أسطورة الغرام ! بين سلامة وعبد الرحمن القس في غابر الأزمان !

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • أبو المظفر السناري
    محاور
    • May 2010
    • 386

    #16

    قال الأستاذ أحمد رأفت بهجت في مطلع كتابه: (اليهود والسينما في مصر):
    (استشعر اليهود منذ البداية مدى أهمية احتكار السينما باعتبارها الشكل الجديد والأمثل من وسائل الترفيه القادرة على تحقيق أهدافهم المادية وأفكارهم الأيديولوجية).
    قلت: وهذا شأن اليهود في جميع أدوار تاريخهم المعاصر، أنهم إذا عجزوا عن فرض هيمنتهم القهرية على بعض الممالمك الإسلامية = فإنهم يلجئون إلى أساليب خبيثة في نشر تلك الهيمنة عن طريق صور أخرى غير النار والمدفع!
    ففي عام 1902مـ وصلت لجنة هرتزل (مؤسس الحركة الصهيونية) إلى سيناء؛ سعيًا لتقديم طلب إلى السلطات البريطانية بتأجير ساحل شمال سيناء لإقامة مستوطنات يهودية بها، وظل هرتزل يسعى لهذا الأمر حتى عام 1903م، وكانت رغبته الحصول على توقيع عقد استئجار سيناء والعريش بحيث تكون مدة الامتياز 99 سنة، ومَنْح الحركة الصهيونية الضمانات والحقوق الاستعمارية الممكنة.
    وكان في نفس العام قد اجتمع هرتزل بالمليونير اليهودى "روتشيلد" لدراسة مشروع المستعمرات اليهودية فى سيناء، وعرَضَ هرتزل مخططاته، وبَسَطَ خريطة سيناء وفلسطين أمام روتشيلد، وأشار بأصبعه على العريش وقال: (من هنا يبدأ التحرك)!
    كما سعى هرتزل عند وصوله بأغنياء اليهود ووجهائهم، وطالبهم بمساعدته في الحصول على موافقة الخديوي عباس حلمي الثاني لمنح سيناء والعريش لليهود لتكون مستعمرة لهم، لكنهم خيَّبوا ظنه بهم، فيبدو أن ذلك الأمر كان سيضر بمصالحهم الخاصة، فجعلوا يستهزئون منه ويسخرون، وقد امتعض منهم هرتزل أشد الامتعاض، حتى كتب عنهم في مذكراته بمرارة شديدة يقول: (إنهم خونة لا يهتمون إلا بمصالحهم)!!
    وزامنَ ذلك: ظهورُ فشل ذلك المشروع الاستعماري اليهودي على الأراضي المصرية، ففي 31 مايو 1903مـ أرسل هرتزل رسالة سرية إلى المليونير اليهودى "روتشيلد" يبلغه فيها انهيار خطة استعمار سيناء والعريش بسبب عجز مصر عن الاستغناء عن كمية كبيرة من المياه الضرورية للمشروع.
    وفي 22/ 10/1902م عند اجتماعه بوزير المستعمرات البريطاني "تشمبرلين" ذكر له المقاطعات التي يريدها من إنجلترا: (قبرص، العريش، وصحراء سينا) وقد سبق لهرتزل أن أوضح بتاريخ (12/ 7/102مـ) لـ "تشمبرلين" و"روتشيلد" الهدف من تسكين اليهود في هذه الأراضي قائلا: (إن توطين اليهود شرق البحر الأبيض المتوسط سيقوي إمكانية الحصول على فلسطين). كما ذكر ذلك في كتابه المشهور (دولة اليهود).
    وبعد فشل اليهود في إنشاء مستعمرة في الأراضي المصرية، عمدوا إلى تجنيد جماعة من العملاء والدُّخَلاء لمحاولة ذلك مُجَدَّدًا عن طريق عدة مجالات كانت (بوابة السينما) من أهمها وقتذاك.
    يقول الناقد السينمائي المصري أحمد رأفت بهجت في كتابه (اليهود والسينما في مصر): (إن دور العرض السينمائي خاصة في أماكن تجمع اليهود بالقاهرة كان لها نشاط بارز في الترويج للفكر الصهيوني).
    ثم أشار بهجت إلى أن (السينما المصرية نشأت في ظل ظروف يهيمن عليها الاستعمار البريطاني والرأسمالية الأوروبية والصهيونية المتنامية).
    ثم ألمح إلى وجود ضغوط أجنبية كانت تهدف إلى حماية أصحاب دور العرض من اليهود، وقال: (إن دور العرض السينمائي خاصة في أماكن تجمع اليهود بالقاهرة كان لها نشاط بارز في الترويج للفكر الصهيوني ... أصبحت وظيفتها لا تختلف عن وظيفة المدارس الإسرائيلية والمكاتب اليهودية في القاهرة، وقبل ذلك المعابد اليهودية التي شُيِّدَ أربعة منها في منطقتي الظاهر والسكاكيني).
    وأضاف بهجت: (أنه عقب وعد بلفور الشهير عام 1917 مـ حتى نهاية العشرينيات عُرِضَتْ في مصر أفلام منها: (المستوطنات اليهودية في فلسطين) (وسفر الخروج) و (اليهودي التائه) و (قمر إسرائيل) و (حياة العبرانيين) و (عبور البحر الأحمر) و (غرق جيوش فرعون بعد عبور العبرانيين) و (ابن هور) و (بعيدا عن الجيتو) و (بئر يعقوب).
    ثم نقل بهجت قول الناقد المصري علي شلش: (إن مصر دون أن تدري أو تريد تحولت فجأة من 1917 - 1948 مـ إلى مركز من أخطر مراكز الصهيونية إن لم يكن أخطرها بعد المركز الذي صنعته في فلسطين ... )
    قلت: ومن تحت عباءة هذه المؤامرات الموبوءة خرج " (توجو مزراحي) يجرُّ إزار حنقه على الإسلام وأهله بالمصانعة والمداجاة - كعادة اليهود - والمسْح على رءوس المغفلين (كناية عن خداعهم) ممن وضعوا أيديهم في يده، وأفسحوا أمامه طريقه المسدود!
    وهكذا بدأ يتدرَّج هذا العميل في حبائل مكره، ويتغايَدُ في مدارج كيده، فاستشعر أن اسمه (توجو مزراحي) ربما كان سببًا في كشف حقيقته عند بعض الدهماء، فعمد إلى التخفي بارتداء ثوب إسلامي ريثما تروج بضاعته بين أوساط المجتمع آنذاك، واستخدم لنفسه اسم (أحمد المشرفي)! (وهو الترجمة العربية لاسمه العبري فيما قيل) وجعله عَلَمًا على نفسه في عدة أفلام خاصة قام ببطولتها على شاشات السنيما المصرية في منتصف أربعينيات القرن المنصرم.
    وقد انتهج نهجَه هذا في التخفِّي تحت الأسماء المستعارة: جماعة من اليهوديات اللاتي عملن بالسينما في بعض أدوارها، كراشيل إبراهام ليفى التي تسمَّت بـ: (راقية إبراهيم) التي كان أول ظهور لها من خلال فيلم "ليلى بنت الصحراء" الذي تم عرضه على شاشات السينما المصرية في 28 يناير 1937مـ. ثم تعددت أدوار بطولتها حتى قامت ثورة 1952مـ فأعلنت تأييدها ودعمها لاستقلال مصر! ثم أظهرت للثورة وجهها الحقيقي بعد أن قام عبد الناصر بتأميم شركة الإنتاج التى كانت تمتلكها، فغادرت مصر إلى أمريكا عام 1954مـ وهناك سلَّمتْ نفسها للجالية اليهودية وأشهرت اسمها الحقيقي "راشيل إبراهام ليفي" ثم التحقت للعمل بالقسم الإعلامي للمكتب الصهيوني في هيئة الأمم المتحدة، وزارت الكيان الصهيوني عدة مرات أعلنت خلالها مباركتها للتوطين والخطَط التوسُّعية! وقد كانت سفيرة للنوايا الحسنة لصالح إسرائيل في أمريكا وغيرها، وهناك اتهامات مصوبة إليها بضلوعها بدور بالاشتراك مع الموساد الإسرائيلى في قضية اغتيال عالمة الذرة المصرية سميرة موسى عام 1952مـ. رحمها الله.
    وقد أُخبِرْتُ أن تلك المرأة اللعوب لا تزال حية حتى الآن!
    وكذلك كانت "ليليان ليفي كوهين" التي تخفَّت باسم: (كاميليا) في الأفلام التي قامت بها حتى اشتهرت به في الأوساط الثقافية والسياسية، وقد كانت عشيقة الملك فاروق لعدة سنوات، حتى احترقت بها الطائرة التي كانت تستقلها متجهة إلى فرنسا حيث سقطت بأحد الحقول في محافظة البحيرة شمال غرب القاهرة في 31 أغسطس عام 1950مـ. وهي حادثة لا تزال غامضة حتى الآن! ولم تتعرف فرقة الإنقاذ المصرية على جثة كاميليا المتفحمة بين حطام الطائرة إلا بعد أن دلَّتهم عليها فردة حذاء الساتان الأخضر بلون فستان كانت ترتديه كاميليا عند ركوبها الطائرة، وكان عمرها لا يتجاوز الواحدة والثلاثين!
    ومن الاتفاقات الغريبة: أن الكاتب أنيس منصور هو الذي كان ربما سيواجه مصير (كاميليا) نيابة عنها؛ لولا أن الله قد لطف به!
    ففي مقال لأنيس منصور لجريدة (الشرق الأوسط) بتاريخ (الجمعة 17 محرم 1426 هـ - 25 فبراير 2005 - العدد 9586)
    قال أنيس تحت عنوان: (ماتت لأعيش أنا!):
    (كنت قد تحدثت عن الظلم الذي أصاب الملك فاروق من الصحافة المصرية، وكذلك الفنانة كاميليا. وقلت إن كاميليا كانت مصابة بمرض جعل من الصعب عليها أن تعايش رجلا؛ أما معلوماتي فنقلا عن قريب لي طبيب أمراض نساء [هذا غير صحيح، ويُكذِّبه كثير من الشهود والوقائع، وأنيس منصور غير ثقة ولا مأمون] وقيل إنها يهودية. والحقيقة أنها يهودية الاسم فقط .. أما هي فمسيحية كاثوليكية. وهي يهودية الاسم؛ لأنها ولِدَتْ من عشيق لأمها أفلس فهرب. وأعطتها أمها اسم أحد النزلاء في البنسيون الذي تملكه. وهو ليفي كوهين ـ ولا يزال هذا الاسم منقوشًا على قبرها [قلت: قد جزم الكاتب مصطفى أمين في حياة كاميليا بأنها يهودية! ولو كان كلامه غير صحيح؛ لدافعتْ كاميليا عن نفسها آنذاك]
    أما وفاتها- يعني كاميليا- فعندي كلام، وأنا الوحيد الذي يستطيع ذلك. فيوم سفرها كنت أيضًا مسافرًا، وكنت قد انتقلت حديثًا إلى جريدة «الأهرام» ـ بعد أن أغلقت الحكومة (الجريدة المسائية) التي كنا نعمل فيها وكان رئيس تحريرها كامل الشناوي، وقبل أن أسافر اتصلت بوالدتي هاتفيًا أطمئنُّ عليها. فلاحظت أن صوتها خافت، وأنها تحاول أن تُغَيَّره بما يعطي انطباعًا بأنها قوية (زي البُمْب). ولم تفلح .. ولما ذهبت إليها وجدتها مريضة، وعدَلْتُ عن السفر، وذهبت إلى شركة الطيران أُعيد تذكرتي. وهناك وجدتُ الناقد الفني المعروف حسن إمام عمر مع الفنانة كاميليا. وعرفت أنها تريد السفر لولا أنها لم تجد مكانًا فأعطيتها تذكرتي، وكان ما كان).
    قلت: كثير من الشهود وبعض الوثائق التي حصلتُ عليها أثبتت أن (كاميليا) هذه كانت فتاة ليل في سن مبكرة، حتى التقى بها أحد مُنْتِجي السينما وعرض عليها العمل على أن تكون خليلة له! فقبلت العرض سريعا، وظلت معه إلى أن التقت بالمخرج والمنتج والممثل السينمائي "أحمد سالم" في صيف 1946 مـ، حيث تعرَّفتْ عليه في فندق "وندسور" بالإسكندرية، فوضعها على طريق النجومية! وقدَّمها في بعض الأفلام التي جسَّدت فيها أدوار الإغراء بنجاح كبير، لتصبح أكثر نجمات السينما المصرية تألُّقًا وأعلاهن أجرًا، ومن تلك الأفلام المثيرة: (فتنة - الروح و الجسد - خيال امرأة، امرأة من نار، قمر 14، الستات كده) وغيرها.
    ومنذ أن شاهدها الملك فاروق عام 1946مـ في إحدى الحفلات بكازينو "حليمة بالاس" وأخذت بعقله؛ وقع في صراع عليها مع أحمد سالم [وكان سالم صديق فاروق] ولكنها لم تقطع علاقتها بالملك، وكان لها في ذات الوقت فيما ذكره بعضهم علاقات وطيدة مع السفارة البريطانية والجالية اليهودية، وتردد بقوة علاقتها بالموساد وعملها لصالحه. وقد كانت لها وقائع مع فاروق وغيره ليس هنا مكان ذكرها.
    وهناك أيضًا (ميشيل شلهوب) الممثل اليهودي المعروف باسم: (عمر الشريف)، (وهنريت كوهين) المشهورة باسم: (بهيجة حافظ) بطلة الأفلام القديمة أمام: (علي الكسار)، و (نينيات شالوم) المعروفة في الأوساط الفنية باسم: (نجوى سالم)، و (موريس مراد) الذي اشتهر بعد ذلك: بـ (منير مراد) وهو أخو (ليلى مراد) المطربة المعروفة. واسمها الحقيقي: (لِيلِي) بكسر اللام الأولي والثانية. وهؤلاء الأخيرون أظهروا إسلامهم-سوى بهيجة حافظ- والله أعلم بحقيقة الحال.

    تابع البقية: ...

    رُوّينا بالإسناد الثابت عن إمام دار الهجرة أنه قال: (ليس في الناس شيء أقل من الإنصاف).

    Comment

    • أبو المظفر السناري
      محاور
      • May 2010
      • 386

      #17
      وبين عشية وضحاها نجح "توجو مزراحي" في أن يسيطر في مدة وجيزة على السوق السينمائية في الشرق كله، ويوجهها كيفما يريد ويهوى، وذلك بعدما شَحَذَ لِلأَمْرِ عَزِيمَتَهُ، وَأَرْهَفَ لَهُ غِرَار قوته، وَجَمَعَ لأجله ذَيْلَهُ، وَحَسَرَ في سبيل بغيته عَنْ سَاقِهِ ويَدِهِ!
      حتى أمسى صانع سينما بالمعنى الشامل (مونتير، وسيناريست، ومنتجا، وممثلا، ومخرجًا، وصاحب استوديوات ... ) وذلك بعدما استطاع هذا المَلاّق المَذَّاق أن يكسب عواطف الشعب المصري وكذا الشرطة المصرية عندما بدأ أوائل أفلامه في القاهرة سنة 1930مـ. وكان فيلمًا صامتًا ببطولته يحمل اسم "الكوكايين" وكان إدمان المخدرات في ذلك الوقت يؤرق المجتمع المصري لخطورته الشديدة على الشباب، مما دفع وزارة الداخلية إلى أن تتحمل أعباء إنتاج هذا الفيلم؛ سعيًا منها لمكافحة هذه الظاهرة الخطيرة، وانتدب توجو نفسه للقيام بعمل هذا الفيلم؛ كيما يُشْعِرَ الآخرين أنه ضمن نسيج المصريين، يشعر بشعور كل أحدهم، ويحس بمشكلاتهم، فكان ذلك داعيه إلى اختار إحدى آفات المجتمع المنتشرة في مصر، وهي آفة إدمان المخدرات وبخاصة شَمِّ الكوكايين، ليقدمها في أول فيلم له؛ محاولة منه لعلاج هذه الآفة!
      وسلك الرجل سبيله، واستقام له ما أراد؛ فأحبته الحكومة المصرية؛ لأنه يساند حملتها ضد المخدِّر المميت الذي فُرِضَ الأمر بحظره في البلاد ومعاقبة متعاطيه.
      وهكذا استطاع هذا "التوجو" أن َيَنْصِب للشعب المصري الْحَبَائِل، وَيَبُثُّ لَهُ الْغَوَائِل، فتارة يُخَادِعُهُ وَيُؤَارِبُهُ، وأخرى يُرَاوِغُهُ وَيُخَاتِلُهُ، فاستطاع تحقيق المخطط الصهيوني من جهة، والحصول على الثراء الفاحش من جهة.
      كما كان هذا اليهودي الجشع كَثِير الْمَرَاغِب، وَاسِع الْمَطَامِعِ، فما كان يستعين في أفلامه إلا بالوجوه الجديدة؛ لقلة أجورهم؛ ريثما تصفو له الأرباح الوفيرة خالصة له دون اقتسام!
      وكان آخر أفلام توجو فيلم (سلامة) عام 1945م، وبعد عرضه أُصيب بمسٍّ من الجنون! أوصله إليه طمعه الرغيب، وحرصه الشديد على المال والجاه، كما هي عادة اليهود منذ القِدَم حتى الآن! ولكن كيف وقع له ذلك؟ فلنسمع خبر جنون هذا اليهودي وبواعثه؟
      قال الأستاذ سليمان الحكيم في كتابه: (يهود ولكن مصريون) [ص/70]:
      (لقد عُرِضَ فيلم "سلامة " في شهر إبريل - يعني عام 1945 - وهو موسم الامتحانات لطلبة المدارس، وهم الغالبية العظمى لجمهور السينما؛ مما تسبب في قلة الإقبال الجماهيري على الفيلم، وبالتالي فَقَدَ مُنْتِجُه: "توجو مزراحي" خسائر فادحة بسبب ذلك، وحينما فشل مزراحي في تعويض خسائره المادية عن هذا الفيلم محليا، حاول تسويقه عربيا، ولكن سقوطه المزري في السوق المحلي حاول دون حصوله على تعويض مناسب في سوق السينما العربية، فاضطر توجو مزراحي لبيع الفيلم للموزع العراقي إسماعيل شريف صاحب دور سينما الحمراء في بغداد والبصرة والموصل بثمن بخس.
      كانت المفاجأة أن حقق الفيلم أعلى الإيرادات للموزع العراقي في الأسابيع الأولى لعرضه هناك، وحين علم " توجو مزراحي" بذلك أصابته لوثة عقلية، دخل على إثرها مستشفى "بنهام " للأمراض النفسية والعصبية للعلاج، وحين خرج منها لم يقو على إنتاج أي فيلم، وبقي ملتزمًا بيته معتزلا الفن والناس، والحياة!
      وعلى إثر العدوان الثلاثي على مصر غادرها توجو مزراحي؛ ليعيش في روما بإيطاليا حتى توفي هناك عام 1986م).

      قلت: وهكذا يكون حال مَنْ يَشْرَهُ إِلَى الْمَكَاسِبِ الدَّنِيئَةِ، وَيُسِفّ إِلَى الْمَطَالِبِ الْخَسِيسَةِ، لكن لم تكن أزْمَة فيلم "سلامة " هي وحدها التي دعتْ توجو على أن يضرب في الأرض مهاجرًا إلى روما؟
      بل هناك أسباب أخرى ذكرها بعضهم.
      فقال الأستاذ سامح مصطفى في مقاله: (توجو مزراحي رائد السينما المصرية القديمة):
      (أجاد توجو مزراح في قراءة الأحداث، فقد علت الأصوات في مصر تطلب محاربة شركات وأعمال اليهود في مصر، حتى ولو كانوا من المصريين، بل وصل الأمر إلى إلقاء بعض القنابل على بعض متاجر اليهود، كما حدث لمتجر شيكوريل سنة 1948، لذلك نجده يتوقف فجأة، وإن استمر يوهم الناس أنه سيعود إلى نشاطه الفني، في الوقت الذي كان يُصفِّي فيه أعماله، حتى إنه باع استديو «توجو» إلى «كرامة» و «خياط» وغيَّر اسمه إلى استديو "جيزة" وحتى نكون منصفين فلقد تعرض «توجو مزراحي» لبعض المتاعب، وهُوجم بشدة بحكم أنه يهودي، فكان هذا من الأسباب التي جعلته يترك مصر ويرحل إلى إيطاليا ليعيش فيها حتى يموت).
      قلت: وحاصل الأمرأن الرجل كان يتذائب للاحتيال على إبرام ما عقدتْ عليه نفسه من غواية من استكان إلى ما يقدمه هذا اليهودي الخاسر في جميع أدوار حياته، حتى ارتفع له شأن، وبدا من أبناء هذه الأمة من يرفع رأسًا لهذا المأفون المأبون، ولكن أَخْلَفَ الدَّهْر ظَنّه، وَشَوَّهَ إِلَيْهِ وُجُوه آمَاله، وَعَارَضَ أَطْمَاعه بِالْيَأْسِ، وَرَدَّ كَوْرَ أَمَانِيه إِلَى الْحَوْر، لكونه ما كان يدري أن بعد موته بأعوام معدودة سيأتي عبد فقير- وأرجو أن أكون أنا هو- يكشف دخيلته لروَّاد الحقائق، ويُسْقِطُ عن وجهه نقابَ المخادعة والتزوير والمداهنة وغير ذلك من أصناف الكيد التي عاش هذا المأجور لبثِّ بذورها في أرض كانت- ولا تزال- صالحة للزرعِ والحصاد!


      تابع البقية:
      Last edited by أبو المظفر السناري; 06-14-2011, 04:20 PM.

      رُوّينا بالإسناد الثابت عن إمام دار الهجرة أنه قال: (ليس في الناس شيء أقل من الإنصاف).

      Comment

      • أبو المظفر السناري
        محاور
        • May 2010
        • 386

        #18

        أغراض توجو وراء أفلامه:
        1 - في أوائل أربعينيات القرن المنصرم قدم توجو سلسلة أفلام (شالوم) التي كان على غرارها سلسلة: (أفلام إسماعيل ياسين) التي حملتْ اسمه، فقد كانت تحمل اسم بطلها الحقيقي: (شالوم) وهي شخصية يهودية هزلية ساخرة، يتعرض صاحبها إلى الظلم والتضييق عليه وتغفيله في إطار مضحك (كوميدي).
        وقد كان من جملة أغراض توجو من هذا الشالوم وأفلامه: هو إثبات استحالة حياة اليهود في مصر، مع إظهارهم بصورة البسطاء المغلوب على أمرهم!
        وقد استطاع توجو من سلسلة أفلام (شالوم) أن يرسِّخ صداقة اليهودي مع المسلم، والأسرة المسلمة مع الأسرة اليهودية، حيث أوجد لشالوم صديقًا شاركه أكثر أفلامه، وهو الشاب (عبده) المسلم الديانة، وبذلك يصل توجو إلى بُعْدٍ اجتماعي ومغزي سياسي أراده من هذا الثنائي، وهو أن المسلم واليهودي صديقان حميمان، واليهود ليسوا أصدقاء المسلمين فحسب، بل قد يكونون من أسباب سعدهم، وسيناريو هذه الأفلام تدل ذلك صراحة بالمنطوق والمفهوم، ولا أرغب في الاستكثار من حكاية ذلك هنا، وإلا فمن كان شاهد (المندوبان) و (العز بهدلة) و (شالوم الرياضي) وغير ذلك من الأفلام التي قام ببطولتها هذا الشالوم تبين له صحة هذا النظر.
        2 - وأما سلسلة أفلام (علي الكسار) التي قدمها في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات القرن الغابر؛ فقد كان من جملة أغراضه فيها: تقديم عامة المصريين في صورة بلهاء! وهو ما نجح فيه ذلك البهلوان المهرِّج (علي الكسار) بنجاح ظل صداه يتردد حتى الآن!
        ولم ينس توجو أن يُروِّج ليهوديِّته في بعض أفلام هذا البهلوان الساخر!
        وكان ذلك سافرًا بارتداء سكرتيرة الثري "علي" لنجمة داود المميزة كحلية ذهبية في فيلم "عثمان وعلي" لعلي الكسار عام 1939مـ.
        3 - وأما سلسلة أفلام (ليلى) بطولة (ليلى مراد) وكانت وقتها يهودية محضة، فقد أراد توجو أن يظهرها بصورة الفتاة المضطهدة القادمة من الريف، والتي يظلمها سلطة الطبقات العليا من أبناء المجتمع (الأرستقراطية).
        4 - وأما فيلم "سلامة" فقد سلك فيه توجو عدة مسالك في الكذب والتدليس والمكر والخداع!
        ومن جملة ذلك: أنه تعمد أن يكون ثمة مشهد لأم كلثوم وهي تقرأه القرآن بصوتها! وكأنه أراد أن يضرب عصفورين بحجر واحد! حيث أراد بذلك أمرين:
        1 - الأول: كسب تعاطف مغفلي المسلمين مع أبناء جنسه من اليهود؛ حيث أطربهم بسماع بضع آيات من الذكر الحكيم وسط هذا الزخم الزاخر بالغناء والألحان! ومع معرفة الخاصة منهم بكونه يهوديًا خالصًا! فهو بذلك يرمي إلى توطيد أواصر التعايش بين اليهود والمسلمين.
        يقول الأستاذ سامح مصطفى في مقاله: (توجو مزراحي رائد السينما المصرية القديمة):
        (لم ينس «توجو مزراحي» أنه يهودي، ووجدها فرصة للتأكيد على أن اليهود والمسلمين ذرية شقيقيْن هما إسماعيل وإسحاق عليهما السلام، وأن جد اليهود، والمسلمين واحد، هو سيدنا إبراهيم عليه السلام، ويحاول تأكيد هذه العلاقة عندما يذهب «أبو عبد الرحمن القس» إلى بيت «أبي سهيل» ليسأل عن «سلامة»، ويتظاهر «أبو سهيل» بالتقوى، وتحاول «سلامة» أن تقول «لأبي عبد الرحمن» إنها طاهرة عفيفة، وأن العيش في هذا البيت لم يلوثها، فَتُسْمِعَ «أبا عبد الرحمن» بعض آيات الذكر الحكيم من سورة إبراهيم، الآيات 93 - 04 - 14. بسم الله الرحمن الرحيم {الحمد لله الذي وهب لي علي الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء 93 رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء 04 ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب 14} صدق الله العظيم. لم يكن اختيار هذه الآيات اعتباطًا، بل كان «توجو مزراحي» ذكيًا في اختيارها، وحال لسانه يدعو إلى عيش المسلمين واليهود معا في سلام، ولعله اختارها بعدما أحس بزيادة الاضطهاد بالنسبة إلى اليهود ومضايقتهم في معيشتهم).

        2 - والثاني: إذكاؤه لنيران الوقيعة والاختلاف بين الأزهر وأهل العلم إزاء العصرانيين والتغريبيين في تلك الأوقات! حيث احتدم احتجاج جماعة من العلماء على قراءة أم كلثوم للقرآن بصوت ظاهر مسموع - حيث أنها امرأة ذات صوت رخيم- لا سيما في هذا الفيلم الغنائي الماجن الممجوج! وقد جرتْ في ذلك مجادلات سجَّلتْها بعض الصحف المصرية في ذلك الوقت.
        أما تزوير توجو للحقائق التاريخية في هذا الفيلم: فهي أكبر من الفيلم نفسه!
        وقد وقفتُ على مقال نادر في مجلة: (الرسالة الأدبية) ينتقد فيه صاحبه هذا الفيلم ومخرجه بما أصاب فيه كبد الحقيقة في أكثر كلامه؛ وإن كان باعثه إلى الانتقاد لا يجري وباعثَنا هنا في ميدان واحد! ونحن ننتقي منه ما يوافق مرامنا في هذا المقام. فنقول:
        قال الأستاذ محمد فهمي عبد اللطيف في العدد 620 - من (مجلة الرسالة) بتاريخ: 21 - 05 - 1945مـ.
        (أعرف أن من حق الفن أن يدخل على التاريخ ليبعث في وقائعه الحياة، وليلبس حوادثه ثوبًا من الأناقة والطرافة يُحِبُّها إلى النفوس والقلوب. وليس للفنان القصص في القصد إلى تاريخ إلا أن يجمع بين الحقيقة التاريخية تحمل أسانيد الواقع وصدق الرواية، والحقيقة الفنية بين الحوادث بالانسجام والروعة والجمال.
        ولكني لا أعرف أن يكون من حق الفن أن يمسخ، وأن يجري بوقائعه على الهوى، فيغير الزمان والمكان، ويُزوِّر الأشخاص والمشاهد، وينكر البيئة وما تقضي به، ويجهل الحوادث وما تؤدي إليه، فإنه حينئذ لا يكون فنا ولا تاريخا، ولكنه يكون المسخ والتشويه والخلط والتضليل والشعوذة التي لا تصح في ذوق، ولا تليق بأي صفة من صفات الفن.
        ولقد قُدِّر لي أن أشهد فلم (سلاَّمة) الذي مثَّلتْه المطربة المشهورة "أم كلثوم" وأخرجه السينمائي المعروف "توجو مزراحي".
        وقصة سلاّمة في الأدب العربي القديم من أروع القصص، وهي بواقعيتها جميلة عنيفة تعالج كثيرا من الجوانب النفسية والخلجات العاطفية إلى جانب ما تحمل من طريف الرواية وحلاوة الغناء وروعة الجمال، وقد استهوت بعض الأدباء المعاصرين فعرضوا وقائعها في معرض الفن القصصي والرواية الطريفة وفيها ما فيها من روعة التحليل، فكتبها المرحوم الأستاذ محمود مصطفى في (مجلتي)، وجلاَّها المغفور له الأستاذ الرافعي في (الرسالة) آية من آياته الخالدة [قد مضى في أول هذا المقال أن الرافعي قد أساء هو الآخر في ترديده لما في تلك القصة من سمادير الأكاذيب!] ثم حبكها صديقنا الأستاذ أحمد باكثير [وهذا أطم وأشد! وقد سبق الرد عليه هو الآخر] حبكة قصصية نال بها الجائزة لإحدى المسابقات. فلما قيل إن أم كلثوم مثَّلتْها، قلت: طاب الأصل والمثال، والتقى سحر القديم بروعة الحديث، وإنها لمتعة فنية من الواجب أن أدركها وأن أفوز بها على أي حال.
        وقصدت إلى مشاهدة الرواية وسماع أغانيها، فليتني ما قصدت! لقد دخلت إليها ونفسي مفعمة بما أتمثل من سحر وجمال وروعة فن، ثم خرجتُ مكروب النفس آسفًا أن يبلغ عبث التجارة بالفن إلى هذا الحد السخيف، وأن تصبح مشاهد التاريخ ووقائعه مِلْكًا لهؤلاء المشعوذين يسخرون منها ومن الناس على هواهم، وعلى ما تدعو إليه بواعث الكسب التجاري، ومع هذا يأخذون الثمن الباهظ.
        أول جريمة من جرائم التزوير في الرواية: أنْ نَقَل حضرة المخرج الأديب مكانها من المدينة ومكة بالحجاز إلى الكوفة والبصرة في العراق، وفي هذا كذب على التاريخ، وفيه أيضا جهل فاضح، لأن قصة سلامه ما كانت تطلع إلا في أفق الحجاز، وما كانت حياة الترف والدعة والسماع إلا ديدنهم في ذلك الوقت، على حين كان أهل العراق في فتن عاصفة وحروب طاحنة وحياة شديدة قاسية، وهذه حقيقة أحسب أن المخرج لا يدركها، ولكن ماذا تكون قيمة هذا المخرج في العلم بصناعته إذا ما نقل مشاهد المدينة العامرة إلى ربوع الصحراء الخالية، ومثل مظاهر أهل الحضر، في مواقع الوبر؟!
        أما الجريمة الثانية: فتتصل بشخصيات القصة، فقد كانت سلاَّمة على ما يحدث الرواة جارية مولدة، شاعرة متفقهة، تقول الشعر وتجالس العلماء، فأبى صاحبنا سامحه الله إلا أن يمثلها جارية من جلب رخيص، مبتذلة العاطفة والفن، تغني بلهجة مغربية غثة في ألحان تافهة كأنها ألحان (زفة العروسة)، وتعابير نازلة تعلو عليها تعابير أولاد القرية وهم في مزارع القطن ينشدون أناشيد (مقاومة الدودة)، فأنت تسمع فيها (الحب حلو وإلا حرّاق) و (سلام الله على الأغنام) و (غنى لي شوىْ شوىْ) وكثيراً من أمثال هذه السخافات.
        وجاء (المخرج) - ولا أدري لماذا - بالشاعر عمر بن أبي ربيعة بين أشخاص القصة، وهو تزوير آخر على التاريخ، إذ لم يعرف أن سلاَّمة التقت به، وإن كانت هناك رواية تقول إنها التقت في المدينة بصاحبه ابن أبي عتيق.
        وفي صلة سلاَّمة بحبابة وبجميلة، وفي كل شخص، وفي كل مشهد، تزوير على التاريخ، وكذب على البيئة، وخروج على روح الفن، وشعوذة رخيصة لا تساغ إلا في منعطفات الطرق كمشاهد (جلا جلا) وحلقات الحواة.
        أنا والله لا ألوم هذا (المخرج) في عبثه، لأنني أعلم تماماً أنه رجل لا يخدم الفن ولكنه يخدم جيبه، ولا يرضى الذوق وإنما يرضى خزائنه، فهو يقيس النجاح بمقدار الدخل واستغفال العامة وأشباههم، ولكن كيف تجيز له رقابة الروايات هذا البعث وهذا التلفيق يفسد به على التاريخ ويجني به على الذوق ويضحك به على الشعب المسكين؟!
        ).


        تابع البقية: ....

        رُوّينا بالإسناد الثابت عن إمام دار الهجرة أنه قال: (ليس في الناس شيء أقل من الإنصاف).

        Comment

        • د. هشام عزمي
          باحث علمي
          • Dec 2003
          • 7007

          #19
          المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو المظفر السناري مشاهدة المشاركة
          تابع البقية:
          على أحر من الجمر ..!!
          إن عرفتَ أنك مُخلط ، مُخبط ، مهملٌ لحدود الله ، فأرحنا منك ؛ فبعد قليل ينكشف البهرج ، وَيَنْكَبُّ الزغلُ ، ولا يحيقُ المكرُ السيء إلا بأهلِهِ .
          [ الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 / 4 ].
          قال من قد سلف : ( لا ترد على أحد جواباً حتى تفهم كلامه ، فإن ذلك يصرفك عن جواب كلامه إلى غيره ، و يؤكد الجهل عليك ، و لكن افهم عنه ، فإذا فهمته فأجبه ولا تعجل بالجواب قبل الاستفهام ، ولا تستح أن تستفهم إذا لم تفهم فإن الجواب قبل الفهم حُمُق ) . [ جامع بيان العلم و فضله 1/148 ].

          Comment

          • أبو المظفر السناري
            محاور
            • May 2010
            • 386

            #20

            قلت: ولو لم يكن من آثار تبعات ذلك الفيلم البغيض سوى تلك العبارة التي كان الجواري يُردِّدْنَها في طياته:
            (ما علينا في الحب مَلامة، والقس أَهُوُ عاشقْ سلامة)!
            لكفى، حيث كانت الفتيات يهْزِجْنَ بها ويُغنِّينَ وهن يتمايلن بحروفها طربًا؛ جاعلاتٍ لأنفسهن بها مخرجًا للعشق والكَلَف بالأجانب ومبادلة الأشواق أصحابها، مع ممارسة أساليب الغزل والهُيام.
            وكيف لا يفعلنَ وهن يريْنَ الإمام الزاهد العابد الورع أبا عبد الرحمن القس قد اختلفتْ أوْرِدَةُ قلبه من شدة تَولُّهِه وولوعه بـ: " سلامة " تلك الغانية التي رَاعَهُ مَا رَأَى مِنْ جَمَالِهَا، حتى اقْتُنِصَ بِحَبَائِل فِتْنَتِهَا، وَسُحِرَ بِفُتُور أَجْفَانهَا، وَافْتَتَنَ بمكاسر عَيْنَيْهَا، وَاخْتُلِبَ بِعُذُوبَة مَنْطِقهَا، وَسُبِيَ بِلُطْفِ دَلّهَا، فأمسى وقد نَمَّتْ عَلَيْهِ عَبَرَاتُه، وَفَضَحَ الدَّمْع سِرَّه، وَضَرَّمَ الْحُبّ أَنْفَاسه، وَاسْتَوْقَدَ الْوَجْد ضُلُوعه، وَأَنْحَلَ السُّهْد جِسْمَهُ، وَبَرَى الشَّوْق عَظْمَه، وَبَاتَ نَجِيَّ وَسْوَاس، وَرَهِينَ بَلْبَال!
            بل وبلغ به الشوق مبلغًا جعله يدرأ عذل العاذلين من مشيخته وهو يقول لهم في مسجد من بيوت الله:

            قالوا أحب القسُّ سلامة *** وهو التقي الورع الطاهر!
            كأنما لم يدر طعم الهوى *** والحب إلا الفاسق الفاجر!
            يا قوم لي كبد تهفو كأكبادكم *** وفؤاد مثلكم شاعر!
            هكذا رسم توجو مزراحي شخصية الإمام القس، وهكذا أراد له أن يكون؛ سعيًا منه لِتَطْرِية وجوه اليهود وأعداء الملة بما شاركه فيه جماعة من الكتَبَة الإسلاميين جهلا منهم بعظيم مقام مَنْ سطروا في حقه تلك الكلمات الثِّقال!
            وأخيرًا: لا أحب أن أغادر الكلام عن "توجو مزراحي" دون الإشارة إلى أنه كان تلميذًا بارًا لأبيه الروحي في الديانة اليهودية، والصناعة السينمائية "وداد عرفي" وما أدراك ما هذا الـ: "وداد عرفي"؟!
            ذلك يهودي شقي كان يتعثر في أذياله من الركض وراء إثارة الفتن والخلاعة في أيامٍ كان أكثر المسلمين لا يعرفون من الاسلام سوى اسمه، ومن الدين سوى رسمه!
            ابْتُعِثَ هذا اليهودي الزنيم من تركيا، وأقام في مصر (عام 1926 إلى 1932م) فكان قدومُه نذيرَ شؤمٍ بحدوث أكبر صدام بين الحكومة والملك فؤاد الأول وقتها وبين صناع السينما الشرقية، حيث نما إلى علم الملك اعتزام شركة "ماركوس السينما توغرافية" إنتاج فيلم عن النبي محمد - صلى الله عليه وسلم! وأوفدت الشركة "وداد عرفي" إلى القاهرة مندوبًا عنها للاتفاق مع أحد أبطال السينما المصرية لتجسيد شخصية الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- وكان لتحقيق هذا الفيلم أغراض خبيثة ربط بعض النقاد بينها وبين سقوط الخلافة العثمانية، وتولي يهود الدونمة -وعلى رأسهم مصطفى كمال أتاتورك- مقاليد الحكم في تركيا!
            قال الأستاذ وجيه ندى في مقال له في جريدة: (شباب مصر) الإلكترونية، بتاريخ: (8/ 29/2010م) وعنوان المقال: (مخرجي السينما المصرية زمان يهود)!
            (ولكن ما إن بلغ الملك فؤاد-يعني خبر الفيلم المذكور- حتى كان حاسمًا في رفضه، بل وتجاوز ثورة الأزهر ووزارة الداخلية المصرية إلى إصدار قرار حاسم برفض حتى مناقشة الأمر، وعندما عرض الأمر من وداد عرفي لـ: "يوسف وهبي" لتجسيد شخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- انطلاقًا للعالمية! هدده الملك فؤاد بسحب الجنسية المصرية، وأن يوسف وهبي رفض عرض وداد عرفي قبل تهديدات الملك فؤاد، وتم غلق هذا المشروع الخبيث).
            قلت: قد أحدث خبر هذا الفيلم ضجة كبيرة في المجتمع المصري آنذاك، وكتب عنه يوسف وهبي في (مذكراته) الصادرة (عام 1976م) يقول: (زارني بمسرح رمسيس الأستاذ الأديب التركي وداد عرفي، وقدم لي سيدا يُدْعى الدكتور كروس، وأفهمنى أنه شخصية لها وزنها، وأنه رسول عاهل تركيا الرئيس "أتاتورك" ومستشاره الخاص، وجنسيته ألمانية، وطلب مني أن أحدد موعدا معه لأمر مهم جدا، علمت في اللقاء أن د. كروس يمثِّل مؤسسة سينمائية ألمانية مشهورة، وقد نال موافقة رئيس الجمهورية التركية على إنتاج فيلم إسلامي ضخم كدعاية مشرفة للدين الإسلامي الحنيف وعظمته وسمو تعاليمه، تشارك فى نفقاته الحكومة التركية باسم "محمد رسول الله" وقد أعد السيناريو، وصرحتْ بتصويره لجنةُ من كبار علماء الإسلام في إستانبول، ويظهر في الفيلم النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وتُصَوَّر مناظرُه الخارجية فى صحراء السعودية، واقترح أن أرسم شخصية النبي ... ).
            قلت: وبعد هذا حكى وهبي عن استدعاء الداخلية له، وعن تهديد الملك فؤاد، وفي النهاية يؤكد أن الشركة أنتجت الفيلم، وأن ممثلا يهوديا هو الذي جسَّد فيه دور النبي محمد عليه الصلاة والسلام!
            وقد بدأ الاحتدام حول هذا الفيلم من خبر عنوانه "في النهاية" نشرته "مجلة المسرح" في عددها الصادر (يوم 26 مايو 1926م) وذكرتْ فيه: أن شركة "سينماتوغرافية" جاءت إلى مصر واتفقت مع يوسف وهبي على أن ينتقل مع بعض أفراد فرقته إلى باريس ليمثل للشركة رواية "النبي محمد"، وأن نجيب الريحاني [النصراني المعروف!] سيشترك في تمثيل هذه الرواية في دور "معاذ"!
            وجاء في الخبر: (أن يوسف وهبي "أخذ يستعد لأداء دوره وصنع لنفسه صورا فوتوغرافية للشكل الذي ابتدعه لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وهي صورة لا تختلف عن صورة راسبوتين التي صنعها يوسف [قلت: حيث كان يوسف وهبي قد قام بتجسيد شخصية: "راسبوتين" في بعض مسرحياته] في كثير أو قليل).
            إلى هنا ينتهي الخبر، لكن مُحَرِّره علق عليه بقوله: (إذن ففي عُرْفِ يوسف وهبي، يكون نبينا محمد رسول الله، وحامل علم الدين الإسلامي وناشر كلمته، يشبه تماما راسبوتين الجاسوس الدنيء والدجال وزير النساء)!
            قلت: وكتب الأستاذ أحمد السماحي في جريدة (الأهرام العربي) بتاريخ: (28/ 1 / 2006م) تحت عنوان: (أفلام حائرة بين المشايخ والمبدعين) يقول بعد أن أشار إلى قضية ذلك الفيلم:
            (تدور أحداثه حول حياة الرسول الكريم، حيث تدخل الأزهر ومنع الفنان يوسف وهبي من تمثيل دور النبي -صلي الله عليه وسلم - وكان دعم الرئيس كمال أتاتورك ـ الذي أسقط الخلافة العثمانية ـ للفيلم عاملا مستفزا ليس للأزهر وحده ولكن للملك فؤاد أيضا, فالنوايا التركية من إنتاج الفيلم ليست الدعاية للدين الإسلامي كما قيل, وإنما الحفاظ على النفوذ الديني لتركيا رغم سقوط الخلافة واستخدام السينما في الدعاية كأسلوب حديث.
            وكان الملك فؤاد في هذا الوقت يسعي للتحالف مع الأزهر لدعمه وتنصيبه خلافة للمسلمين, فاستغل فتوي شيخ الأزهر التي نُشِرتْ بالصحف أثناء المعركة والتي يحرِّم فيها تصوير الرسل والأنبياء والصحابة، ووجَّه تحذيرا ليوسف وهبي يُهدِّد فيه بسحب الجنسية المصرية عنه والنفي خارج مصر إذا مثَّل دور النبي في الفيلم.
            وردُّ الفعل العنيف هذا جعل يوسف وهبي يخرج عن صمْته ويتحدث في جريدة الأهرام تحت عنوان "كيف يصورون النبي صلي الله عليه وسلم" قائلا: (اطلعتُ في عدد الأمس على مقال كتبه مسلم غيور يشكو إلى ولاة الأمور ما قرأه في "مجلة المسرح" عن عزمي على تمثيل رواية النبي محمد بشكل وهيئة لا تليق بكرامة النبوة، ولا تتفق مع عظمة الدين , مع أن هذا خبر كاذب وحقيقة لا أصل لها, سيدي إني إذا كنت قد رضيت أن ألعب هذا الدور في السينما فليس إلا لرفعه شأن محمد -صلي الله عليه وسلم - وتصويره أمام العالم الغربي بشكله اللائق وحقيقته النبيلة خاصة، عندما قال لي منتج الفيلم: إذا رفضتَ القيام بهذا الدور فسيلعبه أجنبي غيرك لا يعلم عن الدين الإسلامي شيئا؟
            وفي نهاية حديثه قال يوسف وهبي: (ليس الغرض من هذا الفيلم سوى الدعوة والإرشاد للدين الإسلامي الذي تعضده الحكومة التركية).
            قلت: ثم تنازل هذا الـ: "يوسف وهبي" عن المشاركة في هذا الفيلم قسرًا؛ ونزولا عند رغبة مفتي الديار وأقلام جماعة من المسلمين الأحرار، وإلا فمثله من المهرِّجين كان لا يستنكف عن القيام بدور " الإله " لو سمحتْ له الأجواء!
            نرجع إلى بقية كلام الأستاذ وجيه ندى مرة أخرى:
            (لكن "وداد عرفي" لم يرحل عن مصر معلنًا أنه مسلم، غير أنه أكد لأحد كبار التجار اليهود في مصر، أنه اضطر إلى ادعاء الإسلام، فما كان من التاجر "إيلي درعي" إلا أن ساعده على تولي منصب مدير فني في شركة "كوكب مصر" التي تملكها فاطمة رشدي.
            ثم اتجه إلى السينما، حيث أقنع المنتجة والممثلة "عزيزة أمير" بإنتاج أول فيلم روائي في السينما المصرية "نداء الله"، لكن سرعان ما توقف العمل لما ارتكبه وداد عرفي؛ لضبطه في وضْع شذوذ جنسي مع مساعده اليهودي "جوزيف سوانسون"!
            وأكمل الفيلم بعد التعديل وتحول إلى "ليلى" وأخرجه استيفان روستي الأرمني الأصل من أم إيطالية وأب كان بارونًا نمساويًا.
            ومع فاطمة رشدي بدأ عرض إخراج فيلم "تحت سماء مصر" لكنها أوقفتْ تصويره بعد اكتشافها أن الفيلم تغلبه المشاهد الخلاعية المخلة بالآداب؛ لذا فضلتْ خسارتها عن اتهام الناس لها بالفجور، كما يؤكد المؤرخون للسينما، وله فيلم "غادة الصحراء"، و"مأساة الحياة" للراقصة التركية "افرانز: مَنعتْه الرقابة لخلاعته المفرطة)!

            قلت: وهذا نَزْرٌ يسير من اتجاهات بعض رُوَّاد السينما العربية من يهود الشرق؛ وتلك صفحات سوداء من تاريخ القوم، في الوقت الذي ينادي فيه بعض الجهلة الأغرار بتكريم: "توجو مزراحي" على ما ابتعثه من النهضة في تاريخ السينما المصرية!
            وأمثال هؤلاء المنافحين عن هذا الطراز من الخاسرين: لن يوقظهم من غفوتهم وغفلتهم سوى نفخة الصور! وحسبنا الله ونعم الوكيل.


            تابع البقية: ...
            Last edited by أبو المظفر السناري; 06-14-2011, 08:26 PM.

            رُوّينا بالإسناد الثابت عن إمام دار الهجرة أنه قال: (ليس في الناس شيء أقل من الإنصاف).

            Comment

            Working...