رؤوس الأطهار ورضى البغايا
{فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ }آل عمران39
تقدم لنا الآية الكريمة وصفاً لنبي الله يحيى ابن نبي الله زكريا عليهما السلام ، فهو سيد في قومه، يتمتع بمكانة ومنزلة عالية ، وحصورًا لا يأتي الذنوب والشهوات المحرمة, ويكون نبيّاً من الصالحين الذين بلغوا في الصَّلاح ذروته.
وزيادة في وصفه يقول الله جل في علاه في سورة أخرى {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً }{وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً }{وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً }{وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً } مريم 13-15
أي أنه أخذ التوراة بجد واجتهاد بحفظ ألفاظها وفهم معانيها والعمل بها, وأعطاه الله الحكمة وحسن الفهم وهو صغير السن كما وأعطاه رحمة ومحبة وطهارة من الذنوب, وكان خائفًا مطيعًا لله تعالى, مؤديًا فرائضه مجتنبًا محارمه. وكان بارًّا بوالديه مطيعًا لهما وقد أُعطي من الله سلام وأمان له يوم وُلِد ويوم يموت ويوم يُبعث مِن قبره حيًا.
هل هناك إنسان اجتمعت فيه كل هذه المكارم؟
وهل شفعت له تلك المكارم عند بني إسرائيل من أن يُقَدَّم رأسُه قرباناً لإرضاء بغي؟ وهل أنقص ذلك من قدره عند الله وعند عباده المؤمنين ؟
وردت في إنجيل متى من كتاب النصارى قصة استشهاده حيث يقول :
مقتل يوحنا المعمدان
14
فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ سَمِعَ هِيرُودُسُ حَاكِمُ الرُّبْعِ بِأَخْبَارِ يَسُوعَ. 2فَقَالَ لِخُدَّامِهِ: «هَذَا هُوَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ، وَقَدْ قَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ. وَلِذَلِكَ تُجْرَى عَلَى يَدِهِ الْمُعْجِزَاتُ! » 3فَإِنَّ هِيرُودُسَ كَانَ قَدْ أَلْقَى الْقَبْضَ عَلَى يُوحَنَّا وَكَبَّلَهُ بِالْقُيُودِ، وَأَوْدَعَهُ السِّجْنَ مِنْ أَجْلِ هِيرُودِيَّا زَوْجَةِ فِيلِبُّسَ أَخِيهِ، 4لأَنَّ يُوحَنَّا كَانَ يَقُولُ لَهُ: «لَيْسَ حَلاَلاً لَكَ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِهَا!» 5وَلَمَّا كَانَ هِيرُودُسُ يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ يُوحَنَّا، خَافَ مِنَ الشَّعْبِ، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَبِرُونَ يُوحَنَّا نَبِيّاً. 6وَفِي أَثْنَاءِ الاِحْتِفَالِ بِذِكْرَى مِيلاَدِ هِيرُودُسَ، رَقَصَتِ ابْنَةُ هِيرُودِيَّا فِي الْوَسَطِ، فَسَرَّتْ هِيرُودُسَ، 7فَأَقْسَمَ لَهَا وَاعِداً بِأَنْ يُعْطِيَهَا أَيَّ شَيْءٍ تَطْلُبُهُ. 8فَبَعْدَ اسْتِشَارَةِ أُمِّهَا، قَالَتْ: «أَعْطِنِي هُنَا عَلَى طَبَقٍ رَأْسَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ!» 9فَحَزِنَ الْمَلِكُ؛ وَلَكِنَّهُ أَمَرَ بِأَنْ تُعْطَى مَا تُرِيدُ، مِنْ أَجْلِ مَا أَقْسَمَ بِهِ أَمَامَ الْمُتَّكِئِينَ مَعَهُ. 10وَأَرْسَلَ إِلَى السِّجْنِ فَقَطَعَ رَأْسَ يُوحَنَّا. 11وَجِيءَ بِالرَّأْسِ عَلَى طَبَقٍ، فَقُدِّمَ إِلَى الصَّبِيَّةِ، فَحَمَلَتْهُ إِلَى أُمِّهَا. 12وَجَاءَ تَلاَمِيذُ يُوحَنَّا، فَرَفَعُوا جُثْمَانَهُ، وَدَفَنُوهُ. ثُمَّ ذَهَبُوا وَأَخْبَرُوا يَسُوعَ. 13فَمَا إِنْ سَمِعَ يَسُوعُ بِذَلِكَ، حَتَّى رَكِبَ قَارِباً وَرَحَلَ عَلَى انْفِرَادٍ إِلَى مَكَانٍ خَالٍ. فَسَمِعَتِ الْجُمُوعُ بِذَلِكَ، وَتَبِعُوهُ مِنَ الْمُدُنِ سَيْراً عَلَى الأَقْدَامِ. 14وَلَمَّا نَزَلَ يَسُوعُ إِلَى الشَّاطِيءِ، رَأَى جَمْعاً كَبِيراً، فَأَخَذَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ وَشَفَى مَرْضَاهُمْ.
لم يكن رفض نبي الله عليه السلام إصدار فتوى تحلل ذلك الزواج إلا اتباعاً لشريعة موسى عليه السلام التي تحرم زواج المحارم وتعتبره زناً . وفي هذا رد على النصارى الذين رموا عرض الحائط بدين الله ، فاتبعوا دينا ما أنزل الله به من سلطان ألفه بولس وغيره ، فيزعمون أن النصرانية دين مختلف عن شريعة موسى ، فلا يطبقونه رغم أن كتابهم يعزو للمسيح عليه السلام قوله في إنجيل متى الإصحاح 5 : 17 " ما جئت لأنقض بل لأكمل " أي أن الهدف من بعثته هو إتمام ما سبق من الشرائع كغيره من الأنبياء.
يقول سفر اللاويين عن حكم زواج المحارم :
18
6لاَ يُقَارِبْ إِنْسَانٌ جَسَدَ مَنْ هُوَ مِنْ لَحْمِهِ وَدَمِهِ لِيُعَاشِرَهُ. أَنَا الرَّبُّ. 7لاَ تَتَزَوَّجْ فَتَاةٌ أَبَاهَا، وَلاَ ابْنَ أُمَّهُ إِنَّهَا أُمُّكَ فَلاَ تَكْشِفْ عَوْرَتَهَا 8لاَ تَتَزَوَّجْ امْرَأَةَ أَبِيكَ لأَنَّهَا زَوْجَةُ أَبِيكَ. 9لاَ تَتَزَوَّجْ أُخْتَكَ بِنْتَ أَبِيكَ، أَوْ بِنْتَ أُمِّكَ، سَوَاءٌ وُلِدَتْ فِي الْبَيْتِ أَمْ بَعِيداً عَنْهُ، وَلاَ تَكْشِفْ عَوْرَتَهَا. 10لاَ تَتَزَوَّجِ ابْنَةَ ابْنِكَ أَوِ ابْنَةَ ابْنَتِكَ، وَلاَ تَكْشِفْ عَوْرَتَهَا لأَنَّهَا عَوْرَتُكَ. 11لاَ تَتَزَوَّجْ بِنْتَ امْرَأَةِ أَبِيكَ الْمَوْلُودَةَ مِنْ أَبِيكَ، وَلاَ تَكْشِفْ عَوْرَتَهَا لأَنَّهَا أُخْتُكَ. 12لاَ تَتَزَوَّجْ أُخْتَ أَبِيكَ. إِنَّهَا عَمَّتُكَ. 13لاَ تَتَزَوَّجْ أُخْتَ أُمِّكَ. إِنَّهَا خَالَتُكَ. 14لاَ تَتَزَوَّجْ فَتَاةٌ عَمَّهَا، وَلاَ تُعَاشِرْ زَوْجَةَ عَمِّكَ. إِنَّهَا عَمَّتُكَ. 15لاَ تَتَزَوَّجْ كَنَّتَكَ، فَإِنَّهَا امْرَأَةُ ابْنِكَ، وَلاَ تَكْشِفْ عَوْرَتَهَا. 16لاَ تَتَزَوَّجِ امْرَأَةَ أَخِيكَ، فَإِنَّهَا عَوْرَةُ أَخِيكَ. 17لاَ تَتَزَوَّجِ امْرَأَةً وَابْنَتَهَا، وَلاَ تَتَزَوَّجْ مَعَهَا ابْنَةَ ابْنِهَا أَوِ ابْنَةَ بِنْتِهَا، لأَنَّهُمَا قَرِيبَتَاهَا، وَإِنْ فَعَلْتَ تَرْتَكِبْ رَذِيلَةً. 18لاَ تَتَزَوَّجِ امْرَأَةً عَلَى أُخْتِهَا لِتَكُونَ ضَرَّةً مَعَهَا فِي أَثْنَاءِ حَيَاةِ زَوْجَتِكَ. 19لاَ تُعَاشِرِ امْرَأَةً وَهِيَ فِي نَجَاسَةِ حَيْضِهَا، 20وَلاَ تُقَارِبِ امْرَأَةَ صَاحِبِكَ فَتُعَاشِرَهَا وَتَتَنَجَّسَ بِهَا. 21لاَ تُجِزْ أَحَدَ أَبْنَائِكَ فِي النَّارِ قُرْبَاناً لِلْوَثَنِ مُولَكَ، لِئَلاَّ تُدَنِّسَ اسْمَ إِلَهِكَ. أَنَا الرَّبُّ 22لاَ تُضَاجِعْ ذَكَراً مُضَاجَعَةَ امْرَأَةٍ. إِنَّهَا رَجَاسَةٌ، 23وَلاَ تُعَاشِرْ بَهِيمَةً فَتَتَنَجَّسَ بِهَا، وَلاَ تَقِفِ امْرَأَةٌ أَمَامَ بَهِيمَةٍ ذَكَرٍ لِتُضَاجِعَهَا. إِنَّهُ فَاحِشَةٌ.
جاء في الحديث الشريف:
183764 - إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه ، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه
الراوي: - - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: ابن تيمية - المصدر: مجموع الفتاوى - الصفحة أو الرقم: 12/58
وبما أن في كتاب الله تأكيد لتحريم زواج المحارم ، فإننا نصدق حكم كتاب النصارى ، ورد ذلك في قوله سبحانه وتعالى :
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً }النساء23
هذا إضافة لما جاء في قصص الأنبياء عن ظروف استشهاده عليه السلام :
كان أحد ملوك ذلك الزمان طاغية ضيق العقل غبي القلب يستبد برأيه، وكان الفساد منتشرا في بلاطه.. وكان يسمع أنباء متفرقة عن يحيي فيدهش لأن الناس يحبون أحدا بهذا القدر، وهو ملك ورغم ذلك لا يحبه أحد.
وكان الملك يريد الزواج من ابنة أخيه، حيث أعجبه جمالها، وهي أيضاً طمعت بالملك، وشجعتها أمها على ذلك. وكانوا يعلمون أن هذا حرام في دينهم. فأراد الملك أن يأخذ الإذن من يحيى عليه السلام. فذهبوا يستفتون يحيى ويغرونه بالأموال ليستثني الملك.
لم يكن لدى الفتاة أي حرج من الزواج بالحرام، فلقد كانت بغيّ فاجرة. لكن يحيى عليه السلام أعلن أمام الناس تحريم زواج البنت من عمّها. حتى يعلم الناس –إن فعلها الملك- أن هذا انحراف، فغضب الملك وأسقط في يده فامتنع عن الزواج.
لكن الفتاة كانت لا تزال طامعة في الملك. وفي إحدى الليالي الفاجرة أخذت البنت تغني وترقص فأرادها الملك لنفسه فأبت وقالت: إلا أن تتزوجني. قال: كيف أتزوجك وقد نهانا يحيى. قالت: ائتني برأس يحيى مهراً لي. وأغرته إغراءً شديدا فأمر في حينه بإحضار رأس يحيى له.
فذهب الجنود ودخلوا على يحيى وهو يصلي في المحراب وقتلوه، وقدموا رأسه على صحن للملك، فقدّم الصحن إلى هذه البغيّ وتزوجها بالحرام.
وقيل في رواية أخرى : بل أحبته امرأة ذلك الملك وراسلته فأبى عليها، فلما يئست منه تحيلت في أن استوهبته من الملك، فتمنع عليها الملك ثم أجابها إلي ذلك، فبعث من قتله وأحضر إليها رأسه ودمه في طست.
يتبع إن شاء الله .....
مع ملاحظة للإدارة الكريمة ألا علاقة للموضوع بالحوار مع النصارى





























Comment