كان القائل يقصد به الآية من سورة الصمد بل هو منكر من القول وزور، لأنه تحريف لكتاب الله تعالى وقد يفضي بفاعله إلى الردة والعياذ بالله تعالى. والله تعالى أعلم.
الدليل على حفظ القرآن من التحريف
بسم الله الرحمن الرحيم
السادة المحترمون
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
هل يوجد حديث نبوي شريف عند مذاهب أهل السُنة، مداره أن القُرآن الكريم لم يصبه التحريف؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فالدليل على سلامة هذا القرآن من التحريف، هو قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر: 9].
وقد أجمع المسلمون على حفظه، وسلامته من كل تحريف، وعلى أن من ادعى وقوع التحريف فيه أنه كافر. وقد سبق بيان ذلك مفصلا تحت الفتوى رقم: 6472 .
والله أعلم.
الحكمة من حفظ القرآن دون غيره من الكتب المنزلة
بسم الله الرحمن الرحيم"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافطون"صدق الله العظيم لماذا تكفل الله عزوجل بحماية القرآن الكريم بينما لم يتكفل بحماية الكتب السماوية من التحريف بحيث عبث العابثون من يهود ونصارى في كتبهم السماوية ؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فالإيمان يقوم على التسليم لأمر الله والرضا، بحكمه، والانقياد لشرعه والاعتقاد بأن ما شرع الله وقضاه مبني على الحكمة التامة، وأنه تعالى: ( لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون) [الأنبياء:23]وقد يقف العبد على بعض الأسرار والحكم لبعض الأمور ولا يقف على البعض الآخر،ولعل من الحكم لحفظ القرآن دون غيره من الكتب - مع أن الكل من عند الله- أن القرآن لما كان هو آخر الكتب، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء، ناسب أن يكون هذا الكتاب العظيم محفوظاً من التبديل والتغيير لانتفاء بعثة نبي آخر ينفي التحريف ويظهر الحق.
وهذا على عكس الكتب السابقة التي جاء بعدها الأنبياء وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، فأخبر عن تحريفها، وأكد ما فيها من الحق .
والله أعلم.
منقول
my email
lastmissions
its hotmail
إن الإيمان بالله عز وجل خالق الوجود ومسيّره، أعظم وأجل من أن يقال فيه هذا، ووجوده أعظم من أن يقتصر في الاستدلال عليه على خبر النبي رغم أهميته وعظم دلالته، بل أدلة وجوده أوسع وأعمق، فهي تتسع لتشمل كل ذرات الكون من فرشه إلى عرشه، فما من مخلوق في هذا الكون إلا وهو ينادي بالدلالة على خالقه، وهي دلالة لا تقتصر على إثبات الوجود فقط، بل تتسع لتدل على صفات هذا الخالق العظيم، من العلم والحكمة والإرادة والقدرة وغيرها.
ورغم سعة هذه الدلالات وعظمتها، فقد وجد من شواذ البشر، من زعم أنه لا إله، وأن الحياة مادة صماء لا تعقل ولا تنطق، وهي مع ذلك قد أوجدت نفسها بنفسها عن طريق التلقائية والمصادفة !! وهي ذاتها تسيَّر نفسها عن طريق نظام الطبيعة وقوانينها، دون أن يتدخل أحد لا في إيجادها ولا في تسييرها، في منطق يعجز العقل عن تصوره، إذ كيف لمادة صماء أن توجد نفسها، فضلا على أن تهب الحياة لغيرها ؟!! كيف ؟! والعقل قاضٍ بأن الموجود لابد له من موجد، وأن المخلوق لا بد له من خالق، كما نطق بذلك لسان الفطرة عند أعرابي، عندما سئل عن دليل وجود الله ؟ فقال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدل على العليم الخبير.
وفي كل شيء له آية *تدل على أنه واحد
ومع وضوح دلائل وجود الخالق سبحانه، إلا أننا نرى أن لا بد من الإتيان على ما يتشبث به الملاحدة من شبه بالنقض والإبطال، ليعلموا أن ليس معهم من العلم شيءٌ يستندون إليه في إنكار خالقهم ورازقهم، فمن شبهات الملاحدة:
الشبهة الأولى ، قولهم: إن العقول عاجزة عن تصور كنه هذا الإله وحقيقته، وما عجزت العقول عن إدراكه وتصوره فهذا دليل على عدم وجوده.
ونحن نجيب على هذه الشبهة بقولنا: إن المقدمة الأولى من هذه القضية صحيحة بلا شك، فالعباد قاطبة عاجزون عن معرفة حقيقة هذا الإله العظيم، ومن مأثور كلام أهل العلم في ذلك، قولهم: "كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، وعجزك عن درك الإدراك إدراك، والبحث في كنه ذات الله إشراك "، لكن المقدمة الثانية غير صحيحة، إذ ليس كل ما عجزت العقول عن معرفة حقيقته وكنهه عدم، وإلا للزم أن تنكر العقول كثيرا من أسرار هذا الكون لعجزها عن معرفة حقيقتها وكنهها، فقد وقف العلماء عاجزين عن معرفة حقيقة المادة التي بين أيديهم، وهم يرونها بأعينهم، ويذوقونها بألسنتهم، ويشمونها بأنوفهم، ويصرفونها في طرق الحياة والعيش . فإذا كان هذا الشأن في معرفة أقرب الأشياء من الإنسان وألصقها به، فهل يطمع الإنسان أن يصل بعقله إلى معرفة حقيقة الله تعالى؟ وهل يطمع الإنسان الذي لا يعرف كيف يعرف ؟ ولا يدرك كيف يدرك ؟ ولا يعقل كيف يعقل ؟ أن يعقل حقيقة الله تعالى !!.
إن العلم لا يزال عاجزاً عن معرفة الطريقة التي يتم بها الإدراك، والوسيلة التي يتم بها الاتصال بين المادة والعقل، والكيفية التي يتلقى بها العقل الروحاني الإحساس بالشيء المادي فيدركه، فهل يطمع بعد ذلك أن يعرف كنه ذات الله تعالى ؟.
إن عدم اقتداركم – أيها الملاحدة - على تصور حقيقة الله لا يعني استحالة وجوده، ويكفي العقول أن تستدل على وجود الله بآثاره من نظام وإتقان وإحكام في هذا العالم، أما التطلع إلى إدراك حقيقة ذاته، فهذا ما لا سبيل للإنسان إليه، وفي هذا يقول أحد الفلاسفة الكبار، "روجر باكون " : " إنه لا يوجد عالم من علماء الطبيعة يستطيع أن يعرف كل شيء عن حقيقة ذبابة واحدة وخواصها، فضلا عن أن يعرف كنه ذات الله ".
الشبهة الثانية قولهم: إن عقولنا لا يمكن أن تتصور حصول شيء من لا شيء، أي استحالة خلق المادة من العدم، فكيف يخلق الإله من العدم ؟ وجوابنا عن هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول: أن قولهم لا يمكننا أن نتصور حصول شيء من لا شيء، مبني على قولهم بقدم المادة وأزليتها، وهذا عين المحال، إذ كيف للمادة الصماء أن توجد نفسها !! وإذا كنتم ادعيتم عجز العقول عن تصور خلق شيء من لا شيء، فإن العقول أعجز عن تصور قدم المادة وأزليتها، ذلك أن المادة لا يعقل أن تخلو من صورة تقوم بها، والعقل السليم يقطع بأن كل صورة تقوم في المادة هي حادثة لأنها تزول وتتغير، ولا يخفى أن كل ما يطرأ عليه العدم يستحيل عليه القدم .
الوجه الثاني: أن عجز العقول عن تصور حصول شيء من لا شيء، لا يعني امتناعه في نفسه، فقد تعجز العقول عن تصور أمور كثيرة وهي ثابتة، كعجزها عن تصور حقيقة المادة رغم أنها ملامسة مشاهدة، فإذا كان هذا الشأن في معرفة أقرب الأشياء من الإنسان وألصقها به، فهل يطمع الإنسان أن يخضع بعقله أفعال الله سبحانه لقوانين البشر وقدراتهم .!!
إن منشأ هذه الشبهة – إنكار الخلق من العدم - هو قياس التمثيل، فعندما رأوا أن المخلوق لا يمكن أن يصنع شيئا إلا من شيء آخر، نفوا أن يكون شيء مصنوعا من لا شيء، وإبطال هذا القياس بإيضاح الفرق بين الخالق والمخلوق، فالمخلوق لا يمكنه أن يصنع شيئا من لا شيء، أما الخالق فقدرته ليس لها حدود، فهو على كل شيء قدير، { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } ( يس : 82 ) .
الشبهة الثالثة : قولهم لو كان نظام الكائنات مخلوقا من إله حكيم، لكان موضوعا بقصد وحكمة، ولكانت علامات القصد والحكمة تامة في كل شيء، إلا أننا نرى في العالم أشياء لا تنطبق على القصد والحكمة.
والجواب على هذه الشبهة: أن جهلنا بحكمة مخلوق أو نظام ما في هذا الكون، ليس مبررا على الإطلاق أن ننكر خالقه سبحانه، ذلك أننا نشاهد من أسرار الله في مصنوعاته الحكم الباهرة ولم تزل تظهر لنا يوما بعد يوم حكمة بعد أخرى، مما كان خافيا علينا دهورا طويلة، فليس عدم إدراكنا للحكمة يعني انتفاءها وعدم وجودها، فقد تظهر لنا في يوم من الأيام ، كما ظهر سواها .
وإذا تأملتم – أيها الملاحدة - قصور العقل البشري وعجزه عن إدراك كثير من الأمور المادية المشاهدة لنا، وقارنتم بين هذا العجز وبين قدرة الله العظمى وحكمته، لم تستغربوا اختفاء حكمة بعض الأشياء عن عقولنا، ورأيتم أن من الأولى قياس القليل النادر، مما لم تظهر حكمته، على الكثير المستفيض الذي لا يعد ولا يحصى من شواهد حكم الله الظاهرة في مخلوقاته، لا أن تتخذوا من هذا القليل النادر الذي خفيت حكمته دليلا على إنكار وجود الله الخالق.
الشبهة الرابعة ، قولهم: إذا كان لكل موجود موجد، ولكل مخلوق خالق فمن خلق الله ؟ والجواب على هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول: أن إيراد هذا السؤال خطأ بين، ذلك أن قدرة الله جل جلاله تتعلق بالممكنات لا المستحيلات، وأن يخلق الله إلها من المستحيلات بلا شك، فلا تتعلق به القدرة، ذلك أن هذا الإله الذي سيخلقه الله سبحانه سيكون مخلوقا، وإذا كان مخلوقا فبالضرورة لن يكون خالقا وبالتالي لا يصلح أن يكون إلها.
الوجه الثاني: أننا لو تنزلنا وقلنا بصحة السؤال، لأفضى ذلك إلى التسلسل، وهو محال عقلا، بيانه أننا إذا أجبنا على سؤال من خلق الله ؟ بالقول: إنه خالق آخر، فسوف يرد نفس السؤال على الخالق الآخر، فيقال من خلق الخالق الآخر، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية، وفي المحصلة سنكون قد ارتكبنا محالين عقليين: الأول نفي الخالق، والثاني: القول بتسلسل علل لا نهاية لها.
الإيمان والعلم والفلسفة :
كثيرا ما يستند الملاحدة في إنكارهم للخالق إلى الفلسفة والمنطق، ويحاولون أن يظهروا بمظهر الباحثين والمفكرين، ولكنهم في حقيقة الأمر من أجهل المخلوقات على الإطلاق، ذلك أن الدين والعلم والفلسفة كلها قد اتفقت على الإيمان بالله سبحانه، وأنه موجد الكون ومدبره، ولكن كما قال بعض الفلاسفة: القليل من الفلسفة يبعد عن الله، لكن الكثير منها يرد إلى الله، وقد اخترنا في خاتمة هذا المقال بعض مقولات لعظماء من الفلاسفة الذين نصوا على وجود الله سبحانه، والإيمان به:
يقول "أفلاطون": " إن العالم آية في الجمال والنظام، ولا يمكن أن يكون هذا نتيجة علل اتفاقية، بل هو صنع عاقل، توخى الخير، ورتب كل شيء عن قصد وحكمة "
ويقول "ديكارت": "إنِّي مع شعوري بنقصٍ في ذاتي، أُحسُّ في الوقت نفسه بوجود ذاتٍ كاملة، وأراني مضطرًّا إلى اعتقادي؛ لأنَّ الشعور قد غَرَسَتْه في ذاتي تلك الذات الكاملة المتحليَّة بجميع صفات الكمال؛ وهي الله".
ويقول "أناكساغورس" أحد فلاسفة اليونان الأوائل: " من المستحيل على قوة عمياء، أن تبدع هذا الجمال، وهذا النظام اللذين يتجليان في هذا العالم، لأن القوة العمياء لا تنتج إلا الفوضى، فالذي يحرك المادة هو عقل رشيد، بصير حكيم "
ويقول ديكارت أيضاً: " أنا موجود فمن أوجدني ومن خلقني؟ إنني لم أخلق نفسي، فلا بد لي من خالق. وهذا الخالق لا بد أن يكون واجب الوجود، وغير مفتقر إلى من يوجده، أو يحفظ له وجوده، ولا بد أن يكون متصفا بكل صفات الجمال. وهذا الخالق هو الله بارئ كل شيء "
ويقول باسكال: " إن إدراكنا لوجود الله، هو من الإدراكات الأولية، التي لا تحتاج إلى جدل البراهين العقلية، فإنه كان يمكن أن لا أكون، لو كانت أمي ماتت قبل أن أولد حيا، فلست إذا كائنا واجب الوجود، ولست دائما ولا نهائيا، فلا بد من كائن واجب الوجود، دائم لا نهائي، يعتمد عليه وجودي، وهو الله الذي ندرك وجوده إدراكا أوليا، بدون أن نتورط في جدل البراهين العقلية، ولكن على الذين لم يقدر لهم هذا الإيمان القلبي أن يسعوا للوصول إليه بعقولهم.."
وبهذه الثلة من أقوال هؤلاء الفلاسفة وبما سبق من أدلة عقلية جلية، يتبين أن الإيمان بوجود الخالق قضية ضرورية بديهية، مركوزة في النفس والعقل، لا يخالطها ريب ولا شك، ولا تحتاج لبرهان إلا لمن فسدت فطرته، والله الموفق والهادي إلى سواء لسبيل.
هل يمكن أن يفتن النبي عن الوحي ؟
كتب بعض المفتونين قائلاً: " إنها لظاهرة خطيرة ومؤلمة، وهي إمكان فتنة الناس للنبي عن الوحي، وإمكان ركون النبي إلى فتنتهم – أي المشركين - "، واستشهد على قوله هذا بقول الله تعالى: { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً }(الإسراء: 73-75 ) ثم ساق بعض الروايات المذكورة في التفاسير ليدلل على صحة كلامه، والذي يريد من ورائه التشكيك في صدقية الوحي وموثوقيته، والتشكيك في صدقية النبي – صلى الله عليه وسلم -، والتأكيد على أن النبي غير قادر على تحمل ضغط قريش .
وللرد على هذا الافتراء لابد أن نقف مع الآية وقفة موضوعية توضح معانيها، وتضعها في سياقها، ومن خلال هذه الوقفة سيتضح بطلان ما ذكره الطاعنون. حيث وردت الآية في سياق الحديث عن الكفار في الآخرة، وذلك في قوله تعالى:{ ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً } والتي أعقبتها الآية محل البحث، وكان فيها انتقالاً واضحاً من الكلام عن الكفار في الآخرة إلى ذكر بعض أفعالهم في الدنيا، ولعل ذلك كان بمثابة التعليل لما يصيبهم في الآخرة من عذاب وعمى، حيث ذكر سبحانه أن الكفار بعد أن عجزوا عن ثني النبي عن دعوته، وعجزوا عن التأثير عليه بتعذيب أصحابه لجؤوا إلى سياسية اللين، حيث حاولوا ثني النبي – صلى الله عليه وسلم - عن بعض ما أوحي إليه { عن الذي أوحينا إليك }، من غير أن تبين الآية ما هو الشيء الذي طلبوا من النبي تغييره، وما هو الشيء الذي طلبوا إضافته للوحي { لتفتري علينا غيره } إلا أن السياق العام يدل على أنهم طلبوا من النبي تنازلاً ما تجاه آلهتهم الباطلة، وبالغوا في الأمر فطلبوا أن ينسب النبي هذا التنازل إلى الله، وجعلوا جائزة ذلك رضاهم وكف أذاهم عنه، ومصاحبتهم له { وإذا لاتخذوك خليلاً } إلا أن الله ثبته على الحق { ولولا أن ثبتناك }، ونبهه إلى خطورة هذا المسلك، ووعظه في ذلك: { إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً } فكانت هذه الآية بمثابة إعلام للأمة بأن الله حفظ كتابه، وامتنان من الله لنبيه على هذا الحفظ والتثبيت، فليس في الآية إذاً ما يمكن أن يشكل طعنا في الوحي، أو تشكيكا في النبي، كيف والآية صريحة أن الذي وقع من النبي من ميل لموافقتهم، لم يعدوا أن يكون حديث نفس لم يترجم إلى واقع عملي، أو تعهد لفظي، بل كان مجرد هم وربما خاطر سرعان ما نزل التثبيت الإلهي ليقطعه وليؤكد حفظ الله لنبيه ولكتابه، فالآية تدل على عكس ما يقوله الطاعنون .
وأما أسباب نزول الآية فهي ضعيفة، وإن ذكرها المفسرون، فإنهم يذكرون ما ثبت وما لم يثبت، فمما ذكره المفسرون في أسباب نزول الآية رواية سعيد قال: كان رسول - صلى الله عليه وسلم - يستلم الحجر الأسود، فمنعته قريش، وقالوا: لا ندعه حتى يلم – يمس - آلهتنا، فحدث نفسه، وقال: ما علي أن ألم بها بعد أن يدعوني أستلم الحجر، والله يعلم أني لها كاره، فأبى الله، فأنزل الله: { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره } الآية.
وهذه الرواية كما ترى مرسلة فسعيد وهو ابن جبير لم يدرك عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - فروايته عنه وعن الأحداث الواقعة في زمنه – عليه الصلاة والسلام – مرسلة، والمرسل من أقسام الضعيف، وعليه فالرواية من جهة السند لا تصح . وعلى فرض صحتها فحديث النبي لنفسه بموافقتهم كان اجتهاداً منه – عليه الصلاة والسلام – إذ ظن أن مس آلهتهم سوف يجلب مصالح شرعية منها: تمكينه من استلام الحجر، وهو عبادة وقربة، والمصلحة الثانية: تليين قلوب المشركين عليه وعلى أتباعه بما يزيد من احتمال إسلامهم وتخفيف معارضتهم للدعوة . وقد تقرر في أصول الفقه جواز اجتهاد النبي فيما لم ينزل عليه فيه شيء إلا أن الله يثبته على اجتهاده، أو يرشده إلى سبيل الصواب فيه، وهو ما حدث هنا؛ إذ نهاه عن إجابة المشركين إلى ما طلبوا؛ لما سيترتب على ذلك من نتائج سلبية تضر بالدعوة، وفي مقدمة تلك النتائج السلبية فتنة المؤمنين عن دينهم، بقول المشركين لهم: إن نبيكم وقدوتكم قد استلم آلهتنا وعظمها، وتخلى عما كان يدعو إليه، وفي ذلك أعظم الفتنة وأسوأ الأثر .
ومما ذكره المفسرون في سبب نزول الآية رواية قتادة - رحمه الله - قال: ذُكر لنا أن قريشاً خلوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة إلى الصبح، يكلمونه ويفخمونه ويسودونه ويقاربونه، وكان في قولهم أن قالوا: إنك تأتي بشيء لا يأتي به أحد من الناس، وأنت سيدنا وابن سيدنا، فما زالوا يكلمونه حتى كاد أن يقارفهم – يوافقهم -، ثم منعه الله وعصمه من ذلك .
والكلام في هذه الرواية كالكلام في رواية سعيد سنداً ومتنا فقتادة وهو ابن دعامة السدوسي تابعي ثقة لم يلق النبي – صلى الله عليه وسلم – فحديثه مرسل، والمرسل من أقسام الحديث الضعيف، والكلام في المتن لا يختلف عن سابقه غير أن الرواية السابقة فصلت ما طلب المشركون من النبي، وهذه أجملت .
ومما ذكروه أيضاً رواية ابن عباس - رضي الله عنهما - وهي أن: ثقيفاً كانوا قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله أجلنا سنة حتى يُهدى لآلهتنا، فإذا قبضنا الذي يُهدى لآلهتنا أخذناه، ثم أسلمنا وكسرنا الآلهة، فهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعطيهم، وأن يؤجلهم، فقال الله: { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلاً } .
وهذه الرواية وإن كانت مسندة إلا أن الطبري ألمح إلى ضعفها في تفسيره، هذا من جهة الكلام في سند الرواية أما الكلام في متنها فهي داخلة ضمن الاجتهاد المشروع للنبي – صلى الله عليه وسلم – ووجه الاجتهاد في ذلك أن القوم كانوا كفاراً، وترك النبي – صلى الله عليه وسلم - قتالهم سنة – على القول بأن هذه الآيات مدنية - غير مضرٍ، طالما أنهم بعد هذه المدة سيسلمون طواعية . هذا وجه اجتهاد النبي – صلى الله عليه وسلم - إلا أن الله نهاه عن إجابتهم، لما يحمل هذا الإذن من معنى الرضا بالكفر، والسماح بوجوده، وربما تشوفت قبائل أخرى غير ثقيف لتحصيل مثل هذا التأجيل، بما يؤدي إلى تعطيل جهاد الكفار .
وبهذا يظهر ألا مطعن في مدلول الآية الكريمة التي استشهدوا بها، بل على العكس، فالآية تدل على حفظ الله لنبيه من أن تزيغه الأهواء، وحفظه لكتابه أن يدخل فيه ما ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه، وهو حفظ تكفل الله به لنبيه وللأمة جمعاء، حتى يصل كتاب الله إلى البشر جميعا صافيا نقياً كما أنزل من غير زيادة ولا نقصان .
تحريف كلم القرآن عن مواضعه من الكذب على الله
ماحكم قول (لم يلد ولا يولد) ؟.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد:
قول (لم يلد ولا يولد) لا يجوز إن كان القائل يقصد به الآية من سورة الصمد بل هو منكر من القول وزور، لأنه تحريف لكتاب الله تعالى وقد يفضي بفاعله إلى الردة والعياذ بالله تعالى. والله تعالى أعلم.
الدليل على حفظ القرآن من التحريف
بسم الله الرحمن الرحيم
السادة المحترمون
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
هل يوجد حديث نبوي شريف عند مذاهب أهل السُنة، مداره أن القُرآن الكريم لم يصبه التحريف؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فالدليل على سلامة هذا القرآن من التحريف، هو قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر: 9].
وقد أجمع المسلمون على حفظه، وسلامته من كل تحريف، وعلى أن من ادعى وقوع التحريف فيه أنه كافر. وقد سبق بيان ذلك مفصلا تحت الفتوى رقم: 6472 .
والله أعلم.
الحكمة من حفظ القرآن دون غيره من الكتب المنزلة
بسم الله الرحمن الرحيم"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافطون"صدق الله العظيم لماذا تكفل الله عزوجل بحماية القرآن الكريم بينما لم يتكفل بحماية الكتب السماوية من التحريف بحيث عبث العابثون من يهود ونصارى في كتبهم السماوية ؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فالإيمان يقوم على التسليم لأمر الله والرضا، بحكمه، والانقياد لشرعه والاعتقاد بأن ما شرع الله وقضاه مبني على الحكمة التامة، وأنه تعالى: ( لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون) [الأنبياء:23]وقد يقف العبد على بعض الأسرار والحكم لبعض الأمور ولا يقف على البعض الآخر،ولعل من الحكم لحفظ القرآن دون غيره من الكتب - مع أن الكل من عند الله- أن القرآن لما كان هو آخر الكتب، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء، ناسب أن يكون هذا الكتاب العظيم محفوظاً من التبديل والتغيير لانتفاء بعثة نبي آخر ينفي التحريف ويظهر الحق.
وهذا على عكس الكتب السابقة التي جاء بعدها الأنبياء وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، فأخبر عن تحريفها، وأكد ما فيها من الحق .
والله أعلم.
منقول
my email
lastmissions
its hotmail
Comment