كتاب / الله / عباس محمود العقاد

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • سيف الكلمة
    باحث متخصص
    • Sep 2004
    • 2203

    #16
    الفلسفة بعد الأديان الكتابية


    نشأت المذاهب الفلسفية بعد الأديان الكتابية متأثرة بها على نحو من الأنحاء : فإما للموافقة وإما للمخالفة وإما للمناقشة والتفسير .
    فقد كان الفلاسفة يولدون يهودا أو مسيحيين أو مسلمين , فيأخذون فى التوفيق بين أديانهم وبين الفلسفة التى تعلموها أو علموها . ومن ألحد منهم فإلحاده فى معظم الأحيان إنما هو إنكار لعقائد الأديان , وليس بالمذهب القائم على حده بمعزل عنها , وعلى غير علم أو مبالاة بوجودها.
    وكان أقدم النحل الفلسفية التى شاعت بعد اليهودية والمسيحية مذهب المعرفيين أو الجنوسيين Gnosjies الذى تقدم ميلاد المسيح بزمن قصير .
    وكان الغرض منه استخلاص المعرفة من جميع العقائد التى كانت يومئذ معتقدة مرعية بين أمم الحضارة . فأخذ من المجوسية والفرعونية واليهودية والوثنية الإغريقية , كما أخذ من فلاسفة اليونان ولا سيما فيثاغورث .
    ولما شاعت المسيحية آمن بها أكثر المعرفيين وأدخلوا فى مذهبهم عقيدة البنوة الإلهية وعقيدة الخلاص على نحو يوفق بين الفلسفة والدين , وكان إمامهم الأكبر بعد المسيحية فالنتينوس
    valentinus من الإغريق المتمصرين .
    فافتتح فى رومة سنة 140 م. مدرسة لتعليم مذهبه وأضاف إليها كثيرا من الشعائر والرموز والتأويلات
    وخلاصة الفلسفة المعرفية أن عامل الغيب أو العالم غير المرئى وجد فيه الأب السرمدى ومعه الصمت المطلق والحقيقة الأبدية , وأن الأب المطلق أودع العقل فى الصمت , فالعقل ولده ونده لأنه عقله , ومن ثن كانت أصول القدم أريعة كما فى مذهب فيثاغورث , وهى الأب والصمت والحقيقة والعقل أو الكلمة كما كانوا يسمونها فى بعض الأحيان .
    ويأخذ المعرفيون من المجوسية إيمانها بعنصرى النور والظلام , ويزيدون عليها أن حجب الظلام تحوا بين الإنسان وبين رؤية الله , ويقولون أنها سبعة آلاف حجاب تمر بها الروح الإنسانية فى هبوطها من العالم الأعلى إلى عالم الفساد ..وعملها – وهى فى ثوب الجسد – أن تشق هذه الحجب وترتفع إلى نور الله من جديد .
    وقد نشأ الشر بخروج روح من الأرواح العلوية من عالم النور إلى عالم الظلام . فكل ما فى عالم الأجساد هو صنع ذلك الروح , وهذه الخطيئة الأصلية فى رأى المعرفيين .
    وهم يعتقدون أن المعرفة هى سبيل الخلاص والرجعة إلى الله , لأن المعرفة تبدد حجب الظلام حجابا بعد حجاب , فلا يبقى فى النهاية غير النور المطلق , وهو الله . والمعرفيون لا ينكرون تعدد الأرباب دون الإله الأكبر وهو الأب السرمدى .. بل يؤمنون بوجود آلهه أخرى بمثابة أرواح نورانية أو أرواح ظلامية , ويحسبون آلهة العهد القديم فى عداد هذه الأرواح .
    ولولا أن المعرفة هى أول محاولة عقلية لاستخلاص العقائد من الأديان والفلسفات لما اتصلت لها بالفلسفة علاقة تذكر فىمعرض الكلام على المباحث العقلية , لأنها أشبه بنحل العباد منها ببحوث الفكرين .
    وأول مفكر تقدم المفكرين بعد الميلاد وتخلص من هذه التلفيقات الوثنية وواجه الحكمة والدين بعقل الفيلسوف وسليقة المؤمن هو أفلوطين إمام الأفلاطونية الحديثة , الذى ولد بإقليم أسيوط فى السنوات الأولى من القرن الثالث للميلاد .
    وهو أجدر فيلسوف أن يحسب من صميم المتصوفة , أو يقال عنه بغير جدال أنه إمام التصوف الذى امتزجت آراءه بالطرق الصوفية ولا تزال تمتزج بها إلى هذا الزمان .
    وقد بلغ أفلوطين غاية المدى فى تنزيه الله . فالله عنده فوق الأشياء وفوق الصفات ولا يمكن الإخبار عنه بمحمول يطابق ذلك الموضوع .
    بل هو عنده فوق كل الوجود .
    وليس معنى ذلك أنه غير موجود أو أنه عدم . لأن العدم دون الوجود وليس فوق الوجود . وإنما معناه أن حقيقة وجوده لا تقاس إلى الجواهر الموجودة ولا تدخل معها فى جنس واحد أو تعريف واحد .
    وبديهى أن هذا المذهب يقتضى وسائط متعددة لربط الصلة بين هذا الإله الأحد المطلق الصفاءوبين المخلوقات العلوية وهذه المخلوقات السفلية ولا سيما خلائق الحيوان المركب فى الأجساد .
    وهكذا لزم أفلوطين أن يقول أن الواحد خلق العقل وأن العقل خلق الروح وأن الروح خلقت ما دونها من الموجودات على الترتيب الذى ينحدر طورا دون طور إلى عالم الهيولى أو عالم المادة والفساد .
    وليست مسألة الخلق مشيئية فى مذهب أفلوطين . بل هى مسألة ضرورة لازمة من طبيعة الخير الذى هو الله .
    ويقول أفلوطين بتناسخ الأرواح وبالثواب والعقاب فى أدوار التجسيم . فزعم أن الولد إذا قتل أمه يعود امرأة ليقتلها ابنها , فتكفر بذلك عن ذنبها , وأن الظالم يعود ليظلمه غيره , وأن الضارب فى عمر من الأعمار يقتص منه ضارب فى عمر جديد .
    ولم يظهر بعد أفلوطين فلاسفة لهم خطر فى التفكير الإلهى غير فلاسفة الإسلام فى الشرق والأندلس وفلاسفة الكنيسة المسيحية . وقد تقدمت أقوالهم فى الفكرة الإلهية , عند الكلام على الأديان الكتابية بعد الفلسفة الإغريقية .
    ثم انطوت القرون فى ظلمات العصور الوسطى إلى القرن السابع عشر الذى اشتهر فيه ديكارت الفرنسى 1596 – 1650 ثم القرن الثامن عشر الذى اشتهر فيه بركلى الأيرلندى 1685 – 1753 وهما بحق مجددا حياة الفلسفة فى العالم الجديد .
    فأما ديكارت فهو يرى أن إثبات وجود العالم يتوقف على ثبوت وجود الله , فهو لا يتخذ من العالم دليلا على وجود صانعه – بل يتخذ من وجود الصانع الكامل دليلا على أن العالم حقيقة وليس بالوهم الباطل .
    ويرة ديكارت أن وجود النفس ووجود الله حقيقتان ثابتتان بغير برهان . فهو يقول " أنا أفكر أنا موجود " فيعلم أن النفس موجودة . لا شك فيها , ولا يسوق هذا العالم مساق القضية المنطقية التى لها مقدمة ونتيجة , بل يسوقه مساق المعرفة اللدنية التى يتلقاها مباشرة من الوجود الثابت , وإن كانت الكلمة التى قرر بها وجود النفس صالحة لأن تتخذ قضية ذات دليل .
    وقد حاول ديكارت أن يقيم بين العقل والمادة قنطرة تنتقل بها المؤثرات بين هذين الجوهرين المختلفين . فقال إن الغدة الصنوبرية فى الدماغ هى الحلقة المتوسطة بيم روح الإنسان وجسده . وقد رأينا مما تقدم أن بعض العلماء المعاصرين يؤيدون هذا القول ويدعمونه بالمشاهدة والإستقراء , ولكن ديكارت لم يعن بإيجاد مثل تلك القنطرة بين الله والعالم لأنه مما يفهم من أقواله يرى أن قدرة الله فى غنى عن هذا الوسط . وقد قال تلميذه لويس دى لا فورج : إن تأثير الأجسام فى الأجسام واقع مفروغ منه ولكننا إذا حاولنا فهم الحقيقة التى يقع بها التأثير لم تكن أيسر فهما من تأثير الأرواح فى الأجسام . ولولا الواسطة الإلهية لما وصلت الأفكار نفسها إلى العقول والأرواح .
    أما جورج بركلى فلا وجود فى رأيه لغير العقل أو الروح , ولا وجود للمادة فى الخارج إلا من عمل العقل الباطن لأن الصفات التى تنسب إلى الأشياء ليست فى الأشياء بل فى العقل الذى يدركها .فالإمتداد الشكل والحركة وهى الصفات الأولية المنسوبة إلى المادة هى عوارض فكرية لا توجد خارج العقول . واللون والطعم والصوت هى كذلك إحساس عقلى وليست صفات عالقة بالأشياء . وإذا قيل أن الصوت حركة نراها فى الهواء قال : ولكن الحركة ترى ولا تسمع . فالصوت إذن من عمل السامع على كل حال .
    وسخر بعضهم من هذا الإنكار فنظم أبياتا فكاهية يقول فيها ما فحواه إنك أيتها الشجرة لا توجدين إذا أغمضت عينى ولم أنظر إليك . فأجاب بركلى بل توجد إذا أغمضت عينيك لأن الله لا يغمض عينيه
    وهذا هو البرهان الأكبر على وجود الله فى مذهب بركلى وهو توقف الموجودات كلها على عقل شامل الإدراك يحتويها ومن هذا العقل يصل إلى عقولنا علمنا بالموجودات . لأن العقل لا يفهم إلا عن عقل يلقى إليه بالمعرفة . إذ لا معرفة فى غير العقول .

    يتبع
    الدنيا ساعة اختبار *** فإما جنة وإما نار تحقق من حديث
    http://www.dorar.net/hadith.php

    Comment

    • سيف الكلمة
      باحث متخصص
      • Sep 2004
      • 2203

      #17
      وخلف ديكارت وبريكلى فى القارة الأوروبية والجزر البريطانية فلاسفة كثيرون من ذوى الآراء المعدودة فى الحكمة الإلهية , أشهرهم سبنوزا وليبنتز فى أوروبا , وهيوم ومل وهاملتون وريد فى الجزر البريطانية . عدا فلاسفة ألمانيا الذين ظهروا فى القرن التاسع عشر قبل الفلسفة المعاصرة وأشهرهم كنط وهيجل وشوبنهور .
      ومذهب سبنوزا – 1634 : 1677 – أن الله والكون والطبيعة جوهر واحد لأن الجوهر ما قام بنفسه أو هو واجب الوجود وهو لا يتعدد .
      ولهذا الجوهر فكر وامتداد , وكل ما فى الوجود من المعقولات والمحسوسات فهو مظاهر الفكر أو للإمتداد . فالفكر تبدو مظاهره فى عقل الإنسان والإمتداد تبدو مظاهره فى هذه الأجسام .
      والله علة الأشياء كلها بالمعنى الذى تفهمه من أنه علة نفسه فليس خارج اللانهاية شيء والله هو اللانهاية . وإنما الفرق بين الله ومجموعة الظواهر المتفرقة أن مجموعة الظواهر المتفرقة تمثل الجانب المخلوق Natura Naturata وأن الله يمثل الجانب الخلاق Natura Naturans .
      والخلق لا يفيد معنى الإنشاء من العدم فى مذهب الفيلسوف بل هو لازم لزوم الأعراض أو المظاهر للجوهر الإلهى القائم بغير ابتداء .... وكل ما جرى بقوانين سرمدية فى الجوهر الإلهى مستمدة من ضرورة وجوده على الوجوب , إذ ليس فى الكون ممكن على الإطلاق ولكن الأشياء محتومة الوجود والعمل على نحو تستلزمه ضرورة الطبيعة الإلهية . ولا سبيل فى نشوء هذه الأشياء على أى نحو أو أى نظام يخالف ما وقع . ولهذا لزم أنها وجدت على أكمل الأنحاء والنظم إذ هى نشأت ضرورة من طبيعة على أتم كمال .
      وواضح من هذا أنه لا محل للحرية الإنسانية ولا للثواب والعقاب فى هذا المذهب , ولكن الإنسان يترقى فيتحد فى الجوهر الإلهى بقدر مقدور أو بالمعرفة و الحب العقلى كما سماه أى حب العارفين الذين استحقوا أن يتجاوزوا مرتبة الأعراض إلى الجوهر الأبدى المطلق الذى يتجردون فيه من التجزء والإنفراد
      وقد نفى سبنوزا فى بعض رسائله أنه يقول بوحدة الله والطبيعة وفسر كلامه بأن الله حاضر فى الطبيعة لا ينفصل عنها ولا تنفصل عنه , لأنه لا انفصال عن اللانهاية وهى الله .
      وعقدة الأشكال كلها على ما رأينا هى أن سبنوزا لم يرد أن يفرق بين وجود الأبد ووجود المكان والزمان . فالمكان يأخذ من المكان , والزمان يلحق بما له حركة تبتدىء وتنتهى فى أمد محدود . وليس للآنهاية حيز يجوز عليه زمان ولا مكان . فلا تناقض بين كمال الله ووجود الكائنات التى تتحيز فى فضاء محدود أو تجرى إلى أمد محدود .
      ويعد جوتفريد ويلهم ليبنتز 1646- 1726 أكبر الكارتيين بحق بين فلاسفة الألمان وفلاسفة القارة الأوروبية على التعميم .
      وشعار ليبنتز فى مسألة الخلق " أنه ليس فى الإمكان أبدع مما كان " وأن هذا العالم ليس هو العالم الوحيد فى قدرة الله . فإن قدرة الله لا تنحصر فى ممكن واحد بل تتناول جميع الممكنات . ولكن هذا العالم أحسن العوامل الممكنة التى تقبل الوجود وتجمع الممكنات المتعددة , إذ لا تمكن فضيلة بغير نقيصة , وكان فى قدرة الله أن يخلقهبغير شر ولا قبح فيه , ولكنه إذن يكون بغير خير ولا جمال إذ الخير مرتبط بالشر مرتبط بأضداده . ومن تمثيله لذلك أن الظمآن إذا نقع غليله بالماء البارد القراح شعر بلذة جديرة باحتمال الظمأ فى سبيلها حتى يطيب له تكرارها .
      الدنيا ساعة اختبار *** فإما جنة وإما نار تحقق من حديث
      http://www.dorar.net/hadith.php

      Comment

      • سيف الكلمة
        باحث متخصص
        • Sep 2004
        • 2203

        #18
        وفى الوجود على مذهب ليبنتز جواهر لا عداد لها يسميها الوحدات أو الأحاديات هى باليونانية (Monads ) كل منها بمثابة مرآة للوجود كله يختلف نصيبها من تمثيله باختلاف نصيبها من الصفاء والجلاء . وهى لا تتطلب أن تؤثر بعضها فى بعض لأنها تعمل جميعها بقانون واحد مذ كانت كلها منطوية على مثال الوجود كله , وهى كالساعات التى تدق دقاتها معا بغير تأثير من إحداها على الأخرى . لأنها متفقة التركيب والحركات .
        وإذا اجتمعت هذه الوحدات فى بنية واحدة كانت لتلك البنية " أميرة " ممتازة من تلك الوحدات . وهذه الأميرة لا تحركها ولا تؤثر فيها ولكنها إذا تحركت كانت أصدق الوحدات تمثيلا لنظام الوجود كما تكون الساعة المجلوة المتقنة أوضح فى رصد الوقت وضبط الحركات من سائر الساعات .
        وأكبر الفلاسفة الذين ظهروا فى الجزر البريطانية بعد بروكلى هو دافيد هيوم ( 1711 : 1776 ) ولعله أكبر الفلاسفة المحدثين فى القارة الأوروبية .
        والشك فى الحواس وفى طاقة العمل الإنسانى هو سمة هيوم فى كل ما كتب من المباحث الفكرية , ورأيه فى وجود الله يوافق هذه السمة الغالبة عليه , فهو يرى أن إثبات وجود الله لم يكن رغبة من رغبات العقل ولكنه رغبة كبرى من رغبات الضمير والشعور .
        فالأسلوب التى تشكك الفيلسوف فى الإيمان هى بعينها أسباب المتدين التى تبعثه إلى الإيمان لأنهم يعتصمون بالرجاء وينشدون السعادة , وكلاهما باعث أصيل فى النفس الإنسانية . فليكن هذان الباعثان مناط الإيمان بوجود إله قادر على الإسعاد وتلبية الرجاء .
        وتعد الفترة التى بين أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر عصر كانط ( 1724 : 1804 ) وهيجل بمذهبهما على مسالك التفكير التى شاعت بعدهما فى أوروبة .... ولا يزالان يهيمنان عليها فى الوقت الحاضر .
        كان كانط من المؤمنين بوجود الله . إلا أنه يكل الإيمان إلى الضمير ولا يعتمد فيه على البراهين العقلية التى تستمد من ظواهر الطبيعة , فالعقل فى مذهب كانت لا يعرف إلا الظواهر الطبيعية ( Phenomena ) ولا ينفد إلى حقائق الأشياء فى ذواتها ( Noumena ) .
        والروح فاعلة أبدا وليست مفعولا أو موضوعا للمعرفة . فهى عارفة غير معروفة , وليست مسألة الإيمان من ثمة مسألة علاقة بين الله والطبيعة , أو بين الله وهذه الأكوان المادية ولكنها مسألة علاقة بين الله وضمير الإنسان إذن نستمد الدليل على وجود الله .
        وفى ضمير الإنسان شعور أصيل بالواجب الأدبى وقسطاس مستقيم يوحى إليه أن يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه .
        وهذا الوحى الذى أودعه الله النفس الإنسانية ضمين بإسعاد من يطيعونه وحسن الجزاء لهم من الله , ولكنهم لا يسعدون فى كثير من الأحيان . وقد يسعد الآثمون ويشقى العاملون بالواجب فى هذه الحياة , فلابد من عالم آخر يتكافأ فيه واجب الإنسان وجزاؤه . وهذا هو البرهان الأدبى على خلود الروح وحرية الإنسان .
        الدنيا ساعة اختبار *** فإما جنة وإما نار تحقق من حديث
        http://www.dorar.net/hadith.php

        Comment

        • سيف الكلمة
          باحث متخصص
          • Sep 2004
          • 2203

          #19
          وهيجل يؤمن بالله كذلك ولكن على نحو يشبه الإيمان بوحدة الوجود . فليس فى الكون غير العقل , والعقل هو الكون . والله - وهو العقل المطلق- يتجلى فى كل الموجودات على سنة مضطردة وهى السنة الثنائية Dialectic .
          وخلاصة هذه السنة أن كل موجود فى الكون ينشأ نقيضه ثم يجتمعان فى موجود أكمل من الموجود الأول . ويعود هذا الموجود الأكمل فينشىء نقيضه ويكون هذا التطور سبيلا إلى استيفاء الحقيقة من وجوه عدة , بدلا من حصرها فى وجه واحد
          فهناك التقرير Thesis ثم النقيض Antithesis ثم التركيب Synpthesis وهو يجمع التقرير والنقيض .
          وإذا طبقت هذه السنة على مسألة الوجود الكبرى بدأنا بالوجود المطلق , وهو التقرير ,ونقيض الوجود المطلق وهو العدم , والتركيب الجامع للوجود المطلق والعدم هو الصيرورة . لأن الشيء فى حالة الصيرورة يكون موجودا وغبر موجود ..ولا يأخذ فى الوجود من ناحية حتى يأخذ فى الزوال من ناحية أخرى .
          ومن الضرورى لفهم هيجل فى هذه المسألة أن نفهم ما يعنيه بالعدم الذى يقابل الوجود المطلق .
          فالوجود المطلق هو الوجود الكامل الذى لاتقيده صفة من الصفات ولا حالة من الحالات , وخلو الوجود من كل صفة وكل حالة يقابله العدم الذى يعنيه الفيلسوف , ومتى حدثت الصيرورة فى الوجود المطلق كان منه الوجود الذى له صفات وأحوال , وهو يتطور على السنة المتقدمة من تقرير إلى نقيض , إلى تركيب .
          وقد تجلى الوجود المطلق فى هذه التطورات حتى بلغ طور الإنسان , وهو طور الوعى أو إدراك الوجود نفسه. ولا يزال الوجود المطلق متجليا حتى يشمل الوعى كل موجود فالصيرورة قنطرة بين الكمال المطلق , والعدم المطلق لا بد منها لإخراج هذه الموجودات المحدودة التى ليست بكاملة ولا معدومة .
          والله هو كل هذا الوجود سواء فى كماله المطلق أو فى تجليه فى كل محدود من هذه الكائنات .
          ومن البداية أننا لا نستقصى بهذه العجالة كل رأى لكل فيلسوف ظهر فى العصور الحديثة فلذلك شرح يطول ولا تدعوا إليه الحاجة فيما نحن فيه . ولكننا توخينا أن نكتفى بالفلاسفة الذين فصلوا آراءهم ومذاهبهم فى المسألة الإلهية وأن نكتفى من هؤلاء بمن يعبرون عن جوانب النظر المتعددة , ولا نحصيعم جميعا على سبيل الإستقصاء .
          وقد عرفت لغير هؤلاء الفلاسفة آراء تستحق الإلمام بها لأنها تعبر عن وجهات نظر لم تذكر كلها فيما أسلفناه .
          وأحقها بالذكر هنا رأى نيوتن الإنجليزى وكنط الفرنسى وأولهما مؤمن وثانيهما لا يثبت الله ولا ينفيه .
          وأما رأى نيوتن فهو أننا لا نصف العالم بالإحكام والإتقان لنستدل بإتقانه وإحكامه على وجود صانعه وهو الله , فإن هذا الدليل ينطوى على تناقض فى رأى الفيلسوف , لأن العالم المحكم المتقن يستغنى بقوانينه ونواميسه عن العناية الإلهية بعد خلقه والإيمان بالله قائم على الإيمان بالعناية التى تحيط بالخلق فى كل حين فوجود النقص فى العالم لا ينفى وجود الصانع الحكيم . بل وجود هذا الصانع الحكيم يقتضى أن يكون العالم مخلوقا لا يبلغ الكمال كله ويفتقر إلى موجده على الدوام .
          ويسخر ليبنتز بعالم نيوتن لأن ليبنتز كما تقدم يرى ( أنه ليس فى الإمكان أبدع مما كان ) ويقول أن عالم نيوتن كالساعة التى تحتاج إلى إدارة اللوالب وإصلاحها من حين إلى حين .
          جلت صنعة الله عن مثل هذا الصنيع .
          وخير ما يستفاد من هذه المقابلة بين العقلين الكبيرين أن المسألة أكبر من أن يحاط بها فى تفكير واحد . وأنها قابلة للرأيين معا بعد التدبر والإمعان .
          وأوجست كونت إمام الفلسفة الوضعية يقول إن البشر يتقدمون من طور الدين إلى طور الفلسفة إلى طور العلم الوضعى ثم يعتمدون على هذا العلم وحده فى كل معرفة يدركونها ولا وسيلة إلى الإدراك غير التجربة والمقابلة والإستقراء .
          ومهما يجهد العقل فلن يصل إلى حقيقة بغير هذه الوسيلة فإدراك المسائل الغيبية من وراء أمد العقول . وقد تستغنى العقول عن إدراكها لأنها لا تغير حياتها على هذه الأرض .... وهى حياة قائمة على التجارب فى حدود المعلوم من القوانين والنواميس .
          وليس أمامنا غاية مثالية نتجه إليها بالإيمان ونثبتها بوسائل المعرفة الميسورة غير (سعادة الإنسانية ) وتقديس أمثلتها العليا فى الخير والحق والجمال .
          ومن الجديرين بالتقديس أنبياء الماضى وأئمة الإصلاح فى كل جيل لأنهم خدموا الإنسانية وزودوها بالأمل والعزاء وفتحوا لها طريق الإستقامة والعمل المشكور , وقد جعل لكل نبى من هؤلاء الأنبياء موعد يذكر فيه وشعائر مرعية لعبادة الإنسانية فى ذكراه .
          وخير ما يستفاد من مذهب كنط أن الدين حاجة إنسانية لا غنى عنها وأن الله كما قال فولتير لو لم يكن موجودا لوجب إيجاده فى العقل والضمير . وبيقى أن كنط تخطى الركن الأكبر من أركان الإيمان وهو الصلة بين النوع البشرى وعالم اللانهاية . فإذا كانت الصلة بين الإنسان واللانهاية تنقطع لأن اللانهاية لا يحاط بها فى العقول فمعنى ذلك أن اللانهاية لن يؤمن بها لأنها لانهاية . وأن الكمال المطلق لن يؤمن به لأنه كمال مطلق . وأن يكون السبب المستحق للإيمان هو السبب المبطل للإيمان فى رأى فيلسوف العقل والتجربة .
          الدنيا ساعة اختبار *** فإما جنة وإما نار تحقق من حديث
          http://www.dorar.net/hadith.php

          Comment

          • سيف الكلمة
            باحث متخصص
            • Sep 2004
            • 2203

            #20
            التصوف
            لابد من فصل خاص عن التصوف بين فصول الكتاب عن الفكرة الإلهية , لأنه ينفرد بتفسيرات فى هذا الموضوع لا تتواتر فى العقائد العالمة ولا تشبه المذاهب العقلية التى يذهب إليها الفلاسفة .
            وهو ملكة فردية يستعد لها بعض الآحاد ولا تشيع فى الجماعات , وقد توصف بالغبقرية الدينية إذا بلغت مرتبة التأصل والإبتكار
            ومن لغو القول أن يقال أن هذه العبقرية هى نوع من التسامى بالغريزة النوعية أو الجنسية , لكثرة ما يرد فى أقوال المتصوفة من عبارات الغزل وكنايات الوجد والشوق والهيام .
            فهم فى الواقع يكثرون من هذه العبارات والكنايات ويتكلمون هن الوصل والهجر والشوق والدلال كما يتكلم العشاق فى قصائد الغزل والمناجاة
            فيقول الحلاج مثلا :"يا أهل الإسلام أغيثونى . فليس يتركنى ونفسى فآنس بها وليس يأخذنى من نفسى فأستريح منها . وهذا دلال لا أطيقه "
            وتقول رابعة العدوية :
            أحبك حبين حب الهوى *** وحبا لأنك أهل لذاكا
            ويبرز هذا المعنى كل البروز حيث يقول ابن عربى فى حلم رآه :
            " رأيت ليلة أنى نكحت نجوم السماء كلها فما بقى نجم إلا نكحته بلذة عظيمة روحانية , ثم أعطيت الحروف فنكحتها , وعرضت رؤياى هذه على من عرضها على رجل عارف بالرؤيا بصير بها ..فقال : صاحب هذه الرؤيا يفتح له من العلوم العلوية وعلوم الأسرار وخواص الكواكب ما لا يكون لأحد من أهل زمانه" .
            فهذا وأشباهه كثير فى أقوال أهل التصوف الذين امتازوا بالعبقرية الدينية هذا الإمتياز .
            ولكنهم لا ينفردون بهذه الحالة بين أصحاب العبقريات . فإن ما يصدق عليهم يصدق على عباقرة الفن وعباقرة المعرفة على التعميم فما من واحد من أصحاب هذه العبقريات إلا لوحظ فى تكوين مزاجه اختلاف قوى يمس الغريزة النوعية أقوى مساس . فمنهم من يفرط فيها ومنهم من يهملها ومنهم من يصاب بالعقم ومن يولد له أولاد يموتون فى الطفولة أو يولد له الإناث دون الذكور , ومنهم من يرتبط وحيه الفنى بعاطفة من عواطف الحب تشغله فى الحقيقة والخيال . فإذا قلنا أن العبقرية كلها نوع من أنواع التسامى بالغريزة النوعية بقى أن نعرف دواعى التمييز بين عبقرية المتصوف وعبقرية الفنان وعبقرية العالم وعبقرية القائد الفاتح والسياسى القدير . وإنما نذكر الواقع فنفهم الحقيقة فى هذا الأمر على وجهه المستقيم . والواقع من جهه هو أن العبقرية يقظة وتنبه وأن الغريزة النوعية عميقة القرار فى تركيب كل بنية حية . فلا تتيقظ النفس فى أعماقها إلا تنبهت معها تلك الغريزة فبرزت بتعبيراتها على نحو من الأنحاء . والواقع من جهة أخرى أن العبقرية خدمة للنوع كله من جانب الخلق العقلى أو الروحانى لا من جانب الخلق الحيوانى أو جانب التوليد . فلا عجب أن تنازع الغريزة النوعية مكانها وأن تنمو واحدة منهما على حساب الأخرى ..
            ويختلف المذهب الصوفى باختلاف مزاج الصوفى وتكوينه فإذا غلب عليه الشعور طلب سلام النفس بالزهد والتخلى عن العلاقات واستراح إلى سكينة التسليم , وإذا غلب عليه العقل والبحث طلب سلام النفس من طريق المعرفة التى ترفع النقائض , وتجمع الخواطر إلى وحدة يطيب للعقل أن يستقر عليها .
            وهؤلاء هم الذين يقولون مع معروف الكرخى أن التصوف هو معرفة الحقائق الإلهية . ويكثر فيهم الإشتغال بالفلسفة وتأويل مذاهبها , ولكنهم ينقلونها من الفكر إلى الشعور ويحاولون أن يحسوها كإحساس المرء بالكائنات التى يتعلق بها الحب ويشهد عليها الجمال .
            وكل فكرة يؤمن بها الصوفية تنطوى فى فكرة واحدة أصيلة شاملة لكل ما عداها , وتلك هى بطلان الظواهر وقيام الحقيقة فيما وراءها .
            الدنيا ساعة اختبار *** فإما جنة وإما نار تحقق من حديث
            http://www.dorar.net/hadith.php

            Comment

            • سيف الكلمة
              باحث متخصص
              • Sep 2004
              • 2203

              #21
              براهين وجود الله

              فى رأينا أن مسألة وجود الله مسألة وعى قبل كل شيء .
              فالإنسان له "وعى" يقينى بوجوده الخاص وحقيقته الذاتية , ولا يخلو من وعى يقينى بالوجود الأعظم والحقيقة الكونية , لأنه متصل بهذا الوجود , بل قائم عليه .
              والوعى والعقل لا يتناقضان , وإن كان الوعى أعم من العقل فى إدراكه , لأنه مستمد من كيان الإنسان كله , ومن ظاهره وباطنه , وما يعيه هو وما لا يعيه , ولكنه يقوم به قياما مجملا محتاجا إلى التفصيل والتفسير .
              ونحن نخطىء فهم العقل نفسه حين نفهم أنه مقصور على ملكة التحليل والتجزئة والتفتيت , وأنه لا يعمل عمله الشامل إلا على طريقة التقسيم المنطقى وتركيب القضايا من المقدمات والنتائج وإثباتها بالبراهين على النحو المعروف فالعقل موجود بغير تجزئة وتقسيم .... وهو فى وجوده ملكة حية تعمل عملا حيا ولا يتوقف عملها على صناعة المنطق وضوابطه فى عرف المنطقيين وهو وجوده هذا يقول نعم ويقول لا ويحق له أن يقولهما مجملتين فى المسائل المجملة على الخصوص .
              وقد يخطىء القول فى بعض الأشياء ولا يضمن الإصابة فى كل شيء . ولكن الخطأ ينفى العصمة الكاملة ولا ينفى الوجود . فقد يكون العقل المجمل موجودا عاملا وهو غير معصوم عن الخطأ الكثير أو القليل , ولن يقدح ذلك لا فى وجوده ولا فى صلاحيته للتفكير. لأن التقسيم المنطقى يخطىء أيضا كما يخطىء العقل المجمل فى أحكامه المجملة . ولا يقال من أجل ذلك أن التقسيم المنطقى غير موجود أو غير صالح للتفكير .
              فإذا قالت البداهة العقلية " نعم هناك إله " فهذا القول له قيمة فى النظر الإنسانى لا تقل عن قيمة المنطق والقياس , لأنهما قيمة العقل الحى الذى لا يرجع المنطق والقياص إلى غير مصدره أو سند أقوى من سنده . وقد كان العقل المجمل أبدا أقرب إلى الإيمان وأقرب إلى قولة " نعم " فى البحث عن الله , ولم يستطع التقسيم المنطقى أن يقول " لا " قاطعة مانعة فى هذا الموضوع .
              وقد أسفرت مباحثات الفلاسفة المؤمنين عن براهين مختلفة لإثبات وجود الله بالحجة والدليل ونحسب أننا نضعها فى موضعها حين نقرر فى شأنها هذه الحقيقة التى يقل فيها التشكيك والخلاف , وهى أن البراهين جميعا لا تغنى عن الوعى الكونى فى مقاربة الإيمان بالله والشعور بالعقيدة الدينية . وأن الإحاطة بالحقيقة الإلهية شيء لا ينحصر فى عقل إنسان ولا فى دليل يتمخض عنه عقل الإنسان , وإنما الترجيح هنا بين نوعين من الأدلة والبراهين وهما نوع الأدلة والبراهين التى يعتمد عليها المؤمنون , ونوع الأدلة والبراهين التى يعتمد عليها المنكرون , فإذا كانت أدلة المؤمنين , أرجح من أدلة المنكرين فقد أغنى الدليل غناءه وأدى للقياس رسالته التى يستطيعها فى هذا المجال , وهى فى الواقع أرجح وأصلح للإقتناع بالفكر – فضلا عن الإقتناع بالبداهة – كما يبدو من كل موازنة منصفة بين الكفتين .
              ولا يخفى أن قاعدة الإثبات والنفى فى مناقشة الخصوم لا تنطبق على هذا الموضوع الجليل . فليس للعقل البشرى خصومة فى الإثبات ولا خصومة فى الإنكار ... وليس على أحد عبىء الدليل كله ولا على أحد عبىء الإنكار كله فى البحث عن حقيقة الوجود .
              ونحن لا نحصى هنا جميع البراهين التى استدل بها الفلاسفة على وجود الله فإنها كثيرة يشابه بعضها بعضا فى القواعد وإن اختلفت قليلا فى التفصيلات والفروع , ولكننا نكتفى منها بأشيعها وأجمعها وأقربها إلى التواتر والقبول , وهى : برهان الخلق وبرهان الغاية وبرهان الإستكمال أو الإستقصاء , وبرهان الأخلاق أو وازع الضمير .
              أما برهان الخلق – ويعرف فى اللغات الغربية بالبرهان الكونى أو
              The Cosmological Argument.
              فهو أقدم هذه البراهين وأبسطها وأقواها فى اعتقادنا على الإقناع . وخلاصته أن الموجودات لا بد لها من موجد دون أن تعرف ضرورة توجب وجوده لذاته . ولا يمكن أن يقال أن الموجدات كلها ناقصة وأن الكمال يتحقق فى الكون كله , لأن هذا القول بأن مجموع النقص كمال , ومجموع المتناهيات شيء ليس له انتهاءومجموع القصور قدرة ليس لا يعتريها القصور . فإذا كانت الموجودات غير واجبة لذاتها فلابد لها من سبب يوجبها ولا يتوقف وجوده على وجود سبب سواه .
              ويسمى هذا البرهان فى أسلوب من أساليبه المتعددة ببرهان المحرك الذى يتحرك , أو المحرك الذى أنشأ جميع الحركات الكونية على اختلاف معانيها , ومنها الحركة بمعنى الإنتقال من حال إلى حال , والحركة بمعنى الإنتقال من حيز الإمكان إلى حيز الوجود , أو من حيز القوة إلى حيز الفعل , وفحوى البرهان إلى أن المتحرك لا بد له من محرك وأن هذا المحرك لابد أن يستمد الحركة من غيره وهكذا إلى أن يقف العقل عند محرك واحد لا تجوز عليه الحركة لأنه قائم بغير حدود من الزمان والمكان , وهذا هو " الله " .
              وجواب الماديين على هذا البرهان أنه لا مانع أن يكون المحرك الأول ماديا أو كونيا وأن يكون وجوده أبديا أزليا بغير ابتداء ولا انتهاء . لأن قدم العالم أمر لا يأباه العقل ولا يستحيل فى التصور , وحدوثه مشكلة تستدعى أن نسأل : ولم كان بعد أن لم يكن ؟ وكيف طرأت بالمشيئة الإلهية باحداثه وليست مشيئة الله قابلة للطروء ولا لتغير الأسباب والموجبات ؟
              ومن هؤلاء الماديين من يجزم بأن هذا الكون كله لا يحتوى شيئا واحدا يلجأ إلى تفسيره بموجود غيره , ولا استثناء عندهم فى ذلك للنظام ولا للعقل ولا للحياة .
              فمن أقوالهم أن المصادفة وحدها كافية لتفسير كل نظام ملحوظ فى الكائنات الأرضية , وضربوا لذلك مثلا صندوق من الحروف الأبجدية يعاد تنضيده مئات المرات وألوف المرات وملايين المرات على امتداد الزمان الذى لا تحصره السنون ولا القرن , فلا مانع أن تسفر هذه التنضيدات فى مرة من المرات عن إلياذة هوميروس أو قصيدة من الشعر المنظوم والكلم المفهوم , ولا عمل فى اتفاق حروفها على هذه الصورة لغير المصادفة الواحده التى تعرض بين ملايين الملايين من المصادفات .
              وهذا الكون المادى فى اضطرابه المشتت الذى تعرض له جميع المصادفات الممكنة فى العقول , فلا مانع فى العقل أن تسفر مصادفة منها عن نظام كهذا النظام وتكوين كهذا التكوين فى عالم الجماد أو فى عالم الحياة .
              وهذا المثل نفسه ينقض دعوى قائليه ويستلزم فرضا غير قروض المصادفات التى تتكرر على جميع الأشكال والأحوال ...فقد فاتهم أنهم قدموا الفرض بوجود الحروف المتناسبة التى ترتبط بعلاقة اللفظ وينشأ منها الكلام المفهوم فإن وجدت الفاء والياء واللام والسين والواو مثلا لا يكون قبل وجود كلمة أو كلمات تشتمل على هذه الحروف . فمن أين لهم أن أجزاء المادة المتماثلة تربط بينها علاقة التشاكل أو التشكيل على منوال العلاقة التى بين الحروف الأبجدية ؟ ومن أين للمادة هذا التنويع فى الأجزاء ؟ ومن أين لهذا التنويع أن تكون فيه قابلية الاتحاد على شكل مفهوم ؟
              وفاتهم كذلك أنهم قدموا الفرض بوجود القوة التى تتولى التنسيق والتنضيد وليس من اللازم عقر أن توجد هذه القوة بين الحروف , وأن يكون وجودها موافقا للجمع والتنضيد وليس موافقا للبعثرة والتفريق .
              وفاتهم مع هذا وذاك أنهم فرضوا فى هذه القوة الجامعة أنها تعيد هذا وذاك أنهم فرضوا فى هذه القوة الجامعة أنها تعيد تنسيق الحروف على كل احتمال كأنها تعرف بداءة كيف تكون جميع الإحتمالات . فلم تستنفد هذه القوة جميع الإحتمالات إلى آخرها ولا تتخبط في بعضها قبل انتهائها ثم تعيدها وتعيدها أوتكررها بشيء من الإستئناف وشيء من التجديد فى جميع المرات إلى غير انتهاء ؟
              وفاتهم عدا ما تقدم أن الوصول إلى تنضيدة مفهومة منظومة لا يستلزم لا يستلزم الوقوف عندها وتماسك الأجزاء عليها . فلماذا تماسك النظام فى الكون بعد أن جدت المصادفة والإتفاق ولم يسرع إليه الخلل وتنجم فيه الفوضى قبل أن ينتظم على نحو من الأنحاء ؟ وما الذى قرره وأمضاه وجعله مفضلا على الخلل والفوضى وهما مثله ونظيره فى كل احتمال ؟
              والعجب فى تفكير الماديين أنهم يستجيزون الكمال المطلق فى كل عنصر من عناصر الوجود إلا عنصر العقل وحده فهم يحدونه بالعقل الذى يتراءى فى تكوين الإنسان دون سواه .
              ومن المذاهب الفلسفية الحديثة التى نشأت فى القرن العشرين لتعليل ظهور الحياة فى المادة مذهبان متقاربان فى الأسس مع تباعد النتائج بينهما فى الشرح والتفصيل , وهما مذهب الحيوية المنبثقة الذى يقول به الفيلسوف الإنجليزى صمويل اسكندر باسم Emergent Vitalism .... ومذهب التركيبة الكاملة الذى يقول به المارشال سمطس زعيم أفريقيا الجنوبية المشهور , ويعرف فى الإنجليزية بالهولزم Holism .... من كلمة إغريقية بمعنى الكل الكامل .
              وخلاصة الفكرة الأساسية في هذين المذهبين أن المادة تتجه إلي التركيب أو تكوين المركبات الكاملة ، وأن الحياة تظهر فيها عند التركيب كما يظهر الخصائص الكيمية من بعض العناصر عند امتزاجها، ولم تكن قبل ذلك ظاهرة في هذه العناصر علي انفراد . ومذهب صومويل إسكندر أعم من مذهب المارشل سمطس في هذه الفكرة لأنه يقول بأن العقل الإلهي نفسه قد نشأ في الكون علي هذا المنوال ، فكانت المادة من أذل الأذال ، ثم بزغ منها العقل الإلهي في طور من أطوار التفاعل والتآلف بين الذرات والأجزاء .
              والمسألة هنا كما نري مسألة اعتقاد وتقدير . ومتي كانت كذلك فلا ندري لماذا يسهل علي العقل البشري أن يتصور الله مخلوقا من المادة ولا يتصور المادة مخلوقة بقدرة الله ؟ ولماذا يرجح ذلك الاعتقاد علي هذا الاعتقاد ؟
              إن بعض العلماء البيولوجيين يزعمون أن قوانين المادة وحدها كافية لتفسير ظواهر الحياة في الأجساد ، ويخيل إلي بعض الناس أن البيولوجيين أحق العلماء بالحكم الفصل في هذا الموضوع لأن علمهم يسمي علي الألسنة بعلم الحياة .
              أما الحقيقة فهي أن البيولوجيين يعرفون أعضاء الأجسام الحية ولكنهم في أمر الحياة نفسها لا يمتازون علي أحد من العلماء ، وليس من الازم أن يكون النبوغ في التشريح ودراسة الوظائف العضوية مقارنا للنبوغ في الفلسفة والبحث عن الأصول الكونية الكبري وأولها أصل الحياة .. وعلي هذا المثال لا يجوز للكيماوي أن يستأثر بالقول في أصل المادة وقدم الزمان والمكان لأنه يعرف تراكيب الأجسام ويعرف النسب التي تختلف بها هذه التراكيب . ولا يجوز لمهندس الطباعة أن يستأثر بالحكم في معاني الحروف وأسرار الكلمات لأنه يصب الحروف ويدير الآلات ويخرج من بين يدية كل نسخة من الكتاب ، ولا يجوز للنجار الذي يصنع الشطرنج أن يزعم أن اقدر اللاعبين علي تحريك هذه القطع في الرقعة وفقا للحساب وطبقا للقصد الذي يتوخاه اللاعب الماهر ، وإن كان هذا اللاعب الماهر أعجز الناس عن صنع قطعة أو إصلاح رقعة أو التفرقة بين خشب وخشب في صنع القطع والرقاع .
              على أن الماديين لا يعرفون من قوانين المادة وخصائص الأجسام المادية ما يسوغ لهم الجزم بامتناع المؤثرات الأخرى فى حركاتها . لأن المطابقة التامة فى التجارب المادية لم تتقرر بعد بتجربة واحدة . فكل تجربة تعاد لا تأتى بالنتيجة نفسها على وجه الدقة الكاملة بالغا الإحكام فى تركيب الآلات ويقظة المجربين .... وتعرف هذه الملاحظة بملاحظة هيزنبرج Heisenberg الذى ضبط مقدار الخلل فى هذه الإختلافات على وجه التقريب , وهو مقدار – مهما يبلغ من صغره – كاف لفتح الباب لاحتمال المداخلة الروحية فى بعض الآلات .
              أما برهان الغاية Teleogical Argument فهو فى لبابه نمط موسع من برهان الخلق مع تصرف وزيادة عليه .
              لأنه يتخذ من المخلوقات دليلا على وجود الخالق ويزيد على ذلك أن هذه المخلوقات تدل على قصد فى تكوينها وحكمة فى تسييرها وتدبيرها .
              وقد توجهت لهذا البرهان ضروب شتى من النقد لم تصدر كلها من جانب الماديين أو القاطعين بالآحاد .
              فقد أنكر بعض الإلهيين أن يحيط العقل البشرى بحكمة الله وأن تكون لله جل وعلا غايات تناط بالأحياء والمخلوقات , وفهموا الغاية على أنها الحاجة التى يتنزه عنها الواحد الأحد المستغنى عن كل ما عداه .
              وليس أضعف من هذا الإعتراض سواء عممناه على الخلق كله أو فصلناه بالنظر إلى جميع الخلائق من الأحياء وغير الأحياء .
              فإذا كان الله غنيا عن الحاجة فالمخلوقات لا تستغنى عنها , وإذا كانت حكمة الله أجل وأسمى من طاقة العقل البشرى فالعقل البشرى يستطيع أن يميز بين الأعمال المقصودة والأعمال المرسلة سدى بغير قصد وعلى غير هدى , وإذا كانت القدرة السرمدية لا تجدها الغايات فالكائن المحدود لابد له من غاية ولابد لتلك الغاية من تقدير وتدبير . ومن أين يكون التقدير والتدبير فى نظر الإلهيين إن لم يكن الله ؟
              وليس اعتراض الماديين على هذا البرهان بأقوى من اعتراض هؤلاء الإلهيين لأنهم يقولون ان نظام الكواكب لا يحتاج إلى تنظيم وأن كيان العناصر لا يحتاج إلى تكوين , وأن طبائع المادة وحدها كافية لفهم هذا النظام وتفسير ذلك الكيان .
              فالمادة الحامية تتحرك والحركة تشع الحرارة , ومتى حدث الإشعاع قلت الحرارة فى بعض الأجزاء واختلفت بينها درجة البرودة , فانشق بعضها عن بعض ووجب بموجب قانون الحركة المركزية أن يدور الصغير حول الكبير ويصمد على الدوران . وهكذا تحدث المنظومات الشمسية وتثبت الثوابت وتدور السيارات حولها بحساب يوافق اختلافها فى الحجم والسرعة والمسافة ودرجة الإشعاع .
              ويقولون أن العناصر تتكون من نواة وكهارب , ولا يعقل العقل إلا أن تكون نواة وكهربا واحدا أو نواة وكهربين أو نواة وثلاثة كهارب أو أربعة أو خمسة إلى آخر ما تحتمله قوة النواة على التماسك والإجتذاب . وكلما اختلف العدد ظهر فى المادة عنصر جديد بالضرورة التى لا محيص عنها , وليس هنالك سبب غير هذا السبب لتعدد العناصر والأجسام .
              وكل هذا صحيح من من وجهة الواقع الذى نراه .... ولكن من أين لنا أن الواقع الذى نراه هو كل ما يحتمله العقل من فروض ووجوه ؟ ألازم هذا بحكم البداهة, أم هو لازم لغير شيء إلا أنه كان على هذا الشيء وشهدناه ؟ فالبداهه لا تستلزم أن تكون الحركة ملازمة للحرارة وأن تكون الحرارة ملازمة للإشعاع . والبداهة لا تستلزم أن يكون الصغير منجذبا إلى الكبير , وأن تقضى الحركة المركزية بالدوران فى فلك لا تتعداه . وجائز فى رأى العقل كل الجواز أن تكون حرارة ولا إشعاع , وأن يكون انشقاق ولا انجذاب .
              ويبدو لنا أن الإعتراض الذى يقام له وزن بين جميع الإعتراضات المتجهه إلى هذا البرهان هو الإعتراض بوجود الشر والألم فى الحياة .
              فكيف يقال بأن القصد ظاهر فى هذا العالم ثم يجتمع القصد مع وجود الشر والنقص ولا ظلم فيه ؟ هل يقال إذن أن الشر مقصود ؟ وهل يقال أن الظلم مما يليق بحكمة الحكيم ؟
              وليس جوابنا على هذا الإعتراض أن نعزو إلى الله دواعى مقدرة لخلق هذه الأمور فإن الدواعى التى نقدرها لن تبلغ بنا إلى نهايات الأشياء , ولن تزال واقفة بنا عند بدايات مفروضة عن تلك النهايات .
              ولكننا نرجع إلى المقابلة بين هذا العالم وبين الذى يتخيله أولئك المعترضون وافيا بالقصد أو جديرا بحكمة الله . فإن كان هو أقرب إلى التصور فقد صدقوا وأصابوا وإن كان العالم الذى نحن فيههو الأقرب إلى التصور فقد سقط الإعتراض .
              فما العالم الذى يتخبل المعترضون أنه أجدر من عالمنا هذا بحكمة الله وقصد المدبر المريد ؟
              هو عالم لا تقص فيه فلا نمو فيه , ولا آباء ولا أبناء , ولا تفاوت فى السن والتهيؤ والإستعداد ولا تقابل فى الجنس بين الذكور والإناث , بل جيل واحد خالد على المدى لا يموت ولا يتطلب الغذاء والدواء .
              عالمهم المتخيل هو عالم لاحرمان فيه . فلا ينتظر فيه الحى شيئا يجيء به الغد ولا يشتاق اليوم إلى مجهول .
              بل بل ماذا نقول ؟ أنقول الغد واليوم ؟ ومن أين يأتى الغد واليوم فى عالم لاتغاير فيه ولا تنوع فى التراكيب والحركات ؟ إنما يأتى اليوم والغد من تغاير الكواكب بالحركة والضخامة والدوران . فإذا بطل التغاير والتركيب فلا شمس ولا أرض ولا قمر . لا أيام ولا أعوام.
              هو عالم لا ألم فيه ولا اجتهاد فيه , ولا اتقاء لمحذور ولا اغتباط بمنشود .
              هو عالم لا أمل فيه ولا محبة ولا حنان ولا صبر ولا جزع ولا رهبة ولا اتصال بين مخلوق ومخلوق . لأن الإتصال تكملة ولا حاجة إلى التكملة لأرباب الكمال .
              وإن تصور العالم على هذه الصورة لأقرب إلى المستحيل من صورة عالمنا بمافيه من النقائض والشرور .
              ويعتبر البرهان الثالث من براهين أهل الصناعة . لأنه مما يتداول بين الباحثين فى المنطق والفلسفة الدينية ولا نسمع به كثيرا بين جمهرة المؤمنين الذين لا يطرقون أبواب هذه البحوث . وذلك هو برهان الإستعلاء والإستكمال أو برهان المثل الأعلى عندهم The Ontological Argument .
              وقد صاغه القديس أسلم Aselm فى صورته الأولى وزاده اللاحقون به ونقحوه حتى بلغ كماله فى فلسفة ديكارت وأوشك أن ينسب إليه .
              وفحواه فى صيغته الجامعة أن العقل الإنسانى كلما تصور شيئا عظيما تصور ما هو أعظم منه . لأن الوقوف بالعظمة عند مرتبة قاصرة يحتاج إلى سبب , وهو – أى العقل الإنسانى لا يعرف سبب القصور .
              فما من شيء كامل إلا إلا والعقل الإنسانى متطلع إلى أكمل منه , ثم أكمل منه , إلى نهاية النهايات , وهى غاية الكمال المطلق التى لا مزيد عليها ولا نقص فيها .
              وهذا الموجود الكامل الذى لا مزيد على كماله موجود لا محالة . لأن وجوده فى التصور أقل من وجوده فى الحقيقة , فهو فى الحقيقةموجود , لأن الكمال ينتفى عنه بسبب عدم وجوده , ولا يبقى له شيء من الكمال , بل نقص مطلق هو عدم الوجود فمجرد تصور هذا الكمال مثبت لوجوده .
              ويعتمد عما نويل كانط – الذى يستضيف هذا البرهان – على برهان أقوى منه واضح فى الدلالة على " الله " كما ينبغى له من الصفات ... فعنده أن برهان الخلق وبرهان القصد يثبتان وجود الصانع القادر ولكنه لا يلزم من قدرته وصنعته أنه " الإله " الذى يصدر منه الخير والرحمة ويعبده الناس عبادة الحب والإيمان .
              وأيما يثبت وجود هذا الإله بعلامة فى النفس الإنسانية لا يتأتى وجودها فيها بغير وجود إله , وتلك هى علامة الوازع الأخلاقى أو علامة الواجب أو علامة الضمير .
              فمن أين استوجب الإنسان أن يدين نفسه بالحق كما نعرفه إن لم يوجد فى الكون قسطاس للحق يغرس فى نفسه هذا الوجوب ؟ ومن أين تقرر فى طبع الإنسان أن الواجب الكريه لديه أولى به من إطاعة الهوى المحبب إليه , وإن لم يطلع أحد على دخيلة سره ؟
              المستضعفون لهذا البرهان يقولون أنها العادة الإجتماعية رسخت فى النفس حتى استحالت إلى رغبة مقبولة أو مطلب محبوب .
              ولكنهم ينسون أن معرفة السبب لا تقضى بإبطال الغاية أو بفقدان الحكمة .
              فنحن نعلم أن القطار يتحرك بغليان المرجل فيه , ونعلم أن المهندس قد مد قضبانه لأنه يكافأ على مدها بالأجر الذى يحتاج إليه , وأن نظار المحطات يسيرون حركة القطارات لأنهم مجزيون على ذلك أو معاقبون على إهماله , ولكن ذلك كله لا يبطل الغاية ولا يقضى بمسير القطار لغير حكمة قيام العمل بغير تدبير .
              هذه هى زبدة البراهين الفلسفية العامة على وجود الله . ومن الحق أن نعيد هنا أن الإيمان الإلهى لا يقوم عليها وحدها فى البصيرة الإنسانية , وأن قصاراها من الإقناع أنها أرجح وزنا من ردود المنكرين , ولا سيما المنكرين الذين فى إنكارهم ادعاء وهجوم على الفروض بغير دليل , وبغير إيمان .
              ولقائل أن يقول فى هذا الصدد :لماذا يحوجنا الله إلى البراهين فى إثبات وجوده؟ لماذا لا يتجلى للعيان فيعرفه كل إنسان ؟
              ونقول نحن إننا لا ندرى .. ولكننا إذا طلبنا أن تتجلى الحقيقة الإلهية لكل مخلوق وأن تتساوى العقول جميعا فى استكناه الحقائق بغير خفاء , عدنا إلى المخلوقات المتشابهه فى الكمال بغير اختلاف قط وبغير حدود فى المعرفة والخليقة , وليس تخيلنا لذلك العالم المطلوب بأيسر من تخيلنا للعالم المشهود كما عهدناه .
              فإن العالم الذى يوجد فيه الإيمان وجودا آليا أقل حكمة من العالم الذى يجاهد فيه الضمير جهاده للوصول إلى الإيمان .
              الدنيا ساعة اختبار *** فإما جنة وإما نار تحقق من حديث
              http://www.dorar.net/hadith.php

              Comment

              • سيف الكلمة
                باحث متخصص
                • Sep 2004
                • 2203

                #22
                البراهين القرآنية
                لم تتكرر البراهين على إثبات وجود الله فى كتاب من كتب الأديان المنزلة كما تكررت فى القرآن الكريم .
                فقد كان يخاطب أقواما ينكرون وأقواما يشركون وأقواما يدينون بالتوراة والإنجيل ويختلفون فى مذاهب الربوبية والعبادة وكانت دعوته للناس كافة من أبناء العصر وسائر الأمم , فلزم فيه تمحيص القول فى الربوبية عند كل خطاب .
                وكان يخاطب العقل ليقنع المخالفين بالحجة التى تقبلها العقول الإنسانية , فجاء بكل برهان من البراهين التى لخصناها فى الفصل السابق , وجعل الهدى من الله ولكنه من طريق العقل والإلهام بالصواب .
                ( قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء) البقرة 142
                ( قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ )آل عمران 73
                (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ) يونس 100
                ( فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ) الأنعام 125
                وآيات الله مكشوفه لمن يريدها ويستقيم إلى مغزاها , ولكنها هى وحدها لا تقنع من لا يريد ولا يستقيم :
                (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ *)
                الحجر 14,15
                فحتى العيان لا يكفى لإقناع من صرف عقله عن سبيل الإقناع , لأنه يتهم بصره وسمعه فيما رأى بعينه وسمع بأذنيه , وكل شىء فى الأرض والسماء كاف لمن جرد عقله من أسباب الإنكار والإصرار :
                ( أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ) النبأ 6 : 16
                ( وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) الرعد 4
                ( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى ) النجم 45
                ( فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) الشورى 11
                ( وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) النحل 78
                ( قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ) الأنعام 14
                ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) طه 110
                وليست هذه جميع الآيات التى وردت فى القرآن الكريم بإقامة البرهان على وجود الله ,ولكنها أمثلة منها تجمع أنواعها ونرى منها أنها قد أحاطت بأهم البراهين التى استدل بها الحكماء على وجوده : وهى براهين الخلق والإبداع وبراهين الكمال والاستعلاء والمثل الأعلى .
                ومما يستوقف النظر ان البراهين التى جاء بها القرآن الكريم وخصها بالتوكيد والتقرير هى أقوى البراهين إقناعا وأحراها
                أن تبطل القول بقيام الكون علي المادة العمياء دون غيرها . ونعنى بها :
                ( أولا) برهان ظهور الحياة فى المادة (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ) الأنعام 95
                ( وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ ) النحل 78
                (ثانيا)برهان التناسل بين الأحياء لدوام بقاء الحياة .
                (جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ) الشورى 11
                (وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) ق 7
                وقد كان الناس ينظرون بالعين المجردة إلى أعضاء الجسم الحى فيعجبون وسعهم من العجب لدقتها وتساند اجزائها وتعاون وظائفها وسريان عوامل النمو فيها بمقاديره الضرورية علي حسب السن و النوع و الفصيلة , سواء فى جسم الإنسان أو جسم الحيوان أوجسم الحشرة أو جسم النبات ...فأحرى بهم أن يعجبوا أضعاف ذلك العجب بعد أن عرفوا بالمجاهر والتحليلات مم تتألف تلك الأعضاء , وعلى أى نحو تتساند تلك الوظائف , وتبين لهم أن هذه الأعضاء البارزة للعيان مجموعة من ذرات لاترى الألوف منها بالعين المجردة ,وأنكل ذرة منها تقع فى موقعها من الخسم وتعاون بقية الذرات فيه كأنها على علم بها وبما تطلبه منها , ولاتضل واحده منها عن طريقها لمرض أوعجز طرأ عليها إلا تكفل سائرها بإصلاح خطئها وتقويم ضلالها .
                قال الأستاذ ليثر Leathers فى خطاب الرئاسة السنوى بقسم الفزيولوجى من جامعة أكسفورد عام 1936 ما فحواه أن كل خلية من البروتين تتألف من سلسلة فيها بضع مئات من الحلقات ,وأن كل حلقة منها هى تركيبة من ذرات قوامها حمض من الأحماض يبتغ المعروف منها نحو العشرين ,ويجوز أن يقع منها موقعه على اختلاف فى النسبة والترتيب ,ولكننا لا نراها فى بعض الأنسجة إلا على ترتيب واحد ونسبة واحدة بغير شذوذ ولا اختلاف .
                فهل نستطيع أن نتخيل مبلغ الدقة فى هذه الإصابة بين احتمالات الخطأ التى لا تحصيها أرقامنا المألوفة ؟
                يكفى لتقريب هذه الدقة من الخيال أن نذكر أن الحروف الأبجدية فى لغات البشر كافة لا تتجاوز الثلاثين , ويتألف من تراكيبها المتغيرة كل ما تلفظ به الأمم من الكلمات والعبارات . فإذا كانت خلية البروتين فى حجمها الخفى قابلة لأضعاف ذلك التكرار ثم لا نشاهد فيها إلا كلمة واحدة فى ترتيب واحد لا يتغير فقد عرفنا على التقريب معنى تلك الإصابة فى التوفيق والتركيب .
                يقول الأستاذ ليفر لتقريب هذا الخيال أن الضوء يصل من طرف المجرة إلى الطرف الآخر فى ثلاثمئة ألف سنة . فإذا أردنا أن نشبه إصابة الخلية فى تركيبها بمثل مفهوم فهذه الإصابة تضارع إصابة الرصاصة التى تنطلق من الأرض فتصيب هدفا فى نهر المجرة بحجم عين الثور ولا تخطئه مرة من المرات , وهذا على فرض أن حلقات الخلية خمسون فقط وليست بضع مئات !
                لقد بطل معنى القصد فى لغة العقل إن كان هذا كله مصادفة لا تستلزم الخلق والتدبير .
                فالقرآن الكريم قد خاطب الأحياء بلغة الحياة وخاطب العقلاء بلغة العقل , حين كرر برهان الحياة وبرهان النسل فى إثبات وجود الخالق الحكيم .
                وبرهانه على وحدة هذا الخالق يضارع برهان الحياة وبرهان النسل على وجوده وحكمته وتدبيره .
                ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) الأنبياء 22
                ولن يقوم على ثبوت الوحدانية برهان أقوى من هذا البرهان , وهو برهان التمانع كما يسميه المتكلمون والباحثون فى التوحيد . وقد اختلفوا فيه ولكنه اختلاف لا موجب له مع فهم البرهان على معناه الصحيح الذى لا ينبغى أن يطول الجدل عليه فالإمام التفتازانى يقول أنه برهان إقناعى أو برهان خطابى , لجواز الإتفاق بين الإلهين أو بين الآلهة وأن العقل لا يستلزم الخلاف والإمامان أبو المعين النسفى وعبد اللطيف الكرمانى ينحيان عليه أشد الإنحاء ويقذفانه بالكفر لأن الإستدلال ببرهان إقناعى يستلزم أن يعلم الله سبحانه ورسوله ما لا يتم الإستدلال به على المشركين فيلزم أحد الأمرين إما الجهل وإما السفه , وتعالى الله على ذلك علوا كبيرا .
                والإمام محمد البخارى تلميذ التفتازانى يدفع التهمة عن أستاذه بأن الأدلة على وجود الصانع تختلف بحسب إدراك العقول , والتكليف بالتوحيد يشمل العامة وهم قاصرون عن إدراك الأدلة القطعية البرهانية ولا يجدى معهم إلا الأدلة الخطابية العادية .
                وقال الرازى إن الفساد ممكن إذا تعددت الآلهة , وقد أجرى الله الممكن مجرى الواقع بناء على الظاهر .
                وقال الإمام نور الدين الصابونى فيما رواه عنه صاحب سفينة الراغب : " لو تبت الموافقة بينهما - بين الإلهين - فهى إما ضرورية فيلزم عجزهما واضطرارهما أو اختيارية ويمكن تقدير الخلاف بينهما فيتحقق الإلزام " .
                وأحسن الإمام اسماعيل الكلنبوى حيث قال فى حاشيته على شرح الجلال : " لا يخلو إما أن يكون قدرة كل واحد منهما وإرادته كافية فى وجود العالم أو لاشيء منهما كاف أو أحدهما كاف فقط وعلى الأول يلزم اجتماع المؤثرين التامين على معلول واحد وهو محال , وعلى الثانى يلزم عجزهما لأنه لا يمكن لهما التأثير إلا باشتراك الآخر , وعيى الثالث لا يكون الآخر خالقا فلا يكون إلها " .
                وصواب الأمر أن وجود إلهين سرمديين مستحيل , وأن بلوغ الكمال المطلق فى صفة من الصفات يمنع بلوغ كمال مطلق آخر فى تلك الصفة وأن الإثنينية لا تتحقق فى موجودين كلاهما يطابق الآخر ولا يتمايز منه فى شيء من الأشياء وكلاهما بلا بداية ولا نهاية ولا حدود ولا فروق , وكلاهما يريد ما يريده الآخر ويقدر ما يقدره ويعمل ما يعمله فى كل حال وفى كل صغير وكبير , فهذان وجود واحد وليسا بوجودين , فإذا كان اثنين لم يكونا إلا متمايزين متغايرين . فلا ينتظم على التمايز والتغاير نظام واحد , وإذا كانا هما كاملين فالمخلوقات ناقصة ولا يكون تدبير المخلوق الناقص على وجه واحد بل على وجوه .
                وعلى هذا فبرهان القرآن الكريم على الوحدانية برهان قاطع وليس ببرهان خطاب أو إقناع ,
                الدنيا ساعة اختبار *** فإما جنة وإما نار تحقق من حديث
                http://www.dorar.net/hadith.php

                Comment

                • سيف الكلمة
                  باحث متخصص
                  • Sep 2004
                  • 2203

                  #23
                  خاتمة المطاف
                  مهما يكن من تشعب الرحلة التى قضيناها على صفحات هذا الكتاب ,فهى نقله يسيرة بالقياس الى الرحلة الإنسانية الكبرى فى هذا السبيل . ولعل ما بقى منها أضعاف ما سلف لأن السعى إلى الحقيقة الأبدية لن يزال سعيا موصولا فى كل جيل .
                  وقد أوجزنا وكان لابد لنا أن نوجز ولكننا توخينا فى الإيجاز ألايتخطى حد الضرورة , وحد الضرورة هو أن يكون البيان كافيا للإشارة إلى ا لوجهة العامة , وأنيكون كافيا تقرير النتائج التى يرتضيها العقل ويتطلبها الضمير , سواء من جانب العقائد الدينية أومن جانب المباحث الفكرية .
                  وخاتمة المطاف قد تنتهى بنا الى النتائج الأتية وهى :
                  (أولا) إن التوحيد هو أشرف العقائد الإلهية وأجدرها بالإنسان فى أرفع حالاته العقلية و الخلقية .ولكن الإنسان لم يصل إلى التوحيد دفعة واحدة . ولم يفهمه على وجهه الأقوم عندما وصل إليه . بل تعثر فى سعيه , وأخطأ فى وعيه , ولم يزل مقيدا بأطوار الاجتماع و حدود المعرفة عصرا بعد عصر وحالا بعد حال . فلم يلهم من هذه العقيدة إلا بمقدار ما يفهم , ولم يهتد إلى خطوة جديدة فيها إلا بعد تمهيد أسبابها وتثبيت مقدماتها . فكان الإيمان مساوقا للخلق والعرفان .
                  وليس في ذلك كله ما يقدح في الغاية البعيدة التي يؤمها من وراء هذه الخطوات وليس في جميع هذه الأخطاء ما يقدح في الحقيقة الكبري . لأن معرفة الإنسان بالحقيقة الكبري دفعة واحدة هو المحال الذي لا يجوز وترقيه إليها خطوة بعد خطوة هو السنة التي اتبعها في كل مطلب يعنية .
                  فلم يكن من الجائز أن يتعرف الصناعات والعلوم جزءا جزءا في هذه الآماد الطوال ، وأن يتلقي حقيقة الوجود الكبري كاملة مستوفاة منذ نشأته علي الأرض أول نشأة .
                  ولقد مضي علية عشرات الألوف من السنين وهو يخلط في طهو غذائه . وحاجته إلي الطعام لا شك فيها ، ومادة الطعام بين يديه ، وعلم الطعام ليس بالعلم المغيب وراء الحجب والأستار . فإدا فاته أن يدرك الوجود المطلق قبل أن يتقن غذاءه فليس من الجائز أن نعجب من ذلك ، أو أن نستفتح به أبواب التشكك في كنه العقيدة أو في لباب الحقيقة . وإنما العجب ألا يكون الأمر كما كان .
                  والنتيجة الثانية التي يرتضيها العقل ويتطلبها الضمير في خاتمة المطاف أن الإله الأحد (ذات) ولا يسوغ في العقل أن يراه غير ذلك .
                  فقد مرت بنا أقوال تضاربت فيها الأراء , وتنوعت فيها المقاييس ولكننا وجدنا بينها إجماعا علي شيء واحد مع صعوبة الإجماع في هذه الأمور . وهو أن الذاتية أغلي ما نتصوره من مراتب الكائنات علي الإطلاق .
                  فالأقدمون الذين قالوا بالعقل والهيولي ، والمحدثون الذين قالوا بالنشوء والارتقاء والنشوئيون الذين قالوا ببقاء الأنسب أو قالوا بالانبثاق ، وغير هؤلاء مجمعون علي قول واحد . وهو أن الترقي إنما هو الانتقال من وجود بغير ذات إلي وجود له ذات :إلي وجود يعلم ذاته ويشعر بوجوده .
                  فالجماد المبهم الذي لا تعيين فيه أقل من الجماد الذي تعين بعضه من بعض وتميزت له أشكال وصفات ، وهذا الجماد أقل من النبات . وكلما ارتقي النبات ظهر فيه التعيين بين شجرة وشجرة وبين ثمرة وثمرة واتجه إلي التخصيص بعد التعميم . وهكذا آحاد الحيوان وهكذا آحاد الإنسان .. حتي إذا بلغ غاية مرتقاه أصبح ذاتا لا تلتبس بذات أخري من نوعه ، وكان هذا هو المقياس الصادق لترتيب درجات الجمال في جميع الكائنات .
                  فالكائن الأكمل لن يكون مجردا من الذات ولن يتخيله العقل عقلا مجردا من الذاتية كما وهم بعض أصحاب الديانات وناقضا أنفسهم فيما وهموه . فالعقل يعقل وجوده لا محالة ومتي عقل وجوده فهو ذات أما العقل الذي لا يعقل وجوده فتسميه بالعقل ضرب من العي والإحالة . وتسميه بغير هذا الاسم تلفيق يحار فيه التعبير .. فإذا كان قوة مادية فلا معني لفرضها بمعذل عن قوي الكون وإذا كان قوة عقلية فلن تكون القوة العاقلة في غير ذات .
                  ***
                  وتأتي بعد لك النتيجة ، هي إدراك هذه الذات . فكل شرط يذهب إليه الذاهبون لتقييد الذات الإلهية بصفة من الصفات المعهودة لدينا فهو شر قائم علي غير أساس .
                  فلا أساس للقول بأن "الله" لا تكون له صفات متعددة لأنه جوهر بسيط .
                  ولا أساس للقول بأن الله لا يريد لأن الإلرادة اختيار بين أحوال , والله منزه عن الأحوال.
                  ولا أساس للقول بلأن الله لا يعلم الجزئيات لأنه يعلم أشرف المعقولات , وهو ذات الله .
                  فنحن قد جهلنا البساطة فى المادة وأحكامها ونحن نلمس الأجسام ونعيش فى الأجسام .
                  جهلنا البساطة المادية فقال الأقدمون أن المادة كلها من النار والتراب والهواء والماء ثم عللنا التركيب بتعدد العناصر واختلاف توليف الذرات . ثم علمنا أن الذرات كلها تنتهى إلى إشعاع وهو أبسط ما تراه العين ويلم به الخيال . وقد كانوا قديما يقولون أن الأجرام العلوية خالدة أبدية لا يعرض لها الفساد والتغير لأنها نور بسيط .... فكل الأجسام إذن نور بسيط لا نعلم منه إلا أنه حركة فى فضاء ! .... ونحن قد جهلنا أحكام البساطة وصفاتها فى المادة المحسوسة قرونا بعد قرون , ولا نزال نعلم أننا واهمون فيما نتصف به من الحركة والسكون . فمن أين لنا أن ندرك أحكام البساطة الإلهية قياسا على وصف لا تحيط به العقول .
                  من أين لنا أن إرادة الله من قبيل إرادتنا ؟ وأن علم الله من قبيل علمنا ؟ وكيف الوجود إن لم يكن وجودا بعلم ويخالف العدم ؟ وكيف يخالف العدم إذا كان سلبا لا أثر له فى سبيل الثبوت ؟
                  هنا نعلم أن الدين لم يكن أصدق عقيدة وكفى . بل كان كذلك أصدق فلسفة حين علمنا أن الله جل وعلا ( ليس كمثله شيء ) .
                  فكل ما نعلمه أن الله جل وعلا "كمال مطلق " وأن العقل المحدود لا يحيط بالكمال المطلق الذى ليست له حدود .وليس لهذا العقل أن يقول للكمال المطلق كيف يكون و كيف يفعل و كيف يريد .

                  * * *

                  و يفضى بنا الكلام فى طاقة العقل إلى نتيجة رابعة , وهى الصلة بين العقل و الإيمان .
                  فكيف نؤمن إذاكان العقل الإنسانى قاصرا عن إدراك الذات الإلهية ؟ وكيف تأتى الصلة بين الكمال المطلق و بين الإنسان ؟
                  و قد نمهد للجواب عتى هذا السؤال بسؤال آخر يرد البحث إلى نصابه .فنسأل : أيرادبالعقل إذن أنيكف عن الإيمان حتى يكون عقلا كاملا مطلق الكمال ؟ أم يراد بالعقل أن يؤمن بإله دون مرتبة الكمال؟
                  لا هذا و لاذاك مما يراد أو يقع فى حسبان . فالكائن الذىيستحق الإيمان به هو الذى يتصف بالمال المطلق فى جميع الصفات . وغير المعقول أن يكون سبب الإيمان هو السبب المبطل للإيمان, وغير معقول أن يستحيل الإيمان مع وجود الإله الذى يتصف بأكمل الصفات . فالمخرج الوحيد من هذا التناقض أن الصلة بين الخالق و خلقه لاتتوقف على العقل وحده . . . وأى عجب فى ذاك ؟ إن الإنسان كله لفى الوجود , وليس العقل وحده قوام وجود الإنسان . فلماذا تنقطع الصلة بين الخلق و الخالق إذاحسرت العقول دون ذلك المقام ؟
                  أفمعنى هذا أن العقل الإنسانى لاعمل له فى مسألة الإيمان ؟
                  كلا . . . بل له عمل كبير ولكنه ليس بالعمل الوحيد .
                  و فرق بين أن يعرف العقل حدوده وبين أنيبطل عمله فإن العقل ليستطيع التفرقة بين عقيدة الشرك وعقيدة التوحيد ويستطيع التفرقة بين أدلة الإيمان و أدلة التعطيل ويستطيع التفرقة بين ضمير مؤمن وضمير عطل من الإيمان ويستطيع أن يبلغ غاية حدوده ثم لا ينكر ما وراءها لأنه وراء تلك الحدود . ويستطيع أن يسأل نفسه : أممكن أن يمتنع على الإيمان بالله لا لشيء إلا أنه متصف بأكمل الصفات التى يتعلق بها إيمان المؤمنين ؟فإن لم يكن ذلك ممكنا فليعترف "بالوعى الدينى " لأنه ضرورة لا محيص عنها . ولأنه واقع ملازم للإنسان فى محاولاته الأولى , ولن يزال ملازما له فى مقبل عصوره أبد الأبيد .
                  وهنا يعرض السؤال عن مشكلة الخير والشر التى برزت بعد الأديان الكتابية إلى الصف الأول بين مشكلات علم الكلام وعلم اللاهوت , وكانت قبل الأديان الكتابية سببا للقول بالتثنية وتعدد الوساطات بين الله وعالم المادة أو عالم الهيولى .
                  ففى سياق الكلام على كمال الذات الإلهية يسألون : كيف يتفق هذا الكمال وما نحسه فى هذا العالم من النقص والشر والعذاب ؟
                  والسؤال متواتر ولكنه عجيب لأن الكمال المطلق صفة الخالق وليس صفة المخلوقات . وكل مخلوق محدود وكل محدود فلا بد فيه من نقص يحس على صورة من الصور : صورة قبح أوصورة شر أو صورة عذاب .
                  ولو جاز أن يخلق الله إله آخر لوجب أن يكون هذا الإله محدودا وأن يكون حده نقصا على صورة من تلك الصور أو على صورة غيرها لا نعرفها .ونحن لا نعالج أن نحل المشكلة كما يحلها القائلون بأن الألم والشر والرذيلة أوهام زائلة ليست لها حقيقة باقية .
                  فإن كانت أوهاما فهذا لا يحل المشكلة ولا يصرفها . إذ لا شك أن وهم السرور أطيب من وهم الألم , وأن وهم الخير أفضل من وهم الشر , وأن وهم الفضيلة أكرم من وهم الرذيلة .
                  ولكننا نرى أن المشكلة كلها مشكلة اقتراح بعد التسليم بوجود النقص فى المخلوقات . وأن المراد أن يكون النقص مرضيا للناقصين , أو أن يكون خلوا من الألم والعذاب .
                  إلا أن اقتراح الإنسان على الكون كاقتراح كل جزء صغير على مجموعة الكبير . ولا فرق بين اقتراح الحجر الذى يريد أن يدخل الجدار فى الوسط أو فى الزاوية , وكاملا أو مكسورا من بعض الأطراف وعاليا على المشارف أو مدفونا فى جوف الأساس .
                  ومن لنا أن النقض الذى لا يرضينا هو أقرب إلى الكمال من النقص الذى نرضاه ؟ أليس حافز الألم هو وسيلة الشوق إلى الكمال والتفرقة بينه وبين النقص فى شعور الضمير ؟
                  بل الواقع أننا نرى هذه الآلام وسيلة الإرتقاء بتنازع الأحياء , وأنها وسيلة التهذيب والإزدياد فى نمو فضائل الإنسان . ولو أننا سألنا رجلا ناضجا أن يسقط من حياته آثار حياته أو آثار آلامه والمسرات , ولعله فى النهاية يسقط آثار المسرات ولا يسقط آثار الآلام .
                  ونحن نحكم على غايات الأبد بتجارب العمر القصير . فلا فرق فى ذلك بيننا وبين من يحكم على الرواية المعروضة أمامه بكلمة فى خطاب أو كلمة فى جواب ثم يحكم على التأليف أو المؤلف كأنه شهد جميع الفصول وقابل بينها وبين شتى الفصول وشتى الروايات .
                  والأمر كما أسلفنا فى هذا الكتاب فرض من ثلاثة فروض : فإما إله قادر على كل شيء ولا يخلق شيئا . وإما إلها يخلق إلها مثله فى جميع صفات الكمال . وإما إله يخلق كونا محدودا يلم به النقص الذى يلم بكل محدود .
                  وهذا هو الفرض الوحيد المعقول . وإذا اقترح مقترح أن يكون النقص على صورة لا نحسها فليس اقتراحه هذا بمقبول عند جميع العقول الآدمية فضلا عن العقل الإلهى المحيط بما كان وما يكون . لأن الإحساس بالنقص أقرب إلى الكمال عند الكثيرين من نقص لا نحسه ولا يفرق فى شعورنا بين الحسن الشهى وبين ما هو أحسن منه وأشهى .
                  والإنسان بعد قرين الزمن , وليس بقرين الآزال والآباد ولا بد لقرين الزمن من عوارض ومن غير . ولا بد فى هذه العوارض والغير من فوارق بين الأحوال وفوارق بين الآحاد وفوارق بين الجماعات وإلا كانت أبدية إلهية لا يطرأ عليها اختلاف .
                  هذه الفوارق هى ما نشكوه ونقترح غيره فغاية ما يقال فى هذا الإقتراح أنه يقبل المراجعة والمناقضة وليس بالحكم الأخير فى أسرار هذه الأكوان .
                  ونحسب أننا نظلم نصيب الحس إذا قلنا أن مسألة الإيمان مسألة عقل ومسألة "وعى" ليس للحس فيها من نصيب .
                  ونحن نستطيع أن نرى بأعيننا أن الإيمان ظاهرة طبيعية فى هذه الحياة . لأن الإنسان غير المؤمن إنسان "غير طبيعى " فيما نحسه من حيرته واضطرابه ويأسه وانعزاله عن الكون الذى يعيش فيه , فهو الشذوذ وليس هو القاعدة فى الحياة الإنسانية وفى الظواهر الطبيعية . ومن أعجب العجب أن يقال أن الإنسان خلق فى هذا الكون ليستقر على إيمان من الوهم المحض أو يسلب القرار .
                  وليست حجة للمنكر أن يقول أن الإنكار ممكن فى العقول , بل حجة للمؤمن أن يقول أن حال المنكر ليس بأحسن الأحوال وأنه إذا أنكر عن اضطرار تبين لنا على الفور أنه فى حال "غير الحال الطبيعى" الذى يستقيم عليه وجود الأحياء .
                  وخاتمة المطاف أن الحس والعقل والوعى والبديهة جميعا تستقيم على سواء الخلق حين تستقيم على الإيمان بالذات الإلهية . وأن الإيمان الرشيد هو خير تفسير لسر الخليقة بعقله المؤمن ويدين به الكفر ويتطلبه الطبع السليم .
                  عباس محمود العقاد
                  يتبع
                  الدنيا ساعة اختبار *** فإما جنة وإما نار تحقق من حديث
                  http://www.dorar.net/hadith.php

                  Comment

                  • سيف الكلمة
                    باحث متخصص
                    • Sep 2004
                    • 2203

                    #24
                    الفهرس

                    تقديم

                    العقيدة الإلهية :

                    أصل العقيدة
                    أطوار العقيدة الإلهية


                    " الله " فى دول الحضارة القديمة :

                    مصر
                    الهند
                    الصين
                    فارس
                    بابل
                    اليونان

                    " الله " فى الأديان السماوية :

                    بنو إسرائيل
                    المسيحية
                    الإسلام


                    " الله " فى مذاهب الفلاسفة السابقين :

                    اليهودية بعد الفلسفة
                    المسيحية بعد الفلسفة
                    الإسلام بعد الفلسفة
                    الفلسفة بعد الأديان الكتابية
                    التصوف
                    براهين وجود الله
                    البراهين القرآنية


                    خاتمة المطاف
                    Last edited by سيف الكلمة; 03-25-2006, 06:56 PM.
                    الدنيا ساعة اختبار *** فإما جنة وإما نار تحقق من حديث
                    http://www.dorar.net/hadith.php

                    Comment

                    • سيف الكلمة
                      باحث متخصص
                      • Sep 2004
                      • 2203

                      #25
                      تنويه

                      1) تم نسخ الكتاب
                      ويرجى مراعاة أنه بدءا من موضوع الإسلام بعد الفلسفة بالمشاركة رقم 15تم نسخه من نسخة مكتبة الأسرة وتبين أن فيها اختصار لم أنتبه إليه إلا بعد إتمام النسخ رغم الإعلان عنه بالنسخة المذكورة

                      2) انتقد الشيخ سيد قطب فى الظلال هذا الكتاب لأسباب وجيهة
                      وبإذن الله سأقوم بنسخها هنا حين ميسرة من الوقت

                      3) أرجو أن يتمكن أحد الإخوة من إعادة تنسيق الكتاب وضغطه فى ملف لإمكانية تداوله بين المواقع والمنتديات لتعم الفائدة

                      Last edited by سيف الكلمة; 03-27-2006, 09:59 PM.
                      الدنيا ساعة اختبار *** فإما جنة وإما نار تحقق من حديث
                      http://www.dorar.net/hadith.php

                      Comment

                      • السندباد
                        عضو
                        • Feb 2006
                        • 207

                        #26
                        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                        قمت وبفضل من الله بتحويل ما نسخه الأخ سيف الكلمة
                        إلى كتاب إلكتروني
                        وإليكم الرابط:

                        حجمه: 955 كيلو بايت
                        وقمت بإدراج التنويه الذي وضعه ناسخ الكتاب كما طلب
                        ماعدا التنبيه الأخير
                        لأنه ولله الحمد قد أصبح الكتاب بين يديكم كما أراد
                        والله من وراء القصد
                        لا تنسونا من دعوة في ظهر الغيب

                        Last edited by السندباد; 03-28-2006, 11:38 PM.
                        فاعلم أنه لا إله إلا الله

                        علی باب قصر العلم ‌مكتوب هذه‌ العبارة:
                        الدخول ممنوع على من لا إيمان له‌ بالله‌
                        ما?س پلان?(عالم فيزياء ألماني)

                        Comment

                        • سيف الكلمة
                          باحث متخصص
                          • Sep 2004
                          • 2203

                          #27
                          شكر الله لك وبارك لك أخى السندباد
                          الدنيا ساعة اختبار *** فإما جنة وإما نار تحقق من حديث
                          http://www.dorar.net/hadith.php

                          Comment

                          • سيف الكلمة
                            باحث متخصص
                            • Sep 2004
                            • 2203

                            #28
                            للرفع
                            الدنيا ساعة اختبار *** فإما جنة وإما نار تحقق من حديث
                            http://www.dorar.net/hadith.php

                            Comment

                            • ياسين اليحياوي
                              • Jul 2007
                              • 1806

                              #29
                              للرفع

                              Comment

                              • متروي
                                محاور
                                • Oct 2007
                                • 5604

                                #30
                                - كتاب العقاد هذا يخالف العقيدة الاسلامية تماما فالعقاد في هذا الكتاب يرى ان البشرية لم تعرف التوحيد الا مؤخرا
                                و انها تدرجت اليه كما تدرجت في العلوم و ان النضج العقلي و العلمي هو الذي اوصلها للتوحيد و هذا مخالفة صريحة للعقيدة الاسلامية التي تقول ان اول البشر آدم عليه السلام هو اول من جاء بالتوحيد الى الارض و هو من علم البشرية التوحيد و انها استمرت موحدة حتى دخل اليها الشرك و الوثنية بطرق متعددة و في ازمان متعددة و ان الله عز وجل كان يبعث كل فترة نبي يعيد الناس الى التوحيد الصحيح و هكذا في كل زمان و مكان انحراف نحو الشرك و جذب نحو الاصل الذي هو التوحيد .
                                - و عليه فاني ارى ان هذا الكتاب لا مكان له في هذا المنتدى فهو مخالفة صريحة للقرآن و السنة.
                                إذا كنتَ إمامي فكن أمامي

                                Comment

                                Working...