البراهين العقلية على وحدانية الربِّ ووجوهِ كمالِه

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • عبد الغفور
    عضو
    • Sep 2009
    • 646

    #16
    [من الأدلة: الفطرة في قلوب العباد، وخصوصاً الأنبياء]

    ومن البراهين العقلية على وحدانية الله وغناه، وافتقار الخليقة كلها إليه: ما فطر الله عليه عباده، وخصوصاً خواصَّ الخلقِ؛ من الأنبياء والرسل؛ أئمةِ الهدى ومصابيحِ الدُّجى، وأهلِ العقول الوافية والألبابِ الرزينة، الذين هم الطبقة العليا من الخلق.
    فإنهم فُطروا على الاعتراف الكامل بوحدانية الله، وأنه المقصود المعبود في كل الأحوال، وصار هذا الأمرُ في قلوبهم أعظمَ الحقائق كلِّها، وأوضحَها وأجلاها، وهي علوم بديهية ضرورية لا يمكن أحداً دفعُها.
    وليس عند المنكِر لذلك مـا يدفع هـذا العلـمَ اليقينيَّ والطريقَ البرهانيَّ، إلا عدمُ علمه بذلك؛ لفساد إدراكه، واشتغاله بالعقائد الفاسدة، وإعراضه عن طلب الهدى.
    ومن المعلوم المتفق عليه بين العقلاء: أن عدمَ العلم بالشيء ليس من الشُّبَه في شيء، فضلاً عن أن يكون برهاناً يدفع أقوى البراهين وأجلها وأصدقها من العالِمين الموقنين؛ الذين هم أعظم الخلق علوماً، وأبلغهم يقيناً، وأصدقهم وأبرَّهم عقولاً وأصفاهم أفئدة.
    فهذا اليقين في قلوب هؤلاء ـ الذين هم سادات الأولين والآخرين ـ لا يساويه ولا يقاربه شيء، ولهذا قالت الرسل لأممهم: {{أَفِي اللَّهِ شَكٌّ}} [إبراهيم: 10] ، وقال تعالى: {{فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}{وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيم * ٍيَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}} [الجاثية: 6 ـ 8] .
    فهذا العلم اليقيني البديهي الضروري المتفقُ عليه بين أهل العلم واليقين، وأعلى الخلق في كل صفة كمال، وهو أكمل علم عندهم وأوضحه وأجلاه: محالٌ وممتنع أن يقاربه علمٌ بشيء من الحقائق اليقينية أصلاً؛ فمن شك فيه أو تردد فقد برهن على نفسه بالجهل والضلال والحمق، وهو مكابرة واضحة، والله الموفق.
    " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "


    Comment

    • عبد الغفور
      عضو
      • Sep 2009
      • 646

      #17
      [من الأدلة: الإجماع من المسلمين وممَّن عرف حال النبي (صلى الله عليه وسلم) ]

      ومن أعظم البراهين على أن الحق هو ما جاء به الرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم، في جميع الحقائق الصحيحة النافعة: الإجماعُ من جميع المسلمين ومن جميع من عرف حال النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه أعلمُ الخلق على الإطلاق بالله وبالحقائق النافعة، وأعظمُهم بياناً، وأوضحُهم عبارةً، وأفصحُهم وأنصحُهم للخلق.
      وهذه الأمور إذا كمُلت ـ وقد كمُلت ـ على وجه الكمال التامِّ في محمد صلّى الله عليه وسلّم؛ بحيث لا يدانيه ولا يقاربه أحدٌ في العلم والبلاغة والنصح؛ عُلِم يقيناً ضرورياً أن جميع ما جاء به هو الحق الذي لا ريب فيه.
      لا سيَّما في باب التوحيد، وبيانه العظيم في أن لله الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا؛ التي تفرد بها وتوحد، ولم يشاركه فيها مشارك، وهذا وحده برهان كافٍ شافٍ لمن له أدنى عقل أو ألقى السمع وهو شهيد.
      فيا عجباً! لمن يعارض ما جاء به هذا النبيُّ العظيم؛ الذي جاء بشريعة ما طَرَق العالمَ أعظمُ منها ولا أكملُ ولا أصحُّ؛ بأقوال الماديين الذين سَفُهت أحلامهم وفَسَدت عقولهم، واتضح أن جميع ما عارضوا به الأديان جهل وضلال ومكابرة صريحةٌ، وذلك معروف بالتتبع لجميع المسائل التي عارضوا فيها الرسل.
      قال تعالى في حقِّهم وحق أمثالهم: {{فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}} [غافر: 83] .

      والحاصل
      أن جميعَ الموجودات، وجميعَ الحوادث والمعارف والحركات، أدلةٌ وبراهين على وحدانية ربِّ الأرض والسموات:
      من الذي أنشأ المخلوقاتِ من العدم؟
      من الذي دبَّر الأمورَ وصرَّفها؟
      من الذي خلق السمواتِ والأرض وحفظها بقدرته وأمسكها؟
      من الذي خلق الآدميَّ من نطفة فإذا هو خصيم مبين؟
      من الذي أمات وأحيا وأسعد وأشقى، وأهلك الأمم الطاغية بأنواع المَثُلات، ونجَّا الرسل وأتباعهم؟
      إن في ذلك لعبراً وبراهينَ واضحات.
      من الذي خلق الحبَّ والنوى وفجَّر الأرض بالأنهار والعيون؟ أليس ذلك من آثار من يقول للشيء: كن، فيكون؟
      من الذي أعطى كلَّ شيء خلقَه اللائقَ به؛ ثم هدى كلَّ مخلوق إلى مصالحه التي لا يصلح له سواها؟
      من الذي علَّم العلوم المتنوعة والفنون؟
      من الذي أخرج الثمارَ الرَّطْبة من يابس الغصون؟
      من الذي أحكم الأشياءَ بغاية الحكمة وكمال الانتظام وأتقنها؟
      من الذي أحسن كل شيء صنعه؟ وشرع الشرائع وجعلها في غاية الهدى والصلاح وأتقنها؟
      من الذي سيَّر السحابَ الموقَرَةَ بالمياه العظيمة، فأصاب بها البلاد والعباد؟ أليس ذلك الذي يعيد الخلقَ بعد موتهِم إلى يوم الحشرِ والتناد؟
      يا عجباً؛ لنفوس تنكر الربُّ والبعثَ؛ ما أضلَّها وأعماها! كيف لا تعترف بهذه القضية التي هي أعظم القضايا وأوضحها وأجلاها؟!
      إلـهٌ عظيم لم يزل إلهاً، ومَلِكٌ كبيرٌ مُلْكه لا يتناهى، شَمِل العالمين برحمته ورزقه فلا يترك ذرةً ولا ينساها.
      يسمع أنين المُدْنِفين ، ويجيب أسئلة السائلين، ويجود بمغفرته ورحمته على التائبين.
      " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "


      Comment

      • عبد الغفور
        عضو
        • Sep 2009
        • 646

        #18
        [ الخاتمة ]

        فنسألك يا الله! بأسمائك الحسنى وأوصافك العليا، أن ترزقنا إيماناً كاملاً، ويقيناً صادقاً، وتنفعنا بآياتك المسموعة، وآياتك المشهودة، وآياتك الأفقية، وآياتك النفسية؛ فإنها براهين للموقنين، وآيات للمستبصرين، وحجة على المعاندين والمكابرين، ورحمة منك وإحسان على الخلق أجمعين.
        اللهم صلّ وسلّم وبارك على محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميِّتين. آمين.

        بخط: عبد الله السليمان السلمان
        20 جمادى الآخرة 1370

        قال ذلك الفقير إلى الله عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين .


        المصدر : موقع فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي : http://www.binsaadi.com/download.php?action=view&id=59
        Last edited by عبد الغفور; 04-16-2010, 12:00 AM.
        " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "


        Comment

        Working...