اسمي حليم.. حليم حيران

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • هشام بن الزبير
    كاتب
    • May 2010
    • 2867

    #31
    8- ذكاء التيس وحروف العطف

    جلس حليم بين يدي الرجل .. لمحه خلفه وبيده الشفرة.. رآها تلمع على المرآة أمامه.. أشار إليه أن لا داعي لذلك.. إنما يأتيه ليقص شعره لا ليحلق رقبته! وتلك الشعيرات هنا وهناك لا تضره.. ما أعجب أمر الحلاقين.. يأتيهم علية القوم وسوقتهم ليسلموا إليهم الرؤوس ويمكنوهم من الأعناق.. عجبا.. كيف لم يزل الناس في هذا الزمان المتقلب يثقون في من يحمل في يده موسى؟ ثم إن الرجل يكون بين يدي حلاقه كالمكبل في تلك الثياب الغريبة التي تلفّه كالبرنس.. وترى الرجل لا يكاد يدنو منه أهله لهيبته يجلس هنالك على الأريكة مسترخيا والحلاق من خلفه يشحذ الموسى.. ردد حليم في نفسه: "مادمت بين يدي مثل هذا, فإياك أن تغاضبه حتى تخرج من سلطانه." تذكر أيام الصبا.. كم كان يكره أن يصطحبه أبوه عند الحلاق.. كان فظا يدير رأسه الصغيرة بأكف كأنها من خشب.. لم يكن يفرغ من قص شعره حتى يكاد يشعر بالصداع.. لكن الحلاقين لم يعودوا كعهده بهم.. حتى تهمة الثرثرة التي علقت بهم زمانا طويلا تلاشت أو كادت..

    تذكر قصة طريفة في كتاب مدرسي عن رجل جلس بين يدي أحدهم ليحلق لحيته.. فلما هم بذلك التفت إلى الحاضرين فسألهم: "من أذكى الحيوانات؟" فوقعوا في وحوش البراري فلم يتركوا عاشبا ولا لاحما إلا ذكروه.. واجتهدوا في سوق الأدلة على ذكائها.. والمفاضلة بينها.. وكلما انحنى الحلاق ليستأصل لحية الرجل من منابتها.. خطر له تعليق على شيء سمعه.. فأقبل على المتناظرين حول مراتب الذكاء الحيواني يخاطبهم... حتى ضاق به الزبون ذرعا فقام مغضبا وهو يقول: "أذكى الحيوانات هو التيس لا شك.. فقد أحسن في الإحتفاظ بلحيته" ثم انصرف! لم يدر حليم هل كان كاتب هذه القصة المدرسية يرمي إلى المعنى العميق الذي يلوح له الآن.. أم أنه ساقها لطرافتها فحسب.. تذكر التيس وهو يتيه بلحيته ولا يستحيي منها.. وأكثر الرجال يستمتعون بعملية سلخ يومية لوجوههم.. بعد أن سلخ الإشهار شعورهم بجمالهم الفطري.. ولا يبرزون للعالم إلا حين يفرغون من اجتثاث آخر أثر للخشونة على وجوههم.. إنه زمن النعومة.. زمن الجلود الدهينة.. التيس احتفظ بلحيته ربما لأنه لم يقتن التلفاز في حظيرته.. في عالم المعز العنز عنز والتيس تيس.. ولو بدا من العنز شيء من الجراءة الزائدة فإن العرب تقول: "استتيست العنز" فجعلوا ذلك مثلا للذليل يتعزز.. لكنهم لم يقولوا قط "استعنز التيس" ربما لأن التيس كما يشهد الكتاب المدرسي أذكى من ذلك..

    تذكر حليم كيف كان عالم النسوة في بيت طفولته يتألق في تميزه عن عالم الرجال.. كان لكل منهما مجالسه وأنسه.. كان النهار يشرق بالمجالس الناعمة.. التي كان حليم يستغرب أن الرجال لم يغيبوا عن أحاديثها.. وحين كان يسمع "فلانة طلقها رجلها" كان يحار في تصور الذي جرى.. فكان يتساءل في نفسه: "هل كانت فلانة سجينة عند فلان؟" كانت الشمس لا تغيب حتى تغيب النسوة في بيوتهن ليجتمع الرجال.. فتعلو الأصوات وترتفع القهقهة ويتصاعد الدخان.. كان عالم الرجال متميزا عن عالم النساء وكان يبدو غريبا في عيني الطفل.. لكنه كان يرى بين العالمين تجاذبا لطيفا.. وتكاملا بليغا.. ثم دارت السنون دورتها.. فأريد للتجاذب أن يكون تمازجا.. وللتكامل أن يصبح تماثلا.. لا بد أن نتأمل في ذكاء التيس.. فإنه يكاد يجتاز طوفان العولمة محتفظا بلحيته وبتميزه.. مجالس أوانس النهار كانت تنفض بالليل ليعقبها سمر الرجال.. لقد كان زمان الرجال والنساء والليل والنهار.. كان زمان العطف.. والعطف يقتضي التمايز والمغايرة.. ثم جاء قوم كرهوا هذا العطف بين الزمان وأهله.. فأرادوا رجالا نساء ونهارا ليلا.. ونالوا بعضا مما أرادوا.. لكنهم لم يقنعوا بعد.. فأعقبنا سعيهم مجتمعات استتيست فيها العنز.. وصار مثلها كمثل النهار يقبل, فيأبى الليل أن ينجلي.. بل يريد أن يكون نهارا.. فأوشك النهار أن يصبح ليلا وكاد الليل يمسي نهارا.. وحار الحليم وانقلب كل شيء رأسا على عقب.. لا بد من العطف وحروفه.. رجل وامرأة.. ليل ونهار.. وإلا أتى علينا يوم نغبط فيه التيس..

    لا يهم شيء من ذلك كله الآن.. كل ما يهم أن يتجنب حليم أن يستدرجه الحلاق في الحديث.. فليس لديه شيء يقوله.. وهبه كان يشتهي الكلام.. فإن صوت التلفاز يكاد يصم الآذان.. هاهي دعاية مسحوق الغسيل تتكرر للمرة العاشرة.. ترى هل نبدو لهم مدنسين حتى يغسلوا أدمغتنا بكل هذه الدعاية عن البقع السوداء على الثياب البيضاء؟ لا بد أن ثمة سرا لا يفهمه.. كما أنه لا يفهم ما الذي جعل الحلاقين يكتشفون فجأة حكمة الصمت.. لم يعد شيء كما كان.. ربما يكون هذا الشاب قد طوى شهادته الجامعية مع أحلامه المهترئة ليحترف الحلاقة.. ربما يقف الآن في هذا المكان ويتساءل: "ما الذي أصنع ههنا؟ وفيم يفكر هذا المخلوق الغريب الذي ليس منه هنا إلا جسده.." حينها سمع صوتا هادئا يقول: "بالصحة والراحة" وأحس يدا تربت على كتفه...
    Last edited by هشام بن الزبير; 03-09-2011, 11:51 PM.
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

    Comment

    • سليلة الغرباء
      عضوة مميزة
      • Apr 2009
      • 1504

      #32
      فعلا ما كتبت ممتاز بتقييم من هم أفضل مني جزاك الله خيرا
      يبدو أن حليمك الحيران اسم على مسمى ، هو مسمى تلبسه كل شخصية كما ذكرتَ هو جيل بأكلمه ،وهواجسه هواجس كل نفس ،خصوصا في وقتنا الهارب لمسالك الغوص العميق في البحث عن ما يجيبه عن تساؤلاته، كلما استيقظ من حلم في نومه ، استسلم لحم في يقظته وأبحر في شطآن نفسه لتلتهمه أفكاره وتسلمه لسجلات العمر ......
      واصل بارك الله فيك
      Last edited by سليلة الغرباء; 03-10-2011, 10:20 AM.

      Comment

      • هشام بن الزبير
        كاتب
        • May 2010
        • 2867

        #33
        أختي الكريمة..
        طالما قلت: جيلنا هذا الذي رأى ما رأيناه, لا بد له أن يكتب.. ينبغي لنا أن ننقل شيئا من تجاربنا لمن بعدنا..
        وما دمت ضيفا على هذه الصفحات, فهاك أنت أيضا كأسا من الشاي المنعنع

        {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

        Comment

        • هشام بن الزبير
          كاتب
          • May 2010
          • 2867

          #34
          9-حيران بين طريقين


          عاد حليم إلى بيته ماشيا.. لم يلق في طريقه أحدا .. لا إنسانا ولا آلة.. مضى كل إلى شأنه.. وبقي وحيدا يمشي وينظر إلى الأسفلت تحت أقدامه.. مضى متفكرا يقطع سكون الليل.. إنها صورة تملك عليه نفسه في كل مرة.. الطريق.. السير.. الحركة.. إنها تستثير في نفسه كوامن الخطرات.. إلى أين يسير؟ إلى أين يمضي؟ بل إلى أين يسير الناس من حوله وإلام يمضون؟ هل يقوى أحد على العيش بعد أن يستأصل هذا السؤال من قلبه فلا يرواده طرفة عين؟ طفق يمشي وتذكر أنه ما زال يمشي منذ عقل.. يمشي أحيانا ويعثر أحيانا أخرى.. لكنه يقوم فيعاود الكرة فيمشي.. وقبلها كان يحبو.. ومن قبل ذلك كان سجين ظلمات ثلاث.. ثم انعتق منها ليمشي.. هاهو الآن يمشي لكن الأسئلة لم تزل.. فإلى أين مسيره ياترى؟ أين كان قبل أن يكون؟ ولم كان بدل ألا يكون؟ ثم من يكون حقا؟ هل هو هذه الكتلة الملتصقة بالأرض التي تجدّ لتنتقل من موضع لآخر؟ أم أنه هذ الشيء السؤول الذي لم يره قط؟ وأين وجهه.. هل هو هذا الذي يرى انعكاسه على المرآة كل صباح أم أنه لم يحظ برؤية وجهه بعد؟ مشى وهو يتذكر حبه للأسفار.. إن هوس أهل هذا الزمان بالسياحة والأسفار يكتسي برداء الترف والمتعة.. لكنه يحمل في طياته نفس المعاني التي تعتلج في صدره الآن.. إنهم مدفوعون إلى السير.. إنهم يبحثون عن شيء.. إنهم أجسام تستحثها للسير نفوس متحيرة..

          كلما مشى أو سارت به مركبة راودته الفكرة ذاتها.. إن هذا السير كناية عن سير آخر.. إنه سر الحياة.. نعم إنها رحلة تستغرق الحياة.. رحلة لا تتوقف وإن توقف السير.. إنها رحلة تخرج من الصبا فتكتشف أنك قطعت منها طرفا قبل أن تعي نفسك.. إنها رحلة تقطعها نائما ويقظان.. ترى بأي شيء تقطع المراحل في هذه الرحلة الإنسانية المستمرة.. ترى من أين نستمد القوة للصبر على هاته الرحلة المتطاولة؟

          تذكر شيئا آخر يحمل معاني السير وتحكمه قوانينه الصارمة.. إنها صورة الحشود البشرية المندفعة كالطوفان في شوارع المدن الكبرى في هذا العالم.. إنها أمواج بشرية تتدافع كل يوم في كل اتجاه كأسراب الجراد.. تتقاطع طرقهم.. تتشابه سِيرهم.. تتوارد خواطرهم.. لكنهم لا يتوقفون لحظة.. بل يستمرون في سيرهم الحثيث كأن شيئا ما يستفزهم لذلك.. ما الذي دفع الملايين إلى الذوبان في أتون الحياة الرتيبة القاسية؟ ما الذي أحال مجتمعات الناس متاهات يدورون فيها بلا توقف ويقطعون حياتهم تائهين لا يوقفهم إلا الموت؟ من الذي غرر بهم حتى حسبوا ألا معنى لحياتهم إلا أن يديروا عجلة؟ ما الذي جعلهم ينساقون مع العجلة ولا يتفكرون في القصد؟ تذكر فئران السيرك سجينة في عجلات تديرها بحركة أطرافها كأنها آلة ولا تتوقف حتى يرحمها صاحبها فيخرجها لتلمس الأرض الثابتة من جديد.. لكن يبدو أن مروض الفئران في السيرك الصغير أرحم ممن روضوا بني آدم في هذا السيرك الكبير.. تذكر جدته يوم أن جاءت إلى المدينة الكبيرة أول مرة.. تذكر دهشتها من تلك البحور الآدمية المتلاطمة في الساحات والطرقات.. تذكر كيف قالت: "لم أكن أحسب أبدا أن على الأرض كل هؤلاء البشر!" ابتسم وتخيل ماذا كانت ستقول لو أنها رأت ميترو طوكيو والناس فيه كالذباب.. تساءل: لماذا لا يتوقف هؤلاء يوما ما لينظر بعضهم إلى بعض؟ ما الذي سيخسرونه لو سمحوا لطرقهم أن تتقاطع ولسِيرهم أن تلتقي؟ فليجربوا ألا يكونوا فئرانا ليوم واحد ولتذهب العجلة إلى الجحيم..

          تذكر يوما مشمسا في المدينة الكبيرة منتصف النهار وقد بدأ موسم الركض والتدافع.. ولسان حال الجموع الماشية: "نحن مهمون.. أوقاتنا نفيسة." إنها ساعة الغداء.. إنهم يمضون ليأكلوا طعاما رخيصا لا يملكون وقت مضغه مضغا كافيا ثم يعودون ليديروا العجلة.. هاهم أولاء يتراكضون ويتجارون.. فجأة يقطع صوت من عالم آخر صوت جلبتهم وهدير محركات مراكبهم .. صوت ود أصحاب السيرك الكبير لو أخرسوه إلى الأبد: "الله أكبر.. الله أكبر.. أشهد أن لا إله إلا الله.. أشهد أن لا إله إلا الله.. أشهد أن محمدا رسول الله.. أشهد أن محمدا رسول الله.. حي على الصلاة.. حي على الصلاة.. حي على الفلاح.. حي على الفلاح.. الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله" لكن عامة تلك الجموع يعلمون أن هذا النداء يتعارض هذه الساعة مع مصالح أصحاب العجلة.. يمضون كالآلات المبرمجة إلا قليلا من الغرباء.. أولئك يلبون النداء.. ما أعظم هذا النداء.. إنه ينتشل الإنسان من الحضيض المهانة لينفض عنه التراب.. ليطهره ويزكيه.. إنه نداء لهؤلاء المساكين أنكم أشرف من أن تكونوا فئرانا.. إنكم خلقتم للفلاح فحي على الفلاح..

          مشى متفكرا شاردا.. ولما لاحت له هاته المعاني انتعش قلبه واهتزت روحه.. فقطع بقية طريقه شاكرا ذاكرا.. تفكر في حاله وفي مشيه فانطلق لسانه يقول: "رباه.. مشيت وما مشيت بل أمشيتني, وقد نطقت وما نطقت بل أنت أنطقتني, أبصرت وما بصُرت بشيء بل بصّرتني, سمعت وأنى لي السمع إنما أسمعتني, أمشي ولست أدري كيف أمشي, أبصر ولا أبصر كيف أبصر, وأسمع ولا أعي كيف أسمع, بل أحيا فواعجبا كيف أحيا؟ سبحانك ربي بك سمعي وبصري فلك فوضت أمري.. اللهم تقلني أرضك وتظلني سماؤك وآكل من رزقك فأتم نعمتك علي وارزقني رضوانك ومحبتك." أحس بدمعة ساخنة تتحدر على وجنته إلى أن بلغت شفته.. أحس بدفئها وملوحتها.. جفف وجهه بكمه ومضى في طريقه يمشي وهو ما زال يمشي...
          {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

          Comment

          Working...