جامعة الأزهر
كلية أصول الدين بالقاهرة
قسم الحديث وعلومه
رسالة دكتواره وموضوعها
رد شبهــات حـول عصمــة النــبى
فى ضوء السنة النبوية الشريفة
مقدمة من الباحث
عمـاد السيــد محمــد إسماعيـــل الشــربيـــــنى
المدرس المساعد بقسم الحديث وعلومه بالكلية
إشـــراف
فضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد المهدى عبد القادر عبد الهادى
أستاذ الحديث وعلومه بكلية أصول الدين بالقاهرة
1423هـ – 2002م
قال الله عز وجل
أَوَلَمْ يَتَفَكَرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِن جِنَّةٍ إِن هُو إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ( )
وَمَا كَانَ لَكُم أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ( )
ويرحم الله القائل
هو النعمة العظمى هو الرحمة التى *** تجلى بها الرحمن فى السر والجهر
أيروم مخلــوق ثنـاءك بعـدمـا *** أثنى على أخلاقــك الخــلاق؟( )0
الإهـــــــداء
إلــى النــــور الخــالــــد0
إلى من أرجو الله تعالى شفاعته يوم الدين0
بأبى أنت وأمــى يا سيدى يا رسول الله!
هل لى أن أستـأذن فــى أن أطـــرق
باب خدمتك بإهـدائك هــذه الرسالــة؟
عماد الشربينى
كلمة شكر وتقدير
انطلاقاً من قول الله عز وجل : أن اشكر لى ولوالديك إلىَّ المصير( )، وقول رسول الله : "لا يَشْكُرُ اللهَ منْ لاَ يَشكُرُ الناسَ"( )0
• أحمد الله عز وجل؛ أن جعلنى تلميذاً من تلاميذ هذه المدرسة المباركة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، وأن منَّ علىَّ بالبحث فى هذا الموضوع الجليل، والحمد لله أولاً وآخراً على عونه وتوفيقه لإتمام هذا البحث، وأسأله عز وجل أن يتقبله خالصاً لوجهه الكريم0
• وأتقدم بجزيل الشكر وعرفان الجميل لوالدىَّ، اللذين شملانى برعايتهما وعطفهما حتى تمكنت من إتمام هذا العمل، أدعو الله عز وجل أن يغفر لهما ويرحمهما، وأن يبارك فى دينهما، وبدنهما، وأموالهما، وأن يجعل ذلك فى ميزان حسناتهما يوم القيامة0
• كما أتقدم بجزيل الشكر وعرفان الجميل، لأستاذى وشيخى الجليل، فضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد المهدى عبد القادر، على الرعاية والعناية التى شملنى بها، ما أعجزنى عن أداء شكره0
وهذا البحث مدين لفضيلته منذ أن كان أطروحة وحتى تمت الموافقة عليه، والبحث وصاحبه ثمرة من ثمرات غرسه المبارك0
وأخيراً : لا أملك إلا أن أدعو الله عز وجل أن يبارك فى دينه، وبدنه، وأهله، وولده، وماله، وأن يجزيه عنى وعن الإسلام خير الجزاء0
• ثم إن أجمل الشكر وأحسنه لمشايخى وأساتذتى الأجلاء،بكلية أصول الدين المباركة،على ما قدموا لى من عون على الموافقة على اختيار هذا الموضوع،وعلى ما قدموا لى من توجيهات وإرشادات،وتشجيع دائم، حتى تمكنت من إتمام هذا العمل. وإن استطردت لذكر أسمائهم لطال بى المقام ولكن مالا يدرك كله، لا يترك جله، فأخص بالذكر منهم؛ فضيلة الأستاذ الدكتور/ عزت عطية أستاذ ورئيس قسم الحديث بالكلية، والأستاذ الدكتور/ مروان شاهين، والأستاذ الدكتور/ بهاء الشاهد، الأساتذة بقسم الحديث بالكلية، فلهم ولسائر مشايخى وأساتذتى منى جزيل الشكر، وصالح الدعاء، وجزاهم الله عن العلم وأهله خير الجزاء0
• ولا يفوتنى أن أتقدم بجزيل الشكر، وعرفان الجميل، لكل من كانت له يد عون أو نصح أو إرشاد، أو توجيه، أو غير ذلك حتى أنجزت هذه الرسالة0
الله عز وجل أسأل أن يجزى الجميع عنى، وعن الإسلام خير الجزاء
وأن يوفقهم لما يحبه ويرضاه0
===
المقـدمـة
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وهو اللطيف الخبير، الحمد لله رب العالمين الذى هدانا وعلَّمنا، ومنَّ علينا، وتفضل ببلوغ المراد من خدمة سنة سيد المرسلين، التى فسرت الكتاب الكريم،، وبينته للناس، وحياً بوحى، ونوراً بنور، فاكتمل بهما الدين القويم، والصراط المستقيم0
اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب العالمين، سبحانك لا نحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك0
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، وعصمه فى دينه وخلقه، ليكون أميناً على وحيه، مبيناً لكتابه، خاتماً لأنبيائه ورسله، ولتقوم به الحجة والقدوة على هذه الأمة إلى يوم الدين0
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله، وصحبه البررة الأوفياء، أئمة الدين، وصفوة الخلق بعد الأنبياء والمرسلين0
ورضى الله عمن تبع سنتهم، وسلك طريقتهم، واقتفىَ أثرهم، ونصرهم إلى يوم الدين0
ثم أما بعد
فإن الله تعالى يقول فى كتابه العزيز : قل الحمد الله وسلام على عباده الذين اصطفى( ) ويقول سبحانه : وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار( )0
إن رب العزة فى هاتين الآيتين ونحوهما، يبين لكافة عباده أنه اختار واصطفى من خلقه أناساً أخياراً، عصمهم فى ظاهرهم وباطنهم، ورضاهم وغضبهم قبل النبوة وبعدها، لما علمَه عز وجل فيهم من أنهم سيكونون هداة للخلق يخرجونهم من الظلمات إلى النور، ويهدونهم إلى صراط العزيز الحميد0
وهذا الاصطفاء الذى يتحدث عنه رب العزة، هو اصطفاء وهم لا يزالون فى عالم الغيب لم يخلقوا بعد0
وهو ما يُظهر أن عصمة سيدنا رسول الله ، وسائر الأنبياء والمرسلين – عليهم الصلاة والسلام – مبنية على إرادة إلهية يمتنع معها وقوع المعصية منهم0
ويقول عز وجل : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءَنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلى إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم. قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عُمُراً من قبله أفلا تعقلون( )0
ففى قوله : فقد لبثت فيكم عُمُراً من قبله يقدم رب العزة حياة رسوله ، وسيرته الطاهرة قبل بعثته، دليلاً على عصمته ونبوته. والمعنى فى الآيتين : إنى جئتكم بالقرآن عن إذن الله لى فى ذلك ومشيئته وإرادته، والدليل على أنى لست أتقوله من عندى ولا افتريته؛ أنكم عاجزون عن معارضته، وأنكم تعلمون صدقى وأمانتى منذ نشأت بينكم إلى حين بعثنى الله عز وجل، لا تنتقدون علىَّ شيئاً تُعِّيرونى به. ولهذا قال : فقد لبثت فيكم عُمُراً من قبله أفلا تعقلون أى : أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل!
والقارئ لسيرة سيدنا رسول الله ، لا يشك فى عصمته فقد كانت نشأته ، منذ ولدته أمه إلى أن بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين، أكمل نشأة، تولاه الله تعالى فأدبه، ورباه فكمِله، ورعاه فحفظه مما كان يشين حياة قومه من وثنية، وعادات مستقبحة، حتى غدا أكمل إنسان فى بشريته، فلم تعرف له فى سيرته هفوة، ولم تحص عليه فيها زلة، بل إنه امتاز بسمو الخلق، ورجاحة العقل، وعظمة النفس، وحسن الأحدوثة بين الناس، ثم نبأه الله تعالى وبعثه، فنمت فيه هذه الفضائل وترعرعت حتى أصبحت حياته فريدة فى تاريخ هذه الحياة الدنيا0
فمن أين له هذا؟ وهو اليتيم الذى تعرض منذ طفولته لمحنة اليتم والفقر! وهو الأمى الذى لم يجلس طيلة حياته إلى معلم يثقف عقله! وهو الذى نشأ فى بيئة سيطرت عليها الجاهلية سيطرة كاملة فى مجال العقيدة والفكر، وفى مجال الأخلاق والسلوك، وطبعت الناس بطابعها البغيض حتى لا تكاد تجد إنساناً يسلم من وراثة البيئة، وعدوى التقاليد الجاهلية الموروثة عن الآباء والأجداد. فكيف نجا سيدنا رسول الله من تلك المؤثرات القوية؟0
إنك لا تستطيع أن تدرك سر كمال عقله وعقيدته وأخلاقه، وبراءته من كل نقائص ومثالب بيئته التى نشأ فيها إلا أن تقول : إنه الإعداد الإلهى للنبوة والله أعلم حيث يجعل رسالته( ) إنها العصمة الربانية التى حفظته من بيئة الجاهلية أربعين عاماً لم يصبه أذى من غبارها، فشب أكمل الناس خَلْقاً وخُلُقاً0
وشهد له بتلك العصمة ربه عز وجل فى عشرات الآيات القرآنية منها إجمالاً قوله تعالى : قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدى عذاب شديد( )0
وقوله سبحانه : ما ضل صاحبكم وما غوى( ) ففى هاتين الآيتين ونحوهما كان التعبير فيها بـ "صاحبكم" تذكيراً وتقريراً بأن كفار مكة أعرف الناس به، فرسول الله لم يفارقهم، وهم لم يفارقوه، بل صحبهم وصحبوه، ولازمهم ولازموه، وهذا يفيد أن كفار مكة فى اتهامهم لرسول الله بعدم العصمة ووصفه بالضلال والجنون والسحر مكابرون، والدليل حاله قبل نبوته حيث صحبتهم له منذ نشأته بينهم، واعترافهم له بالأمانة والصدق، ورجاحة العقل، والخلق القويم0
وإذا طعن كفار قريش قديماً فى عصمة رسول الله ، وتبعهم من لا يعتد بخلافهم من الفضيلية والأزارقة من الخوارج والكرامية وغيرهم، فقد ظهر حديثاً أذيالهم من المنكرين للسنة النبوية، الزاعمين أن رسول الله غير معصوم، ويجوز عليه ما يجوز على سائر البشر من الذنوب؛ كما زعموا أن سيرة رسول الله الواردة فى السنة المطهرة تختلف عنها فى سيرته فى القرآن الكريم، وأن فى الأحاديث المتعلقة بسيرته ما يطعن فى عصمته، ويشوه شخصيته0
وقد استند هؤلاء المشاغبون فى عصمة النبى إلى بعض النصوص القرآنية التى قد يُتوهم من ظاهرها أن رسول الله ، كان فى ضلال أو غفلة أو شك، وكذلك نصوص ورد فيها بعض التنبيهات الموجهة مباشرة إلى ضمير خطابه 0
كما استندوا أيضاً إلى بعض الأحاديث التى قد يتوهم من ظاهرها عدم عصمة رسول الله فى عقيدته وقلبه، وبلاغه للوحى، واجتهاده، وسلوكه وهديه0
وهذا ما دفعنى إلى اختيار موضوع هذه الرسالة : "رد شبهات حول عصمة النبى فى ضوء السنة النبوية الشريفة" وقد هدفت من تسجيله إلى عدة أهداف منها :
أولاً : بيان أن عصمة الأنبياء وعلى رأسهم سيدنا رسول الله ضرورة دينية، وأنها سبيل حجية وحى الله تعالى من القرآن والسنة0
ثانياً : أن يكون هذا البحث هادياً لمن تأثر من أبناء الإسلام بشبهات أعداء السنة حول عصمة رسول الله ، مما يوجب على من عرف الحق أن يأخذ بأيديهم إلى بر الأمان0
ثالثاً : إرادة توطيد إيمان المؤمنين، وتقوية محبتهم لرسول الله ، ومعرفتهم بمكانته العليا، وحفاوة الله تعالى به فى تربيته حتى فى الآيات المتشابهات التى يتعلق بها أعداء الإسلام ومقلدوهم من المسلمين، مما يظهر أن ما ورد من ظاهر تلك الآيات مما يمس عصمته غير مراد0
رابعاً : بيان أن سيرة رسول الله الواردة فى صحيح السنة المطهرة تعتبر فى ميزان العقل البشرى والعلمى معجزة، لا تستطيع الأمم جميعها فى الحاضر والمستقبل أن تفعل مثلها، إذ لم يحفظ لنا التاريخ من بين جميع الأمم، حياة رجل منذ طفولته إلى وفاته، مثلما حفظه المسلمون عن رسولهم بكل دقة، وبكل حب وإخلاص0
خامساً : بيان أن أئمة السيرة ورواتها لم تكن وظيفتهم بصدد أحداث السيرة إلا تثبيت ما هو ثابت منها بمقياس علمى دقيق، يتمثل فى قواعد مصطلح الحديث المتعلقة بكل من السند والمتن، وفى قواعد علم الجرح والتعديل المتعلقة بالرواة وتراجمهم؛ ولا تستطيع أى أمة من الأمم فى السابق واللاحق أن تأتى بمثل هذا الميزان العلمى، أو حتى تلتزمه فى ميدان التطبيق العمِلى0
سادساً : بيان أن سيرة رسول الله لها أهميتها فى فهم الإسلام قرآناً، وسنةً، وحضارةً0
سابعاً : بيان أن حملة التشكيك فى السيرة العطرة الواردة فى السنة النبوية مرض عقلى، ووباء فكرى، يصيب الحاقدين، وهو مذهب الذين فى قلوبهم مرض، الذين يستهدفون أن يفقد المسلمون الصورة التطبيقية لحياة رسول الله ، وبذلك يفقد الإسلام أكبر عناصر قوته، فأحببت أن تكون لى مشاركة فى رد تلك الحملة، وإيقاف زحفها، مع من بذلوا جهوداً فى الدفاع عن السيرة، لحماية حصنها من التهديم والتخريب، راجياً بذلك المثوبة من الله تعالى0
ثامناً : بيان أن الباطل مهما لمع بريقه، وتكاتف من ورائه أناس على تقويته، إلا أنه سرعان ما يخفت هذا اللمعان، ولا يجنى أصحاب هذا الباطل من وراء باطلهم إلا الخيبة والخسران0
وما شأن شراذم البغى قديماً وحديثاً، ومحاولاتهم النيل من سيرة المعصوم ، وسنته المطهرة، إلا كشأن من قال عنه الأعشى بن قيس :
كناطح صخرة يوماً ليوهنها … فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل0
خطة البحث :
تتكون خطة البحث فى الموضوع إلى مقدمة، وتمهيد، وأربعة أبواب، وخاتمة0
أما المقدمة فقد ضمنتها : سبب اختيار الموضوع، وأهميته، وخطة البحث ومنهج البحث فيه0
أما التمهيد فيشتمل على مبحثين :
المبحث الأول : التعريف بالعصمة، وبيان دلالتها على حجية القرآن الكريم، والسنة النبوية، والاقتداء بالنبى 0
المبحث الثانى : أهمية السيرة النبوية فى فهم الإسلام قرآناً وسنةً، وحضارةً0
أما الأبواب فهى :
الباب الأول : عصمة رسول الله فى عقله وبدنه ودفع الشبهات ويشتمل على فصلين :
الفصل الأول : عصمته فى عقله وبدنه كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية، ويشتمل على تمهيد ومبحثين :
المبحث الأول : دلائل عصمته فى عقله من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية0
المبحث الثانى : دلائل عصمته فى بدنه من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية0
الفصل الثانى : شبه الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها ويشتمل على تمهيد ومبحثين :
المبحث الأول : شبهاتهم من القرآن الكريم على عدم عصمة النبى فى عقله وبدنه والرد عليها، ويشتمل على تمهيد وخمسة مطالب :
المطلب الأول : شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الضلال" و"الغفلة" إلى ضمير خطابه والجواب عنها0
المطلب الثانى : شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الذنب" و"الوزر" إلى ضمير خطابه والجواب عنها0
المطلب الثالث : شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله بتقوى الله عز وجل، ونهيه عن طاعة الكافرين، ونهيه عن الشرك، والجواب عنها0
المطلب الرابع : شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله بتعرض الشيطان له والجواب عنها0
المطلب الخامس : شبهتهم حول آيات ورد فيها معاتبة رسول الله والجواب عنها0
المبحث الثانى : شبهاتهم من السنة النبوية على عدم عصمة النبى فى عقله وبدنه والرد عليها ويشتمل على تمهيد وخمسة مطالب :
المطلب الأول : شبهة الطاعنين فى حديث "شق صدره " والرد عليها0
المطلب الثانى : شبهة الطاعنين فى حديث "فترة الوحى" والرد عليها0
المطلب الثالث : شبهة الطاعنين فى حديث "نحن أحق بالشك من إبراهيم" والرد عليها0
المطلب الرابع : شبهة الطاعنين فى حديث "سحر رسول الله " والرد عليها0
المطلب الخامس : شبهة الطاعنين فى حديث "أهجر" والرد عليها0
الباب الثانى : عصمة رسول الله فى تبليغ الوحى ودفع الشبهات ويشتمل على فصلين :
الفصل الأول : عصمته فى تبليغ الوحى كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية، ويشتمل على تمهيد ومبحثين :
المبحث الأول : التعريف بالوحى، وكيفياته0
المبحث الثانى : دلائل عصمته فى تبليغ الوحى من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية0
الفصل الثانى : شبه الطاعنين فى الوحى الإلهى والرد عليها ويشتمل على مبحثين :
المبحث الأول : شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول الوحى الإلهى والرد عليها، ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب :
المطلب الأول : شبهة الوحى النفسى والرد عليها0
المطلب الثانى : شبهة أن الوحى عبارة عن أمراض نفسية وعقلية والرد عليها0
المطلب الثالث : شبهة أن الوحى مقتبس من اليهودية والنصرانية والرد عليها0
المطلب الرابع : فرية الغرانيق والرد عليها0
المبحث الثانى : شبهات أعداء السنة النبوية حول الوحى الإلهى والرد عليها ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب :
المطلب الأول : شبهة أن مهمة رسول الله قاصرة على بلاغ القرآن فقط والرد عليها0
المطلب الثانى : شبهة أن رسول الله ليست له سنة نبوية والرد عليها0
المطلب الثالث : شبهة أنه لا طاعة لرسول الله إلا فى القرآن فقط والرد عليها0
المطلب الرابع : شبهة أن طاعة رسول الله تأليه وشرك والرد عليها0
الباب الثالث : عصمة رسول الله فى اجتهاده ودفع الشبهات ويشتمل على فصلين :
الفصل الأول : عصمته فى اجتهاده كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية ويشتمل على مبحثين :
المبحث الأول : التعريف بالاجتهاد، وحكمته فى حقه 0
المبحث الثانى : دلائل عصمته فى اجتهاده من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية0
الفصل الثانى : شبهة أن اجتهاد رسول الله يؤيد أن السنة المطهرة ليست كلها وحى والرد عليها0
الباب الرابع : عصمة رسول الله فى سلوكه وهديه ودفع الشبهات ويشتمل على تمهيد وسبعة فصول :
الفصل الأول : شبهة اختلاف سيرة رسول الله فى كتب السنة والتاريخ عنها فى القرآن الكريم والرد عليها0
الفصل الثانى : شبهة الطاعنين فى حديث "خلوة النبى بامرأة من الأنصار" والرد عليها0
الفصل الثالث : شبهة الطاعنين فى حديثى "نوم النبى عند أم سليم وأم حرام" والرد عليها0
الفصل الرابع : شبهة الطاعنين فى حديث "طوافه على نسائه فى ساعة واحدة" والرد عليها0
الفصل الخامس : شبهة الطاعنين فى حديث "مباشرة رسول الله نسائه فى المحيض" والرد عليها0
الفصل السادس : شبهة الطاعنين فى حديث "دعوته لعائشة رضى الله عنها استماع الغناء والضرب بالدف" والرد عليها0
الفصل السابع : شبهة الطاعنين فى حديث "اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة" والرد عليها0
الخاتمة : وفيها نتائج هذه الدراسة، ومقترحات، وتوصيات، والفهارس العلمية للبحث0
هذا ولم أتعرض لتحرير مبحث أو مطلب إلا بعد أن رجعت إلى ما أمكننى الاطلاع عليه من الكتب المؤلفة فيه كبيرها وصغيرها، فقد يوجد فى الصغير مالا يوجد فى الكبير0
ولم أكتب شيئاً إلا بعد أن أعتقد صحته وأطمئن إليه، غير متأثر برأى أحد ممن كتب فيه كائناً من كان، معاصراً أو غير معاصر، ولم أتردد فى مخالفته متى تبين لى أنه قد أخطأ، مع بيان وجهة نظرى فى ذلك، ومع احترامى له، واعترافى بفضله، وتقديرى لعلمه، واعتقادى أنه "صاحب آيات، وسباق غايات"0
وقد يؤخذ علىَّ : أنى قد أطلت فى بعض المباحث، أو كررت بعض العبارات، أو أظهرت فى محل إضمار، أو غير ذلك. ولكنى قصدت بهذا كله توفية البحث حقه، وإتمام الفائدة، وزيادة الإيضاح، وعدم وقوع الناظر فى اللبس0
وإذا كانت الدراسة الموضوعية الصادقة هى تلك التى تعتمد على النصوص والوثائق؛ فقد التزمت هذه الرسالة – إلى حد كبير – بإيرادها كشواهد ودلائل على ما عالجته من مسائل وقضايا0
منهجى فى البحث :
1- كل ما عرضته فى الرسالة من شبه ومطاعن أهل الزيغ والهوى قديماً وحديثاً، المتضمنة الطعن فى عصمة رسول الله ، فإنى قرنت ذلك بالرد الحاسم الذى يبين بطلان وزيف تلك الشبه والمطاعن معتمداً فى ذلك على القرآن الكريم والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، وكلام أهل السنة قديماً وحديثاً. فإن كان من جهد فى هذه الرسالة فإنما هو ثمرة الوقوف على أكتاف العلماء، ونتاج المربين الذين ربونا صغاراً، وحملونا كباراً، والمنة لله وحده، وهو ولى الجزاء، وشكر الله للعلماء بذلهم0
2- بينت مواضع الايات التى وردت فى الرسالة بذكر اسم السورة، ورقم الآية فى الهامش، مع وضع الآية بين قوسين0
3- عزوت الأحاديث التى أوردتها فى الرسالة إلى مصادرها الأصلية من كتب السنة المعتمدة، فإن كان الحديث فى الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بالعزو إليهما، بذكر اسم الكتاب، واسم الباب، وذكر الجزء والصفحة ورقم الحديث، وأقدم فى التخريج من ذكرت لفظه، مع البيان غالباً لدرجة الحديث من خلال أقوال أهل العلم بالحديث، أو دراستى للسند، إن كان الحديث فى غير الصحيحين، وفيما عدا ذلك اقتصر على ما يفيد ثبوت الحديث أو رده0
4- اعتمدت فى التخريج من الصحيحين على طبعتى البخارى "بشرح فتح البارى" لابن حجر، والمنهاج "شرح صحيح مسلم" للنووى، لصحة متون الأحاديث فى الشرحين، ولصحة عرضهما على أصول الصحيحين، وتسهيلاً للقارئ لكثرة تداول تلك الشروح، وإتماماً للفائدة بالاطلاع على فقه الحديث المخرَّج0
5- التزمت عند النقل من أى مرجع، أو الاستفادة منه الإشارة إلى رقم جزئه وصفحته بالإضافة إلى ذكر طبعات المراجع فى الفهرست0
6- عند النقل من فتح البارى، أو المنهاج شرح مسلم للنووى، أذكر رقم الجزء والصفحة ورقم الحديث الوارد فيه الكلام المنقول، تيسيراً للوصول إلى الكلام المنقول، نظراً لاختلاف رقم الصفحات تبعاً للطبعات المتعددة0
7- اكتفيت فى تراجم الأعلام من الصحابة بذكر مصادر تراجمهم بذكر رقم الجزء والصفحة ورقم الترجمة، ولم أترجم لهم لعدالتهم جميعاً، ولم أخالف فى ذلك إلا فى القليل عندما تقتضى الترجمة الدفاع عن شبهة0
8- ترجمت لكثير من الأعلام الذين جرى نقل شئ من كلامهم، مع ذكر مصادر تراجمهم، بذكر رقم الجزء والصفحة ورقم الترجمة0
9- شرحت المفردات الغريبة التى وردت فى بعض الأحاديث مستعيناً فى ذلك بكتب غريب الحديث، ومعاجم اللغة، وشروح الحديث0
ثم ختمت الرسالة بفهارس سبعة هى :
1- فهرس الآيات القرآنية0
2- فهرس الأحاديث والآثار0
3- فهرس الأعلام المترجم لهم0
4- فهرس الأشعار0
5- فهرس القبائل والبلدان والفرق0
6- فهرس المصادر والمراجع0
7- فهرس الموضوعات التى اشتملت عليها الرسالة0
هذا وإنى – يعلم الله – ما فرطت ولا توانيت، ولا كان منى ميل إلى كسل أو ركون إلى راحة، فإن فاتنى شئ فى أثناء الكتابة، أو لم أذكر أمراً كان ينبغى ذكره، أو طرأ على سهو أو نسيان، فهذا لأن عمل الإنسان لا يخلو من نقص مهما كانت عنايته. وعذرى فى ذلك ان الكمال المطلق لله عز وجل0
ولا أدعى، وليس لى أن أدعى أنى جئت فى هذه الرسالة بشئ كان خافياً على العلماء والباحثين، وإنما حاولت بعون الله تعالى، جمع كلام الأئمة بين دفتى رسالة واحدة، حيث تتبعت الدرر المنثورة لشريعتنا الغراء فى بطون الكتب، ونظمتها فى سلك واحد، ولم أجد على قلة إطلاعى مَن عالج هذا الموضوع بهذه الصورة0
فما كان فى البحث من صواب، فهو من الله عز وجل وبتوفيقه، وما كان من خطأ فمن نفسى، ومن الشيطان، والله برئ منه ورسوله، ولله وحده الكمال والعزة والجلال0
وفى الختام : الحمد لله رب العالمين؛ على عونه وتوفيقه لإتمام هذا البحث حيث سهل لى صعبه وذلل أمامى عقباته0
وإنى لأرى لزاماً على أن أسجل هنا وافر شكرى وعظيم تقديرى، وصادق دعواتى لشيخى وأستاذى الجليل فضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد المهدى عبد القادر عبد الهادى، إذ كان أول من أشار علىَّ بالكتابة فى هذا الموضوع، ثم أحاطه بدقيق ملاحظاته، وكامل متابعاته، وجليل تصحيحاته، فى مدة جمعه وتحريره، يقرأه المرة تلو الأخرى، ويضفى عليه كمالاً وجمالاً فى الحين بعد الآخر، حتى جاء على هذا النحو الذى هو عليه، والذى أرجو أن يسر قارئيه، ويفيد طالبيه ومبتغيه؛ فلفضيلته منى جزيل الشكر وصالح الدعاء، وجزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء0
ولا يفوتنى فى هذا المقام أن أقدم شكرى أيضاً : لكل من أفادنى من مشايخى وزملائى بكتاب، أو إرشاد، أو أى نوع من المساعدة0
اللهم تقبل هذا العمل خالصاً لوجهك الكريم، اللهم اجعلنى جنداً من جنود كتابك، جنداً من جنود سنة نبيك ، اللهم لا تجعلنى شقياً ولا محروماً، اللهم لا تعذب لساناً يخبر عنك، ولا عيناً تنظر إلى علوم تدل عليك، ولا قدماً تمشى إلى طاعتك، ولا يداً تكتب حديث رسولك وصفيك . اللهم لا تدخلنى النار، ولا تفضحنى فيها، فقد علم أهلها أنى كنت أذب عن دينك، وأدافع عن شرعك، وأظهر مكانة وحيك، وأبين عظمة وعصمة نبيك وخليلك وصفيك 0
اللهم اجعلنى وما عملت من عمل صالح فى ميزان أبوىَّ، واغفر لهما، وأكرمهما، وارحمهما كما ربيانى صغيراً، وألبسهما حلة الكرامة، وشفع فيهما كتابك ونبيك0
والحمــد لله رب العالمـــين
وصلى الله علـى سيدنــا ومولانــا
محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الراجى عفو ربه الغفور
عماد الشربينى
====
الباب الأول
عصمة رسول الله فى عقله وبدنه
ودفع الشبهات
ويشتمل على فصلين :
الفصل الأول : عصمته فى عقله وبدنه كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية ويشتمل على تمهيد ومبحثين :
المبحث الأول : دلائل عصمته فى عقله من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية0
المبحث الثانى : دلائل عصمته فى بدنه من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية0
الفصل الثانى : شبه الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها ويشتمل على تمهيد ومبحثين:
المبحث الأول : شبهاتهم من القرآن الكريم والرد عليها0
المبحث الثانى : شبهاتهم من السنة النبوية والرد عليها0
الفصل الأول
عصمة رسول الله فى عقله وبدنه كما يصورها
القرآن الكريم والسنة النبوية
ويشتمل على تمهيد ومبحثين :
المبحث الأول : دلائل عصمته فى عقله من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة0
المبحث الثانى : دلائل عصمته فى بدنه من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة0
تمهـيــد
عصمة سيدنا رسول الله ؛ فى عقيدتنا أصل من أصول الإيمان والإسلام، وهى عقيدة لا تنفك عن شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. والطعن فى هذه العصمة طعن فى هذه الشهادة، ولم لا وهى دليلنا على حجية الوحى الإلهى (قرآناً وسنةً) وهى دليلنا على الاقتداء الشامل برسول الله على ما سبق تفصيله( )0
ومرادى فى هذا الفصل، بيان عصمته فى بدنه من القتل، وفى قلبه، وعقيدته من الكفر والشرك، والضلال، والغفلة، والشك، وعصمته من تسلط الشيطان عليه، مع بيان كمال عقله، وخلقه ، وأنه كما قال فيه ربه عز وجل : والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى إن هو إلى وحى يوحى( ) وقال سبحانه : ما كذب الفؤاد ما رأى( ) وقال عز وجل : ما زاغ البصر وما طغى( )0
إن كمال العقل وعصمته من الكفر والشرك والشك، ومن تسلط الشيطان عليه؛ صفة أساسية فى رسل الله عز وجل، وشرط ضرورى من شروط رسالة جميع الرسل؛ وهى جزء من الكمال البشرى الذى كملهم الله عز وجل به، وهو عامل مهم، وسبب قوى من أسباب تبليغ رسالة ربهم إلى أقوامهم0
وإذا كان الكمال العقلى صفة أساسية فى رسل الله عز وجل، فإمامهم سيدنا محمد . والقارئ لسيرته لا يشك فى أنه كان أعقل الناس وأذكاهم( )0
ولم لا وقد كانت نشأته ، منذ ولدته أمه إلى أن بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين، أكمل نشأة، تولاه الله تعالى فأدبه ورباه فكمله، ورعاه فحفظه مما كان يشين حياة قومه من وثنية، وعادات مسترذلة، حتى غدا أكمل إنسان فى بشريته، لم يستطع أحد أن يريبه فى حياته، أو يزن شبابه بغميزه أو ريبة على كثرة الخصوم، والأعداء المتربصين، فضلاً من الله ونعمة، والله ذو الفضل العظيم( )0
وبذلك الفضل العظيم تحدث المصطفى بنعمة ربه عز وجل قائلاً "أدبنى ربى فأحسن تأديبى"( )0
وقد أجمعت الأمة على هذا الأدب الربانى، وأن حياة نبيها قبل البعثة، وبعدها أمثل حياة وأكرمها وأشرفها، فلم تعرف له فيها هفوة، ولم تحص عليه فيها زلة، بل إنه امتاز بسمو الخلق، ورجاحة العقل، وعظمة النفس، وحسن الأحدوثة بين الناس، ثم نبأه الله وبعثه، فنمت فيه هذه الفضائل وترعرعت حتى أضحت حياته فريدة فى تاريخ هذه الحياة الدنيا0
فمن أين له هذا؟ وهو اليتيم الذى تعرض منذ طفولته لمحنة اليتم، والفقر! وهو الأمى الذى لم يجلس طيلة حياته إلى معلم يثقف عقله! وهو الذى نشأ فى بيئة سيطرت عليها الجاهلية، سيطرة كاملة فى مجال العقيدة والفكر، وفى مجال الأخلاق والسلوك، وطبعت الناس بطابعها البغيض حتى لا تكاد تجد إنساناً يسلم من وراثة البيئة، وعدوى التقاليد الجاهلية الموروثة عن الآباء والأجداد0
فكيف نجا سيدنا رسول الله من تلك المؤثرات القوية؟
إن الإنسان العادى قد يستطيع أن تعاف نفسه شيئاً يكرهه ولا يستسيغه بحكم الفطرة السليمة لكن من المحال عقلاً أن يعيش فى عزلة روحية كاملة، وهجرة نفسية تامة لقومه، فيسلم له عقلة من الخرافات، وتسلم روحه من الجهالات، ويسلم وجدانه من التلون بشئ يغضب الله عزوجل0
نعم لقد كان فى المجتمع العربى حنيفيون وحدوا الله ودعوا إلى توحيده، وكان هناك كرماء، وكان هناك أوفياء، وكان هناك أناس عرفوا بالعفة والتنزه عن الفواحش، ولكن كان عزيزاً جداً أن تجد فى هذه البيئة إنساناً جمع الله فيه كل هذه الصفات وغيرها مثل ما جمع الله ذلك فى النبى محمد 0
إنك لا تستطيع أن تدرك سر كمال عقله وعقيدته وأخلاقه، وبراءته من كل نقائص ومثالب بيئته التى نشأ فيها إلا أن تقول : إنه الإعداد الإلهى للنبوة والله أعلم حيث يجعل رسالته( )0
إنها العصمة الربانية! تلك التى حفظته ، من بيئة الجاهلية أربعين عاماً، لم يصبه أذى من غبارها، فشب أكمل الناس خَلقاً وخُلقاً، ودلائل تلك العصمة الإلهية متوافرة فى كتاب الله عزوجل، وسيرته العطرة، فإلى بيانها فى المبحث التالى :
المبحث الأول
دلائل عصمته فى عقله من خلال القرآن الكريم
والسنة النبوية
تجلت رعاية الله عز وجل وعصمته لرسوله فى قلبه، وعقيدته من الكفر والشرك، والضلال، والغفلة، والشك، وعصمته من تسلط الشيطان عليه، وهو فى عالم الذر، وتحدث الوحى الإلهى (قرآناً وسنةً) بذلك بياناً لمنَّة الله عز وجل على نبيه قال تعالى : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً( )0
ووجه الاستدلال بالآية أنه إذا عهد إلى الأنبياء جميعاً وهم فى عالم الذر بتبليغ دينه، وتوحيده. دل ذلك على عصمتهم فى عقولهم وعقيدتهم، فلا يصدر عنهم ما يخالف ذلك لا قبل النبوة ولا بعدها، ولا يقول بغير ذلك إلا من يرد على الله عز وجل كلامه باصطفائهم وعصمتهم!0
وقال تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذالكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين( )0
وهذا غاية التكريم من الله عز وجل لنبيه بأخذ الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا به، وينصروه إن ظهر فى زمانهم، وفى ذلك إشارة إلى أنه نبى الأنبياء( ) وفى السنة المطهرة ما يؤكد الآية الكريمة، فعن ميسرة الفجر رضى الله عنه( ) قال : قلت لرسول الله متى كنت نبياً؟ قال : "وآدم بين الروح والجسد"( )0
وعن العرباض بن سارية رضى الله عنه( ) قال : سمعت رسول الله يقول : "إنى عبد الله وخاتم النبين، وأبى منجدل فى طينته، وسأخبركم عن ذلك، أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمى آمنة التى رأت، وكذلك أمهات المؤمنين يرين، وأن أم رسول الله رأت حين وضعته له نوراً أضاءت لها قصور الشام، ثم تلا : يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا. وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً( )0
والشاهد مما سبق أن الله عز وجل اصطفى أنبياءه ورسله وهم فى عالم الذر بتبليغ دينه وتوحيده، وفضل بعض النبيين على بعض، فجعل سيدنا محمدا إمامهم، وأخذ منهم الميثاق فى عالم الأزل بالإيمان بنبوته ونصرته0
وبعيد أن يأخذ منه الميثاق قبل خلقه، ثم يأخذ ميثاق النبيين بالإيمان به ونصره قبل مولده بدهور، ويجوز عليه ما يناقض عصمته فى عقله وعقيدته من الشرك، أو الشك، أو غيره من الذنوب صغائر كانت أم كبائر فهذا مالا يجوزه إلا ملحد( )0
وعليه فلا معنى لإثارة الخلاف حول عصمة الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – قبل نبوتهم من المعاصى كبائرها وصغائرها من حيث الوقوع أو عدمه، أو من حيث امتناعه سمعاً أوعقلاً!0
فعصمة الرسل والأنبياء مبنية على إرادة إلهية ، وهى اصطفاء الله عز وجل لهم، وعصمتهم من كل ما يخل بهذا الاصطفاء، قبل نبوتهم وبعدها، وهم فى عالم الغيب لم يخلقوا بعد!
وإليك نماذج من دلائل عصمة رسول الله :
أ- عصمته من كيد إبليس وجنوده :
حفظ الله عز وجل عباده المخلصين من كيد إبليس وجنوده فلا سبيل له عليهم كما قال عزوجل : إن عبادى ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا( ) واعترف إبليس بعجزه عن الكيد لهم فحكى عنه رب العزة قوله : قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين( )0
ولا شك أن أنبياء الله عز وجل ورسله، وعلى رأسهم خاتمهم على قمة عباد الله المخلصين الذين عصمهم رب العزة من كيد إبليس وجنوده0
والمراد بعصمة رسول الله من الشيطان قال فيها القاضى عياض : "واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبى من الشيطان وكفايته منه، لا فى جسمه بأنواع الأذى – كالجنون والإغماء – ولا على خاطره بالوساوس"( )0
ولا عبرة بمن خرج عن المفهوم السابق لعصمة رسول من أعداء الإسلام وأعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة0
وقد دل على المفهوم السابق القرآن الكريم والسنة المطهرة0
أما القرآن الكريم : فقد ورد فيه تعرض الشيطان لبعض الأنبياء فى أجسامهم ببعض الأذى، وعلى خاطرهم بالوسوسة، مع عصمة الله عز وجل لهم بعدم تمكن الشيطان من إغوائهم، أو إلحاق ضرر بهم يضر بالدين. قال تعالى : واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب( ) وقال سبحانه : فأذلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه( ) وقال عز وجل : قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين( ) وقال جل جلاله : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم( )0
وليس فى هذه الآيات الكريمات ونحوها ما يتعارض مع قوله تعالى : إن عبادى ليس لك عليهم سلطان( )0
أما السنة المطهرة : فقد ورد فيها ما يؤكد ما ورد فى القرآن الكريم من تعرض الشياطين لرسول الله فى غير موطن رغبة فى إطفاء نوره، وإماتة نفسه، وإدخال شغل عليه، ولكن كانت عصمة الله عز وجل له حائلة دون تمكن الشياطين من إغواءه، أو إلحاق ضرر به. ومن هذه الأحاديث التى تدل على ما سبق، وأنكرها أعداء السيرة العطرة( ) ما يلى :
1- عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه( ) قال : قال رسول الله : "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة، قالوا : وإياك يا رسول الله؟ قال : "وإياى. إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم. فلا يأمرنى إلا بخير"( )0
وقوله : "فأسلم" برفع الميم وفتحها، روايتان مشهورتان، فمن رفع قال : معناه : أَسْلَم أنا من شره وفتنته. ومن فتح قال : إن القرين أسلم من الإسلام، وصار مؤمناً لا يأمرنى إلا بخير0
وصحح الخطابى وغيره رواية الرفع، ورجح عياض والنووى والزرقانى الفتح، لأنه ظاهر الحديث فى قوله : "فلا يأمرنى إلا بخير" ولقوله : "فضلت على الأنبياء بخصلتين. كان شيطانى كافراً فأعاننى الله عليه حتى أسلم، قال أبو هريرة راوى الحديث، ونسيت الخصلة الأخرى"( )0
2- وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله : "إن عفريتاً من الجن جعل يفتك( ) علىَّ البارحة ليقطع على الصلاة. وإن الله أمكننى منه فذعته( ). فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سوارى المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون، أو كلكم، ثم ذكرت قول أخى سليمان: رب اغفر لى وهب لى ملكاً لا ينبغى لأحد من بعدى. فرده الله خاسئاً"( )0
3- وعن أبى الدرداء رضى الله عنه( ) قال : قام رسول الله . فسمعناه يقول : "أعوذ بالله منك" ثم قال : "ألعنك بلعنة الله" ثلاثاً. وبسط يده كأنه يتناول شيئاً. فلما فرغ من الصلاة قلنا : يا رسول الله! قد سمعناك تقول فى الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك. ورأيناك بسطت يدك. قال : "إن عدو الله، إبليس، جاء بشهاب من نار، ليجعله فى وجهى، فقلت : أعوذ بالله منك. ثلاث مرات. ثم قلت : ألعنك بلعنة الله التامة. فلم يستأخر. ثلاث مرات. ثم أردت أخذه، والله! لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة"( )0
4- وعن عبد الرحمن بن خنبش رضى الله عنه( ) لما سئل كيف صنع رسول الله حين كادته الشياطين. قال : تحدرت عليه الشياطين من الجبال والأودية، يريدون رسول الله ، قال : وفيهم شيطان وبيده شعلة من نار، يريد أن يحرق بها رسول الله ، فلما رآهم رسول الله فزع منهم، فجاء جبريل عليه السلام فقال : يا محمد قل، فقال : ما أقول؟ قال : قل : "أعوذ بكلمات الله التامات، التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق، وذرأ وبرأ، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن" قال : فقالهن، فطفئت نار الشياطين، وهزمهم الله عز وجل"( )0
بالتأمل فى الروايات السابقة تجد أن الله عز وجل عصم رسوله من قرينه الجنى بإسلامه، فلا يأمر رسول الله إلا بخير0
وكذلك عصمه الله عز وجل من سائر شياطين الجن عندما تعرضوا له فى غير موطن. منها فى الصلاة عندما تعرض له عفريت من الجن، وفى رواية إبليس، وأراد إدخال شغل عليه فى الصلاة، فتمكن منه رسول الله بخنقه، وهمَّ بربطة فى ساريه من سوارى المسجد، حتى يراه أهل المدينة إلا أنه تركه، ودفعه دفعاً شديداً، وترك ما هَّم به عندما تذكر دعوة سيدنا سليمان رب هب لى ملكاً لا ينبغى لأحد من بعدى( ) والنتيجة كما جاء فى روايات الحديث : عصمة رسول الله من هذا العاتى المارد من الجن أو إبليس كما جاء فى رواية أبى الدرداء، ورده الله خاسئاً0
وكذلك تبين رواية عبد الرحمن بن خنبش عصمة رب العزة لرسوله من الشياطين لما تحدرت عليه من الجبال والأودية، يريدون حرقه وقتله، حيث نزل جبريل عليه السلام على رسول الله يعلمه كلمات إذا قالهن نجا من كيدهم، فقالهن ، فطفئت نار الشياطين، وهزمهم الله عز وجل0
وهكذا كانت عصمة المولى عز وجل لرسوله من الشياطين حتى مرض وفاته الذى لده فيه( ) بعض الحاضرين عنده بغير إذنه، ولما سألهم عن ذلك قالوا : خشينا أن يكون بك ذات الجنب( ) فبين لهم رسول الله أن ذات الجنب من الشيطان وهو معصوم منه.قائلاً : "إنها
من الشيطان، ولم يكن الله عز وجل ليسلطه علىَّ"( )0
ب- عصمته من الجهالات :
شب رسول الله ، يحفظه الله عز وجل، ويعصمه من أقذار الجاهلية ومعائبها، ويتحدث رسول الله عن مظاهر عصمة الله عز وجل له فى صغره، وقبل النبوة قائلاً :
1- "ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون بها إلا مرتين الدهر، كلتاهما يعصمنى الله عز وجل منها، قلت ليلة لفتى من قريش بأعلى مكة فى أغنام لأهلنا نرعاها : انظر غنمى حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان، قال : نعم فخرجت، فجئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناء وضرب دفوف وزمراً، فقلت : ما هذا؟ قالوا : فلان تزوج فلانة، لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الغناء، وبذلك الصوت حتى غلبتنى عينى، فما أيقظنى إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبى فقال : ما فعلت؟ فأخبرته، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ففعل، فخرجت، فسمعت مثل ذلك، فقيل لى مثل ما قيل لى، فلهوت بما سمعت حتى غلبتنى عينى، فما أيقظنى إلا مس الشمس، ثم رجعت إلى صاحبى، فقال لى! ما فعلت؟ فقلت : ما فعلت شيئاً، قال رسول الله : فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمنى الله عز وجل بنبوته"( )0
وفيما قصه النبى عن نفسه من خبر حفظ الله إياه من كل سوء منذ صغره وصدر شبابه، ما يوضح لنا حقيقتين كل منهما على جانب كبير من الأهمية :
الأولى : أن النبى كان متمتعاً بخصائص البشرية كلها، وكان يجد فى نفسه ما يجده كل شاب من مختلف الميولات الفطرية التى اقتضت حكمة الله أن يجبل الناس عليها. فكان يحس بمعنى السمر واللهو، ويشعر بما فى ذلك من متعة، وتحدثه نفسه لو تمتع بشئ من ذلك كما يتمتع الآخرون0
الثانية : أن الله عز وجل قد عصمه مع ذلك عن جميع مظاهر الانحراف، وعن كل مالا يتفق مع مقتضيات الدعوة التى هيأه الله لها، فهو حتى عندما لا يجد لديه الوحى أو الشريعة التى تعصمه من الاستجابة لكثير من رغائب النفس، يجد عاصماً آخر خفياً يحول بينه وبين ما قد تتطلع إليه نفسه مما لا يليق بمن هيأته الأقدار لتتميم مكارم الأخلاق، وإرساء شريعة الإسلام( )0
جـ- عصمته من التعرى ودفع ما يتوهم عكس ذلك :
عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال : "لما بنيت الكعبة ذهب النبى وعباس ينقلان حجارة، فقال العباس للنبى : اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة. ففعل فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم قام فقال : "إزارى إزارى" فشد عليه إزاره، وفى رواية : فما رؤى بعد ذلك اليوم عرياناً"( )0
وهذه القصة وما فيها من حفظه من التعرى قبل النبوة، وردت فى غير الصحيح عن ابن إسحاق عن أبيه عمن حدثه عن النبى قال : "لقد رأيتنى فى غلمان من قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرى وأخذ إزاره فجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة، فإنى لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمنى لاكم ما أراه، لكمة وجيعة، ثم قال : شد عليك إزارك قال : فأخذته وشددته علىَّ ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتى وإزارى علىَّ من بين أصحابى"( )0
قال الحافظ ابن كثير : "هذه القصة شبيهة بما فى الصحيح عند بناء الكعبة حين كان ينقل هو وعمه العباس، فإن لم تكن فهى متقدمة عليها كالتوطئة"( )0
وقال الإمام السهيلى : "وهذه القصة إنما وردت فى الحديث الصحيح فى حين بنيان الكعبة، فإن صح أنه كان فى صغره، إذ كان يلعب مع الغلمان : فمحمله على أن هذا الأمر كان مرتين : مره فى صغره، ومره فى أول اكتهاله عند بنيان الكعبة"( )0
قلت : هذه القصة فى حالة صغره لم تصح سنداً، وإنما هى نفس قصة بنيان الكعبة، وإلى هذا مال الحافظ فى الفتح، فبعد أن ذكر روايات بنيان الكعبة، وهو فى حالة كبره، والمؤيدة لما فى الصحيحين ذكر رواية الحاكم عن ابن عباس رضى الله عنهما( ) وهو فى حالة صغره، وقال فيها : "النضر أبو عمر الخزاز" ضعيف، وقد خبط فى إسناده، وفى متنه، فإنه جعل القصة فى معالجة زمزم بأمر أبى طالب وهو غلام، وكذا روى ابن إسحاق – إشارة إلى الرواية السابق ذكرها – ثم قال الحافظ : فكأن هذه قصة أخرى، واغتر بذلك الأزرقى فحكى قولاً : أن النبى لما بنيت الكعبة كان غلاماً"0
ثم أكد الحافظ أن القصة واحدة فى موضع آخر إذ يقول معقباً على كلام السهيلى السابق على رواية ابن إسحاق قائلاً : "قلت : وقد يطلق على الكبير غلام إذا فعل فعل العلماء، فلا يستحيل اتحاد القصة اعتماداً على التصريح بالأولية فى حديث أبى الطفيل رضى الله عنه قال : "فبينما رسول الله ينقل الحجارة معهم إذ انكشفت عورته، فنودى يا محمد غط عورتك، فذلك فى أول ما نودى، فما رؤيت له عورة قبل ولا بعد"( )0
فرية على عصمته من التعرى والرد عليها :
رغم ما فى هذه القصة الصحيحة من عناية الله عز وجل بحفظ رسوله من التعرى؛ إلا أننا نجد بعض أعداء السيرة العطرة الواردة فى السنة المطهرة من يرى فى إثبات هذا الأمر فى سيرة المصطفى : "خرافة، وأكذوبة مفضوحة، وشناعة، ليس الهدف منها إلا الحط من كرامة النبى والإساءة لمقامه الأقدس"( )0
ولست أدرى أى خرافة، أو كذب، أو شناعة أو…الخ فى عصمة الله عز وجل لرسوله من التعرى عند بناء الكعبة المشرفة؟
إن الشناعة فى نظر الرافضى هى فى تعرى رسول الله ! دون التفات منه لكيفية تعرى رسول الله ، وعصمة الله عز وجل منه! إنه يتكلم عن تعرى رسول الله فى الرواية، وكأنه تعمد ذلك أمام الناس0
إذ يقول بعد أن ذكر بعض النصوص فى حياء رسول الله ، وأنه كان مصوناً من رؤية عورته، حتى بالنسبة لأزواجه، وأن المشركين كانوا يستقبحون التعرى أمام الناس0
يقول متسائلاً : "فكيف إذن يكشف النبى الأعظم عورته أمام الناس يا تُرى؟"( ) وأقول له : من أين لك من روايات عصمة رسول الله من التعرى عند بناء الكعبة، أنه تعمد التعرى أمام الناس (وحاشاه من ذلك) من أين لك هذا التعمد حتى ولو فى رواية ضعيفة؟!! وأنى لك هذا، وفى الصحيح ما يبطل افتراءك0
فعن أبى الطفيل رضى الله عنه قال : فبينما رسول الله يحمل حجارة من أَجْياد( )، وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة، فذهب يضع النمرة على عاتقه، فيرى عورته من صغر النمرة، فنودى يا محمد خمر عورتك، فلم ير عرياناً بعد ذلك"( )0
فواضح من هذه الرواية، وما فيها معناها من الروايات التى فى الصحيحين أن رسول الله ، وهو يحمل الحجارة كان يستر عورته بنمرة، ولكنه وهو يحاول أن يتقى أذى الحجارة على عاتقه، حاول أن يضع طرفاً من النمرة على عاتقه، سواء من قبل نفسه أو بنصح عمه العباس له كما جاء فى الصحيح، لا تعارض. إذ النتيجة واحدة وهى : لصغر النمرة، بدت عورته، فسقط مغشياً عليه، وفى الصحيح أيضاً فخر إلى الأرض، وكلها بمعنى واحد، ولا تعارض ولا تناقض كما زعم الرافضى مستدلاً بذلك على وضع الحديث( )0
وفى هذا الغشيان أو السقوط على الأرض، عصمة من الله عز وجل لرسوله إذ الجلوس أستر للعورة، ومعه أى هذا (السقوط) تمكن رسول الله من شد إزاره على عورته التى انكشفت بلا تعمد منه، ومع كل ذلك كانت عناية وعصمة ربه عز وجل له إذ نودى : "يا محمد خمر عورتك، فلم ير عرياناً بعد ذلك" وكل الروايات فى الصحيح وغيره على هذا المعنى!0
فأين إذن ما يزعمه الرافضى بأن فى روايات عصمة رسول الله ، من التعرى حط من كرامته ، وإساءة لمقامه الأقدس؟ وأين ما يزعمه بأن هذه الروايات تظهره بتعمد كشف عورته أمام الناس؟ وأين أيضاً ما يزعمه بأن محاولة علماء أهل السنة للجمع بين هذه الروايات محاولة فاشلة، تأتى على حساب القرآن الذى لا نقدسه – على حد كذبه – ونزعم أن فيه تحريف، ونسخ لتلاوته، أما البخارى فنقدسه ونجله عن ذلك؟!( ) أهـ0
د- عصمته من أكل ما ذبح على النصب، ودفع ما يتوهم عكس ذلك :
1- عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، أن النبى ، لقى زيد بن عمرو بن نفيل( ) بأسفل بلدح( ) قبل أن ينزل عليه الوحى، فقدمت إلى النبى سفرة( ) فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد : إنى لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه"( )، ففى الحديث تصريح بعدم أكله ، مما ذبح على النصب0
- أما ما جاء فى حديث سعيد بن زيد بن عمرو أن رسول الله ، وزيد بن حارثة( ) مر بهما زيد بن عمرو، فدعوه إلى سفرة لهما، فقال : يا ابن أخى إنى لا آكل مما ذبح على النصب، فما رؤى النبى بعد ذلك أكل شيئاً مما ذبح على النصب"( )0
- وفى حديث زيد بن حارثة رضى الله عنه قال : خرج رسول الله وهو مردفى إلى نصب من الأنصاب، فذبحنا له شاة، ووضعناها فى التنور( ) حتى إذا نضجت، استخرجناها فجعلناها فى سفرتنا، ثم أقبل رسول الله يسير، وهو مردفى فى أيام الحر، من أيام مكة، حتى إذا كنا بأعلى الوادى لقى فيه زيد بن عمرو – فذكر الحديث مطولاً – وفيه : ثم قدّمنا إليه يعنى زيد بن عمرو – السفرة التى كان فيها الشواء، فقال : ما هذه؟ فقلنا : هذه شاة ذبحناها لنصب كذا وكذا، فقال : إنى لا آكل ما ذبح لغير الله"( )0
وفى رواية قال : "ما كنت لآكل مما لم يذكر اسم الله عليه"( ) فليس فى الروايتين ما يتعارض مع رواية البخارى السابقة من عصمته من أكل ما ذبح للأصنام، لأن قول زيد : "هذه شاة ذبحناها لنُصب كذا وكذا" تعنى الحجر الذى ذبحت عليه الشاة، وليس هذا الحجر بصنم ولا معبود، وإنما هو من آلات الجزار التى يذبح عليها، لأن النُصب فى الأصل حجر كبير. فمنها ما يكون عندهم من جملة الأصنام، فيذبحون له وعلى اسمه! ومنها مالا يعبد، بل يكون من آلات الذبح، فيذبح الذابح عليه لا للصنم!0
وهذا أكثر ما تحمله العبارة السابقة : أن يكون زيد بن حارثة ذبح شاة، واتفق ذلك الذبح عند صنم، كانت قريش تذبح عنده، لا أنه ذبحها للصنم!0
فظن زيد بن عمرو أن ذلك اللحم مما ذبح لصنم، فامتنع لذلك حسماً للمادة، ولم يكن الأمر كما ظن زيد( )0
ويكون امتناع النبى بعد ذلك عن أكل شئ ذبح على النصب أى الحجر مثل امتناع زيد بن عمرو حسماً للمادة0
هذا ولا يعنى قول زيد بن حارثة : "فما رؤى النبى بعد ذلك أكل شيئاً مما ذبح على النصب" أنه قبل ذلك كان يأكل مما ذبح لصنم! كلا! وحاشاه من ذلك، ويؤكده ما جاء فى نفس الرواية السابقة من حديث زيد بن حارثة قال : "وكان صنماً من نحاس يقال له أساف أو نائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله : "لا تمسه" قال زيد : فطفنا. فقلت فى نفسى لأمسنه حتى أنظر ما يقول، فمسحته! فقال رسول الله : "ألم تنه؟"( )0
فكيف يعقل إذن أن ينهى رسول الله عن استلام الأصنام ثم يذبح لها؟!( )0
أما ما يستشكل من قول زيد بن عمرو : "إنى لا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه" وهو ما يعنى أنه علم أن الشاة المذبوحة، إنما ذبحت على النصب الذى هو من آلات الذبح، ولم تذبح لصنم، ولكنه مع ذلك امتنع عن الأكل منها، لأنها لم يذكر عليها اسم الله عز وجل، وهو ما يعنى أن رسول الله كان أولى بهذه الفضيلة من زيد بن عمرو0
فالجواب : أنه ليس فى الحديث أنه أكل منها، وعلى تقدير أن يكون أكل، فزيد إنما كان يفعل ذلك برأى يراه، لا بشرع بلغه، ولاسيما وزيد يصرح عن نفسه بأنه لم يتبع أحداً من أهل الكتابين( )0
وهو وإن كان على دين سيدنا إبراهيم، فشرعه على تحريم الميتة، لا تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه، واستمر ذلك حتى جاء الإسلام( )0
أما قول بعض خصوم السيرة العطرة : "بأن هذا جواب بارد، لأن فيه إدراك زيد لهذا الأمر الذى وافق فيه نظر الشرع"( )0
فأقول له : وأين نظر الشرع هنا فى إدراكه، وقد جاء النهى عن أكل ما ذبح إلى غير اسم الله عز وجل، بعد المبعث بمدة طويلة، ولم ينقل أن أحداً بعد المبعث كف عن الذبائح حتى نـزل قوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق( )0
أما زعمه بان إدراك زيد لذلك دونه مما لا يمكن قبوله، أو الالتزام به، لأنه يعنى أن زيداً كان أعقل من النبى وأعرف به( )0
فالجواب : أنه ليس فى إسناد فضيلة لزيد بن عمرو أو لغيره، ما يعود بالنقض على رسول الله ،ولا ما يثبت تفضيله عليه. إذ من المسلم أنه قد يكون فى المفضول من الخصائص ما ليس للأفضل، ولا يؤثر هذا فى أفضليته، لأن له من الخصائص ما يؤهله لاستحقاق الأفضلية. وهذا بديهى. وإلا فليخبرنا الرافضى، هل الفضائل والمناقب الصحيحة، بل وحتى الضعيفة والموضوعة التى تنسب لسيدنا على بن أبى طالب، أو غيره من الصحابة رضى الله عنهم أجمعين تعنى أنه أو أنهم أعقل من سيدنا رسول الله وأعرف منه، وأفضل منه؟!! أهـ0
هـ عصمته من الحلف بأسماء الأصنام التى كان يعبدها قومه، ويحلفون بها تعظيماً لها:
جاء فى قصة بحيرا الراهب أنه استحلف النبى باللات والعزى حينما لقيه بالشام فى سفرته مع عمه أبى طالب وهو صبى، لما رأى فيه علامات النبوة، فقال بحيرا للنبى يا غلام أسألك باللات والعزى إلا أخبرتنى عما أسألك عنه، وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما. فقال له النبى : "لا تسألنى باللات والعزى شيئاً، فوالله ما أبغضت بغضها شيئاً قط"( )0
وعن عروة بن الزبير رضى الله عنه قال : حدثنى جار لخديجة بنت خويلد رضى الله عنها قال : سمعت النبى يقول لخديجة : أى خديجة والله لا أعبد اللات أبداً، والله لا أعبد العزى أبداً، قال : فتقول خديجة خل العزى، قال : كانت صنمهم الذى يعبدون، ثم يضطجعون"( )0
====
و- عصمته من استلام الأصنام، وبيان مراد ما يفيد ظاهره عكس ذلك :
عن زيد بن حارثة رضى الله عنه قال : "وكان صنماً من نحاس يقال له أساف أو نائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله : "لا تمسه" قال زيد : فطفنا. فقلت فى نفسى لأمسنه؛ حتى أنظر ما يقول! فمسحته فقال رسول الله : "ألم تنه؟" قال زيد : فوالذى أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلمت صنماً حتى أكرمه الله بالذى أكرمه، وأنزل عليه الكتاب…الحديث"( )0
أما ما روى ما يفيد ظاهره من استلامه الأصنام، فليس ظاهره مراداً على فرض صحة الرواية، كيف والرواية فى ذلك لم تصح0
فعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال : "كان النبى يشهد مع المشركين مشاهدهم، قال : فسمع مَلَكين خلفه، وأحدهما يقول لصاحبه : اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول الله . قال : كيف نقوم خلفه، وإنما عهده باستلام الأصنام قبيل؟ قال : فلم يعد بعد ذلك أن يشهد مع المشركين مشاهدهم"( ) أى لم يعد رسول الله يشهد مع المشركين مشاهدهم التى فيها شئ من الوثنية، وإلا فقد كان يشهد مشاهد الحلف ونحوه، لا مشاهد استلام الأصنام0
قال الحافظ ابن حجر فى المطالب العالية : "هذا الحديث أنكره الناس على عثمان ابن أبى شيبة فبالغوا، والمنكر منه قوله عن الَملَك "عهده باستلام الأصنام" فإن ظاهره أنه باشر الاستلام، وليس ذلك مراداً، بل المراد أنه شهد مباشرة المشركين استلام أصنامهم"( )0
وهذا الرأى ذهب إليه الأئمة : السيوطى فى الخصائص الكبرى( ) وابن كثير فى البداية
والنهاية( ) والبيهقى فى دلائل النبوة( ) والهيثمى فى مجمع الزوائد( ) قائلاً : "رواه أبو يعلى وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، ولا يحتمل هذا من مثله، إلا أن يكون رسول الله كان يشهد تلك المشاهد قبل النبوة للإنكار وهذا يتجه، ويفسره ويؤكده رواية زيد بن حارثة السابقة" أهـ بتصرف0
قلت : وأنا مع الأئمة فيما ذهبوا إليه من إنكارهم للحديث، وتفسيرهم لظاهر استلامه للأصنام بأن المراد به شهوده مشاهد المشركين واستلامهم لأصنامهم، ويؤكد هذا التفسير سيرته العطرة قبل النبوة والتى عصمه ربه عز وجل فيها مما كان عليه المشركون، من أكل ما ذبح على النصب، أو الحلف بأسماء الأصنام، وكذلك عصمته من مظاهر لهو الجاهلية، ولو كان من رسول الله شئ من ذلك لاحتجوا به فى رد دعوته بعد البعثة، ولكن ذلك لم يرد، فدل على عصمته منه0
"وأياً كان الأمر فإن حديث جابر منكر، أنكره أحمد بن حنبل جداً، وقال هو موضوع، أو شبيه بالموضوع، وقال الدارقطنى : يقال إن عثمان بن أبى شيبة وَهِمَ فى إسناده وقال القاضى عياض : والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه"( ) ورغم حكم أئمة السنة على رواية جابر بالنكارة، إلا أنك تجد بعض الشيعة يحاول أن يوهم قارئه أن علماء السنة يصححونها( )0
أما ما زعمه "در منغم" من تقربه إلى العزى بشاة بيضاء( ) وما ذكره الدكتور هيكل تبعاً له، من أنه تمسح بالصفراء( ) فكلاهما ادعاء باطل؛ واختلاق من نسج خيال مريض، حيث لم يرد لم زعموا ذكر البتة، فى أى من كتب السنة أو السير أو التاريخ أو غيرها. وأنى لهما أن يثبتا ذلك؟! ولماذا اختيار الشاة البيضاء؟ أو صنم الصفراء بأعيانهما؟ وإذا كان رسول الله ، يصون لسانه عن مجرد ذكر الأصنام؛ فكيف يقرب القرابين إليها ويتعبدها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم0
ز- من مظاهر عصمته شق صدره الشريف :
قال تعالى : ألم نشرح لك صدرك( ) فى هذه الآية الكريمة يبين رب العزة منته على رسول الله ، بشرح صدره الشريف لإعداده للقيام بعبء الدعوة، وحمل الرسالة، وعصمته من الشيطان الرجيم( )0
والاستفهام فى الآية (ألم) للتقرير : أى قد شرحنا لك صدرك والشرح هنا فى حقه ، شرح معنوى وحسى معاً0
أما الشرح المعنوى : فهو بالنور الإلهى كما فى قوله تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد فى السماء( ) وقوله سبحانه : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه( )0
أما الشرح الحسى : فقد حدث له أربع مرات( ) وبه قال كثير من الأئمة :
1- وكانت المرة الأولى : عندما كان ابن أربع سنين من عمره المبارك، وكان القصد منها كما جاء فى الرواية – نزع العلقة السوداء من قلبه، كرامة له من عند ربه عز وجل، تلك العلقة التى ولد بها تكملة للخلق الإنسانى، لأنها حظ الشيطان من كل البشر، وقد تم بنزعها من قلبه ، أن نشأ مبرءاً من كل عيب، فنشأ على أكمل أحوال البشر من العصمة من الشيطان، والاتصاف بالمحامد العليا منذ نعومة أظفاره، والتى لا يفوقه فيها غيره( )0
وقد أخرج الإمام مسلم فى صحيحه هذه المرة الأولى لشق صدره الشريف مجملة عن أنس بن مالك رضى الله عنه( ) أن رسول الله أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال : هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده فى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه – يعنى ظئره( ) فقالوا : إن محمداً قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس : وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط فى صدره"( ) فالحديث نص صريح على الشق الحسى لصدر رسول الله ( )، وإخراج جبريل لحظ الشيطان منه، وتطهير لقلبه، فلا يقدر الشيطان على إغوائه إذ لا سبيل له عليه، وهذا دليل على عصمته من كل ما يمس قلبه، وعقيدته، وخلقه، منذ صغره 0
2- وقد تكرر شق صدره الشريف للمرة الثانية، وهو ابن عشر سنين وأشهر من عمره الطيب المبارك، وهو سن بداية الكمال، وذلك لقربه من سن التكليف، من أجل أن لا يلتبس بشئ مما يعاب على الرجال، وحتى لا يكون فى قلبه شئ إلا التوحيد، كما كان أيضاً شق صدره الشريف هذه المرة توطئة لما بعده عند البعثة الشريفة( )0
فقد أخرج عبد الله بن أحمد فى زوائده على المسند عن أبى بن كعب رضى الله عنه( ) أن أبا هريرة رضى الله عنه كان جريئاً على أن يسأل رسول الله عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال : يا رسول الله ما أول ما رأيت فى أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله جالساً. وقال : لقد سألت أبا هريرة إنى لفى صحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسى، وإذا رجل يقول لرجل : أهو هو؟ قال : نعم، فاستقبلانى بوجوه لم أراها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إلىَّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهم بعضدى، لا أجد لأحدهما مساً، فقال أحدهما لصاحبه : أضجعه؛ فأضجعانى بلا قصر ولا حصر، وقال أحدهما لصاحبه : أفلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدرى، ففلقها فيما أرى بلا دم، ولا وجع، فقال له : أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئاً كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها، فقال له : أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذى أخرج يشبه الفضة، ثم هز إبهام رجلى اليمنى، فقال : اغد وأسلم، فرجعت بها أغدو رقة على الصغير، ورحمة للكبير"( )0
3- وكان المرة الثالثة لشق صدره الشريف عند المبعث، وذلك لإعداد قلبه لتحمل عبء الوحى والرسالة، بقلب قوى فى أكمل الأحوال من التطهير( ) فعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله نذر أن يعتكف شهراً هو وخديجة بحراء، فوافق ذلك شهر رمضان، فخرج النبى ذات ليلة فسمع : السلام عليك، فقال : فظننتها فجأة الجن، فجئت مسرعاً حتى دخلت على خديجة، فسجتنى ثوباً، وقالت : ما شأنك يا ابن عبد الله؟ فقلت سمعت : السلام عليك، فظننتها فجأة الجن، فقالت : أبشر يا ابن عبد الله، فإن السلام خير، قال : ثم خرجت مرة فإذا بجبريل على الشمس، جناح له بالمشرق، وجناح له بالمغرب، قال فهلت( ) منه، فجئت مسرعاً، فإذا هو بينى وبين الباب، فكلمنى حتى أنست به، ثم وعدنى موعداً، فجئت له فأبطأ علىَّ، فأردت أن أرجع، فإذا أنا به وميكائيل قد سدا الأفق، فهبط جبريل وبقى ميكائيل بين السماء والأرض، فأخذنى جبريل، فاستلقانى لحلاوة القفا، ثم شق عن قلبى، فاستخرجه، ثم استخرج منه ما شاء الله أن يستخرج، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده مكانه، ثم لأمه، ثم أكفأنى كما يكفأ الأديم، ثم ختم فى ظهرى حتى وجدت مس الخاتم فى قلبى، ثم قال : اقرأ، ولم أك قرأت كتاباً قط، فلم أجد ما أقرأ، ثم قال : اقرأ، قلت ما أقرأ قال اقرأ باسم ربك الذى خلق( ) حتى انتهى إلى خمس آيات منها، فما نسيت شيئاً بعد، ثم وزننى برجل، فوزنته، ثم وزننى بآخر فوزنته، حتى وزننى بمائة رجل، فقال ميكائيل : تبعته أمته ورب الكعبة، فجعلت لا يلقانى حجر ولا شجر إلا قال : السلام عليك يا رسول الله، حتى دخلت على خديجة قالت : السلام عليك يا رسول الله"( )0
4- أما المرة الرابعة التى شق فيها صدر النبى فكانت ليلة الإسراء والمعراج وذلك تأهباً لمناجاة ربه عز وجل، والمثول بين يديه، واستعداداً لما يلقى إليه من سائر أنواع الفيوضات الإلهية، وما يراه من عظيم الآيات الربانية( )0
فعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: كان أبو ذر رضى الله عنه( ) يحدث أن رسول الله قال : "فرج عن سقف بيتى وأنا بمكة، فنزل جبريل عليه السلام، ففرج صدرى، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً. فأفرغها فى صدرى، ثم أطبقه. ثم أخذ بيدى، فعرج بى إلى السماء … الحديث( )0
والحكمة هنا فى شق صدره الشريف، مع القدرة على أن يمتلئ قلبه إيماناً وحكمة بغير شق؛ الزيادة فى قوة اليقين، لأنه أعطى برؤية شق بطنه، وعدم تأثره بذلك، ما أمن معه من جميع المخاوف العادية المهلكة، فكمل له بذلك ما أريد منه من قوة الإيمان بالله عز وجل وعدم الخوف مما سواه، فلذلك كان أشجع الناس، وأعلاهم حالاً ومقالاً، ولذلك وصف بقوله تعالى : ما كذب الفؤاد ما رأى( ) وقوله سبحانه : ما زاغ البصر ما طغى( )0
والشاهد فى الروايات السابقة على عصمته ، أنه قد أُفرغ فى صدره الشريف طست ممتلئ حكمة وإيماناً؛ وتجسيد المعنويات فى قدرة الله عز وجل هين… وهذا يوضح عصمته، إنه الذى نزعت عقله من صدره، هى حظ الشيطان منه، وأفرغ فى صدره طست الإيمان والحكمة، فكيف يكون عقل هذا شأنه؟ إنه يكون عقله أسمى من كل عقل، وأزكى من كل فهم، ولم لا : وقد نزع منه حظ الشيطان، وملئ قلبه بالحكمة والإيمان والحكمة جامعة لعموم العلوم والمعارف، والإيمان كلمة جامعة لكل ما يرضى الله تبارك وتعالى( )0
ح- من مظاهر عصمته تكافؤ أخلاقه :
وهكذا نشأ المصطفى ، محفوظاً ومعصوماً قبل النبوة وبعدها من الشيطان الرجيم، ومعصوماً من كل ما يمس عقيدته بسوء، بل ومن كل ما يمس خلقه، حتى كان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأعظمهم حلماً وأمانة، وأصدقهم حديثاً حتى سماه قومه "الأمين"( )0
وهذا الاسم العظيم "الأمين" يمثل أصدق تمثيل مدح رب العزة له بقوله سبحانه : وإنك لعلى خلق عظيم( )0
وهو اسم يمثل التكافؤ الخلقى فى شخصية سيدنا محمد أصدق تمثيل؛ وأعنى بالتكافؤ الخلقى : أن أخلاقه كلها قبل النبوة وبعدها تنبع من عصمة المولى عز وجل له، فهو الذى أدبه ربه فأحسن تأديبه، ومن هنا كانت أخلاقه كلها نِسَبِها متفقة، فصهره مثل شجاعته، وشجاعته مثل كرمه، وكرمه مثل حلمه… وهكذا لا تجد له خلقاً فى موضعه من الحياة يزيد أو ينقص على خلق آخر فى موضعه منها، وهذا التكافؤ الخلقى فى وجوده الواقعى فى شخصيته معجزة فى الحياة، لأن الإنسان معترك الغرائز، والتكافؤ الخلقى فى الشباب ضرب من المحالات فى متعارف الحياة، فإذا حققه الوجود الواقعى فى شباب سيدنا محمد كان وجوده معجزة، ودليل على عصمة رب العزة له، وعنايته به وحفظه من مظاهر الجاهلية، على ما سبق تفصيله0
وكذلك التكافؤ الخلقى فى شخصيته بعد النبوة يعد معجزة ودليل على عصمته. لأن التاريخ لم يذكر من النماذج العليا للبشرية من كان هذا التكافؤ الخلقى خليقته العامة سوى المصطفى محمد ، وإذا ذكر التاريخ غيره من النماذج العليا ذكره عنواناً لتبرير جزئى فى بعض الفضائل والأخلاق. فهذا مثل مضروب فى الصبر، وذاك فى الحلم، وثالث فى الكرم، ورابع فى الشجاعة. وهكذا تتفرق النهايات فى الأخلاق والفضائل فى نماذج متعددة، ولكنها تجتمع متكافئة فى شخصيته ، وهذا من الإعجاز والعصمة0
وإذا أردت مثلاً على هذا التكافؤ الخلقى فى شخصيته فتأمل حاله قبل زواجه من خديجة رضى الله عنها من شظف العيش، وقلة ذات يده، وتأمل حاله بعد زواجه منها، حيث أصبح بين عشية وضحاها من أغنياء قريش، وذوى ثرواتها، حيث أصبح عُرفاً مالها ماله، وثراؤها ثراءه. فهل غير ذلك تكافؤه الخلقى؟!0
كلا! إن سيدنا محمد ظل بعد هذا الثراء الغامر، كما كان من ولد ونهد وشب، يعيش فى شظف عيشه؛ لا من قلة المال فى يده، بل لأن خصيصة التكافؤ الخلقى عنده طبعته على الزهادة فى الحياة المادية المترهلة التى كانت تحياها قريش، وطبعته على التسامى بنفسه عن مطامع الماديين، إذا هبط عليهم الثراء من غير كد ولا تعب0
فحياته قبل زواجه من خديجة كانت تقلل من الدنيا، وكذلك كانت حياته بعد زواج خديجة، حياة تقلل من الدنيا وهى ملء يده وهكذا كان آخر حياة شبابه، صورة من أولها( )0
ولا غرو فى أن يكون رسول الله بتلك المثابة من التكافؤ الخلقى، فقد عصمه ربه عز وجل، واصطنعه لنفسه، وأراد منه أن يكون خاتم أنبيائه ورسله إلى الخلق كافة، ولا يقوم بذلك إلا أمين صاحب خلق عظيم، ينال ثقة الناس فيستجيبون له ويؤمنون به0
ط- من مظاهر عصمته كمال عقله :
إن كمال العقل وفطنته من أبرز صفات الرسل الذاتية التى منحهم الله تعالى إياها، وهى من لوازم الرسالة الإلهية، والاصطفاء الربانى لها، كما أنها عامل مهم، وسبب قوى من أسباب تبليغ رسالة الرسل إلى أقوامهم، ومعالجتهم بالتربية الحكيمة، والقيادة السليمة وفق طبائعهم وأخلاقهم. قال تعالى : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن( ) وواضح من هذه الآية الكريمة التى تبين سبيل الدعوة أنها تعتمد على رجاحة العقل وفطنته0
فلابد أن يكون الرسول أكمل الناس عقلاً وفطنة حتى يقيم الحجة على قومه على خير وجه، بحيث تكون ملزمة للخصم كل الإلزام، فإن آمن، وإلا جادله فاستعمل معه أسلوب المعارضة، والمناقضة، وهو فى كل ذلك يسلك مسالك الكرام لا يسئ ولا يغضب( ) وقد قص الله عز وجل لنا من أحوال فطنة الرسل مالا ينقض منه العجب، من سرعة البديهة، وإقامة الحجة الصادقة، وذلك كنوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، ويونس، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين0
وإذا ذهبنا لذكر نماذج من فطن الأنبياء فى القرآن الكريم، فإن ذلك يفضى بنا إلى الإطالة، ولكن بحسبنا أن نأتى ببعض النماذج من واقع حياة سيدنا محمد ، لتكون كافية للدلالة على باقى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إذ ما يجوز فى حق نبى يجوز فى حق غيره من الأنبياء0
قال القاضى عياض : بعد أن قرر أنه لا مرية فى أنه أعقل الناس وأذكاهم وفى ذروة الذرى فى الفطنة، ورجاحة العقل قال : "ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق وظواهرهم، وسياسة العامة والخاصة، مع عجيب شمائله، وبديع سيره، فضلاً عما أفاضه من العلم، وقرره من الشرع، دون تعلم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب فيه، لم يمتر فى رجحان عقله، وثقوب فهمه لأول بديهة"( )0
وإليك بعض الأمثلة على كمال عقله وفطنته من سيرته العطرة :
أ- سرعة حله للمشاكل المستعصية التى تحار فى حلها العقول الكبيرة الشهيرة وصور ذلك كثيرة منها :
1- حله لمشكلة قريش فى وضع الحجر الأسود الذى تنافست فيه قبائلها، وأرادت كل قبيلة أن تحوز شرف وضعه، وتستأثر به على غيرها، حتى وصل بها الحال إلى شفا الحرب، حيث قربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماً، ثم تعاقدوا هم وبنو عدى على الموت، وأدخلوا أديهم فى ذلك الدم فى تلك الجفنة، فسموا لعقة الدم، فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمساً ثم إنهم اجتمعوا فى المسجد فتشاوروا وتناصفوا، وأشار عليهم أبو أمية بن المغيرة، وكان يومئذ أسن قريش كلها على أن يجعلوا بينهم فيما يختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد – يعنى باب بنى شيبة – فكان أول داخل رسول الله ، فلما رأوه قالوا : هذا الأمين رضينا، هذا محمد! فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر فقال : "هلم إلى ثوباً، فأتى به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعاً. ففعلوه حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده ثم بنى عليه"( )0
وبذلك رفع ما بينهم من ذلك الخلاف الذى كاد يؤدى برجالهم، والذى حارت فيه عقولهم، وفيهم المشهورون بالعقل والحنكة والتجربة والسؤود، ومع ذلك بارت فى هذه المشكلة العويصة، حتى خلصهم منها ذو الفطنة النبوية سيدنا محمد ، وهو يومئذ فى سن الخامسة والثلاثين من عمره ( ) على الرغم من وجود الكبار والكبار جداً، وعلى الرغم من وجود العقلاء والنبلاء جداً، إلا أنه هو الذى حل المشكلة، إنه الذى ارتضاه الجميع لمكانته، فلما حكم ارتضوا حكمه لعدالته. لم يعترض أحد على شخصه، ولم يعترض أحد على فكره، حتى قال من لا يعرفه! يا عجبا لقوم أهل شرف وعقول، وسن وأموال، عمدوا إلى أصغرهم سناً، وأقلهم مالاً، فرأسوه فى مكرمتهم وحرزهم، كأنهم خدم له!! ( )0
2- ومثل هذا الحل السريع الحاسم حله لمشكلة المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله( ) فوفدوا إلى المدينة لا يملكون شيئاً، فكانوا بذلك فى خطر المجاعة والغربة، مما اقتضى إيجاد حل سريع لهذه المشكلة، وكان رجلها وواحدها رسول الله ، حيث آخى بين المهاجرين والأنصار على المواساة والحق، والتوارث، واستمروا على ذلك الحال إلى أن أنزل الله تعالى : وأولوا الرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله( ) فنسخت حكم التوارث بين المهاجرين والأنصار( ) وبذلك حل النبى مشكلة من أكبر المشاكل استعصاءً فى الحل0
3- كما حل فى نفس الوقت مشكلة أخرى هى بمثابة المشكلة الأولى فى الأهمية، وهى مشكلة التعايش فى المدينة بين طوائف مختلفة : الأوس والخزرج الذى كان بينهما من العداء بسبب ما كان يجرى بينهما من الحروب مالا يكاد ينسى والمهاجرين الذين تركوا أوطانهم وأموالهم، وأتوا لنصرة رسول الله وجموع يهود التى كانت تسيطر على الحركة الاقتصادية فى المدينة باحتكارها التجارة فيها، وتشكيلهم خطراً عظيماً على الدولة الإسلامية الفتية، وهم أيضاً منقسمون على أنفسهم، فبعضهم يوالى الأوس، والبعض الآخر يوالى الخزرج. فكان لابد من إيجاد ثقة كاملة، بين هذه الأطراف المختلفة للتعايش السلمى، والدفاع العام عن عدو مشترك يقدم عليهم من الخارج، يريد المساس بأحد من هذه الطوائف، فكان ذلك بما أجراه النبى من عهد موادعة بين هذه الطوائف يرضى جميعها0
وبهذا العهد( ) قضى رسول الله على النعرات الجاهلية، والدسائس اليهودية، وأوجب للجميع الود والإخاء، والتراحم، وإقامة العدل، وما كان لذلك أن يتم لولا هذا العلاج الناجح، من ذى الفطنة العظيمة، والسياسة الحكيمة – صلوات الله وسلامه عليه0
4- وكم كانت فطنته الكاملة تحل من مشاكل عديدة فى أسرع وقت وأقصره، فيتحقق بذلك له ولأمته ما يصبون إليه من نصر وسعادة وعز وسيادة، وليس أدل على ذلك من صلح الحديبية! الذى كان آية من الآيات العظيمة، فبه فتح الله عليه مكة دون حرب أو قتل… ومن كان يتصور فتح مكة بهذا السلام العظيم؟!! والأمثلة غير ذلك ينوء عنها الحصر فى مثل هذا المقام المقتضى للإيجاز، والإتيان من كل بحر قطرة كالأنموذج لغيره، والدليل على ما سواه0
ب- ومن مظاهر كمال عقله وفطنته، سرعة إقامة الحجة على المعارضين وقطع شغبهم وجدالهم بالباطل، فلا يستطيعون مجاراته أو مكابرته، بل لا يسعهم إلا الإذعان والتسليم، أو النكوص على أعقابهم خاسئين خاسرين، وصور ذلك كثيرة منها :
1- ما جاء عن سعيد بن أبى راشد( ) – رحمه الله – قال : رأيت التنوخى رسول هرقل إلى رسول الله (بحمص) وكان جاراً لى شيخاً كبيراً، قد بلغ الفناء أو قرب، فقلت : ألا تخبرنى عن رسالة هرقل إلى رسول الله ، ورسالة رسول الله إلى هرقل؟ قال : بلى… وذكر الحديث وفيه : "فانطلقت بكتابه (أى كتاب هرقل) حتى جئت "بتبوك" فإذا هو جالس بين أصحابه على الماء، فقلت : أين صاحبكم؟، قيل : ها هو ذا، قال : فأقبلت أمشى حتى جلست بين يديه، فناولته كتابى فوضعه فى حجره، إلى أن قال : ثم إنه ناول الصحيفة رجلاً عن يساره، فقلت : من صاحب كتابكم الذى يقرأ لكم؟ فقالوا : معاوية. فإذا فى كتاب صاحبى : يدعونى إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين! فأين النار؟ فقال رسول الله "سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار؟!…"( )0
2- وجاءت قريش إلى حصين بن عبيد( ) وهو من عظماء قريش، فقالوا له : كلم لنا هذا الرجل، يقصدون : رسول الله ، فإنه يذكر آلهتنا ويسبهم، فجاءوا معه حتى جلسوا قريباً من باب النبى ، فقال : أوسعوا للشيخ، وعمران( ) وأصحابه متوافرون0
فقال حصين : ما هذا الذى بلغنا عنك، إنك تشتم آلهتنا، وتذكرهم، وقد كان أبوك حصينة وخيراً؟ فقال : يا حصين، إن أبى وأباك فى النار. يا حصين! كم تعبد من إله؟ قال : سبعاً فى الأرض، وواحداً فى السماء. قال : فإذا أصابك الضر من تدعوا؟ قال : الذى فى السماء. قال: فإذا هلك المال من تدعوا؟ قال : الذى فى السماء. قال : فيستجيب لك وحده، وتشركهم معه؟! أرضيته فى الشكر أم تخاف أن يغلب عليك؟ قال : لا واحدة من هاتين. قال : "وعلمت أنى لم أكلم مثله" قال : يا حصين! أسلم تسلم. قال : إن لى قوماً وعشيرة فماذا أقول؟ قال : قل : اللهم إنى أستهديك لأرشد أمرى، وزدنى علماً ينفعنى. فقالها حصين، فلم يقم حتى أسلم. فقام إليه عمران فقبل رأسه، ويديه، ورجليه، فلما رأى ذلك النبى بكى، وقال : بكيت من صنيع عمران، دخل حصين، وهو كافر، فلم يقم إليه عمران، ولم يلتفت ناحيته، فلم أسلم قضى حقه، فدخلنى من ذلك الرقة، فلما أراد حصين أن يخرج قال لأصحابه : قوموا فشيعوه إلى منزله، فلما خرج من سدة الباب رأته قريش فقالوا : صبأ( ) وتفرقوا عنه( )0
فنتأمل كلمة "حصين" الذى تعظمه قريش : "وعلمت أنى لم أكلم مثله" إن هذه الكلمة من هذا الرجل تبين مدى كمال عقله ، وأنه يفوق عقل المعظمين من البشر، إنه عقل نبى مصطفى معصوم!( )0
3- وعن أبى أمامة رضى الله عنه( ) قال : إن فتى شاباً أتى النبى فقال : يا رسول الله، ائذن لى بالزنا!! فأقبل القوم عليه، فزجروه، وقالوا : مهٍ مهٍ( ) فقال : أدنه، فدنا منه قريباً. قال : فجلس فقال : أتحبه لأمك؟ قال : لا! والله، جعلنى الله فداك فقال : ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. ثم قال : أفتحبه لابنتك؟ قال : لا!، والله يا رسول الله، جعلنى الله فداك. قال ولا الناس يحبونه لبناتهم. ثم قال : أفتحبه لأختك؟ قال : لا والله، جعلنى الله فداك. قال : ولا الناس يحبونه لأخواتهم، ثم قال : أفتحبه لعمتك؟ قال : لا والله، جعلنى الله فداك. قال ولا الناس يحبونه لعماتهم. ثم قال : أفتحبه لخالتك؟ قال : لا والله، جعلنى الله فداك. قال : ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال : فوضع يده عليه، وقال : اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شئ"( )0
انتهى الفتى عن هذه الفاحشة، وأصبح لا يلتفت إليها، فقد أقنعه إقناعاً تاماً، وردد، وكرر، حتى قبح هذا الفعل فى نظر الرجل، فأبغضه وابتعد عنه، وهو بدعائه له زاد الأمر حسناً فلم يقف عند حد الإقناع، وإنما دعا له – وهو مستجاب الدعوة – فاقتناع الرجل، وهداه الله، وهكذا النبوة( )0
والشاهد مما سبق أنه لم يغضب، ولم يثر، وإنما كلمه كلاماً سهلاً غاية السهولة، أقنعه كل الإقناع. وهذا من كمال العقل وفطنته0
4- وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن أعرابياً أتى رسول الله فقال : يا رسول الله! إن امرأتى ولدت غلاماً أسود، وإنى أنكرته( ) فقال له النبى هل لك من إبل؟ قال : نعم. قال ما ألوانها؟ قال : حمر. قال : فهل فيها من أورق( ) قال : نعم. قال رسول الله : فأنى هو؟( ) قال : لعله يا رسول الله يكون نزعه عرق له( ) فقال له النبى وهذا لعله يكون نزعه عرق له( )0
إنه فى هذا الموقف جعل السائل ينطق بالجواب، وضرب له مثلاً من بيئته، وأقنعه أيما إقناع، ولقد كان الرجل منصفاً، فما أن ضرب له المثل إلا اقتنع. لقد سلم الرجل واعترف أن العرق نزاع، وعليه فلعل عرقاً نزع ابنه هذا، كما أن إبله التى فيها جمل يختلف لونه عن بقية الإبل لعله نزعه عرق( )0
جـ- ومن مظاهر كمال عقله وفطنته براهينه الساطعة القاطعة التى كان يقيمها على مجادليه ومناظريه من مشركين، وأهل كتاب وغيرهم، وصور ذلك كثيرة أكتفى منها بما يلى :
1- مجادلته لكفار قريش، وهو ما كان من ابن الزبعرى( ) الذى سمع بقول الله تعالى إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون. لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون. لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون( ) فقال : أما والله لو وجدت محمداً لخصمته، فسلوا محمداً! أكل ما يعبد من دون الله فى جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة! واليهود تعبد عزيزاً! والنصارى تعبد عيسى ابن مريم! فعجب الحاضرون مما قاله ابن الزبعرى، ورأوا أنه قد خصم رسول الله وغلبه، فقال النبى : "إن كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين، ومن أمرتهم بعبادته" فأنزل الله تعالى تصديقاً لنبيه : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها وهم فى ما اشتهت أنفسهم خالدون. لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذى كنتم توعدون( )0
فانظر إلى هذا الجواب المفحم الذى لم يترك للمجادل مجالاً للتمادى بالباطل، حيث أعلمه أن من ذكر لم يأمروهم بعبادتهم، وأنهم إنما يعبدون الشياطين، وأنهم لو أمروهم بذلك أو حبذوا ذلك منهم لكان الحكم عاماً فيهم0
على هذا النحو كانت مجادلة النبى للمشركين فى مكة، وأهل الكتاب فى المدينة( ) والوفود الواردة من كل نواحى الجزيرة، يجادلوه فيأيده الله، ويقيم الحجة عليهم، وأذكر من ذلك مثالاً ما يلى :
2- وفد بنى تميم : فلقد قدم عليه أشرافهم، منهم الأقرع بن حابس، وهو من سادات العرب وحكامها( ) والزبرقان بن بدر التميمى– أحد بنى سعد – وعمرو بن الأهتم. وقالوا لرسول الله : جئنا نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، وتمت المفاخرة، وفى نهايتها قال الأقرع بن حابس : إن هذا الرجل لموتى له( ) لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا( )0
لقد اعترف الرجل بكمال عقله وفطنته ، وأنه اختار من أتباعه خطيباً يناسب هذه القبيلة من العرب، ففاق خطيبهم، واختار شاعراً فاق شاعرهم، وما ذلك إلا لكمال عقله وفطنته، وفهمه الدقيق للوافدين عليه، وفهمه الدقيق لأتباعه0
لقد أسلم الوفد( )، وهكذا كل من ورد عليه، يعترف بنبوته، وعصمة المولى عز وجل له، وتأييده فى كل أموره( )0
وبعد : فقد اتضح لك فيما سبق من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، عصمة سيدنا رسول
كلية أصول الدين بالقاهرة
قسم الحديث وعلومه
رسالة دكتواره وموضوعها
رد شبهــات حـول عصمــة النــبى
فى ضوء السنة النبوية الشريفة
مقدمة من الباحث
عمـاد السيــد محمــد إسماعيـــل الشــربيـــــنى
المدرس المساعد بقسم الحديث وعلومه بالكلية
إشـــراف
فضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد المهدى عبد القادر عبد الهادى
أستاذ الحديث وعلومه بكلية أصول الدين بالقاهرة
1423هـ – 2002م
قال الله عز وجل
أَوَلَمْ يَتَفَكَرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِن جِنَّةٍ إِن هُو إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ( )
وَمَا كَانَ لَكُم أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ( )
ويرحم الله القائل
هو النعمة العظمى هو الرحمة التى *** تجلى بها الرحمن فى السر والجهر
أيروم مخلــوق ثنـاءك بعـدمـا *** أثنى على أخلاقــك الخــلاق؟( )0
الإهـــــــداء
إلــى النــــور الخــالــــد0
إلى من أرجو الله تعالى شفاعته يوم الدين0
بأبى أنت وأمــى يا سيدى يا رسول الله!
هل لى أن أستـأذن فــى أن أطـــرق
باب خدمتك بإهـدائك هــذه الرسالــة؟
عماد الشربينى
كلمة شكر وتقدير
انطلاقاً من قول الله عز وجل : أن اشكر لى ولوالديك إلىَّ المصير( )، وقول رسول الله : "لا يَشْكُرُ اللهَ منْ لاَ يَشكُرُ الناسَ"( )0
• أحمد الله عز وجل؛ أن جعلنى تلميذاً من تلاميذ هذه المدرسة المباركة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، وأن منَّ علىَّ بالبحث فى هذا الموضوع الجليل، والحمد لله أولاً وآخراً على عونه وتوفيقه لإتمام هذا البحث، وأسأله عز وجل أن يتقبله خالصاً لوجهه الكريم0
• وأتقدم بجزيل الشكر وعرفان الجميل لوالدىَّ، اللذين شملانى برعايتهما وعطفهما حتى تمكنت من إتمام هذا العمل، أدعو الله عز وجل أن يغفر لهما ويرحمهما، وأن يبارك فى دينهما، وبدنهما، وأموالهما، وأن يجعل ذلك فى ميزان حسناتهما يوم القيامة0
• كما أتقدم بجزيل الشكر وعرفان الجميل، لأستاذى وشيخى الجليل، فضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد المهدى عبد القادر، على الرعاية والعناية التى شملنى بها، ما أعجزنى عن أداء شكره0
وهذا البحث مدين لفضيلته منذ أن كان أطروحة وحتى تمت الموافقة عليه، والبحث وصاحبه ثمرة من ثمرات غرسه المبارك0
وأخيراً : لا أملك إلا أن أدعو الله عز وجل أن يبارك فى دينه، وبدنه، وأهله، وولده، وماله، وأن يجزيه عنى وعن الإسلام خير الجزاء0
• ثم إن أجمل الشكر وأحسنه لمشايخى وأساتذتى الأجلاء،بكلية أصول الدين المباركة،على ما قدموا لى من عون على الموافقة على اختيار هذا الموضوع،وعلى ما قدموا لى من توجيهات وإرشادات،وتشجيع دائم، حتى تمكنت من إتمام هذا العمل. وإن استطردت لذكر أسمائهم لطال بى المقام ولكن مالا يدرك كله، لا يترك جله، فأخص بالذكر منهم؛ فضيلة الأستاذ الدكتور/ عزت عطية أستاذ ورئيس قسم الحديث بالكلية، والأستاذ الدكتور/ مروان شاهين، والأستاذ الدكتور/ بهاء الشاهد، الأساتذة بقسم الحديث بالكلية، فلهم ولسائر مشايخى وأساتذتى منى جزيل الشكر، وصالح الدعاء، وجزاهم الله عن العلم وأهله خير الجزاء0
• ولا يفوتنى أن أتقدم بجزيل الشكر، وعرفان الجميل، لكل من كانت له يد عون أو نصح أو إرشاد، أو توجيه، أو غير ذلك حتى أنجزت هذه الرسالة0
الله عز وجل أسأل أن يجزى الجميع عنى، وعن الإسلام خير الجزاء
وأن يوفقهم لما يحبه ويرضاه0
===
المقـدمـة
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وهو اللطيف الخبير، الحمد لله رب العالمين الذى هدانا وعلَّمنا، ومنَّ علينا، وتفضل ببلوغ المراد من خدمة سنة سيد المرسلين، التى فسرت الكتاب الكريم،، وبينته للناس، وحياً بوحى، ونوراً بنور، فاكتمل بهما الدين القويم، والصراط المستقيم0
اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب العالمين، سبحانك لا نحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك0
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، وعصمه فى دينه وخلقه، ليكون أميناً على وحيه، مبيناً لكتابه، خاتماً لأنبيائه ورسله، ولتقوم به الحجة والقدوة على هذه الأمة إلى يوم الدين0
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله، وصحبه البررة الأوفياء، أئمة الدين، وصفوة الخلق بعد الأنبياء والمرسلين0
ورضى الله عمن تبع سنتهم، وسلك طريقتهم، واقتفىَ أثرهم، ونصرهم إلى يوم الدين0
ثم أما بعد
فإن الله تعالى يقول فى كتابه العزيز : قل الحمد الله وسلام على عباده الذين اصطفى( ) ويقول سبحانه : وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار( )0
إن رب العزة فى هاتين الآيتين ونحوهما، يبين لكافة عباده أنه اختار واصطفى من خلقه أناساً أخياراً، عصمهم فى ظاهرهم وباطنهم، ورضاهم وغضبهم قبل النبوة وبعدها، لما علمَه عز وجل فيهم من أنهم سيكونون هداة للخلق يخرجونهم من الظلمات إلى النور، ويهدونهم إلى صراط العزيز الحميد0
وهذا الاصطفاء الذى يتحدث عنه رب العزة، هو اصطفاء وهم لا يزالون فى عالم الغيب لم يخلقوا بعد0
وهو ما يُظهر أن عصمة سيدنا رسول الله ، وسائر الأنبياء والمرسلين – عليهم الصلاة والسلام – مبنية على إرادة إلهية يمتنع معها وقوع المعصية منهم0
ويقول عز وجل : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءَنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلى إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم. قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عُمُراً من قبله أفلا تعقلون( )0
ففى قوله : فقد لبثت فيكم عُمُراً من قبله يقدم رب العزة حياة رسوله ، وسيرته الطاهرة قبل بعثته، دليلاً على عصمته ونبوته. والمعنى فى الآيتين : إنى جئتكم بالقرآن عن إذن الله لى فى ذلك ومشيئته وإرادته، والدليل على أنى لست أتقوله من عندى ولا افتريته؛ أنكم عاجزون عن معارضته، وأنكم تعلمون صدقى وأمانتى منذ نشأت بينكم إلى حين بعثنى الله عز وجل، لا تنتقدون علىَّ شيئاً تُعِّيرونى به. ولهذا قال : فقد لبثت فيكم عُمُراً من قبله أفلا تعقلون أى : أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل!
والقارئ لسيرة سيدنا رسول الله ، لا يشك فى عصمته فقد كانت نشأته ، منذ ولدته أمه إلى أن بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين، أكمل نشأة، تولاه الله تعالى فأدبه، ورباه فكمِله، ورعاه فحفظه مما كان يشين حياة قومه من وثنية، وعادات مستقبحة، حتى غدا أكمل إنسان فى بشريته، فلم تعرف له فى سيرته هفوة، ولم تحص عليه فيها زلة، بل إنه امتاز بسمو الخلق، ورجاحة العقل، وعظمة النفس، وحسن الأحدوثة بين الناس، ثم نبأه الله تعالى وبعثه، فنمت فيه هذه الفضائل وترعرعت حتى أصبحت حياته فريدة فى تاريخ هذه الحياة الدنيا0
فمن أين له هذا؟ وهو اليتيم الذى تعرض منذ طفولته لمحنة اليتم والفقر! وهو الأمى الذى لم يجلس طيلة حياته إلى معلم يثقف عقله! وهو الذى نشأ فى بيئة سيطرت عليها الجاهلية سيطرة كاملة فى مجال العقيدة والفكر، وفى مجال الأخلاق والسلوك، وطبعت الناس بطابعها البغيض حتى لا تكاد تجد إنساناً يسلم من وراثة البيئة، وعدوى التقاليد الجاهلية الموروثة عن الآباء والأجداد. فكيف نجا سيدنا رسول الله من تلك المؤثرات القوية؟0
إنك لا تستطيع أن تدرك سر كمال عقله وعقيدته وأخلاقه، وبراءته من كل نقائص ومثالب بيئته التى نشأ فيها إلا أن تقول : إنه الإعداد الإلهى للنبوة والله أعلم حيث يجعل رسالته( ) إنها العصمة الربانية التى حفظته من بيئة الجاهلية أربعين عاماً لم يصبه أذى من غبارها، فشب أكمل الناس خَلْقاً وخُلُقاً0
وشهد له بتلك العصمة ربه عز وجل فى عشرات الآيات القرآنية منها إجمالاً قوله تعالى : قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدى عذاب شديد( )0
وقوله سبحانه : ما ضل صاحبكم وما غوى( ) ففى هاتين الآيتين ونحوهما كان التعبير فيها بـ "صاحبكم" تذكيراً وتقريراً بأن كفار مكة أعرف الناس به، فرسول الله لم يفارقهم، وهم لم يفارقوه، بل صحبهم وصحبوه، ولازمهم ولازموه، وهذا يفيد أن كفار مكة فى اتهامهم لرسول الله بعدم العصمة ووصفه بالضلال والجنون والسحر مكابرون، والدليل حاله قبل نبوته حيث صحبتهم له منذ نشأته بينهم، واعترافهم له بالأمانة والصدق، ورجاحة العقل، والخلق القويم0
وإذا طعن كفار قريش قديماً فى عصمة رسول الله ، وتبعهم من لا يعتد بخلافهم من الفضيلية والأزارقة من الخوارج والكرامية وغيرهم، فقد ظهر حديثاً أذيالهم من المنكرين للسنة النبوية، الزاعمين أن رسول الله غير معصوم، ويجوز عليه ما يجوز على سائر البشر من الذنوب؛ كما زعموا أن سيرة رسول الله الواردة فى السنة المطهرة تختلف عنها فى سيرته فى القرآن الكريم، وأن فى الأحاديث المتعلقة بسيرته ما يطعن فى عصمته، ويشوه شخصيته0
وقد استند هؤلاء المشاغبون فى عصمة النبى إلى بعض النصوص القرآنية التى قد يُتوهم من ظاهرها أن رسول الله ، كان فى ضلال أو غفلة أو شك، وكذلك نصوص ورد فيها بعض التنبيهات الموجهة مباشرة إلى ضمير خطابه 0
كما استندوا أيضاً إلى بعض الأحاديث التى قد يتوهم من ظاهرها عدم عصمة رسول الله فى عقيدته وقلبه، وبلاغه للوحى، واجتهاده، وسلوكه وهديه0
وهذا ما دفعنى إلى اختيار موضوع هذه الرسالة : "رد شبهات حول عصمة النبى فى ضوء السنة النبوية الشريفة" وقد هدفت من تسجيله إلى عدة أهداف منها :
أولاً : بيان أن عصمة الأنبياء وعلى رأسهم سيدنا رسول الله ضرورة دينية، وأنها سبيل حجية وحى الله تعالى من القرآن والسنة0
ثانياً : أن يكون هذا البحث هادياً لمن تأثر من أبناء الإسلام بشبهات أعداء السنة حول عصمة رسول الله ، مما يوجب على من عرف الحق أن يأخذ بأيديهم إلى بر الأمان0
ثالثاً : إرادة توطيد إيمان المؤمنين، وتقوية محبتهم لرسول الله ، ومعرفتهم بمكانته العليا، وحفاوة الله تعالى به فى تربيته حتى فى الآيات المتشابهات التى يتعلق بها أعداء الإسلام ومقلدوهم من المسلمين، مما يظهر أن ما ورد من ظاهر تلك الآيات مما يمس عصمته غير مراد0
رابعاً : بيان أن سيرة رسول الله الواردة فى صحيح السنة المطهرة تعتبر فى ميزان العقل البشرى والعلمى معجزة، لا تستطيع الأمم جميعها فى الحاضر والمستقبل أن تفعل مثلها، إذ لم يحفظ لنا التاريخ من بين جميع الأمم، حياة رجل منذ طفولته إلى وفاته، مثلما حفظه المسلمون عن رسولهم بكل دقة، وبكل حب وإخلاص0
خامساً : بيان أن أئمة السيرة ورواتها لم تكن وظيفتهم بصدد أحداث السيرة إلا تثبيت ما هو ثابت منها بمقياس علمى دقيق، يتمثل فى قواعد مصطلح الحديث المتعلقة بكل من السند والمتن، وفى قواعد علم الجرح والتعديل المتعلقة بالرواة وتراجمهم؛ ولا تستطيع أى أمة من الأمم فى السابق واللاحق أن تأتى بمثل هذا الميزان العلمى، أو حتى تلتزمه فى ميدان التطبيق العمِلى0
سادساً : بيان أن سيرة رسول الله لها أهميتها فى فهم الإسلام قرآناً، وسنةً، وحضارةً0
سابعاً : بيان أن حملة التشكيك فى السيرة العطرة الواردة فى السنة النبوية مرض عقلى، ووباء فكرى، يصيب الحاقدين، وهو مذهب الذين فى قلوبهم مرض، الذين يستهدفون أن يفقد المسلمون الصورة التطبيقية لحياة رسول الله ، وبذلك يفقد الإسلام أكبر عناصر قوته، فأحببت أن تكون لى مشاركة فى رد تلك الحملة، وإيقاف زحفها، مع من بذلوا جهوداً فى الدفاع عن السيرة، لحماية حصنها من التهديم والتخريب، راجياً بذلك المثوبة من الله تعالى0
ثامناً : بيان أن الباطل مهما لمع بريقه، وتكاتف من ورائه أناس على تقويته، إلا أنه سرعان ما يخفت هذا اللمعان، ولا يجنى أصحاب هذا الباطل من وراء باطلهم إلا الخيبة والخسران0
وما شأن شراذم البغى قديماً وحديثاً، ومحاولاتهم النيل من سيرة المعصوم ، وسنته المطهرة، إلا كشأن من قال عنه الأعشى بن قيس :
كناطح صخرة يوماً ليوهنها … فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل0
خطة البحث :
تتكون خطة البحث فى الموضوع إلى مقدمة، وتمهيد، وأربعة أبواب، وخاتمة0
أما المقدمة فقد ضمنتها : سبب اختيار الموضوع، وأهميته، وخطة البحث ومنهج البحث فيه0
أما التمهيد فيشتمل على مبحثين :
المبحث الأول : التعريف بالعصمة، وبيان دلالتها على حجية القرآن الكريم، والسنة النبوية، والاقتداء بالنبى 0
المبحث الثانى : أهمية السيرة النبوية فى فهم الإسلام قرآناً وسنةً، وحضارةً0
أما الأبواب فهى :
الباب الأول : عصمة رسول الله فى عقله وبدنه ودفع الشبهات ويشتمل على فصلين :
الفصل الأول : عصمته فى عقله وبدنه كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية، ويشتمل على تمهيد ومبحثين :
المبحث الأول : دلائل عصمته فى عقله من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية0
المبحث الثانى : دلائل عصمته فى بدنه من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية0
الفصل الثانى : شبه الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها ويشتمل على تمهيد ومبحثين :
المبحث الأول : شبهاتهم من القرآن الكريم على عدم عصمة النبى فى عقله وبدنه والرد عليها، ويشتمل على تمهيد وخمسة مطالب :
المطلب الأول : شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الضلال" و"الغفلة" إلى ضمير خطابه والجواب عنها0
المطلب الثانى : شبهتهم حول آيات ورد فيها إسناد "الذنب" و"الوزر" إلى ضمير خطابه والجواب عنها0
المطلب الثالث : شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله بتقوى الله عز وجل، ونهيه عن طاعة الكافرين، ونهيه عن الشرك، والجواب عنها0
المطلب الرابع : شبهتهم حول آيات ورد فيها مخاطبة رسول الله بتعرض الشيطان له والجواب عنها0
المطلب الخامس : شبهتهم حول آيات ورد فيها معاتبة رسول الله والجواب عنها0
المبحث الثانى : شبهاتهم من السنة النبوية على عدم عصمة النبى فى عقله وبدنه والرد عليها ويشتمل على تمهيد وخمسة مطالب :
المطلب الأول : شبهة الطاعنين فى حديث "شق صدره " والرد عليها0
المطلب الثانى : شبهة الطاعنين فى حديث "فترة الوحى" والرد عليها0
المطلب الثالث : شبهة الطاعنين فى حديث "نحن أحق بالشك من إبراهيم" والرد عليها0
المطلب الرابع : شبهة الطاعنين فى حديث "سحر رسول الله " والرد عليها0
المطلب الخامس : شبهة الطاعنين فى حديث "أهجر" والرد عليها0
الباب الثانى : عصمة رسول الله فى تبليغ الوحى ودفع الشبهات ويشتمل على فصلين :
الفصل الأول : عصمته فى تبليغ الوحى كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية، ويشتمل على تمهيد ومبحثين :
المبحث الأول : التعريف بالوحى، وكيفياته0
المبحث الثانى : دلائل عصمته فى تبليغ الوحى من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية0
الفصل الثانى : شبه الطاعنين فى الوحى الإلهى والرد عليها ويشتمل على مبحثين :
المبحث الأول : شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين حول الوحى الإلهى والرد عليها، ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب :
المطلب الأول : شبهة الوحى النفسى والرد عليها0
المطلب الثانى : شبهة أن الوحى عبارة عن أمراض نفسية وعقلية والرد عليها0
المطلب الثالث : شبهة أن الوحى مقتبس من اليهودية والنصرانية والرد عليها0
المطلب الرابع : فرية الغرانيق والرد عليها0
المبحث الثانى : شبهات أعداء السنة النبوية حول الوحى الإلهى والرد عليها ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب :
المطلب الأول : شبهة أن مهمة رسول الله قاصرة على بلاغ القرآن فقط والرد عليها0
المطلب الثانى : شبهة أن رسول الله ليست له سنة نبوية والرد عليها0
المطلب الثالث : شبهة أنه لا طاعة لرسول الله إلا فى القرآن فقط والرد عليها0
المطلب الرابع : شبهة أن طاعة رسول الله تأليه وشرك والرد عليها0
الباب الثالث : عصمة رسول الله فى اجتهاده ودفع الشبهات ويشتمل على فصلين :
الفصل الأول : عصمته فى اجتهاده كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية ويشتمل على مبحثين :
المبحث الأول : التعريف بالاجتهاد، وحكمته فى حقه 0
المبحث الثانى : دلائل عصمته فى اجتهاده من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية0
الفصل الثانى : شبهة أن اجتهاد رسول الله يؤيد أن السنة المطهرة ليست كلها وحى والرد عليها0
الباب الرابع : عصمة رسول الله فى سلوكه وهديه ودفع الشبهات ويشتمل على تمهيد وسبعة فصول :
الفصل الأول : شبهة اختلاف سيرة رسول الله فى كتب السنة والتاريخ عنها فى القرآن الكريم والرد عليها0
الفصل الثانى : شبهة الطاعنين فى حديث "خلوة النبى بامرأة من الأنصار" والرد عليها0
الفصل الثالث : شبهة الطاعنين فى حديثى "نوم النبى عند أم سليم وأم حرام" والرد عليها0
الفصل الرابع : شبهة الطاعنين فى حديث "طوافه على نسائه فى ساعة واحدة" والرد عليها0
الفصل الخامس : شبهة الطاعنين فى حديث "مباشرة رسول الله نسائه فى المحيض" والرد عليها0
الفصل السادس : شبهة الطاعنين فى حديث "دعوته لعائشة رضى الله عنها استماع الغناء والضرب بالدف" والرد عليها0
الفصل السابع : شبهة الطاعنين فى حديث "اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة" والرد عليها0
الخاتمة : وفيها نتائج هذه الدراسة، ومقترحات، وتوصيات، والفهارس العلمية للبحث0
هذا ولم أتعرض لتحرير مبحث أو مطلب إلا بعد أن رجعت إلى ما أمكننى الاطلاع عليه من الكتب المؤلفة فيه كبيرها وصغيرها، فقد يوجد فى الصغير مالا يوجد فى الكبير0
ولم أكتب شيئاً إلا بعد أن أعتقد صحته وأطمئن إليه، غير متأثر برأى أحد ممن كتب فيه كائناً من كان، معاصراً أو غير معاصر، ولم أتردد فى مخالفته متى تبين لى أنه قد أخطأ، مع بيان وجهة نظرى فى ذلك، ومع احترامى له، واعترافى بفضله، وتقديرى لعلمه، واعتقادى أنه "صاحب آيات، وسباق غايات"0
وقد يؤخذ علىَّ : أنى قد أطلت فى بعض المباحث، أو كررت بعض العبارات، أو أظهرت فى محل إضمار، أو غير ذلك. ولكنى قصدت بهذا كله توفية البحث حقه، وإتمام الفائدة، وزيادة الإيضاح، وعدم وقوع الناظر فى اللبس0
وإذا كانت الدراسة الموضوعية الصادقة هى تلك التى تعتمد على النصوص والوثائق؛ فقد التزمت هذه الرسالة – إلى حد كبير – بإيرادها كشواهد ودلائل على ما عالجته من مسائل وقضايا0
منهجى فى البحث :
1- كل ما عرضته فى الرسالة من شبه ومطاعن أهل الزيغ والهوى قديماً وحديثاً، المتضمنة الطعن فى عصمة رسول الله ، فإنى قرنت ذلك بالرد الحاسم الذى يبين بطلان وزيف تلك الشبه والمطاعن معتمداً فى ذلك على القرآن الكريم والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، وكلام أهل السنة قديماً وحديثاً. فإن كان من جهد فى هذه الرسالة فإنما هو ثمرة الوقوف على أكتاف العلماء، ونتاج المربين الذين ربونا صغاراً، وحملونا كباراً، والمنة لله وحده، وهو ولى الجزاء، وشكر الله للعلماء بذلهم0
2- بينت مواضع الايات التى وردت فى الرسالة بذكر اسم السورة، ورقم الآية فى الهامش، مع وضع الآية بين قوسين0
3- عزوت الأحاديث التى أوردتها فى الرسالة إلى مصادرها الأصلية من كتب السنة المعتمدة، فإن كان الحديث فى الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بالعزو إليهما، بذكر اسم الكتاب، واسم الباب، وذكر الجزء والصفحة ورقم الحديث، وأقدم فى التخريج من ذكرت لفظه، مع البيان غالباً لدرجة الحديث من خلال أقوال أهل العلم بالحديث، أو دراستى للسند، إن كان الحديث فى غير الصحيحين، وفيما عدا ذلك اقتصر على ما يفيد ثبوت الحديث أو رده0
4- اعتمدت فى التخريج من الصحيحين على طبعتى البخارى "بشرح فتح البارى" لابن حجر، والمنهاج "شرح صحيح مسلم" للنووى، لصحة متون الأحاديث فى الشرحين، ولصحة عرضهما على أصول الصحيحين، وتسهيلاً للقارئ لكثرة تداول تلك الشروح، وإتماماً للفائدة بالاطلاع على فقه الحديث المخرَّج0
5- التزمت عند النقل من أى مرجع، أو الاستفادة منه الإشارة إلى رقم جزئه وصفحته بالإضافة إلى ذكر طبعات المراجع فى الفهرست0
6- عند النقل من فتح البارى، أو المنهاج شرح مسلم للنووى، أذكر رقم الجزء والصفحة ورقم الحديث الوارد فيه الكلام المنقول، تيسيراً للوصول إلى الكلام المنقول، نظراً لاختلاف رقم الصفحات تبعاً للطبعات المتعددة0
7- اكتفيت فى تراجم الأعلام من الصحابة بذكر مصادر تراجمهم بذكر رقم الجزء والصفحة ورقم الترجمة، ولم أترجم لهم لعدالتهم جميعاً، ولم أخالف فى ذلك إلا فى القليل عندما تقتضى الترجمة الدفاع عن شبهة0
8- ترجمت لكثير من الأعلام الذين جرى نقل شئ من كلامهم، مع ذكر مصادر تراجمهم، بذكر رقم الجزء والصفحة ورقم الترجمة0
9- شرحت المفردات الغريبة التى وردت فى بعض الأحاديث مستعيناً فى ذلك بكتب غريب الحديث، ومعاجم اللغة، وشروح الحديث0
ثم ختمت الرسالة بفهارس سبعة هى :
1- فهرس الآيات القرآنية0
2- فهرس الأحاديث والآثار0
3- فهرس الأعلام المترجم لهم0
4- فهرس الأشعار0
5- فهرس القبائل والبلدان والفرق0
6- فهرس المصادر والمراجع0
7- فهرس الموضوعات التى اشتملت عليها الرسالة0
هذا وإنى – يعلم الله – ما فرطت ولا توانيت، ولا كان منى ميل إلى كسل أو ركون إلى راحة، فإن فاتنى شئ فى أثناء الكتابة، أو لم أذكر أمراً كان ينبغى ذكره، أو طرأ على سهو أو نسيان، فهذا لأن عمل الإنسان لا يخلو من نقص مهما كانت عنايته. وعذرى فى ذلك ان الكمال المطلق لله عز وجل0
ولا أدعى، وليس لى أن أدعى أنى جئت فى هذه الرسالة بشئ كان خافياً على العلماء والباحثين، وإنما حاولت بعون الله تعالى، جمع كلام الأئمة بين دفتى رسالة واحدة، حيث تتبعت الدرر المنثورة لشريعتنا الغراء فى بطون الكتب، ونظمتها فى سلك واحد، ولم أجد على قلة إطلاعى مَن عالج هذا الموضوع بهذه الصورة0
فما كان فى البحث من صواب، فهو من الله عز وجل وبتوفيقه، وما كان من خطأ فمن نفسى، ومن الشيطان، والله برئ منه ورسوله، ولله وحده الكمال والعزة والجلال0
وفى الختام : الحمد لله رب العالمين؛ على عونه وتوفيقه لإتمام هذا البحث حيث سهل لى صعبه وذلل أمامى عقباته0
وإنى لأرى لزاماً على أن أسجل هنا وافر شكرى وعظيم تقديرى، وصادق دعواتى لشيخى وأستاذى الجليل فضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد المهدى عبد القادر عبد الهادى، إذ كان أول من أشار علىَّ بالكتابة فى هذا الموضوع، ثم أحاطه بدقيق ملاحظاته، وكامل متابعاته، وجليل تصحيحاته، فى مدة جمعه وتحريره، يقرأه المرة تلو الأخرى، ويضفى عليه كمالاً وجمالاً فى الحين بعد الآخر، حتى جاء على هذا النحو الذى هو عليه، والذى أرجو أن يسر قارئيه، ويفيد طالبيه ومبتغيه؛ فلفضيلته منى جزيل الشكر وصالح الدعاء، وجزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء0
ولا يفوتنى فى هذا المقام أن أقدم شكرى أيضاً : لكل من أفادنى من مشايخى وزملائى بكتاب، أو إرشاد، أو أى نوع من المساعدة0
اللهم تقبل هذا العمل خالصاً لوجهك الكريم، اللهم اجعلنى جنداً من جنود كتابك، جنداً من جنود سنة نبيك ، اللهم لا تجعلنى شقياً ولا محروماً، اللهم لا تعذب لساناً يخبر عنك، ولا عيناً تنظر إلى علوم تدل عليك، ولا قدماً تمشى إلى طاعتك، ولا يداً تكتب حديث رسولك وصفيك . اللهم لا تدخلنى النار، ولا تفضحنى فيها، فقد علم أهلها أنى كنت أذب عن دينك، وأدافع عن شرعك، وأظهر مكانة وحيك، وأبين عظمة وعصمة نبيك وخليلك وصفيك 0
اللهم اجعلنى وما عملت من عمل صالح فى ميزان أبوىَّ، واغفر لهما، وأكرمهما، وارحمهما كما ربيانى صغيراً، وألبسهما حلة الكرامة، وشفع فيهما كتابك ونبيك0
والحمــد لله رب العالمـــين
وصلى الله علـى سيدنــا ومولانــا
محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الراجى عفو ربه الغفور
عماد الشربينى
====
الباب الأول
عصمة رسول الله فى عقله وبدنه
ودفع الشبهات
ويشتمل على فصلين :
الفصل الأول : عصمته فى عقله وبدنه كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية ويشتمل على تمهيد ومبحثين :
المبحث الأول : دلائل عصمته فى عقله من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية0
المبحث الثانى : دلائل عصمته فى بدنه من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية0
الفصل الثانى : شبه الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها ويشتمل على تمهيد ومبحثين:
المبحث الأول : شبهاتهم من القرآن الكريم والرد عليها0
المبحث الثانى : شبهاتهم من السنة النبوية والرد عليها0
الفصل الأول
عصمة رسول الله فى عقله وبدنه كما يصورها
القرآن الكريم والسنة النبوية
ويشتمل على تمهيد ومبحثين :
المبحث الأول : دلائل عصمته فى عقله من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة0
المبحث الثانى : دلائل عصمته فى بدنه من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة0
تمهـيــد
عصمة سيدنا رسول الله ؛ فى عقيدتنا أصل من أصول الإيمان والإسلام، وهى عقيدة لا تنفك عن شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. والطعن فى هذه العصمة طعن فى هذه الشهادة، ولم لا وهى دليلنا على حجية الوحى الإلهى (قرآناً وسنةً) وهى دليلنا على الاقتداء الشامل برسول الله على ما سبق تفصيله( )0
ومرادى فى هذا الفصل، بيان عصمته فى بدنه من القتل، وفى قلبه، وعقيدته من الكفر والشرك، والضلال، والغفلة، والشك، وعصمته من تسلط الشيطان عليه، مع بيان كمال عقله، وخلقه ، وأنه كما قال فيه ربه عز وجل : والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى إن هو إلى وحى يوحى( ) وقال سبحانه : ما كذب الفؤاد ما رأى( ) وقال عز وجل : ما زاغ البصر وما طغى( )0
إن كمال العقل وعصمته من الكفر والشرك والشك، ومن تسلط الشيطان عليه؛ صفة أساسية فى رسل الله عز وجل، وشرط ضرورى من شروط رسالة جميع الرسل؛ وهى جزء من الكمال البشرى الذى كملهم الله عز وجل به، وهو عامل مهم، وسبب قوى من أسباب تبليغ رسالة ربهم إلى أقوامهم0
وإذا كان الكمال العقلى صفة أساسية فى رسل الله عز وجل، فإمامهم سيدنا محمد . والقارئ لسيرته لا يشك فى أنه كان أعقل الناس وأذكاهم( )0
ولم لا وقد كانت نشأته ، منذ ولدته أمه إلى أن بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين، أكمل نشأة، تولاه الله تعالى فأدبه ورباه فكمله، ورعاه فحفظه مما كان يشين حياة قومه من وثنية، وعادات مسترذلة، حتى غدا أكمل إنسان فى بشريته، لم يستطع أحد أن يريبه فى حياته، أو يزن شبابه بغميزه أو ريبة على كثرة الخصوم، والأعداء المتربصين، فضلاً من الله ونعمة، والله ذو الفضل العظيم( )0
وبذلك الفضل العظيم تحدث المصطفى بنعمة ربه عز وجل قائلاً "أدبنى ربى فأحسن تأديبى"( )0
وقد أجمعت الأمة على هذا الأدب الربانى، وأن حياة نبيها قبل البعثة، وبعدها أمثل حياة وأكرمها وأشرفها، فلم تعرف له فيها هفوة، ولم تحص عليه فيها زلة، بل إنه امتاز بسمو الخلق، ورجاحة العقل، وعظمة النفس، وحسن الأحدوثة بين الناس، ثم نبأه الله وبعثه، فنمت فيه هذه الفضائل وترعرعت حتى أضحت حياته فريدة فى تاريخ هذه الحياة الدنيا0
فمن أين له هذا؟ وهو اليتيم الذى تعرض منذ طفولته لمحنة اليتم، والفقر! وهو الأمى الذى لم يجلس طيلة حياته إلى معلم يثقف عقله! وهو الذى نشأ فى بيئة سيطرت عليها الجاهلية، سيطرة كاملة فى مجال العقيدة والفكر، وفى مجال الأخلاق والسلوك، وطبعت الناس بطابعها البغيض حتى لا تكاد تجد إنساناً يسلم من وراثة البيئة، وعدوى التقاليد الجاهلية الموروثة عن الآباء والأجداد0
فكيف نجا سيدنا رسول الله من تلك المؤثرات القوية؟
إن الإنسان العادى قد يستطيع أن تعاف نفسه شيئاً يكرهه ولا يستسيغه بحكم الفطرة السليمة لكن من المحال عقلاً أن يعيش فى عزلة روحية كاملة، وهجرة نفسية تامة لقومه، فيسلم له عقلة من الخرافات، وتسلم روحه من الجهالات، ويسلم وجدانه من التلون بشئ يغضب الله عزوجل0
نعم لقد كان فى المجتمع العربى حنيفيون وحدوا الله ودعوا إلى توحيده، وكان هناك كرماء، وكان هناك أوفياء، وكان هناك أناس عرفوا بالعفة والتنزه عن الفواحش، ولكن كان عزيزاً جداً أن تجد فى هذه البيئة إنساناً جمع الله فيه كل هذه الصفات وغيرها مثل ما جمع الله ذلك فى النبى محمد 0
إنك لا تستطيع أن تدرك سر كمال عقله وعقيدته وأخلاقه، وبراءته من كل نقائص ومثالب بيئته التى نشأ فيها إلا أن تقول : إنه الإعداد الإلهى للنبوة والله أعلم حيث يجعل رسالته( )0
إنها العصمة الربانية! تلك التى حفظته ، من بيئة الجاهلية أربعين عاماً، لم يصبه أذى من غبارها، فشب أكمل الناس خَلقاً وخُلقاً، ودلائل تلك العصمة الإلهية متوافرة فى كتاب الله عزوجل، وسيرته العطرة، فإلى بيانها فى المبحث التالى :
المبحث الأول
دلائل عصمته فى عقله من خلال القرآن الكريم
والسنة النبوية
تجلت رعاية الله عز وجل وعصمته لرسوله فى قلبه، وعقيدته من الكفر والشرك، والضلال، والغفلة، والشك، وعصمته من تسلط الشيطان عليه، وهو فى عالم الذر، وتحدث الوحى الإلهى (قرآناً وسنةً) بذلك بياناً لمنَّة الله عز وجل على نبيه قال تعالى : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً( )0
ووجه الاستدلال بالآية أنه إذا عهد إلى الأنبياء جميعاً وهم فى عالم الذر بتبليغ دينه، وتوحيده. دل ذلك على عصمتهم فى عقولهم وعقيدتهم، فلا يصدر عنهم ما يخالف ذلك لا قبل النبوة ولا بعدها، ولا يقول بغير ذلك إلا من يرد على الله عز وجل كلامه باصطفائهم وعصمتهم!0
وقال تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذالكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين( )0
وهذا غاية التكريم من الله عز وجل لنبيه بأخذ الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا به، وينصروه إن ظهر فى زمانهم، وفى ذلك إشارة إلى أنه نبى الأنبياء( ) وفى السنة المطهرة ما يؤكد الآية الكريمة، فعن ميسرة الفجر رضى الله عنه( ) قال : قلت لرسول الله متى كنت نبياً؟ قال : "وآدم بين الروح والجسد"( )0
وعن العرباض بن سارية رضى الله عنه( ) قال : سمعت رسول الله يقول : "إنى عبد الله وخاتم النبين، وأبى منجدل فى طينته، وسأخبركم عن ذلك، أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمى آمنة التى رأت، وكذلك أمهات المؤمنين يرين، وأن أم رسول الله رأت حين وضعته له نوراً أضاءت لها قصور الشام، ثم تلا : يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا. وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً( )0
والشاهد مما سبق أن الله عز وجل اصطفى أنبياءه ورسله وهم فى عالم الذر بتبليغ دينه وتوحيده، وفضل بعض النبيين على بعض، فجعل سيدنا محمدا إمامهم، وأخذ منهم الميثاق فى عالم الأزل بالإيمان بنبوته ونصرته0
وبعيد أن يأخذ منه الميثاق قبل خلقه، ثم يأخذ ميثاق النبيين بالإيمان به ونصره قبل مولده بدهور، ويجوز عليه ما يناقض عصمته فى عقله وعقيدته من الشرك، أو الشك، أو غيره من الذنوب صغائر كانت أم كبائر فهذا مالا يجوزه إلا ملحد( )0
وعليه فلا معنى لإثارة الخلاف حول عصمة الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – قبل نبوتهم من المعاصى كبائرها وصغائرها من حيث الوقوع أو عدمه، أو من حيث امتناعه سمعاً أوعقلاً!0
فعصمة الرسل والأنبياء مبنية على إرادة إلهية ، وهى اصطفاء الله عز وجل لهم، وعصمتهم من كل ما يخل بهذا الاصطفاء، قبل نبوتهم وبعدها، وهم فى عالم الغيب لم يخلقوا بعد!
وإليك نماذج من دلائل عصمة رسول الله :
أ- عصمته من كيد إبليس وجنوده :
حفظ الله عز وجل عباده المخلصين من كيد إبليس وجنوده فلا سبيل له عليهم كما قال عزوجل : إن عبادى ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا( ) واعترف إبليس بعجزه عن الكيد لهم فحكى عنه رب العزة قوله : قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين( )0
ولا شك أن أنبياء الله عز وجل ورسله، وعلى رأسهم خاتمهم على قمة عباد الله المخلصين الذين عصمهم رب العزة من كيد إبليس وجنوده0
والمراد بعصمة رسول الله من الشيطان قال فيها القاضى عياض : "واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبى من الشيطان وكفايته منه، لا فى جسمه بأنواع الأذى – كالجنون والإغماء – ولا على خاطره بالوساوس"( )0
ولا عبرة بمن خرج عن المفهوم السابق لعصمة رسول من أعداء الإسلام وأعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة0
وقد دل على المفهوم السابق القرآن الكريم والسنة المطهرة0
أما القرآن الكريم : فقد ورد فيه تعرض الشيطان لبعض الأنبياء فى أجسامهم ببعض الأذى، وعلى خاطرهم بالوسوسة، مع عصمة الله عز وجل لهم بعدم تمكن الشيطان من إغوائهم، أو إلحاق ضرر بهم يضر بالدين. قال تعالى : واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب( ) وقال سبحانه : فأذلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه( ) وقال عز وجل : قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين( ) وقال جل جلاله : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم( )0
وليس فى هذه الآيات الكريمات ونحوها ما يتعارض مع قوله تعالى : إن عبادى ليس لك عليهم سلطان( )0
أما السنة المطهرة : فقد ورد فيها ما يؤكد ما ورد فى القرآن الكريم من تعرض الشياطين لرسول الله فى غير موطن رغبة فى إطفاء نوره، وإماتة نفسه، وإدخال شغل عليه، ولكن كانت عصمة الله عز وجل له حائلة دون تمكن الشياطين من إغواءه، أو إلحاق ضرر به. ومن هذه الأحاديث التى تدل على ما سبق، وأنكرها أعداء السيرة العطرة( ) ما يلى :
1- عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه( ) قال : قال رسول الله : "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة، قالوا : وإياك يا رسول الله؟ قال : "وإياى. إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم. فلا يأمرنى إلا بخير"( )0
وقوله : "فأسلم" برفع الميم وفتحها، روايتان مشهورتان، فمن رفع قال : معناه : أَسْلَم أنا من شره وفتنته. ومن فتح قال : إن القرين أسلم من الإسلام، وصار مؤمناً لا يأمرنى إلا بخير0
وصحح الخطابى وغيره رواية الرفع، ورجح عياض والنووى والزرقانى الفتح، لأنه ظاهر الحديث فى قوله : "فلا يأمرنى إلا بخير" ولقوله : "فضلت على الأنبياء بخصلتين. كان شيطانى كافراً فأعاننى الله عليه حتى أسلم، قال أبو هريرة راوى الحديث، ونسيت الخصلة الأخرى"( )0
2- وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله : "إن عفريتاً من الجن جعل يفتك( ) علىَّ البارحة ليقطع على الصلاة. وإن الله أمكننى منه فذعته( ). فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سوارى المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون، أو كلكم، ثم ذكرت قول أخى سليمان: رب اغفر لى وهب لى ملكاً لا ينبغى لأحد من بعدى. فرده الله خاسئاً"( )0
3- وعن أبى الدرداء رضى الله عنه( ) قال : قام رسول الله . فسمعناه يقول : "أعوذ بالله منك" ثم قال : "ألعنك بلعنة الله" ثلاثاً. وبسط يده كأنه يتناول شيئاً. فلما فرغ من الصلاة قلنا : يا رسول الله! قد سمعناك تقول فى الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك. ورأيناك بسطت يدك. قال : "إن عدو الله، إبليس، جاء بشهاب من نار، ليجعله فى وجهى، فقلت : أعوذ بالله منك. ثلاث مرات. ثم قلت : ألعنك بلعنة الله التامة. فلم يستأخر. ثلاث مرات. ثم أردت أخذه، والله! لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة"( )0
4- وعن عبد الرحمن بن خنبش رضى الله عنه( ) لما سئل كيف صنع رسول الله حين كادته الشياطين. قال : تحدرت عليه الشياطين من الجبال والأودية، يريدون رسول الله ، قال : وفيهم شيطان وبيده شعلة من نار، يريد أن يحرق بها رسول الله ، فلما رآهم رسول الله فزع منهم، فجاء جبريل عليه السلام فقال : يا محمد قل، فقال : ما أقول؟ قال : قل : "أعوذ بكلمات الله التامات، التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق، وذرأ وبرأ، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن" قال : فقالهن، فطفئت نار الشياطين، وهزمهم الله عز وجل"( )0
بالتأمل فى الروايات السابقة تجد أن الله عز وجل عصم رسوله من قرينه الجنى بإسلامه، فلا يأمر رسول الله إلا بخير0
وكذلك عصمه الله عز وجل من سائر شياطين الجن عندما تعرضوا له فى غير موطن. منها فى الصلاة عندما تعرض له عفريت من الجن، وفى رواية إبليس، وأراد إدخال شغل عليه فى الصلاة، فتمكن منه رسول الله بخنقه، وهمَّ بربطة فى ساريه من سوارى المسجد، حتى يراه أهل المدينة إلا أنه تركه، ودفعه دفعاً شديداً، وترك ما هَّم به عندما تذكر دعوة سيدنا سليمان رب هب لى ملكاً لا ينبغى لأحد من بعدى( ) والنتيجة كما جاء فى روايات الحديث : عصمة رسول الله من هذا العاتى المارد من الجن أو إبليس كما جاء فى رواية أبى الدرداء، ورده الله خاسئاً0
وكذلك تبين رواية عبد الرحمن بن خنبش عصمة رب العزة لرسوله من الشياطين لما تحدرت عليه من الجبال والأودية، يريدون حرقه وقتله، حيث نزل جبريل عليه السلام على رسول الله يعلمه كلمات إذا قالهن نجا من كيدهم، فقالهن ، فطفئت نار الشياطين، وهزمهم الله عز وجل0
وهكذا كانت عصمة المولى عز وجل لرسوله من الشياطين حتى مرض وفاته الذى لده فيه( ) بعض الحاضرين عنده بغير إذنه، ولما سألهم عن ذلك قالوا : خشينا أن يكون بك ذات الجنب( ) فبين لهم رسول الله أن ذات الجنب من الشيطان وهو معصوم منه.قائلاً : "إنها
من الشيطان، ولم يكن الله عز وجل ليسلطه علىَّ"( )0
ب- عصمته من الجهالات :
شب رسول الله ، يحفظه الله عز وجل، ويعصمه من أقذار الجاهلية ومعائبها، ويتحدث رسول الله عن مظاهر عصمة الله عز وجل له فى صغره، وقبل النبوة قائلاً :
1- "ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون بها إلا مرتين الدهر، كلتاهما يعصمنى الله عز وجل منها، قلت ليلة لفتى من قريش بأعلى مكة فى أغنام لأهلنا نرعاها : انظر غنمى حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان، قال : نعم فخرجت، فجئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناء وضرب دفوف وزمراً، فقلت : ما هذا؟ قالوا : فلان تزوج فلانة، لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الغناء، وبذلك الصوت حتى غلبتنى عينى، فما أيقظنى إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبى فقال : ما فعلت؟ فأخبرته، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ففعل، فخرجت، فسمعت مثل ذلك، فقيل لى مثل ما قيل لى، فلهوت بما سمعت حتى غلبتنى عينى، فما أيقظنى إلا مس الشمس، ثم رجعت إلى صاحبى، فقال لى! ما فعلت؟ فقلت : ما فعلت شيئاً، قال رسول الله : فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمنى الله عز وجل بنبوته"( )0
وفيما قصه النبى عن نفسه من خبر حفظ الله إياه من كل سوء منذ صغره وصدر شبابه، ما يوضح لنا حقيقتين كل منهما على جانب كبير من الأهمية :
الأولى : أن النبى كان متمتعاً بخصائص البشرية كلها، وكان يجد فى نفسه ما يجده كل شاب من مختلف الميولات الفطرية التى اقتضت حكمة الله أن يجبل الناس عليها. فكان يحس بمعنى السمر واللهو، ويشعر بما فى ذلك من متعة، وتحدثه نفسه لو تمتع بشئ من ذلك كما يتمتع الآخرون0
الثانية : أن الله عز وجل قد عصمه مع ذلك عن جميع مظاهر الانحراف، وعن كل مالا يتفق مع مقتضيات الدعوة التى هيأه الله لها، فهو حتى عندما لا يجد لديه الوحى أو الشريعة التى تعصمه من الاستجابة لكثير من رغائب النفس، يجد عاصماً آخر خفياً يحول بينه وبين ما قد تتطلع إليه نفسه مما لا يليق بمن هيأته الأقدار لتتميم مكارم الأخلاق، وإرساء شريعة الإسلام( )0
جـ- عصمته من التعرى ودفع ما يتوهم عكس ذلك :
عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال : "لما بنيت الكعبة ذهب النبى وعباس ينقلان حجارة، فقال العباس للنبى : اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة. ففعل فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم قام فقال : "إزارى إزارى" فشد عليه إزاره، وفى رواية : فما رؤى بعد ذلك اليوم عرياناً"( )0
وهذه القصة وما فيها من حفظه من التعرى قبل النبوة، وردت فى غير الصحيح عن ابن إسحاق عن أبيه عمن حدثه عن النبى قال : "لقد رأيتنى فى غلمان من قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرى وأخذ إزاره فجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة، فإنى لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمنى لاكم ما أراه، لكمة وجيعة، ثم قال : شد عليك إزارك قال : فأخذته وشددته علىَّ ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتى وإزارى علىَّ من بين أصحابى"( )0
قال الحافظ ابن كثير : "هذه القصة شبيهة بما فى الصحيح عند بناء الكعبة حين كان ينقل هو وعمه العباس، فإن لم تكن فهى متقدمة عليها كالتوطئة"( )0
وقال الإمام السهيلى : "وهذه القصة إنما وردت فى الحديث الصحيح فى حين بنيان الكعبة، فإن صح أنه كان فى صغره، إذ كان يلعب مع الغلمان : فمحمله على أن هذا الأمر كان مرتين : مره فى صغره، ومره فى أول اكتهاله عند بنيان الكعبة"( )0
قلت : هذه القصة فى حالة صغره لم تصح سنداً، وإنما هى نفس قصة بنيان الكعبة، وإلى هذا مال الحافظ فى الفتح، فبعد أن ذكر روايات بنيان الكعبة، وهو فى حالة كبره، والمؤيدة لما فى الصحيحين ذكر رواية الحاكم عن ابن عباس رضى الله عنهما( ) وهو فى حالة صغره، وقال فيها : "النضر أبو عمر الخزاز" ضعيف، وقد خبط فى إسناده، وفى متنه، فإنه جعل القصة فى معالجة زمزم بأمر أبى طالب وهو غلام، وكذا روى ابن إسحاق – إشارة إلى الرواية السابق ذكرها – ثم قال الحافظ : فكأن هذه قصة أخرى، واغتر بذلك الأزرقى فحكى قولاً : أن النبى لما بنيت الكعبة كان غلاماً"0
ثم أكد الحافظ أن القصة واحدة فى موضع آخر إذ يقول معقباً على كلام السهيلى السابق على رواية ابن إسحاق قائلاً : "قلت : وقد يطلق على الكبير غلام إذا فعل فعل العلماء، فلا يستحيل اتحاد القصة اعتماداً على التصريح بالأولية فى حديث أبى الطفيل رضى الله عنه قال : "فبينما رسول الله ينقل الحجارة معهم إذ انكشفت عورته، فنودى يا محمد غط عورتك، فذلك فى أول ما نودى، فما رؤيت له عورة قبل ولا بعد"( )0
فرية على عصمته من التعرى والرد عليها :
رغم ما فى هذه القصة الصحيحة من عناية الله عز وجل بحفظ رسوله من التعرى؛ إلا أننا نجد بعض أعداء السيرة العطرة الواردة فى السنة المطهرة من يرى فى إثبات هذا الأمر فى سيرة المصطفى : "خرافة، وأكذوبة مفضوحة، وشناعة، ليس الهدف منها إلا الحط من كرامة النبى والإساءة لمقامه الأقدس"( )0
ولست أدرى أى خرافة، أو كذب، أو شناعة أو…الخ فى عصمة الله عز وجل لرسوله من التعرى عند بناء الكعبة المشرفة؟
إن الشناعة فى نظر الرافضى هى فى تعرى رسول الله ! دون التفات منه لكيفية تعرى رسول الله ، وعصمة الله عز وجل منه! إنه يتكلم عن تعرى رسول الله فى الرواية، وكأنه تعمد ذلك أمام الناس0
إذ يقول بعد أن ذكر بعض النصوص فى حياء رسول الله ، وأنه كان مصوناً من رؤية عورته، حتى بالنسبة لأزواجه، وأن المشركين كانوا يستقبحون التعرى أمام الناس0
يقول متسائلاً : "فكيف إذن يكشف النبى الأعظم عورته أمام الناس يا تُرى؟"( ) وأقول له : من أين لك من روايات عصمة رسول الله من التعرى عند بناء الكعبة، أنه تعمد التعرى أمام الناس (وحاشاه من ذلك) من أين لك هذا التعمد حتى ولو فى رواية ضعيفة؟!! وأنى لك هذا، وفى الصحيح ما يبطل افتراءك0
فعن أبى الطفيل رضى الله عنه قال : فبينما رسول الله يحمل حجارة من أَجْياد( )، وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة، فذهب يضع النمرة على عاتقه، فيرى عورته من صغر النمرة، فنودى يا محمد خمر عورتك، فلم ير عرياناً بعد ذلك"( )0
فواضح من هذه الرواية، وما فيها معناها من الروايات التى فى الصحيحين أن رسول الله ، وهو يحمل الحجارة كان يستر عورته بنمرة، ولكنه وهو يحاول أن يتقى أذى الحجارة على عاتقه، حاول أن يضع طرفاً من النمرة على عاتقه، سواء من قبل نفسه أو بنصح عمه العباس له كما جاء فى الصحيح، لا تعارض. إذ النتيجة واحدة وهى : لصغر النمرة، بدت عورته، فسقط مغشياً عليه، وفى الصحيح أيضاً فخر إلى الأرض، وكلها بمعنى واحد، ولا تعارض ولا تناقض كما زعم الرافضى مستدلاً بذلك على وضع الحديث( )0
وفى هذا الغشيان أو السقوط على الأرض، عصمة من الله عز وجل لرسوله إذ الجلوس أستر للعورة، ومعه أى هذا (السقوط) تمكن رسول الله من شد إزاره على عورته التى انكشفت بلا تعمد منه، ومع كل ذلك كانت عناية وعصمة ربه عز وجل له إذ نودى : "يا محمد خمر عورتك، فلم ير عرياناً بعد ذلك" وكل الروايات فى الصحيح وغيره على هذا المعنى!0
فأين إذن ما يزعمه الرافضى بأن فى روايات عصمة رسول الله ، من التعرى حط من كرامته ، وإساءة لمقامه الأقدس؟ وأين ما يزعمه بأن هذه الروايات تظهره بتعمد كشف عورته أمام الناس؟ وأين أيضاً ما يزعمه بأن محاولة علماء أهل السنة للجمع بين هذه الروايات محاولة فاشلة، تأتى على حساب القرآن الذى لا نقدسه – على حد كذبه – ونزعم أن فيه تحريف، ونسخ لتلاوته، أما البخارى فنقدسه ونجله عن ذلك؟!( ) أهـ0
د- عصمته من أكل ما ذبح على النصب، ودفع ما يتوهم عكس ذلك :
1- عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، أن النبى ، لقى زيد بن عمرو بن نفيل( ) بأسفل بلدح( ) قبل أن ينزل عليه الوحى، فقدمت إلى النبى سفرة( ) فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد : إنى لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه"( )، ففى الحديث تصريح بعدم أكله ، مما ذبح على النصب0
- أما ما جاء فى حديث سعيد بن زيد بن عمرو أن رسول الله ، وزيد بن حارثة( ) مر بهما زيد بن عمرو، فدعوه إلى سفرة لهما، فقال : يا ابن أخى إنى لا آكل مما ذبح على النصب، فما رؤى النبى بعد ذلك أكل شيئاً مما ذبح على النصب"( )0
- وفى حديث زيد بن حارثة رضى الله عنه قال : خرج رسول الله وهو مردفى إلى نصب من الأنصاب، فذبحنا له شاة، ووضعناها فى التنور( ) حتى إذا نضجت، استخرجناها فجعلناها فى سفرتنا، ثم أقبل رسول الله يسير، وهو مردفى فى أيام الحر، من أيام مكة، حتى إذا كنا بأعلى الوادى لقى فيه زيد بن عمرو – فذكر الحديث مطولاً – وفيه : ثم قدّمنا إليه يعنى زيد بن عمرو – السفرة التى كان فيها الشواء، فقال : ما هذه؟ فقلنا : هذه شاة ذبحناها لنصب كذا وكذا، فقال : إنى لا آكل ما ذبح لغير الله"( )0
وفى رواية قال : "ما كنت لآكل مما لم يذكر اسم الله عليه"( ) فليس فى الروايتين ما يتعارض مع رواية البخارى السابقة من عصمته من أكل ما ذبح للأصنام، لأن قول زيد : "هذه شاة ذبحناها لنُصب كذا وكذا" تعنى الحجر الذى ذبحت عليه الشاة، وليس هذا الحجر بصنم ولا معبود، وإنما هو من آلات الجزار التى يذبح عليها، لأن النُصب فى الأصل حجر كبير. فمنها ما يكون عندهم من جملة الأصنام، فيذبحون له وعلى اسمه! ومنها مالا يعبد، بل يكون من آلات الذبح، فيذبح الذابح عليه لا للصنم!0
وهذا أكثر ما تحمله العبارة السابقة : أن يكون زيد بن حارثة ذبح شاة، واتفق ذلك الذبح عند صنم، كانت قريش تذبح عنده، لا أنه ذبحها للصنم!0
فظن زيد بن عمرو أن ذلك اللحم مما ذبح لصنم، فامتنع لذلك حسماً للمادة، ولم يكن الأمر كما ظن زيد( )0
ويكون امتناع النبى بعد ذلك عن أكل شئ ذبح على النصب أى الحجر مثل امتناع زيد بن عمرو حسماً للمادة0
هذا ولا يعنى قول زيد بن حارثة : "فما رؤى النبى بعد ذلك أكل شيئاً مما ذبح على النصب" أنه قبل ذلك كان يأكل مما ذبح لصنم! كلا! وحاشاه من ذلك، ويؤكده ما جاء فى نفس الرواية السابقة من حديث زيد بن حارثة قال : "وكان صنماً من نحاس يقال له أساف أو نائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله : "لا تمسه" قال زيد : فطفنا. فقلت فى نفسى لأمسنه حتى أنظر ما يقول، فمسحته! فقال رسول الله : "ألم تنه؟"( )0
فكيف يعقل إذن أن ينهى رسول الله عن استلام الأصنام ثم يذبح لها؟!( )0
أما ما يستشكل من قول زيد بن عمرو : "إنى لا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه" وهو ما يعنى أنه علم أن الشاة المذبوحة، إنما ذبحت على النصب الذى هو من آلات الذبح، ولم تذبح لصنم، ولكنه مع ذلك امتنع عن الأكل منها، لأنها لم يذكر عليها اسم الله عز وجل، وهو ما يعنى أن رسول الله كان أولى بهذه الفضيلة من زيد بن عمرو0
فالجواب : أنه ليس فى الحديث أنه أكل منها، وعلى تقدير أن يكون أكل، فزيد إنما كان يفعل ذلك برأى يراه، لا بشرع بلغه، ولاسيما وزيد يصرح عن نفسه بأنه لم يتبع أحداً من أهل الكتابين( )0
وهو وإن كان على دين سيدنا إبراهيم، فشرعه على تحريم الميتة، لا تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه، واستمر ذلك حتى جاء الإسلام( )0
أما قول بعض خصوم السيرة العطرة : "بأن هذا جواب بارد، لأن فيه إدراك زيد لهذا الأمر الذى وافق فيه نظر الشرع"( )0
فأقول له : وأين نظر الشرع هنا فى إدراكه، وقد جاء النهى عن أكل ما ذبح إلى غير اسم الله عز وجل، بعد المبعث بمدة طويلة، ولم ينقل أن أحداً بعد المبعث كف عن الذبائح حتى نـزل قوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق( )0
أما زعمه بان إدراك زيد لذلك دونه مما لا يمكن قبوله، أو الالتزام به، لأنه يعنى أن زيداً كان أعقل من النبى وأعرف به( )0
فالجواب : أنه ليس فى إسناد فضيلة لزيد بن عمرو أو لغيره، ما يعود بالنقض على رسول الله ،ولا ما يثبت تفضيله عليه. إذ من المسلم أنه قد يكون فى المفضول من الخصائص ما ليس للأفضل، ولا يؤثر هذا فى أفضليته، لأن له من الخصائص ما يؤهله لاستحقاق الأفضلية. وهذا بديهى. وإلا فليخبرنا الرافضى، هل الفضائل والمناقب الصحيحة، بل وحتى الضعيفة والموضوعة التى تنسب لسيدنا على بن أبى طالب، أو غيره من الصحابة رضى الله عنهم أجمعين تعنى أنه أو أنهم أعقل من سيدنا رسول الله وأعرف منه، وأفضل منه؟!! أهـ0
هـ عصمته من الحلف بأسماء الأصنام التى كان يعبدها قومه، ويحلفون بها تعظيماً لها:
جاء فى قصة بحيرا الراهب أنه استحلف النبى باللات والعزى حينما لقيه بالشام فى سفرته مع عمه أبى طالب وهو صبى، لما رأى فيه علامات النبوة، فقال بحيرا للنبى يا غلام أسألك باللات والعزى إلا أخبرتنى عما أسألك عنه، وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما. فقال له النبى : "لا تسألنى باللات والعزى شيئاً، فوالله ما أبغضت بغضها شيئاً قط"( )0
وعن عروة بن الزبير رضى الله عنه قال : حدثنى جار لخديجة بنت خويلد رضى الله عنها قال : سمعت النبى يقول لخديجة : أى خديجة والله لا أعبد اللات أبداً، والله لا أعبد العزى أبداً، قال : فتقول خديجة خل العزى، قال : كانت صنمهم الذى يعبدون، ثم يضطجعون"( )0
====
و- عصمته من استلام الأصنام، وبيان مراد ما يفيد ظاهره عكس ذلك :
عن زيد بن حارثة رضى الله عنه قال : "وكان صنماً من نحاس يقال له أساف أو نائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله : "لا تمسه" قال زيد : فطفنا. فقلت فى نفسى لأمسنه؛ حتى أنظر ما يقول! فمسحته فقال رسول الله : "ألم تنه؟" قال زيد : فوالذى أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلمت صنماً حتى أكرمه الله بالذى أكرمه، وأنزل عليه الكتاب…الحديث"( )0
أما ما روى ما يفيد ظاهره من استلامه الأصنام، فليس ظاهره مراداً على فرض صحة الرواية، كيف والرواية فى ذلك لم تصح0
فعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال : "كان النبى يشهد مع المشركين مشاهدهم، قال : فسمع مَلَكين خلفه، وأحدهما يقول لصاحبه : اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول الله . قال : كيف نقوم خلفه، وإنما عهده باستلام الأصنام قبيل؟ قال : فلم يعد بعد ذلك أن يشهد مع المشركين مشاهدهم"( ) أى لم يعد رسول الله يشهد مع المشركين مشاهدهم التى فيها شئ من الوثنية، وإلا فقد كان يشهد مشاهد الحلف ونحوه، لا مشاهد استلام الأصنام0
قال الحافظ ابن حجر فى المطالب العالية : "هذا الحديث أنكره الناس على عثمان ابن أبى شيبة فبالغوا، والمنكر منه قوله عن الَملَك "عهده باستلام الأصنام" فإن ظاهره أنه باشر الاستلام، وليس ذلك مراداً، بل المراد أنه شهد مباشرة المشركين استلام أصنامهم"( )0
وهذا الرأى ذهب إليه الأئمة : السيوطى فى الخصائص الكبرى( ) وابن كثير فى البداية
والنهاية( ) والبيهقى فى دلائل النبوة( ) والهيثمى فى مجمع الزوائد( ) قائلاً : "رواه أبو يعلى وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، ولا يحتمل هذا من مثله، إلا أن يكون رسول الله كان يشهد تلك المشاهد قبل النبوة للإنكار وهذا يتجه، ويفسره ويؤكده رواية زيد بن حارثة السابقة" أهـ بتصرف0
قلت : وأنا مع الأئمة فيما ذهبوا إليه من إنكارهم للحديث، وتفسيرهم لظاهر استلامه للأصنام بأن المراد به شهوده مشاهد المشركين واستلامهم لأصنامهم، ويؤكد هذا التفسير سيرته العطرة قبل النبوة والتى عصمه ربه عز وجل فيها مما كان عليه المشركون، من أكل ما ذبح على النصب، أو الحلف بأسماء الأصنام، وكذلك عصمته من مظاهر لهو الجاهلية، ولو كان من رسول الله شئ من ذلك لاحتجوا به فى رد دعوته بعد البعثة، ولكن ذلك لم يرد، فدل على عصمته منه0
"وأياً كان الأمر فإن حديث جابر منكر، أنكره أحمد بن حنبل جداً، وقال هو موضوع، أو شبيه بالموضوع، وقال الدارقطنى : يقال إن عثمان بن أبى شيبة وَهِمَ فى إسناده وقال القاضى عياض : والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه"( ) ورغم حكم أئمة السنة على رواية جابر بالنكارة، إلا أنك تجد بعض الشيعة يحاول أن يوهم قارئه أن علماء السنة يصححونها( )0
أما ما زعمه "در منغم" من تقربه إلى العزى بشاة بيضاء( ) وما ذكره الدكتور هيكل تبعاً له، من أنه تمسح بالصفراء( ) فكلاهما ادعاء باطل؛ واختلاق من نسج خيال مريض، حيث لم يرد لم زعموا ذكر البتة، فى أى من كتب السنة أو السير أو التاريخ أو غيرها. وأنى لهما أن يثبتا ذلك؟! ولماذا اختيار الشاة البيضاء؟ أو صنم الصفراء بأعيانهما؟ وإذا كان رسول الله ، يصون لسانه عن مجرد ذكر الأصنام؛ فكيف يقرب القرابين إليها ويتعبدها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم0
ز- من مظاهر عصمته شق صدره الشريف :
قال تعالى : ألم نشرح لك صدرك( ) فى هذه الآية الكريمة يبين رب العزة منته على رسول الله ، بشرح صدره الشريف لإعداده للقيام بعبء الدعوة، وحمل الرسالة، وعصمته من الشيطان الرجيم( )0
والاستفهام فى الآية (ألم) للتقرير : أى قد شرحنا لك صدرك والشرح هنا فى حقه ، شرح معنوى وحسى معاً0
أما الشرح المعنوى : فهو بالنور الإلهى كما فى قوله تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد فى السماء( ) وقوله سبحانه : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه( )0
أما الشرح الحسى : فقد حدث له أربع مرات( ) وبه قال كثير من الأئمة :
1- وكانت المرة الأولى : عندما كان ابن أربع سنين من عمره المبارك، وكان القصد منها كما جاء فى الرواية – نزع العلقة السوداء من قلبه، كرامة له من عند ربه عز وجل، تلك العلقة التى ولد بها تكملة للخلق الإنسانى، لأنها حظ الشيطان من كل البشر، وقد تم بنزعها من قلبه ، أن نشأ مبرءاً من كل عيب، فنشأ على أكمل أحوال البشر من العصمة من الشيطان، والاتصاف بالمحامد العليا منذ نعومة أظفاره، والتى لا يفوقه فيها غيره( )0
وقد أخرج الإمام مسلم فى صحيحه هذه المرة الأولى لشق صدره الشريف مجملة عن أنس بن مالك رضى الله عنه( ) أن رسول الله أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال : هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده فى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه – يعنى ظئره( ) فقالوا : إن محمداً قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس : وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط فى صدره"( ) فالحديث نص صريح على الشق الحسى لصدر رسول الله ( )، وإخراج جبريل لحظ الشيطان منه، وتطهير لقلبه، فلا يقدر الشيطان على إغوائه إذ لا سبيل له عليه، وهذا دليل على عصمته من كل ما يمس قلبه، وعقيدته، وخلقه، منذ صغره 0
2- وقد تكرر شق صدره الشريف للمرة الثانية، وهو ابن عشر سنين وأشهر من عمره الطيب المبارك، وهو سن بداية الكمال، وذلك لقربه من سن التكليف، من أجل أن لا يلتبس بشئ مما يعاب على الرجال، وحتى لا يكون فى قلبه شئ إلا التوحيد، كما كان أيضاً شق صدره الشريف هذه المرة توطئة لما بعده عند البعثة الشريفة( )0
فقد أخرج عبد الله بن أحمد فى زوائده على المسند عن أبى بن كعب رضى الله عنه( ) أن أبا هريرة رضى الله عنه كان جريئاً على أن يسأل رسول الله عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال : يا رسول الله ما أول ما رأيت فى أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله جالساً. وقال : لقد سألت أبا هريرة إنى لفى صحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسى، وإذا رجل يقول لرجل : أهو هو؟ قال : نعم، فاستقبلانى بوجوه لم أراها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إلىَّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهم بعضدى، لا أجد لأحدهما مساً، فقال أحدهما لصاحبه : أضجعه؛ فأضجعانى بلا قصر ولا حصر، وقال أحدهما لصاحبه : أفلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدرى، ففلقها فيما أرى بلا دم، ولا وجع، فقال له : أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئاً كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها، فقال له : أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذى أخرج يشبه الفضة، ثم هز إبهام رجلى اليمنى، فقال : اغد وأسلم، فرجعت بها أغدو رقة على الصغير، ورحمة للكبير"( )0
3- وكان المرة الثالثة لشق صدره الشريف عند المبعث، وذلك لإعداد قلبه لتحمل عبء الوحى والرسالة، بقلب قوى فى أكمل الأحوال من التطهير( ) فعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله نذر أن يعتكف شهراً هو وخديجة بحراء، فوافق ذلك شهر رمضان، فخرج النبى ذات ليلة فسمع : السلام عليك، فقال : فظننتها فجأة الجن، فجئت مسرعاً حتى دخلت على خديجة، فسجتنى ثوباً، وقالت : ما شأنك يا ابن عبد الله؟ فقلت سمعت : السلام عليك، فظننتها فجأة الجن، فقالت : أبشر يا ابن عبد الله، فإن السلام خير، قال : ثم خرجت مرة فإذا بجبريل على الشمس، جناح له بالمشرق، وجناح له بالمغرب، قال فهلت( ) منه، فجئت مسرعاً، فإذا هو بينى وبين الباب، فكلمنى حتى أنست به، ثم وعدنى موعداً، فجئت له فأبطأ علىَّ، فأردت أن أرجع، فإذا أنا به وميكائيل قد سدا الأفق، فهبط جبريل وبقى ميكائيل بين السماء والأرض، فأخذنى جبريل، فاستلقانى لحلاوة القفا، ثم شق عن قلبى، فاستخرجه، ثم استخرج منه ما شاء الله أن يستخرج، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده مكانه، ثم لأمه، ثم أكفأنى كما يكفأ الأديم، ثم ختم فى ظهرى حتى وجدت مس الخاتم فى قلبى، ثم قال : اقرأ، ولم أك قرأت كتاباً قط، فلم أجد ما أقرأ، ثم قال : اقرأ، قلت ما أقرأ قال اقرأ باسم ربك الذى خلق( ) حتى انتهى إلى خمس آيات منها، فما نسيت شيئاً بعد، ثم وزننى برجل، فوزنته، ثم وزننى بآخر فوزنته، حتى وزننى بمائة رجل، فقال ميكائيل : تبعته أمته ورب الكعبة، فجعلت لا يلقانى حجر ولا شجر إلا قال : السلام عليك يا رسول الله، حتى دخلت على خديجة قالت : السلام عليك يا رسول الله"( )0
4- أما المرة الرابعة التى شق فيها صدر النبى فكانت ليلة الإسراء والمعراج وذلك تأهباً لمناجاة ربه عز وجل، والمثول بين يديه، واستعداداً لما يلقى إليه من سائر أنواع الفيوضات الإلهية، وما يراه من عظيم الآيات الربانية( )0
فعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: كان أبو ذر رضى الله عنه( ) يحدث أن رسول الله قال : "فرج عن سقف بيتى وأنا بمكة، فنزل جبريل عليه السلام، ففرج صدرى، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً. فأفرغها فى صدرى، ثم أطبقه. ثم أخذ بيدى، فعرج بى إلى السماء … الحديث( )0
والحكمة هنا فى شق صدره الشريف، مع القدرة على أن يمتلئ قلبه إيماناً وحكمة بغير شق؛ الزيادة فى قوة اليقين، لأنه أعطى برؤية شق بطنه، وعدم تأثره بذلك، ما أمن معه من جميع المخاوف العادية المهلكة، فكمل له بذلك ما أريد منه من قوة الإيمان بالله عز وجل وعدم الخوف مما سواه، فلذلك كان أشجع الناس، وأعلاهم حالاً ومقالاً، ولذلك وصف بقوله تعالى : ما كذب الفؤاد ما رأى( ) وقوله سبحانه : ما زاغ البصر ما طغى( )0
والشاهد فى الروايات السابقة على عصمته ، أنه قد أُفرغ فى صدره الشريف طست ممتلئ حكمة وإيماناً؛ وتجسيد المعنويات فى قدرة الله عز وجل هين… وهذا يوضح عصمته، إنه الذى نزعت عقله من صدره، هى حظ الشيطان منه، وأفرغ فى صدره طست الإيمان والحكمة، فكيف يكون عقل هذا شأنه؟ إنه يكون عقله أسمى من كل عقل، وأزكى من كل فهم، ولم لا : وقد نزع منه حظ الشيطان، وملئ قلبه بالحكمة والإيمان والحكمة جامعة لعموم العلوم والمعارف، والإيمان كلمة جامعة لكل ما يرضى الله تبارك وتعالى( )0
ح- من مظاهر عصمته تكافؤ أخلاقه :
وهكذا نشأ المصطفى ، محفوظاً ومعصوماً قبل النبوة وبعدها من الشيطان الرجيم، ومعصوماً من كل ما يمس عقيدته بسوء، بل ومن كل ما يمس خلقه، حتى كان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأعظمهم حلماً وأمانة، وأصدقهم حديثاً حتى سماه قومه "الأمين"( )0
وهذا الاسم العظيم "الأمين" يمثل أصدق تمثيل مدح رب العزة له بقوله سبحانه : وإنك لعلى خلق عظيم( )0
وهو اسم يمثل التكافؤ الخلقى فى شخصية سيدنا محمد أصدق تمثيل؛ وأعنى بالتكافؤ الخلقى : أن أخلاقه كلها قبل النبوة وبعدها تنبع من عصمة المولى عز وجل له، فهو الذى أدبه ربه فأحسن تأديبه، ومن هنا كانت أخلاقه كلها نِسَبِها متفقة، فصهره مثل شجاعته، وشجاعته مثل كرمه، وكرمه مثل حلمه… وهكذا لا تجد له خلقاً فى موضعه من الحياة يزيد أو ينقص على خلق آخر فى موضعه منها، وهذا التكافؤ الخلقى فى وجوده الواقعى فى شخصيته معجزة فى الحياة، لأن الإنسان معترك الغرائز، والتكافؤ الخلقى فى الشباب ضرب من المحالات فى متعارف الحياة، فإذا حققه الوجود الواقعى فى شباب سيدنا محمد كان وجوده معجزة، ودليل على عصمة رب العزة له، وعنايته به وحفظه من مظاهر الجاهلية، على ما سبق تفصيله0
وكذلك التكافؤ الخلقى فى شخصيته بعد النبوة يعد معجزة ودليل على عصمته. لأن التاريخ لم يذكر من النماذج العليا للبشرية من كان هذا التكافؤ الخلقى خليقته العامة سوى المصطفى محمد ، وإذا ذكر التاريخ غيره من النماذج العليا ذكره عنواناً لتبرير جزئى فى بعض الفضائل والأخلاق. فهذا مثل مضروب فى الصبر، وذاك فى الحلم، وثالث فى الكرم، ورابع فى الشجاعة. وهكذا تتفرق النهايات فى الأخلاق والفضائل فى نماذج متعددة، ولكنها تجتمع متكافئة فى شخصيته ، وهذا من الإعجاز والعصمة0
وإذا أردت مثلاً على هذا التكافؤ الخلقى فى شخصيته فتأمل حاله قبل زواجه من خديجة رضى الله عنها من شظف العيش، وقلة ذات يده، وتأمل حاله بعد زواجه منها، حيث أصبح بين عشية وضحاها من أغنياء قريش، وذوى ثرواتها، حيث أصبح عُرفاً مالها ماله، وثراؤها ثراءه. فهل غير ذلك تكافؤه الخلقى؟!0
كلا! إن سيدنا محمد ظل بعد هذا الثراء الغامر، كما كان من ولد ونهد وشب، يعيش فى شظف عيشه؛ لا من قلة المال فى يده، بل لأن خصيصة التكافؤ الخلقى عنده طبعته على الزهادة فى الحياة المادية المترهلة التى كانت تحياها قريش، وطبعته على التسامى بنفسه عن مطامع الماديين، إذا هبط عليهم الثراء من غير كد ولا تعب0
فحياته قبل زواجه من خديجة كانت تقلل من الدنيا، وكذلك كانت حياته بعد زواج خديجة، حياة تقلل من الدنيا وهى ملء يده وهكذا كان آخر حياة شبابه، صورة من أولها( )0
ولا غرو فى أن يكون رسول الله بتلك المثابة من التكافؤ الخلقى، فقد عصمه ربه عز وجل، واصطنعه لنفسه، وأراد منه أن يكون خاتم أنبيائه ورسله إلى الخلق كافة، ولا يقوم بذلك إلا أمين صاحب خلق عظيم، ينال ثقة الناس فيستجيبون له ويؤمنون به0
ط- من مظاهر عصمته كمال عقله :
إن كمال العقل وفطنته من أبرز صفات الرسل الذاتية التى منحهم الله تعالى إياها، وهى من لوازم الرسالة الإلهية، والاصطفاء الربانى لها، كما أنها عامل مهم، وسبب قوى من أسباب تبليغ رسالة الرسل إلى أقوامهم، ومعالجتهم بالتربية الحكيمة، والقيادة السليمة وفق طبائعهم وأخلاقهم. قال تعالى : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن( ) وواضح من هذه الآية الكريمة التى تبين سبيل الدعوة أنها تعتمد على رجاحة العقل وفطنته0
فلابد أن يكون الرسول أكمل الناس عقلاً وفطنة حتى يقيم الحجة على قومه على خير وجه، بحيث تكون ملزمة للخصم كل الإلزام، فإن آمن، وإلا جادله فاستعمل معه أسلوب المعارضة، والمناقضة، وهو فى كل ذلك يسلك مسالك الكرام لا يسئ ولا يغضب( ) وقد قص الله عز وجل لنا من أحوال فطنة الرسل مالا ينقض منه العجب، من سرعة البديهة، وإقامة الحجة الصادقة، وذلك كنوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، ويونس، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين0
وإذا ذهبنا لذكر نماذج من فطن الأنبياء فى القرآن الكريم، فإن ذلك يفضى بنا إلى الإطالة، ولكن بحسبنا أن نأتى ببعض النماذج من واقع حياة سيدنا محمد ، لتكون كافية للدلالة على باقى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إذ ما يجوز فى حق نبى يجوز فى حق غيره من الأنبياء0
قال القاضى عياض : بعد أن قرر أنه لا مرية فى أنه أعقل الناس وأذكاهم وفى ذروة الذرى فى الفطنة، ورجاحة العقل قال : "ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق وظواهرهم، وسياسة العامة والخاصة، مع عجيب شمائله، وبديع سيره، فضلاً عما أفاضه من العلم، وقرره من الشرع، دون تعلم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب فيه، لم يمتر فى رجحان عقله، وثقوب فهمه لأول بديهة"( )0
وإليك بعض الأمثلة على كمال عقله وفطنته من سيرته العطرة :
أ- سرعة حله للمشاكل المستعصية التى تحار فى حلها العقول الكبيرة الشهيرة وصور ذلك كثيرة منها :
1- حله لمشكلة قريش فى وضع الحجر الأسود الذى تنافست فيه قبائلها، وأرادت كل قبيلة أن تحوز شرف وضعه، وتستأثر به على غيرها، حتى وصل بها الحال إلى شفا الحرب، حيث قربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماً، ثم تعاقدوا هم وبنو عدى على الموت، وأدخلوا أديهم فى ذلك الدم فى تلك الجفنة، فسموا لعقة الدم، فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمساً ثم إنهم اجتمعوا فى المسجد فتشاوروا وتناصفوا، وأشار عليهم أبو أمية بن المغيرة، وكان يومئذ أسن قريش كلها على أن يجعلوا بينهم فيما يختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد – يعنى باب بنى شيبة – فكان أول داخل رسول الله ، فلما رأوه قالوا : هذا الأمين رضينا، هذا محمد! فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر فقال : "هلم إلى ثوباً، فأتى به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعاً. ففعلوه حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده ثم بنى عليه"( )0
وبذلك رفع ما بينهم من ذلك الخلاف الذى كاد يؤدى برجالهم، والذى حارت فيه عقولهم، وفيهم المشهورون بالعقل والحنكة والتجربة والسؤود، ومع ذلك بارت فى هذه المشكلة العويصة، حتى خلصهم منها ذو الفطنة النبوية سيدنا محمد ، وهو يومئذ فى سن الخامسة والثلاثين من عمره ( ) على الرغم من وجود الكبار والكبار جداً، وعلى الرغم من وجود العقلاء والنبلاء جداً، إلا أنه هو الذى حل المشكلة، إنه الذى ارتضاه الجميع لمكانته، فلما حكم ارتضوا حكمه لعدالته. لم يعترض أحد على شخصه، ولم يعترض أحد على فكره، حتى قال من لا يعرفه! يا عجبا لقوم أهل شرف وعقول، وسن وأموال، عمدوا إلى أصغرهم سناً، وأقلهم مالاً، فرأسوه فى مكرمتهم وحرزهم، كأنهم خدم له!! ( )0
2- ومثل هذا الحل السريع الحاسم حله لمشكلة المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله( ) فوفدوا إلى المدينة لا يملكون شيئاً، فكانوا بذلك فى خطر المجاعة والغربة، مما اقتضى إيجاد حل سريع لهذه المشكلة، وكان رجلها وواحدها رسول الله ، حيث آخى بين المهاجرين والأنصار على المواساة والحق، والتوارث، واستمروا على ذلك الحال إلى أن أنزل الله تعالى : وأولوا الرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله( ) فنسخت حكم التوارث بين المهاجرين والأنصار( ) وبذلك حل النبى مشكلة من أكبر المشاكل استعصاءً فى الحل0
3- كما حل فى نفس الوقت مشكلة أخرى هى بمثابة المشكلة الأولى فى الأهمية، وهى مشكلة التعايش فى المدينة بين طوائف مختلفة : الأوس والخزرج الذى كان بينهما من العداء بسبب ما كان يجرى بينهما من الحروب مالا يكاد ينسى والمهاجرين الذين تركوا أوطانهم وأموالهم، وأتوا لنصرة رسول الله وجموع يهود التى كانت تسيطر على الحركة الاقتصادية فى المدينة باحتكارها التجارة فيها، وتشكيلهم خطراً عظيماً على الدولة الإسلامية الفتية، وهم أيضاً منقسمون على أنفسهم، فبعضهم يوالى الأوس، والبعض الآخر يوالى الخزرج. فكان لابد من إيجاد ثقة كاملة، بين هذه الأطراف المختلفة للتعايش السلمى، والدفاع العام عن عدو مشترك يقدم عليهم من الخارج، يريد المساس بأحد من هذه الطوائف، فكان ذلك بما أجراه النبى من عهد موادعة بين هذه الطوائف يرضى جميعها0
وبهذا العهد( ) قضى رسول الله على النعرات الجاهلية، والدسائس اليهودية، وأوجب للجميع الود والإخاء، والتراحم، وإقامة العدل، وما كان لذلك أن يتم لولا هذا العلاج الناجح، من ذى الفطنة العظيمة، والسياسة الحكيمة – صلوات الله وسلامه عليه0
4- وكم كانت فطنته الكاملة تحل من مشاكل عديدة فى أسرع وقت وأقصره، فيتحقق بذلك له ولأمته ما يصبون إليه من نصر وسعادة وعز وسيادة، وليس أدل على ذلك من صلح الحديبية! الذى كان آية من الآيات العظيمة، فبه فتح الله عليه مكة دون حرب أو قتل… ومن كان يتصور فتح مكة بهذا السلام العظيم؟!! والأمثلة غير ذلك ينوء عنها الحصر فى مثل هذا المقام المقتضى للإيجاز، والإتيان من كل بحر قطرة كالأنموذج لغيره، والدليل على ما سواه0
ب- ومن مظاهر كمال عقله وفطنته، سرعة إقامة الحجة على المعارضين وقطع شغبهم وجدالهم بالباطل، فلا يستطيعون مجاراته أو مكابرته، بل لا يسعهم إلا الإذعان والتسليم، أو النكوص على أعقابهم خاسئين خاسرين، وصور ذلك كثيرة منها :
1- ما جاء عن سعيد بن أبى راشد( ) – رحمه الله – قال : رأيت التنوخى رسول هرقل إلى رسول الله (بحمص) وكان جاراً لى شيخاً كبيراً، قد بلغ الفناء أو قرب، فقلت : ألا تخبرنى عن رسالة هرقل إلى رسول الله ، ورسالة رسول الله إلى هرقل؟ قال : بلى… وذكر الحديث وفيه : "فانطلقت بكتابه (أى كتاب هرقل) حتى جئت "بتبوك" فإذا هو جالس بين أصحابه على الماء، فقلت : أين صاحبكم؟، قيل : ها هو ذا، قال : فأقبلت أمشى حتى جلست بين يديه، فناولته كتابى فوضعه فى حجره، إلى أن قال : ثم إنه ناول الصحيفة رجلاً عن يساره، فقلت : من صاحب كتابكم الذى يقرأ لكم؟ فقالوا : معاوية. فإذا فى كتاب صاحبى : يدعونى إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين! فأين النار؟ فقال رسول الله "سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار؟!…"( )0
2- وجاءت قريش إلى حصين بن عبيد( ) وهو من عظماء قريش، فقالوا له : كلم لنا هذا الرجل، يقصدون : رسول الله ، فإنه يذكر آلهتنا ويسبهم، فجاءوا معه حتى جلسوا قريباً من باب النبى ، فقال : أوسعوا للشيخ، وعمران( ) وأصحابه متوافرون0
فقال حصين : ما هذا الذى بلغنا عنك، إنك تشتم آلهتنا، وتذكرهم، وقد كان أبوك حصينة وخيراً؟ فقال : يا حصين، إن أبى وأباك فى النار. يا حصين! كم تعبد من إله؟ قال : سبعاً فى الأرض، وواحداً فى السماء. قال : فإذا أصابك الضر من تدعوا؟ قال : الذى فى السماء. قال: فإذا هلك المال من تدعوا؟ قال : الذى فى السماء. قال : فيستجيب لك وحده، وتشركهم معه؟! أرضيته فى الشكر أم تخاف أن يغلب عليك؟ قال : لا واحدة من هاتين. قال : "وعلمت أنى لم أكلم مثله" قال : يا حصين! أسلم تسلم. قال : إن لى قوماً وعشيرة فماذا أقول؟ قال : قل : اللهم إنى أستهديك لأرشد أمرى، وزدنى علماً ينفعنى. فقالها حصين، فلم يقم حتى أسلم. فقام إليه عمران فقبل رأسه، ويديه، ورجليه، فلما رأى ذلك النبى بكى، وقال : بكيت من صنيع عمران، دخل حصين، وهو كافر، فلم يقم إليه عمران، ولم يلتفت ناحيته، فلم أسلم قضى حقه، فدخلنى من ذلك الرقة، فلما أراد حصين أن يخرج قال لأصحابه : قوموا فشيعوه إلى منزله، فلما خرج من سدة الباب رأته قريش فقالوا : صبأ( ) وتفرقوا عنه( )0
فنتأمل كلمة "حصين" الذى تعظمه قريش : "وعلمت أنى لم أكلم مثله" إن هذه الكلمة من هذا الرجل تبين مدى كمال عقله ، وأنه يفوق عقل المعظمين من البشر، إنه عقل نبى مصطفى معصوم!( )0
3- وعن أبى أمامة رضى الله عنه( ) قال : إن فتى شاباً أتى النبى فقال : يا رسول الله، ائذن لى بالزنا!! فأقبل القوم عليه، فزجروه، وقالوا : مهٍ مهٍ( ) فقال : أدنه، فدنا منه قريباً. قال : فجلس فقال : أتحبه لأمك؟ قال : لا! والله، جعلنى الله فداك فقال : ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. ثم قال : أفتحبه لابنتك؟ قال : لا!، والله يا رسول الله، جعلنى الله فداك. قال ولا الناس يحبونه لبناتهم. ثم قال : أفتحبه لأختك؟ قال : لا والله، جعلنى الله فداك. قال : ولا الناس يحبونه لأخواتهم، ثم قال : أفتحبه لعمتك؟ قال : لا والله، جعلنى الله فداك. قال ولا الناس يحبونه لعماتهم. ثم قال : أفتحبه لخالتك؟ قال : لا والله، جعلنى الله فداك. قال : ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال : فوضع يده عليه، وقال : اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شئ"( )0
انتهى الفتى عن هذه الفاحشة، وأصبح لا يلتفت إليها، فقد أقنعه إقناعاً تاماً، وردد، وكرر، حتى قبح هذا الفعل فى نظر الرجل، فأبغضه وابتعد عنه، وهو بدعائه له زاد الأمر حسناً فلم يقف عند حد الإقناع، وإنما دعا له – وهو مستجاب الدعوة – فاقتناع الرجل، وهداه الله، وهكذا النبوة( )0
والشاهد مما سبق أنه لم يغضب، ولم يثر، وإنما كلمه كلاماً سهلاً غاية السهولة، أقنعه كل الإقناع. وهذا من كمال العقل وفطنته0
4- وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن أعرابياً أتى رسول الله فقال : يا رسول الله! إن امرأتى ولدت غلاماً أسود، وإنى أنكرته( ) فقال له النبى هل لك من إبل؟ قال : نعم. قال ما ألوانها؟ قال : حمر. قال : فهل فيها من أورق( ) قال : نعم. قال رسول الله : فأنى هو؟( ) قال : لعله يا رسول الله يكون نزعه عرق له( ) فقال له النبى وهذا لعله يكون نزعه عرق له( )0
إنه فى هذا الموقف جعل السائل ينطق بالجواب، وضرب له مثلاً من بيئته، وأقنعه أيما إقناع، ولقد كان الرجل منصفاً، فما أن ضرب له المثل إلا اقتنع. لقد سلم الرجل واعترف أن العرق نزاع، وعليه فلعل عرقاً نزع ابنه هذا، كما أن إبله التى فيها جمل يختلف لونه عن بقية الإبل لعله نزعه عرق( )0
جـ- ومن مظاهر كمال عقله وفطنته براهينه الساطعة القاطعة التى كان يقيمها على مجادليه ومناظريه من مشركين، وأهل كتاب وغيرهم، وصور ذلك كثيرة أكتفى منها بما يلى :
1- مجادلته لكفار قريش، وهو ما كان من ابن الزبعرى( ) الذى سمع بقول الله تعالى إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون. لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون. لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون( ) فقال : أما والله لو وجدت محمداً لخصمته، فسلوا محمداً! أكل ما يعبد من دون الله فى جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة! واليهود تعبد عزيزاً! والنصارى تعبد عيسى ابن مريم! فعجب الحاضرون مما قاله ابن الزبعرى، ورأوا أنه قد خصم رسول الله وغلبه، فقال النبى : "إن كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين، ومن أمرتهم بعبادته" فأنزل الله تعالى تصديقاً لنبيه : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها وهم فى ما اشتهت أنفسهم خالدون. لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذى كنتم توعدون( )0
فانظر إلى هذا الجواب المفحم الذى لم يترك للمجادل مجالاً للتمادى بالباطل، حيث أعلمه أن من ذكر لم يأمروهم بعبادتهم، وأنهم إنما يعبدون الشياطين، وأنهم لو أمروهم بذلك أو حبذوا ذلك منهم لكان الحكم عاماً فيهم0
على هذا النحو كانت مجادلة النبى للمشركين فى مكة، وأهل الكتاب فى المدينة( ) والوفود الواردة من كل نواحى الجزيرة، يجادلوه فيأيده الله، ويقيم الحجة عليهم، وأذكر من ذلك مثالاً ما يلى :
2- وفد بنى تميم : فلقد قدم عليه أشرافهم، منهم الأقرع بن حابس، وهو من سادات العرب وحكامها( ) والزبرقان بن بدر التميمى– أحد بنى سعد – وعمرو بن الأهتم. وقالوا لرسول الله : جئنا نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، وتمت المفاخرة، وفى نهايتها قال الأقرع بن حابس : إن هذا الرجل لموتى له( ) لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا( )0
لقد اعترف الرجل بكمال عقله وفطنته ، وأنه اختار من أتباعه خطيباً يناسب هذه القبيلة من العرب، ففاق خطيبهم، واختار شاعراً فاق شاعرهم، وما ذلك إلا لكمال عقله وفطنته، وفهمه الدقيق للوافدين عليه، وفهمه الدقيق لأتباعه0
لقد أسلم الوفد( )، وهكذا كل من ورد عليه، يعترف بنبوته، وعصمة المولى عز وجل له، وتأييده فى كل أموره( )0
وبعد : فقد اتضح لك فيما سبق من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، عصمة سيدنا رسول
Comment