8- ذكاء التيس وحروف العطف
جلس حليم بين يدي الرجل .. لمحه خلفه وبيده الشفرة.. رآها تلمع على المرآة أمامه.. أشار إليه أن لا داعي لذلك.. إنما يأتيه ليقص شعره لا ليحلق رقبته! وتلك الشعيرات هنا وهناك لا تضره.. ما أعجب أمر الحلاقين.. يأتيهم علية القوم وسوقتهم ليسلموا إليهم الرؤوس ويمكنوهم من الأعناق.. عجبا.. كيف لم يزل الناس في هذا الزمان المتقلب يثقون في من يحمل في يده موسى؟ ثم إن الرجل يكون بين يدي حلاقه كالمكبل في تلك الثياب الغريبة التي تلفّه كالبرنس.. وترى الرجل لا يكاد يدنو منه أهله لهيبته يجلس هنالك على الأريكة مسترخيا والحلاق من خلفه يشحذ الموسى.. ردد حليم في نفسه: "مادمت بين يدي مثل هذا, فإياك أن تغاضبه حتى تخرج من سلطانه." تذكر أيام الصبا.. كم كان يكره أن يصطحبه أبوه عند الحلاق.. كان فظا يدير رأسه الصغيرة بأكف كأنها من خشب.. لم يكن يفرغ من قص شعره حتى يكاد يشعر بالصداع.. لكن الحلاقين لم يعودوا كعهده بهم.. حتى تهمة الثرثرة التي علقت بهم زمانا طويلا تلاشت أو كادت..
تذكر قصة طريفة في كتاب مدرسي عن رجل جلس بين يدي أحدهم ليحلق لحيته.. فلما هم بذلك التفت إلى الحاضرين فسألهم: "من أذكى الحيوانات؟" فوقعوا في وحوش البراري فلم يتركوا عاشبا ولا لاحما إلا ذكروه.. واجتهدوا في سوق الأدلة على ذكائها.. والمفاضلة بينها.. وكلما انحنى الحلاق ليستأصل لحية الرجل من منابتها.. خطر له تعليق على شيء سمعه.. فأقبل على المتناظرين حول مراتب الذكاء الحيواني يخاطبهم... حتى ضاق به الزبون ذرعا فقام مغضبا وهو يقول: "أذكى الحيوانات هو التيس لا شك.. فقد أحسن في الإحتفاظ بلحيته" ثم انصرف! لم يدر حليم هل كان كاتب هذه القصة المدرسية يرمي إلى المعنى العميق الذي يلوح له الآن.. أم أنه ساقها لطرافتها فحسب.. تذكر التيس وهو يتيه بلحيته ولا يستحيي منها.. وأكثر الرجال يستمتعون بعملية سلخ يومية لوجوههم.. بعد أن سلخ الإشهار شعورهم بجمالهم الفطري.. ولا يبرزون للعالم إلا حين يفرغون من اجتثاث آخر أثر للخشونة على وجوههم.. إنه زمن النعومة.. زمن الجلود الدهينة.. التيس احتفظ بلحيته ربما لأنه لم يقتن التلفاز في حظيرته.. في عالم المعز العنز عنز والتيس تيس.. ولو بدا من العنز شيء من الجراءة الزائدة فإن العرب تقول: "استتيست العنز" فجعلوا ذلك مثلا للذليل يتعزز.. لكنهم لم يقولوا قط "استعنز التيس" ربما لأن التيس كما يشهد الكتاب المدرسي أذكى من ذلك..
تذكر حليم كيف كان عالم النسوة في بيت طفولته يتألق في تميزه عن عالم الرجال.. كان لكل منهما مجالسه وأنسه.. كان النهار يشرق بالمجالس الناعمة.. التي كان حليم يستغرب أن الرجال لم يغيبوا عن أحاديثها.. وحين كان يسمع "فلانة طلقها رجلها" كان يحار في تصور الذي جرى.. فكان يتساءل في نفسه: "هل كانت فلانة سجينة عند فلان؟" كانت الشمس لا تغيب حتى تغيب النسوة في بيوتهن ليجتمع الرجال.. فتعلو الأصوات وترتفع القهقهة ويتصاعد الدخان.. كان عالم الرجال متميزا عن عالم النساء وكان يبدو غريبا في عيني الطفل.. لكنه كان يرى بين العالمين تجاذبا لطيفا.. وتكاملا بليغا.. ثم دارت السنون دورتها.. فأريد للتجاذب أن يكون تمازجا.. وللتكامل أن يصبح تماثلا.. لا بد أن نتأمل في ذكاء التيس.. فإنه يكاد يجتاز طوفان العولمة محتفظا بلحيته وبتميزه.. مجالس أوانس النهار كانت تنفض بالليل ليعقبها سمر الرجال.. لقد كان زمان الرجال والنساء والليل والنهار.. كان زمان العطف.. والعطف يقتضي التمايز والمغايرة.. ثم جاء قوم كرهوا هذا العطف بين الزمان وأهله.. فأرادوا رجالا نساء ونهارا ليلا.. ونالوا بعضا مما أرادوا.. لكنهم لم يقنعوا بعد.. فأعقبنا سعيهم مجتمعات استتيست فيها العنز.. وصار مثلها كمثل النهار يقبل, فيأبى الليل أن ينجلي.. بل يريد أن يكون نهارا.. فأوشك النهار أن يصبح ليلا وكاد الليل يمسي نهارا.. وحار الحليم وانقلب كل شيء رأسا على عقب.. لا بد من العطف وحروفه.. رجل وامرأة.. ليل ونهار.. وإلا أتى علينا يوم نغبط فيه التيس..
لا يهم شيء من ذلك كله الآن.. كل ما يهم أن يتجنب حليم أن يستدرجه الحلاق في الحديث.. فليس لديه شيء يقوله.. وهبه كان يشتهي الكلام.. فإن صوت التلفاز يكاد يصم الآذان.. هاهي دعاية مسحوق الغسيل تتكرر للمرة العاشرة.. ترى هل نبدو لهم مدنسين حتى يغسلوا أدمغتنا بكل هذه الدعاية عن البقع السوداء على الثياب البيضاء؟ لا بد أن ثمة سرا لا يفهمه.. كما أنه لا يفهم ما الذي جعل الحلاقين يكتشفون فجأة حكمة الصمت.. لم يعد شيء كما كان.. ربما يكون هذا الشاب قد طوى شهادته الجامعية مع أحلامه المهترئة ليحترف الحلاقة.. ربما يقف الآن في هذا المكان ويتساءل: "ما الذي أصنع ههنا؟ وفيم يفكر هذا المخلوق الغريب الذي ليس منه هنا إلا جسده.." حينها سمع صوتا هادئا يقول: "بالصحة والراحة" وأحس يدا تربت على كتفه...



Comment