إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • القلم الحر
    عضو
    • Nov 2004
    • 1056

    #31
    زواجه - صلى الله عليه و اله و سلم من ام المؤمنين عائشة

    من الشبهات التى يثيرها خصوم المصطفى من النصارى و من اللادينيين (الذين لا يوجد اى مانع حقيقى فى لادينيتهم من نكاح امهاتهم )شبهة زواجه من عائشة و هى صغيرة
    و قد اجيب عنه بان بان من كانت فى سن التاسعة ليست طفلة , لان هذا سن بلوغ للفتاة , و الاشكال مبنى على عرف هذا الزمان و هو ليس بحجة لان ما يستشنعه البعض الان لم يكن مستشنعا عند العقلاء وقتها , فليس فى الزواج منها فى هذه السن ما يحكم العقل بقبحه و الا لاستقبحه العقلاء من قبل , و قد كانت النساء الى وقت قريب يتزوجن بلا اى استشناع فى مثل هذه السن و هذا معلوم

    و المؤكد ان النبى الاكرم لم يتزوجها لاشباع شهوة كما يتصور هؤلاء الطاعنون فان سنها حسب النقل لا يغرى على الاستمتاع
    و من كان بين الخمسين و الستين و يريد الاستمتاع الشهوانى فله ان شاء فيمن تيقظت فيهن الانوثة كفاية
    و هذا يؤكد ان ابا الزهراء انما تزوجها لغرض اجتماعى

    فرية الشهوانية
    من قرأ حياته وهو في شرخ شبابه إلى ان ذرّف العقد السادس من عمره الشريف يقف، على أنّه كان بعيداً عن أيّ عمل يمت إلى ذلك بصلة.

    «فهو قد تزوج خديجة وهو في الثالثة والعشرين من عمره وهو في شرخ الصبا، وريعان الفتوة، ووسامة الطلعة، وجمال القسمات وكمال الرجولية، ومع ذلك ظلَّت خديجة وحدها زوجه ثماني وعشرين سنة حتى تخطّى الخمسين، هذا على حين كان تعدد الزوجات أمراً شائعاً بين العرب في ذلك العهد وعلى حين كان لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مندوحة في التزويج على خديجة أن لم يعش له منها ذَكَر، في وقت كان تُوأد فيه البنات، وكان الذكور وحدهم هم الذين يعتبرون خلفاً وقد ظل النبي مع خديجة سبع عشرة سنة قبل بعثه وإحدى عشرة سنة بعده وهو لا يفكر قط في أن يُشرك معها غيرها في فراشه، ولم يعرف عنه في حياة خديجة ولم يعرف عنه قبل زواجه منها، انّه كان ممن تغريهم مَفاتن النساء، في وقت لم يكن فيه على النساء حجاب بل كانت النساء يتبرجنَّ فيه ويبدينّ من زينتهنّ ما حرّم الاِسلام من بعد».

    فمن غير الطبيعي ان تراه وقد تخطى الخمسين ينقلب فجأة هذا الانقلاب ..

    وأمّا تعدد زوجاته ونسائه، فمن قرأ صفحات تاريخه يقف على أنّه كان لاَجل غايات سياسية أو اجتماعية أو ما يشبههما.

    مثلاً انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يشرك مع خديجة أحداً مدى 28 سنة، فلمّا قبضها اللّه إليه تزوج سودة بنت زمعة أرملة السكران بن عمرو بن عبد شمس، ولم يرو راو انّ سودة كانت من الجمال أو من الثروة أو من المكانة بما يجعل لمطمع من مطامع الدنيا أثراً في زواجه بها، إنّما كانت سودة زوجاً لرجل من السابقين إلى الاِسلام الذين احتملوا في سبيله الاَذى والذين هاجروا إلى الحبشة بعد ان أمرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالهجرة وراء البحر إليها، وقد أسلمت سودة وهاجرت معه وعانت من المشاق ما عانى، ولقيت من الاَذى مالقي، فإذا تزوّجها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ذلك ليعولها وليرتفع بمكانتها إلى أُمومة الموَمنين، فذلك أمر يستحق من أجله أسمى التقدير وأجلَّ الحمد.)



    والواقع مع ذلك ان القرآن قرر بشرية الرسول الاكرم، وانه كان يقدر الجمال البشرى (وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ) الاحزاب :52

    لكن ليست الحاسة الخلقية في انعدام الاحساس والشعور بل في السيطرة على الاهواء الذاتية

    و هنا نجد خضوع الرسول الاكرم ص المطلق للايات التي تعلو على ميوله كالقاعدة القرآنية التي تحدد له فئات النساء اللاتى يمكنه الزواج منهن

    و القاعدة التي حرمت عليه عقد اى زواج جديد مهما كانت رغبته ولا ان يبدل زوجات بزوجات آخر

    و اغلب زيجاته فرضت عليه لاعتبارات انسانية سامية مثل مواساة وتشريف زوجة شهيد أو مهاجر مات بين اصحابه في هجرته

    أو توثيق بعض الروابيط القبلية بين القبائل التي تعاهد معها

    أو ايجاد جو مناسب لعتق اسرى قبيلة باكملها _ وقد كانوا بالفعل في ايدى المسلمين واعتقهم المسلمون في الحال نظرا لقرابتهم الجديدة بالرسول ..

    هذا مع ملاحظة اعباءه وهمومه المختلفة مثل :
    اقامة الصلوات الخمس من الفجر حتى العشاء،
    وتعليم القرآن،
    وتوزيع الصدقات العامة،
    والفصل في المنازعات،
    ومقابلة الوفود، ومراسلة الملوك،
    وقيادة المعارك العسكرية،
    وسن التشريع، وتاسيس الدولة ..

    و باختصار العناية بكل شيء وبكل الناس ثم بعد ذلك قيام الليل راكعا أو ساجدا أو قائما


    كل هذا يدعونا إلى الاعتقاد بان الباعث الحقيقى على الزواج هو شيء آخر بعيد كل البعد عن ارضاء الغريزة
    Last edited by القلم الحر; 08-18-2010, 03:55 PM.

    Comment

    • القلم الحر
      عضو
      • Nov 2004
      • 1056

      #32
      كما فى صدر الموضوع فان القران ينطلق من مفروغية وجود الله
      و مع ذلك فانه يمكن اقتباس حجة تامة على وجود الله من اي الذكر الحكيم المسوقة لتربية المؤمنين
      انه برهان الغنى و الفقر
      و هو اقوى من برهان الامكان الذى احتج به المتكلمون
      و خلاصته :
      قال سبحانه "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ "
      فلو اننا اخذنا اى عينة من الواقع الخارجى فانها اما ان تكون غنية فيثبت المطلوب
      او فقيرة فتحتاج الى غنى تتحقق به
      و يكفى تامل الانسان - وهو تحفة عالم الخلق ـ فانه فى حقيقته فى ظاهره و باطنه و علنه و سره ليس الا فقير يحتاج الى الغنى
      و قد اشار الكتاب العزيز الى هذا المعنى فى قوله تعالى :
      فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
      فهو عليه السلام مع ما اوتى من قوة بدنية و ما يجعله غنيا عن جميع الناس نجده يقر بفقره الى الله , فلسان حاله : مهما اعطيت سابقى فقيرا
      لان فقر الانسان حقيقى دائم و كذلك سائر الكائنات
      فالموجودات كلها عبارة عن الفقر والحاجة ، وان ذات الله المقدسة عبارة عن الغنى والإستغناء
      ( يَسِئَلُه مَنْ في السَّمواتِ والأَرضِ كُلَّ يَوم هُوَ في شَأْن )

      Comment

      • القلم الحر
        عضو
        • Nov 2004
        • 1056

        #33
        مع اليهود ..

        كان اليهود ينتظرون محمدا صلى الله عليه واله الذي بشرت به اسفارهم

        ففي سفر اشعياء ‏:

        "قال لي السيد: اذهب أقم الحارس، ليخبر بما يرى، فرأى ركاباً أزواج فرسان، ركاب حمير، ركاب جمال، فأصغى إصغاء شديداً، ثم صرخ كأسد: أيها السيد أنا قائم على المرصد دائماً في النهار، وأنا واقف على المحرس كل الليالي، وهوذا ركاب من الرجال، أزواج من الفرسان. فأجاب وقال: سقطت، سقطت بابل، وجميع تماثيل آلهتها المنحوتة كسرها إلى الأرض. يا دياستي وبني بيدري، ما سمعته من رب الجنود إله إسرائيل أخبرتكم به، وحي من جهة دومة.صرخ إليّ صارخ من سعير: يا حارس ما من الليل، يا حارس ما من الليل. قال الحارس: أتى صباح وأيضاً ليل، إن كنتم تطلبون فاطلبوا. ارجعوا تعالوا، وحي من جهة بلاد العرب، في الوعر في بلاد العرب تبيتين يا قوافل الددانيين، هاتوا ماء لملاقاة العطشان، يا سكان أرض تيماء وافوا الهارب بخبزه، فإنهم من السيوف قد هربوا .... قال لي السيد: في مدة سنة كسنة الأجير، يفنى كل مجد قيدار " (إشعيا 21/ 6 - 16).

        وهذا نص معوج لنصٍ مفيدٍ ومهمٍ يدل بكل وضوح بمجيء النبيين: راكب الحمار وراكب البعير. وهما عيسى ومحمد’ .

        و هناك تحريف فى كتاب أشعيا في ‏الوحي من جهة برية البحر فقد عمدوا إلى قوله. "زوج فرسان: راكب حمار، وراكب جمل " ‏فحرفوه إلى قولهم: (أزواج فرسان ركاب حمير وركاب جمال "
        مع أن الأصل العبراني ‏يقول هكذا: " ورأه ركب صمد ركب حمور وركب جمل " فإن لفظ ركاب بالعبرانية " ‏ركبيم " ومع الاضافة " ركبي " أنظر أقلها سفر القضاء في الأصل العبراني 5: 10 و‏‏10: 4 و12: 14 ولفظ جمال " جمليم " أنظر أقلها سفر التكوين 12: 16 و24: 30 و‏‏31 و35 ولفظ الحمير " حموريم " أنظر أقلها. تك 24: 35 وعد 31: 28 و30 و4 و‏‏39 ولفظ حمار " حمور " أنظر أقلها. خر 22: 8 و9 ولفظ الجمل " جمل " أنظر أقلها. ‏لا 11: 4 وتث 14: 7



        و هناك كما في كتاب " الهاجريون " ل باتريشيا كرونة ومايكل كوك سفر رؤيوي يهودي يرجع إلى منتصف القرن الميلادي الثامن، يدعى «أسرار الحبر شمعون بن يوحاي»، والذي يحتفظ بتفسير مسياني للغزو العربي وبما أن المسيا ينتمي إلى نهاية النص الرؤيوي وليس إلى منتصفه، فهذا التفسير مأخوذ على الأرجح من سفر رؤيوي أقدم منه كُتب مباشرة بعد الحوادث التي يشير إليها أما ما يهمنا في بحثنا الحالي فهو المقطع التالي:

        حين رأى أن مملكة اسمعيل كانت آتية، شرع يقول: «ألم يكف ما فعلته بنا مملكة أدوم الشريرة، حتى تأتينا مملكة اسمعيل أيضاً؛ وللفور أجابه متاترون أمير التشجيع بقوله: «لا تخف، ياابن الإنسان، فالقدوس المبارك لا يأتي بمملكة اسمعيل إلا لتخلّصكم من هذا الشر. إنه بحسب إرادته يقيم عليهم نبياً وسوف يفتح لهم الأرض وسوف يأتون ويحيونها بعظمة، وسيكون هنالك خوف مريع بينهم وبين أبناء عيسو». أجاب الحبر شمعون قائلاً: «كيف نعرف أنهم خلاصنا؟» أجاب: «ألم يقل النبي اشعيا: «فيرى ركباً، أزواج فرسان» الخ؟» - النص الأصلي للسفر الرؤيوي كان يستند على الترغوم، وليس على النص العبراني الذي نمتلكه الآن. ففي حين يتحدّث النص العبراني عن «أزواج فرسان. ركّاب حمير وركّاب جمال»، يتحدّث الترغوم عن «أزواج فرسان، واحد يركب على حمار، وآخر يركب على جمل»- لماذا جعل ركّاب الحمير قبل ركّاب الجمال، في حين أنه لا يحتاج إلا لأن يقول: «ركّاب جمال وركّاب حمير»؟ لكن حين يأتي راكب الجمل أولاً فالمملكة سوف تقوم عبر راكب على أحد الحمير. ومن جديد نقول: «ركّاب حمير»، كونه يركب على حمار، تظهر أنهم خلاص إسرائيل، مثل خلاص الراكب على أحد الحمير)) انتهى


        فاليهود كانوا يؤمنون باسماعيلى عربي – راكب الجمل – يكون نبيا يقيمه الله حسب ارادته ويقول كما سبق :لماذا جعل ركّاب الحمير قبل ركّاب الجمال"

        والواقع ان راكب الحمار قبل راكب الجمل لان راكب الحمار هو عيسى عليه السلام لكن اليهود لم يؤمنوا به

        Comment

        • القلم الحر
          عضو
          • Nov 2004
          • 1056

          #34
          فى الاعجاز اللغوى

          معلوم ان القرآن يتحدى بسورة وسور , و تصورى ان التحدى لا ينحصر فى اللغة بل اهم اركانه التحدى بطلاقة القران اى كونه كما سبق لا تنقضى غرائبه بحيث ان القارىء للسورة القرانية يدهشه مع الاطلاع او التامل ان فيها معانى لم ينتبه اليها فيكون لسان حاله معها : كانى لم اقراها من قبل

          اما التحدى باللغة و البيان فكما يقول الامام الزيدى المؤيد بالله الهارونى في كتابه النفيس (اثبات نبوة النبي ص /181)، فان اسم السورة لا ينطلق على الشعر، ولا الخطبة، ولا الرسالة، ولا اسجاع الكهنة، ولا المحاضرة
          و انما ينطلق على ما له هذا النظم المخصوص"

          و لم تكن العرب تستعمل هذا اللفظ قبل نزول القرآن, فهناك اذن تحدى بالنظم

          و هنا نشير الى ان ابرز خصائص النص القرآني اللغوية انه ابتدع معجمه واتسمت الالفاظ القرآنية بطبيعة خاصة، فالقاعدة ان دلالات المفردات تكفلت بها معاجم اللغة في ضوء الحقيقة والمجاز

          و كما يقول الدكتور عبد الصبور شاهين في "عربية القرآن "

          " فان تفسير النصوص الادبية يتم عبر الاجيال بطريقة واحدة هي دراسة دلالات الالفاظ ومتابعة المعنى التركيبى المتالف من معاني المفردات في سياقاتها، وتعتبر المعاجم القديمة مصادر لمعرفة المعانى القديمة وليس من المنطق تفسير بيت قديم شعرى بحمل الفاظه على معان محدثة

          لكن القرآن يخرج تماما عن هذه القاعدة، حيث تتسع الفاظه للمعانى المحدثة في حالات كثيرة ولا سيما " الالفاظ المفاتيح " والتي تتصل بمعانى الصفات الالهية، والغيب، والعلم الالهى، والموجودات الكونية التي اثبت القرآن وجودها، بل وكثير من الالفاظ الأخرى

          و من امثلة ذلك كل صفات الله في القرآن، ومن امثلته الفاظ الملك والجن والسماء والعرش والكرسي واللوح والقلم

          و من امثلته الفاظ الجنة والنار، والحساب والصراط والكتاب والقيامة

          فكلها الفاظ عربية دات مدلول لغوى محدد، ولكن مدلوها القرآني غير محدد

          اى اننا نعرف مبتداها ولكنا لا نعرف منتهاها

          و نرى ان اللفظ يبدا في لسان العرب قبل الاسلام محدود الدلالة، فاذا هو معنى متراحب لا يطيق العقل ان يدركه أو يحدد دلالته في لغة القرآن

          و كمثال لفظ " القلم "

          قد كانت لاهل الجاهلية اقلام يستخدمونها في الكتابة ويتخذونها من اعواد النبات، لا يتعدى لفظ القلم هذا المدلول المادى الضئيل

          و مع ذلك نجد ان القرآن في الآيات الاولى يذكر " القلم " مرتين، مرة في سورة العلق " الذي علم بالقلم "، وبعدها مباشرة في سورة القلم :"ن والقلم وما يسطرون "

          و المقصود في بالكلمة في الآية الثانية هو المعنى الاصلى الحقيقى، نظرا لارتباطه بما يستخدم فيه على أيديهم " وما يسطرون "

          و لكن المقصود في الآية الاولى متصل بعلم الله الذي يفيضه على الإنسان

          فالقلم هنا هو ذلك الوجود المخلوق الذي يسجل كل شيء، والذي علم الله به الإنسان ما لم يعلم

          و بين المعنى الاصلى والمعنى القرآني مسافة تنتهى إلى المجهول

          فهو بلا شك البعد الالهى في الدلالة، وهو بعد لا نهائى، على شكل المخروط الذي يبدا بنقطة وينتهى إلى علم الله اللامحدود )انتهى



          هذا اضافة إلى التحول المعجمى الذي احدثه القرآن وهذا التحول في العادة، يكون تعبيرا عن تطور ذهنى عام في الثقافة، ومن وراء ذلك عن تطور في بني الحضارة كما لدى اليونان وغيرهم

          و لا يمكن ان يكون هذا من افراز عقل واحد

          و ان يحدث كتاب مثل هذا التحول والتاثير في لغة فهذه معجزة، لان العادة ان اللغات تتطور عبر القرون والاجيال لا فجاة

          و لذلك اشار القرآن إلى ان لسانه العربي دليل على نبوة محمد ص في قوله تعالى :" وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ" النحل :103

          Comment

          • القلم الحر
            عضو
            • Nov 2004
            • 1056

            #35
            خاتمة

            اختم الموضوع ببحث ماتع فى مسالة الشرور التى يحتج بها الملاحدة

            التحليل الفلسفي لمسألة الشرور.

            حاصل هذا التحليل أنَّ ما يظنه بعض الناس من أنَّ هناك حوادث غير منتظمة، أوْ ضارّة مدمّرة، فإنما هو ناشيء من نظراتهم الضّيقة المحدودة إلى هذه الأمور. و لو نظروا إلى هذه الحوادث في إطار «النظام الكوني العام» لأذعنوا بأنها خير برمتها، و يكون موقف المسألة :

            ما ليس مَوْزوناً لِبَعْض مِنْ نَغَم * فَفي نِظامِ الكُلِّ كُلٌّ مُنْتَظَم

            هذا إجمال الجواب، و أَما تفصيله فيتوقف على بيان أمرين:

            الأَمر الأَول - النَّظرة الضيّقة إلى الظواهر


            إِنَّ وصف الظواهر المذكورة بأنَّها شاذّة عن النظام، و أَنَّها شرور لا تجتمع مع النظام السائد على العالم أولا، و حكمته سبحانه - بالمعنى الأعم - ثانياً، و عدله و قسطه ثالثاً، ينبع من نظرة الإِنسان إلى الكون من خلال نفسه، و مصالحها، و جعلها محوراً و مِلاكاً لتقييم هذه الأمور. فعندما ينظر إلى الحوادث و يرى أنَّها تعود على شخصه و ذويه بالإِضرار، ينبري من فوره إلى وصفها بالشرور و الآفات. و ما هذا إلاّ لأَنه يتوجه إلى هذه الظواهر من منظار خاص و يتجاهل غير نفسه في العالم، من غير فرق بين من مضى
            من غابر الزمان و من يعيش في الحاضر في مناطق العالم أو سوف يأتي و يعيش فيها. ففي النَّظرة الأَولى تتجلى تلك الحوادث شراً وبليّة. ولكن هذه الحوادث في الوقت نفسه و بنظرة ثانية تنقلب إلى الخير و الصلاح و تكتسي خلق الحكمة والعدل و النَّظْم. و لبيان ذلك نحلل بعض الحوادث التي تعد في ظاهرها من الشرور فنقول:

            إِنَّ الإِنسان يرى أنّ الطوفان الجارف يكتسح مزرعته، و السَيْل العارم يهدم منزله، والزلزلة الشديدة تُزَعْزِعُ بُنيانه، ولكنه لا يرى ما تنطوي عليه هذه الحوادث و الظواهر من نتائج إيجابية في مجالات أُخرى من الحياة البشرية.

            و ما أَشبه الإِنسان في مثل هذه الرؤية المحدودة بعابر سبيل يرى جرّافة تحفر الأرض، أو تهدم بناءً مُحْدِثَةً ضوضاءَ شديداً و مُثيرة الغبار والتراب في الهواء، فيقضي من فوره بأنه عمل ضار و سيء و هو لا يدري بأَنَّ ذلك يتم تمهيداً لبناء مستشفى كبير يستقبل المرضى و يعالج المصابين و يهيء للمحتاجين إلى العلاج وسائل المعالجة والتمريض.

            ولو وقف على تلك الأَهداف النبيلة لقضى بغير ما قضى، ولَوَصَفَ ذلك التهديم بأنه خير، و أَنّه لا ضير فيما حصل من الضوضاء، و تصاعد من الأَغبرة.

            إِنَّ مَثَلَ هذا الإِنسان المحدود النظر في تقييمه، مَثَل الخفاش الذي يؤذيه النور لأنه يَقبض بصره، بينما يبسط هذا النور ملايين العيون على آفاق الكون و يسهل للإِنسان مجالات السعي والحياة. أَفهل يكون قضاء الخفاش على النور بأنه شرٌ مِلاكاً لتقييم هذه الظواهر الطبيعية المفيدة؟ كلا، لا.

            الأمر الثَّاني - الظواهر حلقات في سلسلة طويلة

            إنَّ النظر إلى ظاهرة من الظواهر، منعزلة عن غيرها، نظرة ناقصة
            و مبتورة. لأنَّ الحوادث حلقات مترابطة متسلسلة في سلسلة ممتدة، فما يقع الآن منها يرتبط بما وقع في أعماق الماضي و بما سيقع في المستقبل، في سلسلة من العلل و المعاليل و الأسباب و المسبَّبات.

            و من هنا لا يصحّ القضاء على ظاهرة من الظواهر بحكم مع غض النظر عما سَبَقَها، و ما يلحقها، بل القضاء الصحيح يتحقق بتقييمها جُملة واحدة والنظر اليها نظراً كلياً لا جزئياً. فإِنَّ كل حادثة على البسيطة أو في الجو ترتبط ارتباطاً وثيقاً بما سبقها أَوْ يلحقها من الحوادث. حتى أنَّ ما يهب من النسيم و يعبث بأوراق المنضدة التي أَمامك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما حدث أو سيحدث في بقاع العالم. فلا بد للمحقق أن يلاحظ جميع الحوادث بلون الإِرتباط و التَّشكل. فعند ذاك يتغير حكمه ويتبدل قضاؤه ولن يصف شيئاً بالشذوذ، ولن يَسِمَ شيئاً بأَنَّه من الشرور.

            إذا عرفت هذين الأمرين فلنأْتِ ببعض الأَمثلة التي لها صلة بهما:

            1ـ إذا وقعت عاصفة على السواحل فإنها تقطع الأشجار و تدمر الأَكواخ و تقلب الأثاث، فتوصف عند ساكني الساحل بالشر و البلية، ولكنها في الوقت نفسه تنطوي على آثار حيويّة لمنطقة أُخرى.

            فهي مثلا توجب حركة السُفُن الشِّراعيَّة المتوقفة في عرض البحر بسبب سكون الريح. و بهذا تنقذ حياة المئات من ركّابها اليائسين من نجاتهم، و توصلهم إلى شواطئ النجاة، فهي موصوفة عند ركّاب السفينة بالخير.

            2ـ إِنَّ الرياح و إِنْ كانت ربما تهدم بعض المساكن إلاّ أَنها في نفس الوقت تعتبر وسيلة فعالة في عملية التلقيح بين الإَزهار و تحريك السحب المولدة للمطر و تبديد الأدخنة المتصاعدة من فوهات المصانع والمعامل التي لو بقيت و تكاثفت لتعذرت أَوْ تعسّرت عملية التنفس لسكان المدن و القاطنين حول تلك المصانع. إلى غير ذلك من الآثار الطيبة لهبوب الرياح، التي تتضاءل عندها بعض الآثار السيئة أو تكاد تنعدم نهائياً.
            ـ الزلازل و إِنْ كانت تسبب بعض الخسائر الجزئية أو الكلية في الأَموال و النفوس، إِلاّ أَنَّها توصف بالخير إذا وقفنا على أَنَّ علّتها - على بعض الفروض - جاذبية القمر التي تجذب قشرة الأرض نحو نفسها، فيرتفع قاع البحر و يوجب ذلك الزلازل في مناطق مختلفة من اليابسة. فإنَّ هذا في نفس الوقت يوجب أَنْ تصعد مياه البحار و الأَنهار فتفيض على الأراضي المحيطة بها و تسقي المزارع و السهول فتجدد فيها الحياة و تجود بخير العطاء.

            و يترتب على الزلازل آثار نافعة أُخرى يقف عليها الإِنسان المتفحص في تلك المجالات، فهل يبقى مجال مع ملاحظة هذين الأَمرين للقضاء العاجل بأنَّ تلك الحوادث شرور و بلايا لا يترتب عليها أيّة فائدة؟.

            إِنَّ عِلْمَ الإِنسان المحدود هو الذي يدفعه إلى أَنْ يقضي في الحوادث بتلك الأقضية الشاذة، ولو وقف على علمه الضئيل و نسبة علمه إلى ما لا يعلمه لرجع القَهْقَرى قائلا: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ )(. و لأذعن بقوله تعالى: (وَ مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً )( و قوله سبحانه: (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ).

            و لهذا السبب نَجِدُ أنَّ العلماء الموضوعيين الذين لم تبهرهم منجزات العلوم ولم يغرّهم ما حصل لهم من التقدم، يعترفون بقصور العلم البشري و يَحْذَرُون من التسرع في القضاء والحكم على الأشياء. كيف و هذا العالم الإِنكليزي الأستاذ (وليم كروكش) مكتشف إشعاع المادة، والمخترع لكثير من أدوات التجارب الكيميائية قال: «من بين جميع الصفات التي عاونتني في مباحثي النفسية، و ذلّلت لي طرق اكتشافاتي الطبيعية، و كانت تلك الإِكتشافات أحياناً غير منتظرة، هو اعتقادي الراسخ بجهلي»

            تحليل فلسفي آخر للشرور

            قد وقفت على التحليل الفلسفي الماضي، و هناك تحليل فلسفي آخر لمشكلة البلايا و المصائب و لعله أدق من سابقه، و حاصله:

            إِنَّ الشر أمر قياسي ليس له وجود نفسي و إِنما يتجلى عند النفس إذا قيس بعض الحوادث إلى بعض آخر، و إليك بيانه:

            إِنَّ القائلين بالثَّنوية يقولون إِنَّ الله سبحانه خير محض، فكيف خلق العقارب السّامة والحيَّات القاتلة و الحيوانات المفترسة و السباع الضواري.

            ولكنهم غفلوا عن أنَّ اتصاف هذه الظواهر بالشرور اتصاف قياسي وليس باتصاف نفسي، فالعقرب بما هو ليس فيه أي شر، و إنما يتصف به إذا قيس إلى الإِنسان الذي يتأذَّى من لسعته، فليس للشرّ واقعية في صفحة الوجود، بل هو أمرُ انتزاعي تنتقل إليه النفس من حديث المقايسة، ولولاها لما كان للشرّ مفهوم و حقيقة. و إليك توضيح هذا الجواب.

            إِنَّ الصفات على قسمين: منها ما يكون له واقعية كموصوفه، مثل كون الإِنسان موجوداً، أو أَنَّ كل متر يساوي مائة سنتيمتر. فاتصاف الإِنسان بالوجود والمتر بالعدد المذكور، أَمران واقعيان ثابتان للموجود، توجه إليه الذهن أَم لا. حتى لو لم يكن على وجه البسيطة إِلاّ إنسان واحد أو متر كذلك فالوصفات ثابتان لهما .

            ومنه ما لا يكون له واقعية إلاّ أَنَّ الإِنسان ينتقل إلى ذلك الوصف، أَو بعبارة صحيحة ينتزعه الذهن بالمقايسة، كالكبر و الصغر، فإِنَّ الكبر ليس شيئاً ذا واقعية للموصوف و إنما يُدْرَك بالقياس إلى ما هو أصغر منه.

            مثلا: الأرض توصف بالصِغَر تارة إذا قيست إلى الشمس، و بالكِبَر أخرى إذا قيست إلى القمر. و لأجل ذلك لا يدخلان في حقيقة الموصوف، و إِلا لما صح وصف الأرض بوصفين متعارضين.

            إذا عرفت انقسام الأَوصاف إلى القسمين، فعليك تحليل مفهوم الشر على ضوء هذا البيان فنقول: إِنَّ كون العقرب موجوداً و ذا سمَّ، من الأمور الحقيقية. و أما كونه شرّاً، فليس جزءاً من وجوده، و إِنمايتصف به سمّ العقرب إذا قيس إلى الإِنسان و تضرره به أو فقدانه لحياته بسببه، و إِلاّ فانه يعدّ كمالا للعقرب و موجباً لبقائه. فإذا كان كذلك سهل عليك حلّ عقدة الشرور من جوانبها المختلفة.

            أَما من جانب التوحيد في الخالقية و أنَّه ليس من خالق في صفحة الوجود إلاّ الله سبحانه و هو خير محض ليس للشر إليه سبيل، فكيف خَلَقَ هذه الموجودات المتسمة بالشر، فالجواب أنَّ المخلوق هو ذوات هذه الأشياء و ما لها من الصفات الحقيقية، و أَما اتصافها بالشر فليس أمراً حقيقياً محتاجاً إِلى تعلق العلّة، بل هو أَمرٌ قياسي يتوجه إليه الإِنسان، عند المقايسة"

            Comment

            Working...