البراهين العقلية
على وحدانية الربِّ ووجوهِ كمالِه
للشيخ العلامة
عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي رحمه الله
على وحدانية الربِّ ووجوهِ كمالِه
للشيخ العلامة
عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وصلَّى الله على محمد وسلَّم
الحمد لله وصلَّى الله على محمد وسلَّم
هذه محاضرة عظيمة
محتوية على التنبيه الواضح إلى البراهين العقلية على وحدانية الرب ووجوه كماله .
اعلم أن هذه المسألةَ أعظمُ المسائل على الإطلاق، وأكبرُها وأوجبُها وأنفعُها وأوضحُها، وعليها اتفقت جميعُ الكتب المنزلة من الله على رسله، وجميعُ الرسل.
وهي أهمُّ ما دعا إليه الرسل أممَهم، فكلُّ رسول يقول لقومه: {{اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}} [الأعراف: 59] ، ويذكرون لأممِهم من أسماء الرب وأوصافه ونعمه وآلائه وألطافه ما به يعرفون ربهم ويخضعون له ويعبدونه.
والقرآنُ العظيم من أوله إلى آخره يبين هذه المسألة ويذكر لها البراهينَ المتنوعة، ويصرِّف لها الآيات، والسنّةُ كذلك.
وليس القصد في هذه المحاضرة ذكر الأدلة النقلية عليها؛ فإن الكتاب والسنّة فيهما من البراهين والأدلة على ذلك ما لا يعد ولا يحصى، ولا يمكن استيفاء بعضه، وهي واضحة جلية؛ يعرفها الخواص والعوام، وبعض ذلك كافٍ وافٍ بالمقصود.
ولكننا نريد في هذه المحاضرة، أن نشير إشارةً يسيرةً إلى براهينها العقلية التي يشترك في معرفتها والخضوعِ لها جميعُ العقلاء من البشر، ولا ينكرها إلا كلُّ مكابر مستكبر، منابذٍ للعقل والدين.
وهذه المسألة أوضحُ وأظهر من أن يحتجَّ لها وتذكر براهينها، ولكن كلما عرف المؤمنُ براهينَها قوي إيمانه، وازداد يقينهُ، وحمد الله على هذه النعمة التي هي أكبر النعم وأجلها.
ولهذا قالت الرسل لأممهم: {{أَفِي اللَّهِ شَكٌّ}} [إبراهيم: 10] ، فاستفهموهم استفهامَ تقرير ، فإنه متقررٌ في قلوب جميع العقلاء الاعترافُ بربوبيته ووحدانيته.
فنقول وبالله التوفيق:
[حدوث الأشياء له ثلاثة أقسام عقلية]
اعلم رحمك الله أنك إذا نظرتَ إلى العالم العلوي والسفلي وما أودع فيه من المخلوقات المتنوعة الكثيرة جداً، والحوادث المتجددة في كل وقت، وتأملتَه تأملاً صحيحاً، عرفت أن الأمورَ ـ الممكنُ تقسيمُها ـ في العقل ثلاثةٌ:
* 1 ـ أحدُها: أن توجدَ هذه المخلوقات والحوادثُ بنفسها من غير محدِث ولا خالِق، فهذا محالٌ ممتنعٌ؛ يجزم العقل ضرورة ببطلانه، ويعلم يقيناً أن من ظن ذلك فهو إلى الجنون أقرب منه إلى العقل، لأن كل من له عقل يعرف أنه لا يمكن أن يوجَد شيء من غير موجِد، ولا محدِث.
* 2 ـ الثاني: أن تكون هذه المخلوقات محدِثةً وخالقةً نفسَها، فهذا أيضاً محالٌ ممتنعٌ؛ يجزم العقل ضرورة ببطلانه وامتناعه، فكل من له أدنى عقل يجزم أن الشيء لا يحدِث نفسه، كما أنه لا يحدُث بلا محدِث، وإذا بطل هذان القسمان عقلاً وفطرة تعيَّن القسم:
* 3 ـ الثالث: وهو أن هذه المخلوقات والحوادث لها خالِقٌ خلقها، ومحدِثٌ أحدثها، وهو الله الرب العظيم، الخالق لكل شيء، المتصرف في كل شيء، المدبر للأمور كلها.
ولهذا نبَّه الله على هذا التقسيم العقلي الواضح لكل عاقل فقال: {{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ}} [الطور: 35، 36] .
فالمخلوق لا بد له من خالِق، والأثر لا بد له من مؤثِّر، والمحدَث لا بد له من محدِث، والموجَد لا بد له من
موجِد، والمصنوع لا بد له من صانع، والمفعول لا بد له من فاعِل.
هذه قضايا بديهية عقلية، يشترك في العلم بها جميعُ العقلاء، وهي من أعظم القضايا العقلية، فمن ارتاب فيها أو شكَّ في دلالتها فقد برهن على اختلالِ عقله وضلاله.
يتبع ..
عن أمور من الغيب]
Comment