المروءة في نظام القيم في الموروث الثقافي العربي
-----
المروءة في نظام القيم في الموروث الثقافي العربي
يحاول محمد عابد الجابري في كتابه "العقل الأخلاقي العربي" دراسة نظام القيم في الموروث الثقافي العربي الذي يوجه سلوك الجماعة الروحي والفكري وسلوكها العملي والمستمد من الكلام المنظم المكتوب الداعي إلى تطبيق نوع معين من الأخلاق.
ويعتبر أكثم بن صيفي حكيم العرب في الجاهلية من أهم الذين صاغوا النظام الأخلاقي العربي في مجموعة من العبارات الموجزة البليغة "الحِكَم" ومن أقواله التي تقرر قيما أخلاقية قوله: الهوى يقظان والعقل راقد، فالعقل مصدر الفضيلة إذا استيقظ، ويقابل الشهوة والهوى المحرك للأفعال في غياب العقل.
ويعد الأحنف بن قيس أحلم العرب، فيقال أحلم من الأحنف، ومن أقواله: رأس الأدب المنطق، ولا خير في قول إلا بفعل، ولا في مال إلا بجود، ولا في صديق إلا بوفاء، ولا في فقه إلا بورع، ولا في صدق إلا بنية.
والمروءة هي القيمة المركزية في الموروث العربي الخالص، ويعدها ابن قتيبة وهو المصدر الأول في الفكر الأخلاقي العربي في المرتبة الثالثة في الهرم الاجتماعي بعد الحرب والسلطان، وهي من جملة القيم التي يتحقق بها السؤدد، ووضع ابن عبد ربه في كتابه "العقد الفريد" المروءة في باب السؤدد.
ومصطلح المروءة لم يرد في الجاهلية ولا في القرآن الكريم ولا السنة الصحيحة، فهو مفهوم نشأ في العصر الأموي، ويمكن القول إن رواج هذا اللفظ في العصر الأموي يرجع إلى أنه كان يعبر عن السلوك النموذجي للأرستقراطية العربية، ويقول عبد الحميد الكاتب منظر الكتابة (إدارة الدواوين) التي ظهرت في أواسط العصر الأموي: "فجعلكم الله معشر الكتاب في أشرف صناعة أهل الأدب والمروءة والحلم والروية، بكم ينتظم الملك، وتستقيم للملوك أمورهم" ويعد ابن المقفع تلميذ عبد الحميد الكاتب المروج الأكبر للفظ المروءة كفضيلة أخلاقية تلخص وتكثف معاني الفضل والأدب وسمو المنزلة.
وكانت الارستقراطية الأموية عربية متعصبة لعروبتها، وقد جعلت من المروءة بوصفها "أخلاق الدنيا" تراثا عربيا خالصا يعبر عن الأخلاق العربية قبل الإسلام وبعده، يقول ابن المقفع: "إذا أكرمت على دين أو مروءة فليعجبك، فإن المروءة لا تزايلك في الدنيا، وإن الدين لا يزايلك في الآخرة".
وأول مرجع اختص بالكلام عن المروءة هو "كتاب الأدب والمروءة" للحكيم صالح بن جناح اللخمي الدمشقي الذي سبق الجاحظ لأنه ذكره واقتبس منه، يقول اللخمي: إنما المرء بمروءته، فالمروءة اجتناب المرء مايشينه واجتناؤه ما يزينه.
ومن قدماء المؤلفين الذين اهتموا بالمروءة ابن حبان السبتي المتوفى سنة 354 هـ الذي خصص في كتابه "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" فصلا أسماه "في ذكر الحث على إقامة المروءة".
وعنى دعاة النهضة في العصر الحديث بالمروءة بوصفها من الخصال التي تقتضيها النهضة العربية الحديثة، مثل رفاعة رافع الطهطاوي في كتابه "مناهج الألباب العصرية في مباهج الآداب المصرية" وشيخ الأزهر محمد الخضر حسين الذي كتب نصا بعنوان "المروءة ومظاهرها الصادقة" وأدرج أحمد أمين في كتابه فيض الخاطر مقالة حول المروءة.
يجمع مفهوم المروءة في الذهن العربي الخصال المحمودة كلها، ويمنع من جميع الصفات المذمومة، فالحديث عن المروءة هوعرض القيم التي تكثر بها الإشادة في الموروث الثقافي العربي ولدى مرجعياته.
ويأتي الكرم في رأس القائمة، فهو مرتبط بالعطاء الذي هو مصدر أساسي من مصادر العيش في المجتمع العربي قبل الإسلام وبعده . . إلى اليوم.
ودلالة هذه الكلمة ترتفع في المخيال العربي إلى أسمى درجة لتحمل معنى الشرف، فوصف الشيء بكونه كريما يعنى أنه ذو قيمة غالية، ومن ذلك عبارات "الأحجار الكريمة" و "كرم المحتد" و "كرم النفس" و "مكارم الأخلاق" قال تعالى: "إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون"
وقال ثابت بن سنان في "طب الأخلاق": وأما الكرم فإنه جملة الفضائل والأخلاق المحمودة أو أكثرها وليس هو خلقا واحدا مفردا، وقد يطلق على العفو والحلم، ولكن الشجاعة لم توصف يوما بأنها كرم، فالكرم لا يتضمن معنى الشجاعة ولا يقتضيها.
وهناك قيمتان في الموروث العريي تتضمنان معنى الكرم ضرورة هما: الفتوة والمروءة، والفتوة تعنى الصحة القوة البدنية والكرم والوفاء وحماية الضعيف وإعاثة الملهوف والسيادة مع التواضع.
وكان من صيغ الفتوة وتجلياتها في الحياة العربية ظاهرة الصعلكة والتي كانت قائمة على الغزو والسلب من الأغنياء الأشحاء وتوزيع الغنائم على الفقراء والمحتاجين، واستمرت الظاهرة إياها في صيغ وحالات مختلفة في العصور المتوالية، وعنها انتقلت الفروسية إلى أوروبا.
يعد الماوردي أهم مرجع في الفكر الأخلاقي العربي وبخاصة في كتابه "أدب الدنيا والدين" وقد وضع للمروءة شروطا في ذات المرء وفي غيره، وملخص عرضه للمروءة: شروط المروءة في نفسه، وهي ثلاث خصال: الفقه والنزاهة والصيانة، والعفة نوعان: عفة عن المحارم، وعفة عن المآثم، والعفة عن المحارم نوعان:
ضبط الفرج عن الحرام، وكف اللسان عن الأعراض، والعفة عن المآثم نوعان:
الكف عن المجاهرة بالظلم، وزجر النفس عن الإسرار بالخيانة، لأن الخيانة ضعة، ومن يخن يهن.
والنزاهة نوعان: نزاهة عن المطامع الدنيوية، ونزاهة عن مواقف الريبة، والصيانة نوعان: صيانة النفس بالتماس كفايتها وتقديم مادتها، وصيانتها عن تحمل المنن والاسترسال في الاستعانة.
وأما شروط المروءة في غيره فثلاثة: المؤازرة، والمياسرة، والإفضال، والمؤازة نوعان: الإسعاف بالجاه، والإسعاف في النوائب، والمياسرة نوعان: العفو عن الهفوات، والمسامحة في الحقوق، والإفضال نوعان: إفضال اصطناع وإفضال استكفاف.
والمروءة تنتمي إلى الأخلاق الاجتماعية، فهي سلوك اجتاعي محمود يقوم على مراعاة التقيد بما يستحسنه الناس، وتجنب ما يستقبحونه، وهذا يعنى أن سلطة الجماعة هي المقررة في شأن المروءة، وليس سلطة العقل، وإن كان بعض مقوماتها مما يرجع إلى حكم العقل.
ليست المروءة مطلوبة لذاتها في الفكر الأخلاقي العربي بل من أجل المكانة الاجتماعية الرفيعة التي تمنحها، أو بتعبير أدق إن المكانة الاجتماعية المرموقة تفرض أو تدفع إلى سلوكيات المروءة، فهي جماع خصال الأرستقراطية القبلية كما عرفها المجتمع العربي.
هذا الطابع الأيدولوجي المحلي للمروءة جعلها تبدو كفضيلة عربية، وجميع من تحدثوا عن المروءة من المؤلفين القدامى رووا ونقلوا ما رووه ونقلوه عن شخصيات عربية من العصر الجاهلي وصدر الإسلام والعصر الأموي، وذلك على العكس من القيم الأخلاقية الأخرى التي تمثل المرجعية الفارسة أو اليونانية فيها المقام الأول، وكأن المروءة مفهوم قومي عربي، يقول عمر بن الخطاب:
تعلموا العربية فإنها تزيد في المروءة، وتعلموا النسب، فرب رحم مجهولة قد وصلت بنسبها، فاللغة والنسب عماد الهوية القومية، والمروءة جزء من الهوية العربية.
إبراهيم غرايبة
-----
المروءة في نظام القيم في الموروث الثقافي العربي
يحاول محمد عابد الجابري في كتابه "العقل الأخلاقي العربي" دراسة نظام القيم في الموروث الثقافي العربي الذي يوجه سلوك الجماعة الروحي والفكري وسلوكها العملي والمستمد من الكلام المنظم المكتوب الداعي إلى تطبيق نوع معين من الأخلاق.
ويعتبر أكثم بن صيفي حكيم العرب في الجاهلية من أهم الذين صاغوا النظام الأخلاقي العربي في مجموعة من العبارات الموجزة البليغة "الحِكَم" ومن أقواله التي تقرر قيما أخلاقية قوله: الهوى يقظان والعقل راقد، فالعقل مصدر الفضيلة إذا استيقظ، ويقابل الشهوة والهوى المحرك للأفعال في غياب العقل.
ويعد الأحنف بن قيس أحلم العرب، فيقال أحلم من الأحنف، ومن أقواله: رأس الأدب المنطق، ولا خير في قول إلا بفعل، ولا في مال إلا بجود، ولا في صديق إلا بوفاء، ولا في فقه إلا بورع، ولا في صدق إلا بنية.
والمروءة هي القيمة المركزية في الموروث العربي الخالص، ويعدها ابن قتيبة وهو المصدر الأول في الفكر الأخلاقي العربي في المرتبة الثالثة في الهرم الاجتماعي بعد الحرب والسلطان، وهي من جملة القيم التي يتحقق بها السؤدد، ووضع ابن عبد ربه في كتابه "العقد الفريد" المروءة في باب السؤدد.
ومصطلح المروءة لم يرد في الجاهلية ولا في القرآن الكريم ولا السنة الصحيحة، فهو مفهوم نشأ في العصر الأموي، ويمكن القول إن رواج هذا اللفظ في العصر الأموي يرجع إلى أنه كان يعبر عن السلوك النموذجي للأرستقراطية العربية، ويقول عبد الحميد الكاتب منظر الكتابة (إدارة الدواوين) التي ظهرت في أواسط العصر الأموي: "فجعلكم الله معشر الكتاب في أشرف صناعة أهل الأدب والمروءة والحلم والروية، بكم ينتظم الملك، وتستقيم للملوك أمورهم" ويعد ابن المقفع تلميذ عبد الحميد الكاتب المروج الأكبر للفظ المروءة كفضيلة أخلاقية تلخص وتكثف معاني الفضل والأدب وسمو المنزلة.
وكانت الارستقراطية الأموية عربية متعصبة لعروبتها، وقد جعلت من المروءة بوصفها "أخلاق الدنيا" تراثا عربيا خالصا يعبر عن الأخلاق العربية قبل الإسلام وبعده، يقول ابن المقفع: "إذا أكرمت على دين أو مروءة فليعجبك، فإن المروءة لا تزايلك في الدنيا، وإن الدين لا يزايلك في الآخرة".
وأول مرجع اختص بالكلام عن المروءة هو "كتاب الأدب والمروءة" للحكيم صالح بن جناح اللخمي الدمشقي الذي سبق الجاحظ لأنه ذكره واقتبس منه، يقول اللخمي: إنما المرء بمروءته، فالمروءة اجتناب المرء مايشينه واجتناؤه ما يزينه.
ومن قدماء المؤلفين الذين اهتموا بالمروءة ابن حبان السبتي المتوفى سنة 354 هـ الذي خصص في كتابه "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" فصلا أسماه "في ذكر الحث على إقامة المروءة".
وعنى دعاة النهضة في العصر الحديث بالمروءة بوصفها من الخصال التي تقتضيها النهضة العربية الحديثة، مثل رفاعة رافع الطهطاوي في كتابه "مناهج الألباب العصرية في مباهج الآداب المصرية" وشيخ الأزهر محمد الخضر حسين الذي كتب نصا بعنوان "المروءة ومظاهرها الصادقة" وأدرج أحمد أمين في كتابه فيض الخاطر مقالة حول المروءة.
يجمع مفهوم المروءة في الذهن العربي الخصال المحمودة كلها، ويمنع من جميع الصفات المذمومة، فالحديث عن المروءة هوعرض القيم التي تكثر بها الإشادة في الموروث الثقافي العربي ولدى مرجعياته.
ويأتي الكرم في رأس القائمة، فهو مرتبط بالعطاء الذي هو مصدر أساسي من مصادر العيش في المجتمع العربي قبل الإسلام وبعده . . إلى اليوم.
ودلالة هذه الكلمة ترتفع في المخيال العربي إلى أسمى درجة لتحمل معنى الشرف، فوصف الشيء بكونه كريما يعنى أنه ذو قيمة غالية، ومن ذلك عبارات "الأحجار الكريمة" و "كرم المحتد" و "كرم النفس" و "مكارم الأخلاق" قال تعالى: "إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون"
وقال ثابت بن سنان في "طب الأخلاق": وأما الكرم فإنه جملة الفضائل والأخلاق المحمودة أو أكثرها وليس هو خلقا واحدا مفردا، وقد يطلق على العفو والحلم، ولكن الشجاعة لم توصف يوما بأنها كرم، فالكرم لا يتضمن معنى الشجاعة ولا يقتضيها.
وهناك قيمتان في الموروث العريي تتضمنان معنى الكرم ضرورة هما: الفتوة والمروءة، والفتوة تعنى الصحة القوة البدنية والكرم والوفاء وحماية الضعيف وإعاثة الملهوف والسيادة مع التواضع.
وكان من صيغ الفتوة وتجلياتها في الحياة العربية ظاهرة الصعلكة والتي كانت قائمة على الغزو والسلب من الأغنياء الأشحاء وتوزيع الغنائم على الفقراء والمحتاجين، واستمرت الظاهرة إياها في صيغ وحالات مختلفة في العصور المتوالية، وعنها انتقلت الفروسية إلى أوروبا.
يعد الماوردي أهم مرجع في الفكر الأخلاقي العربي وبخاصة في كتابه "أدب الدنيا والدين" وقد وضع للمروءة شروطا في ذات المرء وفي غيره، وملخص عرضه للمروءة: شروط المروءة في نفسه، وهي ثلاث خصال: الفقه والنزاهة والصيانة، والعفة نوعان: عفة عن المحارم، وعفة عن المآثم، والعفة عن المحارم نوعان:
ضبط الفرج عن الحرام، وكف اللسان عن الأعراض، والعفة عن المآثم نوعان:
الكف عن المجاهرة بالظلم، وزجر النفس عن الإسرار بالخيانة، لأن الخيانة ضعة، ومن يخن يهن.
والنزاهة نوعان: نزاهة عن المطامع الدنيوية، ونزاهة عن مواقف الريبة، والصيانة نوعان: صيانة النفس بالتماس كفايتها وتقديم مادتها، وصيانتها عن تحمل المنن والاسترسال في الاستعانة.
وأما شروط المروءة في غيره فثلاثة: المؤازرة، والمياسرة، والإفضال، والمؤازة نوعان: الإسعاف بالجاه، والإسعاف في النوائب، والمياسرة نوعان: العفو عن الهفوات، والمسامحة في الحقوق، والإفضال نوعان: إفضال اصطناع وإفضال استكفاف.
والمروءة تنتمي إلى الأخلاق الاجتماعية، فهي سلوك اجتاعي محمود يقوم على مراعاة التقيد بما يستحسنه الناس، وتجنب ما يستقبحونه، وهذا يعنى أن سلطة الجماعة هي المقررة في شأن المروءة، وليس سلطة العقل، وإن كان بعض مقوماتها مما يرجع إلى حكم العقل.
ليست المروءة مطلوبة لذاتها في الفكر الأخلاقي العربي بل من أجل المكانة الاجتماعية الرفيعة التي تمنحها، أو بتعبير أدق إن المكانة الاجتماعية المرموقة تفرض أو تدفع إلى سلوكيات المروءة، فهي جماع خصال الأرستقراطية القبلية كما عرفها المجتمع العربي.
هذا الطابع الأيدولوجي المحلي للمروءة جعلها تبدو كفضيلة عربية، وجميع من تحدثوا عن المروءة من المؤلفين القدامى رووا ونقلوا ما رووه ونقلوه عن شخصيات عربية من العصر الجاهلي وصدر الإسلام والعصر الأموي، وذلك على العكس من القيم الأخلاقية الأخرى التي تمثل المرجعية الفارسة أو اليونانية فيها المقام الأول، وكأن المروءة مفهوم قومي عربي، يقول عمر بن الخطاب:
تعلموا العربية فإنها تزيد في المروءة، وتعلموا النسب، فرب رحم مجهولة قد وصلت بنسبها، فاللغة والنسب عماد الهوية القومية، والمروءة جزء من الهوية العربية.
إبراهيم غرايبة
Comment