ابن تيمية والأسماء الحسنى

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • ناصر99
    عضو
    • Apr 2008
    • 3

    #1

    ابن تيمية والأسماء الحسنى

    قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ - فَصْلٌ قَالَ الْمُعْتَرِضُ فِي " الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى " النُّورُ الْهَادِي يَجِبُ تَأْوِيلُهُ قَطْعًا ؛ إذْ النُّورُ كَيْفِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِالْجِسْمِيَّةِ وَهُوَ ضِدُّ الظُّلْمَةِ وَجَلَّ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ ضِدٌّ ؛ وَلَوْ كَانَ نُورًا لَمْ تَجُزْ إضَافَتُهُ إلَى نَفْسِهِ فِي قَوْلِهِ : { مَثَلُ نُورِهِ } فَيَكُونُ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ . وَقَوْلُهُ : { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : يَعْنِي هَادِيَ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ ذِكْرَ الْهَادِي بَعْدَهُ يَكُونُ تَكْرَارًا وَقِيلَ : مُنَوِّرُ السَّمَوَاتِ بِالْكَوَاكِبِ وَقِيلَ : بِالْأَدِلَّةِ وَالْحُجَجِ الْبَاهِرَةِ . وَالنُّورُ جِسْمٌ لَطِيفٌ شَفَّافٌ ؛ فَلَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ . وَالتَّأْوِيلُ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَسَالِمٍ وَهَذَا يُبْطِلُ دَعْوَاهُ أَنَّ التَّأْوِيلَ يُبْطِلُ الظَّاهِرَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ . وَلَوْ كَانَ نُورًا حَقِيقَةً - كَمَا يَقُولُهُ الْمُشَبِّهَةُ - لَوَجَبَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الضِّيَاءُ لَيْلًا وَنَهَارًا عَلَى الدَّوَامِ . وَقَوْلُهُ : { إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } { وَدَاعِيًا إلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا } وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ السِّرَاجُ الْمَعْرُوفُ وَإِنَّمَا سُمِّيَ سِرَاجًا بِالْهُدَى الَّذِي جَاءَ بِهِ ؛ وَوُضُوحُ أَدِلَّتِهِ بِمَنْزِلَةِ السِّرَاجِ الْمُنِيرِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنِ : يَعْنِي مُنَوِّرَ " السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ " : شَمْسَهَا وَقَمَرَهَا وَنُجُومَهَا . وَمِنْ كَلَامِ الْعَارِفِينَ : " النُّورُ " هُوَ الَّذِي نَوَّرَ قُلُوبَ الصَّادِقِينَ بِتَوْحِيدِهِ وَنَوَّرَ أَسْرَارَ الْمُحِبِّينَ بِتَأْيِيدِهِ . وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي أَحْيَا قُلُوبَ الْعَارِفِينَ بِنُورِ مَعْرِفَتِهِ وَنُفُوسِ الْعَابِدِينَ بِنُورِ عِبَادَتِهِ . ( وَالْجَوَابُ ) : أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ وَأَمْثَالَهُ لَيْسَ بِاعْتِرَاضِ عَلَيْنَا وَإِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءُ نَقْصِ حُرْمَتِهِ مِنْهُمْ ؛ لِمَا يَظُنُّ أَنَّهُ يَلْزَمُنَا أَوْ يَظُنُّ أَنَّا نَقُولُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي حَكَاهُ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ } . وَإِذَا كَانَ فِي الْكَلَامِ إخْبَارٌ عَنْ الْغَيْرِ بِأَنَّهُ يَقُولُ أَقْوَالًا بَاطِلَةً فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ وَفِيهِ رَدُّ تِلْكَ الْأَقْوَالِ كَانَ هَذَا كَذِبًا وَظُلْمًا ؛ فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ . ثُمَّ مَعَ كَوْنِهِ ظُلْمًا لَنَا يَا لَيْتَهُ كَانَ كَلَامًا صَحِيحًا مُسْتَقِيمًا فَكُنَّا نُحَلِّلُهُ مِنْ حَقِّنَا وَيُسْتَفَادُ مَا فِيهِ مِنْ الْعِلْمِ وَلَكِنَّ فِيهِ مِنْ تَحْرِيفِ كِتَابِ اللَّهِ وَالْإِلْحَادِ فِي آيَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَالْكَذِبِ وَالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ مِمَّا فِيهِ ؛ لَكِنْ إنْ عَفَوْنَا عَنْ حَقِّنَا فَحَقُّ اللَّهِ إلَيْهِ لَا إلَى غَيْرِهِ . وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ الْقِيَامِ بِحَقِّ اللَّهِ وَنَصْرِ كِتَابِهِ وَدِينِهِ مَا يَلِيقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ ؛ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِ مِنْ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ مَا لَا أَظُنُّ تَمَكُّنَهُ مِنْ ضَبْطِهِ مِنْ وُجُوهٍ . ( أَحَدُهَا ) : أَنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِهِ : النُّورُ كَيْفِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِالْجِسْمِيَّةِ . ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ : جِسْمٌ لَطِيفٌ شَفَّافٌ فَذَكَرَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ أَنَّهُ عَرَضٌ وَصِفَةٌ وَفِي آخِرِهِ جِسْمٌ وَهُوَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ . ( الثَّانِي ) : أَنَّهُ ذَكَرَ عَنْ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُمْ تَأَوَّلُوا ذَلِكَ بِالْهَادِي وَضَعَّفَ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ فِي آخِرِهِ أَنَّ مِنْ كَلَامِ الْعَارِفِينَ أَنَّ " النُّورَ " هُوَ الَّذِي نَوَّرَ قُلُوبَ الصَّادِقِينَ بِتَوْحِيدِهِ ؛ وَأَسْرَارَ الْمُحِبِّينَ بِتَأْيِيدِهِ وَأَحْيَا قُلُوبَ الْعَارِفِينَ بِنُورِ مَعْرِفَتِهِ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْهَادِي الَّذِي ضَعَّفَهُ أَوَّلًا فَيُضَعِّفُهُ أَوَّلًا وَيَجْعَلُهُ مِنْ كَلَامِ الْعَارِفِينَ وَهِيَ كَلِمَةٌ لَهَا صَوْلَةٌ فِي الْقُلُوبِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِنَوْعِ مِنْ الْوَعْظِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَحْقِيقٌ . فَإِنَّ الشَّيْخَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ذَكَرَ فِي حَقَائِقِ التَّفْسِيرِ مِنْ الْإِشَارَاتِ الَّتِي بَعْضُهَا كَلَامٌ حَسَنٌ مُسْتَفَادٌ وَبَعْضُهَا مَكْذُوبٌ عَلَى قَائِلِهِ مُفْتَرًى كَالْمَنْقُولِ عَنْ جَعْفَرٍ وَغَيْرِهِ وَبَعْضُهَا مِنْ الْمَنْقُولِ الْبَاطِلِ الْمَرْدُودِ . فَإِنَّ " إشَارَاتِ الْمَشَايِخِ الصُّوفِيَّةَ " الَّتِي يُشِيرُونَ بِهَا : تَنْقَسِمُ إلَى إشَارَةٍ حَالِيَّةٍ - وَهِيَ إشَارَتُهُمْ بِالْقُلُوبِ - وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي امْتَازُوا بِهِ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ . وَتَنْقَسِمُ إلَى الْإِشَارَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَقْوَالِ : مِثْلُ مَا يَأْخُذُونَهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ فَتِلْكَ الْإِشَارَاتُ هِيَ مِنْ بَابِ الِاعْتِبَارِ وَالْقِيَاسِ ؛ وَإِلْحَاقِ مَا لَيْسَ بِمَنْصُوصِ بِالْمَنْصُوصِ مِثْلُ الِاعْتِبَارِ وَالْقِيَاسِ ؛ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَحْكَامِ ؛ لَكِنَّ هَذَا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَفَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَدَرَجَاتِ الرِّجَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ " الْإِشَارَةُ اعْتِبَارِيَّةً " مِنْ جِنْسِ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ كَانَتْ حَسَنَةً مَقْبُولَةً ؛ وَإِنْ كَانَتْ كَالْقِيَاسِ الضَّعِيفِ كَانَ لَهَا حُكْمُهُ وَإِنْ كَانَ تَحْرِيفًا لِلْكَلَامِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَتَأْوِيلًا لِلْكَلَامِ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ الْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ والجهمية ؛ فَتَدَبَّرْ هَذَا فَإِنِّي قَدْ أَوْضَحْت هَذَا فِي " قَاعِدَةِ الْإِشَارَاتِ " . ( الْوَجْهُ الثَّالِثُ ) فِي تَنَاقُضِهِ فَإِنَّهُ قَالَ : التَّأْوِيلُ مَنْقُولٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَسَالِمٍ وَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ : ( أَحَدُهَا ) : أَنَّهُ هَادِي أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَقَدْ ضَعَّفَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْمَنْقُولُ هُوَ هَذَا الضَّعِيفَ فَيَا خَيْبَةَ الْمَسْعَى ؛ إذْ لَمْ يَنْقُلْ عَنْ السَّلَفِ فِي جَمِيعِ كَلَامِهِ إلَى هُنَا شَيْئًا عَنْ السَّلَفِ إلَّا هَذَا الَّذِي ضَعَّفَهُ وَأَوْهَاهُ . وَإِنْ كَانَ الْمَنْقُولُ عَنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ مُنَوِّرُ السَّمَوَاتِ بِالْكَوَاكِبِ كَانَ مُتَنَاقِضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ فِيمَا بَعْدُ أَنَّ هَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنِ أَنَّهُ مُنَوِّرُهَا بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْقُولُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالِاثْنَيْنِ أَوَّلًا غَيْرَ الْمَنْقُولِ عَنْهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَعَمَّنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الْأُولَى . وَإِنْ كَانَ نَوَّرَهُ بِالْحُجَجِ الْبَاهِرَةِ وَالْأَدِلَّةِ كَانَ مُتَنَاقِضًا فَإِنَّ هَذَا هُوَ مَعْنَى " الْهَادِي " : إذْ نَصْبُهُ لِلْأَدِلَّةِ وَالْحُجَجِ هِيَ مِنْ هِدَايَتِهِ وَهُوَ قَدْ ضَعَّفَ هَذَا الْقَوْلَ فَمَا أَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا الْعَجَبُ أَمِنْ حِكَايَتِهِ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحَدُهُمَا دَاخِلٌ فِي مَعْنَى الْآخَرِ ؟ أَمْ مِنْ تَضْعِيفِهِ لِقَوْلِ السَّائِلِ الَّذِي يُوجِبُ تَضْعِيفَ الِاثْنَيْنِ - وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ قَدْ ضَعَّفَهُمَا جَمِيعًا - فَيَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْرِفَ مَعْنَى الْأَقْوَالِ الْمَنْقُولَةِ وَيَعْرِفَ أَنَّ الَّذِي يُضَعِّفُهُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي عَظَّمَهُ . ( الْوَجْهُ الرَّابِعُ ) أَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَسَالِمٍ إلَّا الْقَوْلَ الَّذِي ضَعَّفَهُ أَوْ مَا يَدْخُلُ فِيهِ ؛ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ قَوْلُهُمْ : " الْهَادِي " فَقَدْ صَرَّحَ بِضَعْفِهِ وَإِنْ كَانَ " مُقِيمَ الْأَدِلَّةِ " فَهُوَ مِنْ مَعْنَى " الْهَادِي " ؛ وَإِنْ كَانَ " الْمُنَوِّرَ بِالْكَوَاكِبِ " فَقَدْ جَعَلَهُ قَوْلًا آخَرَ ؛ وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ عَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ فَهُوَ أَيْضًا دَاخِلٌ فِي " الْهَادِي " ؛ وَإِذَا كَانَ قَدْ اعْتَرَفَ بِضَعْفِ مَا حَكَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَسَالِمٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَيْنَا ؛ فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ عَنْ " السَّلَفِ " إمَّا أَنْ يَكُونَ مُبْطِلًا فِي نَقْلِهِ أَوْ مُفْتَرِيًا بِتَضْعِيفِهِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا حُجَّةَ عَلَيْنَا بِذَلِكَ . ( الْوَجْهُ الْخَامِسُ ) أَنَّهُ أَسَاءَ الْأَدَبَ عَلَى السَّلَفِ ؛ إذْ يَذْكُرُ عَنْهُمْ مَا يُضَعِّفُهُ وَأَظْهَرَ لِلنَّاسِ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَتَأَوَّلُونَ لِيَحْتَجَّ بِذَلِكَ عَلَى التَّأْوِيلِ فِي الْجُمْلَةِ وَهُوَ قَدْ اعْتَرَفَ بِضَعْفِ هَذَا التَّأْوِيلِ وَمَنْ احْتَجَّ بِحُجَّةِ وَقَدْ ضَعَّفَهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ ضَعَّفَهَا فَقَدْ رَمَى نَفْسَهُ بِسَهْمِهِ وَمَنْ رَمَى بِسَهْمِ الْبَغْيِ صُرِعَ بِهِ { وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } . ( الْوَجْهُ السَّادِسُ ) قَوْلُهُ : هَذَا يُبْطِلُ دَعْوَاهُ أَنَّ " التَّأْوِيلَ دَفَعَ الظَّاهِرَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ " فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَمْ أَقُلْهُ ؛ وَإِنْ كُنْت قُلْته فَهُوَ لَمْ يَنْقُلْ إلَّا مَا عَرَفَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَالضَّعِيفُ لَا يُبْطِلُ شَيْئًا فَهَذِهِ الْوُجُوهُ فِي بَيَانِ تَنَاقُضِهِ وَحِكَايَتِهِ عَنَّا مَا لَمْ نَقُلْهُ . وَأَمَّا " بَيَانُ فَسَادِ الْكَلَامِ " فَنَقُولُ : أَمَّا قَوْلُهُ : " يَجِبُ تَأْوِيلُهُ قَطْعًا " فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَجِبُ تَأْوِيلُهُ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ وَجَبَ قَطْعِيٌّ ؛ بَلْ جَمَاهِيرُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَتَأَوَّلُونَ هَذَا الِاسْمَ وَهَذَا مَذْهَبُ السَّلَفِيَّةِ وَجُمْهُورِ الصفاتية مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ قَوْل أَبِي سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ ذَكَرَهُ فِي الصِّفَاتِ وَرَدَّ عَلَى الجهمية تَأْوِيلَ " اسْمِ النُّورِ " وَهُوَ شَيْخُ الْمُتَكَلِّمِينَ الصفاتية مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ - الشَّيْخُ الْأَوَّلُ - وَحَكَاهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فورك فِي كِتَابِ " مَقَالَاتِ ابْنِ كُلَّابٍ " ، وَالْأَشْعَرِيُّ وَلَمْ يَذْكُرَا تَأْوِيلَهُ إلَّا عَنْ الجهمية الْمَذْمُومِينَ بِاتِّفَاقِ وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ ذَكَرَهُ فِي " الْمُوجَزِ " . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إنَّ هَذَا وَرَدَ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى فَالْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ ذَكَرَ ذَلِكَ هُوَ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ رَوَى الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى فِي " جَامِعِهِ " مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهَا ابْنُ ماجه فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ مخلد بْنِ زِيَادٍ القطواني ؛ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سيرين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ لَيْسَتَا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ كَلَامِ بَعْضِ السَّلَفِ فَالْوَلِيدُ ذَكَرَهَا عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ الشَّامِيِّينَ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِهِ . وَلِهَذَا اخْتَلَفَتْ أَعْيَانُهُمَا عَنْهُ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ مِنْ الْأَسْمَاءِ بَدَلُ مَا يُذْكَرُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ جَمَعُوهَا قَدْ كَانُوا يَذْكُرُونَ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً ؛ وَاعْتَقَدُوا - هُمْ وَغَيْرُهُمْ - أَنَّ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى الَّتِي مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ لَيْسَتْ شَيْئًا مُعَيَّنًا ؛ بَلْ مَنْ أَحْصَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ أَوْ أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً فَالِاسْمَانِ اللَّذَانِ يَتَّفِقُ مَعْنَاهُمَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا مَقَامَ صَاحِبِهِ كَالْأَحَدِ وَالْوَاحِدِ ؛ فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْهُ رَوَاهَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ " الْأَحَدُ " بَدَلَ " الْوَاحِدِ " وَ " الْمُعْطِي " بَدَلَ " الْمُغْنِي " وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ وَعِنْدَ الْوَلِيدِ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ بَعْدَ أَنْ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ خليد بْنِ دَعْلَجٍ عَنْ قتادة عَنْ ابْنِ سيرين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ثُمَّ قَالَ هِشَامٌ : وَحَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَالَ : كُلُّهَا فِي الْقُرْآنِ { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ } . . . مِثْلَ مَا سَاقَهَا التِّرْمِذِيُّ لَكِنَّ التِّرْمِذِيَّ رَوَاهَا عَنْ طَرِيقِ صَفْوَانَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ الْوَلِيدِ عَنْ شُعَيْبٍ وَقَدْ رَوَاهَا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ وَبَيْنَ مَا ذَكَرَهُ هُوَ والترمذي خِلَافٌ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ لَك أَنَّهَا مِنْ الْمَوْصُولِ الْمُدْرَجِ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ ؛ وَلَيْسَتْ مِنْ كَلَامِهِ . وَلِهَذَا جَمَعَهَا " قَوْمٌ آخَرُونَ " عَلَى غَيْرِ هَذَا الْجَمْعِ وَاسْتَخْرَجُوهَا مِنْ الْقُرْآنِ مِنْهُمْ سُفْيَانُ بْنُ عيينة وَالْإِمَامُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمْ ؛ كَمَا قَدْ ذَكَرْت ذَلِكَ فِيمَا تَكَلَّمْت بِهِ قَدِيمًا عَلَى هَذَا ؛ وَهَذَا كُلُّهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا عِنْدَهُمْ مِمَّا يَقْبَلُ الْبَدَلَ ؛ فَإِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ . قَالُوا : - وَمِنْهُمْ الخطابي - قَوْلُهُ : { إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا } التَّقْيِيدُ بِالْعَدَدِ عَائِدٌ إلَى الْأَسْمَاءِ الْمَوْصُوفَةِ بِأَنَّهَا هِيَ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ . فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ : { مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ } صِفَةٌ لِلتِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ لَيْسَتْ جُمْلَةً مُبْتَدَأَةً وَلَكِنَّ مَوْضِعَهَا النَّصْبُ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُبْتَدَأَةً وَالْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ لِلَّهِ أَسْمَاءً بِقَدْرِ هَذَا الْعَدَدِ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ : إنَّ لِي مِائَةَ غُلَامٍ أَعْدَدْتهمْ لِلْعِتْقِ وَأَلْفَ دِرْهَمٍ أَعْدَدْتهَا لِلْحَجِّ فَالتَّقْيِيدُ بِالْعَدَدِ هُوَ فِي الْمَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَا فِي أَصْلِ اسْتِحْقَاقِهِ لِذَلِكَ الْعَدَدِ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ إنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ . قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ : { اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَك سَمَّيْت بِهِ نَفْسَك أَوْ أَنْزَلْته فِي كِتَابِك أَوْ عَلَّمْته أَحَدًا مَنْ خَلْقِك أَوْ اسْتَأْثَرْت بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَك } فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ أَسْمَاءً فَوْقَ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ يُحْصِيهَا بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ . وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ : { إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ } تَقْيِيدُهُ بِهَذَا الْعَدَدِ بِمَنْزِلَةِ قَوْله تَعَالَى { تِسْعَةَ عَشَرَ } فَلَمَّا اسْتَقَلُّوهُمْ قَالَ : { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلَّا هُوَ } فَأَنْ لَا يَعْلَمَ أَسْمَاءَهُ إلَّا هُوَ أَوْلَى ؛ وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ قَدْ قِيلَ مُنْفَرِدًا لَمْ يُفِدْ النَّفْيَ إلَّا بِمَفْهُومِ الْعَدَدِ الَّذِي هُوَ دُونَ مَفْهُومِ الصِّفَةِ وَالنِّزَاعُ فِيهِ مَشْهُورٌ وَإِنْ كَانَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ - بَعْدَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي لِلْعُمُومِ - يُفِيدُ الِاخْتِصَاصَ بِالْحُكْمِ فَإِنَّ الْعُدُولَ عَنْ وُجُوبِ التَّعْمِيمِ إلَى التَّخْصِيصِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلِاخْتِصَاصِ بِالْحُكْمِ وَإِلَّا كَانَ تَرْكًا لِلْمُقْتَضَى بِلَا مُعَارِضٍ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ . فَقَوْلُهُ : { إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ } قَدْ يَكُونُ لِلتَّحْصِيلِ بِهَذَا الْعَدَدِ فَوَائِدُ غَيْرُ الْحَصْرِ . وَ ( مِنْهَا ) ذَكَرَ أَنَّ إحْصَاءَهَا يُورِثُ الْجَنَّةَ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ ذَكَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مُنْفَرِدَةً وَأَتْبَعَهَا بِهَذِهِ مُنْفَرِدَةً لَكَانَ حَسَنًا ؛ فَكَيْفَ وَالْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الِاتِّصَالُ وَعَدَمُ الِانْفِصَالِ فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ صِفَةً ؛ لَا ابْتِدَائِيَّةً . فَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ فِي الْعَرَبِيَّةِ مَعَ مَا ذَكَرَ مِنْ الدَّلِيلِ . وَلِهَذَا قَالَ : { إنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ } وَمَحَبَّتُهُ لِذَلِكَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْإِحْصَاءِ ؛ أَيْ يُحِبُّ أَنْ يُحْصَى مِنْ أَسْمَائِهِ هَذَا الْعَدَدُ ؛ وَإِذَا كَانَتْ أَسْمَاءُ اللَّهِ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ إحْصَاءُ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ اسْمًا يُورِثُ الْجَنَّةَ مُطْلَقًا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ ؛ فَهَذَا يُوَجِّهُ قَوْل هَؤُلَاءِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَجْعَلُهَا أَسْمَاءً مُعَيَّنَةً ؛ ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ : لَيْسَ إلَّا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا فَقَطْ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ وَطَائِفَةٍ وَالْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ يَقُولُونَ : وَإِنْ كَانَتْ أَسْمَاءُ اللَّهِ أَكْثَرَ ؛ لَكِنَّ الْمَوْعُودَ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ أَحْصَاهَا هِيَ مُعَيَّنَةٌ وَبِكُلِّ حَالٍ : فَتَعْيِينُهَا لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِحَدِيثِهِ ؛ وَلَكِنْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ أَنْوَاعٌ : مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ . وَمِنْهَا غَيْرُ ذَلِكَ . فَإِذَا عُرِفَ هَذَا : فَقَوْلُهُ فِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى " النُّورُ الْهَادِي " لَوْ نَازَعَهُ مُنَازِعٌ فِي ثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ وَلَكِنْ جَاءَ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ صِحَاحٍ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : { اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ } الْحَدِيثَ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ { أَبِي ذَرٍّ قَالَ : سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ رَأَيْت رَبَّك فَقَالَ : نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ ؟ أَوْ قَالَ : رَأَيْت نُورًا } . فَاَلَّذِي فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إضَافَةُ النُّورِ كَقَوْلِهِ : { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أَوْ { نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } وَمَنْ فِيهِنَّ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : " إذْ النُّورُ كَيْفِيَّةٌ قَائِمَةٌ " فَنَقُولُ : النُّورُ الْمَخْلُوقُ مَحْسُوسٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ كَيْفِيَّةٍ لَكِنَّهُ نَوْعَانِ : أَعْيَان وَأَعْرَاضٌ . " فَالْأَعْيَانُ " هُوَ نَفْسُ جِرْمِ النَّارِ حَيْثُ كَانَتْ - نُورُ السِّرَاجِ وَالْمِصْبَاحِ الَّذِي فِي الزُّجَاجَةِ وَغَيْرِهِ - وَهِيَ النُّورُ الَّذِي ضَرَبَ اللَّهُ بِهِ الْمَثَلَ ، وَمِثْلُ الْقَمَرِ فَإِنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ نُورًا فَقَالَ : { جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا } وَلَا رَيْبَ أَنَّ النَّارَ جِسْمٌ لَطِيفٌ شَفَّافٌ . " وَأَعْرَاضُ " مِثْلِ مَا يَقَعُ مِنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنَّارِ عَلَى الْأَجْسَامِ الصَّقِيلَةِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّ الْمِصْبَاحَ إذَا كَانَ فِي الْبَيْتِ أَضَاءَ جَوَانِبَ الْبَيْتِ فَذَلِكَ النُّورُ وَالشُّعَاعُ الْوَاقِعُ عَلَى الْجُدُرِ وَالسَّقْفِ وَالْأَرْضِ هُوَ عَرَضٌ وَهُوَ كَيْفِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِالْجِسْمِ . وَقَدْ يُقَالُ : لَيْسَ الصِّفَةُ الْقَائِمَةُ بِالنَّارِ وَالْقَمَرِ وَنَحْوِهِمَا نُورًا فَيَكُونَ الِاسْمُ عَلَى الْجَوْهَرِ تَارَةً وَعَلَى صِفَةٍ أُخْرَى ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ لِضَوْءِ النَّهَارِ نُورٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ } وَمِنْ هَذَا تَسْمِيَةُ اللَّيْلِ ظُلْمَةً وَالنَّهَارِ نُورًا فَإِنَّهُمَا عَرَضَانِ وَقَدْ قِيلَ : هَمَّا جَوْهَرَانِ ؛ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ . فَتَبَيَّنَ أَنَّ اسْمَ النُّورِ يَتَنَاوَلُ هَذَيْنِ وَالْمُعْتَرِضُ ذَكَرَ أَوَّلًا حَدَّ " الْعَرَضِ " وَذَكَرَ ثَانِيًا حَدَّ " الْجِسْمِ " فَتَنَاقَضَ وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِي وَلَمْ يَهْتَدِ لِوَجْهِ الْجَمْعِ . وَكَذَلِكَ اسْمُ " الْحَقِّ " يَقَعُ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى صِفَاتِهِ الْقُدْسِيَّةِ كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنْتَ الْحَقُّ وَقَوْلُك الْحَقُّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ } . وَأَمَّا قَوْل الْمُعْتَرِضِ : النُّورُ ضِدُّ الظُّلْمَةِ وَجَلَّ الْحَقُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ ضِدٌّ . فَيُقَالُ لَهُ : لَمْ تَفْهَمْ مَعْنَى الضِّدِّ الْمَنْفِيِّ عَنْ اللَّهِ ؛ فَإِنَّ " الضِّدَّ " يُرَادُ بِهِ مَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْآخَرِ كَمَا يُقَالُ فِي الْأَعْرَاضِ الْمُتَضَادَّةِ مِثْلِ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ . وَيَقُولُ النَّاسُ : الضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَيَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ ؛ وَهَذَا التَّضَادُّ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي " الْأَعْرَاضِ " وَأَمَّا " الْأَعْيَانُ " فَلَا تَضَادَّ فِيهَا ؛ فَيَمْتَنِعُ عِنْدَ هَذَا أَنْ يُقَالَ : لِلَّهِ ضِدٌّ أَوْ لَيْسَ لَهُ ضِدٌّ ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يُتَصَوَّرُ التَّضَادُّ فِيهَا وَاَللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ ضِدٌّ يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ وَوُجُودَهُ بِلَا رَيْبٍ ؛ بَلْ هُوَ الْقَاهِرُ الْغَالِبُ الَّذِي لَا يُغْلَبُ . وَقَدْ يُرَادُ " بِالضِّدِّ " الْمُعَارِضُ لِأَمْرِهِ وَحُكْمِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا مِنْ وُجُودِ ذَاتِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدَ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ } رَوَاهُ أَبُو داود . وَتَسْمِيَةُ الْمُخَالِفِ لِأَمْرِهِ وَحُكْمِهِ ضِدًّا كَتَسْمِيَتِهِ عَدُوًّا . وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَالْمُعَادُونَ الْمُضَادُّونَ لِلَّهِ كَثِيرُونَ ؛ فَأَمَّا عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُضَادٌّ لِلَّهِ ؛ لَكِنَّ التَّضَادَّ يَقَعُ فِي نَفْسِ الْكُفَّارِ فَإِنَّ الْبَاطِلَ ضِدُّ الْحَقِّ وَالْكَذِبَ ضِدُّ الصِّدْقِ ؛ فَمَنْ اعْتَقَدَ فِي اللَّهِ مَا هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ كَانَ هَذَا ضِدًّا لِلْإِيمَانِ الصَّحِيحِ بِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : النُّورُ ضِدُّ الظُّلْمَةِ - وَجَلَّ الْحَقُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ ضِدٌّ - فَيُقَالُ لَهُ : وَالْحَيُّ ضِدُّ الْمَيِّتِ وَالْعَلِيمُ ضِدُّ الْجَاهِلِ وَالسَّمِيعُ وَالْبَصِيرُ وَاَلَّذِي يَتَكَلَّمُ ضِدُّ الْأَصَمِّ الْأَعْمَى الْأَبْكَمِ وَهَكَذَا سَائِر مَا سُمِّيَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ لَهَا أَضْدَادٌ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِأَضْدَادِهَا فَجَلَّ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا أَوْ عَاجِزًا أَوْ فَقِيرًا وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَأَمَّا وُجُودُ مَخْلُوقٍ لَهُ مَوْصُوفٍ بِضِدِّ صِفَتِهِ : مِثْلُ وُجُودِ الْمَيِّتِ وَالْجَاهِلِ وَالْفَقِيرِ وَالظَّالِمِ فَهَذَا كَثِيرٌ ؛ بَلْ غَالِبُ أَسْمَائِهِ لَهَا أَضْدَادٌ مَوْجُودَةٌ فِي الْمَوْجُودِينَ . وَلَا يُقَالُ لِأُولَئِكَ إنَّهُمْ أَضْدَادُ اللَّهِ وَلَكِنْ يُقَالُ إنَّهُمْ مَوْصُوفُونَ بِضِدِّ صِفَاتِ اللَّهِ ؛ فَإِنَّ التَّضَادَّ بَيْنَ الصِّفَاتِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَحَلِّ الْوَاحِدِ لَا فِي مَحَلَّيْنِ فَمَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِالْمَوْتِ ضَادَّتْهُ الْحَيَاةُ وَمَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِالْحَيَاةِ ضَادَّهُ الْمَوْتُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ظُلْمَةً أَوْ مَوْصُوفًا بِالظُّلْمَةِ كَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا أَوْ مَوْصُوفًا بِالْمَوْتِ . فَهَذَا الْمُعْتَرِضُ أَخَذَ لَفْظَ " الضِّدِّ بِالِاشْتِرَاكِ " وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الضِّدِّ الَّذِي يُضَادُّ ثُبُوتُهُ ثُبُوتَ الْحَقِّ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي مَخْلُوقَاتِهِ مَا هُوَ مَوْصُوفٌ بِضِدِّ صِفَاتِهِ وَبَيْنَ مَا يُضَادُّهُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ فَالضِّدُّ الْأَوَّلُ هُوَ الْمُمْتَنِعُ وَأَمَّا الْآخَرَانِ فَوُجُودُهُمَا كَثِيرٌ ؛ لَكِنْ لَا يُقَالُ إنَّهُ ضِدٌّ لِلَّهِ فَإِنَّ الْمُتَّصِفَ بِضِدِّ صِفَاتِهِ لَمْ يُضَادَّهُ . وَاَلَّذِينَ قَالُوا " النُّورُ ضِدُّ الظُّلْمَةِ " قَالُوا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَقُولُوا : إنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مَوْصُوفًا بِأَنَّهُ نُورٌ وَشَيْءٌ آخَرُ مَوْصُوفًا بِأَنَّهُ ظُلْمَةٌ ؛ فَلْيَتَدَبَّرْ الْعَاقِلُ هَذَا التَّعْطِيلَ وَالتَّخْلِيطَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَوْ كَانَ نُورًا لَمْ يَجُزْ إضَافَتُهُ إلَى نَفْسِهِ فِي قَوْلِهِ : { مَثَلُ نُورِهِ } فَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنْ نَقُولَ : النَّصُّ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ قَدْ سَمَّى اللَّهَ نُورَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَقَدْ أَخْبَرَ النَّصُّ أَنَّ اللَّهَ نُورٌ وَأَخْبَرَ أَيْضًا أَنَّهُ يَحْتَجِبُ بِالنُّورِ ؛ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَنْوَارٍ فِي النَّصِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْأَوَّلِ . ( وَأَمَّا الثَّانِي ) فَهُوَ فِي قَوْلِهِ : { وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا } وَفِي قَوْلِهِ : { مَثَلُ نُورِهِ } وَفِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ وَأَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ . } وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَاءِ الطَّائِفِ : { أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَنْ يَنْزِلَ بِي سَخَطُك أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ غَضَبُك } رَوَاهُ الطبراني وَغَيْرُهُ . وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ : إنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عِنْدَهُ لَيْلٌ وَلَا نَهَارٌ نُورُ السَّمَوَاتِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ : مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجَابُهُ النُّورُ - أَوْ النَّارُ - لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ } . فَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ ذِكْرُ حِجَابِهِ . فَإِنَّ تَرَدُّدَ الرَّاوِي فِي لَفْظِ النَّارِ وَالنُّورِ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ النَّارِ الصَّافِيَةِ الَّتِي كَلَّمَ بِهَا مُوسَى يُقَالُ لَهَا نَارٌ وَنُورٌ كَمَا سَمَّى اللَّهُ نَارَ الْمِصْبَاحِ نُورًا بِخِلَافِ النَّارِ الْمُظْلِمَةِ كَنَارِ جَهَنَّمَ فَتِلْكَ لَا تُسَمَّى نُورًا . فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ : " إشْرَاقٌ بِلَا إحْرَاقٍ " وَهُوَ النُّورُ الْمَحْضُ كَالْقَمَرِ . وَ " إحْرَاقٌ بِلَا إشْرَاقٍ " وَهِيَ النَّارُ الْمُظْلِمَةُ . وَ " مَا هُوَ نَارٌ وَنُورٌ " كَالشَّمْسِ وَنَارِ الْمَصَابِيحِ الَّتِي فِي الدُّنْيَا تُوصَفُ بِالْأَمْرَيْنِ ؛ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَحَّ أَنْ يَكُونَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَنْ يُضَافَ إلَيْهِ النُّورُ وَلَيْسَ الْمُضَافُ هُوَ عَيْنَ الْمُضَافِ إلَيْهِ . ( الطَّرِيقُ الثَّانِي ) أَنْ يُقَالَ : هَذَا يَرِدُ عَلَيْكُمْ لَا يَخْتَصُّ بِمَنْ يُسَمِّيهِ بِمَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ وَبَيَّنَهُ ؛ فَأَنْتَ إذَا قُلْت : " هَادٍ " أَوْ " مُنَوِّرٌ " أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ : فَالْمُسَمَّى " نُورًا " هُوَ الرَّبُّ نَفْسُهُ ؛ لَيْسَ هُوَ النُّورَ الْمُضَافَ إلَيْهِ . فَإِذَا قُلْت : " هُوَ الْهَادِي فَنُورُهُ الْهُدَى " جَعَلْت أَحَدَ النورين عَيْنًا قَائِمَةً وَالْآخَرَ صِفَةً ؛ فَهَكَذَا يَقُولُ مَنْ يُسَمِّيهِ نُورًا ؛ وَإِذَا كَانَ السُّؤَالُ يَرِدُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَالْقَائِلَيْنِ كَانَ تَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ ظُلْمًا وَلَدَدًا فِي الْمُحَاجَّةِ أَوْ جَهْلًا وَضَلَالًا عَنْ الْحَقِّ . وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَقْوَالِ : فَلَا رَيْبَ أَنَّ لِلنَّاسِ فِيهَا مِنْ الْأَقْوَالِ أَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرَهُ وَالْمَوْجُودُ بِأَيْدِي الْأُمَّةِ مِنْ الرِّوَايَاتِ الصَّادِقَةِ وَالْكَاذِبَةِ وَالْآرَاءِ الْمُصِيبَةِ وَالْمُخْطِئَةِ لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللَّهُ وَالْكَلَامُ فِي " تَفْسِيرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاته وَكَلَامِهِ " فِيهِ مِنْ الْغَثِّ وَالسَّمِينِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا رَبُّ الْعَالَمِينَ وَإِنَّمَا الشَّأْنُ فِي الْحَقِّ وَالْعِلْمِ وَالدِّينِ . وَقَدْ كَتَبْت قَدِيمًا فِي بَعْضِ كُتُبِي لِبَعْضِ الْأَكَابِرِ : إنَّ الْعِلْمَ مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ وَالنَّافِعُ مِنْهُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَالشَّأْنُ فِي أَنْ نَقُولَ عِلْمًا وَهُوَ النَّقْلُ الْمُصَدَّقُ وَالْبَحْثُ الْمُحَقَّقُ فَإِنَّ مَا سِوَى ذَلِكَ - وَإِنَّ زَخْرَفَ مِثْلَهُ بَعْضُ النَّاسِ - خَزَفٌ مُزَوَّقٌ وَإِلَّا فَبَاطِلٌ مُطْلَقٌ مِثْلُ مَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا . وَهَذِهِ الْكُتُبُ الَّتِي يُسَمِّيهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ " كُتُبَ التَّفْسِيرِ " فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ التَّفْسِيرِ مَنْقُولَاتٌ عَنْ السَّلَفِ مَكْذُوبَةٌ عَلَيْهِمْ وَقَوْلٌ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِالرَّأْيِ الْمُجَرَّدِ ؛ بَلْ بِمُجَرَّدِ شُبْهَةٍ قِيَاسِيَّةٍ أَوْ شُبْهَةٍ أَدَبِيَّةٍ . فَالْمُفَسِّرُونَ الَّذِينَ يُنْقَلُ عَنْهُمْ لَمْ يُسَمِّهِمْ وَمَعَ هَذَا فَقَدَ ضَعَّفَ قَوْلَهُمْ بِالْبَاطِلِ فَإِنَّ الْقَوْمَ فَسَّرُوا النُّورَ فِي الْآيَةِ : بِأَنَّهُ الْهَادِي ؛ لَمْ يُفَسِّرُوا النُّورَ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَصِحُّ تَضْعِيفُ قَوْلِهِمْ بِمَا ضَعَّفَهُ . وَنَحْنُ إنَّمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِبَيَانِ تَنَاقُضِهِ وَأَنَّهُ لَا يَحْتَجُّ عَلَيْنَا بِشَيْءِ يَرُوجُ عَلَى ذِي لُبٍّ فَإِنَّ التَّنَاقُضَ أَوَّلُ مَقَامَاتِ الْفَسَادِ وَهَذَا التَّفْسِيرُ قَدْ قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ . وَأَمَّا كَوْنُهُ ثَابِتًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهَذَا مِمَّا لَمْ نُثْبِتْهُ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي " كُتُبِ التَّفْسِيرِ " مِنْ النَّقْلِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ الْكَذِبِ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَغَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْحِيحِ النَّقْلِ لِتَقُومَ الْحُجَّةُ فَلْيُرَاجَعْ " كُتُبُ التَّفْسِيرِ " الَّتِي يُحَرَّرُ فِيهَا النَّقْلُ مِثْلُ تَفْسِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطبري الَّذِي يَنْقُلُ فِيهِ كَلَامَ السَّلَفِ بِالْإِسْنَادِ - وَلْيُعْرَضْ عَنْ تَفْسِيرِ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ - وَقَبْلَهُ تَفْسِيرُ بقي بْنِ مخلد الْأَنْدَلُسِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إبْرَاهِيمَ دحيم الشَّامِيِّ وَعَبْدِ بْنِ حميد الكشي وَغَيْرِهِمْ إنْ لَمْ يَصْعَدْ إلَى تَفْسِيرِ الْإِمَامِ إسْحَاقَ بْنِ راهويه وَتَفْسِيرِ الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ أَهْلِ الْأَرْضِ بِالتَّفَاسِيرِ الصَّحِيحَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَمَا هُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُلُومِ . فَإِمَّا أَنْ يُثْبِتَ أَصْلًا يَجْعَلُهُ قَاعِدَةً بِمُجَرَّدِ رَأْيٍ فَهَذَا إنَّمَا يَنْفُقُ عَلَى الْجُهَّالِ بِالدَّلَائِلِ الأغشام فِي الْمَسَائِلِ ؛ وَبِمِثْلِ هَذِهِ الْمَنْقُولَاتِ - الَّتِي لَا يُمَيَّزُ صِدْقُهَا مِنْ كَذِبِهَا وَالْمَعْقُولَاتِ الَّتِي لَا يُمَيَّزُ صَوَابُهَا مِنْ خَطَئِهَا - ضَلَّ مَنْ ضَلَّ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَالْفِقْهِ وَالتَّصَوُّفِ . وَمَا أَحْسَنَ مَا جَاءَ هَذَا فِي آيَةِ النُّورِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا : { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا نُورًا . ثُمَّ نَقُولُ : هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ : { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أَيْ هَادِي أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَضُرُّنَا وَلَا يُخَالِفُ مَا قُلْنَاهُ فَإِنَّهُمْ قَالُوهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَ النُّورُ فِيهَا مُضَافًا ؛ لَمْ يَذْكُرُوهُ فِي تَفْسِيرِ نُورٍ مُطْلَقٍ كَمَا ادَّعَيْت أَنْتَ مِنْ وُرُودِ الْحَدِيثِ بِهِ ؛ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا ؟ . ثُمَّ قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ : هَادِي أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِهِ نُورًا : فَإِنَّ مِنْ عَادَةِ السَّلَفِ فِي تَفْسِيرِهِمْ أَنْ يَذْكُرُوا بَعْضَ " صِفَاتِ الْمُفَسَّرِ " مِنْ الْأَسْمَاءِ أَوْ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ ؛ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ ثُبُوتَ بَقِيَّةِ الصِّفَات لِلْمُسَمَّى بَلْ قَدْ يَكُونَانِ مُتَلَازِمَيْنِ وَلَا دُخُولَ لِبَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ فِيهِ . وَهَذَا قَدْ قَرَّرْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ فِي الْقَوَاعِدِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَمَنْ تَدَبَّرَهُ عَلِمَ أَنَّ أَكْثَرَ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ مُتَّفِقَةٌ غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ . مِثَالُ ذَلِكَ قَوْل بَعْضِهِمْ فِي { الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } إنَّهُ الْإِسْلَامُ وَقَوْلٌ آخَرُ : إنَّهُ الْقُرْآنُ وَقَوْلٌ آخَرُ : إنَّهُ السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ وَقَوْلٌ آخَرُ : إنَّهُ طَرِيقُ الْعُبُودِيَّةِ . فَهَذِهِ كُلُّهَا صِفَاتٌ لَهُ مُتَلَازِمَةٌ لَا مُتَبَايِنَةٌ ؛ وَتَسْمِيَتُهُ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ بِمَنْزِلَةِ تَسْمِيَةِ الْقُرْآنِ وَالرَّسُولِ بِأَسْمَائِهِ : بَلْ بِمَنْزِلَةِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى . وَمِثَالُ " الثَّانِي " قَوْله تَعَالَى { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ } فَذَكَرَ مِنْهُمْ صِنْفًا مِنْ الْأَصْنَافِ وَالْعَبْدُ يَعُمُّ الْجَمِيعَ . فَالظَّالِمُ لِنَفَسِهِ الْمُخِلُّ بِبَعْضِ الْوَاجِبِ وَالْمُقْتَصِدُ الْقَائِمُ بِهِ وَالسَّابِقُ الْمُتَقَرِّبُ بِالنَّوَافِلِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ . وَكُلٌّ مِنْ النَّاسِ يَدْخُلُ فِي هَذَا بِحَسَبِ طَرِيقِهِ فِي التَّفْسِيرِ وَالتَّرْجَمَةِ : بِبَيَانِ النَّوْعِ وَالْجِنْسِ ؛ لِيَقْرُبَ الْفَهْمُ عَلَى الْمُخَاطَبِ كَمَا لَوْ قَالَ الْأَعْجَمِيُّ مَا الْخُبْزُ ؟ فَقِيلَ لَهُ : هَذَا وَأُشِيرَ إلَى الرَّغِيفِ . فَالْغَرَضُ الْجِنْسُ لَا هَذَا الشَّخْصُ . فَهَكَذَا تَفْسِيرُ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ التَّعْلِيمِ . فَقَوْلُ مَنْ قَالَ : { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } هَادِي أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كَلَامٌ صَحِيحٌ فَإِنَّ مِنْ مَعَانِي كَوْنِهِ نُورَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْ يَكُونَ هَادِيًا لَهُمْ ؛ أَمَّا إنَّهُمْ نَفَوْا مَا سِوَى ذَلِكَ فَهَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ وَأَمَّا إنَّهُمْ أَرَادُوا ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عِنْدَهُ لَيْلٌ وَلَا نَهَارٌ نُورُ السَّمَوَاتِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذِكْرِ نُورِ وَجْهِهِ . وَفِي رِوَايَةِ " النُّورِ " مَا فِيهِ كِفَايَةٌ ؛ فَهَذَا بَيَانُ مَعْنَى غَيْرِ الْهِدَايَةِ . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّ الْأَرْضَ تُشْرِقُ بِنُورِ رَبِّهَا فَإِذَا كَانَتْ تُشْرِقُ مِنْ نُورِهِ كَيْفَ لَا يَكُونُ هُوَ نُورًا ؟ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا النُّورُ الْمُضَافُ إلَيْهِ إضَافَةَ خَلْقٍ وَمِلْكٍ وَاصْطِفَاءٍ - كَقَوْلِهِ { نَاقَةُ اللَّهِ } وَنَحْوِ ذَلِكَ - لِوُجُوهِ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّ النُّورَ لَمْ يُضَفْ قَطُّ إلَى اللَّهِ إذَا كَانَ صِفَةً لِأَعْيَانِ قَائِمَةٍ فَلَا يُقَالُ فِي الْمَصَابِيحِ الَّتِي فِي الدُّنْيَا ؛ إنَّهَا نُورُ اللَّهِ وَلَا فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَإِنَّمَا يُقَالُ كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : إنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عِنْدَهُ لَيْلٌ وَلَا نَهَارٌ نُورُ السَّمَوَاتِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ وَفِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } . ( الثَّانِي ) أَنَّ الْأَنْوَارَ الْمَخْلُوقَةَ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ تُشْرِقُ لَهَا الْأَرْضُ فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ مِنْ نُورٍ إلَّا وَهُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ : مُنَوِّرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يُنَافِي أَنَّهُ نُورٌ وَكُلُّ مُنَوِّرٍ نُورٌ فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ . ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى ضَرَبَ مَثَلَ نُورِهِ الَّذِي فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ بِالنُّورِ الَّذِي فِي الْمِصْبَاحِ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ نُورٌ وَهُوَ مُنَوِّرٌ لِغَيْرِهِ فَإِذَا كَانَ نُورُهُ فِي الْقُلُوبِ هُوَ نُورٌ وَهُوَ مُنَوِّرٌ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ أَحَقُّ بِذَلِكَ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ نُورٌ فَهُوَ مُنَوِّرٌ . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ مُنَوِّرُ السَّمَوَاتِ بِالْكَوَاكِبِ : فَهَذَا إنْ أَرَادَ بِهِ قَائِلُهُ : أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَعْنَى كَوْنِهِ نُورَ السَّمَوَاتِ وَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ لَيْسَ لِكَوْنِهِ نُورَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَعْنًى إلَّا هَذَا فَهُوَ مُبْطِلٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ؛ وَالْكَوَاكِبُ لَا يَحْصُلُ نُورُهَا فِي جَمِيعِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ . وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ : { مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } فَضَرَبَ الْمَثَلَ لِنُورِهِ الْمَوْجُودِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ؛ فَعُلِمَ أَنَّ النُّورَ الْمَوْجُودَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ نُورُ الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ مُرَادٌ مِنْ الْآيَةِ ؛ لَمْ يَضْرِبْهَا عَلَى النُّورِ الْحِسِّيِّ الَّذِي يَكُونُ لِلْكَوَاكِبِ وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَمَّا رَوَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنِ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِصِحَّةِ النَّقْلِ وَالظَّنِّ ضَعَّفَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي النُّورِ أَمَّا إنَّهُمْ يَقُولُونَ قَوْلَهُ : { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } لَيْسَ مَعْنَاهُ إلَّا التَّنْوِيرَ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ فَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا . وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ } وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعُمْيَانَ لَا حَظَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَمَنْ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ حِجَابٌ لَا حَظَّ لَهُ فِي ذَلِكَ وَالْمَوْتَى لَا نَصِيبَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَأَهْلُ الْجَنَّةِ لَا نَصِيبَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا قَمَرٌ ؛ كَيْفَ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَعْلَمُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ بِأَنْوَارِ تَظْهَرُ مِنْ الْعَرْشِ مِثْلُ ظُهُورِ الشَّمْسِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا فَتِلْكَ الْأَنْوَارُ خَارِجَةٌ عَنْ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : قَدْ قِيلَ : بِالْأَدِلَّةِ وَالْحُجَجِ فَهَذَا بَعْضُ مَعْنَى الْهَادِي وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ : " هَذَا يُبْطِلُ قَوْلَهُ إنَّ التَّأْوِيلَ دَفْعٌ لِلظَّاهِرِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ " فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَكْذُوبٌ عَلَيَّ وَقَدْ ثَبَتَ تَنَاقُضُ صَاحِبِهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ عَنْ السَّلَفِ إلَّا مَا اعْتَرَفَ بِضَعْفِهِ . وَأَمَّا الَّذِي أَقُولُهُ الْآنَ وَأَكْتُبُهُ - وَإِنْ كُنْت لَمْ أَكْتُبْهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَجْوِبَتِي وَإِنَّمَا أَقُولُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَجَالِسِ - أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ آيَاتِ الصِّفَات فَلَيْسَ عَنْ الصَّحَابَةِ اخْتِلَافٌ فِي تَأْوِيلِهَا . وَقَدْ طَالَعْت التَّفَاسِيرَ الْمَنْقُولَةَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَمَا رَوَوْهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَوَقَفْت مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْكُتُبِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ تَفْسِيرٍ فَلَمْ أَجِدْ - إلَى سَاعَتِي هَذِهِ - عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ تَأَوَّلَ شَيْئًا مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ أَوْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ بِخِلَافِ مُقْتَضَاهَا الْمَفْهُومِ الْمَعْرُوفِ ؛ بَلْ عَنْهُمْ مِنْ تَقْرِيرِ ذَلِكَ وَتَثْبِيتِهِ وَبَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ مَا يُخَالِفُ كَلَامَ الْمُتَأَوِّلِينَ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللَّهُ . وَكَذَلِكَ فِيمَا يَذْكُرُونَهُ آثِرِينَ وَذَاكِرِينَ عَنْهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا . وَتَمَامُ هَذَا أَنِّي لَمْ أَجِدْهُمْ تَنَازَعُوا إلَّا فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ } فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَائِفَة أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشِّدَّةُ أَنَّ اللَّهَ يَكْشِفُ عَنْ الشِّدَّةِ فِي الْآخِرَةِ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَطَائِفَةٍ أَنَّهُمْ عَدُّوهَا فِي الصِّفَات ؛ لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ . وَلَا رَيْبَ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ [ لَا ] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ مِنْ الصِّفَات فَإِنَّهُ قَالَ : { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ } نَكِرَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ لَمْ يُضِفْهَا إلَى اللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ عَنْ سَاقِهِ فَمَعَ عَدَمِ التَّعْرِيفِ بِالْإِضَافَةِ لَا يَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ الصِّفَاتِ إلَّا بِدَلِيلِ آخَرَ وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ بِتَأْوِيلِ إنَّمَا التَّأْوِيلُ صَرْفُ الْآيَةِ عَنْ مَدْلُولِهَا وَمَفْهُومِهَا وَمَعْنَاهَا الْمَعْرُوفِ ؛ وَلَكِنْ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ اللَّفْظَ عَلَى مَا لَيْسَ مَدْلُولًا لَهُ ثُمَّ يُرِيدُونَ صَرْفَهُ عَنْهُ وَيَجْعَلُونَ هَذَا تَأْوِيلًا ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : " لَوْ كَانَ نُورًا حَقِيقَةً - كَمَا تَقَوَّلَهُ الْمُشَبِّهَةُ - لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الضِّيَاءُ لَيْلًا وَنَهَارًا عَلَى الدَّوَامِ " : فَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ . فَإِنَّ الْمُشَبِّهَةَ يَقُولُونَ : إنَّهُ نُورٌ كَالشَّمْسِ ؛ وَاَللَّهُ تَعَالَى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } فَإِنَّهُ لَيْسَ كَشَيْءِ مِنْ الْأَنْوَارِ كَمَا أَنَّ ذَاتَهُ لَيْسَتْ كَشَيْءِ مِنْ الذَّوَاتِ ؛ لَكِنْ مَا ذَكَرَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نُورًا يَحْجُبُهُ عَنْ خَلْقِهِ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ : { حِجَابُهُ النُّورُ - أَوْ النَّارُ - لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ } . لَكِنَّ هُنَا غَلَطٌ فِي النَّقْلِ وَهُوَ إضَافَةُ هَذَا الْقَوْلِ إلَى الْمُشَبِّهَةِ فَإِنَّ هَذَا مِنْ أَقْوَالِ الجهمية الْمُعَطِّلَةِ أَيْضًا كالمريسي فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ . إنَّهُ نُورٌ وَهُوَ كَبِيرُ الجهمية ؛ وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ بِالْمُشَبِّهَةِ مَنْ أَثْبَتَ أَنَّ اللَّهَ نُورٌ حَقِيقَةً فَالْمُثْبِتَةُ لِلصِّفَاتِ كُلُّهُمْ عِنْدَهُ مُشَبِّهَةٌ وَهَذِهِ " لُغَةُ الجهمية الْمَحْضَةِ " يُسَمُّونَ كُلَّ مَنْ أَثْبَتَ الصِّفَاتِ مُشَبِّهًا . فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ ابْنَ كُلَّابٍ وَالْأَشْعَرِيَّ وَغَيْرَهُمَا ذَكَرَا أَنَّ نَفْيَ كَوْنِهِ نُورًا فِي نَفْسِهِ هُوَ قَوْلُ الجهمية وَالْمُعْتَزِلَةِ وَأَنَّهُمَا أَثْبَتَا أَنَّهُ نُورٌ وَقَرَّرَا ذَلِكَ هُمَا وَأَكَابِرُ أَصْحَابِهِمَا فَكَيْفَ بِأَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ . وَأَوَّلُ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَبِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ أَجَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ الَّذِي عَارَضَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ } . فَأَخْبَرَ أَنَّهُ حُجِبَ عَنْ الْمَخْلُوقَاتِ بِحِجَابِهِ النُّورِ أَنْ تُدْرِكَهَا سُبُحَاتُ وَجْهِهِ وَأَنَّهُ لَوْ كَشَفَ ذَلِكَ الْحِجَابَ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ فَهَذَا الْحِجَابُ عَنْ إحْرَاقِ السُّبُحَات يُبَيِّنُ مَا يَرِدُ فِي هَذَا الْمَقَامِ . وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَتِهِ الْأُخْرَى فَمَعْنَاهُ بَعْضُ الْأَنْوَارِ الْحِسِّيَّةِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ كَلَامِ الْعَارِفِينَ ؛ فَهُوَ بَعْضُ مَعَانِي هِدَايَتِهِ لِعِبَادِهِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَنْوِيعُ بَعْضِ الْأَنْوَاعِ بِحَسَبِ حَاجَةِ الْمُخَاطَبِينَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَادَةِ السَّلَفِ أَنْ يُفَسِّرُوهَا بِذِكْرِ بَعْضِ الْأَنْوَاعِ يَقَعُ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لِحَاجَةِ الْمُخَاطَبِينَ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ وَالتَّحْدِيدِ . فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَ مِنْ الْأَقْوَالِ يَرْجِعُ إلَى مَعْنَيَيْنِ مِنْ مَعَانِي كَوْنِهِ نُورَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِنُورِ .

    سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رُكْنُ الشَّرِيعَةِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ تيمية " - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ : - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا } هَلْ الِاسْتِوَاءُ وَالنُّزُولُ حَقِيقَةً أَمْ لَا ؟ وَمَا مَعْنَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً ؟ وَهَلْ الْحَقِيقَةُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ كَمَا يَقُولُهُ الْأُصُولِيُّونَ أَمْ لَا ؟ وَمَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ آيَاتِ الصِّفَاتِ حَقِيقَةً ؟ .
    الْجَوَابُ
    فَأَجَابَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . الْقَوْلُ فِي الِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ كَالْقَوْلِ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ بِهَا نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى " سَمَّى نَفْسَهُ بِأَسْمَاءِ وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِصِفَاتِ " سَمَّا نَفْسَهُ : حَيًّا عَلِيمًا حَكِيمًا قَدِيرًا سَمِيعًا بَصِيرًا غَفُورًا رَحِيمًا إلَى سَائِرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى } وَقَالَ : { وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } وَقَالَ : { إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } وَقَالَ : { وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ } أَيْ بِقُوَّةِ وَقَالَ : { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } . وَقَالَ عَنْ مَلَائِكَتِهِ : { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا } وَقَالَ : { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } وَقَالَ : { وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ } وَقَالَ : { وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ } وَقَالَ : { سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } وَقَالَ تَعَالَى : { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } وَقَالَ : { مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ } وَقَالَ : { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا } وَقَالَ : { إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } وَقَالَ : { وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } وَقَالَ : { مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } وَقَالَ تَعَالَى : { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } وَقَالَ تَعَالَى : { هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } . وَأَمْثَالُ ذَلِكَ ؛ فَالْقَوْلُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي بَعْضٍ . وَمَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ ؛ وَلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ . فَلَا يَجُوزُ نَفْيُ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ ؛ وَلَا يَجُوزُ تَمْثِيلُهَا بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ ؛ بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ . وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ الخزاعي : مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَقَدْ كَفَرَ وَمَنْ جَحَدَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ كَفَرَ وَلَيْسَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ وَرَسُولُهُ تَشْبِيهًا . وَمَذْهَبُ السَّلَفِ بَيْنَ مَذْهَبَيْنِ وَهُدًى بَيْنَ ضلالتين : إثْبَاتُ الصِّفَاتِ وَنَفْيُ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ ؛ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } رَدٌّ عَلَى أَهْلِ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ . وَقَوْلُهُ : { وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } - رَدٌّ عَلَى أَهْلِ النَّفْيِ وَالتَّعْطِيلِ فَالْمُمَثِّلُ أَعْشَى وَالْمُعَطِّلُ أَعْمَى : الْمُمَثِّلُ يَعْبُدُ صَنَمًا وَالْمُعَطِّلُ يَعْبُدُ عَدَمًا . وَقَدْ اتَّفَقَ جَمِيعُ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ حَيٌّ حَقِيقَةً عَلِيمٌ حَقِيقَةً قَدِيرٌ حَقِيقَةً سَمِيعٌ حَقِيقَةً بَصِيرٌ حَقِيقَةً مُرِيدٌ حَقِيقَةً مُتَكَلِّمٌ حَقِيقَةً ؛ حَتَّى الْمُعْتَزِلَةُ النفاة لِلصِّفَاتِ قَالُوا : إنَّ اللَّهَ مُتَكَلِّمٌ حَقِيقَةً ؛ كَمَا قَالُوا - مَعَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ - إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَقِيقَةً قَدِيرٌ حَقِيقَةً ؛ بَلْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ كَأَبِي الْعَبَّاسِ الناشي إلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ حَقِيقَةٌ لِلَّهِ مَجَازٌ لِلْخَلْقِ . وَأَمَّا جُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ مَعَ الْمُتَكَلِّمَةِ الصفاتية - مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ الكلابية والكرامية والسالمية وَأَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةِ - فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ حَقِيقَةٌ لِلْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ؛ وَإِنْ كَانَتْ تُطْلَقُ عَلَى خَلْقِهِ حَقِيقَةً أَيْضًا . وَيَقُولُونَ : إنَّ لَهُ عِلْمًا حَقِيقَةً وَقُدْرَةً حَقِيقَةً وَسَمْعًا حَقِيقَةً وَبَصَرًا حَقِيقَةً . وَإِنَّمَا يُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ حَقِيقَةً النفاة مِنْ الْقَرَامِطَةِ الإسماعيلية الْبَاطِنِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ الَّذِينَ يَنْفُونَ عَنْ اللَّهِ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى وَيَقُولُونَ : لَيْسَ بِحَيِّ وَلَا عَالِمٍ وَلَا جَاهِلٍ وَلَا قَادِرٍ وَلَا عَاجِزٍ وَلَا مَوْجُودٍ وَلَا مَعْدُومٍ ؛ فَهَؤُلَاءِ وَمَنْ ضَاهَاهُمْ يَنْفُونَ أَنْ تَكُونَ لَهُ حَقِيقَةً ثُمَّ يَقُولُ بَعْضُهُمْ : إنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ لِبَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا . وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُسَمِّيهِمْ الْمُسْلِمُونَ الْمَلَاحِدَةَ ؛ لِأَنَّهُمْ أَلْحَدُوا فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } وَقَالَ تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا } وَهَؤُلَاءِ شَرٌّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا } وَقَالَ تَعَالَى : { كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ } . فَإِنَّ أُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ إنَّمَا أَنْكَرُوا اسْمَ الرَّحْمَنِ فَقَطْ وَهُمْ لَا يُنْكِرُونَ أَسْمَاءَ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ ؛ وَلِهَذَا كَانُوا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَكْفَرَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى . وَلَوْ كَانَتْ أَسْمَاءُ اللَّهِ وَصِفَاتُهُ مَجَازًا يَصِحُّ نَفْيُهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ؛ لَكَانَ يَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِحَيِّ وَلَا عَلِيمٍ وَلَا قَدِيرٍ وَلَا سَمِيعٍ وَلَا بَصِيرٍ وَلَا يُحِبُّهُمْ وَلَا يُحِبُّونَهُ وَلَا اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ؛ وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَمَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إطْلَاقُ النَّفْيِ عَلَى مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتِ ؛ بَلْ هَذَا جَحْدٌ لِلْخَالِقِ وَتَمْثِيلٌ لَهُ بِالْمَعْدُومَاتِ وَقَدْ قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ كُلِّهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِيمَانِ بِهَا وَحَمْلِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ ؛ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يُكَيِّفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . وَلَا يَحُدُّونَ فِيهِ صِفَةً مَحْصُورَةً وَأَمَّا " أَهْلُ الْبِدَعِ " مَنْ الجهمية وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ فَيُنْكِرُونَهَا وَلَا يَحْمِلُونَهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِهَا مُشَبِّهٌ وَهُمْ عِنْدَ مَنْ أَقَرَّ بِهَا نَافُونَ لِلْمَعْبُودِ لَا مُثْبِتُونَ . وَالْحَقُّ فِيمَا قَالَهُ الْقَائِلُونَ بِمَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَهُمْ وَأَئِمَّةُ الْجَمَاعَةِ . وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ هُوَ فِي بَعْضِ مَا يَنْفُونَهُ مِنْ الصِّفَاتِ وَأَمَّا فِيمَا يُثْبِتُونَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ كَالْحَيِّ وَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالْمُتَكَلِّمِ فَهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ وَمَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ حَقِيقَةً إنَّمَا أَنْكَرَهُ لِجَهْلِهِ مُسَمَّى الْحَقِيقَةِ أَوْ لِكُفْرِهِ وَتَعْطِيلِهِ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَظُنُّ أَنَّ إطْلَاقَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَخْلُوقُ مُمَاثِلًا لِلْخَالِقِ فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا بَاطِلٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً وَالْعَبْدَ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً ؛ وَلَيْسَ هَذَا مِثْلُ هَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى لَهُ ذَاتٌ حَقِيقَةً وَالْعَبْدُ لَهُ ذَاتٌ حَقِيقَةً وَلَيْسَ ذَاتُهُ كَذَوَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ . وَكَذَلِكَ لَهُ عِلْمٌ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ حَقِيقَةً وَلِلْعَبْدِ عِلْمٌ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ حَقِيقَةً ؛ وَلَيْسَ عِلْمُهُ وَسَمْعُهُ وَبَصَرُهُ مِثْلَ عِلْمِ اللَّهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَلِلَّهِ كَلَامٌ حَقِيقَةً وَلِلْعَبْدِ كَلَامٌ حَقِيقَةً ؛ وَلَيْسَ كَلَامُ الْخَالِقِ مِثْلَ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ . وَلِلَّهِ تَعَالَى اسْتِوَاءٌ عَلَى عَرْشِهِ حَقِيقَةً وَلِلْعَبْدِ اسْتِوَاءٌ عَلَى الْفُلْكِ حَقِيقَةً ؛ وَلَيْسَ اسْتِوَاءُ الْخَالِقِ كَاسْتِوَاءِ الْمَخْلُوقِينَ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى شَيْءٍ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ بَلْ هُوَ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ . وَاَللَّهُ تَعَالَى يَحْمِلُ الْعَرْشَ وَحَمَلَتَهُ بِقُدْرَتِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا . فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ قَوْلَ الْأَئِمَّةِ : إنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ حَقِيقَةً يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ اسْتِوَاؤُهُ مِثْلَ اسْتِوَاءِ الْعَبْدِ عَلَى الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ لَزِمَهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ : إنَّ اللَّهَ لَهُ عِلْمٌ حَقِيقَةً وَسَمْعٌ حَقِيقَةً وَبَصَرٌ حَقِيقَةً وَكَلَامٌ حَقِيقَةً يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ عِلْمُهُ وَسَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَكَلَامُهُ مِثْلَ الْمَخْلُوقِينَ وَسَمْعِهِمْ وَبَصَرِهِمْ وَكَلَامِهِمْ
    Last edited by ناصر99; 04-26-2008, 03:05 AM.
  • ذاالبجادين
    عضو
    • Apr 2008
    • 4

    #2
    جذاك الله خيرا علي هذا النقل المثري
    ونفعنا الله بعلم شيخ الإسلام ابن تيمية

    Comment

    • ذاالبجادين
      عضو
      • Apr 2008
      • 4

      #3
      جذا الله شيخ الإسلام ابن تيمية عنا خير الجذاء

      أحب أن أضيف لكلام شيخ الإسلام ما يخص هذا الموضوع الهام:

      قال شيخ الإسلام ابن تيمية فى الفتاوى الكبري جذء 2 صفحة رقم 29
      "فَإِنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ : مَا اسْمُ مَعْبُودِكُمْ ؟ فَقُلْنَا : اللَّهُ . فَالْمُرَادُ أَنَّ اسْمَهُ هُوَ هَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ اسْمَهُ هُوَ ذَاتُهُ وَعَيْنُهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ إنَّمَا سَأَلَ عَنْ اسْمِهِ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ نَفْسِهِ ؛ فَكَانَ الْجَوَابُ بِذِكْرِ اسْمِهِ . وَإِذَا قَالَ : مَا مَعْبُودُكُمْ ؟ فَقُلْنَا اللَّهُ : فَالْمُرَادُ هُنَاكَ الْمُسَمَّى ؛ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَعْبُودَ هُوَ الْقَوْلُ فَلَمَّا اخْتَلَفَ السُّؤَالُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ اخْتَلَفَ الْمَقْصُودُ بِالْجَوَابِ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَالَ اللَّهُ لَكِنَّهُ فِي أَحَدِهِمَا أُرِيدَ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي هُوَ مِنْ الْكَلَامِ وَفِي الْآخَرِ أُرِيدَ بِهِ الْمُسَمَّى بِهَذَا الْقَوْلِ . كَمَا إذَا قِيلَ : مَا اسْمُ فُلَانٍ ؟ فَقِيلَ : زَيْدٌ أَوْ عُمَرُ فَالْمُرَادُ هُوَ الْقَوْلُ . وَإِذَا قَالَ : مَنْ أَمِيرُكُمْ أَوْ مَنْ أَنْكَحْت ؟ فَقِيلَ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو فَالْمُرَادُ بِهِ الشَّخْصُ فَكَيْفَ يُجْعَلُ الْمَقْصُودُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدًا . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ نَفْسُهُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى . وَمِنْهَا اسْمُهُ اللَّهُ . كَمَا قَالَ : { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } فَاَلَّذِي لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى هُوَ الْمُسَمَّى بِهَا ؛ وَلِهَذَا كَانَ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَد أَنَّ هَذَا الِاسْمَ مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى ؛ وَتَارَةً يَقُولُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى لَهُ أَيْ الْمُسَمَّى لَيْسَ مِنْ الْأَسْمَاءِ ؛ وَلِهَذَا فِي قَوْلِهِ { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } لَمْ يَقْصِدْ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ؛ بَلْ قَصَدَ أَنَّ الْمُسَمَّى لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ."

      Comment

      Working...