قال الأستاذ أحمد رأفت بهجت في مطلع كتابه: (اليهود والسينما في مصر):
(استشعر اليهود منذ البداية مدى أهمية احتكار السينما باعتبارها الشكل الجديد والأمثل من وسائل الترفيه القادرة على تحقيق أهدافهم المادية وأفكارهم الأيديولوجية).
قلت: وهذا شأن اليهود في جميع أدوار تاريخهم المعاصر، أنهم إذا عجزوا عن فرض هيمنتهم القهرية على بعض الممالمك الإسلامية = فإنهم يلجئون إلى أساليب خبيثة في نشر تلك الهيمنة عن طريق صور أخرى غير النار والمدفع!
ففي عام 1902مـ وصلت لجنة هرتزل (مؤسس الحركة الصهيونية) إلى سيناء؛ سعيًا لتقديم طلب إلى السلطات البريطانية بتأجير ساحل شمال سيناء لإقامة مستوطنات يهودية بها، وظل هرتزل يسعى لهذا الأمر حتى عام 1903م، وكانت رغبته الحصول على توقيع عقد استئجار سيناء والعريش بحيث تكون مدة الامتياز 99 سنة، ومَنْح الحركة الصهيونية الضمانات والحقوق الاستعمارية الممكنة.
وكان في نفس العام قد اجتمع هرتزل بالمليونير اليهودى "روتشيلد" لدراسة مشروع المستعمرات اليهودية فى سيناء، وعرَضَ هرتزل مخططاته، وبَسَطَ خريطة سيناء وفلسطين أمام روتشيلد، وأشار بأصبعه على العريش وقال: (من هنا يبدأ التحرك)!
كما سعى هرتزل عند وصوله بأغنياء اليهود ووجهائهم، وطالبهم بمساعدته في الحصول على موافقة الخديوي عباس حلمي الثاني لمنح سيناء والعريش لليهود لتكون مستعمرة لهم، لكنهم خيَّبوا ظنه بهم، فيبدو أن ذلك الأمر كان سيضر بمصالحهم الخاصة، فجعلوا يستهزئون منه ويسخرون، وقد امتعض منهم هرتزل أشد الامتعاض، حتى كتب عنهم في مذكراته بمرارة شديدة يقول: (إنهم خونة لا يهتمون إلا بمصالحهم)!!
وزامنَ ذلك: ظهورُ فشل ذلك المشروع الاستعماري اليهودي على الأراضي المصرية، ففي 31 مايو 1903مـ أرسل هرتزل رسالة سرية إلى المليونير اليهودى "روتشيلد" يبلغه فيها انهيار خطة استعمار سيناء والعريش بسبب عجز مصر عن الاستغناء عن كمية كبيرة من المياه الضرورية للمشروع.
وفي 22/ 10/1902م عند اجتماعه بوزير المستعمرات البريطاني "تشمبرلين" ذكر له المقاطعات التي يريدها من إنجلترا: (قبرص، العريش، وصحراء سينا) وقد سبق لهرتزل أن أوضح بتاريخ (12/ 7/102مـ) لـ "تشمبرلين" و"روتشيلد" الهدف من تسكين اليهود في هذه الأراضي قائلا: (إن توطين اليهود شرق البحر الأبيض المتوسط سيقوي إمكانية الحصول على فلسطين). كما ذكر ذلك في كتابه المشهور (دولة اليهود).
وبعد فشل اليهود في إنشاء مستعمرة في الأراضي المصرية، عمدوا إلى تجنيد جماعة من العملاء والدُّخَلاء لمحاولة ذلك مُجَدَّدًا عن طريق عدة مجالات كانت (بوابة السينما) من أهمها وقتذاك.
يقول الناقد السينمائي المصري أحمد رأفت بهجت في كتابه (اليهود والسينما في مصر): (إن دور العرض السينمائي خاصة في أماكن تجمع اليهود بالقاهرة كان لها نشاط بارز في الترويج للفكر الصهيوني).
ثم أشار بهجت إلى أن (السينما المصرية نشأت في ظل ظروف يهيمن عليها الاستعمار البريطاني والرأسمالية الأوروبية والصهيونية المتنامية).
ثم ألمح إلى وجود ضغوط أجنبية كانت تهدف إلى حماية أصحاب دور العرض من اليهود، وقال: (إن دور العرض السينمائي خاصة في أماكن تجمع اليهود بالقاهرة كان لها نشاط بارز في الترويج للفكر الصهيوني ... أصبحت وظيفتها لا تختلف عن وظيفة المدارس الإسرائيلية والمكاتب اليهودية في القاهرة، وقبل ذلك المعابد اليهودية التي شُيِّدَ أربعة منها في منطقتي الظاهر والسكاكيني).
وأضاف بهجت: (أنه عقب وعد بلفور الشهير عام 1917 مـ حتى نهاية العشرينيات عُرِضَتْ في مصر أفلام منها: (المستوطنات اليهودية في فلسطين) (وسفر الخروج) و (اليهودي التائه) و (قمر إسرائيل) و (حياة العبرانيين) و (عبور البحر الأحمر) و (غرق جيوش فرعون بعد عبور العبرانيين) و (ابن هور) و (بعيدا عن الجيتو) و (بئر يعقوب).
ثم نقل بهجت قول الناقد المصري علي شلش: (إن مصر دون أن تدري أو تريد تحولت فجأة من 1917 - 1948 مـ إلى مركز من أخطر مراكز الصهيونية إن لم يكن أخطرها بعد المركز الذي صنعته في فلسطين ... )
قلت: ومن تحت عباءة هذه المؤامرات الموبوءة خرج " (توجو مزراحي) يجرُّ إزار حنقه على الإسلام وأهله بالمصانعة والمداجاة - كعادة اليهود - والمسْح على رءوس المغفلين (كناية عن خداعهم) ممن وضعوا أيديهم في يده، وأفسحوا أمامه طريقه المسدود!
وهكذا بدأ يتدرَّج هذا العميل في حبائل مكره، ويتغايَدُ في مدارج كيده، فاستشعر أن اسمه (توجو مزراحي) ربما كان سببًا في كشف حقيقته عند بعض الدهماء، فعمد إلى التخفي بارتداء ثوب إسلامي ريثما تروج بضاعته بين أوساط المجتمع آنذاك، واستخدم لنفسه اسم (أحمد المشرفي)! (وهو الترجمة العربية لاسمه العبري فيما قيل) وجعله عَلَمًا على نفسه في عدة أفلام خاصة قام ببطولتها على شاشات السنيما المصرية في منتصف أربعينيات القرن المنصرم.
وقد انتهج نهجَه هذا في التخفِّي تحت الأسماء المستعارة: جماعة من اليهوديات اللاتي عملن بالسينما في بعض أدوارها، كراشيل إبراهام ليفى التي تسمَّت بـ: (راقية إبراهيم) التي كان أول ظهور لها من خلال فيلم "ليلى بنت الصحراء" الذي تم عرضه على شاشات السينما المصرية في 28 يناير 1937مـ. ثم تعددت أدوار بطولتها حتى قامت ثورة 1952مـ فأعلنت تأييدها ودعمها لاستقلال مصر! ثم أظهرت للثورة وجهها الحقيقي بعد أن قام عبد الناصر بتأميم شركة الإنتاج التى كانت تمتلكها، فغادرت مصر إلى أمريكا عام 1954مـ وهناك سلَّمتْ نفسها للجالية اليهودية وأشهرت اسمها الحقيقي "راشيل إبراهام ليفي" ثم التحقت للعمل بالقسم الإعلامي للمكتب الصهيوني في هيئة الأمم المتحدة، وزارت الكيان الصهيوني عدة مرات أعلنت خلالها مباركتها للتوطين والخطَط التوسُّعية! وقد كانت سفيرة للنوايا الحسنة لصالح إسرائيل في أمريكا وغيرها، وهناك اتهامات مصوبة إليها بضلوعها بدور بالاشتراك مع الموساد الإسرائيلى في قضية اغتيال عالمة الذرة المصرية سميرة موسى عام 1952مـ. رحمها الله.
وقد أُخبِرْتُ أن تلك المرأة اللعوب لا تزال حية حتى الآن!
وكذلك كانت "ليليان ليفي كوهين" التي تخفَّت باسم: (كاميليا) في الأفلام التي قامت بها حتى اشتهرت به في الأوساط الثقافية والسياسية، وقد كانت عشيقة الملك فاروق لعدة سنوات، حتى احترقت بها الطائرة التي كانت تستقلها متجهة إلى فرنسا حيث سقطت بأحد الحقول في محافظة البحيرة شمال غرب القاهرة في 31 أغسطس عام 1950مـ. وهي حادثة لا تزال غامضة حتى الآن! ولم تتعرف فرقة الإنقاذ المصرية على جثة كاميليا المتفحمة بين حطام الطائرة إلا بعد أن دلَّتهم عليها فردة حذاء الساتان الأخضر بلون فستان كانت ترتديه كاميليا عند ركوبها الطائرة، وكان عمرها لا يتجاوز الواحدة والثلاثين!
ومن الاتفاقات الغريبة: أن الكاتب أنيس منصور هو الذي كان ربما سيواجه مصير (كاميليا) نيابة عنها؛ لولا أن الله قد لطف به!
ففي مقال لأنيس منصور لجريدة (الشرق الأوسط) بتاريخ (الجمعة 17 محرم 1426 هـ - 25 فبراير 2005 - العدد 9586)
قال أنيس تحت عنوان: (ماتت لأعيش أنا!):
(كنت قد تحدثت عن الظلم الذي أصاب الملك فاروق من الصحافة المصرية، وكذلك الفنانة كاميليا. وقلت إن كاميليا كانت مصابة بمرض جعل من الصعب عليها أن تعايش رجلا؛ أما معلوماتي فنقلا عن قريب لي طبيب أمراض نساء [هذا غير صحيح، ويُكذِّبه كثير من الشهود والوقائع، وأنيس منصور غير ثقة ولا مأمون] وقيل إنها يهودية. والحقيقة أنها يهودية الاسم فقط .. أما هي فمسيحية كاثوليكية. وهي يهودية الاسم؛ لأنها ولِدَتْ من عشيق لأمها أفلس فهرب. وأعطتها أمها اسم أحد النزلاء في البنسيون الذي تملكه. وهو ليفي كوهين ـ ولا يزال هذا الاسم منقوشًا على قبرها [قلت: قد جزم الكاتب مصطفى أمين في حياة كاميليا بأنها يهودية! ولو كان كلامه غير صحيح؛ لدافعتْ كاميليا عن نفسها آنذاك]
أما وفاتها- يعني كاميليا- فعندي كلام، وأنا الوحيد الذي يستطيع ذلك. فيوم سفرها كنت أيضًا مسافرًا، وكنت قد انتقلت حديثًا إلى جريدة «الأهرام» ـ بعد أن أغلقت الحكومة (الجريدة المسائية) التي كنا نعمل فيها وكان رئيس تحريرها كامل الشناوي، وقبل أن أسافر اتصلت بوالدتي هاتفيًا أطمئنُّ عليها. فلاحظت أن صوتها خافت، وأنها تحاول أن تُغَيَّره بما يعطي انطباعًا بأنها قوية (زي البُمْب). ولم تفلح .. ولما ذهبت إليها وجدتها مريضة، وعدَلْتُ عن السفر، وذهبت إلى شركة الطيران أُعيد تذكرتي. وهناك وجدتُ الناقد الفني المعروف حسن إمام عمر مع الفنانة كاميليا. وعرفت أنها تريد السفر لولا أنها لم تجد مكانًا فأعطيتها تذكرتي، وكان ما كان).
قلت: كثير من الشهود وبعض الوثائق التي حصلتُ عليها أثبتت أن (كاميليا) هذه كانت فتاة ليل في سن مبكرة، حتى التقى بها أحد مُنْتِجي السينما وعرض عليها العمل على أن تكون خليلة له! فقبلت العرض سريعا، وظلت معه إلى أن التقت بالمخرج والمنتج والممثل السينمائي "أحمد سالم" في صيف 1946 مـ، حيث تعرَّفتْ عليه في فندق "وندسور" بالإسكندرية، فوضعها على طريق النجومية! وقدَّمها في بعض الأفلام التي جسَّدت فيها أدوار الإغراء بنجاح كبير، لتصبح أكثر نجمات السينما المصرية تألُّقًا وأعلاهن أجرًا، ومن تلك الأفلام المثيرة: (فتنة - الروح و الجسد - خيال امرأة، امرأة من نار، قمر 14، الستات كده) وغيرها.
ومنذ أن شاهدها الملك فاروق عام 1946مـ في إحدى الحفلات بكازينو "حليمة بالاس" وأخذت بعقله؛ وقع في صراع عليها مع أحمد سالم [وكان سالم صديق فاروق] ولكنها لم تقطع علاقتها بالملك، وكان لها في ذات الوقت فيما ذكره بعضهم علاقات وطيدة مع السفارة البريطانية والجالية اليهودية، وتردد بقوة علاقتها بالموساد وعملها لصالحه. وقد كانت لها وقائع مع فاروق وغيره ليس هنا مكان ذكرها.
وهناك أيضًا (ميشيل شلهوب) الممثل اليهودي المعروف باسم: (عمر الشريف)، (وهنريت كوهين) المشهورة باسم: (بهيجة حافظ) بطلة الأفلام القديمة أمام: (علي الكسار)، و (نينيات شالوم) المعروفة في الأوساط الفنية باسم: (نجوى سالم)، و (موريس مراد) الذي اشتهر بعد ذلك: بـ (منير مراد) وهو أخو (ليلى مراد) المطربة المعروفة. واسمها الحقيقي: (لِيلِي) بكسر اللام الأولي والثانية. وهؤلاء الأخيرون أظهروا إسلامهم-سوى بهيجة حافظ- والله أعلم بحقيقة الحال.
تابع البقية: ...
Comment