الحكمة في مخلوقات الله
للإمام أبى حَامِد الغزالي
تحقــيــق
الدكتور محمَّد رشيد قبّاني
للإمام أبى حَامِد الغزالي
تحقــيــق
الدكتور محمَّد رشيد قبّاني
مقدمة المؤلف
الحمد لله الذي جعل نعمته في رياض جنان المقربين ، وخص بهذه الفضيلة من عباده المتفكرين .. وجعل التفكر في مصنوعاته وسيلة لرسوخ اليقين في قلوب عباده المستبصرين .. استدلوا عليه سُبحانه بصفته فعلِموه .. وتحققوا أن لا إله إلا هو فوحَّدوه .. وشاهدوا عظمته وجلاله فنزَّهوه .. فهو القائم بالقسط في جميع الأحوال .. وهم الشهداء على ذلك بالنظر والإستدلال .. فعلموا أنه الحكيم القادر العليم كما قال في كتابه الكريم " شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ { 18} "آل عمران .
والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، وإمام المُتقين ، محمد خاتم النبيين ، وعلى آله وصحبه وشرَّف وكرَّم إلى يوم الدين .
أما بعد ،،،
فاعلم يا أخي وفقك الله توفيق العارفين ، وجمع لك خير الدنيا والدين ، أنه لما كان الطريق إلى معرفة الله سبحانه التعظيم له في مخلوقاته ، والتفكر فى عجائب مصنوعاته ، وفهم الحكمة في أنواع مبتدعاته ، وكان ذلك هو السبب لرسوخ اليقين ، وفيه تفاوت درجات المُـتَّقين ، وضعت هذا الكتاب لعقول أرباب الألباب ، بتعريف وجوه من الحِكم والنعم التي يشير إليها معظم آي الكتاب ، فإن الله تعالى خلق العقول ، وكــمَّــل هُـداها بالوحي ، وأمر أربابها بالنظر في مخلوقاته ، والتفكر والاعتبار بما أودعه من العجائب في مصنوعاته ، لقوله سُبحانه " قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ {101}" يونس وقوله " وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ {30}" الأنبياء .. إلى غير ذلك من الآيات البينات ، والدلالات الواضحات ، التي يفهمها كل ذي عقل سليم .. والترقي في اختلاف معانيها يعــظَّـــم المعرفة بالله سبحانه .. التي هي سبب السعادة .. والفوز بما وعد به عباده من الحُسنى وزيادة .
وقد بوّبته أبواباً يشتمل كل باب منها على ذكر وجه الحكمة من النوع المذكور فيه الخلق وذلك حسب ما تنبهت له عقولنا فيما أشرنا إليه ، مع أنه لو اجتمع جميع الخلائق على أن يذكروا جميع ما خلق الله سبحانه وتعالى وما وضع من الحكم في مخلوق واحد من مخلوقاته لعجزوا عن ذلك .
وما ادركته الخلائق من ذلك هو ما وهب الله سبحانه لكل منهم ، وما سبق له من ربه سبحانه ، والله المسئول أن ينفعنا به برحمته وجوده ..
الإمام الغزالي
Comment