الدين والسياسة (تأصيل ورد شبهات)

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • فخر الدين المناظر
    محاور - رحمه الله
    • Mar 2006
    • 1636

    #16
    الباب الرابع


    الفصل الأول

    العلمانية: هل هي الحل أو هي المشكلة؟


    نخصص هذا الفصل لمناقشة بعض اللبراليين الجدد: الذين يدّعون أن العلمانية هي الحل!

    والعلمانية: فكرة جديدة – أو قُل: دخيلة - على المجتمعات الإسلامية! لم يعرفها المسلمون طوال تاريخهم المديد... ومعنى العلمانية: فصل الدين عن المجتمع والدولة. فهي فكرة غريبة لحما ودما.

    وقد تحدثنا عن العلمانية في عدد من كتبنا، منها ما سجلته في سلسلةحتمية الحل الإسلامي) ولا سيما في الجزء الأول منها الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا)، ومنها الجزء الثالث بيّنات الحل الإسلامي وشبهات العلمانيين والمتغربين)، ومنها الجزء الرابعأعداء الحل الإسلامي) ومنهم: عبيد الفكر الغربي، والعلمانيون في طليعتهم.

    كما ألفت في مناظرة العلمانيين كتابيالإسلام والعلمانية وجها لوجه)، وكتابي الآخرالتطرف العلماني ومواجهة الإسلام: نموذج تركيا وتونس).

    وفي هذه الكتب كلها؛ بينت نشأة هذه العلمانية في أوربا، وأنها كانت ضرورة لا بد منها لإنجاح مسيرة التحرر والتقدم للنهضة الأوربية.

    دعوى بعض الحداثيين والليبراليين الجدد: أن العلمانية هي الحل أو هي العلاج الكافي، والدواء الشافي، لمعضلات مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وليس (الإسلام هو الحل) كما تنادي بذلك تيارات ضخمة في أوطاننا، فهذه دعوى متهافتة، ويكفي أنها مرفوضة من أغلبية الأمة، التي ترى فيها عدوانا على شريعتها، ومناقضة لمسلماتها.

    كما ترى أنها دعوى دخيلة عليها، ليس بها حاجة إليها، إنما قامت العلمانية في الغرب لأسباب تاريخية معروفة، تتمثل في تحكُّم الكنيسة الغربية ورجالها في الدولة، وفي حياة الناس، وتسلطها عليهم في الأرض باسم السماء، وليس من حق أحد أن يحاسبهم أو ينتقدهم، فلهم من (القداسة) ما يحول دون ذلك.

    وعندما ضاق الناس ذرعًا بذلك، وبدأ عصر التنوير، ثار الناس على جمود الكنيسة وطغيانها، ومحاكم تفتيشها وما اقترفت من مظالم وجرائم في حق العلم والعلماء. ووقوفها مع الملوك ضد الشعوب، ومع الإقطاعيين ضد الفلاحين، ومع الخرافات ضد العلم، ومع الظلام ضد النور، وأسقطوا حكم الكنيسة الذي كان يحكم تحت غطاء الدِّين، وكان هذا أمرا لا بد أن يحدث، لأنه يتماشى مع سنن الله في الكون والمجتمع.

    نحن في الإسلام ليس لدينا كنيسة، ولا سلطة دينية كهنوتية، ولا كاهن يتحكم في ضمائر الناس، ويحتكر الوساطة بيننا وبين ربنا، بل ليس عندنا طبقة كهنوتية تسمى (رجال الدِّين) يجب أن نذهب إليهم إذا أذنبنا، ونعترف لهم بما اقترفنا، ونلتمس منهم الغفران لخطايانا، وإلا هلكنا! بل المقرَّر عندنا أن كل الناس رجال لدينهم. عندنا فقط علماء يخدمون الدِّين بما تعلموه وفقهوه. كما قال الله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122].

    لا حاجة لنا إذن إلى العلمانية التي تعني تاريخيا: التحرُّر من سلطان الكنيسة، التي لا وجود لها عندنا.

    العلمانية كانت (حلاًّ) لمشكلة المجتمع الأوربي، وكانت ضرورة ليصل إلى التحرُّر المنشود. ولكنها عندنا ليست ضرورة، بل ضررا، وليست حلا بل مشكلة.

    وقد ناقشت قضية (العلمانية) وصلتها بالإسلام في أكثر من كتاب لي، منها: (الإسلام والعلمانية وجها لوجه) و(التطرف العلماني في مواجهة الإسلام) و(بينات الحل الإسلامي وشبهات العلمانيين والمتغربين). ولا أريد أن أعيد بحثها هنا اليوم. فمن أراد فليرجع إلى هذه الكتب.

    ولكني أكتفي هنا ببعض النقول من مفكرَين مدنيَّين ليسا محسوبين على علماء الدِّين، حتى يتهموا بالتعصب والانغلاق، ومعاداة الغرب ... إلخ.

    الجابري يقول: العلمانية في العالم العربي مسألة مزيفة:

    يسرني أولا أن أنقل هنا: ما كتبه المفكر المغربي د. محمد عابد الجابري عن (العلمانية) أو (اللائكية) التي يطرحها بعضهم كمرتكز للتغيير والإصلاح في وطننا العربي، ويرى الجابري: أن العلمانية طرحت في بعض المراحل لأسباب لم تعد قائمة اليوم. فقد طالب بها نصارى الشام حين أرادوا الاستقلال عن الدولة العثمانية. فعبروا بذلك عن إرادتهم الاستقلال عن الترك.

    وحين تبنى الفكر القومي العربي شعار العلمانية: كانت دلالته ملتبسة بمضمون شعار الاستقلال والوحدة. ذلك باختصار هو الإطار الأصلي الذي طرح فيه شعار العلمانية في بلاد الشام (سورية الكبرى).

    ولا بد من ملاحظة أن هذا الشعار لم يرفع قط في بلدان المغرب العربي، ولا في بلدان الجزيرة، ولربما لم يرفع بمثل هذه الحدة في مصر نفسها حيث توجد أقلية قبطية مهمة ... وعندما استقلت الأقطار العربية، وبدأ التنظير لفكرة العروبة و(القومية العربية)، طرح شعار (العلمانية) من جديد، وخصوصًا في الأقطار العربية التي توجد فيها أقليات دينية (مسيحية بصفة خاصة).

    وهذا الطرح كان يبرِّره شعور هذه الأقليات بأن الدولة العربية الواحدة التي تنادي بها القومية العربية ستكون الأغلبية الساحقة فيها من المسلمين، الشيء الذي قد يفرز من جديد وضعا شبيهًا بالوضع الذي كان قائما خلال الحكم العثماني. وإذن فالدلالة الحقيقية لشعار (العلمانية)، في هذا الإطار الجديد، إطار التنظير لدولة الوحدة كانت مرتبطة ارتباطا عضويا بمشكلة حقوق الأقليات الدِّينية، وبكيفية خاصة حقها في أن لا تكون محكومة بدين الأغلبية، وبالتالي فـ(العلمانية) على هذا الاعتبار كانت تعني بناء الدولة على أساس ديمقراطي عقلاني وليس على أساس الهيمنة الدِّينية. وفي خضم الجدل السياسي الأيديولوجي بين الأحزاب والتيارات الفكرية، عبَّر بعضهم عن هذا المعنى بعبارة (فصل الدِّين عن الدولة)، وهي عبارة غير مستساغة إطلاقا في مجتمع إسلامي، لأنه لا معنى في الإسلام لإقامة التعارض بين الدِّين والدولة. إن هذا التعارض لا يكون له معنى إلا حيث يتولى أمور الدِّين هيئة منظمة تدَّعي لنفسها الحق في ممارسة سلطة روحية على الناس، في مقابل سلطة زمنية تمارسها الهيئة السياسية: الدولة.

    ثم يقول الجابري: مسألة (العلمانية) في العالم العربي مسألة مزيفة، بمعنى أنها تعبر عن حاجات بمضامين غير متطابقة مع تلك الحاجات: إن الحاجة إلى الاستقلال في إطار هوية قومية واحدة، والحاجة إلى الديمقراطية التي تحترم حقوق الأقليات، والحاجة إلى الممارسة العقلانية للسياسة، هي حاجات موضوعية فعلا، إنها مطالب معقولة وضرورية في عالمنا العربي، ولكنها تفقد معقوليتها وضروريتها، بل مشروعيتها عندما يعبَّر عنها بشعار ملتبس كشعار (العلمانية).

    وما نريد أن نخلص إليه هو: أن الفكر العربي مطالب بمراجعة مفاهيمه، بتدقيقها وجعل مضامينها مطابقة للحاجات الموضوعية المطروحة. وفي رأيي: أنه من الواجب استبعاد شعار العلمانية من قاموس الفكر العربي وتعويضه بشعاري (الديمقراطية) و(العقلانية)، فهما اللذان يعبران تعبيرا مطابقا عن حاجات المجتمع العربي: الديمقراطية تعني حفظ الحقوق: حقوق الأفراد وحقوق الجماعات، والعقلانية تعني: الصدور في الممارسة السياسية عن العقل ومعاييره المنطقية والأخلاقية، وليس عن الهوى والتعصب وتقلبات المزاج.

    هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنه لا الديمقراطية، ولا العقلانية، تعنيان بصورة من الصور: استبعاد الإسلام، كلا. إن الأخذ بالمعطيات الموضوعية وحدها يقتضي منا القول: إنه إذا كان العرب هم (مادة الإسلام) حقًا، فإن الإسلام هو روح العرب. ومن هنا ضرورة اعتبار الإسلام مقوِّمًا أساسيًّا للوجود العربي: الإسلام الروحي بالنسبة للعرب المسلمين، والإسلام الحضاري بالنسبة للعرب جميعًا مسلمين وغير مسلمين.

    إعادة تأسيس الفكر القومي على مبدأي الديمقراطية والعقلانية، بدل مبدأ العلمانية، وإحلال الإسلام المكانة التي يجب أن يحتلها في النظرية والممارسة، تلك من جملة الأسس التي يجب أن تنطلق منها عملية إعادة بناء الفكر القومي العربي، الفكر الذي يرفع شعار الوحدة العربية والوطن العربي الواحد من المحيط إلى الخليج[1] اهـ.

    أبو المجد ينادي بإسقاط الدعوة إلى (العلمانية):

    وما نادي به المفكر المغربي الدكتور الجابري من وجوب استبعاد شعار العلمانية من قاموس الفكر العربي المعاصر، نادى به كذلك من قِبَل مفكر مصري، هو الدكتور أحمد كمال أبو المجد، وذلك في ورقته التي قدمها في ندوة (الإسلام والقومية العربية)، التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالقاهرة، والتي شارك فيها عدد لا بأس به من الباحثين والمفكرين العرب من القوميين والإسلاميين.

    قال أبو المجد:

    (والقوميون العرب مطالبون فوق ذلك بإسقاط الدعوة إلى (علمنة القومية) وموضوع (العلمانية) موضوع دقيق ويحتاج إلى دراسة مستقلة. والعلمانية مصطلح نلح بشدة على تغييره والعدول عنه، لشدة غموضه أولًا، ولاشتماله على إيحاءات غير صحيحة تتعلَّق بالتقابل والتناقض بين الدِّين والعلم.

    إن (العلمانية) تحمل في الواقع سلسلة من المعاني والمبادئ لعل من أهمها:

    1. نفي الصفة الدِّينية عن السلطة السياسية في الدولة.

    2. الفصل بين الدِّين والدولة.

    ويجمع البعض هذين العنصرين في عبارة واحدة هي: (حياد الدولة تجاه الدِّين، كل دين، بحيث لا تلزم الدولة نفسها بأي معتقد ديني أو دين، ولا تخص أي دين باعتراف خاص به أو بعطف خاص به)[2].

    3. المساواة بين أتباع الأديان في المعاملة السياسية والإدارية والاجتماعية.

    4. تطوير الأوضاع والأنظمة الاجتماعية على أساس عقلاني مستمد من التجربة والنظر العقلي، بعيدا عن النصوص والمبادئ الدِّينية.

    إن فيما يسمى العلمانية عناصر لا نعتقد أنها تتعارض بالضرورة مع الإسلام، كاعتبار السلطة السياسية ذات أساس مدني مستمد من رضا المحكومين، ونفي الصفة الثيوقراطية عنها. وكالتسليم بحق أتباع الديانات المختلفة في ممارسة شعائرهم الدِّينية بحرية، إلا إذا صادمت ما يعرف بالنظام العام والآداب العامة. وهي فكرة ترتبط (بالدولة) ولا ترتبط (بالإسلام) ...

    أما قضية فصل الدِّين عن الدولة، بمعنى إقصاء الدِّين عن أن يكون له دور في تنظيم أمور المجتمع، فإنها المكوِّن الرئيسي من مكونات (العلمانية) الذي لا يسع مسلما قبوله.

    ودون توسع في عرض هذه المشكلة: نلاحظ مع كثير من الباحثين: أن الدعوة إلى (العلمانية) في إطار التوجه القومي، تخلق من المشاكل والصعاب أكثر كثيرا مما تحل وتحسم. إنها في الحقيقة تلبي حاجة واحدة، هي حاجة الأقليات المسيحية في الوطن العربي للشعور بالاطمئنان، وبالمساواة داخل المجتمع العربي المسلم، ولكنها:

    أولاً: لا تنشئ موقفا حياديًا بين الأديان. إذ هي من وجهة نظر المسيحية تتفق تماما مع قاعدة (أعطوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر) ... ولكنها تضع العربي المسلم في تناقض مع شمول الإسلام وتنظيمه الواضح -إجمالاً وتفصيلا- لأمور المجتمع. وبذلك تكون الدعوة إلى العلمانية -في الواقع- منحازة لرؤية الأقلية الدِّينية على حساب رؤية الأغلبية.

    ثانيًا: إنها تستعير صيغة مستمدة من تاريخ الصراع بين الكنيسة والدولة في أوربا وتحاول فرضها على مجتمع لا يعرف تاريخه صراعا مشابها.

    إن الدعوة إلى (علمنة) القومية ... وعلمنة (الدولة) في هذا الوقت بالذات، مسلك بعيد تمامًا عن الحكمة، ما دام مصطلح (العلمنة، والعلمانية) يحمل في ثناياه هذه المكونات التي يتعارض بعضها مع أساسيات التصور الإسلامي العام.

    إن إيجاد المخرج النفسي والاجتماعي للأقليات المسيحية في المجتمعات العربية لا يجوز أبدًا أن يتم من خلال صيغة تحمل كل هذه المحاذير، وتهدد بوضع التوجه القومي كله في صراع مع التوجه الإسلامي، الذي تتعاظم موجته، ويزداد أنصاره عددًا وقوة.

    إن ملف (العلمانية) ينبغي أن يفتح، ومكوناتها تحتاج إلى تحديد وإعادة نظر، واستعمالها كمصطلح، والدعوة إليها: يحسن -فيما نرى- أن تتوقف)[3].

    وبهذا اتفقت دعوة أبو المجد في المشرق، ودعوة الجابري في المغرب، على استبعاد شعار العلمانية من قاموس دعاة العروبة، لأنه يهدم أكثر مما يبني، ويثير من الإشكالات أكثر مما يقدم من حلول. ثم هو مرفوض أصلا من أغلبية الأمة، التي تراه متعارضا مع دينها وتراثها.

    العقلانية والديمقراطية تتفقان مع جوهر الإسلام

    رأينا اتفاق الدكتور أحمد كمال أبو المجد من المشرق العربي، والدكتور محمد عابد الجابري من المغرب العربي، على ضرورة تخلي دعاة القومية عن شعار العلمانية، الذي لم يعد له مبرِّر في حياتنا الحاضرة، ودعا كل منهما إلى ضرورة التنادي بأمرين أساسيين، لا تستطيع الأمة أن تنهض وتتقدم بغيرهما، وهما: العقلانية والديمقراطية.

    وأنا أؤيدهما في هذه الدعوة المخلصة، بشرط أن نفسر بجلاء المقصود من كل منهما.

    فما المراد بـ(العقلانية)؟ وما المراد بـ(الديمقراطية)؟

    العقلانية المنشودة:

    أما (العقلانية) فنحن نرحب بها، لكن هذه المصطلحات باتت لها (مفهومات) عند الغربيين، تختلف كثيرًا أو قليلاً عما ندركه نحن منها.

    فالعقلانية عند الغربيين: اتجاه أو مذهب يعتمد على العقل وحده في فَهم الكون والإنسان والحياة في مقابل (الحسِّ) أو (التَّجرِبة)، فالعقليون لهم وجهتهم وطريقهم، والتجريبيون لهم وجهتهم وطريقهم.

    وقد يكون هذا الاتجاه أو هذا المذهب في مقابلة الذين يعتمدون على مصادر أخرى، مثل الوحي عند الكتابيين (اليهود والنصارى والمسلمين)، ومثل الذين يعتمدون على الإلهام والذوق من الصوفية، والباطنية وغيرهم. فالعقلانية هنا تعني: المادية والحسية.

    وقد تستعمل العقلانية في المذهب الذي يرى أنه لا يجوز الوثوق إلا بالعقل، ولا يجوز التسليم إلا بما يعترف به العقل بأنه منطقي وكاف وفقا للنور الطبيعي (الفطري). وهذا ما يقول به الدِّينيون، فلا يرون تعارضا بين العقل والوحي إذا ثبت الوحي بطريق النقل بصفة قطعية. وهنا يعطي فسحة للروح والحدس والشعور، أي للصوفية[4].

    وقد تستخدم (العقلانية) في مقابلة الاتجاه إلى تصديق الخرافات والأوهام والشعوذة، وهذا ما يرحب به كل مؤمن وكل عاقل.

    وإذا نظرنا إلى العقلانية عندنا -نحن العرب والمسلمين- نجد أن هذا اللفظ من الناحية اللغوية يسمى (مصدرًا صناعيًا) منسوبا إلى العقل، زيدت فيه الألف والنون، كما زيدت في نحو الربانية، نسبة إلى الرب، والروحانية نسبة إلى الروح.

    ولم يستخدم هذا التعبير ( العقلانية) - فيما أعلم- في تراثنا، ولكن الاتجاه العقلي -بصفة عامة- معروف في تراث الأمة، عُرف به الفلاسفة، وعُرف به علماء الكلام عامة، والمعتزلة منهم خاصة.

    وهناك فرق كبير بين الفلاسفة والمتكلمين -ومنهم المعتزلة- فالفلاسفة ينطلقون من مجرد العقل، والمتكلمون ينطلقون من العقل المؤمن بالدِّين.

    على أن قولنا: أن الفلاسفة ينطلقون من مجرد العقل، قد يُعترض عليه معترضون كثيرون، فإنهم ينطلقون من العقل المؤمن بالفلسفة اليونانية، ولا سيما فلسفة أرسطو طاليس، الذي سمَّوه المعلم الأول، وأضفوا على مقولاته هالة من التقديس، حتى إذا تعارض مع قواطع القرآن؛ أولوا القرآن ليتفق مع ما قرره أرسطو، فكان أرسطو هو الأصل، والقرآن تابع!!

    على أن مجال العقل في تراثنا مجال واسع، فالمتكلمون -حتى الأشاعرة والماتريدية منهم- يعتبرون العقل أساس النقل، فلولا العقل ما قام النقل ولا ثبت الوحي، ولا تأسَّس الدين. فبالعقل ثبتت أعظم قضيتين في الدِّين: قضية وجود الله تعالى، وقضية إثبات النبوة، فإثبات النبوة لا يتمُّ إلا بالعقل عن طريق الآيات البينات، التي يؤيد الله بها رسله، ومنها: المعجزة. فالعقل هو الأداة الوحيدة لإثبات الوحي، أو نبوة النبي، فإذا أثبت العقل النبوة بطريق قطعي: عزل العقل نفسه – كما يقول الإمام الغزالي – ليتلقى بعد ذلك عن الوحي، ويقول: سمعنا وأطعنا.

    والله سبحانه قد دلَّنا على نفسه بما بثَّ من آيات دالة في الأنفس والآفاق، ولا زال يُري خلقه من هذه الآيات ما يبهر العقول، ويبيِّن الحق: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:53].

    ولا تجد كتابا دينيا -غير القرآن- كرَّم العقل، وأشاد به، وحضَّ على الرجوع إليه، وذمَّ الذين يعطلونه بالجمود أو التقليد، أو اتباع الظنون والأهواء. كما حفل بكل المفردات من (عائلة العقل) مثل: التفكُّر والنظر والتدبُّر والاعتبار، والبرهان والحجَّة والحكمة والتعلُّم والتفقُّه والتذكُّر.

    وإن كان مما يؤسف له: أن كثيرا من المسلمين في عالم اليوم غيَّبوا عقولهم، واستسلموا للأوهام أو الجهالات، أو ألقَوا عقولهم وغدَوا يفكرون بعقول الموتى.

    والعقلانية التي ننشدها لا تحتاج إلى تفلسف ولا معاناة في تعريفها. إنها ببساطة تعني: أن نعتمد على عقولنا في تسخير قوى الكون لصالحنا، والانتفاع بخيراته للنهوض بأمتنا، والخروج بها من سجن التخلف إلى باحة التقدم، واستخدام طاقات العلم ووثباته الهائلة، وثوراته الكبرى في خدمة أمتنا خاصة، والإنسانية عامة. وأن تكون هذه منهجية الأمة في تعليمها وثقافتها وإعلامها.

    وليس هذا جديدا على أمتنا، فقد شادت حضارة شامخة جمعت بين العلم والإيمان، وبين الإبداع المادي والسمو الروحي والأخلاقي، ولم يعرف في تاريخها صراع بين الدِّين العلم، بل كان الدِّين عندها علما، والعلم عندها دينا.

    وقد شارك رجال كبار من علماء الدِّين في علوم الكون والطبيعة مثل: ابن رشد الحفيد، والفخر الرازي، وابن النفيس، وغيرهم.

    وليس هذا بغريب على أمة يجعل دينها التفكير فريضة، والنظر في آيات الله في الآفاق والأنفس عبادة، ويعمل قرآنه على إنشاء العقلية العلمية، ويرفض الظن والهوى والتقليد في تأسيس الحقائق، وينادي بإقامة البرهان في كل دعوى[5]. ويرى علماء الشريعة فيه: أن إتقان علوم الدنيا فرض كفاية على الأمة في مجموعها، مثل علوم الدِّين. فإن وجد بها عدد كاف في كل علم ديني أو دنيوي، يلبي الحاجة، ويغطي مطالب الخَلق، فقد رفع عنها الإثم والحرج، وإلا باءت الأمة كلها بالإثم.

    سيادة الروح العلمية:

    لقد كان مما عبته على الصحوة الإسلامية المعاصرة: غلبة العاطفة والغوغائية على كثير من فصائلها، وتغييب العقلانية والعلمية عنها. وقد كان من أبرز ما ناديت به لكي تنتقل الصحوة من المراهقة إلى الرشد: أن تنتقل من العاطفية والارتجالية إلى العقلانية والعلمية. ومما ركَّزت عليه في هذا المقام:

    تأكيد ما ذكرته من قديم في كتابي: (الحل الإسلامي فريضة وضرورة) وبعد ذلك في كتابي: (أولويات الحركة الإسلامية) في فصل (فكر علمي) وهو: أن يسود (التفكير العلمي) و(الروح العلمية) مسيرتنا كلها.

    نريد أن يسود: (التفكير العلمي)، وتسود (الروح العلمية): كل علاقاتنا ومواقفنا وشؤون حياتنا، بحيث ننظر إلى الأشياء والأشخاص والأعمال، والقضايا والمواقف: (نظرة علمية)، ونصدر قراراتنا الاستراتيجية والتكتكية، في الاقتصاد والسياسة والتعليم وغيرها: بعقلية علمية، وبروح علمية، بعيدًا عن الارتجالية، والذاتية، والانفعالية، والعاطفية، والغوغائية، والتحكمية، والتبريرية: التي تسود مناخنا اليوم، وتصبغ تصرفاتنا إلى حد بعيد. فمن سلم من أصحاب القرار من اتِّباع هواه الشخصي، أو هوى فئته وحزبه: كان أكبر همه اتِّباع ما يرضي أهواء الجماهير، لا ما يحقِّق مصالحها، ويؤمِّن مستقبلها، في وطنها الصغير، ووطنها الكبير، والأكبر.

    و(للروح العلمية) دلائل ومظاهر أو سمات، كنت أشرت إليها، أو إلى أهمها في كتابي: (الحل الإسلامي فريضة وضرورة)، في مجال (النقد الذاتي) للحركة الإسلامية، يحسن بي أن أُذكِّر بها هنا، في مجال تأكيد حاجة الأمة إليها، وفي بعض الإعادة إفادة.

    سمات الروح العلمية المطلوبة:

    أبرز هذه السمات:

    1. النظرة الموضوعية: إلى المواقف والأشياء، والأقوال، بغضِّ النظر عن الأشخاص، كما قال علي بن أبي طالب: لا تعرف الحق بالرجال، أعرف الحق تعرف أهله[6].

    2. احترام الاختصاصات، كما قال القرآن: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43، الأنبياء:7]، فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً [الفرقان:59]، وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:14]. فللدِّين أهله، وللاقتصاد أهله، وللعسكرية أهلها، ولكل فن رجاله، وخاصة في عصرنا، عصر التخصص الدقيق، أما الذي يعرف في الدِّين، والسياسة، والفنون، والشؤون الاقتصادية والعسكرية، ويفتي في كل شيء: فهو في حقيقته لا يعرف شيئا.

    3. القدرة على نقد الذات، والاعتراف بالخطأ، والاستفادة منه، وتقويم تجارب الماضي تقويما عادلاً، بعيدًا عن النظرة (المَنْقَبِيَّة): التي تنظر إلى الماضي عبى أنه كله مناقب وأمجاد! أو النظرة (التبريرية): التي تحاول أن تبرر كل خطأ أو انحراف، ولو بطريقة غير مقبولة، لا شرعا ولا وضعا.

    4. استخدام أحدث الأساليب وأقدرها على تحقيق الغاية، والاستفادة من تجارب الغير حتى الخصوم، فالحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها: فهو أحق الناس بها[7]. وبخاصة ما يتعلق بالوسائل والآليات، كالتقنيات ونحوها، فنحن في سَعَة من استخدامها: ما دامت تخدم مقاصدنا وغايتنا الشرعية.

    5. إخضاع كل شيء -فيما عدا المُسلَّمات الدِّينية والعقلية: للفحص والاختبار، والرضا بالنتائج: كانت للإنسان أو عليه.

    6. عدم التعجل في إصدار الأحكام والقرارات، وتبنِّي المواقف: إلا بعد دراسة متأنِّية مبنية على الاستقراء والإحصاء، وبعد حوار بنَّاء، تظهر معه المزايا، وتنكشف المآخذ والعيوب.

    7. تقدير وجهات النظر الأخرى، واحترام آراء المخالفين في القضايا ذات الوجوه المتعددة، في الفقه وغيره، ما دام لكل دليله ووجهته، وما دامت المسألة لم يثبت فيها نص حاسم يقطع النزاع، ومن المقرَّر عند علمائنا: أن لا إنكار في المسائل الاجتهادية، إذ لا فضل لمجتهد على آخر، ولا يمنع هذا من الحوار البنَّاء، والتحقيق العلمي النزيه: في ظل التسامح والحب.

    8. أن تتكون لدى أجيالنا خاصة: (العقلية العلمية)، التي حرصت تعاليم القرآن على إنشائها وتكوينها لدى المسلم. لا (العقلية العامية) الخرافية، التي تقبل كل ما يُلقى إليها، ولو كان من الأباطيل والأوهام[8].

    9. وإذا كانت العقلانية مطلوبة في فَهم الحياة وسننها، فهي مطلوبة كذلك في فَهم الدِّين وأحكامه، فليس هناك دين منطقي يقوم على مخاطبة العقل، ويعلل أحكامه وتشريعاته، وأوامره ونواهيه، كدين الإسلام. وهو لا يتعارض فيه نقل صحيح مع عقل صريح. وما ظنه بعض الناس كذلك فهو مرفوض، ولا بد أن يكون ما حسب من العقل ليس بعقل في الواقع، أو ما حسب من الدِّين ليس بدين في الحقيقة.

    وطالما نادينا علماء الأمة أن يركنوا إلى (فقه جديد) حثَّ عليه القرآن من قديم حين قال: قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ [الأنعام:98]، انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ [الأنعام:65]، ووصف القرآن الذين كفروا بأنهم: لا يَفْقَهُونَ [الأنفال:65]، كما وصف المنافقين بقوله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الحشر:13]. والمراد بهذا الفقه: فقه سنن الله في الكون والمجتمع، وآياته في الأنفس والآفاق.

    ونحن ندعو في فقه الدِّين فقها نيّرا صحيحا، إلى أنواع من الفقه لا بد منها، لتهتدي الأمة صراطا مستقيما.

    منها: فقه مقاصد الشريعة، وعدم الوقوف عند ظاهر النص وحرفيته، ووجوب الغوص على الحكم والأسرار التي هدف النص إلى تحقيقها بما فيها مصالح العباد في الدنيا والآخرة[9].

    ومنها: فقه المآلات، أي النتائج والآثار التي تترتب على الحكم أو التكليف، فقد ينتهي ذلك إلى المنع من أمر مباح، لما قد يؤدي إليه من مفسدة، كما يشير إليه قوله: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108].

    ومما نأسف له: أن هذا الفقه غاب عن بعض إخواننا من أهل العلم الشرعي، الذين شنوا عليَّ الغارة، حينما ذهبت مع وفد من العلماء والدعاة إلى دولة أفغانستان لمقابلة علماء (طالبان) لنقنعهم بترك تماثيل بوذا، التي صمموا على هدمها وإزالتها. وكان هدفنا: الدفاع عنهم قبل كل شيء، لا الدفاع عن التماثيل والأصنام، كما اتهمنا من اتهمنا بأننا جئنا لنحمي الأصنام، ولندافع عنها.

    ونحن لم يكن همنا إلا الدفاع عن إخواننا، الذين عاداهم أهل الغرب، فأردنا إلا يستعدوا عليهم أهل الشرق، من أتباع بوذا، وهم بمئات الملايين. ولا سيما أن هذه الأصنام كانت موجودة عند الفتح الإسلامي وبعده بقرون، فلم يفكر أحد في إزالتها، أو تشويهها، ويسعنا ما وسعهم.

    وقد اقترح بعض الصحابة على النبي : أن يقتل رأس النفاق في المدينة: عبد الله بن أُبَي ومن معه، ويستريح من شرهم وكيدهم، فكان جوابه: أخشى أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه!!

    أي أنه خشي من حملة إعلامية يقودها خصومه، تشوه ما فعله الرسول، وتصوره بصورة سيئة تخوِّف الناس من محمد الذي لا يأمن أحد على نفسه عنده حتى أصحابه.

    وهناك: فقه الموازانات، وفقه الأولويات، وفقه الاختلاف. وكلها ألوان ضرورية من الفقه المطلوب. وكلها توحي بتحرُّر الفكر الإسلامي والفقه الإسلامي من الجمود والتقليد، والتمسك بفتاوى وأحكام صنعها (العقل المسلم) لزمنه وبيئته وحل مشكلاته، فلم تعد تلزمنا اليوم، لتغير الزمان والمكان والإنسان.

    إن على الفقيه المسلم اليوم: أن ينظرفي الفقه الموروث[10] نظرة عميقة جديدة، ليتخير منه ما يلائم عصرنا ومحيطنا، ويعزل ما كان ابن مكانه وزمانه، وأن يقف مع الآراء المختلفة والمذاهب المتنوعة: وقفة الموازنة والمقارنة بين الأدلة: ليختار منها ما كان أقوم قيلا، وأهدى سبيلا، وأرجح دليلا، مراعيا مقاصد الشرع، ومصالح الخَلق، ولا يتعبد ببعض الأسماء والمصطلحات التي لم يعد لها قبول في عصرنا، مثل مصطلح (أهل الذمة) أو (الجزية) فالمدار على المسميات لا على الأسماء. وقد قال علماؤنا: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.

    ولننظر فيما سماه الأقدمون (جهاد الطلب) وهو يقوم على التوسع والتوغل في أرض الأعداء، من باب ما يسمونه الآن: حرب الوقاية، فلم نعد في حاجة إليه اليوم، بعد ميثاق الأمم المتحدة، واتفاق العالم على احترام حدود الدول الإقليمية، والعمل على حلِّ مشاكل النزاع فيما بينها بالوسائل السلمية.

    وإن قال بعضهم: إن المقصود بهذا الجهاد نشر الإسلام، فإنا نستطيع نشر الإسلام بوسائل غير عسكرية، مثل الإذاعات الموجهة، والقنوات الفضائية، والإنترنت وغيرها. فنحن في حاجة إلى جيوش جرارة من المعلمين والدعاة والإعلاميين المدربين على مخاطبة الأمم بألسنتها المختلفة ليبينوا لهم، وليس عندنا واحد من الألف من المطلوب منا!!

    وعليه أن ينظر في الأمور المستجدة - وما أكثرها- في ضوء فقه الواقع، موازنا بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية للشريعة، فلا يهمل النصوص الجزئية، كما يدعو إلى ذلك العلمانيون والحداثيون، ولا يغفل المقاصد الكلية، كما يدعو إلى ذلك الحرفيون والجامدون. وليستنَّ بفقه الصحابة رضي الله عنهم، الذين كانوا أفقه الناس للإسلام، وأفهمهم لروحه، وأعرفهم بمقاصده، وأبصرهم بحاجات الناس، ومصالح العباد، وأكثرهم تيسيرا على الخَلق، مهتدين بالمنهج القرآني: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]، ويُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، وبالمنهج النبوي: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا"[11].

    ابن رشد والعلمانية:

    ومن أغرب ما قرأت من دعاوي العلمانيين والحداثيين: ادعاؤهم أن العلامة الكبير أبا الوليد بن رشد الحفيد (ت595هـ) كان علمانيا!! لأنه كان يؤمن بأن هناك حقيقتين في الوجود: حقيقة عقلية تتضمنها الفلسفة، وحقيقة دينية جاء بها الوحي، وأن لكل منهما مجاله وأهله. ولهذا حاربه الفقهاء، ووجد من السلاطين ورجال المُلك من أمر بإحراق كتبه.

    وهذه إحدى دعاوى القوم الذين لم يحسنوا قراءة ابن رشد، ولم يستوعبوا تراثه، ولم يعرفوا ماذا كان عمله في المجتمع.

    لقد جهل هؤلاء أن ابن رشد يعرف بـ(القاضي ابن رشد)، أي أن الدولة وظفته قاضيا يحتكم إليه الناس، فيحكم بينهم بأحكام الشريعة. وأن هذا الرجل كان من الموسوعيين القلائل الذين عرفهم تاريخنا، فقد اجتمعت له:

    1- (الثقافة الشرعية) التي مثلها كتابه الفريد (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) وهو يعد من أعظم ما كتب في الفقه المقارن بين المذاهب المتبوعة. وقد درس الفقه عن أبيه وجده سميه (ابن رشد الجد) صاحب المقدمات والبيان والتحصيل، وأحد العقول الكبيرة في الفقه المالكي.

    2- (الثقافة الفلسفية)، فهو يعد أعظم شراح أرسطو، ومن خلال شروحه عرفت أوربا أرسطو، واستفادت بذلك في نهضتها. وله كتابان من أعظم ما كتب فيما يسمى (الفلسفة الإسلامية) وهما: فصل المقال، وكشف الأدلة عن مناهج أهل المِلَّة.

    3- (الثقافة العلمية) الطبية، فقد كان الطب أحد شعب الفلسفة، وكان ابن رشد أبرز المشاركين فيه، إذ كان له كتاب (الكليات) في الطب، الذي ترجم إلى اللاتينية، وانتفعت به أوربا قرونا، وله رسائل أخرى في المجال العلمي[12].

    ولم يكن يجد ابن رشد في هذه الثقافات تعارضا ولا تناقضا، بل رآها يغذي بعضها بعضا، ويكمل بعضها بعضا، ولم يثر ابن رشد الفيلسوف على ابن رشد الفقيه، ولا العكس. ولم يقل يوما: إن هناك حقيقتين مختلفتين أو متعارضتين: إحداهما فلسفية، والأخرى شرعية، بل كان يراهما حقيقة واحدة، لأن الحق لا يعارض الحق، والحقائق القطعية لا تتناقض، ولذا عني أن يدلل على ذلك، بكتابه (فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال).

    فهناك اتصال – لا تعارض ولا تناقض – بين الشريعة والحكمة، أو بين العقيدة والفكر، أو بين الدين والفلسفة، وله كلمات نيّرة في هذا الكتاب الموجز.

    وحينما كفر الإمام أبو حامد الغزالي الفلاسفة في ثلاث قضايا، وخطأهم في سبع عشرة: في كتاب (تهافت الفلاسفة) حاول ابن رشد أن يدافع عن الفلاسفة، ويرد على الغزالي في كتابه (تهافت التهافت)، الذي يثبت فيه أن الفلاسفة المسلمين، ولا سيما (المشَّائين) منهم، مثل الكندي والفارابي وابن سينا، ليسوا كفارا، وإنما هم مسلمون. واجتهد أن يتأول مقولاتهم على وجه لا يخرجهم من الإسلام.

    إن اتهام القاضي الفقيه ابن رشد بأنه (علماني) غلط واضح، وجهل فاضح، وجهالة فجَّة من جهالات الذين يقحمون أنفسهم على التراث، ولم يبذلوا يوما جهدا في هضمه وحسن فَهمه، ورد بعضه إلى بعض، وبخاصة تراث العباقرة والأفذاذ من أمثال الغزالي وابن رشد وابن تيمية وابن الوزير والشاطبي وابن خلدون وغيرهم.

    كل ما في الأمر: أن جماعة من حُسّاد ابن رشد كادوا له عند الأمير الذي كان يجله ويقدمه، وزوّروا عليه أشياء لم يقلها، فصدّقهم الأمير، وغضب على ابن رشد، وأمر بإحراق كتبه، كما أحرقت كتب الغزالي في وقت من الأوقات.

    وقد قيل: إن الأمير في الأخير عرف منزلة ابن رشد.

    ولكن الرجل مشهود له من أهل عصره وأهل بلده، بالعلم والفضل وحسن السيرة والأمانة والنبوغ في العقليات والشرعيات. ونقل الذهبي عن ابن الأبَّار في (تكملته) أنه قال: لم ينشأ في الأندلس مثله كمالا وعلما وفضلا، وكان متواضعا منخفض الجناح.

    وقالوا: كان يفزع إلى فتواه في الطب، كما يفزع إلى فتواه في الفقه. ولي قضاء قرطبة فحمدت سيرته[13].



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1]- الدين والدولة للجابري فصل (بدلا من العلمانية: الديمقراطية والعقلانية) صـ108 - 114. طبعة مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت. لبنان.

    [2]- العروبة والعلمانية لجوزيف مغيزل. دار النهار للنشر. بيروت. 1980م.

    [3]- انظر: القومية العربية والإسلام: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية. بحث د. كمال أبو المجد (نحو صيغة جديدة للعلاقة بين العروبة والإسلام) صـ529 – 531.

    [4]- انظر: موسوعة لالاند: المجلد الثالث صـ1172، 1173 منشورات عويدات للطباعة والنشر. بيروت – باريس.

    [5]- انظر: كتابنا (العقل والعلم في القرآن الكريم) فصل (تكوين العقلية العلمية في القرآن) صـ249- 282.

    [6]- فيض القدير للمناوي : 1/17.

    [7]- إشارة إلى حديث: "الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها"، وقد رواه الترمذي في العلم (2687) عن أبي هريرة، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وابن ماجه في الزهد (4169)، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (506).

    [8]- انظر: كتابنا (الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد) فصل (من العاطفية والغوغائية إلى العقلانية والعلمية) صـ84 – 115 طبعة دار الشروق بالقاهرة.

    [9]- راجع ما كتبناه في فصل (السياسة بين النص والمصلحة) صـ64 وما بعدها.

    [10]- انظر: كتابنا (شريعة الإسلام صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان) فصل: (كيف نختار من تراثنا الفقهي؟) صـ79- 104. طبعة وهبة الخامسة 1997م.

    [11]- رواه البخاري في العلم (69) عن أنس، ومسلم في الجهاد والسير (1734)، وأحمد في المسند (13175)، وأبو داود في الأدب (4794).

    [12]- منها: شرح الأرجوزة لابن سينا في الطب، وشرح كتاب السماء والعالم لأرسطو، وشرح كتاب النفس، والحيوان، والكليات في الطب، وغيرها.

    [13]- سير أعلام النبلاء للذهبي (21/207 - 210).
    {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

    وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

    Comment

    • فخر الدين المناظر
      محاور - رحمه الله
      • Mar 2006
      • 1636

      #17
      الفصل الثاني

      دعوى العلمانية الإسلامية!!


      ومن غرائب ما ذكره بعض الليبراليين الجدد، ممَّن يعيشون في أمريكا، ويدورون في فلكها الفكري والسياسي: ما يسمونه (العلمانية الإسلامية)!!

      ولا أدري كيف تكون العلمانية إسلامية؟! هل يقبل أن نقول: الشيوعية الإسلامية؟!! أو (اللادينية الإسلامية)؟!!

      إن العلمانية معناها: فصل الدِّين عن الدولة، بل فصل الدِّين عن حياة المجتمع، بحيث يبقى المجتمع معزولا عن الدِّين وتوجيهاته وتشريعاته، فهذا هو مفهوم العلمانية المعروف عند الناس في الشرق والغرب. فكيف يكون هذا المفهوم إسلاميا؟

      هل يقر الإسلام على نفسه أن يُعزل عن توجيه الدولة والتشريع لها، بل عن حياة الناس والمجتمع كله، وتبقى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بغير دين؟

      تذكر (موسوعة العلوم السياسية) الكويتية: أن العلماني عكس الدِّيني، ويستخدم اصطلاحًا للإشارة إلى: مدخل للحياة ينفصل تمامًا عن الدِّين، ويتشكل كلية باهتمامات زمنية دنيوية. وهي على المستوى الشخصي تعني: استبعاد الحسِّ والشعور الدِّيني من نظرة الفرد إلى جميع الأمور التي تتعلَّق بحياته وعلاقاته وسلوكياته، ومعاملاته السياسية وغيرها.

      والعلمانية على المستوى العام هي: المذهب الذي يؤمن بضرورة إبعاد المؤسسات والمضامين الدينية عن ممارسة أي تأثير في أي من مجالات الحياة! بما في ذلك التعليم والتشريع والإدارة[1].

      وهكذا ترى جميع الباحثين من كل الاتجاهات يرون التناقض بين العلمانية والدِّين، لأن العلمانية هي (اللادين) فكيف تلتقي مع الدِّين؟!

      يقول هذا المُدَّعي:

      (العلمانية الإسلامية مصطلح جديد نطرحه اليوم[2]. وهو مصطلح مُفزع ومقلق لكثير من رجال الدِّين وبعض الليبراليين الرومانسيين. وهو مصطلح جديد في التسمية ولكنه قديم في التطبيق. نري أن العمل به الآن هو الدواء الناجع والواقعي والعملي للرد علي بعض رجال الدِّين من اتهام العلمانية والعلمانيين العرب بالإلحاد. ومن ذلك قول راشد الغنوشي من أن الطرح العلماني لعلاقة الدِّين بالدولة متأثر بالنمط الغربي ولا سيما في صورته الفرنسية والشيوعية المتطرفة (مبادئ الحكم والسلطة في الإسلام) وقول الشيخ يوسف القرضاوي من أن العلمانية إلحاد كما في كتابه (الإسلام والعلمانية وجهًا لوجه، 1987م).

      فإذا أردنا الإصلاح العلماني السياسي علي وجه الخصوص، فليكن من داخل الإسلام وليس من خارجه. والعلمانية هي طريق الإصلاح. ولا طريق لعلمانية تطبيقية غير طريق العلمانية الإسلامية التي نجح في تطبيقها أول الحكام العلمانيين العرب المسلمين، وهو الخليفة معاوية بن أبي سفيان)[3].

      وهذا القول الذي قاله الكاتب الذي يلقي الكلام على عواهنه دون تمحيص ولا تدقيق: مليء بالأخطاء، بل الأكاذيب.

      1. فقد ادعى عليَّ أني أقول: إن العلمانية إلحاد، ونسب ذلك إلى كتابي (الإسلام والعلمانية وجها لوجه) ومن قرأ ما كتبته في فقرة (العلمانية والإلحاد) وجد قولي صريحا: أن العلمانية لا تعني بالضرورة الإلحاد، فهو ليس من اللوازم الذاتية لفكرة العلمانية كما نشأت في الغرب. فإن الذين نادوا بها لم يكونوا ملاحدة ينكرون وجود الله، بل هم ينكرون تسلط الكنيسة على شؤون العلم والحياة فحسب ... الخ

      كل ما قلتُه: أن المسلم العربي الذي يقبل العلمانية يكون في جبهة المعارضة للإسلام، وخصوصا فيما يتعلَّق بتحكيم الشريعة ... وقد تنتهي به علمانيته إلى الكفر إذا أنكر ما هو معلوم من الدِّين بالضرورة[4]. وهذا غير ما يدعيه عليَّ الكاتب الأمريكاني!!

      2. وزعم الرجل أن أول من نجح في تطبيقه العلمانية الإسلامية، هو معاوية ابن أبي سفيان، أول الحكام العلمانيين المسلمين في رأيه.

      وهذا افتراء على معاوية، كما بينا ذلك في كتابنا (تاريخنا المفترى عليه) فكيف يقبل المجتمع المسلم في عصر الصحابة والتابعين: العلمانية، وهو في (خير القرون) التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولو رضي بذلك معاوية ما رضي بذلك المجتمع المسلم في ذلك العهد.

      وإذا كان معاوية علمانيا، مخالفا لنهج الرسول وخيرة أصحابه، كما يزعم الكاتب، فكيف نتخذه أسوة لنا، وقد حرف الدِّين واتبع غير سبيل الراشدين؟! وكيف يكون الفلاح في هذا المنهج المنحرف؟؟

      3. ولم يكتف هذا الرجل بالكذب على معاوية، فقد كذب على عثمان، الخليفة الثالث، صهر رسول الله، والمبشر بالجنة، وأحد السابقين الأولين من المهاجرين، الذين أثنى عليهم القرآن في سورة التوبة[5]، وأحد الباذلين في سبيل نصرة الإسلام. واتهمه الكاتب بالعلمانية، وأنه كان يعذب المعارضين لسياسته مثل أبي ذر الذي نفاه إلى الربذة، وكتب التاريخ تقول: إن أبا ذر هو الذي طلب منه ذلك. واتهمه أيضا بأنه هو الذي صنع تاج بني أمية، ووضعه على رأس معاوية، الذي أكمل علمانية عثمان وزاد عليها.

      4. وأكثر من ذلك: أن هذا الكاتب تطاول على الرسول الكريم نفسه، وزعم أنه وزع غنائم حنين على أهله وعشيرته وحرم الأنصار، أي اتهمه بالمحاباة والظلم، وجعل من قبيلته قريش صاحبة الحق الوحيدة في الخلافة عندما قال: "الأئمة منا أهل البيت" ، وكذلك: "الأئمة من قريش". انتهى.

      وهذا كلام غير دقيق عن رسول الله، فهو لم يعط أحدا من أهله وعشيرته من بني هاشم، أو بني عبد مناف، بل أعطى بعض الناس من قريش كما أعطى غيرهم من قبائل العرب كغَطَفَان وفَزَارَة وغيرهم، من باب تأليف القلوب، وهو ما جعله القرآن مصرفًا من مصارف الزكاة. فهو في هذا التأليف لقلوب بعض الزعماء، وبعض القبائل، يسير في ضوء القرآن، ويطبق حكم القرآن.

      أما حديث "الأئمة منا أهل البيت" فلم يصح عن رسول الله ، ولذا لم يعتمده أهل السنة وهم جمهور الأمة.

      أما حديث: "الأئمة من قريش" فقد اشتهر بين العلماء، ولكن الشهرة لا تعني دائما: الصحة. ومما يشكِّك في ثبوته: أنه لو كان معروفا لدى الأنصار، ما قال قائلهم يوم السقيفة: منا أمير ومنكم أمير. وهم ليسوا من قريش، ولو كان معروفًا لدى المهاجرين، لردَّ به عليهم أبو بكر، وكفى به حجَّة لو صحَّ. ولكنه لجأ إلى ترجيح المهاجرين باعتبارات اجتماعية، كقوله: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش!

      وعلى كل حال لم يرد الحديث في الصحيحين ولا أحدهما، وإنما ورد بأسانيد لم يسلم سند فيها من مقال، وإنما صحَّحه من صحَّحه بكثرة طرقه وشواهده. كما قال محققو المسند في تخريج الحديث (12307) عن أنس: إن إسناده ضعيف لجهالة راويه: بكير بن وهب الجزري ... ولكن صحَّحوه بكثرة طرقه الضعيفة!

      ورأيي: أن الأحاديث الخطيرة التي تقرِّر مبادئ وأصولاً هامة للحياة الإسلامية، لا يجوز أن يقبل فيها ما كان ضعيفا بأصله، وإنما صُحِّح بكثرة طرقه، ولا سيما أن الأئمة المتقدمين مثل: ابن مهدي وابن المديني وابن معين والبخاري وغيرهم، ما كانوا يعتمدون على كثرة الطرق هذه، إنما اشتهرت بين المتأخرين.

      وهذا الحديث بألفاظه المختلفة هو عمدة القائلين باشتراط القرشية في نسب الإمام أو الخليفة، وخالف في ذلك الخوارج وبعض المعتزلة وغيرهم. وزعم بعضهم أنهم خالفوا الإجماع في ذلك.

      وردَّ عليهم العلامة الحافظ ابن حجر بأنه عَمِل بهذا القول: من قام بالخلافة من الخوارج على بني أمية كقَطريّ، ودامت فتنتهم أكثر من عشرين سنة، حتى أبيدوا، وكذا من تسمى بأمير المؤمنين من غير الخوارج كابن الأشعث، ثم من قام في قطر من الأقطار في وقت ما فتسمى بالخلافة، وليس من قريش، كبني عبَّاد وغيرهم بالأندلس، وكعبد المؤمن وذريته، ببلاد المغرب كلها، وهؤلاء ضاهَوا الخوارج في هذا، ولم يقولوا بأقوالهم، ولا تمذهبوا بمذهبهم، بل كانوا من أهل السنة الداعين إليها.

      قال عِياض: اشتراط كون الإمام قرشيا مذهب كافة العلماء، وقد عدُّوها في مسائل الإجماع، ولا اعتداد بقول الخوارج وبعض المعتزلة.

      قال ابن حجر معلقا: ويحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر، فقد أخرج أحمد عنه بسند رجاله ثقات، أنه قال: "إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته، فإن أدركني أجلي بعده استخلفت معاذ بن جبل"[6].

      ومعاذ أنصاري لا قرشي، فيحتمل أن يقال: لعل الإجماع انعقد بعد عمر أو رجع عمر[7].

      على أن هذا الإجماع لو صح قد يكون سنده ارتباط المصلحة في ذلك الزمن بكون الخليفة من قريش، لِمَا كان لهم من المكانة والغلبة على غيرهم من العرب، أي أنهم أهل الحماية والعصبية، كما شرح ذلك ابن خلدون في مقدمته، والإجماع إذا كان سنده مصلحة زمنية لا يكون حجَّة مُلزِمة على وجه الدوام. فإذا تغيرت المصلحة التي كانت سند الإجماع، فلم يعد للإجماع المتقدم حجية.

      ولهذا نرى أن دعوى الكاتب فيما سمَّاه (العلمانية الإسلامية) لا أساس لها من العلم أو الدين أو التاريخ.

      ولو دعا هذا الكاتب إلى (العلمية) لنتخذها منهاجا للأمة بدل الغوغائية والارتجالية، والعشوائية، لكنا أول المرحبين بذلك. وقد دعونا إلى ذلك في كثير من كتبنا[8]. أما الدعوة إلى العلمانية، ووصفها بـ(الإسلامية) فهو قول ينقض آخره أوله، ولا يقوم على أساس، وهو كما يقول الله تعالى: ومِنَ النَّاس مَنْ يُجادِلُ في اللهِ بغَيرِ عِلْم ولا هُدًى ولا كِتَاب مُنِير * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عن سَبِيل الله [الحـج:8،9].



      --------------------------------------------------------------------------------

      [1]- انظر: موسوعة العلوم السياسية: مادة (العلمانية) فقرة (204) صـ298، 299.

      [2]- قائل هذا هو شاكر النابلسي الأردني الذي يعيش في أمريكا، والذي نصب نفسه محاميا عن سياسة أمريكا المتحيزة للصهيونية، وخصوصا سياسة اليمين المتطرف المتصهين، وعلى رأسه بوش، الذي يتصرف وكأنه يوحى إليه من السماء. ومقال الكاتب ملئ بالجهالات والافتراءات والمغالطات، ولأنه يعلم أن مقاله لا يكاد يقرأه أحد، يقول ما يشاء، فلن يعنى أحد بالرد عليه.

      [3]- عن صحيفة (الراية) القطرية. الثلاثاء 14/3/2006م. ومما نأسف له أن تفتح الصحيفة أبوابها لمثل هذا الهراء.

      [4]- انظر: كتابنا (الإسلام والعلمانية وجها لوجه) صـ63 - 64.

      [5]- في قوله تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه [التوبة:100]، ولا خلاف أن عثمان من هؤلاء السابقين الذين لم يكتف القرآن بالثناء عليهم، بل أثنى على من اتبعهم بإحسان، وأعلن رضا الله عنهم، ورضاهم عن الله ... إلى آخر الآية.

      [6] - رواه أحمد في المسند(108) وقال محققوه: حسن لغيره وهذا إسناد رجاله ثقات.

      [7] - انظر: فتح الباري (13/119).

      [8]- انظر على سبيل المثال: كتابنا (الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد) فصل: من العاطفة والغوغائية إلى العقلانية والعلمية صـ84 - 115 وانظر: كتابنا (العقل والعلم في القرآن الكريم) وكتابنا (الرسول والعلم).
      {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

      وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

      Comment

      • فخر الدين المناظر
        محاور - رحمه الله
        • Mar 2006
        • 1636

        #18
        الباب الخامس


        الأقليات الإسلامية والسياسة


        هذا الباب الأخير في هذا الكتاب، ويتكون من فصل واحد، يعد غاية في الأهمية؛ فإن ما قلناه في الأبواب السابقة يتعلَّق بـ(الدِّين والسياسة) بصفة عامة، أي في البلاد التي يسميها الفقهاء (دار الإسلام) ويكون المسلمون فيها هم أصحاب السلطان، ولهم الحق في أن يعيشوا في ظل الإسلام، توجههم عقيدته، وتحكمهم شريعته، وتسودهم مفاهيمه وقيمه وأخلاقه وتقاليده.

        الوجود الإسلامي في الغرب:

        هذا الباب يدور حول ما ينبغي للأقليات المسلمة في المجتمعات غير الإسلامية أن تفعله، وهذه الأقليات المسلمة هي التي تُمثل الوجود الإسلامي في البلاد غير الإسلامية، ولا سيما في بلاد الغرب.

        وأبادر فأقول: أن من الخير للمسلمين، ومن الخير للغربيين: أن يكون هناك وجود إسلامي في الغرب، يتعامل الغربيون معه مباشرة دون وسيط، على خلاف ما يراه بعض المتشددين من المسلمين: أنه لا يجوز الإقامة في هذه البلاد (بلاد الكفر كما يسميها)، كما لا يجوز الحصول على جنسيتها، التي يعتبرها من كبائر الإثم.

        ولقد عقدت في فرنسا منذ بضعة عشر عاما: ندوة فقهية علمية حضرها عدد من كبار العلماء[1]، وكان لي شرف المشاركة فيها، ناقشنا فيها هذه القضايا: مثل الإقامة في ديار الغرب، والحصول على جنسيتها، وكان رأي الأغلبية إجازة ذلك بشروطه[2]، وأن هذا يتفق مع عالمية الرسالة الإسلامية، ويتفق مع تقارب العالم الذي أمسى قرية واحدة، ويتفق مع مسعى العقلاء من الغربيين: المسلمين والغربيين إلى التفاهم والتقارب وإزالة الجفوة، والتحرُّر من رواسب التاريخ، والعمل على إقامة تعايش مشترك، يقوم على التسامح لا التعصب، والتعارف لا التناكر، والحوار لا الصدام، والتعاون لا التشاحن.

        والحمد لله أن قام الوجود الإسلامي في الغرب بأقدار إلهيَّة، وأسباب طبيعية، يسَّرت وجوده، دون تخطيط ولا ترتيب منا نحن المسلمين، فينبغي لنا أن نعمل على أن يكون هذا الوجود الإسلامي همزة الوصل بيننا وبين الغربيين، تعين على تواصل المسلمين بغيرهم، وتمحو الأفكار الخاطئة الراسبة في أذهان البعض منهم، وتردُّ على الشبهات التي قد تَعرض لهم.

        وهذا ما يقوم به المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث منذ تأسيسه إلى اليوم، في فتاواه التي يصدرها، وتوصياته التي يوجهها، وبياناته التي يعلنها في كل دورة من دوراته، ينصح فيها المسلمين في الغرب: أن يكونوا أقليَّة فاعلة ناشطة مؤدِّية لواجباتها، خادمة لمجتمعاتها، غير مُنعزلة عنها، ولا مُنسحبة منها، ومن قرأ فتاوى المجلس وقراراته وتوصياته وبياناته خلال الدورات التي عقدها: تبيَّن له بجلاء صحة ما نقول.

        ولقد رددت على بعض المتشددين من العلماء والدعاة الذين يرفضون الوجود الإسلامي في الغرب، وفي غيره من البلاد المختلفة التي يعيش فيها غير المسلمين، في الشرق والغرب، سواء كانوا من أهل الكتاب كالمسيحين، أم من الوثنيين، مُنبِّها هنا إلى أمر مهم، وهو: أن الوجود الإسلامي لكثير من الأقليات، هو وجود أصلي، أعني: أنهم من أهل البلاد الأصليين، وليسوا طارئين ، مثل الأقليات الإسلامية في الهند والصين وتايلاند وبورما وغيرها من بلاد آسيا، ومثل كثير من الأقليات الإسلامية في عدد من أقطار إفريقيا.

        (أعتقد أن من الضروري للإسلام في هذا العصر أن يكون له وجود في تلك المجتمعات المؤثرة على سياسة العالم.

        الوجود الإسلامي ضرورة في أوربا والأمريكتين وأستراليا من عدة أوجه:

        ضرورة تبيلغ الإسلام، وإسماع صوته، ودعوة غير المسلمين إليه. بالكلمة والحوار والأسوة.

        وهو ضرورة لحضانة مَن يدخل في الإسلام ومتابعته وتنمية إيمانه، وتهيئة مناخ إسلامي يساعد على الحياة الإسلامية الصحية.

        وهو ضرورة لاستقبال الوافدين و(المهاجرين) حتى يجدوا لهم (أنصارا) يحبون مَن هاجر إليهم، ويهيئون لهم جوًّا يتنفسون فيه الإسلام.

        وهو ضرورة للدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية، والأرض الإسلامية، في مواجهة القوى والتيارات المعادية والمضللة.

        ولا بد أن يكون للمسلمين تجمعاتهم الخاصة في ولايات ومدن معروفة، وأن تكون لهم مؤسساتهم الدينية، والتعليمية، بل والترويحية.

        وأن يكون لهم علماؤهم وشيوخهم، الذين يجيبونهم إذا سألوا، ويرشدونهم إذا جهلوا، ويوفقون بينهم إذا اختلفوا.

        محافظة دون انغلاق، وانفتاح دون ذوبان:

        وقد قلتُ للإخوة في ديار الغربة: حاولوا أن يكون لكم مجتمعكم الصغير داخل المجتمع الكبير، وإلا ذُبتم فيه كما يذوب الملح في الماء.

        اجتهدوا أن يكون لكم مؤسساتكم الدِّينية، والتربوية، والثقافية، والاجتماعية، والتروحيَّة، وهذا لا يتمُّ إلا بالتحابِّ والتعاون، فالمرء قليل بنفسه، كثير بإخوانه، ويد الله مع الجماعة.

        إن الذي حافظ على شخصية اليهود طوال التاريخ الماضي هو مجتمعهم الصغير المتميز بأفكاره وشعائره، وهو (حارة اليهود)، فاعملوا على إيجاد (حارة المسلمين).

        لا أدعو إلى انغلاق على الذات، وعزلة عن المجتمع، فهذا والموت سواء، ولكن المطلوب هو انفتاح دون ذوبان، هو انفتاح صاحب الدعوة الذي يريد أن يفعل ويؤثر، لا المُقلد المستسلم الذي غدا كل همه أن يساير ويتأثر، ويتبع سَنن القوم شبرا بشبر، وذراعا بذراع!

        إننا نشكو من مدة من نزيف العقول العربية والإسلامية، من العقول المهاجرة من النوابغ والعبقريات في مختلف التخصصات الحيوية والهامة، التي وجدت لها مكانا في ديار الاغتراب، ولم تجد لها مكانا في أوطانها.

        فإذا كانت هذه حقيقة واقعة، فلا يجوز لنا بحال أن ندع هذه العقول الكبيرة تنسى عقيدتها، وأمتها وتراثها، ودارها، ولا مفر لنا من بذل الجهد معها حتى تكون عقولها وقلوبها مع أوطانها وشعوبها، مع أهليهم وإخوتهم وأخواتهم، دون أن تفرط في حق الوطن الذي تعيش فيه وتنتسب إليه.

        وإنما يتحقق ذلك إذا ظلَّ ولاؤهم لله ولرسوله وللمؤمنين، وظلت هموم أمتهم تؤرقهم، ولم تشغلهم مصالحهم الخاصة عن قضايا أمتهم العامة، كما يفعل ذلك يهود العالم أينما كانوا من أجل إسرائيل.

        وهذا هو واجب الحركة الإسلامية: ألا تدع هؤلاء لدوامة التيار المادي والنفعي السائد في الغرب، تبتلعهم، وأن يُذكَّروا دائما بأصلهم الذي يحنون دائما إليه)[3].

        وإذا كان الوجود الإسلامي قائما في بلاد الغرب، وله حضوره الدِّيني والثقافي والاجتماعي، وأحيانا الاقتصادي، فمن الطبيعي والمنطقي أن يحاول استكمال حضوره السياسي. إذ أصبحت السياسة تتدخل في كل شيء، وإذا تركنا السياسة، فإن السياسة لا تتركنا.

        لهذا كان لا بد من الإجابة على تساؤلات عدة هنا تطرحها الأقليات الإسلامية التي تعيش في الغرب، وبعضها من أهل البلاد، وبعضها مهاجرون استوطنوا وحصلوا على جنسية البلاد، وباتوا جزءا من أهلها.

        هل تكتفي بالدِّين وتنعزل عن السياسة؟ أو تتمسك بالدِّين وتدخل في السياسة؟ وإذا دخلت في السياسة فهل تدخل فيها مشاركة لغيرها من الأحزاب، أو مستقلة بذاتها؟ فهل يجوز المشاركة في الأحزاب العلمانية؟ وهل يجوز إنشاء حزب يفرض عليه أن يلتزم بدستور البلاد؟ وهل يجوز للمسلم الترشح للمجالس النيابية على أساس هذه الأوضاع؟ ثم إن دخول المسلم في السياسة، يلزم منه الإقرار بالدساتير الوضعية القائمة في الدول الغربية وغيرها؟

        وإذا نجح المسلم في الانتخابات، ودخل المجلس النيابي: يلزم منه أن يقسم على احترام النظام العام والعمل بالدستور، فهل يتفق هذا مع عقيدة الإسلام؟ ومع أحكام الشريعة؟

        هذه تساؤلات تطرح في ساحة الأقليات في كل مكان في أوربا وغيرها.

        بل أقول: إن هذه التساؤلات نفسها تطرحها بعض الفصائل الإسلامية في كثير من أقطار الإسلام ذاتها.

        ومن هذه الفئات: من يرى تحريم تكوين الأحزاب السياسية، ويعدها بدعة محدثة، وضلالة في الدِّين.

        ومنهم من يرى تحريم الدخول في الانتخابات، والسعي إلى عضوية المجالس النيابية، بل بعضهم يراها ضد العقيدة، ويسميها (المجالس الشركية) وبعضهم ألف رسالة سماها (القول السديد في أن دخول المجلس (النيابي) ينافي التوحيد)!

        وبعضهم يعترض على صيغة القسم التي يقسمها الأعضاء على احترام الدستور، وإطاعته إلخ. وبعض الإسلاميين حلَّ هذا الإشكال، بقوله بعد كلمة الطاعة في القسم: (في غير معصية)، يقولها بصوت مسموع.

        فإذا كان هذا يقال في داخل بلادنا الإسلامية، فماذا عسى أن يقال في خارج البلاد الإسلامية؟

        ومن هنا لا ينبغي أن تستمد الأقلية المسلمة فقهها السياسي من هذه الفئات التي بَعُدَ بها (الغلو) عن سواء الصراط، فهذه الفئات ترى الوجود الإسلامي في هذه البلاد محظورا لا يجاز إلا من باب الضرورات، وهي ترى العيش في هذه البلاد من باب الاضطرار، كما يضطر المرء إلى استخدام المراحيض، برغم ما بها من نجاسة! كما قال بعضهم!

        ومن هؤلاء من يُحرِّم على المسلم الحصول على جنسية هذه الدول، وقد يكفّر من حصل عليها، لأنه يعتبرها من الولاء للكفار[4]، وقد قال تعالى: ومَنْ يَتوَلَّهُم مِنكُم فإنَّهُ مِنهُم [المائدة:51].

        ومنهم من يحرم مجرد الإقامة في هذه البلاد إلا لضرورة، والضرورة تقدر يقدرها. ولهم في ذلك شبهات رد عليها المحققون من العلماء.

        إن مزية الشريعة الإسلامية: أنها شريعة واقعية، تراعي حاجات الإنسان ومطالبه، روحية كانت أو مادية، دينية كانت أو سياسية، ثقافية كانت أو اقتصادية، سواء كان يعيش في المجتمع المسلم أم خارج المجتمع المسلم، وأنها في كل ما شرعته من أحكام: تيسر ولا تعسر، وترفع الحرج، وتمنع الضرر والضرار، ولا سيما من يعيش خارج المجتمع المسلم، فهو أولى بالتخفيف ورعاية الحاجات.

        ومن حاجة الأقلية المسلمة: أن تعيش متمسكة بدينها وعقيدتها وشعائرها وقيمها وآدابها، ما دامت لا تؤذي غيرها، وأن تندمج في المجتمع الذي تحيا فيه، تُنتج وتُبدع، وتبني وترقى، وتُشارك في كل أنشطته، تفعل الخير، وتُشيع الهداية، وتدعو إلى الفضيلة، وتقاوم الرذيلة، وتؤثر في المجتمع بالأسوة والدعوة ما استطاعت، ولا تذوب فيه، بحيث تفرط في مقوماتها وخصائصها العقائدية والدِّينية.

        وليست كل الأقليات الإسلامية مهاجرة، فبعضها من أهل البلاد الأصليين، كلهم أو بعضهم. حتى يقول بعض الناس: يجب أن يعودوا إلى ديارهم.

        ولهذا تحتاج الأقلية في أي بلد إلى أصوات تعبر عنها في المجالس التشريعية، وتدافع عن حقوقها حتى لا تصدر تشريعات تجور عليها، وتحرم عليها ما أحل الله، أو تعوقها عن أداء ما فرض الله، أو تلزمها بأمور ينكرها الشرع.

        ومن الخير وجود مسلمين منتخبين في هذه المجالس –مستقلين أو منضمين إلى حزب معين– يعملون للذود عن حرماتهم، والمحاماة عن حقوقهم، باعتبارهم أقلية، لهم الحق في ممارسة حياتهم الدِّينية، وشعائرهم التعبدية، بما لا يضر الآخرين، وهم سيستميلون معهم وإلى صفهم الأحرار والمنصفين، الذين يناصرون العدل والحرية في كل زمان ومكان.

        وعندنا هنا جملة قواعد شرعية ترشدنا في هذه المسيرة:

        1. قاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) فإذا كان حصول المسلمين على حقوقهم الدِّينية والثقافية وغيرها، لا يتم إلا بالمشاركة في السياسة، ودخول الانتخابات، فإن هذا يصبح واجبا عليهم.

        2. قاعدة (الأمور بمقاصدها) وهي قاعدة متفق عليها، مأخوذة من الحديث المشهور: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"[5]. فمن قصد بالمشاركة السياسية: الدفاع عن حقوق المسلمين، وحريتهم الدِّينية، وهويتهم الثقافية، فهو مأجور على ذلك عند الله، ومحمود عند المسلمين.

        3. قاعدة (سد الذرائع) فإذا كان اعتزال الأقلية للسياسة، وعدم مشاركتها فيها، يشكل خطرا على وجودهم الدِّيني والجماعي، ويجعلهم مهمَّشين، ويحرمهم من مزايا كثيررة، ويوقعهم في مآزق ومفاسد قد يعرف أولها ولا يعرف آخرها، فإن من المطلوب منهم: أن يسدوا الذرائع إلى هذه الأخطار، ويتوقوا هذه المفاسد والآفات، وفي الحديث: "من يتوق الشر يوقه"[6].

        4. قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات، والحاجة تنزل منزلة الضرورة، خاصة كانت أو عامة) فإذا كان بالجماعة المسلمة في غير المجتمعات الإسلامية ضرورة أو حاجة إلى من يدافع عن حقوقها في بلاد الديمقراطيات، وكان من وراء ذلك بعض ما يخشى من المحظورات مثل القسم على احترام الدستور -الذي قد يتضمن ما يخالف الشرع- ونحو ذلك، مما يتحرج منه بعض المتدينين، فإن هذا الحظر يرفع بحكم الضرورة أو الحاجة فََمَنِ اضْطُرَّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فلاَ إثمَ علَيه إنَّ اللهَ غفُورٌ رحِيم [البقرة:173].

        5. قاعدة (المصالح المرسلة) وهي المصالح التي لم ينص الشرع على اعتبارها ولا إلغائها، ولكنها إذا عرضت على العقول تلقتها بالقَبول، وتحقق فائدة، مادية أو معنوية، للجماعة المسلمة. وقد اعتبرها الصحابة في كثير من الأمور، المهم ألا تصادم نصا قطعيا، ولا قاعدة شرعية قطعية. وأن يكون فيها للجماعة المسلمة نفع حقيقي لا متوهم.

        وفي ضوء هذه القواعد: نرى أن الأولى بالمسلمين أن يشاركوا في السياسة، تحقيقا لمصلحتهم الدِّينية والجماعية، ودرءا للأخطار والمفاسد عنهم، ولا سيما أنهم إذا تركوا السياسة فإن السياسة لا تتركهم.

        يستطيع المسلمون أن ينشئوا حزبا يطالب بحقوقهم وحقوق غيرهم إذا كان لهم عدد وقوة وقدرات تكفي لقيام حزب مستقل، وكان الدستور والقانون يسمحان لهم بذلك.

        ويمكن للمسلمين أن يقدموا برنامجا للإصلاح والترشيد، مقتبسا من أصول فكرتهم الإسلامية، ومطعما بالنظرة والتجربة الغربية وما فيها من آفاق جديدة، تتفق مع مقاصد الشريعة وروح الإسلام.

        ولا مانع أن ينضم إلى هذا الحزب أعضاء من غير المسلمين، فهو مقدم للمسلمين خاصة، وللمواطنين عامة. والمفترض في النظام الإسلامي: أنه يقدم الخير والمصلحة الحقيقية للناس كافة، مسلمين وغير مسلمين.

        ويستطيع المسلمون أن ينضموا إلى أي حزب من الأحزاب السياسية التي تعمل على الساحة، ويختاروا منها ما كان أقرب إلى المبادئ الإسلامية من ناحية، وما كان أكثر تعاطفا مع المسلمين ومصالحهم من ناحية أخرى. وما كان فيه من أشياء تخالف الإسلام، يتحفظون عليها.

        ولا بد أن يكون ذلك بعد دراسة علمية عملية موضوعية، يقوم بها خبراء ومتخصصون، وأن تناقش هذه الدراسة بين أهل الحل والعقد من الأقلية المسلمة في البلد. وبعد الدراسة والمناقشة والمقارنة، يقرِّر المسلمون: أيهما أفضل لهم دينا ودنيا: أهو تكوين حزب لهم أم الدخول في حزب قائم؟ وأي الأحزاب أقرب إليهم وأولى بهم؟

        وقد يجدون الأولى من ذلك كله: ألا يكونوا حزبا، ولا يدخلوا في حزب، ولكن يبقون كتلة حرة مؤثرة في الانتخابات: تؤيد هذا أو ذاك، وتعطي أصواتها لهذا المرشح أو ذاك.

        وعند ذاك يخطب المرشحون ودها، ويتقربون إليها، لأن هذه الأقلية، كثيرا ما يكون لها تأثير كبير في ترجيح بعض المرشحين على بعض، ولا سيما من يكون الفرق بينهما غير كبير، فتأتي أصوات الأقلية مع أحدهما، فترجح كفة ميزانه، ويفوز على خصمه.



        --------------------------------------------------------------------------------

        [1]- كان في هذه الندوة: العلاَّمة الشيخ مصطفى الزرقا، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة، والشيخ عبد الله بن بيَّة، والشيخ منَّاع القطان، والشيخ فيصل مولوي، والشيخ محمد العجلان، والشيخ سيد الدرش، وغيرهم.

        [2]- ومن شروط ذلك: أن يأمن المسلم على نفسه وذريته في دينه وهُويته، بحيث لو شعر بخطر على ذلك، وجب عليه أن يعود من حيث أتى، حفاظًا على دينه ودين أولاده، الذي هو أغلى من كل ما يحرص الناس عليه.

        [3]- انظر: أولويات الحركة الإسلامية صـ146 – 148 نشر مكتبة وهبة. القاهرة.

        [4]- في بعض الأوقات أصدر علماء تونس: فتوى تحكم بالردة على من يحصل على الجنسية الفرنسية من التونسيين، لأن تونس كانت ترزح تحت نير الاستعمار الفرنسي الظالم المتجبر، وكان الحصول على الجنسية حينئذ بمثابة إعلان الولاء والتأييد للمستعمر الكافر، فهو ردة دينية، وخيانة وطنية، بخلاف حصول المسلم على الجنسية اليوم، فهي تقوي المسلم، وتشد أزره، وتمنحه قوة –مع إخوانه– في المحافظة على هويته، وتمكنه من تبليغ دعوته، وتعطيه امتيازات كثيرة، منها: حق الانتخاب والترشيح، دون أن يفرط في شيء من دينه.

        [5]- روا البخاري في بدء الوحي (1) عن عمر بن الخطاب، ومسلم في الإمارة (1907)، وأبو داود في الطلاق (2201)، والترمذي في فضائل الجهاد (1647)، والنسائي في الطهارة، وابن ماجه في الزهد (4227).

        [6]- رواه الطبراني في الأوسط (3/118) عن أبي الدرداء، والدارقطني في العلل (6/219)، وأبو نعيم في الحلية (5/174)، والبيهقي في الشعب (7/398)، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: أخرجه الطبراني والدارقطني في العلل من حديث أبي الدرداء بسند ضعيف (3/141)، وحسنه الألباني في الصحيحة (342).
        {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

        وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

        Comment

        • فخر الدين المناظر
          محاور - رحمه الله
          • Mar 2006
          • 1636

          #19
          خـــاتـــمــة


          الآن حصحص الحق، وأسفر الصبح لذي عينين، وتبين لكل منصف لم يعم عينه الهوى، ولم يصم سمعه التعصب: أنه لا انفصال للسياسة عن الدِّين، ولا للدين عن السياسة. وأن من الخير أن يدخل الدِّين في السياسة فيوجهها إلى الحق، ويرشدها إلى الخير، ويهديها سواء السبيل، ويعصمها من الغرور بالقوة، والانحراف إلى الشهوات، ويمد أصحابها بالخشية من الله، ولا سيما أن السلطة تغري بالفساد، والقوة تغري بالفجور والطغيان: كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6،7].

          ومن الخير كذلك: أن تدخل السياسة في الدِّين، لا لتتخذه مطية تركبها، أو أداة تستغلها، ولكن لتجعله قوة هادية تضيء لها طريق العدل والشورى والتكافل، وقوة حافزة: تبعثها لنصرة الحق، وفعل الخير، والدعوة إليه، وقوة ضابطة: تمنعها من اقتراف الشرور، والإعانة على الفجور.

          وإذا كان هذا يقال في الأديان بصفة عامة، فإن الإسلام -بصفة خاصة- لا يقبل هذا الفصام، بين الدِّين والسياسة، أو بين العقيدة والشريعة، أو بين العبادات والمعاملات، أو بين المسجد والسوق، أو بين الإيمان والحياة.

          وهذا ما مضى عليه تاريخنا ثلاثة عشر قرنا أو تزيد، حتى دخل الاستعمار الغربي بلاد المسلمين، وتحكَّم في مصايرها، وملك أزِمَّة التشريع والتثقيف والتعليم والإعلام، التي توجه حياتها، وتلونها كما تشاء.

          ولكن الصحوة الإسلامية المعاصرة، قذفت بحقها على باطل الاستعمار، فدمغته، فإذا هو زاهق، وأبرزت قوة الإسلام الذاتية في أمته من جديد، وتقررت سنة الله في أن العاقبة للحق، والبقاء للأزكى والأصلح، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17].

          ولا عجب أن رأينا من المفكرين المدنيين - من غير المشايخ وعلماء الدِّين- مَن ينادي جهرا بإسقاط شعار العلمانية المستوردة، التي تقوم دعوتها في الأساس على فصل الدِّين عن السياسة، أو الدِّين عن الدولة. فلم يعد بعد لدعوة العلمانية من مكان ولا حاجة في ديارنا، وقد كانت الحاجة إليها في الغرب لأسباب تاريخية معروفة، وليس لهذه الأسباب وجود عندنا.

          كما بينا في هذه الصحائف كيف تدخل الأقلية المسلمة – في أوربا وغيرهـا - في السياسة، وكيف تنتفع بها لخدمة وجودها الدِّيني وهويتها الثقافية. وكيف تتجنب مزالقها.

          والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
          {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

          وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

          Comment

          • فخر الدين المناظر
            محاور - رحمه الله
            • Mar 2006
            • 1636

            #20
            لا أخفيكم اني أعتبر هذا الكتاب، وكتاب "الاسلام والعلمانية وجها لوجه" من أجود الكتب في نقض هذا التيار إن لم يكونا أفضلها ..
            وهذا راجع لأسباب من بينها أن المؤلف -حفظه الله- له باع في العلم، ينتمي إلى طينة خاصة من الفقهاء عرفوا طوال تاريخ الإسلام .. فهو في العلم الشرعي من الراسخين الذين بلغوا مرتبة الاجتهاد المطلق .. وفي نفس الوقت مطلع على المذاهب الفكرية -خاصة الاتجاهات الحداثية والعلمانية والماركسية- ..

            من هنا جاء انتخاب هذا الكتاب لينسخ على صفحات حصن التوحيد المبارك حتى يكون مرجعا لطلبة العلم وللباحثين عن الحق على حد السواء.
            {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

            وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

            Comment

            • يحيى
              عضو
              • Oct 2007
              • 1280

              #21
              جزاك الله خيرا يا أخي
              قرأت الكتاب اكثر من مرة, هو اكثر من رائع

              حياكم الله
              الفلسفة الإنسانية أو علمنة الفلسفة و العلم وراء الكارثة الحديثة التي تسبب اللاوعي و الإحباط كنتيجة للصراع بين المتناقضات, فعلى سبيل المثال لا الحصر, تصور الحياة على أنها عبثية -أو نتيجة عملية عبثية- من جهة, و من جهة ثانية إبعاد صفة العبث عن هذا التصور و عن أي محاولة فلسفية فكرية متتالية في إثبات هذا التصور!!

              Comment

              • اخت مسلمة
                محاور
                • Nov 2005
                • 6338

                #22
                اكرمك الله اخي على الكتاب والاختيار الموفق
                تحياتي للموحدين
                أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
                وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

                Comment

                • فخر الدين المناظر
                  محاور - رحمه الله
                  • Mar 2006
                  • 1636

                  #23
                  أرى بأن هذا الكتاب الذي قض مضاجع العلمانية لم يأخذ حظه من النقاش ...

                  وأرى بان العلمانيين لم تقم لهم قائمة وقاموا بتجاهل الكتاب وكأنه لم يكن ... إلى درجة أن علمانيو تونس قبل أشهر بدؤوا بالتناعق والتصايح حينما زار الشيخ القرضاوي حفظه الله تونس لحضور افتتاح معرض الكتاب....

                  طبعا فالشيخ سحق العلمانية سحقا.
                  {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

                  وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

                  Comment

                  • فخر الدين المناظر
                    محاور - رحمه الله
                    • Mar 2006
                    • 1636

                    #24
                    هل من علماني يرد ؟؟؟؟
                    {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

                    وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

                    Comment

                    Working...