مع أئمة التجديد ورؤاهم في الفكر والإصلاح

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • فخر الدين المناظر
    محاور - رحمه الله
    • Mar 2006
    • 1636

    #16
    الجانب الحركي في فكر المودودي

    وميزة أخرى للمودودي بين المفكرين: أنه لم يكن مجرد مفكر أكاديمي، أو مصلح نظري، يعيش في برج عاجي، أو في صومعة منعزلة، يفرغ فكره الإصلاحي على الورق، ثم لا يتحمل تبعة بعد ذلك، على نحوا ما قاله الأستاذ كامل مروّة مؤسس جريدة (الحياة) اللبنانية: قل كلمتك وامش![1]

    لقد كانت للمودودي بجوار رسالته الفكرية العظيمة: رسالة عملية أخرى لا تقل عظمة عن الأولى، وهي: أن يحول فكره إلى حركة: وحركة إيجابية بناءة، تعمل على (تأليف الرجال) بعد تأليف (الكتب والرسائل). ذلك أن الفكرة الصحيحة لا تفرض نفسها على الناس بمجرد صحتها، إنما تنتصر بمن ينصرها من المؤمنين بها العاملين لها، المجاهدين في سبيلها، وقديما قال الشاعر العربي:

    وشيمة السيف أن يزهى بجوهره وليس يعمل إلا في يدي بطل!

    وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة في خطاب الله تعالى لرسوله الكريم: (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين) الأنفال: .

    ومن ثم اتجه المودودي إلى إنشاء (الجماعة الإسلامية) التي تتخذ الإسلام لها نسبا وهدفا ورسالة، والتي تحددت مهمتها في هذه المبادئ:

    قال الإمام المودودي في شرح أصول دعوته، وبيان أهدافها ومطالبها الأساسية[2]:

    (إننا إذا أردنا عرض دعوتنا وإجمال غايتها وأهدافها في كلمات قليلة، يمكننا أن نقسمها إلى ثلاثة مطالب مهمة أساسية، وهاك بيانها:

    1- دعوتنا للبشر كافة والمسلمين خاصة، أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئا، ولا يتخذوا إلها ولا ربا غيره.

    2- ودعوتنا لكل من أظهر الرضا بالإسلام دينا أن يخلصوا دينهم لله ويزكوا أنفسهم من شوائب النفاق وأعمالهم من التناقض.

    3- ودعوتنا لجميع أهل الأرض أن يحدثوا انقلابا عاما في أصول الحكم الحاضر الذي استبد به الطواغيت الفجرة الذين ملأوا الأرض فسادا، وأن ينتزعوا هذه الإمامة الفكرية والعملية من أيديهم، حتى يأخذها رجال يؤمنون بالله وباليوم الآخر ويدينون دين الحق ولا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا).

    ثم طفق المودودي يشرح هذه الأصول، أو المطالب الثلاثة، فيقول:

    (إن هذه المطالب الثلاثة واضحة في نفسها وضوح الشمس في رابعة النهار، ولكنه من دواعي الأسف أنها انكسفت شمس معرفتها، وتوارقت حقيقتها بأستاذ من الجهل والغفلة والجمود، حتى إن المسلمين أنفسهم أصبحوا بحاجة إلى أن تشرح لهم هذه المطالب ويبين لهم مرماها ومغزاها، دع عنك ذكر غير المسلمين والذين لم يتسن لهم معرفة دعوته وتعاليمه.

    شرح المطلب الأول:

    هذا، وإن العبودية لله الواحد الأحد، التي ندعو إليها، ليس المراد بها أن يقر العبد بعبوديته لله تعالى جل شأنه ثم يبقى في حياته العملية حرا طليقا كما كان من قبل في حياته الجاهلية. وكذلك ليس المقصود من عبودية العبد لله أن يعتقد كونه تعالى خالقا للكون، رازقا لمن في الأرض مستحقا للعبادة من جميع خلقه، من غير أن يكون له سلطان في هذه الحياة الدنيا ومسائلها وشؤونها المتعددة المتشعبة. وأيضا ليس من معنى العبودية أن تقسم الحياة قسمين: قسم يتعلق بالدين أو الأمور الدينية، وقسم يتصل بالدنيا وشؤونها العديدة المتنوعة، وأن تنحصر العبودية لله في القسم الديني الذي لا يخرج، ـ حسب المصطلح الشائع ـ عن دائرة العقائد والعبادات والمسائل التي لها علاقة بالحياة الفردية والأحوال الشخصية. أما الحياة الدنيوية وشؤونها المتشعبة وفروعها المتنوعة من مسائل العمران والسياسة والاقتصاد والآداب والأخلاق، فلا سلطان فيها لله الواحد الأحد ولا رواج لأحكامه في دائرتها، والعبد حر في بابها يفعل فيها ما يشاء، ويضع لنفسه من نظم العمران والملك ما يريد، أو يختار من النظم الوضعية ما يحبه ويرضاه. فالقائمون بدعوة الإسلام في هذه البلاد ـ وطبعا في سائر أقطار العالم لأن الدين واحد لم يتغير، والكتاب واحد لم يأته الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ يرون ويعتقد أن معاني العبودية هذه كلها باطلة من أساسها ويرون القضاء عليها وتصحيحها، على غرار ما يريدون استئصال نظم الكفر والجاهلية واجتثاث شرورهما من جذورهما، لأن هذه المعاني والتعابير هي التي شوهت وجه الحقيقة ومسخت فكرة الدين مسخا. والذي نراه ونجزم به ونعتقده وندعو الناس إليه أن العبودية التي دعا إليها رسل الله الكرام من لدن أبي البشر آدم عليه السلام إلى سيدنا وسيد المرسلين وخاتمهم محمد النبي الأمي ، المراد بها أن يقر العبد ويعتقد أن ما من إله إلا الله الفرد الصمد الحاكم بين عباده، السيد المطاع في بريته، المشرع للدستور والقوانين، والمالك لأمورهم، المتصرف في شؤونهم، المجازي على أعمالهم، وأن يسلم نفسه لذلك الله العزيز المقتدر، ويخلص دينه له تعالى وحده، ويذعن لعبوديته في كل شأن من شؤون حياته الفردية منها والجماعية، الخلقية منها والسياسية، الاقتصادية منها والاجتماعية. وبهذا المعنى ورد في التنزيل قوله عز من قائل: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) البقرة: 208 الذي يأمر فيه عباده أن ادخلوا في دين الله كافة، بمجموع حياتكم، بحيث لا يشذ عن سلطانه شيء ولا يند عن دائرة نفوذه جزء من أجزائها. فلا يكن من شأنكم في ناحية من نواحي حياتكم أن تتجردوا من عبوديته الشاملة، فتحسبوا أنفسكم أحرارا في شؤونكم تختارون من المناهج والأوضاع ما تريدون أو تتبعون من النظم والقوانين الوضعية المستحدثة ما تحبون. إن هذا هو معنى العبودية الذي نبثه ونعممه وندعو البشر كافة، المسلمين وغير المسلمين، إلى قبوله والإيمان به والإذعان له.

    شرح المطلب الثاني:

    والمطلب الثاني من هذه المطالب الثلاثة: "أننا نطالب الذين يؤمنون بالإسلام أو يظهرون إيمانهم به أن يزكوا أنفسهم من شوائب النفاق وأعمالهم من التناقض".

    فالمراد من النفاق، في هذه الكلمة أن يدعي الرجل الإيمان بنظام خاص ويتظاهر بالانتساب إليه والتمسك بأذياله ثم يعيش راضيا مطمئنا في نظام للحياة مناقض للنظام الذي يؤمن به. ولا يجد ويجتهد لقلب ذلك النظام المعارض لعقيدته التي يؤمن بها واستبدال النظام الصالح به، بل ربما يبذل جهوده ويستنفذ قواه ومساعيه في توطيد دعائم ذلك النظام الفاسد الجائر أو إقامة نظام باطل آخر يسد مسد ذلك النظام الجائر الذي يعيش في كنفه هادئا مغتبطا. فمثل هذا الطراز من الناس كمثل المنافق، فإن الإيمان بنظامه للحياة ثم الاطمئنان بنظام آخر مناقض له، شيء يمجه السمع ويأباه العقل ولا يرضاه الشرع. فمن مقتضيات الإيمان الأولية أن يود المرء من صميم فؤاده أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله وأن لا يبقى في الأرض منازع ينازع حامل لواء الإسلام في دعوته وأداء مهمته تجاه البشرية، وأن لا يهدأ له بال ولا يقر له قرار إذا رأى ما يصيب ذلك الدين في صميمه أو ينقض شيئا من سلطانه أو دائرة نفوذه، وكذلك من أمارات الإيمان أن يظل الرجل قلقا مضطربا لا يهنأ له بال ولا يطيب له عيش حتى يرى ذلك النظام العادل قد استرد أبهته وسلطانه وعادت أعلامه خافقة وكلمته نافذة بين الناس. هذا من علامات الإيمان وأماراته التي لا يكابر فيها إلا متعنت أو جاحد. وأما أن يعيش المرء راضيا مقتنعا في ظلال النظم العصرية الباطلة التي لا سلطان فيها للدين، والتي جعلته منحصرا في دائرة ضيقة كمسائل الزواج والطلاق والإرث، التي لا تمس تلك النظم السائدة الجائرة ولا تتدخل في حدود إمرتها وسلطانها أما أن يعيش المرء مطمئنا بمثل تلك النظم، قانعا مغتبطا في كنفها ولا ينبض له عرق ولا يخفق له قلب، فلعمر الحق إن مثل هذه الصنيعة من أمارات النفاق ومن صميمه من غير شك. وربما يجد مثل هذا الرجل عونا ومساعدة من بعض الفقهاء والمشايخ ويبقى مسلما في سجل الإحصاء ودواوين الإفتاء؛ لكن روح الشريعة تأبى إلا أن تحكم على مثل هذه الصنيعة بالنفاق، ولو أفتى المفتون بخلاف ذلك، حرصا على المعاش الزهيد ومتاع الدنيا الزائل.

    فالذي نريده من المسلمين، والذين يتظاهرون بالإسلام وندعوهم إليه، أن يخلصوا دينهم لله ويزكوا أنفسهم من شوائب النفاق. ومن حق هذا الإيمان أن يتمنى المرء في سويداء قلبه أن تكون نظم الحياة والملك ومناهج الاقتصاد والاجتماع التي جاءت بها رسل الله مرفوعة الرأس، عزيزة الجانب، عالية الذرى، نافذة الكلمة في الدنيا، دون أن ينازعها أحد أو يعوق عنها عائق، فكيف بمن رضي بها ويعيش في كنفها راضيا مغتبطا؟ أما أن يتجرأ على السعي وراء توطيد دعائم النظم الباطلة ورفع شأنها فذلك أعرق في الضلال وأشد ما يكون تماديا في الغي. أعاذنا الله وإياكم من شرور أمثاله.

    وأما (التناقض) الذي نطالب المسلمين جميعا ـ من غير فرق بين من نشأ في بيت مسلم عريق ومن دخل في الإسلام حديثا ـ بتزكية أعمالهم من مظاهره، فهو أن يكون عمل الرجل مناقضا لما يدعيه بلسانه ويظهره في أقواله. كما أنه من التناقض في صميمه أن تختلف أعمال المرء باختلاف شؤون الحياة ويناقض بعضها بعضا. فليس من الإسلام في شيء أن يتبع الرجل أوامر الله ويتمسك بأهداب الشريعة في ناحية من نواحي حياته ويعصي أمر الله ويتعدى حدوده في شعبها الأخرى... ومن مقتضيات الإيمان أن يسلم المرء نفسه لله ويدخل بمجموع حياته في كنف الدين الحق، لا يعصي الله في شيء من أوامره ولا يصدر عنه شيء إلا من تلك العبودية الشاملة والاتباع الكامل لدينه وشريعته، ومن خصال المؤمن أن يكون مصطبغا بصبغة الله، لا يتأثر بشيء من مظاهر الدنيا الفاتنة ولا يتنكب الصراط السوي في شيء من حياته وأعماله. ومن علاماته أن يستغفر الله ويتوب إليه إذا بدرت منه بادرة تنم عن الخطأ والعصيان، أو حدثت منه فلتة قد تؤدي إلى الشر والطغيان. أما أن يدعي الرجل الإيمان بالله ويصلي ويصوم ويؤدي شعائر معينة محدودة، ثم يحسب نفسه حرا طليقا لا يتقيد بقيد ولا يذعن لأمر الله في دوائر الحياة العملية الأخرى، فذلك هو التناقض الذي ينافي العبودية. وما رأيك في هذه الشعوذة التي يرتكبها المسلمون اليوم في جميع أنحاء العالم؟ يتشدقون بالإيمان بالله واليوم الآخر ويتظاهرون بالإسلام ويزعمون الاتسام به، ولكنهم حينما يدخلون في معترك الحياة العملية ويخوضون غمار السياسة ويبحثون في مسائل الاقتصاد والاجتماع، لا تجد عليهم مسحة من تعاليم الإسلام ولا أثرا من آثار اتباعهم للدين الحق والشريعة الكاملة. أي شعوذة أكر من هذه وأشنع؟ يقرون صباح مساء بأنهم: "لا يعبدون إلا الله ولا يستعينون إلا به". وبعد ذلك لا يتحرجون أن يتبعوا كل ناعق ويدينون به. نظرية أو فكرة، وأن يخضعوا لكل جبار متكبر في أرض الله ويستسلموا لأمره ويذعنوا لجبروته.

    فذلك هو التناقض وهذه علاماته. وهذه أسس جميع أمراض المسلمين الخلقية والاجتماعية. وما دامت فيهم هذه الأمراض الخلقية الفتاكة لا يرجى إبلالهه من مرض الانحطاط والذل والتقهقر، ولا أمل في انتشالهم من وهدتهم التي سقطوا فيها. ولا يزالون ينحدرون إلى هوة سحيقة من الشقاء والمهانة. ومما يذوب له القلب كمدا وحزنا أن علماء المسلمين ومشايخهم والمالكين لأزمة أمورهم جعلوهم يستيقنون منذ زمان أنهم يكفيهم من أمور دينهم أن يشهدوا شهادة الحق ويصلوا ويصوموا ويؤدوا المناسك والشعائر المحدودة المعينة، وأنه لا يضرهم شيء ولا يمنعهم من سبيل النجاة ولا يوصد في وجوههم أبواب الجنة إذا اقترفوا بعد ذلك ما شاؤوا من المنكرات أو اتبعوا من أرادوا من أئمة الكفر والضلال، أو اختاروا ما شاؤوا وشاءت أهواؤهم من الأفكار والنظريات الزائغة. وقد بلغت بهم الوقاحة والجرأة على الدين أن رأوا الاتسام بسمة الإسلام تكفيهم مؤونة القيام بواجبات الشريعة الملقاة على كواهلهم حتى إن أئمة الضلال منهم في هذا العصر قد تقدموا في خطوة أخرى وزعموا أن التسمي بأسماء المسلمين كاف لتدوين أسمائهم في سجل الإحصاء الرسمي، كأنهم هم الذين نقل القرآن عنهم: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) البقرة: 80.

    ومن نتائج هذا الداء العضال المتمكن من أجساد المسلمين وأرواحهم أن تراهم يدينون بالشيوعية والنازية والديمقراطية وأمثالها من النظريات المستحدثة المستوردة من الشرق والغرب، ويتبعون خطوات الظَلَمة الفجرة الذين يتكبرون في أرض الله بغير الحق، سواء أكانوا من قادة المسلمين أم غيرهم، ولا يتحرجون من ذلك، ولا قلامة ظفر، ولا يشعرون بأن هذه النظريات وتلك الآراء تناقض الإسلام. وهؤلاء الطغاة المكتبرون يناقض طريقهم طريق الإسلام، وأن مسالكهم المعوجة والصراط المستقيم على طرفي نقيض..

    فمن أهم مبادئ دعوتنا التي نطالب بها كل مسلم: أن يكون حنيفا مسلما، منقطا إلى الله، متجردا من كل عصبية، صارفا بوجهه عن كل فكرة معارضة لفكرة الحق، وأن يظل مثابرا على ذلك مواصلا جهوده في الابتعاد عن الطرق المعوجة والمناهج الزائغة التي ما نزل الله بها من سلطان.

    شرح المطلب الثالث:

    ثم يقول:

    إذا عرفتم هذا، فلا يخفى عليكم ما نريد بالمطلب الثالث من مطالبنا الثلاثة الأساسية وهو:

    "ودعوتنا لجميع أهل الأرض أن يحدثوا انقلابا عاما في أصول الحكم الحاضر الذي استبد به الطواغيت والفجرة الذين ملأوا الأرض فسادا، وأن تنتزع هذه الإمامة الفكرية والعملية من أيديهم حتى يأخذها رجال يؤمنون بالله واليوم الآخر ويدينون دين الحق ولا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا".

    فتلك نتيجة طبيعية لما أسلفنا من معاني العبودية الكاملة وإخلاص الدين لله وكون الأنفس طاهر من شوائب النفاق والأعمال بريئة من مظاهر التناقض، كما لا يخفى على اللبيب المتفطن أن ذلك لا يتأتى إلا بإحداث انقلاب عام في نظام الحياة الحاضر الذي يدور قطبه حول رحى الكفر والإلحاد والفسوق والعصيان، والذي يديره ويدبر أمره ويسير شؤونه رجال انحرفوا عن الله ورسوله واستنكفوا عن عبادته واستكبروا في أرضه بغير الحق. فما دامت أزمة أمور العالم بأيدي هؤلاء، وما دامت العلوم والآداب والمعارف والصحف والتشريع والتنفيذ والشؤون الدولية والمالية والمسائل التجارية والصناعية تتحرك دواليبها بتوجيهاتهم وتتمشى عجلاتها حسب إرشادهم ورغباتهم لا يمكن للمسلم أن يعيش في الدنيا مسلما، متمسكا بمبادئه، متبعا الشريعة الإلهية، منفذا لقوانينها في حياته العملية. فإنه من المستحيل أن يتبع الرجل الدين الإلهي الكامل المحيط بجميع نواحي الحياة وشعبها، وهو يعيش في بلاد تدين لقانون غير قانون الشريعة وتسير على منهاج غير المنهاج المرضي عند الله، بل يتعذر عليه أن يتعهد تربية أولاده وتلقينهم مبادئ الدين الإلهي وتعاليمه. وأن ينشئهم على الأخلاق المرضية والآداب الإسلامية الزكية، لأن نظام الكفر والإلحاد الذي يعيش في كنفه يسد في وجهه سبل التربية الإسلامية، والبيئة الكافرة التي يتنسم هواءها تأبى عليه إلا أن يحذو حذو القوم، ويتخلق بأخلاقهم ويتخلى عن مقومات دينه وخلقه تدريجيا.

    وزد على ذلك أنه من واجب العبد المسلم المخلص لله أن يطهر أرض الله من أدناس الفساد والطغيان ويقيم فيها نظاما عادلا على دعائم الصلاح والرشاد.

    ومن الظاهر البين أنه لا يتسنى الظفر بهذا المقصد ولا تنال هذه البغية السامية ما دام زمام أمور العالم بيد الطغاة والمفسدين في الأرض، يديرونه كيفما يشاؤون ويتصرفون في شؤونه حسب ما يريدون. وقد تحقق لنا بالتجربة في هذا الزمان أن المتكبرين في أرض الله بغير الحق السادرين في غلوائهم بغيا وعدوانا. هم العقبة الكبرى في سبيل إقامة نظم الصلاح والنَّصَفة، وأنهم هم الذين يحاولون دون توطيد دعائم السلام والعدل، وكذلك ثبت لنا باليقين والبرهان والمشاهدة أنه لا أمل في صلاح العالم ولا رجاء في استقامة الأمور على موازين الرشا والحق ما دام أولئك الطغاة المنحرفون في الله ورسوله يتحكمون في شؤون الدولة ويديرون أمورها ويشرفون على جليلها وصغيرها. فمن مقتضيات إسلامنا وعبوديتنا الخالصة لله الواحد الأحد أن نجد ونجتهد ونبذل الجهود المتواصلة والمساعي المتتابعة للقضاء على زعامة الكفر والضلال واجتثاث النظم الباطلة من جذورها وإحلال الإمامة العادلة والنظام الحق محلها.

    وربما يسائلني القارئ في هذا المقام: فكيف السبيل إلى الانقلاب في الزعامة والإمامة؟ فالظاهر أن هذا الانقلاب لا يحصل بمجرد الأماني والأحلام المعسولة. ومن سنن الله في أرضه أنها لا بد لها من رجال يسوسون أمرها ويدبرون شؤونها.

    وهذا التدبير وتلك السياسة بحاجة إلى صفات وخلق لا بد لكل من يريد إدارة شؤون العالم وتدبير أمرها من أن يتصف ويتحلى بها. وكذلك من سنة الله في خلقه أن يفوض تدبير أمور الأرض وتسيير شؤونها إلى من شاء من ذوي الصفات المطلوبة والكفاءات اللازمة، إذا لم تكن في أرضه جماعة مؤمنة صالحة متصفة بتلك الصفات ومتخلقة بتلك السجايا التي لا بد منها لكل من يتبوأ منصب الزعامة والإمارة. وأما إذا وجدت جماعة صالحة مؤمنة بالله ورسوله، متحلية بتلك الأوصاف والأخلاق اللازمة لا بد منها للقيام بالملك ولا مندوحة عنها في تسيير شؤون العالم... إذا وجدت مثل هذه الجماعة التي لا تتحلى بتلك السجايا اللازمة فحسب، بل تفوق فيها الطغاة المستكبرين الذين استبدوا بمناصب الأمر والحكم، فلا نرى المشيئة الربانية والسنن الإلهية بمثابة من حب الظلم والفساد أن تستأثر بأولئك الجائرين المفسدين في الأرض وتدع أزمة أمور العالم تبقى في أيديهم الآثمة الغاشمة، يعبثون بها كما يريدون وتريد أهواؤهم وشهواتهم. فلا تنحصر دعوتنا إذن في التمني والرجاء والابتهال إلى الله أن يقطع دابر الجور والفساد في الأرض ويفوض أمر دنياه إلى المؤمنين الصالحين من عباده، بل دعوتنا للعالم بأسره أن يعنى ويهتم بإعداد جماعة صالحة مؤمنة بالله ورسوله مستمسكة بالأخلاق الزكية الفاضلة في جانب، ومتصفة بالصفات والمزايا السامية، متحلية بالسجايا التي لا بد منها لتدبير شؤون الدنيا وتنظيم أمور العالم في جانب آخر، لا تتصف هذه الجماعة الصالحة بتلك المزايا والطباع فحسب بل تعلو وتفوق أئمة الكفر والضلال وأعوانهم ـ الذين تراهم مستبدين بأزمة أمور الدنيا اليوم ـ في تلك المواهب والخلال والمؤهلات اللازمة للاضطلاع بأعباء الملك وتدبير شؤون العالم.[3]



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] كان هذا عنوان مقاله اليومي في صحيفة (الحياة).

    [2] من خطاب ألقاه الأستاذ المودودي تحت عنوان (الدعوة الإسلامية فكرة ومنهجا) في اجتماع الجماعة الإسلامية الذي عقد في قرية (دار الإسلام) بالهند، في شهر أبريل عام 1945م، والاجتماع كان يضم جميع أعضاء الجماعة في الهند آنذاك. (خليل الحامدي).

    [3] انظر: (تذكرة دعاة الإسلام) ص 11-23.
    {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

    وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

    Comment

    • فخر الدين المناظر
      محاور - رحمه الله
      • Mar 2006
      • 1636

      #17
      مؤلف الكتب والرجال!

      كان الأستاذ المودودي أحد الرجال القلائل الذين جمعوا بين الفكر والحركة، أو بين العمل العلمي والعمل التنظيمي والدعوي.

      والمعروف أن الذين يشتغلون بالعمل الحركي والدعوي والسياسي، قلما يجدون وقتا للعمل العلمي الموثق الأصيل. وعذرهم أن مهمتهم تأليف الرجال لا تأليف الكتب، فهم إذا ألفوا الرجال، كما ينشدون، ألف الرجال الكتب المنشودة بعد ذلك.

      نجد السيد جمال الدين الأفغاني قليل الإنتاج العلمي، لأن عمله الثوري والسياسي، وتعرضه للتنقل بين الأقطار، لم يدع له فرصة للكتابة والتأليف إلا ما كان من (الرد على الدهريين) ومقالات (العروة الوثقى) ونحو ذلك.

      ونجد تليمذه وصديقه الأستاذ الإمام محمد عبده أغزر إنتاجا، وأعمق فكرا، وأوسع علما.

      ونجد تلميذهما الإمام محمد رشيد رضا قد ملأ الآفاق علما.

      وكذلك نجد الإمام الشهيد حسن البنا قد شغلته الدعوة والعمل الحركي منذ فجر شبابه، ومع هذا ترك كتابات كثيرة، بعضها رسائل، وبعضها مقالات، وبعضها بيانات ونشرات. وإن كانت للأسف لم تجمع بعد.

      إلا أنه في أواخر حياته شعر بأن الجانب العلمي في الحركة يحتاج إلى تأصيل وتعميق، فأصدر مجلة (الشهاب) لتخلف (المنار) في رسالتها العلمية والفكرية التجديدية، وكان يحرر بنفسه أكثر أبوابها الأساسية: من التفسير، ومصطلح الحديث، والعقائد، والتاريخ، وأصول الإسلام كنظام اجتماعي.

      وأحسب ـ ولا أتألى على الله ـ أن لو طال به العمر لخلف تراثا علميا له شأن. ولكن أجل الله إذا جاء لا يؤخر.

      وهنا نجد الإمام المودودي (ألّف) الرجال، و(ألّف) الكتب جميعا، ولم يشغله المجال الدعوي والحركي عن المجال العلمي والفكري، وترك لنا في كلا الميدانين ثروة مرموقة، انتفع بها المسلمون في أنحاء العالم.

      فقد ترجمت كتب الأستاذ المودودي ورسائله إلى اللغات العالمية، وإلى لغات المسلمين المختلفة، واتسع نطاق النفع بها، والحمد لله.

      من هذه الكتب: تفسيره القيم، الذي عكف عليه سنين طويلة، حتى وفقه الله لإتمامه، وقد سماه (تفهيم القرآن).

      ومنها: الكتب التي تشرح الإسلام وأصوله، مثل: مبادئ الإسلام. الإيمان بالله واليوم الآخر.

      ومنها: الكتب التي عالج فيها قضايا كبيرة تميز الإسلام عن الحضارة الغربية، والتي تتعرض لنقد الغربيين، بل لاتهامهم، مثل (الحجاب) و(الربا) و(الجهاد) و(نحن والحضارة الغربية).

      ومنها: الكتب التي تشرح أصول دعوته وحركته، مثل: منهاج الانقلاب الإسلامي. النظرية السياسية. الدين القيم. شهادة الحق. نظام الحياة في الإسلام. الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية. واقع المسلمين وسبل النهوض بهم. موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه.

      ومنها: الكتب التي تعالج مشكلات الحياة المختلفة على ضوء الإسلام، مثل: مشكلات الاقتصاد وحلها في الإسلام. ملكية الأرض في الإسلام. النظام الاقتصادي في الإسلام مقارنا بالنظم المعاصرة. تدوين الدستور الإسلامي. الحكومة الإسلامية.
      {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

      وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

      Comment

      • فخر الدين المناظر
        محاور - رحمه الله
        • Mar 2006
        • 1636

        #18
        الجانب الرباني في حركة المودودي

        لم يكن الجانب الرباني ـ أو (الروحي) كما يسميه بعض الناس ـ مهملا، أو ضعيفا في دعوة المودودي وحركته، وتربية أفراد جماعته. كما يخيل ذلك لبعض الناظرين من بعيد، وذلك لغلبة الطابع العقلي على أتباع الأستاذ المودودي في كتبه ورسائله وخطاباته وتوجيهاته، وغلبة التوجه السياسي على حركة جماعته، واعتبارها جماعة سياسية.

        بيد أن الإنصاف يقتضينا أن نقول: إن الرجل لم يغفل هذا الجانب، ولا كان في زوايا النسيان، أو على هامش الإدراك والشعور عنده، أو في تكوين جماعته، بل كان له شأن أي شأن في التوجيه العام، والتكوين الخاص. وبهذا لم يطغ (المودودي) المفكر، على المودودي (الداعية المربي).

        وقد قال أبو الأعلى المودودي ردا على سؤال وجهه له أحد الصحفيين: إن الطريق أمامك صعب، وإن أَمَلَكَ في الإصلاح ضعيف، فماذا أعددت للمشاق والمصاعب التي ستواجهها في طريقك؟ فقال أبو الأعلى: أعددت للمعوقات: دينا، وللشدة: يقينا، وللظلم: صبرا، وللسجون والمعتقلات: قرآنا وذكرا، وللمشانق: (وعجلت إليك رب لترضى) طه: .

        وبحسبنا أن نسجل هنا بعض فقرات من كتابه المنشور بالعربية تحت عنوان: (تذكرة دعاة الإسلام) حيث يبين فيه منهاج العمل للجماعة، والصفات اللازمة لكل عضو فيها.

        ومن دلائل اهتمام المودودي بالجانب الرباني في دعوته، وتربية أنصاره وأتباعه على الإيمان به والحرص عليه، وجهاد الأنفس من أجله: ما كتبه عن الصفات اللازمة للعاملين في الحركة الإسلامية[1]، فقال:

        (وأما أقل الصفات اللازمة التي يجب أن يكون القائمون بهذه الدعوة متحلين بها، فهي على ثلاثة أصناف:

        صفات يجب أن توجد في كل فرد منهم بصفته الشخصية.

        وصفات لا بد لهم منها لتكوين حياتهم الجماعية والمحافظة عليها.

        وصفات يجب أن يكونوا عليها للمجاهدة في سبيل الله.

        الصفات الفردية (جهاد النفس):

        أما الصفة الأساسية من الصفات الفردية، فهي أن يقبل كل فرد منا على نفسه ويجاهدها حتى يجعلها مطيعة لله ورسوله، خاضعة لكل ما تتلقى عنها من الأوامر والنواهي، وذلك ما قد بينه الرسول بقوله: "المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله"[2] أي قبل أن تخرجوا لمقارعة أعداء الله ومقاتلتهم في العالم الخارجي، عليكم أن تبذلوا ما تستطيعون من الجهد المستمر لمقارعة ذلك المارد الذي هو كامن في داخلكم ولا ينفك يطالبكم بمعصية الله ورسوله والخروج على أحكامهما. فما دام يتربى فيكم هذا المارد وينزلكم على مطالبه المتنافية مع مرضاة الله، فإنه من العبث أن تشهروا الحرب على أعداء الله في الخارج، فإنه ما مثل ذلك إلا كمثل أن تكون في بيتكم زجاجة من الخمر وتحاربون الناس في الخارج لمنعهم من شرب الخمر، الحقيقة أن هذا التناقض لو وجد بين أقوالنا وأعمالنا، فإنه مدمر لكياننا مخنق لحركتنا ومهلك لحياتنا الاجتماعية، فعليكم أولا أن تستسلموا لله وتتجردوا عن كل حرية لذواتكم إزاء شريعته تعالى، ثم تخرجوا تطالبون الآخرين بطاعته.

        الهجرة إلى الله:

        ثم قال: (وبعد درجة الجهاد تأتي درجة الهجرة. ليس المعنى الحقيقي للهجرة أن تهجروا دياركم، وإنما هو أن تهجروا معصية الله، وتفروا منها إلى طاعة الله ومرضاته. والمهاجر الحقيقي إذا كان يخرج من بيته، فلأنه لا يجد في وطنه مجالا لقضاء حياته وفق أحكام الله ورسوله. أما إذا خرج رجل من بيته ومع ذلك لم يدخل في طاعة الله ولم يقلع عن معصيته؛ فإنما قد ارتكب حماقة وما استفاد شيئا مما كابد في هجرته من محنة ومشقة وهذا ما بينه الرسول في غير واحد من أحاديثه. قيل: "أي الهجرة أفضل يا رسول الله؟" قال: "أن تهجر ما كره ربك".[3] فواضح من هذا أن المرء ما دام مصابا بمعصية الله، فإن هجره لوطنه لا قيمة له ولا وزن عند الله، ولذا فإني أريد منكم أن تحاربوا القوى العاتية في داخلكم قبل أن تحاربوها في الخارج، وأن تهتموا بذات أنفسكم وتسخيرها لطاعة الله في المكره والمنشط قبل أن تبذلوا جهودكم لإدخال الكفار الاصطلاحيين في الإسلام، أو عليكم ـ إذا قلنا بكلمات أوضح ـ أن تكونوا كالفرس المربوط بالحبل إلى وتد مغروز بالأرض، فهو مهما جال، لا يرجع أدبا إلى ذلك الوتد، كما يقول : "مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس في آخيته. يجول ثم يرجع إلى آخيته" فمثل هذا الفرس يكون في شأنه مختلفا كل الاختلاف عن ذلك الفرس الطليق الذي يجول في كل ميدان، ويدخل في كل حقل وينقض بكل جشع على كل مكان يرى فيه كلأ أخضر. فعليكم أن تجردوا أنفسكم من صفات هذا الفرس الطليق وتروضوها على صفات الفرس المربوط بالحبل).[4]اهـ.

        دعوة المجتمع إلى الله:

        ثم بعد ذلك يحث المودودي أتباعه على سلوك طريق الدعوة إلى الله وهو، الطريق الذي سماه القرآن جِهَادًا كَبِيرًا في قوله تعالى لرسوله في سورة الفرقان: فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:52]، وهو جهاد البيان والتبليغ والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وقول الحق وإن كان مرا.

        ومن تنبيهات المودودي المهمة والنيرة هنا قوله لأتباعه:

        (ولكن ينبغي أن لا يشرع في هذا الصراع والجهاد إلا بالعقلية التي يعالج بها الطبيب مريضه، فإنه في حقيقة أمره لا يحارب المريض وإنما يحارب ما فيه من المرض، ويكون كل سعيه متصفا بروح النصح والمواساة، فهو إن كان يجرّع المريض أدوية مُرة أو يجري العملية الجراحية في عضو من أعضائه، فعلى إخلاص منه ونصح للمريض لا على عداوة له، وإما يكون كل حنقه على المرض لا على المريض، فهكذا يجب أن تدعوا إخوانكم الواقعين في الغفلة والضلالة إلى طريق الرشد والهدى، فلا يشعرون أبدا بأنكم تنظرون إليهم بنظر الازدراء والاستخفاف أو أنكم تضمرن العداوة لأشخاصهم. وليجدوا فيكم المواساة والإخلاص والمحبة والأخوة الإنسانية. إنه لا يكون القيام بالدعوة الحقيقية ـ كما قلت لكم باختصار في مؤتمرنا السابق ـ بالمناظرات الخطابية والكتابية فإن هذه المناظرات طرق سطحية للدعوة، وضررها أكبر من نفعها، وإنما الطريق الحقيقي المجدي للدعوة أن تكونوا مظاهر مجسدة ونماذج حية للدعوة. فحيثما يقع عليكم نظر الناس، فليعرفوا من سمو سيرتكم وطهارة أخلاقكم: أن هؤلاء هم السالكون لسبيل الله، وفي ذلك قال النبي : "فإذا رُؤوا ذُكِر الله"[5] ا.هـ.[6]

        وصايا وتوجيهات:[7]

        وتحن عنوان (وصايا وتوجيهات) تحدث الإمام المودودي حديثا قويا عميق التأثير فقال:

        (ويحلو لي أن أتقدم إليكم ـ ونحن في الجلسة الختامية من اجتماعنا السنوي الذي استغرق أربعة أيام ـ بطائفة من الوصايا والتوجيهات اللازمة التي لا بد لنا منها في مواصلة المعركة، كسلاح خلقي، وزاد روحي، حتى لا تتجه كل خطوة من خطواتنا في المستقبل إلا إلى الطريق الصحيح، وبصورة تقرّب إلينا غايتنا).

        ويهمنا أن ننقل عنه هنا ما قاله عن ضرورة (الاتصال بالله) حتى لا يظن الظانون أن المودودي كان رجلا (عقلانيا) وكان صوت (الروحانية) عنده خافتا. وذلك ناشيء عن القراءة الناقصة للتراث المودودي.

        الاتصال بالله:

        قال المودودي:

        إن أول شيء ما زال الأنبياء والخلفاء الراشدون وصلحاء الأمة يوصون به أتباعهم وأصحابهم عند كل مناسبة، هو أن يتقوا الله ويعمروا قلوبهم بحبه ويتقربوا إليه بطاعته وعبادته. وهذا ما أوصيت به رفاقي دائما ولا أزال أوصيهم به إذا ما سنحت لي الفرصة لذلك في المستقبل، اتباعا لسنة الأنبياء وأسوة بالخلفاء والصلحاء، فإن هذا ما يجب أن يكون مقدما على غيره، ما في ذلك شك. فالإيمان بالله مقدم على غيره في العقيدة، والاتصال بالله والتقرب إليه مقدم على سواه في العبادة، وخشية الله في السر والعلانية مقدم على سواه في الأخلاق والعادات، وطلب مرضاة الله مقدم على سواه في المعاملات والأعمال. وبالجملة فإن صلاح حياتنا إنما هو منحصر في أن لا يكون مقصودنا وراء كل ما نبذل من الجهود والمساعي إلا ابتغاء مرضاة الله، ولا سيما هذا الأمر الذي قد قمنا لتحقيقه بصورة جماعية، فإنه لا يمكنه أن يتقدم ويؤتي ثمراته إلا باعتمادنا على اتصالنا بالله سبحانه وتعالى، فسيكون قويا على قدر ما يكون اتصالنا بالله قويا محكما، وضعيفا على قدر ما يكون اتصالنا بالله ضعيفا.

        من الظاهر الذي لا خفاء فيه أن كل عمل يقوم به الإنسان في هذه الدنيا، دينيا كان أو دنيويا، لا يحفزه عليه ولا يقدمه في سبيله إلا الغرض الذي لأجله يقوم بذلك العمل، ولا ينشأ فيه الجد والكد والجهد إلا إذا كان ذلك العمل آخذا عليه لبه ملتحما مع روحه وقلبه وكان متحمسا لتحقيقه في واقع الأمر. فالذي يعمل ـ مثلا ـ لنفسه، لا يمكنه أن يعبد نفسه بدون أن يكون فيه الأثرة وحب الذات، وهو على قدر ما يكون شديدا في حب النفس، يخدمها بكل إخلاص وحماسة وجد واجتهاد، والذي يعمل لذريته، يكون مأخوذا بحبها، ولأجل هذا الحب يضحي براحته وماله ونفسه في صلاح ذريته ولا يخاطر بدنياه فقط، بل يخاطر بآخرته أيضا في سبيل أن يترك ذريته بعده مترفلة في النعيم والرفاه وغد العيش، والذي عمل لأمته أو وطنه، يكون مشبعا بحبها، لذا يحتمل الخسائر والأضرار الفادحة ويعاني مصاعب السجن والاعتقال ومحنهما ويصل ليله بنهاره وقد يضحي بنفسه ونفائسه في سبيلهما. فأنتم إن لم تكونوا قد قمتم بأمر هذه الدعوة، لنفوسكم وأهوائكم، ولا يحملكم عليه غرض من أغراضكم العائلية ولا تطمحون من ورائه إلى مصلحة من مصالحكم القومية أو الوطنية، وإنما الذي تقصدونه وتطمعون فيه بقيامكم بأمر هذه الدعوة هو أن تظفروا بمرضاة الله في الدنيا والآخرة، فلا يعصبن عليكم إدراك أنه ما دامت علاقتكم بالله غير قوية، لا يمكن أن يكتب لهذا الأمر شيء من التقدم والرقي، وإنه لا يمكن أن يقترن بشيء من الجد والإخلاص والتجرد والحماسة، إلا إذا أصبحت كل مطامعنا مركزة على إعلاء كلمة الله. إنه لا يكفي أن تكون للمشركين في هذا الأمر علاقة بالله؛ بل يجب أن لا تكون لهم علاقة إلا بالله وحده، لا تكون علاقتهم به سبحانه وتعالى علاقة من علاقاتهم، بل يجب أن تكون هي وحدها علاقتهم الحقيقية الوحيدة، فيكون كل تفكيرهم متجها إلى أن لا تنقص علاقتهم بالله ولا يعتريها شيء من الوهن بل تتقوى وتزداد مع مرور الأيام.

        لا خلاف بيننا أن علاقتنا بالله هي روح هذا الأمر وعماده، وإني أحمد الله سبحانه وتعالى وأشكره على أن ليس في جماعتنا أحد يغفل عن هذه الحقيقة، ولكن هناك طائفة من التساؤلات قد تقلق أكثر أعضاء الجماعة، هي: ما هو المراد الحقيقي بعلاقة الإنسان بالله؟ وكيف له أن يعمل على تقوية هذه العلاقة وتنميتها؟ وكيف له أن يتبين هل حقا هو متمتع بالعلاقة بالله، وإن كان فإلى أي مدى؟ وقد شعرت مرارا بأن أعضاء الجماعة ربما لا يعرفون لهذه الأسئلة جوابا واضحا، يجدون أنفسهم في صحراء لا معالم فيها ولا إشارات تبين لهم الطريق واضحا إلى غايتهم المقصودة، فلا يعرفون كم قطعوا من الطريق وكم من مراحل لا تزال أمامهم لقطعها، ولأجل هذا، فإن كثيرا منهم يضلون في طيات تصورات مبهمة، وبعضهم يميلون إلى طرق غير موصلة إلى غايتهم المقصودة، وبعضهم يتعذر عليهم التمييز بين الأمور المتعلقة بغايتهم من قريب أو بعيد، وبعضهم تعتريهم الحيرة والوجوم. ولذا فإني لا أريد اليوم الاكتفاء بنصيحتكم بأن تتصلوا بالله وتتقربوا إليه، بل سأحاول ـ على قدر جهدي وعلمي ـ أن أرد لكم على ما مر من الأسئلة:

        معنى العلاقة بالله:

        ثم يشرح المودودي مفهوم العلاقة أو الاتصال بالله تعالى، شرح المربي العارف البصير، فيقول:

        المراد بعلاقة الإنسان بالله، على حسب القرآن الكريم: أن تكون حياته ومماته وصلاته ونسكه لله تعالى وحده قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162] وأن يعبده مخلصا له الدين حنيفا.

        وقد شرح النبي في عدة من أقواله هذه العلاقة بين العبد وربه بحيث لم يترك غبار على مفهومها. فإذا تتبعنا أقواله ، علمنا أن معنى العلاقة بالله: "خشية الله في السر والعلانية"[8] و"أن تكون بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك"[9] و"أن تلتمس رضا الله بسخط الناس"[10] خلافا لأن تلتمس رضا الناس بسخط الله. ثم إن هذه العلاقة إذا توثقت حتى يكون حب الإنسان وعداوته، ومنعه وعطاؤه، كله لله وحده، دون أن تشوبه شائبة من رغبة النفس أو كرهها، فمعنى ذلك أنه قد استكمل علاقته بالله "من أحب لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان".[11]

        ثم عليكم أن تستحضروا في كل وقت من أوقاتكم دعاءكم الذي تدعون به كل ليلة في آخر ركعة من صلاتكم الوتر، أفلا تقولون: "اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونتسغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد. وإليك نسعى ونحفد[12]، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحَق"[13] عليكم أن تتدبروا كلمات هذا الدعاء وتروا أي علاقة تقرن بإبرامها بينكم وبين الله في كل ليلة من لياليكم.

        وقد انعكست صورة هذا العلاقة أيضا في ذلك الدعاء الذي كان يدعو به النبي الكريم إذا قام يصلي بالليل. فكان يقول في هذا الدعاء مخاطبا ربه جل وعلا: "اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت".[14]

        طريقة توطيد العلاقة بالله:

        ويزيد المودودي الأمر بيانا وتوضحيا في طريقة ترسيخ الصلة بالله، فيقول:

        (أما تنشئة هذه العلاقة بالله، فليس لها إلا طريق واحد هو: أن يؤمن الإنسان بالله وحده ربا وإلها لنفسه ولسائر المخلوقات في السماوات والأرض، ولا يعقد صفات الألوهية وحقوقها وصلاحياتها إلا مختصة به سبحانه وتعالى، وأن يطهر قلبه من كل شائبة من شوائب الشرك. فإذا ما أتم الإنسان كل هذا على هذا الوجه انعقدت العلاقة بينه وبين الله تبارك وتعالى.

        وأما توطيد هذه العلاقة وتنميتها فإنما تنحصر في طريقين: طريق الفهم والتفكر. وطريق العمل.

        وتقويتها بطريق الفهم والتفكر هي أن تدرسوا القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة عن كل فهم وتدبر مرة بعد أخرى، لتستعينوا بهما في معرفة ما يوجد بينكم وبين الله تعالى من وجوه النسبة من حيث الفطرة، ومن حيث الواقع، حتى إذا عرفتم هذه الوجوه واستعرضتم حالكم، فعليكم أن تنظروا أي وجه من هذه الوجوه قد حافظتم عليه، وإلى أي حد تحققون مقتضياته، وأي نقص تشعرن به في أنفسكم في شأنه، فعلى قدر ما يتقوى هذا الشعور فيكم، تزداد علاقتكم بالله تعالى استيثاقا.

        فمن وجوه النسبة بينكم وبين الله ـ على سبيل المثال ـ أنكم عباده وهو معبودكم، ومنها أنكم خلفاؤه في الأرض، قد خول إليكم ما لا يعد ولا يحصى من نعمه وآلائه، ومنها أنكم لما آمنتم به فقد اشترى منكم أنفسكم وأموالكم بأن لكم الجنة. ومنها أنكم مسؤولون أمامه وهو لا يحاسبكم حسب ظاهركم بل قد سجل عنده جملة حركاتكم وسكناتكم ونياتكم وإرادتكم. فهذه وكثير من أمثالها هي وجوه النسبة بينكم وبين الله تعالى، فعلى فهمها والشعور بها والوفاء بمقتضياتها تتوقف قوة علاقتكم بالله وتقربكم إليه. وإنكم على قدر ما تغفلون عنها ولا تتفكرون في الوفاء بمقتضياتها تبتعدون عن الله وتنفصم صلتكم عنه، وعلى قدر ما تكونون منتبهين إليها ساهرين على الاحتفاظ بها والاهتمام بشأنها، تكون علاقتكم به قوية عميقة.

        إلا أن هذا الطريق الفكري لا يؤتي ثماره، بل لا يمكن التمسك به إلى مدة طويلة، ما لم يكن مستندًا إلى الطريق العملي، وهو الطاعة المخلصة للأحكام الإلهية، وبذل النفوس والنفائس في كل طريق يفضي إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى. ومعنى الطاعة للأحكام الإلهية: أن تعملوا بكل ما أمر به الله تعالى، عن طواعية نفوسكم، وعلى منشط منكم ومكره، سرًا وعلانية، بدون أن تراعوا فيه غرضًا دنيوياً، وإنما تراعون فيه وجه الله عز وجل، وأن تنتهوا عن كل ما نهى عنه الله سبحانه وتعالى سرًا وعلانية، على كراهية ونفرة قلبية منكم، وأن لا يكون الباعث لكم على هذا الانتهاء خوفكم من مضرة دنيوية، ولكن خوفكم من الله تعالى وحده، وهذا ما سيرتفع بكم إلى درجة تقوى الله.

        وأما ما سيرتفع بكم إلى درجة الإحسان بعد درجة التقوى هذه، فهو أن تعملوا لترقية كل فضيلة يحبها الله ورسوله،وإحباط كل رذيلة يبغضها الله ورسوله، وأن لا تضنوا في هذه السبيل بكل ما تملكون من نفوسكم ونفائسكم،وأوقاتكم وجهودكم، وقواكم الفكرية والقلبية، مع ملاحظة أن لا ينشأ في قلوبكم شيء من الزهو والاغترار بما تأتون به في هذه السبيل من أعمال التضحية والإيثار والفداء، ولا أن يمر بخلدكم أنكم قد صنعتم بها إلى أحد يداً، بل يجب أن تكون فكرتكم على كل حال أنكم مقصرون في أداء ما عليكم من حق خالقكم سبحانه وتعالى.

        وسائل تنمية العلاقة بالله:

        وإن اختيار هذا الطريق وسلوكه ليس بشيء هين، بل هو شعب من أصعب الشعاب يحتاج اجتيازه إلى قوة غير عادية. وفكر المودودي في الوسائل التي يمكن أن يستعان بها في تنشئة هذه القوة في الإنسان: من الصلاة بفرائضها ونوافلها، مع إحياء النوافل ما أمكن ذلك.

        ومن ذكر الله تعالى ذكرا كثيرا على كل حال، مع الاجتهاد في استحضار القلب ليوافق اللسان.

        ومن إنفاق المال في سبيل الله، ومنه الزكاة، وليست هي كل المطلوب. وكذلك صوم رمضان والتطوع بعد رمضان (لعلكم تتقون).

        مقياس العلاقة بالله:

        ويبين المودودي لأنصاره ورجال دعوته (المعيار) الذي يعرفون به مدى علاقتهم بالله صعودا وهبوطا، قوة وضعفا، فيقول:

        (أما كيف لكم أن تعرفوا مدى علاقتكم بالله وهل أنها في ازدياد وتقدم أم في نقص وتقلص مع مرور الأيام، فلا حاجة لكم لذلك إلى البشائر في النوم ومظاهر الكشف والكرامات ومشاهد الأنوار في الحجرات المظلمة لكل ذلك، فالله تعالى قد وضع في قلب كل إنسان آلة لمعرفة مدى علاقته بالله، فله أن يقيسها بهذه الآلة في حالة اليقظة وفي ضوء النهار في أية ساعة من ساعاته إذا شاء. استعرضوا حياتكم وتصرفاتكم ومساعيكم وكل ما تجيش به قلوبكم من العواطف والمشاعر والنزوات، ثم حاسبوا أنفسكم لتروا إلى أي حد أنتم صادقون مخلصون في بيعكم الذي عقدتموه بينكم وبين ربكم، بإيمانكم به وتصديقكم لكتابه ورسوله، وهل أنتم تتصرفون في ما عندكم من ودائعه تصرف الأمين أو تختانون فيها، وأي جزء من أوقاتكم وأموالكم ومواهبكم الفكرية تصرفونه للسعي في سبيله وأي جزء منها تصرفونه في أعمالكم وشؤونكم الأخرى، وكيف يكون من قلقكم واضطرابكم وحزنكم وألمكم لو حل المكروه في مصالحكم الشخصية، وماذا يبلغ بكم هذا القلق والاضطراب والحزن والألم عندما ترون الناس في الدنيا يخرجون على الله وشريعته خروجا سافرا وينتهكون حرماته علنا؟ فهذه وأمثالها من الأسئلة التي يمكنكم أن تلقوها على أنفسكم ثم تتلقوا منها جوابا في أي ساعة من ساعات ليلكم أو نهاركم، فتعرفوا مدى علاقتكم بالله أو قطيعتكم عنه؟ وأما البشائر والانكشافات والكرامات والأنوار والتجليات فلا يهمنكم اكتسابها، فإنه لا كشف أعظم من إدراك حقيقة التوحيد في متاعب هذه الدنيا المادية الخلابة، ولا كرامة أكبر من الاستقامة على جادة الحق إزاء ترغيبات الشيطان وذريته وترهيباته ومواعيدهم ووساوسهم، ولا مشاهدة للأنوار أحق للقدر والإجلال من الاهتداء لنور الحق، واتباعه في دياجير الكفر والفسق والعصيان والضلال المطبق على رؤوسنا اليوم، وإن أكبر بشرى يمكن أن يرتاح إليها المؤمن وهي: أن يقول: ربي الله، ثم يستقيم على صراطه المستقيم (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) فصلت: .

        إيثار الآخرة على الدنيا:

        ثم يختم الإمام رحمه الله هذه الوصايا بوصيته الضرورية الأخيرة، فيقول:

        وأريد أن أوصيكم بعد ذلك بأن تؤثروا الآخرة على الدنيا في كل علم من أعمالكم، وتجعلوا سعادتكم هي المقصود الوحيد من ورائه.

        إن الذي نجد بيانه في غير موضع واحد من القرآن الحكيم: أن الدار الآخرة هي (دار القرار) وهي (دار الحيوان) أي هي المقام الأبدي السرمدي لحياة الإنسان، وإننا ما بعثنا في هذه الدنيا الفانية إلا للاختبار: مَنْ منا يثبت نفسه أهلا لوراثة جنة الله ونعيمها، مستخدما ما أوتي في هذه الدنيا من المتاع القليل، والتصرفات المحدودة والفرص الضيقة؟ ليس اختبارنا في هذه الدنيا في إبراز مهارتنا في تسيير الصناعات والتجارات والزراعات والحكومات، ولا في إنشاء الأبنية والشوارع، ولا في إحداث مدنية راقية رائعة، وإنما هو في أداء حق خلافة الله في ودائعه: هل نقضي هذه الحياة الدنيا متمردين عليه أم خاضعين لقانونه؟ وهل نعمل فيها تحقيقا لمرضاته أم تحقيقا لمرضاة أنفسنا ومرضاة أرباب من دون الله؟! وهل نبذل فيها جهودنا لتزيين الأرض حسب المعيار الإلهي أم نكثر فيها الفساد، ونهلك فيها الحرث والنسل؟ وهل نقاوم فيها القوى الشيطانية ونعمل على كسر شوكتها أم نستسلم لجبروتها ونخضع لقوانينها؟ إنه ما كان اختبار أبينا آدم في الجنة إلا في هذا الأمر. وهو الذي سيكون فيه اختبارنا لوراثة الجنة الأبدية في الآخرة. إذن فليس المقياس الحقيقي لفوزنا أو خسراننا أنه من أدى اختباره متربعا فوق كرسي للحكم ومن أداه معلقا على خشبة الشنق ومن منا كان اختباره بإعطائه سلطات عالية أو بإعطائه كوخا متواضعا. إن هذه الظروف المؤقتة الطارئة خلال فترة الاختبار إن كانت ملائمة للإنسان، فهي لا تدل على فوزه وسعادته، وإن كانت على عكس ذلك، فهي لا تدل على خسرانه وشقائه، وإنما الذي ينحصر فيه نجاحه وسعادته الأبدية في حقيقة الأمر هو أن يثبت نفسه في حياته الدنيا عبدا وفيا لله، متبعا لمرضاته أينما جلس من الأماكن ومهما أعطي من الوسائل لأداء الاختبار.

        إخواني وسادتي! إن هذه الحقيقة التي وضعتها بين أيديكم، لا يكفي أن تفهموها مرة واحدة، بل إنه من الواجب عليكم أن تبذلوا كل جهودكم لتجعلوا أنفسكم تتذكرونها وتستحضرون مقتضياتها في أذهانكم دائما، وإلا فإنكم لا تأمنون أبدا أن تغفلوا عنها ولا تعملوا في الدنيا إلا غافلين عن الآخرة وجاعلين الدنيا أكبر همكم. والسبب في هذا أن الآخرة حقيقة وراء الحواس والمشاعر لا تشعرون بها في هذه الدنيا، وإنما تشعرون بها بعد مماتكم فلا يمكن أن تدركوها وتركوا نتائجها المرضية وغير المرضية إلا بالفكر والكد الذهني، وأما الدنيا ـ على العكس من هذا ـ فشيء تشعرون به، وتذوقون حلاوته ومرارته، وتمثل أمامكم نتائجه المرضية وغير المرضية في كل حين من أحيانكم، ولذا فهي تحاول دائما أن تغركم بأن نتائجها هي النتائج الحقيقية. إن آخرتكم إذا فسدت، فإنما تشعرون بشيء من مرارتها في ضمائركم بشرط أن تكون ضمائركم حية. وعلى العكس من هذا فإن دنياكم إذا فسدت، تشعر كل جارحة من جوارحكم بوخزتها، كما أنه يستشعر بها ويُشعركم بها كل من أولادكم وأقاربكم وأصدقائكم وعامة أفراد المجتمع، منفردين ومجتمعين. وكذلك إن الآخرة إذا صلحت، فإنما تشعرون بحلاوتها في ناحية من نواحي قلوبكم بشرط أن لا تكون هذه الناحية مصابة بالغفلة والشلل، وأما إذا صلحت الدنيا، فهي تنعش جميع وجودكم، وتستلذ بها كل حاسة من حواسكم. وتشارككم في الشعور بها جملة أفراد مجتمعكم. وهذا هو السبب في أن الإيمان بالآخرة وإن لم يكن صعبا من حيث هو عقيدة، إلا أنه من الصعب حقا أن تقضوا حياتكم كلها وفقا لمقتضياتها بجعلها وجهة وحيدة لنظركم وأساسا وحيدا لنظامكم للأخلاق والأعمال، وأن الاستخفاف بالدنيا باللسان مهما كان هينا فإنه ليس من السهل أبدا أن تجردوا قلوبكم عن حبها وفكرتكم عن طلبها. فهذه الكيفية ـ التجرد عن حب الدنيا ووطأتها ـ يتطلب التكيف بها إلى جهد كبير غير عادي ولا يمكنكم أن تحافظوا عليها في أنفسكم إلا بسعي متواصل.[15]اهـ.

        أبو الأعلى والعنف:

        ويرى المودودي: أن أقوى أنواع التغيير هو التغيير الفكري والنفسي، فالإنسان إنما يقاد من فكره ومن إرادته. وإذا كان الماركسيون يقولون: غير علاقات الإنتاج ووسائله يتغير التاريخ، فالمودودي يرى ما يراه القرآن حيث يقول: غير الأنفس ـ أو غير ما بالأنفس ـ يتغير التاريخ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [الرعد: 11].

        ولهذا لا يرى المودودي ضرورة لاستخدام السلاح أو العنف في التغيير المنشود، ولا يقبل التغيير عن طريق انقلاب عسكري.

        ولقد مرت بالأستاذ المودودي وجماعته ظروف عصيبة، وتحديات عنيفة، واعتداءات شرسة، لم تتورع عن إراقة الدم عندما وجدت الفرصة. وكان يمكن أن تنهزم فكرة (الصراع السلمي) أمام هذه الهجمات العدوانية من خصوم الجماعة من حكام وأحزاب، لا تخشى خالقا ولا ترحم مخلوقا.

        ولكن المودودي لم تلن قناته، ولم يحد عن مبدئه، وظل إلى آخر رمق يرفض أن يقاتل إلا بسلاح الفكر، وسيف الحجة والبرهان.

        تطاول عليه بعض خصومه الحزبيين برهة من الزمن، وتناولوا شخص الأستاذ بكلمات وتصرفات ينفد معها صبر الحليم، وأراد بعض إخوانه يوما أن يردوا الأذى بأذى، ويدفعوا السيئة بمثلها، فيأبى الرجل كل الإباء. فلما قالوا له: يا أستاذ إنهم يؤذوننا فيك إيذاء عظيما! أجابهم بقوله: إذا آذوكم إيذاء عظيما، فعليكم أن تصبروا صبرا عظيما، بل صبرا أعظم!

        وفي أوائل الستينيات كان الحكم العسكري الحاكم يضطهد الجماعة الإسلامية ويضيق عليها بكل الوسائل، ولكنه لم يجد مبررا يمنع به نشاط الجماعة، ويحول دون اجتماعاتها، فلما كان يوم اجتماع أركانها السنوي، حرضت السلطة الحاكمة من يطلق النار على المودودي عند خطابه السنوي المعتاد. ولكن الرصاصة أخطأته فقتلت عضوا آخر. وهنا قال بعض المقربين للأستاذ: ينبغي أن تجلس، ولا تقف لتتكلم، تفاديا لرصاص الآثمين. فكان جواب المودودي بكل بساطة ووضوح: إذا قعدت أنا فمن يقوم؟!

        ورغم هذا كله لم يستشط غضبا، ولم يدفعه هذا الموقف وأمثاله بعده إلى اتخاذ العنف سبيلا.



        --------------------------------------------------------------------------------

        [1] من خطاب الأستاذ المودودي ألقاه في الاجتماع السنوي للجماعة الإسلامية الذي عقد في دار الإسلام بالهند في شهر مارس 1944م. (خليل الحامدي).

        [2]

        [3]

        [4] تذكرة دعاة الإسلام ص 45-47.

        [5]

        [6] تذكرة دعاة الإسلام ص 49،48.

        [7] ألقى الأستاذ المودودي تلك الوصايا والتوجيهات في ختام الاجتماع السنوي الذي عقدته الجماعة الإسلامية في 13 من نوفمبر 1951م بمدينة كراتشي (خليل الحامدي).

        [8]

        [9]

        [10]

        [11]

        [12] نحفد مضارع حفد أي نسرع ونخدم.

        [13] هذا هو القنوت المأثور عن ابن مسعود رضي الله عنه، ويلتزم الأحناف قراءته بعد القيام من ركوع الركعة الثالثة في الوتر.

        [14]

        [15] راجع فصل (وصايا وتوجيهات) الفصل الخامس من (تذكرة دعاة الإسلام) ص 45-77.
        {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

        وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

        Comment

        • فخر الدين المناظر
          محاور - رحمه الله
          • Mar 2006
          • 1636

          #19
          المنتقدون لفكر المودودي وأصنافهم


          لا يتصور في شأن رجل مفكر مجدد مؤسس حركة إسلامية، كالمودودي: له منهجه الأصيل، وطابعه الخاص، واستقلاله الفكري، ودعوته الانقلابية: ألا يكون له نقاد ومعارضون. وما من رجل عظيم في الماضي والحاضر إلا وقد انقسم الناس في شأنه، ما بين مادح وقادح. بل ما بين مغال في المحبة والمدح، ومسرف في البغض والقدح، شأن البشر في كثير من القضايا والمواقف، إلا من رحم ربك، وقليل ما هم. ورضي الله عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقد قال: هلك فيّ اثنان: محب غال، ومبغض قال.

          قال العلامة ابن عبد البر: كان يقال: يستدل على نباهة الرجل من الماضين بتباين الناس فيه. قالوا: ألا ترى إلى علي بن أبي طالب أنه هلك فيه فتيان: محب أفرط، ومبغض أفرط. وقد جاء في الحديث: أنه يهلك فيه رجلان: محب مُطر، ومبغض مفتر. وهذه صفة أهل النباهة، ومن بلغ في الدين والفضل الغاية.[1]

          وصدق الشاعر إذ قال:

          ومن في الناس يرضي كل نفس وبين هوى النفوس مدى بعيد؟!

          العلمانيون والماركسيون عبيد الفكر الغربي:

          والمنتقدون للمودودي أصناف:

          فمنهم من ينتقده، لأنه يكره دعوته، فهو في الحقيقة لا يكره المودودي، وإنما يكره الإسلام ذاته. وهذا مثل كثير من عبيد الفكر الغربي، من الماركسيين والعلمانيين وخصوم الإسلام، وكل من لا يحب أن تقوم للإسلام دولة تحكم بشريعة الله، ويبنى مجتمع الإيمان، وتمكن لدين الله في أرض الله، وتربي الناس على منهج الإسلام، دولة لا تريد علوا في الأرض ولا فسادا، من (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر) الحج: .

          وقد كانت معركة المودودي الأولى مع هؤلاء، الذين يرفضون الإسلام منهاجا للحياة، ممن جعلوا ولاءهم لغير الله ورسوله، والمؤمنين.

          وخصومة هؤلاء للمودودي خصومة جذرية جوهرية، ليست خصومة سطحية ولا هامشية، لأنها خصومة عقائدية (أيديولوجية). خصومة في الأسس والأصول لا في المباني والفروع. كخصومة مع أدعياء النبوة الجديدة من (القاديانيين) الذين رفضوا ما نطق به القرآن والسنة وأجمعت عليه الأمة، وأصبح معلوما من الدين بالضرورة، وهو أن الله ختم بمحمد الرسل والنبيين جميعا، فلا نبي بعد محمد، ولا كتاب بعد القرآن، ولا شريعة بعد الإسلام. وقد أفضت خصومته مع هؤلاء إلى أن حكم عليه بالإعدام. وكذلك خصومته مع العلمانيين الأقحاح من عبيد الغرب، يمينيين كانوا أم يساريين.

          ومعارضة أمثال هؤلاء للمودودي تزيده فضلا على فضل، وترفعه درجة فوق درجاته، وتحسب له في سجل مفاخره، وميزان حسناته. فإنهم بباطلهم لا يعارضون إلا حقا. وقديما قيل: حسبك نصرا أن خصمك يحارب الله ورسوله!

          ومن قبل قال الشاعر:

          لقد زادني حبا لنفسي أنني بغيض إلى كل امرئ غير طائل

          وأني شقي باللئام، ولا ترى شقيا بهم إلا كــريم الشمائل!

          المتاجرون بالتصوف:

          ومن هؤلاء الخصوم: الذين يعيشون ـ أو يتعيشون ـ باسم الإسلام، وهو منهم بريء، من المنحرفين الذين يتاجرون بالتصوف، ويضحكون على عوام المسلمين، ممن قال فيهم الشاعر:

          وقالوا: سكرنا بحب الإله وما أسكر القوم إلا القُصَع!

          أدخلوا على الإسلام ما ليس منه، فأفسدوا حقائقه، ولوثوا تعاليمه. أفسدوا توحيده بالشركيات، وعباداته بالمبتدعات، وأخلاقه بالمداهنات، وبعض هؤلاء الجهلة يفتقرون إلى أن يعلموا الإسلام من جديد، وبعضهم مرتزقة ليس لهم من التصوف إلا اسمه أو رسمه!

          لقد كرهوا من المودودي أن يفضح زيفهم، ويكشف دجلهم، ويأخذ أتباعهم منهم لينضموا إلى الركب المستنير بعقل الإسلام، بدل القطيع المسوق بعصا الخرافة والتهويل.

          اختلاف التكوين الثقافي:

          ومنهم من ينتقده، لأنه لم يفهمه، ولم يدرك أغواره، لاختلاف التكوين الثقافي، واختلاف الاهتمامات، وتوافر سوء الظن، وعدم وجود الثقة، من بعض العلماء المدرسيين الكبار، الذين يعيشون في دائرة غير دائرته، وأفق غير أفقه، ولهموم غير همومه، ولا يواجهون من التيارات ما يواجهه، فهم يبحثون عن زلاته يضخمونها، ويؤاخذونه باللوازم يحاسبونه عليها، وقد رأيت الكثير من مآخذهم قابلا للتأويل، والحمل على محمل صحيح، لو توافر حسن الظن، وهو مطلوب مع المسلم العادي، فكيف مع رجل نصب نفسه للدفاع عن الإسلام والدعوة إليه نظاما كاملا للحياة؟

          وبعض هؤلاء المنتقدين للأستاذ ممن ضاقت آفاقهم، من الجامدين أو المقلدين، أو المتعصبين لوجهة نظر واحدة، وإن كان كثير منهم مخلصين.

          وهذا أمر يتكرر في كل الأعصار، حتى مع الأئمة الكبار. ومن هذا ما ذكروه عن إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين: أنه تكلم في الإمام الجليل محمد بن إدريس الشافعي، وزعم أنه ليس بثقة!! ولما نقل هذا القول للإمام أحمد بن حنبل قال: ومن أين يعرف يحيى بن معين الشافعي؟! هو لا يعرف الشافعي، ولا يعرف ما يقول الشافعي! ومن جهل شيئا عاداه!

          هذا مع أن يحيى إمام في فنّه، ومن أقرب الناس إلى ابن حنبل. قال الإمام أبو عمر بن عبد البر: صدق أحمد بن حنبل رحمه الله: إن ابن معين كان لا يعرف ما يقول الشافعي، وقد حكي عن ابن معين: أنه سئل في مسألة من التيمم، فلم يعرفها![2]

          وهذا يبين لنا: أن اختلاف التكوين، واختلاف الهموم: مؤثر في الحكم على الأشخاص، فابن معين ـ ولا شك ـ من أفق غير أفق الشافعي، ومن تيار غير تياره.

          ومن هنا لا نعجب مما جاء من خلاف وطعن متبادل، بين مدرسة الحديث والأثر ومدرسة الرأي والنظر، حفلت به كتب الجرح والتعديل، وكتب التراجم والطبقات، وخصوصا من مدرسة الأثر وأهل الحديث في حق مدرسة الرأي وإمامها الأشهر أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه.

          ومن قرأ ما نقله أهل الحديث من انتقادات بل طعون واتهامات للإمام أبي حنيفة: لم يصدق أن يكون في المسلمين من يصدر عنه مثل هذه الأقوال، والحمد لله: أنه غير معروفة لدى عوام المسلمين، فقد تجاهلها العقل الإسلامي العام، ودفنها، ولم يلق لها بالا، وظل أبو حنيفة في القمة العالية: مكرما معظما يتبعه مئات الملايين من المسلمين، ويترضون عنه في كل مكان.

          قال الحافظ المجتهد أبو عمر بن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضلة):

          أفرط أصحاب الحديث في ذم أبي حنيفة، وتجاوزوا الحد في ذلك. والسبب الموجب لذلك عندهم: إدخاله الرأي والقياس على الآثار، واعتبارهما. وأكثر أهل العلم يقولون: إذا صح الأثر بطل القياس والنظر. وكان رده لما رد من أخبار الآحاد بتأويل محتمل. وكثر منه تقدمه إليه غيره، وتابعه عليه مثله بمن قال بالرأي. وجل ما يوجد له من ذلك: ما كان منه اتباعا لأهل بلده، كإبراهيم النخعي، وأصحاب ابن مسعود... الخ.[3]

          تحاسد المعاصرين:

          ومن نقاد المودودي: من ينتقده حسدا وبغيا، وهو شأن البشر بعضهم مع بعض، فليسوا ملائكة مطهرين. وهذا يحدث كثيرا من انفعال طارئ، وغضب عارض، فيفقد الإنسان اتزانه في الحكم، ولهذا جاء التحذير من الغضب، وصح: "لا يقضي القاضي وهو غضبان". ويحدث أحيانا من حسد كامن، ولا سيما من المتعاصرين بعضهم لبعض. وقد نقل من هذا شيء كثير عن علماء السلف المتعاصرين ـ على فضلهم ـ فكيف بأهل عصرنا؟!

          ذكر الحافظ ابن عبد البر في كتاب (العلم) بابا في "حكم قول العلماء بعضهم في بعض" بدأه بالحديث النبوي: "دب إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين".[4]

          وثنّى فيه بما جاء عن ابن عباس: استمعوا علم العلماء، ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فوالذي نفسي بيده، لهم أشد تغايرا من التيوس في زربها!!

          وذكر في ذلك أمثلة من قول أهل العلم بعضهم في بعض، يعجب الواحد منا كيفي صدر من أمثالهم! ولكن الكمال لله وحده، والعصمة لرسوله وإنك لعلى خلق عظيم [القلم: 4].

          وقد رأينا أنموذجا من ذلك: ما ساقه الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) من أقوال بعض كبار رجال الحديث عن الإمام أبي حنيفة، يقشعر لها البدن، وهو ما دعا الشيخ الكوثري أن يكتب كتابا: (تأنيب الخطيب على ما ساقه في حق أبي حنيفة من الأكاذيب).

          وقد قرأت في كتاب (السنة) المنسوب لعبد الله بن أحمد بن حنبل: أقوالا عن أبي حنيفة، قفّ لها شعر رأسي، ولم أكد أصدق أن يخرج مثلها من فم عالم! وفيها اتهام للأمة المسلمة أنها راج عليها الباطل، واتبعت من لا علم عنده ولا دين!

          وما من إمام من الأئمة إلا وجد من تكلم فيه بطعن أو تجريح، لسبب أو لآخر، قال ابن عبد البر: وما مثل من تكلم في مالك والشافعي ونظرائهما من الأئمة إلا كما قال الأعشى:

          كناطح صخرة يوما ليوهنها فلم يضرها، وأوهى قرنَه الوَعِلُ!

          أو كما قال الحسين بن حميد:

          يا ناطح الجبل العالي ليكلمه أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل!

          ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول:

          ومن ذا الذي ينجو من الناس سالما وللناس قالٌ بالظنون وقيل!!

          قيل لأبي عاصم النبيل: فلان يتكلم في أبي حنيفة! فقال: هو كما قال نصيب: سلمت، وهل حيّ على الناس يسلم؟!

          وقال أبو الأسود الدؤلي:

          حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالناس أعداء له وخصوم!

          وروي أن موسى عليه السلام قال: يا رب، اقطع عني لسان بني إسرائيل! فأوحى الله إليه: يا موسى، لم أقطعها عن نفسي، فكيف أقطعها عنك؟![5]

          هذا بعض ما ذكره الحافظ ابن عبد البر من قول العلماء بعضهم في بعض في أزمنة هي خير من زمننا، ومن أناس هم خير من معاصرينا، فكيف بزماننا وأهله، وقد قل فيه الإنصاف، وكثر الميل والاعتساف؟!

          الخلاف في الجزئيات:

          ومن هؤلاء من ينتقد المودودي لخلافهم له في بعض ما ذهب إليه من آراء واجتهادات، ولكنهم يجعلون خلافه لهم كأنما هو خلاف للإسلام نفسه، أعني أنهم اعتبروا أنفسهم وحدهم ممثلي الإسلام، والمتحدثين الرسميين باسمه، فليس لأحد قول مع قولهم، ولا يقبل فكر يخالف فكرهم. وغالبا ما نجد أكثر هؤلاء لا يفرقون بين الجزئيات والكليات، فالمخالفة في جزئية أو اثنتين أو ثلاث، توقد عندهم نارا لا يخمد أوارها.

          فإذا أوّل المودودي حديثا أو خالف أمرا متوارثا، أو رفض الرأي المشهور في قضية: شهروا في وجهه سيف الاتهام، وأثاروا غبار الشبهات، وأطالوا الألسنة فيه بالذم والغيبة، كما فعل ذلك قوم قبل في مثل الإمامين: أبي حنيفة ومالك رضي الله عنهما، حيث اتهم كل منهما بترك الحديث والأثر، للرأي والنظر. حتى قال من قال: لو خرج أبو حنيفة على هذه الأمة بالسيف، كان أيسر عليهم مما أظهره فيهم. يعني من القياس والرأي! واتهم بعضهم مالك بن أنس لما ذهب إليه من اعتبار المصالح المرسلة بأنه خلع ربقة الإسلام، أي تحلل من التقيد بنصوص الشرع الحنيف!! فيا لها من كلمة، ويا له من اتهام!! ومنشأ هذا تعصب المرء لما عنده، وسوء ظنه بما عند غيره.

          وهب أن المودودي أخطأ في بعض المسائل الجزئية، أو خانه التعبير الدقيق فيها، على ما يقوله هؤلاء، فهل يعني هذا أن تسقط إمامته، وتجرح عدالته، ويحمل عليه في دينه وفكره؟ وأي عالم سلم من هفوة، وأي جواد خلا من كبوة؟ وإنما المعصوم من عصمه الله، وذلك هو النبي وحده.

          وأوضح من ذلك ما اتهم به شيخ الإسلام ابن تيمية من خروج على الإجماع، ومخالفة للصحابة، ومجافاة لأئمة المذاهب، وكلها دعاوى غير صحيحة ولا مقبولة، ولكنه حوكم من أجلها، وامتحن بسببها، ودخل السجن أكثر من مرة، ومات فيه، رضي الله عنه.

          خلاف بعض الدعاة الكبار في بعض قضايا الفكر:

          وهناك من ينتقدون الأستاذ المودودي، لخلافهم له في الرأي في بعض القضايا والموضوعات، لاختلاف زاوية النظر عنده وعندهم، مع تسليمهم له بالمنزلة والفضل، وصدق النية، وطل والباع، في نقد الحضارة الغربية، والفلسفات المادية، وفي الدعوة إلى الإسلام، وفضح خصومه، وتزييف أفكارهم وتوجهاتهم، وإنما خالفوه في بعض مسائل العلم، أو بعض قضايا الفكر، أو في مناهج العمل الإسلامي العام. وهذا لا حرج فيه، وسيظل الناس يختلفون في مثله، ولكل وجهة هو موليها، ولكل مجتهد نصيب، والمصيب في اجتهاده مأجور، والمخطئ معذور بل مأجور، وإن كان دون أجر المصيب.

          نقد الشيخ أبي الحسن الندوي:

          وأحسب من هؤلاء الداعية الإسلامي الكبير السيد أبا الحسن علي الحسني الندوي، الذي انتقد بعض ما كتبه الأستاذ المودودي ولا سيما في كتابه (المصطلحات الأربعة في القرآن).

          ولست هنا في مقام الفصل بين الرجلين الكبيرين، ولكني فقط أسجل هنا ثلاث ملاحظات:

          الأولى: ذكرتها للعلامة الندوي حين سعدت بلقائه في الدوحة عاصمة دولة قطر إبّان انعقاد المؤتمر الثالث للسيرة والسنة النبوية، وهي أن الأستاذ الندوي سمى كتابه حين نشره بالعربية (التفسير السياسي للإسلام) فقلت له: إن هذه التسمية فيها شدة وعنف، وقد تُوهِم غير ما قصدت إليه، وكان من إنصاف الشيخ أنه أقر بهذا، وقال: ليتني سمعت هذا قبل نشره، وإنه يخشى أن يستغل هذا في بلاد العرب من ينادون بفصل الدين عن السياسة! أو على حد تعبيرهم بـ (تسييس الدين) وأذكر أن أحد الإخوة في الهند نبهه أيضا إلى هذه الملاحظة. وأن الكتاب حينما نشر بالأوردية كان له عنوان آخر.

          الثانية: أن هناك أناسا أخذوا كلام المودودي، ورتبوا عليه نتائج لم يرتبها المودودي نفسه، وإن كانت قد تلزم من مفهوم كلامه، ولكن المعروف عند المحققين من علماء الأمة: أن لازم المذهب ليس بمذهب، وأن العالم لا يؤاخذ إلا بما التزمه صراحة من الأقوال والأفكار. فقد يرى العالم الرأي، ويؤمن به، ويدعو إليه، ولا يخطر له لازمه على بال.

          فإذا وجدنا بعض الغلاة من منتحلي بدعة (التكفير) وأشياعهم أخذوا كلمات معينة مما كتبه الأستاذ المودودي، مستشهدين لها بما ذهبوا إليه من تطرف في الفكر، وغلو في الدين، وكفروا بها جماهير المسلمين، فالمودودي ليس مسؤولا عن ذلك، لأنه لم يرد بكلامه نفس ما أرادوا، ولم ينته به إلى ما انتهوا إليه من نتائج في الاعتقاد والسلوك.

          ولقد أساء الناس قديما وحديثا فهم كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عيه وسلم، ولم يكن هذا عيبا في كلام الله جل شأنه، ولا في كلام رسوله الكريم، بل كان عيبا فيمن ساء فهمه، وانحرف عقله، من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، على نحو ما قال أبو الطيب:

          وكم من عائب قولا صحيحا وآفته مـن الـفهم السقيم!

          من يك ذا فم مُرّ مـريض يجـــد مرًّا به الماء الزلالا!

          الثالثة: يتعلق بموقف الإمام المودودي من هذا النقد الموجه إلى كتابه، وهو الموقف اللائق بمثله، أمانة وتواضعا وإنصافا، فقد ذكر الأستاذ الندوي في كلمته المخلصة التي رثى بها المودودي في مجلة (البعث الإسلامي) التي تصدر عن ندوة العلماء بالهند: أن الأستاذ المودودي رحب بنقد الأستاذ الندوي، وشكره عليه، وتمنى لو كتب ملاحظاته على جميع مؤلفاته، فليس في العلم كبير، والمؤمن مرآة أخيه، والمسلمون نصحة بعضهم لبعض.

          نقد د. محمد عمارة:

          وممن انتقد الأستاذ المودودي في حديثه عن الجاهلية والتكفير: المفكر المصري المسلم الدكتور محمد عمارة الذي يرى أنه غلا في وصف المجتمعات المسلمة المعاصرة، بل ضم إليها التاريخ الإسلامي، والحضارة الإسلامية كلها، فوصفها بالجاهلية، ويرى ذلك ضربا من المجازفة: يقول في بحثه الذي قدمه لندوة اقرأ الأعلامية في رمضان 1424هـ:

          "لكن المودودي قد انطلق من دعوى غيبة الحاكمية الإلهية عن المجتمعات الإسلامية والدول الإسلامية – فضلا عن مجتمعات الحضارة الغربية- فذهب من هذا المنطلق إلى الحكم على كل المجتمعات الإسلامية ودولها بالجاهلية – ومن ثم بالكفر- وذلك دون أن يكفر الأفراد أو الأمة.

          بل ذهبت به المجازفة إلى الحكم بسيادة الجاهلية في التاريخ الإسلامي – والحضارة الإسلامية منذ السنوات الأخيرة لخلافة الراشد الثالث عثمان بن عفان (47هـ - 35هـ / 577 –656م)!..

          لقد كتب عن جاهلية الغرب، فقال عن عصرها: (إنه عصر الجاهلية المحضة.. الجديدة.. والمعاصرة ..والمتحضرة)[6].

          وكتب عن ارتداد حضارتنا الإسلامية وثقافة أمتنا الإسلامية، والنظام الاجتماعي الإسلامي إلى الجاهلية منذ عهد عثمان بن عفان، فقال: (إن الغايات التي حققها النبي، ، قد سار على نهجه فيها أبوبكر الصديق (52ق هـ - 13هـ / 573-634م) وعمر الفاروق ( 40 ق هـ -23 هـ / 584 – 644م) .. ثم انتقل الأمر بعدهما إلى سيدنا عثمان رضي الله عنه، وبقي على ما أقامه عليه النبي إلى عدة من السنين في صدر ذلك العهد.. ولكن الخليفة الثالث كان لا يتصف بتلك الخصائص التي أوتيها العظيمان اللذان سبقاه.. فلقد كان ينقصه بعض تلك الصفات اللازمة للحكم والأمر، التي كانت على أتمها في أبي بكر وعمر.. فوجدت الجاهلية سبيلها إلى النظام الإجتماعي الإسلامي، وإن تيارها الجارف، وإن حاول عثمان صده ببذل نفسه ومهجته، إلا أنه لم ينكفئ. ثم خلفه علي (23 ق هـ - 40 هـ/ 600 – 661م) كرم الله وجهه، واستفرغ جهده لمنع هذه الفتنة، وصيانة السلطة السياسية في الإسلام من تمكن الجاهلية منها، ولكنه لم يستطع أن يدفع هذا الإنقلاب الرجعي المركوس حتى ببذل نفسه، فانتهى بذلك عهد الخلافة على منهاج النبوة، وحل محلها الملك العضوض Tyrant Kingdom وبدأ الحكم والسلطة يقومان على قواعد الجاهلية بدلا من قواعد الإسلام)[7].

          ويمضي المودودي فيقول عن هذه الردة إلى الجاهلية: (فكان من الطبيعي أن يصحب ذلك كله رواج فلسفة الجاهلية وآدابها وفنونها، فتدون العلوم والمعارف على طرازها[8].. فالحضارة التي أزدهرت في قرطبة وبغداد ودلهي والقاهرة لا دخل للإسلام فيها ولا صلة .. وتاريخها ليس إسلاميا، بل الأجدر أن يكتب في سجل الجرائم بمداد من أسود..)[9].



          --------------------------------------------------------------------------------

          [1] جامع بيان العلم وفضلة (2/150).

          [2] انظر: جامع بيان العلم وفضلة (2/150).

          [3] جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (2/148) طبعة دار الكتب العلمية ـ بيروت.

          [4] رواه أحمد والترمذي والضياء عن الزبير، كما في صحيح الجامع الصغير وزيادته ( ) ولم يحكم عليه الألباني بشيء، وضعفه الشيخ شاكر في تخريج المسند (1412).

          [5] جامع بيان العلم وفضلة (2/162،161).

          [6] الحكومة الإسلامية ص113 وموجز تاريخ تحديد الدين وإحيائه ص 16 ترجمة محمد كاظم سباق، طبعة بيروت 1975م.

          [7] موجز تاريخ تجديد الدين ص 34-37.

          [8] المصدر السابق 63، 64.

          [9] نفسه ص39.
          {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

          وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

          Comment

          • فخر الدين المناظر
            محاور - رحمه الله
            • Mar 2006
            • 1636

            #20
            تعقيب متمهل


            ولا ريب أن حكم المودودي على الحضارة الغربية بالجاهلية: حكم صحيح، نظرا للاتجاه العام فيها، والروح الغالبة عليها، فهي – كما قال ليوبولد فايس - محمد أسد- لا تجعل لله مكانا في نظامها الفكري الحالي، وفلسفتها العامة تقوم على المادية المجحفة، والإباحية المسرفة، والنفعية المتطرفة، فالاعتبار الأخلاقي لا مكان له في اقتصادها ولا سياستها ولا في سلمها ولا في حربها، وهي كلها تتبنى مبدأ : (الغاية تبرر الوسيلة).

            أما حكمه على التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، فهو حكم قاسي، بل شديد القسوة، وقد ناقشناه في كتابنا (تاريخنا المفترى عليه) وبينا خطأ هذه النظرة السوداء إلى تاريخنا وحضارتنا، وذكرنا هناك: أن المودودي وغيره من الكتاب والمفكرين الإسلاميين مثل سيد قطب والشيخ محمد الغزالي، وأبي الحسن الندوي – إلى حد ما- كانوا ضحية مصادرنا التي نقلت إلينا صورة غير صادقة تماما عن تاريخنا الإسلامي، كما بينا مسؤولية المؤرخين المسلمين، ومسؤولية علماء الحديث، ومسؤولية مؤرخي الأدب: في تشويه هذه الصورة وإعطاء هذا الانطباع الزائف عن تاريخنا.

            بيد أن الإمام المودودي – غفر الله له- كان أقسى المتحدثين عن تاريخنا عبارة، وأشدهم حرارة، لذا كان نقد الدكتور عمارة له في هذا الموقف شديدا مرا، برغم دفاعه المجيد عنه فيما كتبه من قبل.

            لقد اعتبر الأستاذ المودودي عصر الصحابة والتابعين وأتباعهم من العصور التي وثبت عليها الجاهلية، وحرفتها عن مسارها الإسلامي، مع أن هذه العصور هي العصر التي استفاضت فيها الأحاديث الصحاح، بأنها خير قرون هذه الأمة: "خير القرن قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". وذلك لأن نور النبوة كان لا يزال قوي التأثير في هذه القرون، أو هذه العصور، وهي عصور الفتوحات التي شرقت وغربت، ودخلت فيها الأمم في الإسلام، وكان لبني أمية فيها إسهام كبير لا ينكره مكابر، ففي عصرهم دخل الإسلام على الهند وسمرقند والصين شرقا، وإلى الأندلس (أسبانيا) غربا.

            وانظر إلى الروح التي كتب بها العلامة المودودي عن الحضارة الإسلامية، والروح التي كتب بها علامة آخر، هو الداعية الإسلامي مصطفى السباعي في كتابه الرائع البديع (من روائع حضارتنا) وما قدم فيه من إنجازات هذه الحضارة وخدماتها للمسلمين وللبشرية كلها بصفة عامة.

            ضم كلام المودودي بعضه إلى بعض:

            على أني أنصح دائما: ألا يحكم على المودودي بما يكتبه في موضع من كتبه، حتى نطلع على تراثه كله، فإن ما أطلقه في كتابه يقيده في آخر، وما عممه في رسالة خصصه في رسالة أخرى، وما أجمله في محاضرة أو خطبة قد فصله في محاضرة أو كتاب أو مقال في مكان آخر.

            وإذا كنا نفعل ذلك في فهمنا لكلام الله الحكيم، وفي فهمنا للقرآن الكريم، فكيف لا نفعله في فهمنا لكلام المخلوقين، وحكمنا لهم أو عليهم؟!

            وأود من القارئ المتأمل المنصف: أن يقرأ معي هذه الفقرة من نفس كتابه الذي شن فيه الغارة على التاريخ والحضارة الإسلامية، يقول في (موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه) تحت عنوان (الحاجة إلى المجددين):

            (لا يذهب بأحد الظن في هذا الصدد أن كانت الجاهلية قد محت آية من الإسلام تماما وذهبت بآثاره جميعا وملكت عليه أمره من جميع الوجوه إبان هجومها وطغيانها، بل الواقع أن الشعوب التي كانت خضعت لتأثير الإسلام حينئذ أ و خضعت لها فيما بعد لم يزل باقيا أثر الإصلاح الإسلامي – قليلا أو كثيرا- مدى الدهر. ولم يكن إلا من تأثير الإسلام أن كان الآمرون المطلقون من الملوك تأتي عليهم من حياتهم أحيان ترتعد فرائصهم من خشية الله، فيرجعون عن غيهم إلى الرشد وعن ظلمهم إلى الإنصاف. وليس إلا من ثمرات الإسلام أنك تبصر هنا وهناك في الصفحات السود من تاريخ الملكية لمحات من نور الصلاح والأخلاق الفاضلة، ولم يكن إلا من فضل الإسلام أن نبغ في البيوتات الحاكمة رجال مؤمنون متقون عادلون تولوا الحكم والأمر مع الشعور التام بمسئوليتهم على قدر الإمكان، على كونهم يملكون سلطان الملكية. وكذلك ما زال الإسلام يعم ببركاته وخيراته – ولو على وجه غير مباشر – قصور الدول والحكومات ومدارس الفلسفة والحكمة ودور التجارة والصناعة وزوايا الخلوة والاعتكاف وسائر شعب الحياة، واستمر نفوذه في العامة على رغم أنف جاهلية الشرك التي كانت فاشية فيهم، وبقي يؤثر في عقائدهم وأخلاقهم واجتماعهم من جهتي الأمر والنهي والتوجيه والتحذير، ومن كل ذل ظل مستوى أخلاق الشعوب المسلمة أعلى وأرفع دائما من أخلاق سائر الأمم. وفوق ذلك كله ما خلا عصر من العصور من أناس استمسكوا بعروة الإسلام وبقوا يسعون في إحياء هدايته العلمية والعملية في حياتهم أنفسهم وفي الحلقة المحدودة الواقعة تحت تأثيرهم ونفوذهم، بيد أن ذلك كله لم يكن كافيا لتحقيق الغاية الرئيسية التي بعث من لأجلها الأنبياء عليهم السلام.

            فكان الإسلام لا يكفيه أن تكون السلطة بيد الجاهلية ويقف الإسلام منها موقف التابع المتخلف ولا كان يكفيه أن يكون هنا وهناك رجال متمسكون بالإسلام في حياتهم الفردية المحدودة، وتشيع في الحياة الجماعية الواسعة أخلاط شتى من الجاهلية والإسلام ولذلك كان –ولا يزال- الدين الإسلامي في كل عصر في حاجة إلى رجال أقوياء يأتون ويسددون خطى الزمان ويوجهون مسيره إلى الإسلام، سواء أكان عملهم في ذلك محيطا شاملا أو كان على بعض النواحي الأمر مقتصرا – وهؤلاء هم الذين يدعون بـ"المجددين"!)[1].

            انتشار الإسلام في العالم:

            ولكي نستكمل الصورة في كتابات الأستاذ المودودي عن التاريخ الإسلامي، ننقل هذه الفقرة من رسالة من رسائله، كتبها بعنوان (الإسلام اليوم) تحدث فيها عن انتشار الإسلام في العالم، وبين فيه القوة الذاتية في دعوة الإسلام، فبعد أن تحدث عن دعوة الرسول الكريم، وبنائه للأمة المسلمة، والدولة المسلمة المثالية، قال رحمه الله:

            (وبعد أن قامت في الدنيا أمة هذه سماتها وخلالها وتأسست دولة هذه خصائصها ومزاياها بدأ الإسلام ينتشر في أرجاء الدنيا في عصر الخلافة الراشدة بسرعة وصفت في التاريخ بكلمة (الانفجار) (EXPLOSION) أي مثل السرعة الهائلة التي أخذ بها الإسلام في الانتشار والازدهار كمثل انفجار المتفجرات. ولم تمض إلا سنوات قليلة حتى امتدت المسيرة الإسلامية من بلاد الأفغان والتركستان شرقا إلى أفريقية الشمالية غربا، ونتيجة أي شيء كان هذا الانفجار الرائع يا ترى؟! ولكم أن تذهبوا إلى جزيرة العرب اليوم لتنظروا كم نسبة العمالقة فيها؟ وما هي مصادر الثروة المادية في هذه الجزيرة؟ دعوا البترول فإنه لم يكتشف إلا مؤخرا، ماذا فيها من الوسائل المادية بعد البترول؟ وانظروا كذلك إلى عددهم: يكاد لا يزيد عددهم في جزيرة العرب بأسرها على عشرة ملايين من النفوس. ومن المؤكد أن كان عددهم في عصر الخلافة الراشدة أقل بكثير من هذا، فهيمنة شعب كهذا، على هذا القدر من المساحة الأرضية، وبهذه الصورة الفجائية لم تكن في الواقع حصيلة تفوقه على غيره في القوة المادية، بل السبب الذي مكنه لإخضاع رقاب العالم كليه يكمن في ذلك السلوك الرائع الفريد الذي سلكه كل فرد من المسلمين بصفته الفردية، والأمة الإسلامية بصفتها الجماعية في الصلح، والحرب، وإدارة البلاد المفتوحة، وحسن المعاملة مع شعوبها.

            إن الذين عاشوا تحت الإمبراطورية الفارسية الرومية كرعايا: لم يكونوا يتصورون – بله أن يشهدوا- ذلك النوع الفريد من الولاة الذين يمشون على الأقدام وفي الشوارع، يعيشون عيشة عامة السكان، ويتركون أبوابهم مفتوحة على مصراعيها في وجه كل من مسته الحاجة، ويضع يده في عنقهم كل من داهمته الداهية، ليطلب منهم إزالة شكواه. إن سكان فارس والروم ما رأوا هذا النمط الرائع من الحكام في الأحلام فضلا عن أن يروه في اليقظة، بل لم يكن يدور بخلدهم احتمال بوجود هذا النوع الفريد من رجال الحكم، والإرادة، إلا أنه لما دخل النظام الإسلامي بسموه ونظافته أرض هذه البلدان، وقدم لسكانها هذا النوع من الولاة، فمن ذا عسى أن يكون منهم من يمنعه التعصب الأعمى من أن لا يعترف بهذا التفوق الخلقي والسمو الإنساني اللذين يتفرد بهما الإسلام، اللهم إلا شرذمة قليلة طمس الباطل معالم فطرتها وعميت أبصارها عن رؤية الحق.

            ومن النماذج الرائعة في السمو الخلقي الذي عرضته الجنود الإسلامية على الدنيا أنها كانت تدخل مدينة تفتحها، وتجوب في شوارعها، ونساء هذه المدينة واقفات في الشرفات في أبهى ثياب التبرج والإغراء، يتطلعن إلى المواكب، ولم يحاول جندي من هؤلاء الجنود البواسل، أن يرفع رأسه، وينظر إليهن ولو بنظرة عابرة، تقطع المواكب الشوارع بدون أن تعلم ما إذا كان هناك من النساء من يطللن عليهن من الشرفات، الأمر الذي كان يختلف تماما عما جربته تلك الأمم المغلوبة من ويلات الغزاة فيما خلا من القرون، وما تناقله الناس من القصص والحكايات عن الأمم الغازية، إذ كان من السنة المتبعة أنه كلما وطئ الغزاة أرض قوم، عاثوا فيها فسادا، ولم يتركوا عرض امرأة منهم إلا وانتهكوه، وارتكبوا معها الفظائع، فبعد هذه المواقف الفذة مع أهالي البلاد المفتوحة، كيف كان من الممكن أن لا تكسب الجيوش الإسلامية قلوبها: الجيوش التي تكتسح المناطق بدون أن تنتهك حرمة أحد أو تمس بكرامة أحد.

            وكذلك من روائع الأخلاق التي تقدم بها هؤلاء الفاتحون الربانيون الجدد أمم الدنيا: أنهم إذا اضطروا إلى سحب جيوشهم من منطقة من المناطق المفتوحة، أعادوا إلى أهاليها كل ما أخذوه منهم من الضرائب والأموال لدعم الأمن فيها، قائلين: إن هذه الضرائب إنما أخذناها منكم للقيام بواجب حراستكم، غلا أننا اضطررنا للانسحاب، ولا نتمكن من القيام بهذه المسؤولية، فهذه بضاعتكم ردت إليكم، هذا في الوقت الذي لم يكن الناس يعرفون من الغزاة إلا الذين إذا اضطروا للجلاء من بلد من البلدان المحتلة، فبدلا من أن يردوا إلى أهاليها ما كانوا قد جلبوه منهم من الأموال: كانوا ينهبون ما تبقى عندهم من الأموال، فلم يكن أحد من الناس يتوقع من الحكام والولاة: أن يحتذوا ما عرف عن أنبياء الله وأوليائه من السجايا والفضائل، ويحتلوا هذه المكانة السامية من الأمانة والنزاهة حتى في مجال السياسة والحكم.

            هذه هي الطاقة الهائلة التي تمتع بها المسلمون في صدر الإسلام فغزوا بفضلها القسم الأكبر من العالم، ومن الحقيقة التي لا يكابر فيها أحد أن الذي حققته أخلاقهم السامية وسلوكهم النزيه من المعجزات، لا يقارن بما أنجزته سيوفهم، لأن من اعتنق منهم الإسلام اعتنقه بعد إدراكه الكامل لحقيقته ومقتضياته، ثم صاغ فيه شخصيته وسيرته وسلوكه، ولذلك أيما عمل قاموا به مثلوا فيه الإسلام بكامل الوجه، وبهذه الخاصية الربانية لم تستطع أية قوة في العالم أن تصمد في وجههم، وكان يسبق تأثير أخلاقهم في قلوب الناس مضاء سيوفهم في عنقهم.

            ولهذا السبب نفسه نرى أن الأقطار التي فتحوها لم يكتف سكانها بالخضوع لقوتهم السياسية، بل أصبحوا من المولعين بهم، والمريدين لهم: اعتنقوا دينهم، واتبعوا حضارتهم، وارتضوا لغتهم، وها هي الأقطار التي فتحها المسلمون الأوائل ما زال سكانها يعتبرونهم، مدار التاريخ، أبطالهم، وروادهم، ولا يحبون أن يرجعوا بأواصرهم إلى أسلافهم الكافرين أو ينسبوا إليهم ماضيهم التليد، فهل لسيف أن يحقق هذه المعجزة في العالم؟

            هذه هي المرحلة الأولى من مراحل التاريخ الإسلامي، ولا أريد في هذا المقام سرد المعلومات التفصيلية عن هذه المرحلة، وإنما الذي يهمني أن أؤكد لكم أن الإسلام إذا تمكن من بسط سلطانه المدهش على القسم الأكبر من العالم، لم يتمكن من ذلك إلا لأجل أن الأمة بكاملها قد آمنت بالإسلام إيمانا صادقا، وتمسكت به بعزيمة ماضية وتفهم صادق وإخلاص عميق وصار نور الإسلام يتلألأ في سلوك أفرادها الفردي والجماعي بمنتهى النصوع والكمال.

            وقد برزت إلى الوجود دولة تبنت الإسلام هدفا رئيسيا لها، وهبت تسنفذ كل ما تملك من الوسائل والإمكانيات لتغليب كلمته في العالم، وهكذا تيسرت للإسلام في أولى مراحله حركة مستميتة قوية ما زالت آثارها في التاريخ واضحة المعالم جلية الملامح حتى اليوم، وبعد مرور ثلاثة عشر قرنا على إنشائها. وتستطيعون أن تشاهدوا ـ مع هذه الحالة التعيسة التي تدنت إليها الأمة الإسلامية ـ آثار الطابع الذي انطبعت به الأمة الإسلامية في أولى مراحل تاريخها.

            إن أي فرد من المسلمين مهما فسد أمره وساءت أخلاقه، إذا استشففت ذات نفسه، وجسست نبضه: تعلم أنه لا يحن إلا إلى نفس المجتمع المثالي الذي أسسه محمد وخلفاؤه الراشدون. وهذا هو الهدف الذي يطمح إليه دائما ولا يتناساه أبدا، كأن هذا المجتمع شمس تشرق أمامه بنورها الساطع بصفة دائمة، لا يدعها تغيب عن نظره.

            إن كل فرد من المسلمين يرى هذه المرحلة الذهبية نموذجا وقدوة، ويولع بها لحد الغرام،ويتمنى رؤيتها متمثلة في الواقع مرة ثانية. وما انفك الإسلام يشع بنوره على العالم من عصر الخلافة الراشدة إلى هذا اليوم. ولم يبق صقع من أصقاع العالم، إلا قد تغلغلت إليه أشعته. وقد نال هذا الازدهار على رغم ما منيت به هذه الأمة من الأمراء المنغمسين في حياة الترف والبذخ، ونكتب بالطغاة والجبابرة، ولم تعد متعاطي المنكرات في يوم من الأيام، ولم تعد منذ مدة غير قصيرة أمة مثالية تحتذى، وتنجذب إليها قلوب الناس. ولكن رغم كل ذلك لم تقف دعوة الإسلام من الانتشار. وليس مرجعه كون المسلمين على طريقة مثلى في الحياة تستهوي الناس إلى دينهم، بل الذين يعتنقون الإسلام من غير المسلمين لا يعتنقونه إلا بعد أن يتأكدوا أن الإسلام ليس الذي يتمثل في واقع المسلمين، وإنما الإسلام الحقيقي هو الذي جاء به محمد وأصحابه. ثم إنما يوجد اليوم في واقع المسلمين من بعض السمو والنظافة وجوانب الخير في تفكيرهم وأعمالهم وسلوكهم وخلقهم فليس كل ذلك إلا البقية الباقية من الآثار التي تركها الإسلام فيهم، ولا تزال تعمل عملها على مرور أربعة عشر قرنا. وبكلمة أخرى: إن المرحلة الأولى من تاريخها كانت تبلغ من حيويتها درجة استحال معها أن يزول أثر طابعها على التاريخ. بل إن الحيوية التي تشاهدونها اليوم في العمل الإسلامي هي ناتجة عن تلك الحركة المثالية التي أنشأها الإسلام في أولى مراحله.[2] اهـ.

            فانظر وتأمل قوله هنا: وما انفك الإسلام يشع بنوره على العالم من عصر الخلافة الراشدة إلى هذا اليوم، ولم يبق صقع من أصقاع العالم إلا وقد تغلغلت إليه أشعته!

            ويؤكد أن المرحلة الأولى من تاريخنا بلغت من حيويتها وقوة تأثيرها درجة استحال معها أن يزول أثر طابعها على التاريخ!

            كما يؤكد أن الحيوية التي نشاهدها في العمل الإسلامي اليوم، هي من آثار تلك الحركة المثالية التي أنشأها الإسلام في أولى مراحله.

            بهذا يؤكد ما جاء في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي وابن حبان وغيرهم: أن النبي قال: "مثل أمتي كالمطر: لا يدرى أوله خير أم آخره".[3]

            كثرة الملوك الصالحين في عصور الملكية الإسلامية:

            ومع شدة الأستاذ المودودي عل المرحلة التي سماها (المرحلة الملكية) من تاريخنا، وما حدث فيها من تغير في الحياة الإسلامية، من قلة النماذج الإسلامية الرفيعة من المسلمين، ومن إهمال الدعوة إلى الإسلام، وتحويل الدولة الإسلامية إلى دولة جباية لا دولة هداية، على خلاف ما قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز: أن الله بعث رسوله هاديا، ولم يبعثه جابيا!

            على الرغم من هذا اعترف المودودي بكثرة الملوك الصالحين والأتقياء في التاريخ الإسلامي، فقال: (ومما لا يستحق الجدل أن عصر الملكية في التاريخ الإسلامي لا يقاس أبدا بعصور الملكية في تاريخ الشعوب الأخرى، لأن الملكية في تاريخنا الإسلامي مع ما جاءت به مشحونة بكثير من السيئات والويلات، إلا أنك لن ترى عبر التاريخ الإسلامي تلك العصور المظلمة التي هي علائم بارزة في تاريخ الأمم الأخرى. ولا أملك نفسي في هذه المناسبة إلا لأسجل إعجابي واستحساني لما توافر في التاريخ الإسلامي من الملوك الأتقياء الصالحين، وما استطاع أي شعب أن ينجب هذا العدد الوفير من الملوك الصالحين).[4]

            وإن عاب عليهم: أنهم لم يقوموا بأمر الدعوة إلى الإسلام، كما ينبغي، وهذا أمر عام في التاريخ الإسلامي كله، وجب أن يبحث على حدة.

            قضية الحاكمية وما أثارته من جدل:

            ومما عيب على الأستاذ المودودي: أنه أول من نادى بفكرة (الحاكمية) التي اقتبسها منه الشهيد سيد قطب، ويحملون هذه الفكرة وزر (التكفير) وجماعاته، كما أنها قديما كانت سبب فتنة الخوارج الذين قالوا: لا حكم إلا لله!

            صحيح أن قضية (الحاكمية) قد ألح عليها الأستاذ المودودي إلحاحا بينا، حتى تكاد تعتبر هي المحور المركزي الذي يدور حوله كثير من أفكاره ونظراته.

            والفكرة في ذاتها إسلامية أصولية صحيحة، وقد سبق أن قررها علماء أصول الفقه من قرون، فها نحن نجد إماما مثل أبي حامد الغزالي يتحدث في مقدمات كتابه الشهير (المستصفى من علم الأصول) عن (الحكم) الذي هو أول مباحث العلم، وهو عبارة عن خطاب الشرع، ولا حكم قبل ورود الشرع، وله تعلق بالحاكم وهو الشارع، وبالمحكوم عليه وهو الملكف، وبالمحكوم فيه وهو فعل المكلف.. ثم يقول: وفي البحث عن الحكم يتبين أن (لا حكم إلا لله) وأنه لا حكم للرسول، ولا للسيد على العبد، ولا لمخلوق على مخلوق، بل كذلك ذلك حكم الله تعالى ووضعه لا حكم لغيره.[5]

            ثم يعود إلى الحديث عن (الحاكم) وهو صاحب الخطاب الموجه إلى المكلفين، فيقول: أما استحقاق نفوذ الحكم فليس إلا لمن له الخلق والأمر، فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه، ولا مالك إلا الخالق، فلا حكم ولا أمر إلا له. أما النبي ، والسلطان والأب والزوج، فإذا أمروا وأوجبوا لم يجب شيء بإيجابهم، بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم. ولولا ذلك لكان كل مخلوق أوجب على غيره شيئا كان للموجب عليه أن يقبل عليه الإيجاب، إذ ليس أحدهما أولى من الآخر، فإذن الواجب طاعة الله تعالى، وطاعة من أوجب الله تعالى طاعته".[6]

            إن إثبات (الحاكمية) لله: أمر مقرر في الإسلام، وانفراد الله تعالى بالحاكمية لخلقه أحد عناصر التوحيد التي قررها القرآن، وخصوصا في (سورة الأنعام) وهي ثلاثة عناصر أساسية:

            1- ألا يبتغي غير الله ربا (قل أغير الله أبتغي ربا وهو رب كل شيء؟) الأنعام: .

            2- ألا يتخذ غير الله وليا (قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض؟) الأنعام: .

            3- ألا يبتغي غير الله حكما (أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا؟) الأنعام: .

            إلى عدد من الآيات الأخرى التي تثبت له الاختصاص بالحكم سبحانه، وتنفيه عن غيره، كقوله تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [الأنعام:57] إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ [يوسف: 40] وَاللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41] وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف: 24] لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:70] الْحُكْمُ للهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر: 12].

            وإن كان (الحكم) في الآيات الأخيرة قد يراد به (الحكم الكوني) أي التصرف المطلق في الكون، بحيث إذا قضى أمرا قال له: كن، فيكون. لا (الحكم الأمري) التشريعي، وهو المراد من كلمة (الحاكمية).

            وعلى كل حال إذا كان المراد من الحاكمية: السيادة والهيمنة التشريعية العليا والمطلقة، التي تملك وحدها الأمر والنهي، والإذن والمنع، والتحليل والتحريم، والإلزام والإيجاب، فهذه لا شك أنها لله وحده، فهو الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وله وحده أن يكلف خلقه بما يشاء، ويعفيهم مما شاء.

            وأما إن كان المراد بهذه (الحاكمية): منع البشر من التقنين مطلقا، ورفض أي حاكمية بشرية مقيدة، كما كان رأي الخوارج الساذج قديما، حينما رفضوا التحكيم بين المسلمين فيما تنازعوا فيه، وقالوا: لا حكم إلا لله، واتهموا الإمام المرتضى عليا رضي الله عنه، بأنه حكَّم الرجال في دين الله، إن كان هذا هو المراد بالحاكمية، كما قد يفهم أحيانا من بعض عبارات العلامة المودودي، فهو أمر مرفوض. وقد رد حبر الأمة ابن عباس على الخوارج، وحاجهم بكتاب الله الذي شرع التحكيم بين الزوجين إذا خيف شقاق بينهما، وفي قتل المحرم للصيد (يحكم به ذوا عدل منكم) المائدة: .

            ويجب على الدراس المنصف هنا: أن يضم كلام المودودي بعضه إلى بعض، ولا يكتفي بكتاب عن آخر، ولا بفترة من أخرى، فربما صنف بعض الكتب والرسائل وهو في سن الشباب الدافق المتحمس، قبل تقسيم الهند وظهور دولة باكستان الإسلامية، وقبل اكتمال نضجه وتجربته. فقد كتب رسالة (موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه) في سنة 1940م وهي في الأصل مقالة مطولة نشرت في مجلة (الفرقان) في عددها الخاص بذكرى الإمام المجدد ولي الله الدهلوي (ت 1176هـ).

            انظر ما قاله المودودي بصراحة في كتابه عن (الحكومة الإسلامية) عن التشريع ودور الأمة فيه. فبعد أن تحدث عن الحاكمية ومعناها قال:

            نطاق التشريع:

            قد يظن البعض حين يسمع هذه الحقائق الرئيسية أن الدولة الإسلامية بهذه الصورة لا مجال فيها أمام الإنسان على الإطلاق لقيامه بالتشريع والتقنين. لأن الله في هذه الدولة هو المشرع الوحيد، ولا عمل للمسلمين سوى اتباع قانونه وتشريعاته التي قدمها لهم الرسول عليه الصلاة والسلام.

            غير أن الإسلام في الواقع لم يغلق باب التشريع تماما في وجه الإنسان، وإنما حدده وضيق إطاره بأن جعل الحاكمية والسيادة للقانون الإلهي. فما هي الدائرة التي يقوم الإنسان فيها بالتشريع في ظل هذا القانون الأعلى؟ هذا ما سأوضحه باختصار فيما يلي:

            توضيح الأحكام:

            ثمة قسم من أمور الحياة الإنسانية أصدر القرآن والسنة فيه حكما قاطعا، أو وضعا له قاعدة خاصة، وفي مثل هذه الأمور لا يستطيع أي فقيه أو قاض أو مشرع أن يغير ما صدر فيها من أحكام، أما تقرر لها من قواعد. لكن هذا لا يعني أن الإنسان لا يستطيع التحرك في ميدان التشريع في هذه الأمور، فدائرة عمله فيها أن يعرف جيدا الحكم الصادر، ثم يحدد ويعين مفهومه وأصله، ويتحقق من الظروف والحالات التي يختص بها هذا الحكم، ثم يستخرج بالفعل الأشكال والصورة التي ينطبق فيها هذا الحكم على ما قد يقع من المسائل مستقبلا، ويقوم بوضع الدقائق والتفاصيل الجزئية لمجمل الأحكام والقواعد في الحالات الاستثنائية.

            القياس:

            كما تضم حياة الإنسان قسما آخر، يشمل المسائل التي لم تُدْل الشريعة فيها بحكم، لكنها أصدرت حكما في أمور تشابهها. وممارسة التشريع في هذا القسم تكون بفهم أسباب الأحكام وعللها فهما دقيقا، وتنفيذها في الأمور التي تكمن فيها نفس العلل والدواعي، وتحديد ما هو مستثنى من هذه الأمور وما يخلو حقيقة من أسباب الحكم ودواعيه.

            [وهذا هو ما يطلق عليه الفقهاء: اسم (القياس) وهو: إلحاق الشيء الذي لم ينص عليه بشبهه المنصوص عليه إذا اشتركا في العلة، ولم يوجد بينهما فارق معتبر].

            الاستنباط:

            كما أن هناك قسما ثالثا، لم تبين فيه الشريعة أحكاما بعينها، وإنما أعطت في شأنه بعض المبادئ العامة الجامعة، أو بيّن الشارع المستحب المطلوب فعله، والمكروه الذي ينبغي منعه وإزالته. ومهمة التشريع في هذه الدائرة: فهم مبادئ الشريعة وأصولها في هذه المسائل، وكذلك قصد الشارع مما قرره من مبادئ، ثم وضع القوانين في الأمور الواقعية الفعلية بحيث تُبنى على ما أوضحته الشريعة من أصول ومبادئ، وبحيث يتحقق منها قصد الشارع وهدفه.

            دائرة التشريع الحر:

            كذلك ثمة قسم من حياة الإنسان سكتت الشريعة عنه تماما، فليس فيه حكم صريح أو قياسي أو مستنبط. وهذا المسكوت في حد ذاته دليل على أن الحاكم الأعلى أعطى الإنسان حق إبداء رأيه في أمور ومسائل هذا القسم.

            ومن ثم يمارس الإنسان التشريع فيها بحرية تامة، شريطة أن يتطابق ما يشرعه ويتلاءهم مع روح الإسلام ومبادئه العامة، ولا يشذ في مزاجه عن مزاج الإسلام العام، الذي يكسو نظام الحياة الإسلامي ويسوده.

            الاجتهاد:

            إن التشريع الذي يحرك نظام الإسلام القانوني وينميه ويضيف إليه بمرور وتطور ظروف الزمن وحالاته: إنما يتم عن طريق بحث علمي خالص، وتحقيق عقلي دقيق. ويسمى بالاصطلاح الإسلامي (الاجتهاد). والمعنى اللغوي لهذا اللفظ: (بذل قصارى الجهد في إنجاز عمل ما)، ولكن معناه الاصطلاحي: (بذل قصارى الجهد لمعرفة حكم الإسلام وهدفه في مسألة معينة).

            وقد استعمل البعض اصطلاح (الاجتهاد) خطأ في معنى حرية استخدام الرأي، بيد أن أي إنسان يقف على نوعية القانون الإسلامي، هيهات أن يقع في خطأ القول بأن مثل هذا النظام القانوني يتسع لأي نوع من الاجتهاد الحر تماما، إذ يشكِّل القرآن والسنة نواة هذا النظام وأصله. ولا بد لمن يمارس التشريع: إما أن يتخذ هذا الأصل (الكتاب والسنة) أساسا للتشريع، أو أن يظل داخل إطار تلك الحدود التي تتاح له فيها حرية إعمال رأيه. أما ما يحدث من اجتهاد بعد الاستغناء عن هذا الأصل، فهو ليس اجتهادا إسلاميا، ولا مكان له في نظام الإسلام القانوني.[7]

            ويؤكد المودودي:

            أن الاجتهاد الصادر عن تأويلا، وتفاسير عشوائية ـ دون مراعاة لهذه الاحتياطات والشروط ـ من المستحيل أن يقبله ضمير المسلمين الاجتماعي أو أن يصبح جزءا حقيقيا من نظام الإسلام القانوني. حتى ولو صار في منزلة القانون عن طريق القوة السياسية، وسرعان ما يلقى به في سلة المهملات، بمجرد الإطاحة بالقوة السياسية التي نفذته.

            كيف تصبح للاجتهاد منزلة القانون؟:

            ويعرض الأستاذ المودودي هنا لمسألة هامة، وهي: كيف تصبح الاجتهادات الفقهية قانونا، أو لها منزلة القانون؟ وأجاب بقوله:

            توجد في نظام القانون الإسلامي عدة حالات صارت لبعض الاجتهادات فيها منزلة القانون.

            الأولى: ما يجمع عليه كافة أهل العلم في الأمة.

            والثانية: الاجتهادات الشخصية أو الجماعية التي يبدأ الناس من أنفسهم في اتباعها، بعد أن تلقى بينهم قبولا عاما، ومثال ذلك اتخاذ بعض المدن الإسلامية الكبرى: الفقه الحنفي أو الشافعي أو المالكي أو الحنبلي قانونا لها.

            والثالثة: الاجتهادات التي اعترفت بها أية حكومة إسلامية، وأقرتها قانونا لها، مثلما اتخذت الدولة العثمانية الفقه الحنفي قانونا لها [ودون ذلك في مجلة (الأحكام)].

            والرابعة: الاجتهادات التي تقوم بها أية مؤسسة إسلامية ذات صفة دستورية في مجال السياسة.

            أما ما يقوم به العلماء من اجتهادات ـ عدا هذه الحالات ـ فلا يتعدى منزلة الفتاوى.

            والأحكام التي يصدرها القضاة لا بد من تنفيذها كقوانين في قضايا خاصة، ولها صفة السوابق والنمطية Precedents لكنها ليست قوانين بالمعنى الكامل الصحيح. وحتى أحكام وأوامر الخلفاء الراشدين التي كانوا يصدرونها بوصفهم قضاة لم يكن يعترف بها قوانين في الإسلام، لأن نظام القانون الإسلامي يخلو من وجود قوانين من صنع القضاة Judge Made Law.[8]

            أعتقد أننا وجدنا المودودي ـ في هذه النقول التي أوردناها ـ ينظر إلى موضوع الحاكمية نظرتنا إليها، ويتيح للعقل المسلم أن يكون له دور في التشريع أو التقنين للأمة عن طريق الاجتهاد، الذي لا زال بابه مفتوحا لأهله في محله.

            وإنما يغلق في وجوه الدخلاء الذين ليسوا أهلا للاجتهاد، أو الذين يخرجون عن دائرة ما يسوغ الاجتهاد فيه، إلى الدائرة المغلقة التي لا تقبل الاجتهاد، لأنها دائرة (الثوابت) القطعية التي حسمتها النصوص المحكمات.

            وقد لخص المودودي (مبادئ التشريع) في الإسلام في هذه العبارة الموجزة:

            "ما كان من العبادات فأدوه، ولا تبتدعوا طريقا للعبادة. أما في مجال المعاملات، فما صدر فيه حكم فأطيعوه ونفذوه، وما نهيتم عنه فانتهوا، وما اختار الشارع (الله ورسوله) الصمت إزاءه، فأنتم أحرار في أمره، بما يتفق ونظرتكم الصائبة، على ألا تشذوا فيه عن روح الإسلام العامة".[9]



            --------------------------------------------------------------------------------

            [1] موجز تاريخ تجديد الدين ص49، 50.

            [2] انظر: رسالة (الإسلام اليوم) ص 20-25. نشر الدار السعودية.

            [3] رواه أحمد والترمذي والطيالسي عن أنس، وأحمد وابن حبان عن عمار، وأبو يعلى عن علي، والطبراني عن عمر وابن عمرو. وذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير بدرجة صحيح (5854).

            [4] الإسلام اليوم ص30.

            [5] المستصفى (1/8) ط. دار صادر ببيروت. مصورة عن طبعة بولاق.

            [6] المستصفى (1/83) وفي فواتح الرحموت: مسألة: لا حكم إلا من الله تعالى، بإجماع الأمة لا كما في كتب بعض المشايخ: أن هذا عندنا، وعند المعتزلة: الحاكم العقل. فإن هذا مما لا يجترئ عليه أحد ممن يدعي الإسلام، بل إنما يقولون: إن العقل معرف لبعض الأحكام الإلهية، سواء ورد به الشرع أم لا. وهذا مأثور عن أكابر مشايخنا أيضا (يعني الماتريدية) ص 25 مع المستصفى.

            [7] الحكومة الإسلامية ص173-175.

            [8] الحكومة الإسلامية ص 179،178.

            [9] الحكومة الإسلامية ص184.
            {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

            وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

            Comment

            • فخر الدين المناظر
              محاور - رحمه الله
              • Mar 2006
              • 1636

              #21
              استهلال


              (اللهم باسمك نبتدي، وبهديك نهتدي، وبك يا معين نسترشد ونستعين، ونسألك أن تكحل بنور الحق بصائرنا، وأن تجعل إلى رضاك مصايرنا، نحمدك على أن سددت في خدمة دينك خطواتنا، وثبت على صراط الحق أقدامنا.

              ونصلى ونسلم على نبيك الذي دعا إليك على بصيرة، وتولاك فكنت وليه ونصيره، وعلى آله المتبعين لسنته، وأصحابه المبينين لشريعته.

              اللهم يا ناصر المستضعفين انصرنا، وخذ بنواصينا إلى الحق، واجعل لنا في كل غاشية من الفتنة: رداء من السكينة، وفي كل داهمة من البلاء: درعا من الصبر، وفي كل داجية من الشك: علما من اليقين، وفي كل نازلة من الفزع: واقية من الثبات، وفي كل ناجمة من الضلال: نورا من الهداية، ومع كل طائف من الهوى: رادعا من العقل، وفي كل عارض من الشبهة: لائحا من البرهان، وفي كل ملمة من العجز: باعثا من النشاط، وفي كل مجهلة من الباطل: معالم من الحق واليقين، ومع كل فرعون من الطغاة المستبدين: موسى من الحماة المقاومين)[1].

              أما بعــد

              فهذه صحائف كتبتها للملتقى الفكري الذي دعت إليه جمعية علماء المسلمين في الجزائر، لإحياء ذكرى الإمام: محمد البشير الإبراهيمي، علامة الجزائر، ولسانها الناطق بالحق، وسيفها القاطع لعنق الباطل، وقلبها النابض بحرارة الإيمان، ونجمها الثاقب الذي يهدى الحائرين، وينقضّ رجماً للشياطين.

              وذلك بمناسبة مرور أربعين سنة على وفاته رحمه الله، وتقبله في الصالحين، والأئمة العاملين الصادقين.

              وشكر الله لجمعية العلماء ما صنعت، فهذا ما يوجبه الوفاء والعرفان بالجميل، وبر الأبناء للآباء، وتقدير الأخلاف للأسلاف، وبناء اللاحق على ما أسسه السابق، وبهذا تتواصل الأجيال، ويكمل بعضها بعضاً، فالأمة في أجيالها المختلفة: سلسلة متكاملة الحلقات، يتصل بعضها ببعض، ويستفيد بعضها من بعض، ويدعو المتأخر للمتقدم، على نحو ما علمنا القرآن بعد أن حدثنا عن المهاجرين والأنصار، ثم قال: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ[الحشر:10].

              ولقد لقيت العلامة الإبراهيمي مرة أو مرتين - لا أتذكر- في القاهرة واستمعت إليه وأعجبت به، كما أعجب به كل من شهده وسمعه.

              وقد كان الشيخ إذا تحدث يتدفق كأنه البحر الثجاج، ويتألق كأنه السراج الوهاج، وأشهد أنه شد الحاضرين جميعاً بيانه الناصع، وخطابه الرائع، وسعة اطلاعه على الأدب والتاريخ، واستشهاده بحكم البلغاء، وروائع الشعراء، ووقائع المؤرخين.

              ولقد جاءتني دعوة جمعية العلماء، ورئيسها صديقنا العزيز الشيخ عبد الرحمن شيبان، الذي عرفناه في ملتقيات الفكر الإسلامي في الثمانينات من القرن العشرين: أخاً كريما، وصديقاً حميماً، قبل أن نعرفه وزيراً للشؤون الدينية، ورئيساً للملتقيات الإسلامية. .. جاءتني الدعوة وأنا في شغل شاغل، وزحمة في المطالب والواجبات، وضيق في الأوقات، وهذه مشكلة أمثالي، ولا يعين على حلّها إلا الله تعالى، فمنه نستمد، وعليه نعتمد، وبه نعتصم: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران:101].

              ولم يسعني إلا أن ألبي الدعوة من أجل الجزائر، ومن أجل صاحب الذكري، ومن أجل صاحب الدعوة، فلكل واحد من هؤلاء الثلاثة حق عليّ لا أملك أن أتخلى عنه. فلا غرو أن كتبت هذه الصحائف على عجل، وفاء بحق هذا الرائد العظيم، وهذا المصلح الكريم، وإن لم نوفه حقه، ولم نشف الغليل مما كنت أريد، ولكن القليل خير من العدم فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ [البقرة:265].

              رحم الله الشيخ الإبراهيمي، ورحم الله ابن باديس، ورحم الله علماء الجزائر، وشهداء الجزائر، وبارك الله في شعب الجزائر، وحفظه من كل سوء.

              وحفظ عليه وحدته وأخوته، وجعل يومه خيرا من أمسه، وغده خيرا من يومه. آمين.

              الفقير إلى الله تعالى

              يوسف القرضاوي



              --------------------------------------------------------------------------------

              [1] - مقتبس من افتتاحية الإمام الإبراهيمي: نشرت في العدد 1 من جريدة البصائر سنة 1947م.
              {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

              وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

              Comment

              • فخر الدين المناظر
                محاور - رحمه الله
                • Mar 2006
                • 1636

                #22
                مقومات الفكر الإصلاحي

                عند الإمام محمد البشير الإبراهيمي

                الإمام محمد البشير الإبراهيمي: أحد أئمة الإصلاح والتجديد في العصر الحديث، ومن عايشه واستمع إليه خطيباً ومحاضراً ومدرساً ومحدثاً، أو قرأ مقالاته وبحوثه كاتباً مبدعاً، وباحثاً متعمقاً، سواء قرأ ذلك في حياته أم بعد مماته: أدرك تمام الإدراك أننا أمام رجل مصلح يعرف ماذا يريد من إصلاح لوطنه وشعبه وأمته ؟ وكيف الطريق إلى تحقيق ما يريد ؟ ويملك من الأدوات والمؤهلات (العقلية والعلمية والنفسية والخلقية والبيانية): ما يُمَكنه من تحقيق هدفه الذي يصبو إليه.

                ولا يستطيع دارس أن يعرف حقيقة الدور الذي قام به الإبراهيمي – العالم المربي المصلح الثائر المجاهد – إلا إذا عرف دور (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) وما قامت به في الجزائر من إحياء لما مات، ومن تجديد لما رث، ومن تجميع لما افترق، ومن بناء لما تهدم، ومن تطهير لما تلوث. وقد كان البشير الإبراهيمي شريكاً مع مؤسس الجمعية، وباني النهضة الجزائرية الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس، فقد كان نائبه في حياته، وخليفته بعد وفاته.

                وحديث الإبراهيمي عن ابن باديس: حديث الأخ المعجب بأخيه، والمرؤوس المزهو برئيسه، والصديق الوفيّ لصديقه، الذي جعله شيخاً له وإماماً في العلم والعمل والخلق والدعوة والتربية والجهاد.

                ومن تأمل في سيرة الإمام الإبراهيمي، وفي تراثه الأدبي والفكري: تبين له بوضوح وجلاء: خطه الإصلاحي، ومنهجه التجديدي.

                ونستطيع أن نجمل مقومات الفكر الإصلاحي والتجديدي عند البشير الإبراهيمي في هذه النقاط أو المحاور:

                1- الإسلام والعروبة: أساساً ومنطلقاً.

                2- الوحدة والحرية (أو التوحيد والتحرير): محوراً وهدفاً.

                3- التوعية والتربية: منهاجاً وطريقاً.

                4- العمل الجماعي: ضرورة وشرطاً.

                5- الأمة العربية والإسلامية: ساحة وميداناً.
                {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

                وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

                Comment

                • فخر الدين المناظر
                  محاور - رحمه الله
                  • Mar 2006
                  • 1636

                  #23
                  (1)

                  الإسلام والعروبة: أساساً ومنطلقاً



                  كان الإسلام هو المرجعية الأولى، بل المرجعية الوحيدة للإبراهيمي وجماعته وهو أمر طبيعي لا غرابة فيه ولا دهشة منه، بل الغريب أن تكون له مرجعية أخرى غير الإسلام.

                  فالرجل عالم مسلم، حفظ القرآن منذ صباه، وقرأ الحديث، ودرس التوحيد والفقه والأصول، وسائر علوم الإسلام، ونبغ فيها، وأمسى معلما لها، وداعيا إليها، فلا يتصور منه أن يتخذ مرجعا غير الإسلام.

                  ولكن ما مفهوم الإسلام الذي يؤمن به الشيخ ويدعو إليه، ويزود عنه شبهات المرتابين وأكاذيب المفترين ؟.

                  إنه ليس الإسلام الذي شابته شوائب الأزمنة والأمكنة، والأعراف المتباينة، فكدرت صفاءه، وغبشت ضياءه. إنه ليس للإسلام مذهب من المذاهب، ولا طائفة من الطوائف، ولا قطر من الأقطار، ولا عصر من الأعصار. إنه (الإسلام الأول) إسلام القرآن الكريم، والسنة الصحيحة. إسلام الرسول الكريم وصحابته الميامين، وتلاميذهم الأخيار من التابعين.

                  إنه إسلام القوة لا الضعف، وإسلام التجديد لا الجمود، وإسلام الحرية لا القيود، وإسلام القوة والكرامة، لا الذلة والمهانة ! ولقد حرص الإبراهيمي على أن يبين باستمرار رسوخ الإسلام في الجزائر رسوخ الجبال الشم، وأنه أصل أصول حياتها، وأنه منها بمثابة الروح من الجسد. إذا انفصل أحدهما عن الأخر فمعناه الموت.

                  يقول في مقالة له: (إن الإسلام في الجزائر ثابت ثبوت الرواسي، متين القواعد والأواسي، قد جلا الإصلاح حقائقه فكان له منه كفيل مؤتمن، واستنارت بصائر المصلحين بنوره فكان له منهم حارس يقظ، وعاد كتابه (القرآن) إلى منزلته في الإمامة فكان له منه الحمى الذي لا يطرق، والسياج الذي لا يخرق)[1]

                  الإسلام الذي يدعو إليه الإبراهيمي:

                  وطالما شرح الإمام الإبراهيمي هذا الإسلام العظيم بقلمه الفياض، وعباراته المشرقة، فجلى أسراره، وجسد آثاره، وكشف اللثام عن عقيدته الحنيفية، وعن شريعته السمحة، وعن قيمه الملائمة للفطرة، المهذبة للغريزة، التي تسمو بالإنسان حتى يتميز عن الحيوان.

                  اقرأ له هذه القطعة، التي يتحدث فيها عن الإسلام دين التحرير، فيقول[2]:

                  (إن الإسلام هو " دين التحرير العام "، فنرسل هذا الوصف إرسالاً بدون تحفظ ولا استثناء، لأنه الحق الذى قامت شواهده، وتواترت بيناته، ومن شواهده وشهوده: تلك الأجيال التى صحبت محمداً وآمنت به، واتبعت النور الذي أنزل معه، ثم الذين صحبوهم، ثم الذين اتبعوهم بإحسان.

                  ونحمد الله على أن العلاقة بين الألفاظ ومعانيها لم تنقطع عند جميع العقلاء من أجناس البشر، والعقلاء هم حجة الله على من سواهم، وما زال الخير يسمى خيراً، والشر يسمى شراً، والفضيلة فضيلة، والرذيلة رذيلة، فالسارق يسرق وهو يعتقد أنه متعد على مال الغير، والمتبع لخطوات الشيطان لا يقول: رضي الله عن إبليس، وإنما يقول: لعنة الله، وأن هذه لمن أسرار فطرة الله التى فطر خلقه عليها، يواقعون الشر ولا يسمونه خيراً، فيسجلون بذلك الشهادة على أنفسهم، إلا المطبوع على قلوبهم، الفاقدين للشعور، كالذين إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض. قالوا: إنما نحن مصلحون، وكصرعى التقليد للحضارة الغربية الذين استرقتهم الشهوات فاستباحوا المحرمات باسم الحرية. وكالمسيرين للدول الغربية، أسكرتهم القوة فبغوا على الضعفاء وسلبوا أوطانهم، وسموا بغيهم استعماراً.

                  إن من الظلم والحيف والغش والفساد في الأرض تسمية الأشياء بغير أسمائها، لأنه قطع للأسباب عن مسبباتها وقد قيل في قوله تعالى: وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ[البقرة: 27]، أن منه قطع الدوالي عن مدلولاتها، وأن أعظم شرور هذه الحضارة الغربية أنها فتحت الباب لهذا النوع من المسخ وشجعت عليه، فأفسدت الفطرة - والضمير الذي سماه محمد - - (وازع الله في نفس المؤمن) والتحرير الذي جاء به الإسلام شامل لكل ما تقوم به الحياة وتصلح عليه كل المعاني والأشخاص، والدين الإسلامي لا يفهم التحرير بالمعنى الضيق، وإنما يفهمه على أنه كل إطلاق من تقييد، أو تعديل لوضع منحرف، أو انصاف لضعيف من قوى، أو نقل شئ من غير نصابه إلى نصابه، قالت أسماء بنت أبي بكر حينما بعث لها أبوها بجارية تقوم لها بعلف الفرس: فكأنما أعتقني.

                  الإسلام دين التحرير العام:

                  حرر الإسلام العقل وجميع القوى التابعة له في النفوس البشرية، والعقل هو القوة المميزة للمتضادات والمتنافرات التي بنى عليها هذا العالم، كالصلاح والفساد، والخير والشر، والنفع والضر، ولذلك جعل مناطا للتكاليف الدينية والدنيوية، وقد يطرأ عليه ما يطرأ على الموازين المادية من الاختلال فيتعطل أو ينعكس ادراكه، والإسلام يعلو بتقدير العقل والفكر إلى أعلى درجة، ويقرر أن ادراك الحقائق العليا في الدين أو الكون إنما هو حظ العقول الراجحة والأفكار المسددة، وأن العقول المريضة والأفكار العقيمة تنزل بصاحبها إلى الحيوانية بل إلى أحط من الحيوانية، ففي القرآن العظيم لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ[الأعراف: 179].

                  ولهذه المنزلة التي وضع الإسلام العقل فيها حماه من المؤثرات والأمراض والعوائق، وأحط دركة يرتكس فيها العقل هي الوثنية، فهي أكبر معطل له عن أداء وظيفته حين لا يسمو إلى الجولان في العوالم الروحية وحين تفتنه بالماديات بظواهرها من طريق الجوارح الحسية.

                  أعلن الإسلام من أول يوم حربا شعواء على الوثنية بجميع أنواعها، وهي أشد ما كانت سلطانا على النفوس، وتغللا فيها، وإفسادا لفطرة الخير واطفاء لنورها، حتى اجتثها ومحا آثارها من النفوس والآفاق، وعمر مكانها بالتوحيد، أتدرون السر في تلك الحملات على الوثنية ؟ هو تحرير العقل من نفوذها وسلطانها حتى يواجه أمانة الدين الجديد صحيحا معافى، ويؤدي الوظيفة التي خلق لأدائها، وما هدم أصحاب محمد الأصنام بأيديهم إلا بعد أن هدم محمد الوثنية في نفوسهم، وبعد أن بنى عقولهم من جديد على صخرة التوحيد، ولولا ذلك لما أقدم خالد على هدم طاغية ثقيف.

                  وحررت الخلطاء بعضهم من بعض بما شرعه الله من أحكام عادلة تقوم بالقسط، وترفع الحيف والظلم، ووقف بكل واحد عند حده، وحفظ له حقوقه.

                  فحد الحدود بين المرأة والرجل، وبين المحكوم والحاكم، وبين الفقير والغني، وبين العبيد والسادة، وبين العمال وأصحاب المال، وهذه الأنواع من التحرير تناولتها النصوص القطعية من القرآن والأحاديث، واكتنفتها في طلب النصوص مؤثرات من الترغيب والترهيب تزيدها قوة ورسوخا في النفس فأما تحرير المحكومين من الحاكمين فلا مطمع أن يأتي فيه على وجه الدهر ما جاء به الإسلام من شرائع العدل والإحسان والشورى والرفق والرحمة وعدم المحاباة حتى في النظرة والكلمة والمجلس.

                  وأول ما يسترعي النظر من ذلك سيرة محمد – – وأقضيته في حياته وما أدبه به ربه من مثل قوله: وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ [المائدة: 49] قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ[الأنعام: 66] وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ[ق: 45] ثم سيرة الخلفاء الراشدين في الحكم فإنها كانت مثالا من أحكام النبوة التي هي وحي يوحى، وأن الأمثلة التي ضربها عمر في إقامة العدل وقوة الاضطلاع، لأمثلة خالدة على الدهر، فاق بها من قبله، وأعجز من بعده، وما أروع قوله: من رأى منكم إعواجا في فليقومه، وأروع منه قول مجيب من أفراد الرعية: لو رأينا فيك إعوجاجا لقومناه بسيوفنا، وأبلغ منهما في الروعة أن يحمد عمر ربه على أن يكون في أمة محمد من يقوم عمر بسيفه.

                  والتشريع الإسلامي متصل الحلقات من العقائد والعبادات إلى الآداب والمعاملات، وكله يرمي إلى غاية واحدة، وهي إنشاء أمة متحدة المبادئ والغايات، متناسقة ما بينها، لتحمل الأمانة كاملة صحيحة إلى الأجيال اللاحقة، وقد تم للإسلام ما أراد عدة قرون، وما زلنا – بحمد الله – نحمل بقايا من ذلك، ولولاها لكنا في الغابرين.

                  وحرر الإسلام الفقير من الغني، فجعل للفقراء حقا معلوما في أموال الأغنياء، ووجه التحرير هنا أن الفقير كان يسأل الغني فيعطيه أو يحرمه تبعا لخلقه من تسهل أو كزازة، فإذا أعطاه شيئا أخذه على أنه مكرمة ممنونة، تجرح نفسه، وإن أشبعت بطنه، ولكن الإسلام ألزم الغني بدفع الزكاة للفقير وسماها حقا معلوما، وتسمية هذا المال حقا لله تشعر الغني بالرضا والتسليم، والاطمئنان إلى أخلاقه ومضاعفته، وترفع عن الفقير غضاضة الاستجداء ومهانة السؤال، وتطهر نفسه مع ذلك من رذيلة الحقد على الغني، وهذا الحقد هو أساس الشيوعية.

                  ومن عجائب الإسلام في إدخال التربية النفسية في الأحكام، أنه لا يأمر بشئ ولا ينهى عن شئ من العمليات إلا بعد أن يمهد للنفس ويعمرها بخوف الله وحده، ويقنعها بالآثار التي تترتب على المأمور به أو المنهي عنه، فإذا جاء دور العمل كانت النفس مطمئنة بالعلم وراضية بالعمل مهما شق، ولهذا كانت عقائد الإسلام وعباداته وأحكامه وآدابه كلها مترابطة وكلها متعاونة على تهذيب المسلم، ولهذا السر أيضا صلح شأن المسلمين الأولين، لأنهم أقاموا الدين كله، عينيا في العينيات، وكفائيا في الكفائيات، وكانوا لا يتهاونون في الصغيرة، احتياطا للكبيرة، ومن أوامر القرآن: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ[الشورى:13].

                  وحرر الإسلام المرأة من ظلم الرجال وتحكمهم فقد كانت المرأة في العالم كله في منزلة بين الحيوانية والإنسانية، بل هي إلى الحيوانية أقرب، تتحكم فيها أهواء الرجال وتتصرف فيها الاعتبارات العادية المجردة من العقل، فهي حينا متاع يتخطف، وهي تارة كرة تتلقف، تعتبر أداة للنسل أو مطية للشهوات، وربما كانت حالتها عند العرب أحسن، ومنزلتها أرفع، يرون فيها عاملاً من عوامل ترقيق العواطف وإرهاف النفس، ودواء لكثافة الطبع وبلادة الحس، ويجدون فيها معاني جليلة من السمو الإنساني، وأشعارهم – على كثرتها – عامرة بالاعتراف بسلطان المرأة على قلوبهم وبشرح المعاني العالية التي يجدونها فيها، ولا عبرة بما شاع عنهم من وأد البنات، فإنه لم يكن عاماً فاشياً فيهم، وتعليله عند فاعليه يشعر أنه نتيجة حب طغى حتى انحرف، وأثر عقل أسرف في تقدير العواقب، لا نتيجة كراهية لنوع الأنثى، وعلى كل حال فالوأد خطأ كبير، وجريمة شنيعة، وشذوذ في أحكام الرجال خارج عن نطاق الإنسانية، وحسبه تسفيه قوله تعالى:أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ[النحل:59].

                  وحرر الإسلام الحيوان الأعجم من الإنسان، وحرم عليه أن يحمله مالا يتيح من الأحمال والأعمال، وأن يجيعه أو يعطشه، فإذا فعل فيه شيئا من ذلك بيع عليه جبرا بحكم الحاكم، وأوصي في الرفق بالحيوان وصايا زاجرة، وفي حديث نبوي أن امرأة دخلت النار بسبب هرة أمسكتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشائش الأرض، وأن امرأة عاصية لله دخلت الجنة بسبب كلب وجدته يلهث عطشاً على حف بئر فأدلت خفها وسقته، وما من شيء تفعله جمعيات الرفق بالحيوان في هذا العصر إلا وقد سبق الإسلام إلى أكمل منه.

                  ربط الإسلام بالعروبة:

                  والإسلام الذي يدعو إليه الإبراهيمي: مختلط بالعروبة اختلاط اللحم بالدم وكأنما عنده مركب كيماوي امتزج فيه العنصران كما امتزج الأكسوجين والهيدروجين فكونا (الماء) الذي جعل الله به كل شيء حي.

                  والعروبة التي يدعو إليها ليست عرقية ولا عنصرية، بل هي عروبة لغة وثقافة، وجوهرها اللسان العربي وهو الذي نزل به القرآن الكريم

                  1. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ [الشعراء: 193، 194، 195].

                  وهو الذي تكلم به الرسول عليه الصلاة والسلام، ورويت به أحاديثه، ودونت به سنته، التي هي المصدر الثاني للإسلام بعد القرآن.

                  والعربية هي لغة الأذان والإقامة، والقراءة في الصلاة، والتلبية في الحج وغيرها.

                  وقد أوجب الإمام الشافعي على كل مسلم أن يتعلم من العربية ما يؤدي به صلاته وعبادته.

                  كما أن القرآن عربي، ومحمد رسول الإسلام عربي، وأصحابه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزله معه: عرب، حتى من لم يكن منهم عربي الأرومة والعرق، فقد تعرب باللسان حين تكلم العربية، وقد روي حديث عن النبي يقول: "إنما العروبة اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي"[3].

                  وأرض العرب هي أرض الإسلام ومهده ومنبته، فيها نشأت الدعوة، وإليها كانت الهجرة، وبها كانت الوفاة، وهي التي ضمت رفاته عليه السلام، والمساجد الكبرى المقدسة في الإسلام والتي لا تشد الرحال إلا إليها في أرض العرب: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى.

                  ويعتبر الشيخ الإبراهيمي أهم مكونات (الذات الجزائرية) إنما هي (الإسلام والعروبة) الإسلام الذي لا يرفض العروبة، مثل إسلام الغلاة، الذين زعموا أن الإسلام يرفض كل القوميات، لا فرق بين قومية عربية، وقومية هندية أو طورانية أو فرعونية أو غيرها. ونسوا خصوصية العروبة وما لها من صلة حميمة بالإسلام، أشرنا إليها.

                  والعروبة التي لا تنفصل عن الإسلام ولا تعتبر نفسها نداً له أو خصماً. مثل عروبة (القوميين) المتعصبين الذين ينصبون حرباً بين العروبة والإسلام، والذين اعتبر بعضهم القومية العربية (ديناً جديداً) أو (نبوة) جديدة والذين قال شاعرهم:

                  بلادك قدمها على كل ملة ومن أجلها أفطر، ومن أجلها صم!

                  سلام على كفر يوحد بيننا وأهـلا وسهـلا بعـده بجهـنـم

                  وطالما أبدأ الشيخ وأعاد، وأفاض وأجاد، حول هذه القضية، ليقنع بها العقول، ويحرك بها العواطف، ويحفز بها العزائم.

                  حماية الإسلام من المتأكلين باسمه:

                  وكان من حرص الشيخ على حماية الإسلام من الدجالين، يصب جام غضبه على أولائك الذين يلبسون لبوس العلماء، ثم هم يعملون لخدمة الإستعمار تحت عنوان الوظائف الدينية: كالإمامة والخطابة والتدريس والفتوى، وهذه هي الكارثة: أن يتحدث باسم الإسلام رؤوس جهال، يُسألون فيفتون بغير علم، فيَضلون ويُضلون أو أسوأ من ذلك: أن يفتوا بما يرضي سادة الاستعمار، وإن أسخط الواحد القهار، وإنما ينتصر الإسلام بالعلماء لا بالعملاء، وبالدعاة لا بالأدعياء.

                  يقول الشيخ: إن المسجد لا يؤدي وظيفته، ولا يكون مدرسة للقرآن، إلا إذا شاده أهل القرآن، وعمروه على مناهج القرآن، وذادوا عنه كل عادية. وما جعل القرآن المساجد لله، إلا لتكون منبعاً لهدايته، وما وصف الذين يعمرون مساجد الله بأنهم لا يخشون إلا الله [4]، إلا ليقيم الحجة على ضعفاء الإيمان ويعزلهم عن هذه المرتبة.

                  وصدق الله وصدق رسوله الذي وصف القرآن بأنه (لا تنقضي عجائبه)! فو الله لكأن هذه الجملة لَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ من هذه الآية بهذا الأسلوب المقيد للحصر بأبلغ صورة نزلت اليوم، وهّاجة بأنوار الرسالة، مطولة بأنداء الوحي، لتكون حجتنا القاطعة على هذا النمط من عمار المساجد الذين يخشون المخلوق ولا يخشون الله [5] .

                  لقد وقفت جمعية العلماء لتذود عن الإسلام في شتى الميادين، كما يذود الأسد عن عرينه، وكما يدافع الحر عن عرضه، وكما يدافع الوالد عن ولده وفلذة كبده.

                  دافعت عنه في ثلاث ميادين في وقت واحد:

                  أ‌- في الميدان الخارجي بما ردت به من شبه الطاعنين، وكفكفت من غلواء المبشرين، وبما أقامت من حصون في وجوه الملحدين.

                  ب‌- وفي الميدان الخاص بالحكومة الجزائرية، وخصوصاً في قضية (فصل الدين عن الحكومة) التي تناولها الشيخ في مقالات عدة تحمل النور والنار، تناولتها بالشرح والتحليل، وبالبيان والتذليل، ولم يهن لها عزيمة، ولا خارت لها في المطالبة قوة، لم يخدعها وعد ولا ردها وعيد.

                  ت‌- وفي الميدان الداخلي: بينها وبين قومها وأبناء ملتها، حتى تعلم الجاهل، واهتدى الضال، وفاء إلى الرشد الغوي.

                  عمل جمعية العلماء لخدمة الإسلام:

                  ويخاطب الشيخ الاستعمار الفرنسي بلغة قوية لا دهن فيها صريحة لا جمجمة فيها، موضحاً ماذا تريده جمعية العلماء وما تعمل من أجل الإسلام والعروبة فيقول: (ياحضرة الاستعمار) إن جمعية العلماء تعمل للإسلام بإصلاح عقائده، وتفهيم حقائقه، وإحياء آدابه وتاريخه، وتطالبك بتسليم مساجده وأوقافه إلى أهلها.

                  وتطالبك باستقلال قضائه، وتسمي عدوانك على الإسلام ولسانه ومعابده وقضائه: عدوانا بصريح اللفظ.

                  وتطالبك بحرية التعليم العربي، وتدافع عن (الذاتية الجزائرية) التي هي عبارة عن (العروبة والإسلام) مجتمعين في وطن.

                  وتعمل لإحياء اللغة العربية وآدابها وتاريخها، في موطن عربي، وبين قوم من الغرب.

                  وتعمل لتوحيد كلمة المسلمين في الدين والدنيا. وتعمل لتمكين أخوّة الإسلام العامة بين المسلمين كلهم.

                  وتذكر المسلمين الذين يبلغهم صوتها بحقائق دينهم، وسير أعلامهم، وأمجاد تاريخهم.

                  وتعمل لتقوية رابطة العروبة بين العربي والعربي ؛ لأن ذلك طريق إلى خدمة اللغة والأدب.

                  فإذا كانت هذه الأعمال تعد – في فهمك ونظرك – (سياسة)، فنحن سياسيون في العلانية لا في السر، وبالصراحة لا بالجمجمة.

                  إننا نعد كل هذا (ديناً) على الحقيقة لا على التوسع والتخيل، ونعده من واجبات الإسلام التي لا نخرج من عهدتها إلا بأدائها على وجهها الصحيح الكامل.

                  ولتعلم أننا نفهم الإسلام على حقيقته ؛ وأننا لا نستنزل عن ذلك الفهم برقية راق، ولا بتهديد مهدد ؛ ولتعلم سلفاً، ولتسلم منطقياً وواقعياً: أننا حين تختلف الأنظار بينك وبين الإسلام، فنحن مع الإسلام، لأننا مسلمون ؛ ولتعلم أن تلك الأعمال تزيدنا مع جلال العلم جلال العمل.

                  لتعلم ما دام الإسلام عقيدةً وشعائر، وقرآناً وحديثاً، وقبلة واحدة، فالمسلمون كلهم أمة واحدة ؛ وما دامت اللغة العربية لساناً وبياناً وترجماناً فالعرب كلهم أمة واحدة ؛ كل ذلك كلما أراد القدر المقدور، والطبيعة المطبوعة، والأعراق المتواصلة، والأرحام المتاشبكة، (فلا إسلام جزائري) [6] كما تريد ولا عنصرية بربرية كما تشاء.

                  ولتعلم – آخر ما تعلم – أن زمناً كنت تسلط فيه المسلم على المسلم ليقتله في سبيلك – قد انقضى وأنه لن يعود 000

                  ولكن ما قولك – أيها الإستعمار – في تدخلك في ديننا، وابتلاعك لأوقافنا، واحتكارك للتصرف في وظائف ديننا، وتحكمك في شعائرنا، وتسلطك على قضائنا، وامتهانك للغتنا ؟

                  ما قولك في كل ذلك – أهو من الدين أم من السياسة ؟

                  وكيف تبيح لنفسك التدخل فيما لا يعنيك من شئون ديننا، ثم تحرم علينا الدخول فيما يعنينا من شؤون دنيانا ؟

                  وهبنا وإياك فريقين، فريق أخضع الدين للسياسة ظالماً، وفريق أدخل السياسة في الدين متظلما فهل يستويان ؟ إننا إذا حاكمناك إلى الحق غلبناك، وإذا حكمتنا إلى القوة غلبتنا؛ ولكننا قوم ندين بأن العاقبة للحق لا للقوة [7]. انتهى.



                  --------------------------------------------------------------------------------

                  [1] العدد 13 السنة الأولى من السلسة الثانية 1947م.

                  [2] من بحث ضاف تحت عنوان: الرق في الإسلام. انظر: آثار محمد البشير الإبراهيمي (4 / 356- 360)

                  [3]- رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (21/407) عن معاذ بن جبل، وقال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم: هذا الحديث ضعيف وكأنه مركب على مالك، لكن معناه ليس ببعيد بل هو صحيح من بعض الوجوه صـ169.

                  [4]- يشير إلى قوله تعالى {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ[التوبة:18].

                  [5]- من مقالة نشرت في البصائر العدد 153 سنة 1921م تحت عنوان: كلمتنا عن الأئمة.

                  [6]- (الإسلام الجزائري) هو غاية كان يعمل لها الإستعمار بجميع الوسائل ليفصل – على مر الزمن – بين مسلمي الجزائر وبين بقية المسلمين، ولكن الله خيبه !

                  [7]- نشرت في العدد (3) من البصائر سنة 1947
                  {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

                  وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

                  Comment

                  • فخر الدين المناظر
                    محاور - رحمه الله
                    • Mar 2006
                    • 1636

                    #24
                    (2)
                    التحرير والتوحيد: محورا وهدفا

                    وكان هدف الشيخ الإبراهيمي من عمله الإصلاحي الكبير الذي بدأه مع ابن باديس ورفقائه في الدرب، هو إعداد الشعب الجزائري المسلم ليوم لا ريب فيه، هو يوم التحرر من الاستعمار الفرنسي الاستيطاني المتغطرس، الذي طال ليله، وطّم سيله.

                    ولن يحرر الوطن الجزائري من نير الاستعمار إلا الشعب الجزائري، ولن يتم ذلك إلا إذا حررنا نفسية الشعب من الخنوع للمستعمر، ومن التبعية لثقافته، ومن اليأس من مقاومته.

                    وحينئذ سيتحول هذا الشعب كله إلى جنود للكفاح، بل إلى أبطال تنشد الجهاد والاستشهاد، حين تُحلّ العقدة، وتتحكم العقيدة، وتتضح الغاية، وتستبين الطريق، وتستحكم العزيمة، ويسود قبل ذلك كله: الإيمان بالله، والثقة بنصره، والإيمان بأن الحق مع الشعب المجاهد، وأن الباطل مع العدو المستعمِر، وأن الحق لا بد أن ينتصر على الباطل. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ [الأنبياء:18].

                    كان لا بد من غرس العزة في الأنفس، واليقين في السرائر، والأمل في القلوب، والبغض للذل والخنوع، والشعور بالسّيادة، والتوق إلى الحرية، وهذا ما فذ بـ(جمعية العلماء) ورجالها منذ تأسيسها، وفي مقدمتهم رئيس الجمعية الأول: الإمام عبد الحميد بن باديس، ونائبه الإمام محمد السيد الإبراهيمي.

                    وكان الإبراهيمي - وهو أديب من الطراز الأول، له طابعه المتميز وأسلوبه الخاص – يرسل قلمه شواظا من نار على الاستعمار ووحشيته، وأساليبه في القهر والإذلال، ومحاولة طمس الهُوية، وتغيير معالم الشخصية الجزائرية.

                    وكانت (البصائر) تحمل دائما ما يجود به قلم الشيخ، من نفحات على الوطن، ولفحات على الاستعمار.

                    التحرير الذي ينشده الإبراهيمي:

                    والتحرير الذي ينشده الإمام الإبراهيمي: تحرير عام شامل، يشمل تحرير الإنسان، وتحرير الأرض، تحرير الفرد، وتحرير المجتمع.. تحرير الرجل، وتحرير المرأة.. تحرير العقل، وتحرير البدن. التحرير من الاستعمار الخارجي، والتحرير من الاستعمار الداخلي.. هذا هو التحرير المنشود للإبراهيمي، وإن شئت قلت: إنه التحرير الذي تنشده جمعية العلماء، فما الشيخ في وقفته إلا لسانها المُعبِر، وعقلها المفكِر، وداعيتها المذكِر.

                    إشاعة كلمة (الحرية) في محيط الشعب:

                    وكانت كلمة (الحرية) من الكلمات المحظورة، التي لا يجوز ذكرها في حديث ولا خطبة، ولا درس ولا محاضرة ولا كتاب. كأنما لا توجد في اللغة أصلا. وكان الاستعمار حريصا على إخفائها وإماتتها، حتى جاء ابن باديس وإخوانه، فأحيوها بعد موتها، ونشروها من قبرها، وأشاعوها بين الناس، وحببّوها إليهم. يقول العلامة الإبراهيمي متحدثا عن سنوات المخاض والتحضير للنهضة الكبرى:

                    (كانت السنوات العشر التي هي أوائل المرحلة الثالثة في تقسيمنا كلها إرهاصات بتكوين جمعية العلماء، وكانت كلمات الوطنية، والإسلام وتاريخه، والحرية والاستقلال، قد وجدت مساغها في النفوس، وممرها إلى العقول، لأنها كانت تخرج من لسان ابن باديس وصحبه العلماء الشجعان، الموثوق بعلمهم ودينهم وأمانتهم، فيرن رنينها في الآذان، ويجاوز صداها إلى الأذهان، بعد أن كانت هذه الكلمات محرمة في فقه الاستعمار، ومهجورة في فقه الفقهاء، الذين نشأوا تحت رهبة الاستعمار، ومجهولة عند بقية الأمة، فكان أول من نطق بها على أنها لغة حيّة صحيحة الاستعمال، هو عبد الحميد بن باديس العالم الديني، واثنان أو ثلاثة من طرازه، ولكن ابن باديس كان يقولها لتلامذته في حِلَق الدرس ليطبعهم عليها، فلما أحس بالنجدة من إخوانه أصبحت هذه (العملة) مطروحة للاستعمال في السوق العامة، ولذلك ارتاع لها الاستعمار وقدر عواقبها الوخيمة عليه، فاحتاط لها بما نشرحه لكم في الفصل الثاني، وهو: أعمال الاستعمار في هذه المرحلة.

                    وكنت على أثر رجوعي واجتماعي بهذا الأخ نتداول الرأي في هذا الموضوع، ونضع مناهجه، ونخطط خططه، ومعنا بعض الإخوان، فأجمعنا في معرض الرأي الفاصل على أننا أمام استعمارين يلتقيان عند غاية.

                    أحدهما: استعمار روحاني داخلي:

                    يقوم به جماعة من إخواننا الذين يُصلّون لقبلتنا باسم الدين، وغايتهم استغلال الأمة، ووسيلتهم صدّ الأمة عن العلم، حتى يستمر لهم استغلالها، وهؤلاء مشايخ الطرق الصوفية التي شوهت محاسن الإسلام.

                    والثاني: استعمار مادي:

                    تقوم به حكومة الجزائر باسم فرنسا، وغايته استغلال الأمة، ووسيلته سد أبواب العلم في وجه الأمة حتى يتم لها استغلالها، والاستعماران يتقارضان التأييد، ويتبادلان المعونة، كل ذلك على حساب الأمة الجزائرية المسكينة، أولئك يضلّونها، وهؤلاء يذلّونها، وجميعهم يستغلّونها!!

                    كنا نتفق على هذا، ولكننا نجمل الرأي في أي الاستعماريين، يجب أن نبدأ بالهجوم عليه، ولم يكن من الصعب علينا الاتفاق على الهدف الأول للهجوم، فاتفقنا على أن نبدأ بالهجوم على الاستعمار الأول وهو الطرق الصوفية، لأنها هي مطايا الاستعمار الفرنسي في شمال أفريقيا ووسطها وغربها، ولولاها لم يتم له تمام.

                    والصوفية أو الطُّرُقية كما نسميها نحن في مواقفنا معها، هي نزعة مستحدثة في الإسلام، لا تخلو من بذور فارسية قديمة، بما أنّ نشأة هذه النزعة كانت ببغداد في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة، واصطباغ بغداد بالألوان الفارسية في الدين والدنيا معروف، وتدسس بعض المتنطعين من الفرس إلى مكامن العقائد الإسلامية لإفسادها، لا يقل عن تدسس بعضهم إلى مجامع السياسة، وبعضهم إلى فضائل المجتمع وآدابها لإفسادها، ومبنى هذه النحلة في ظاهر أمرها التبتل والانقطاع للعبادات التي جاء بها الإسلام، ومجاهدة النفس من طريق الرياضة بفطمها عن الشهوات، حتى تصفو الروح وتَشِف وتَرِق، وتتأهل لمشارفة الملأ الأعلى، وتكون بمقربة من أفق النبوة، وتتذوق لذة العبادة الروحية، وقد افترق النازعون إلى هذه النزعة من أول خطوة فرقا.وذهبوا فيها مذاهب، من القصد الذي يمثله أبو القاسم الجنيد، إلى الغلو الذي يمثله أبو منصور الحلاج، إلى ما بين هذين الطرفين.

                    وكانت لأئمة السنة وحماتها، الواقفين عند حدودها ومقاصدها ومأثوراتها: مواقف مع الحاملين لهذه النزعة، وموازين يزنون بها أعمالهم وآراءهم، وما يبدر على ألسنتهم من القول فيها، ولسان هذه الموازين هو صريح الكتاب وصحيح السنة، وكانت في أول ظهورها بسيطة تنحصر في الخلْوة للعبادة، أو الجلوس لإرشاد وتربية من يشهد مجالسهم، ثم استفحل أمرها فاستحالت علما مستقلا، يشكل معجما كاملا للاصطلاحات، ودونت فيها الدواوين التي تحلل وتشرح، وتصف الألوان الباطنية للنفس، وتبين الطريق الموصل إلى الله، والوسيلة المؤدية للسعادة، وكيفية الخلاص من مضايق هذا الطريق وأوعاره، ثم انتقلت في القرون الوسطى من تلك الأعمال التي تستر أصحابها، إلى الأقوال التي تفضحهم، فخاضوا في شرح مغيبات، وأفاضوا في جدال مكشوف بينهم وبين خصومهم، وكانوا سببا من الأسباب الأصيلة في شق الأمة شقين: أنصار، ومنكرين، وضاعت في هذا الضجيج ثمرة هذه النحلة، وهي رياضة النفس اللجوج على العبادة، وقمع نزواتها البدنية، وأصبحت هذه النحلة أقوالا تدافع، يقولها من لا يفقه لها معنى، فضلا عن أن تصطبغ بها نفسه. والحق في هذه النزعة أنها صبغة روحية مرجوحة في ميزان الشرع وأحكامه، وإنما يقبل منها ما يساير المأثور، ولا يجافي المعروف من هدي محمد وأصحابه، فإن الدين قد تكامل بختام الوحي، والزيادة فيه بعد ذلك كالنقص منه، كلاهما منكر، وكلاهما مرفوض، وما لم يكن يومئذ دينا فليس بدين بعد ذلك.

                    ولكن تلك النزعة التي عفا رَسْمُها، بقي اسمها، ولم يبق بقاء تاريخيا للعظة والاعتبار، وإنما بقي فتنة بين المسلمين، وميدانا لعلمائهم يتراشقون فيه ويتنازعون، ولعامتهم يلهون فيه ويلعبون، ويضلون بسببه عن حقائق دينهم ودنياهم.

                    وانتهى بها الأمر في القرون الأخيرة إلى نسبة مجردة من جميع المعاني، ينتسب إليها– تقحما- كل من هبّ ودب، لا يطلبها من طريق علم ولا تربية، ولكن من طريق الشعوذة والحيلة، ثم تدلت دركة أخرى، فأصبحت وسيلة معاش! ومصيدة لابتزاز أموال العامة، وانتهاكا لأعراضهم.. وهناك التقت مع الاستعمار في طريق واحد، فتعارفا وتعاهدا على الولاء.

                    ابحثوا في تاريخ الاستعمار العام، واستقصوا أنواع الأسلحة التي فتك بها في الشعوب، تجدوا فتكها في الاستعمال هذا النوع الذي يسمى (الطرق الصوفية)، وإذا خفي هذا في الشرق، أو لم تظهر آثاره جليّة في الاستعمار الانجليزي، فإن الاستعمار الفرنسي مارست قواعده في الجزائر، وفي شمال أفريقيا على العموم، وفي أفريقيا الغربية وفي أفريقيا الوسطى، إلا على الطرق الصوفية وبواسطتها!

                    ولقد قال قائد عسكري فرنسي معروف، كلمة أحاطت بالمعنى من جميع أطرافه قال: (إن كسب شيخ طريقة صوفية أنفع لنا من تجهيز جيش كامل، وقد يكونون ملايين، ولو اعتمدنا في إخضاعهم على الأموال والجيوش لما أفادتنا ما تفيده تلك الكلمة الواحدة من الشيخ، على أن الخضوع لقوتنا لا تؤمن عواقبه لأنه ليس من القلب. أما كلمة الشيخ فإنها تجلب لنا القلوب والأبدان والأموال أيضا).

                    هذا معنى كلمة القائد الفرنسي وشرحها، ولعمري إنها لكلمة تكشف الغطاء عن حقيقة ما زال كثير من إخواننا الشرقيين منها في شك مريب، وهم لا يدرون أن أول من خرج عن جماعة الأمير عبد القادر الجزائري في أيام جهاده شيخ طريقة معروفة، وأن من أكبر أسباب هزيمته استعانة فرنسا عليه بمشايخ الطرق الصوفية، وإعلان كثير من أتباعهم الخضوع لفرنسا، فهل نحتاج بعد هذا إلى دليل؟ وأن تاريخ تلك الوقائع لم يزل مداده طريّا، وما زال الاستعمار بالجزائر يُسمي هؤلاء المشايخ (أحباب فرنسا).

                    وإني أتعجل لكم البشرى بأن أحفاد أولئك المشايخ – إلا ما قل – أصبحوا من أكبر الناقمين على الاستعمار، بل أصبح بعضهم من الغلاة في الوطنية، ومن الصفوف الأولى من أنصار العلم والتعليم، والداعين إليهما، والعاملين على نشرهما بالجاه والمال، ولا تكاد توجد مدرسة من مدارس جمعية العلماء خالية من عدد من أولادهم، متعلمين أو معلمين، ومنهم كثير في الجامعات الإسلامية: القرويين والزيتونة والأزهر.)[1] ا هـ.

                    ولي ملاحظتان على حملة العلامة الإبراهيمي على الطرق الصوفية ومشايخها:

                    الأولى: أنه لم يستحسن أحدا، على نحو ما قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ[ص: 24].

                    الثانية: أن الشيخ الإبراهيمي كان شديد الوطأة، حار الهجوم، حديد اللسان، على التصوف والصوفية.

                    ولعل الحرب التي كانت دائرة بين الطرفين، هي التي زادت النار اشتعالا، وأن الاستعمار كان يؤيد أصحاب الطرق ويستعين بهم، وأن المتصوفة كانوا يتطرفون في محاربة دعاة الإصلاح والتجديد، حتى حكى الإبراهيمي أنه سمع أحد الصوفية الكبار يقول عن العلامة رشيد رضا: إنه أضر على الإسلام من ألف كافر.

                    التوحيد هو الهدف الثاني:

                    كانت الحرية – أو التحرير- هي الأمل الأول الذي يسعى إلى تحقيقه الإمام الإبراهيمي، وكانت الوحدة – أو التوحيد- هي الأمل الثاني الذي يرنو إليه أو يصر عليه.

                    وهذه الوحدة تبدأ بوحدة الجزائر أولا، قوة الشمال الإفريقي أو المغرب العربي، فوحدة الأمة العربية، وانتهاء بوحدة الأمة الإسلامية.

                    وكانت وحدة الجزائر والجزائريين هي شغله الشاغل، فهو يعمل دائبا بعلمه ولسانه، وفكره ووجدانه، وحركته مع إخوانه، لصهر عنصري الشعب الجزائري: عربه وبربره – كما هو الواقع – في بوتقة واحدة. ويرى أن الإسلام قد عرّب الشعب الجزائري، كما عرّب المغرب العربي كله.

                    وهو يعجب من الذين يريدون أن يجعلوا البربر فرنسيين، وليس بينهم وبين فرنسا نسب ولا آصرة دينية، ولا عرقية، ولا تاريخية، ولا جغرافية – في حين بينهم وبين العروبة أكثر من آصرة!!.

                    البداية بتوحيد الشعب الجزائري:

                    كان سعي الشيخ في مجال التجميع والتوحيد: البدء بتوحيد الشعب الجزائري أولا. وهذا بدء طبيعي منطقي كما في الحديث: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول"[2].

                    كان يريد أن يتوحد الشعب الجزائري توحدا حقيقيا، بحيث يكون كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا، أو كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تألم سائر الأعضاء.

                    وهنا لا يسمح بإثارة أي نوع من الخلافات المفرقة بين الشعب الواحد، فلا مجال للقول بانقسام الجزائر إلى عرب وبربر، فقد عرّب الإسلام البربر، كما عرّب المصريين وغيرَهم من الشعوب.

                    ولقد بذل الأستاذ جهده، بتفنيد هذه الأسطورة، فنقضها من أساسها، وأثبت أن الأخوة الإسلامية قد أذابت الفوارق بينهما، وجعلت منهما شيئا واحدا، على مدار التاريخ.

                    واجتهد الشيخ الإبراهيمي أن يُجَنّب الشعب الجزائري أسباب الخلاف الديني، من جرّاء الاختلاف في قضايا علم الكلام، أو مذاهب الفقه، أو اتجاهات التصوف.

                    كما حذّر الشيخ من مكايد الاستعمار ودسائسه، ومن همزاته ووساوسه، ومن سياسته المعروفة،التي شعارها (فرق تسد).

                    وحاول الشيخ هو ورفقاء دربه: أن يجمعوا الشعب على الإسلام الصحيح، الإسلام الأول، إسلام القرآن والسنة، وأن يحرروه مما سوى ذلك من مبتدعات العامة، وضلالات الخاصة، أو ما سماه الإمام محمد عبده: شهوات سلاطين، أو نزغات شياطين.

                    وقد حرص الإبراهيمي على توحيد الشعب الجزائري في شعائره الدينية، كما حرص على توحيد مواقفه الوطنية، وقد جاهد وكافح من أجل توحيد الشعب في صيامه وفطره وكتب في ذلك مقالات ضافية، يَرُدّ بها على لجنة الأهلة المعينة من قبل السلطة الفرنسية، ويهيب بالشعب المسلم أن يوّحد صيامه وإفطاره.

                    ضرورة الاتحاد وضرر الخلاف:

                    بدأ الشيخ دعوته إلى الاتحاد ـ كما قلنا ـ من المنطلق الطبيعي والمنطقي: أن تتحد الجزائر وشعبها أولا في مواجهة الاستعمار الفرنسي بسلطانه وجبروته، فكانت الدعوة إلى توحيد عنصري الوطن: العرب والبربر. ثم كانت الدعوة إلى اتحاد الأحزاب الوطنية التي تعمل لتحرير الجزائر. وكان الشيخ يلح في هذه الدعوة ويؤكدها ويكررها، ويناضل عنها بقوة يقول في ذلك:

                    (كل مسلم عربي جزائري مخلص يُؤيدنا في الدعوة إلى هذا الاتحاد. وَيَودُ منه ما نَوَد، ويَعتقد فيها ما نعتقده، من أنّه المعقل الوحيد للقضية الجزائرية، والوسيلة الوحيدة لنجاحها؛ ويرى ما نرى من آثار هذا التفرق الشنيع الذي شتّت شمل هذه الأمة الضعيفة، فزادها ضعفا على ضعف، في وقت تطلّعتْ فيه إلى المطالبة بحقها، فهي فيه أحوج ما تكون إلى جمع القوى، والتئام الشمل، واتحاد الكلمة.

                    تَرِد علينا رسائل كثيرة من عقلاء الأمة المخلصين لها، السالمين من عصبية الحزبية، وكلها حض على السعي في الاتحاد بين الأحزاب، وجمع الكلمة المتفرقة في هذا الوقت، التي تجمعت فيه جموع الاستعمار على دحض حقنا بباطله، وفي هذا الجو الذي كله نذر ومخاوف، والرسائل على كثرتها بحيث لا يخلو منها بريد يومي، وخصوصا في الأسابيع الأخيرة – كأنما كتبت بقلم واحد في أمور ثلاثة: التشهير بضرر الخلاف، والتنويه بضرورة الاتحاد، وتعليق الأمل في جمع الكلمة على كاتب هذه السطور وجمعية العلماء. وقد تغالى بعض الكاتبين، فعصب قضية الاتحاد برأس كاتب هذه الكلمة، وجعلها عهدة في عنقه، وبالغ بعضـهم – وهو من ذوي الآراء النيرة والعلم الواسع والإخلاص المحقق – فقفز إلى غاية الغايات، وهي جمع الكفاءات في حزب واحد.

                    أما ضرر الخلاف على القضية الجزائرية، فهو أمر يستوي في إدراكه جميع الناس، وأما ضرورة الاتحاد فهي أمر لا يختلف فيه عاقلان، وهو أمنية كل مسلم مخلص لدينه وجنسه ووطنه، وقد شعر به المسؤولون من رجال الأحزاب فتداعوا إليه جهرة، في حين حدّة الخلاف وعنفوانه، ووجود أقوى أسبابه. ولا يماري في لزوم الاتحاد إلا قصير النظر في العواقب، أو خادم لركاب الاستعمار من حيث يدري أو لا يدري، أو مدخول النسب في الوطنية)[3].

                    توحيد الشمال الإفريقي:

                    وبعد توحيد الجزائر شعبا ووطنا: توحيد فكرتها، وتوحيد عبادتها، وتوحيد وقفتها، ورصها صفا واحدا في مواجهة المعركة المرتقبة، الآتية في يوم لا ريب فيه: إتجه الشيخ إلى توحيد الشمال الإفريقي – أو المغرب العربي- كله. فإنما هو وطن واحد، وشعب واحد، بعضه من بعض، وأقصاه موصول بأدناه، فهو شعب عربي مسلم، ربطت بينه العروبة والإسلام، كما ربط بينه الهَمّ الواحد، والمصير الواحد، هو محاربة الاستعمار، وتحرير البلاد من نيره وناره، ومن ذله وإساره.

                    لذا كان حريصا أن يثبت بنصاعة بيانه، وفصاحة لسانه، وسطوع برهانه: أن الشمال الإفريقي كله عربي، كما أن كله مسلم. وأن الإسلام قد أذاب بين الجميع كل الفروق العرقية، ووحدهم خلف القرآن الكريم، والرسول العظيم، كما وحدهم في الصلاة خلف إمام واحد، يتلون كتابا واحدا، ويؤدون حركات واحدة، ويتعرفون إلى الله بعبادة واحدة، تفتتح بالتكبير، وتنتهي بالتسليم.

                    تحدث الشيخ عن وحدة الشمال الإفريقي بلسان صادق، وبيان دافق، وبرهان ناطق، يقيم الحجة على الخصم، ويخرس لسانه فلا يتكلم، ويفحمه فلا يجادل، تقرأ للشيخ مقالا في (البصائر) تحت عنوان (عروبة الشمال الإفريقي) يقول فيه:

                    (عروبة الشمال الإفريقي بجميع أجزائه طبيعية، كيفما كانت الأصول التي انحدَرتْ منها الدماء، والينابيع التي انفجرتْ منها الأخلاق والخصائص، والنواحي التي جاءت منها العادات والتقاليد؛ وهي أثبتُ أساسا، وأقدم عهدًا، أصفى عنصرًا من إنكليزية الإنكليز، وألمانية الألمان.

                    قضت العروبة بقوّتها وروحانيتها، وأدبها، وسمُوّ خصائصها، وامتداد عروقها، في الأكرمين الأُوَل من نبات الصحارى، وبُناة الحضارات فيها – على بربرية كانت منتشرة بهذا الشمال، وبقايا آرية كانت منتشرة فيه؛ وفعل الزمن الطويل فعلَه حتى نسى الناس ونسي التاريخُ الحديثُ أنَّ هنا جنسا غير عربي؛ وضرب الإسلام بيسره ولطف مداخله، وملاءمة عقائده للفطر، وعبادته للأرواح، وآدابه للنفوس، وأحكامه للمصالح – على كل عرق ينبض بحنين إلى أصل، وعلى كل صوت يهتف بذكرى إلى ماض بعيد؛ وزاد العروبةَ تثبيتا وتمكينا في هذا الشمال هذه الأبجدية العربية الشائعة التي حفظت أصول الدين، وحافظت على متون اللغة، ودوّنت الآداب والشرائع، وكَتَبت التاريخ، وسجَّلت الأحكام والحقوق، وفتحت الباب إلى العلم، وكانت السبيل إلى الحضارة.

                    كل هذه العوامل صيّرت هذا الشمال عربيا قارَّ العروبة على الأسس الثابتة: من دين عربي، ولغة عربية، وكتابة عربية، وآداب عربية، ومنازع عربية، وتشريع عربي.. وجاء التاريخ – وهو الحكم في مثل هذا – فشهد وأدَّى، وجاءت الجغرافيا الطبيعية فوصلت هذا الشمال بمنابت العروبة من جزيرة العرب.. وجاء الزمن بثلاثة عشر قرنا، تشهَد سِنوها وأيامها بأنها فرَغتْ من عملها، وتمّ التمام.)[4].

                    ويعود إلى الموضوع في خطابه التاريخي للوفود العربية والإسلامية للأمم المتحدة في باريس فيقول:

                    (وإن هذا الشمال الإفريقي كل لا يتجزأ تربط بين أجزائه دماء الأجداد، ولسان العرب، ودين الإسلام، وسواحل البحر في الشمال، وحبال الرمال في الصحاري وسلاسل الأطلس الأشم في الوسط. واتحاد الماء والهواء والغذاء، وإنها لخصائص تجمع الأوطان المتباينة، فيكف لا تجمع الوطن الواحد؟ إن تفرق هذه الأجزاء لم يأت من طبيعتها وإنما جاء من طبائعنا الدخيلة، ومن تأثراتنا الغربية بالدخلاء، وإنني متفائل بأن هذه الليلة ستكون فاتحة لعهد جديد، واتحاد عتيد، ونور من الرحمة والإخاء، يتنظم المغارب في سلك، إنني متفائل بما يتفاءل به السارون المدلجون من انبلاج الفجر، فعسى أن يتحقق هذا التفاؤل فتكون هذه الليلة أول خيط في نسيج الوحدة الإفريقية التي هي آخر أمل للمتفائلين مثلي، وأن العنوان الدال على ما وراءه هو: اجتماع جميع حركات الشمال الإفريقي في هذا المحفل الزاهر، وأن البشير بتحقق هذا الأمل هو امتزاجنا بإخواننا الشرقيين حول هذه الموائد ومن بركاتهم أن تجتمع حركاتنا كلها في صعيد واحد، وكلها لسان يعبر، وقلب يفكر، وآذان تسمع، وإنا لنرجو أن تكون قلوبنا غدا غير قلوبنا بالأمس، وأن نفيء إلى الحق الذي أمر الله بالفيأة إليه، وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم[5].

                    توحيد العرب:

                    وبعد وحدة الشمال الإفريقي أو المغرب العربي: الجار ذي القربى، يسعى إلى الجار الجنب، وهم: بقية العرب في المشرق، فيدعو إلى وحدة أمة العرب جمعاء، من محيطها إلى خليجها.

                    توحيد أمة الإسلام:

                    وهو حين يدعو إلى وحدة الجزائر، فوحدة المغرب العربي، فوحدة العرب: ينتهي إلى الوحدة الكبرى لأمة الإسلام كلها، من المحيط إلى المحيط، من جاكرتا إلى مراكش.

                    وطالما كتب الإبراهيمي يستصرخ المسلمين ليجتمع شملهم، ويتحد صفهم، وينعي عليهم تفرقهم، ودينهم يوجب عليهم أن يجتمعوا، وينكر عليهم تقاطعهم ومصلحتهم تفرض عليهم أن يتواصلوا. وقد كتب كلمة قوية في البصائر تحت عنوان (أرحام تتعاطف) جاء فيها:

                    (طالما نعينا على المسلمين خصوصاً، وعلى الشرقيين عموما، هذا التقاطع الذي شتت شملهم، وفرّق جامعتهم، وصيّرهم لقمة سائغة للمستعمرين، وطالما شرحنا للمسلمين أسرار التواصل والتراحم والتقارب الكامنة في دينهم، وأقمنا لهم الأدلة، وضربنا لهم الأمثال، وسُقنا المثُلات، وجَلوْنا العبر؛ وكانت نُذُر الشر تتوالى، فيتمارَوْن بها، وصيحاتُ الضحايا منهم تتعالى، فيصِمُّون عنها ؛ والزمن سائر، والفلك دائر ؛ وهم في غفلة ساهون.

                    دعوناهم إلى الجامعة الواسعة التي لا تضيق بنزيل، وهي جامعة الإسلام ؛ إلى الروحانية الخالصة التي لا تشاب بدخيل، وهي روحانية الشرق ؛ وحذّرناهم من هذه الأفاحيص الضيقة، والوطنيات المحدودة، التي هي منبع شقائهم، ومبعث بلائهم، وبيَّنا لهم أنها دسيسة استعمارية، زيّنها لهم سماسرة الغرب، وعلماؤه وأدّلاؤه ؛ وغايتُُهم منها التفريق، ثم التمزيق، ثم القضم، ثم الهضم، وأن الاستعمار – بهذه الدسيسة وأشباهها – يُفسد فطرة الله فيهم، وينقُض دين الله عندهم ؛ ففطرة الله تُلهِم نصر الأخ لأخيه، وحماية الجار لجاره؛ ودين الله يوجب حقوق الأخوة، ويدعو إلى إيثار الجار والإحسان إليه ؛ وهو بهذا يعمِّم التناصر، ويقيم في الأرض شرعة التعاون، فما من جار إلا له جار والناس كلهم متجاورون، جوار الدار للدار، فجوار القرية للقرية، فجوار المدينة للمدينة، فجوار الوطن للوطن؛ فإذا أخذوا بهذه الشرعة وأقاموا حدودها عمّ التناصر والتعاون، وسدّت المنافذ على المتغيرين، وعلى المفسدين في الأرض)[6].

                    داؤنا الانقسام ودواؤنا الوحدة:

                    ويذكر الشيخ الإبراهيمي في خطابه الذي ألقاه في باريس أمام الوفود العربية الإسلامية في الأمم المتحدة هذه الكلمات القوية المزلزلة والمعبرة عن داء الفرقة ودواء الوحدة بقلمه البليغ المبدع: أيها الأخوان:

                    (إن النقطة التي ابتدأ منها بلاؤنا وشقاؤنا هي أنهم أرادونا على الانقسام، وزينوه لنا كما يزين الشيطان للإنسان سوء عمله، فأطعناهم وانقسمنا، فوسعوا شقة الانقسام بيننا بأموالهم وأعمالهم وآرائهم وعلومهم، ولم يتركوا أداة من أدوات التقسيم إلا حشدوها في هذا السبيل، ولم يغفلوا الأستاذ والكاتب والراهب والمرأة والتاجر والسمسار حتى بلغوا الغاية في تقسيمنا شيعا ودولا وممالك، كما توزع قطعة الأرض الكبيرة الصالحة، إلى قطع صغيرة لا تصلح واحدة منها ولا تكفي، ثم عمدوا إلى خيرات الأرض فاحتكروها لأنفسهم، واستخرجوها بعقولهم المدبِّرة، وأيدينا المسخَّرة، فكان لهم منها حظ العقل، ولنا منها حظ اليد، ولو أننا تعاسرنا عليهم من أول يوم في تقسيمنا، ولذنا بكعبة الوحدة نطوف بها ونلتزم أركانها لما نالوا منها نيلا، ولما وصلنا إلى هذه الحالة.

                    أما وقد بلغوا من تقسيمنا ما يريدون، وأصبحنا في درجة من الضعف المادي والضعف العقلي نعتقد فيها أن الله خلقنا خلقة الأرنب، وخلقهم خلقة الأسد، وجف القلم، ولا تبديل لخلق الله فأول واجب علينا، بل أول نقطة يجب أن نبتدئ منها السير، هي أن نُكَفِّر بهذا الانقسام، ونُكَفِّر عليه بضده، وهو الوحدة الشاملة لجميع الأجزاء، وكيف يكون ذلك وقد بنيت على ذلك التقسيم أوضاع جديدة، وممالك وملوك وحدود، وإن تغيير الممالك لصعب، وإن فطام الملوك عن لذة الملك لأصعب منه ؟ فلنلتمس مفتاح قضيتنا من بين هذا الركام من الأدوات البالية، ولنعتصم بالأمر الميسور، وهو أن نوحّد التعليم ومناهجه، والتجارة وأوضاعها، ولنطمس هذه الحدود الفاصلة بين أجزاء الوطن الواحد، وليرتفق بعضنا ببعضنا، فيما يزيد فيه بعضنا على بعضنا، ولنكن يدا واحدة على الأجنبي، ولنعتبر المعتدي على جزء منا معتديا على جميع الأجزاء، وعدو العراق هو عدو مراكش، ولنذكر من خصال الأمم ما فعلته ايطاليا في ضم أجزائها، وما فعلته ألمانيا، وما فعلته فرنسا التي لم تنم لها عين في قضية الألزاس واللورين، ولو أن معتديا اعتدى على جزء من انكلترا (وهي كجزيرة العرب) تداعى الانكليز من أطراف الأرض لاسترجاعه، فلم لا نكون كذلك؟

                    إنهم إن علموا ذلك منا، وعلموا جدنا فيه تابوا عن سيرتهم فينا وأقلعوا، أما من لان للأكل فليس من حقه أن يلوم الأَكَلَة.

                    والذي روحي بيده... ما يسرني أن للعرب ثماني دول، ولا أن للمسلمين عشرين دولة، ما داموا على هذه الحالة، وإنما يسرّني ويثلج صدري ؛ أن يكون المسلمون كلهم شعبا واحدا بحكومة واحدة، وعلى عقيدة في الحياة واحدة، وعلى اتجاه إلى السعادة واحد، فإذا وجد هذا الشعب لم يبق لهؤلاء الأقوياء إلا أن يقولوا: إن في الشرق قوما جبارين، وإنه لم يبق لنا بينهم موضع.

                    إن القوم استضعفونا، ففرقونا فأكلونا لقمة لقمة، فأَوْجِدوا هذا الشعب الموحد تَحْيوا وتُحْيوا العالم به، أوْجِدوه تَسْعَدوا وتُسْعِدوا العالم به.... إن العالم اليوم مريض، وإنه يلتمس الشفاء، فأروه أن في الإسلام شفاءه، وأنه في خصام منهك، وأنه يلتمس الحكم، فأحيوا الإسلام الصحيح يكن حكما في مشكلة هذا العصر... مشكلة الغِنَى والفقر...تكتّلوا ففي استطاعتكم أن تتكتلوا.. تكتّلوا يمدكم العصر بروحه... إنه عصر التكتل، وإن الأقوياء لم تُغْن عنهم قوتهم شيئا، فأصبحوا يلتمسون أنواعا من التكتل مع القريب، ومع الغريب، فهذه، انكلترا تتكتل، وهذه أميركا، وهذه روسيا. .. فكيف لا يتكتل الضعفاء؟![7]) انتهى.

                    قال هذا الشيخ قبل أكثر من نصف قرن (سنة 1952م) فكيف لو عاش إلى عصرنا، ورأى ما فيه من تكتلات واتحادات مثل الاتحاد الأوروبي؟!. الذي أمسى حقيقة واقعة، بعد حروب بين الأوربيين بعضهم وبعض استمرت قرونا، آخرها الحربان العالميتان، اللتان سقط فيهما من القتلى والضحايا بالملايين.

                    بدء تفرق المسلمين في الدين:

                    و يتحدث الشيخ الابراهيمي عن بدء ظهور التفرق في المسلمين حديثاً ينبئ عن وعي بتاريخ الأمة الفكري فيقول:

                    أول ما نشأ في المجتمع الإسلامي من جراثيم التفرق في الدين: الكلام في القدر و الخوض في الصفات. و قارَن ذلك حدوث الخلاف في الخلافة: فهل هي شعبة من الدين تفتقر إلى تنصيص من الشارع ؟ أو هي مصلحة دنيوية ترجع إلى اختيار أهل الرأي من الأمة؟ و قد سبق الخلاف العملي الخلاف العلمي في هذه المسألة. و هي المعترك الأول الذي اشتجرت فيه الآراء حتى تطرفت، بعد أن اشتجرت فيه الرماح حتى تقصفت. كما أنها أول مسألة امتزجت فيها الأنظار الدينية بالأنظار الدنيوية (أو السياسية) كما يقولون. و في هذا المعترك جرثومة من التعصب الخبيثة.

                    ثم توسعت الفتوحات و بسط الإسلام ظله على كثير من الممالك التي كانت لها أثارة من عمران و شيء من سلطان. و دانت له كثير من الأمم. و في كل أمة طوائف دخلت الإسلام، و هي تحمل أوزارًا من بقايا ماضيها. و ما كادت هذه المجموعات البشرية تمتزج ويفعل الإسلام فيها فعله. حتى ظهرت عليها أعراض التفرق.

                    فظهر أصحاب المقالات في العقائد، و أحدثوا بدعة (التأويل) الذي هو في الحقيقة تحريف مسمى بغير اسمه.

                    و توفرت الدواعي لظهور المذاهب الفقهية، والمذاهب الكلامية، و المذاهب الصوفية، في أزمنة متقاربة، و كان لترجمة الفلسفة اليونانية و الحكمة الفارسية و الهندية: أثر قوي في تعدد المذاهب الكلامية و الصوفية، بما أتت به الأولى من بحث في الإلهيات على الطريقة العقلية الصرفة، و بما غذت به المتكلمين من الأنظار المختلفة، و أمدتهم به من طرائق الجدل وقوانينه. وهذا هو مبدأ التفرق الحقيق في الدين ؛ لأن المتكلمين يزعمون أن علومهم هي أساس الإسلام. و الصوفية يقولون: إن علومهم هي لباب الشريعة و حقيقتها ![8]

                    ظهور المذاهب الفقهية و التعصب لها:

                    أما المذاهب الفقهية، فحدوثها ضروري و طبيعي ما دامت السنة لم تُجْمَع، و بعد جمعها لم تكن وافية بالتنصيص على الوقائع الجزئية. و متونها و أسانيدها بعد خاضعة للتزكية و التجريح؛ لأنها لم تنقل بطريق التواتر. و ما دامت مدارك المجتهدين الذين هم المرجع في هذا الباب متفاوتة بالقوة و الضعف في الاستنباط و وجوه القياس و علله، و ما دامت الوقائع التي تناط بها الأحكام لا تنضبط.

                    وقد استحدث العمران أنواعاً جديدة من المعاملات الدنيوية لا عهد للإسلام الفطري بها. وصوراً شتّى من المعايش ووجوه الكسب لم تكن معروفه. فمن سماحة التشريع الإسلامي و مرونته أن نتناول هذه المستحدثات الجديدة بأنظار جديدة، وتستنبط من أصوله أحكام لفروعها. و كل هذا لا حرج فيه و ليس داخلاً فيما نشكوه، بل نحن أول من يقدر قدر تلك الأنظار الصائبة، والمدارك الراقية، و يقيمها دليلاً على اتساع التشريع الإسلامي لمصالح الناس، و صلاحيته لجميع الأزمنة، و ينكر على من سد هذا الباب على الأمة، فزهّدها في استجماع و سائله. و نحن أول من يقدر قدر أولئك الأئمة الذين هم مفاخر الإسلام.

                    و هي في حد ذاتها ليست هي التي فرّقت المسلمين، وليس أصحابها هم الذين ألزموا الناس بها، أو فرضوا على الأمة تقليدهم، فحاشاهم من هذا بل نصحوا وبينوا، و بذلوا الجهد في الإبلاغ. وحكّموا الدليل ما وجدوا إلى ذلك السبيل، و أتوا بالغرائب في باب الاستنباط و التعليل، والتفريع والتأصيل، و لهم في باب استخراج علل الأحكام، وبناء الفروع على الأصول، و جمع الأشباه بالأشباه، و الاحتياط و مراعاة المصالح ما فاقوا به المتشرعين من جميع الأمم.

                    و إنما الذي نعده في أسباب تفرق المسلمين هو هذه العصبية العمياء التي حدثت بعدها للمذاهب، والتي نعتقد أنهم لو بُعثوا من جديد إلى هذا العالم، لأنكروها على أتباعهم و مقلديهم، و تبرأوا إلى الله منهم و منها ؛ لأنها ليست من الدين الذي أؤتمنوا عليه، و لا من العلم الذي وسّعوا دائرته.

                    و قد طغت شرور العصبية للمذاهب الفقهية في جميع الأقطار الإسلامية، و كان لها أسوأ الأثر في تفريق كلمة المسلمين. و إن في وجه التاريخ الإسلامي منها لندوبا.

                    أما آثارها في العلوم الإسلامية، فإنها لم تمدها إلا بنوع سخيف من الجدل المكابر، لا يسمن و لا يغني من جوع. و لا عاصم من شرور هذه العصبية إلا صرف الناشئة إلى تعليم فقهي يستند على الاستقلال في الاستدلال، و إعدادها لبلوغ مراتب الكمال، و عدم التحجير عليها في استخدام مواهبها إلى أقصى حد. [9]

                    المذاهب الكلامية و خطرها:

                    و أما المذاهب الكلامية، فلم يكن أثرها بالقليل في تفرق المسلمين و تمزق شملهم. و لكنها لما كان موضوعها البحث في وجود الله و إثبات صفاته، و ما يجب له من كمال، و ما يستحيل عليه من نقص، كل ذلك من طريق العقل – كانت دائرتها محدودة، و كان التعمق فيها من شأن الخواص. و قعد بالعامة عن الدخول في معتركها إحساسها بالتقصير في أدواته، من جدل و عقليات يحتاج إليها في مقامات المناظرة و الحجاج. فليس علم الكلام كعلم التصوف: مطية ذلولاً يندفع لركوبها العاجز و الحازم. فالتصوف شيء غامض يسعى إليه بوسائل غامضة. و يسهل على كل واحد ادعاؤه و التلبيس به. فإن خاف مدعيه الفضيحة لم يعدم سلاحاً من الجمجمة و الرمز و تسمية الأشياء بغير أسمائها. تم الفزع إلى لزوم السمت، و التدرع بالصمت، و الاعراض عن الخلق، و الانقطاع و الهروب منهم، ما دام هذا كله معدوداً في التصوف، و داخلاً في حدوده. و لا كذلك علم الكلام الذي يفتقر إلى عقل نير و قريحة وقادة و ذكاء نافذ و يحتاج منتحله إلى براعة و لسن و مران على المنطق و مقدامته و نتائجه و أقيسته و أشكاله. و لم كل هذا العدد ؟ كل هذه العدد للمناظرات و ما تستلزمه من إيراد و دفع و افحام و الزام. و أين العامة من هذا كله ؟ لذلك لم يكن لها من حظ في هذا العلم إلا معرفة أسماء بعض الفرق و الانتصار لها انتصاراً تقليدياً و لذلك كانت آثار التفريق الناشئة عن هذه المذاهب الكلامية قاصرة على طبقات مخصوصة و لم تتغلعل في العامة كما تغلغلت آثار التصوف.

                    و قد انقرضت تلك الفرق، و انقرض بانقراضها سبب جوهري من أسباب التفرق، بل مات بموتها شاغل طالما شغل طائفة من خيرة علماء المسلمين ببعضهم، و جعل بأسهم بينهم شديداً، و ألهاهم بما يضر عما ينفع.

                    تلاشت تلك الفرق و لم تبق إلا أخبار معاركها الجدلية في كتب التاريخ، و إلا آراؤها المدونة في كتبها فتنة للضعفاء، و تبصرة للحصفاء. و لم يبق من تلك الأسماء التي كونت قاموساً في الأنساب إلا إسمان يدوران في أفواه العامة و أشباه العامة، و يستعملونها في أغراض عامية، وهما (أهل السنة و المعتزلة). [10]

                    تخلف دراسة علم التوحيد:

                    و من المحزن أن دراسة علم التوحيد حتى في كلياتنا (الراقية)- كالأزهر و الزيتونة- لا تزال جارية على تلك الطرائق، و في تلك الكتب. و لا تزال تقرر فيها تلك الآراء، و لا تزال تذكر فيها أسماء تلك الفرق التي لم يبق لها وجود. و يستعرض سيدنا المدرس تلك الآراء، ثم يدحضها، و يقيمها ثم ينقضها. و تقطع أوقات الطلبة المساكين في ذلك. و يا ضيعة الأعمار.

                    أما الشبهات التي يوردها كل يوم ملاحدة العصر و مبشرو المسيحية على الإسلام، ويفتنون بها العلماء فضلاً عن العوام، فإن كلياتنا (العلمية الدينية) و مدرسيها لا يعيرونها أدنى اهتمام، و لا يعمرون بها وقت الطلبة. فيا للفضيحة.

                    و أما المذاهب الصوفية فهي أبعد أثراً في تشويه حقائق الدين و أشد منافاة لروحه، وأقوى تأثيراً في تفريق كلمة المسلمين؛ لأنها ترجع في أصلها إلى نزعة غامضة مبهمة تسترت في أول أمرها بالانقطاع للعبادة، و التجرد من الأسباب، و العزوف عن اللذات الجسدية، والتظاهر بالخصوصية، و كانت تأخذ منتحليها بشيء من مظاهر المسيحية، و هو التسليم المطلق، و شيء من مظاهر البرهمية، و هو تعذيب الجسد و إرهاقه، توصلاً إلى كمال الروح، زعموا ! و أين هذا كله من روح الإسلام و هدي الإسلام ؟ و لم يتبين الناس خيرها من شرها لما كان يسودها من التكتم و الاحتراس حتى جرت على ألسنة بعض منتحليها كلمات كانت ترجمة لبعض ما تحمل من أوزار. فراب أئمة الدين أمرها. و انفتحت أعين حراس الشريعة، فوقفوا لها بالمرصاد، فلاذ منتحلوها بفروق مبتدعة يريدون أن يثبتوا بها خصوصيتهم كالظاهر و الباطن، و الحقيقة و الشريعة، إلى ألفاظ أخرى من هذا لا تخرج في فحواها عن جعل الدين الواحد دينين.

                    و ما كاد السيف الذي سلّ على الحلاج و صرعى مخرقته يغمد، و يوقن القوم أنهم أصبحوا بمنجاة من فتكاته حتى أجمعوا أمرهم و أبدوا للناس بعض مكنونات أسرارهم ملفوفة في أغشية جميلة من الألفاظ، و محفوفة بظواهر مقبولة من الأعمال. و حاولوا أن يصلوا نحلتهم تلك بعجرها و بجرها بصاحب الشريعة أو بأحد أصحابه فلم يفلحوا و افتضحت حيلتهم و انقطع الحبل من أيديهم فرجعوا إلى ادعاء الكشف و خرق الحجب و الاطلاع على ما وراء الحس إلى آخر تلك (القائمة) التي لا زلت تسمعها حتى من أفواه العامة، و تجدها في معتقداتهم[11].



                    --------------------------------------------------------------------------------

                    [1]- أنظر: آثار البشير الإبراهيمي جـ4 صـ342 – 344، وهو جزء من مجموعة محاضرات ألقاها الشيخ البشير في معهد الدراسات العربية العليا في القاهرة في أوائل الخمسينات من القرن العشرين تحت عنوان: الاستعمار الفرنسي في الجزائر.

                    [2]- انظر في ذلك مقالات: رمضان: لجنة الأهلة والأعياد الإسلامية (97/3)، وحدة الصوم والإفطار (169/3)، وبيانات للأمة الإسلامية (301/3)، أكبر زلة تقترفها لجنة الأهلة (307/3)، وتعود إلى لجنة الأهلة (313/3)، هلال رمضان: معلومات وتنبيهات (319/3).
                    [3]- من آثار البشير الإبراهيمي جـ 3 صـ337.

                    [4]- نشرت في العدد 150 من جريدة البصائر سنة 1951.

                    [5]- البصائر العدد 183 / السنة الخامسة من السلسة الثانية / 18 فبراير 1952م.

                    [6]- نشرت في العدد 148 من جريدة البصائر سنة 1951م.

                    [7]- دار البصائر العدد 183 / السنة الخامسة من السلسة الثانية / 18 فبراير 1952م.

                    [8]- انظر: آثار البشر الإبراهيمي (1/ 94، 95).

                    [9]- انظر: آثار البشر الإبراهيمي (1/95، 96).

                    [10]- انظر: آثار البشر الإبراهيمي (1/ 96، 97).

                    [11]- انظر: آثار البشر الإبراهيمي (1/ 97، 99).
                    {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

                    وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

                    Comment

                    • فخر الدين المناظر
                      محاور - رحمه الله
                      • Mar 2006
                      • 1636

                      #25
                      (3)
                      التوعية والتربية: طريقا ومنهاجا

                      اعتمد الشيخ الإبراهيمي في منهجه الإصلاحي على ركيزتين أساسيتين؛ هما: التوعية والتربية. وهما في الواقع ركيزتا جمعية العلماء، فما كان للشيخ أن يحيد عنهما. وهو الأمين على مسيرة الجمعية والمُضِي بها قٌدُما في طريقها الذي رسمته من أول يوم.

                      أما التوعية، فهي لجماهير الشعب، الذي هو هدف الإصلاح ووسيلته معا.

                      وأما التربية، فهي للطلائع التي ينتظر منها أن تقود معركة التحرير، ومعركة البناء والتقدم فيما بعد.

                      التوعية:

                      وكانت التوعية في نظر الشيخ –كما هي في نظر جمعية الإصلاح منذ نشأت- تقوم على فهم الدين فهما صحيحا، بحيث تنشئ مسلما سليم العقيدة، صحيح العبادة، مستقيم السلوك، عزيز النفس، قوي الجسم، حر الإرادة، مستنير العقل، محبا للخير، غيورا على أهله ووطنه ودينه، عالما بمن هو صديقه ومن هو عدوه.

                      وكان إنشاء هذا الجيل هو قُرّة عين الشيخ وإخوانه، وكان هو معقد الأمل في تحقيق النصر المنشود على الاستعمار الفرنسي، وما خلّفه من آثار في الأنفس والعقول والحياة، وكان الاستعمار الفرنسي اللعين يعرف تمام المعرفة: أن هذا الجيل هو الخطر الحقيقي على وجوده وبقائه في الجزائر، ولذا كان له بالمرصاد، وكان يعوق طريقه بكل ما يمكنه، ولكن الإبراهيمي كان ماضيا في سبيله، مستعينا بربه، مشدود الأزر بإخوانه من العلماء، وبشعبه الجزائري الأبيّ.

                      وكانت جولات الشيخ في طول البلاد وعرضها، ودروسه وخطبه ومحاضراته، وأحاديثه الخاصة والعامة، ومقالاته في (البصائر): كلها تدور حول إيقاظ الوعي الديني الحقيقي، وتنقية الفكر الإسلامي من الخرافات والأباطيل والبدع، التي شوّهت وجه الدين الجميل، وأضافت إليه من الزوائد والشوائب ما كدّر صفاءه، ولوث نقاءه، ومن المحدثات ما عسّر الدين الذي أراد الله به اليُسر ولم يرد به العُسر، وما جعل فيه من حرج.

                      وكل عمل في هذا السبيل يهدم لبنة من لبنات الاستعمار المخرِّب، ويضع لبنة في بنيان الجزائر العربية المسلمة، جزائر الغد، ويغرس الآمال في أنفس الجزائريين؛ بقدر ما يغرس المخاوف في قلوب الفرنسيين.

                      أشنع أعمال فرنسا في الجزائر:

                      ويتحدث العلامة الإبراهيمي عن التخريب الهائل الذي مارسته فرنسا في الجزائر منذ احتلالها، فيقول[1]:

                      (كانت الجزائر قبل احتلال الفرنسيين لها في سنة 1830م دولة مستقلة غنية، تملك خصائص الدولة في ذلك العصر، وأهمها العلم بالدين والدنيا، وفيها من الأوقاف الإسلامية الدارّة على العلم والدين ووجوه البر ما لا يوجد مثله في قُطْر إسلامي آخر، ومنذ تغلّب عليها الاستعمار الفريد في الخبث، وهو يعمل جاهدا على قتل شخصيتها بالقضاء على الدين واللغة العربية، وكان أول عمل قام به هو مصادرة الأوقاف الإسلامية والمعاهد التابعة لها من مساجد ومدارس وزوايا، وتحويلها إلى كنائس وثكنات واصطبلات وميادين ومرافق عامة، ثم أصدرت قانونا لا نعرف له نظيرا في تاريخ البشرية العاقلة يقضي باعتبار اللغة العربية لغة أجنبية في وطنها وبين أهلها، يتوقف تعليمها على إذن خاص وشروط ثقيلة، وزادت تلك الشروط على الأيام ثقلا وعنتا، حتى أصبحت في السنوات الأخيرة لا تطاق، وأصبح معلّم العربية يقف في قفص الاتهام مع اللصوص والسافكين، وتجري عليه العقوبات مثلهم بالسجن والتغريم والتعذيب.

                      (ثم دأب الاستعمار (من مائة ونيف وعشرين سنة) على طمس كل أثر للإسلام والعربية، وقطع كل صلة بينهما وبين الشرق، ليتم له مسخ الأمة الجزائرية، وإدماجها في الأمة الفرنسية، ولكن المناعة الطبيعية في هذه الأمة، وتصلبها في المحافظة على التراث الإسلامي المقدس، وعلى خصائصها الشريفة: دفع عنها ذلك البلاء، وأنقذها من ذلك المصير.

                      توعية الشعب وتنويره:

                      ويشرح الشيخ ما تقوم به جمعية العلماء من تنوير وتوعية للشعب الجزائري، وتحرير عقله ووجدانه وإرادته من الأوهام والضلالات، وشغله بمعالي الأمور عن سفاسفها، ووصله بالحق بدلا من ركضه وراء الباطل، عن طريق المساجد والأندية وغيرها. فيتحدث عن مبدأ جمعية العلماء وغايتها فيقول:

                      غاية جمعية العلماء تحرير الشعب الجزائري:

                      (مبدأ جمعية العلماء يرمي إلى غاية جليلة، فالمبدأ هو العلم، والغاية هي تحرير الشعب الجزائري، والتحرير في نظرها قسمان: تحرير العقول والأرواح وتحرير الأبدان والأوطان، والأول أصل للثاني، فإذا لم تتحرر العقول والأرواح من الأوهام في الدين وفي الدنيا، كان تحرير الأبدان من العبودية والأوطان من الاحتلال متعذرا أو متعسرا، حتى إذا تم منه شيء اليوم، ضاع غدا، لأنه بناء على غير أساس، والمتوهم ليس له أمل، فلا يرجى منه عمل.

                      لذلك بدأت جمعية العلماء-من أول يوم نشأتها- بتحرير العقول والأرواح، تمهيدا للتحرير النهائي، فوضعت برنامجا محكما، لوعظ الكبار وإرشادهم بالدروس والمحاضرات، حتى بلغت من ذلك أقصى غاية من الجهد وأقصى غاية من النتائج، وأصبح الشعب –في جملته- صافي الفكر، مستقل العقل، متوهج الشعور، مشرق الروح، فاهما للحياة، واسع الأمل فيها، عاملا للحرية والاستقلال، مؤمنا بماضيه، عاملا على ربط الحاضر بالماضي، ووصله بالوطن العربي الأكبر، متبصرا في وزن رجاله، لا ينطلي عليه غش الغشاشين ولا تدجيل الدجالين. ومعلوم أن هذه المعاني لا تدخل النفوس دفعة واحدة، وإنما تكمل بالتدرج، والذي وصل إليه الشعب الجزائري من هذا هو نتيجة نيف وعشرين سنة من أعمال جدية متواصلة، ولكنه لا يتم عادة في أقل من خمسين سنة.

                      أعمال جمعية العلماء في التعليم العربي والتوعية:

                      ويعدد الشيخ ما قامت به جمعية العلماء من أعمال مجيدة للشعب، فيقول:

                      أولا: زادت الجمعية على هذا العمل العام آخر خاصا، وهو العمل على تخريج جيل جديد، يتلقى هذه المعاني في الصغر، ويثبتها بالعلم الصحيح، لتحارب الاستعمار بسلاح من نوع سلاحه وهو العلم، فأسست في هذين العقدين من السنين نحو مائة وخمسين من المدارس الابتدائية للعربية والدين، وشيدتها بمال الأمة، وصيرتها ملكا للأمة، وهي تضم اليوم ما يقرب من خمسين ألف تلميذ، من حملة الشهادات الابتدائية من مدارس الجمعية. (وسنتحدث بتفصيل عن هذا الأمر عند حديثنا عن عنصر التربية).

                      ثانيا: بما أن المساجد التي هي تراث الأجداد، صادرتها الحكومة الفرنسية وصادرت أوقافها من يوم الاحتلال، فأحالت بعضها كنائس وبعضها مرافق عامة، وهدمت كثيرا منها لتوسيع الشوارع والحدائق، واحتفظت بالباقي لتتخذ منه حبالة تجر أشباه الموظفين الدينيين، وما زالت إلى الآن هي التي تعين الأئمة والخطباء والمؤذنين والقومة، ولكنها تستخدمهم في الجاسوسية والمخابرات، وتجري عليهم المرتبات من الخزينة العامة، لذلك التفتت الجمعية إلى هذه الناحية الحيوية وشيدت بمال الأمة نحو سبعين مسجدا في أنحاء القطر، لأداء الشعائر وإلقاء الدروس الدينية، والحكومة الفرنسية تنظر إلى هذه المساجد نظرتها إلى الحصون المسلحة.

                      ثالثا: في الجزائر مئات الآلاف من الشبان العرب المسلمين، فاتهم التعليم الديني والعربي، ولا تلقاهم الجمعية في المدارس ولا في المساجد، والاعتناء بهم واجب، فأنشأت لهم الجمعية عشرات من النوادي المنظمة الجذابة، تلقي عليهم فيها المحاضرات العلمية والدينية، والاجتماعية، وأدّت هذه النوادي أكثر مما تؤديه المدارس والمساجد من التربية والتوجيه.

                      رابعا: أنشأت الجمعية للعمال الجزائريين في باريس وغيرها من مدن فرنسا عشرات من النوادي وزوّدتها بطائفة من الوعاظ والمعلمين من رجالها، يتعلم فيها أولئك العملة ضروريات دينهم ودنياهم، ويتعلم فيها أبناؤهم اللغة العربية تكلما وكتابة، ويتربون على الدين والوطنية، وقد استفحل أمر هذه النوادي وأتت ثمراتها قبل الحرب الأخيرة، ثم قضت عليها الحرب، ثم حاولت الجمعية تجديدها بعد الحرب، غير أن التكاليف المالية تضاعف واحدها إلى الآلاف، فكان ذلك وحده سببا للعجز.

                      خامسا: أنقذت الجمعية عشرات الآلاف من أبناء الجزائر من الأمية، بوسائل دبرتها ونجحت فيها نجاحا عجيبا، وأن هذا العمل من غرر أعمالها لأن الأمية تشل الشعوب. أ. هـ.[2]

                      الميدان الداخلي أولى بالاهتمام:

                      كان أمام الشيخ البشير - ومن قبله الشيخ ابن باديس- ميدانان للكفاح: ميدان الاستعمار الخارجي، وميدان الاستعمار الداخلي... استعمار العقول والنفوس والضمائر بالأوهام والضلالات والبدع، فاختار الشيخان البدء بالميدان الداخلي، فهو أحق وأولى بالاهتمام.

                      وعلل ذلك الشيخ الإبراهيمي، فقال:

                      (كانت الحكمة لاختيارنا الميدان الأول للهجوم، أن موضوع النزاع ديني، ونحن علماء دين يعترف لنا بالإمامة العلمية حتى الاستعمار وأعوانه، ولا يستطيع الاستعمار أن ينتصر لأوليائه في نزاع ديني انتصارا سافرا، وإنما ينتصر لهم بوسائل أخرى لا تؤثر في هدفنا الذي نرمي إليه، وهو انتزاع الأمة من هؤلاء المستغلين لها باسم الدين، وإنقاذها من جبروتهم، وأننا إذا حررناهم من سلطانهم الوهمي، كانت معنا على الاستعمار الخارجي الحقيقي، ومن لم يكن الشعب معه كان مخذولا في كل ميدان.

                      بدأنا هذه الحركة بجنب حركة التعليم الديني العربي، وأطلقنا عليها اسمها الحقيقي، وهو: (الإصلاح الديني) وهو اسم يهيج أصحاب البدع والضلالات من المسلمين في الدرجة الأولى، ويهيج الاستعمار الخارجي في الدرجة الثانية، فكان من تفاوت التهيج فسحة، سرنا فيها خطوات إلى النجاح، وكانت أعمالنا تسير في دائرة ضيقة، لأن الاستعداد لظهور جمعية العلماء لم يتم إذ ذلك، وكان مبدأ (العمليات) بدروس دينية ومحاضرات.

                      ورأى المرحوم عبد الحميد بن باديس: أنه لا بد من جريدة تظاهر الفكرة وتخدمها، فأنشأ جريدة (المنتقد) وهي أول جريدة إصلاحية بالشمال الإفريقي، فكانت أرفع صوت وأفعل وسيلة لنشر الإصلاح الديني، فارتاع لها الاستعمار الفرنسي وعطلها في مدة قريبة بما يملك من قوانين، فأصدر المرحوم جريدة أخرى باسم (الشهاب) كانت أسد رماية، وأوسع خطى من سابقتها، وسكت عنها الاستعمار فنقلها صاحبها من جريدة إلى مجلة، طال عمرها بضع عشرة سنة ورافقت سنوات الإرهاص بجمعية العلماء، فسجلت خطوات الحركة، وكانت لها مواقف رائعة في عدة ميادين، فخدمت العلم والدين والسياسة، وتردد صداها في المغارب الثلاثة، فتركت في كل قطر أثرا حميدا في النفوس، وفضحت الاستعمار الفرنسي فضائح لا ينسى خزيها، وبدروس الأستاذ عبد الحميد بن باديس، ومجلته الشهاب، استحق لقب (باني النهضة الجزائرية بجميع فروعها)، وأنشأ بعض الإخوان جريدة سماها (الإصلاح) كانت لها جولات في حرب البدع ولكنها لم تعمر إلا قليلا.

                      تساوقت الآثار المختلفة إلى غرض واحد، آثار دروس الإسلام الحية من ابن باديس، في نفوس تلاميذه، وقد أصبحوا آلافا، وآثار دروسه العامة في التفسير والأخلاق والاجتماع، وقد أصبح سامعوها المتأثرون بها عشرات الآلاف، وأكثرهم من العامة، وآثار الحرب في الأمة كلها، وآثار العلماء المصلحين بعد أن تكاثر عددهم وتلاحق مددهم، وعاونوا على تنوير الأفكار وتوجيه الأذهان لفهم حقائق الدين والدنيا، وهداية النفوس الضالة بإرشاد القرآن وسيرة محمد وأصحابه، وتجلية التاريخ الإسلامي.

                      وتألف في ذلك كله حداء قوي مطرب، سارت عليه الأمة الجزائرية عقدا من السنين، من سنة 1920م إلى سنة 1930م، واستوى في التأثر الموافق منها والمخالف، وأوائل نهضات الأمم تفتقر دائما إلى المخض العنيف بالكلام والرأي والجدال والوفاق والخلاف، وذلك المخض هو الذي ينشئ فيها الحياة ثم يصفيها، وهو دليل حياة الشعور فيها.[3]

                      التربية:

                      وكانت التربية في نظر الشيخ – وفي نظر الجمعية- هي الوسيلة المُثْلى لغرس التعاليم الإسلامية التجديدية، - ومعها النزعة العروبية والوطنية-، في عقول الناشئة وفي قلوبهم. ومقاومة تيار (الفرنسة) الذي يعمل منذ احتل الجزائر على أن يجردها من هويتها الإسلامية والعربية. وذلك بفرض الفرنسية لغة وحيدة في التعليم، وإبعاد العربية تماما عن هذا المجال. وحذف الدين الإسلامي من مجال التربية والتعليم حذفا تاما، باعتبار أن الدولة (علمانية) (لائكية) وأنها لا تعلم الدين في مدارسها.

                      فكان المطلوب هنا عملا مضادا لما يهدف إليه المستعمر، تقوم التربية فيه على أساس أن الدين هو الأساس. والعربية هي اللسان.

                      (فإذا كان التعليم الفرنسي السائد يقصد إلى فرنسة الجزائريين، فإن التعليم الذي قاده من قبل ابن باديس، وقاده من بعده الإبراهيمي، يقصد إلى إعادة (أسلمة) الجزائريين و(تعريبهم) أو إلى إبقاء الإسلام والعروبة عند من بقيا عنده، وكان شعار جمعية العلماء منذ البداية: الإسلام ديننا.. العربية لغتنا.. الجزائر وطننا!!

                      ولذا كان تركيزهم المستمر والدؤوب على ضرورة (التعليم العربي) الذي يجب أن تتاح له فرصة بجوار (التعليم الفرنسي) السائد والمهيمن على الساحة كلها).

                      وكانت مناهج هذا التعليم وكتبه ولغته ومعلموه وإدارته والجو المدرسي العام، كلها تصب في هذا الاتجاه.

                      حتى الأناشيد التي تحفظ للطلاب تغرس فيهم هذه المعاني، وتنمي فيهم هذه المشاعر، مثل النشيد المعروف الذي ألفه الإمام ابن باديس نفسه، ويحفظه الجميع:

                      شعب الجزائر مسلــم وإلى العروبة ينتسبْ

                      من قال حاد عن أصله أو قال: مات، فقد كذبْ
                      ومن حسن حظ الجزائر: أن الله تعالى وهبها رجلا مربيا من الطراز الأول، ومنحه من المواهب والملكات ما قاد به كتيبة التربية على بصيرة ووعي بالهدف المنشود، والمنهج المقصود، وأعد له من الرجال الكفاءة من يذلل بهم الصعاب، ويتخطى بهم العقاب. إنه الإمام ابن باديس الذي كان هدية الله للجزائر، كما يتحدث عنه الإبراهيمي.

                      ومن أراد أن يعرف أثر التربية والتعليم الذي قامت به جمعية العلماء، وبدأها الإمام ابن باديس، فليقرأ ما كتبه الإمام الإبراهيمي في البصائر، ونشر الكثير منه في (آثاره) التي نشرت بعد وفاته، وإن لم تستوعب كل ما خطه قلمه.

                      يقول الإبراهيمي في إحدى مقالاته أو دراساته عن جمعية العلماء ومؤسسها:

                      (وعبد الحميد بن باديس باني النهضة وإمامها ومدرب جيوشها: عالم ديني، ولكنه ليس كعلماء الدين الذين عرفهم التاريخ الإسلامي في قرونه الأخيرة، جمع الله فيه ما تفرّق في غيره من علماء الدين في هذا العصر، وأربى عليهم بالبيان الناصع، واللسان المطاوع، والذكاء الخارق، والفكر الولود، والعقل اللماح، والفهم الغواص على دقائق القرآن وأسرار التشريع الإسلامي، والاطلاع الواسع على أحوال المسلمين ومناشئ أمراضهم، وطرق علاجها، والرأي السديد في العلميات والعمليات، من فقه الإسلام وأطوار تاريخه، والإلمام الكافي بمعارف العصر، مع التمييز بين ضارها ونافعها، مع أنه لا يحسن لغة من لغاتها غير العربية، وكان التضلع في العلوم الدينية واستقلاله في فهمها. إماما في العلوم الاجتماعية، يكمل ذلك كله: قلم بليغ شجاع يجاري لسانه في البيان والسحر، فكان من أخطب خطباء العربية وفرسان منابرها، كما كان من أكتب كتابها.

                      وهو من بيت عريق في المجد والملك والعلم، يتصل نسبه الثابت المحقق بالمعز بن باديس، مؤسس الدولة الباديسية الصنهاجية، إلى صنهاجة القبيلة البربرية العظيمة التي حدثناكم عن دولها وأثارها بالجزائر، والمعز بن باديس هو جذم الدولة التي كانت بالقيروان، ويزعم بعض النسّابين أنها يمنية وقعت إلى شمال إفريقيا في إحدى الموجات التي رمى بها الشرق الغرب من طريق برزخ السويس في الأولين، كما رماه بالموجة الهلالية في الآخرين.

                      هذا الرجل النابغة يشهد التاريخ أنه واضع أساس النهضة الفكرية في الجزائر، وقد سلك لها المسلك العلمي الحكيم، وهو مسلك التربية والتعليم، وأعانه على ذلك استعداده الفكري وكمال أدواته، فتصدر للتعليم حوالي سنة 1914م ببلدة قسطنطينة التي هي مستقر أسرته من المائة السابعة للهجرة، وعمره إذ ذاك دون الخامسة والعشرين، فجمع عليه عشرات من الشبان المستعدين فعلمهم ورباهم وطبعهم على قالبه ونفخ فيهم من روحه، وبيانه، تطوعا واحتسابا، لا يرجو إلا جزاء ربه ولا يقصد غير نفع وطنه.

                      وكان – رحمه الله- يؤثر التربية على التعليم، ويحرص على غرس الفضائل في نفوس تلامذته قبل غرس القواعد الجافة في أدمغتهم، ويدربهم على أن ينهجوا نهجه في العمل للعروبة والإسلام، فما انتهت الحرب العالمية الأولى حتى تخرّج على يده وعلى طريقته جيل من الشبان، تتفاوت حظوظهم من العلم النظري، ولكنهم طراز واحد في العمل، وصحة التفكير، والانقطاع للجهاد.

                      وكان من طريقته في التربية: أن يرمي إلى تصحيح الفكر، وصقل العقل، وترقية الروح، وتقوية الخلق، وتسديد الاتجاه في الحياة، وأنه يستخرج من قواعد العلوم التعليمية قواعد للاجتماع، وينتزع منها دروسا في التربية والأخلاق.

                      فمن القواعد الإصلاحية المعروفة قولهم – مثلا- الفاعل مرفوع، والعامل يتقدم. فمن أمثال هذه الجمل المبتذلة الدائرة على الألسن في دراسة العلوم: كان يستخرج من معانيها اللغوية: نظرات اجتماعية طبيعية. ككون الفاعل العامل مرفوع القدر عند الناس، وككون العامل يجب تقديمه على الكسلان العاطل، في جميع المقامات.

                      وقد ذكر لي بعض من حضر درسه[4] في قول صاحب الألفية: (كلامنا لفظ مفيد كاستقم). قال: سمعته يقرر القاعدة النحوية التي أرادها ابن مالك فسمعت ما أدهشني من التحقيق الذي لم يعهد من علماء عصرنا، بالأسلوب الذي لم يعهد من شراح الألفية سابقهم ولاحقهم، ما عدا أبا إسحاق الشاطبي، ثم انتقل إلى شيء آخر نقلني إلى شيء آخر، وسما بي من الدهشة التي ما فوقها مما لا أجد لها اسما، فكان درسا اجتماعيا، أخلاقيا، على ما يجب أن يكون عليه الحديث الدائر بين الناس، وأنه إذا لم يكن مفيدا في المعاش والمعاد: كان لغوا وثرثرة وتخليط مجانين، وإن سمّته القواعد كلاما، ثم أفاض في الاستقامة الدينية والدنيوية وأثرها في المجتمع، فعلمت أن الرجل يعمل على أن يخرج من تلامذته رجالا، وأنه يجري بهم على هذه الطرائق ليجمع لهم بين التربية والتعليم، وكأنه يتعجل لهم الفوائد، ويسابق بهم الزمن، ما دامت الأمم قد سبقتنا بالزمن.

                      وهكذا كان الأمر، فإنه أخرج للأمة الجزائرية في الزمن اليسير جيلا يفهم الحياة، ويطلبها عزيزة شريفة، ويتدرع إليها بالأخلاق المتينة، وقد كان يدربهم على الأعمال النافعة، كما يدرب القائد المخلص جنوده، ويعدهم لفتح مصرٍ، أو لقاء مصرع، ولتلامذته إلى اليوم سمات بارزة في إتقان الدعوة الإصلاحية، التي أعلنتها جمعية العلماء في حياته، وفي صدق الاتجاه، وفي إتقان صناعة التعليم على طريقته. وهم الرعيل الأول في الثورة الفكرية الجارفة، التي نقلت الجزائر من حال إلى حال.

                      وقد كان تعليمه والآفاق التي فتحها ذهنه الجبار، وأسلوبه في الدروس والمحاضرات، كل ذلك كان ثورة على الأوضاع التعليمية المعروفة في بدلنا، حيث ابتدأ التعلم، وتوسط فيها، وفي جامع الزيتونة حيث انتهى، ولم يكن علمه نتيجة دراسته التقليدية في البلدين، المحدودة بسنوات معدودة، وكتب مقروءة، على نحو ما في الأزهر، وإنما كان علمه نتيجة استعداد قوي، وذكاء خارق، وفهم دقيق، وذهن صيود لشوارد المعاني، غواص إلى نهاياتها، كما وصفناه في أول الحديث.

                      وحج في سنة 1913م ومر بالقاهرة ذاهبا وبدمشق آيبا وجاور بالمدينة ثلاثة أشهر بعد هجرتي إليها بسنتين، وكنا نجتمع في أغلب الليالي اجتماعا خاصا لا نتحدث فيه إلا عن القطر الذي يجمعنا وهو الجزائر، والبلد الذي يضمنا وهو قسطنطينة، والآمال التي تملأ نفوسنا، في ترقيته وإعداده للتحرير، فكنا نُجْمِع على أن لا وسيلة لذلك إلا العلم تنتشر أعلامه، والجهل ينقشع ظلامه، ثم تصور الخواطر لي وله مدارس تشاد للنشء وألسنة تفتق على العربية، وأقلاما تتشقق على الكتابة، فتصور لنا قوة الأمل، ذلك كله كأنه واقع نراه رأي العين. فإذا انتهينا من التصورات أخذني بالحجة، وألزمني بالرجوع إلى الجزائر، لنشترك في العمل، المحقق للأمل، وأقام لي الدليل من الدين على أن هذا العمل أشرف وأقرب إلى رضى الله من الهجرة، ولم أكن أنكر عليه هذا، ولكن والدي – رحمه الله- كان يأبى على ذلك، فكنت أتخلص بالوعد بالرجوع عند سنوح الفرصة.

                      ورجع هو من عامه، فابتدأ التعليم، وانثال عليه الطلبة من المقاطعات الثلاث، وقدّر الله فرجعت بعد سبع سنوات من افتراقنا، فوجدت عمله قد أثمر، وأملنا قد بدأ يتحقق، ووجدت الحرب قد فعلت فعلها في نفوس أمتي، فكان من آثارها حياة الاستعداد الفطري، الذي أماته الاستعمار في تلك المرحلة، التي عددنا لكم ما غرسته أيامها في نفوس الجزائريين من بذور خبيثة، كان من ثمراتها: تخدير الشعور، وإضعاف المعنويات.

                      وكان لرجوعي إلى الجزائر في نفس الشيخ عبد الحميد بن باديس ما يكون في نفس القائد اتسعت عليه الميادين، وعجز عن اقتحامها كلها، فجاءه المد لوقته، وتلقاني رحمه الله بمدينة تونس، مهنئا لي ولنفسه وللوطن، ومذكرا بعهود المدينة المنورة، ومبشرا بمواتاة الأحوال، وتحقق الآمال، فكانت مشاركتي له بالرأي والتفكير والتقدير والدعاية، أكثر مما هي بالتعليم والتدريب، لما كان يحول بيني وبين الانقطاع إلى ذلك من عوائق، وإن كنت شاركت في تحضير أذهان العامة للنهضة الكبرى بسهم وافر، بواسطة دروس ومحاضرات، ورجع أفراد من الإخوان الذين كانوا بالشرق مهاجرين، أو طلابا للعلم، وجماعة من تلامذة الأستاذ ابن باديس الذين أكملوا معلوماتهم بجامع الزيتونة، تنطوي نفوسهم من أستاذهم على فكره وروحه، ومن جامع الزيتونة على متونه وشروحه، فاستقام الصدد، وانفتح السدد، وتلاحق المدد، وكانت من أصواتنا مسموعة ما يكون من الصيحة رَجّت النائم، ومن أعمالنا مجموعة ما يكون من الروافد انصبت في النهر فجاشت غواربه، وكانت تلك بداية النهضة بجميع فروعها، والثورة الفكرية بتمام معانيها. أ. هـ.[5]

                      وبعد الشيخ ابن باديس: قاد الإبراهيمي سفينة التربية والتعليم، فكان يعلم بنفسه أحيانا، ويوجه المعلمين، ويؤلف في التربية، حتى أنه صنف كتابا باسم(مرشد المعلمين) قدمه أحد أبناء الجمعية(الأستاذ محمد الغسيري) فقال:

                      (وضع أستاذنا الجليل محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء منذ سنوات، برنامجا حافلا للتعليم العربي بجميع أنواعه، وضمّنه أصولا عظيمة من علم التربية، وقد سألناه منذ عامين: أن يجرد لنا فصولا عملية تتعلق بالسنوات الست الابتدائية ففعل، وسلّمه لنا لنطبعه وننتفع به، وطالعناه فلم نجده كالبرامج المعتادة، وإنما هو (معلم مكتوب). فهو يأخذ بيد المعلم ويسير به خطوة بخطوة إلى الغاية لا يضل عنها ولا يجوز، وكأنما هو (ملقن) من وراء المعلم يملي عليه الكلام ويرشده إلى كيفية العمل. لذلك آثر جماعة من قدماء المعلمين تسميته(مرشد المعلمين).[6]



                      --------------------------------------------------------------------------------

                      [1]- في المذكرة التي قدمها مكتب جمعية العلماء في القاهرة إلى مجلس الجامعة العربية، ونشرت في صحيفة (منبر الشرق) و(الدعوة) في أغسطس 1954م. القاهرة.

                      [2]- نشرت في صحيفة (منبر الشرق) وصحيفة(الدعوة) أغسطس 1654م.

                      [3] انظر: آثار البشير الإبراهيمي (/4 342 وما بعدها).

                      [4]- سمعت هذا شخصيا من الجزائري المجاهد الأستاذ الفضيل الورتلاني رحمه الله.



                      [5]- انظر: آثار البشر الإبراهيمي (/4 340 وما بعدها).

                      [6]- البصائر: العدد67/ السنة الثانية من السلسلة الثانية 19/ 2 / 1949م.
                      {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

                      وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

                      Comment

                      • فخر الدين المناظر
                        محاور - رحمه الله
                        • Mar 2006
                        • 1636

                        #26
                        (
                        4)

                        العمل الجماعي: ضرورة وشرطاً

                        وإذا كان الشيخ الإبراهيمي يؤمن بالتوعية والتربية منهاجا للإصلاح، ولا يكتفي بمجرد الخطب الرنانة، والكلمات المسجوعة، أو الدعايات الحزبية، فإنه يؤمن كذلك، كما آمن شيخه ورفيقه وأسوته الإمام ابن باديس (بالعمل الجماعي) ضرورة وشرطاً للنجاح وتحقيق الرجاء.

                        فالعمل الفردي ـ مهما يصحبه من الإتقان والإخلاص محدود ـ الأثر، محصور القدرة، مقيد الإمكانات، ولكن إذا تضامّت الجهود، وتلاحمت القوى، أصبحت اللبنات المتفرقة بنيانا مرصوصا، يشد بعضه بعضا.

                        فالمرء قليل بنفسه، كثير بإخوانه، ضعيف بمفرده، قوي بجماعته، ويد الله مع الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، والشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، وقد قال الله تعالى لموسى:سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ [القصص:35].

                        وفكرة الإمام ابن باديس ورفقائه هنا، هي نفس فكرة الإمام حسن البنا وإخوانه في مصر، حيث لم يكتف بالوعظ والإرشاد طريقا للإصلاح، ولكنه رأى أن العمل الجماعي المنظم ضرورة لابد منها لنصرة الإسلام وإحيائه وتجديد أثره في الأمة، ولتحرير مصر وبلاد العرب والمسلمين من الاستعمار وكل سلطان أجنبي لإقامة دولة الإسلام فيها.

                        توافق الإمامان على غير التقاء بينهما، وأنشأ حسن البنا جمعية الإخوان المسلمين، سنة 1928 أو 1929م وأسس ابن باديس جمعية العلماء سنة 1931م.

                        وإن كنت قرأت مقالة العلامة الإبراهيمي: أن فكرة الشيخ ابن باديس في إنشاء الجمعية، كانت أسبق من ذلك، فقد حاول أن ينشئ جمعية أطلق عليها: جمعية (الإخاء العلمي) سنة 1924م ولكن حالت الحوائل دون ذلك.

                        أسس ابن باديس جمعية العلماء للنهضة والإصلاح والتحرير، وكان نائبه ورفيق دربه البشير الإبراهيمي. وبعد وفاته كان أمينا على العمل الذي بدآه معا، وفيّا له، حريصا على أن يستمر في إيتاء أُكُله، وتحقيق أهدافه الكبيرة. كما كان حريصا أبلغ الحرص على أن يعطي كل ذي حق حقه، فيتحدث عن ابن باديس أنه: هو المؤسس والباني والبادئ، وأول من بذر بذور الإصلاح والتجديد، وأول من ارتفعت صحيفته بتحرير الجزائر ونهوضها وبنيانها من جديد. بل أول داعية إلى التجديد والإصلاح في المغرب العربي كله.

                        من آثار العمل الجماعي:

                        والعمل الجماعي أقدر على إنجاز المشروعات الكبيرة، وتحقيق الآمال الطموحة، مما لا يستطيع الأفراد – وإن بلغوا ما بلغوا – أن يحققوه. وها هو الإبراهيمي يعدد لنا في مقال له: ما قامت به (جمعية العلماء) من أعمال أصيلة ومنجزات جليلة وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف:58].

                        (مائة وثلاثون مدرسة عربية مجهزة بكل الأسباب المادية العصرية اللازمة للمدارس، وبجهاز آخر من المعنويات أعظم منها شأنا وأجل خطرا، وبجند من المعلمين الأكفاء قوامه: مائتان وخمسون معلما، من بينهم عشرات النوابغ في التعليم والإدارة، ومشحونة بزهاء ثلاثين ألف تلميذ من أبناء الأمة بنين وبنات، يتلقون مبادئ الدين الصحيح: عقيدة وأعمالا، ومبادئ العربية الفصيحة: نطقا وكتابة وإنشاء، ويتربون على الوطنية الحقيقية وعلى الهداية الإسلامية والآداب العربية، ويتكوّن منهم جيل مسلّح بالعلم، ثابت العقيدة في دينه ووطنه، قوي العزيمة في العمل لهما 000 ويزيد في قيمة هذه الحصون العلمية أن الأمة تملك أعيان نحو الخمسين منها، وتملك الانتفاع بالباقي على وجه الكراء. وسبعة وثلاثون مدرسة أخرى شرعت الأمة الإسلامية في تشييدها في هذه السنة، وفيها ما يحتوي على ستة عشر قسما، وفيها ما تقدر نفقاته بخمسة عشر مليونا من الفرنكات.

                        ومعهد تجهيزي عظيم، يخطو إلى الرقي والكمال في كل يوم في نظامه وبرامجه وأساتذته وتلامذته. يؤوي من تخرجه تلك المدارس، ليزود الأمة منهم بالوعاظ والمرشدين وخطباء المنابر، ويزود الطامحين منهم إلى المزيد من العلم بالمؤهلات إلى ما يطمحون إليه.

                        وجمعيات بلغت المئات، مقسمة على العلم والإحسان والأدب والرياضة، تبث في الأمة: النظام، والإدارة، وآداب الإجتماع، وديمقراطية الانتخاب، وتعلمها كيف تناقش، وكيف تصوغ الرأي، وكيف تدافع عنه، وكيف تنقضه بالحجة، وكيف تزن الأفكار، وكيف تحاسب العاملين. وتدربها على التدرج من الإدارات الصغرى إلى الإدارات الكبرى. لأن الأمة التي لا تحسن إدارة جمعية صغيرة، لا تحسن بالطبع – إدارة مجلس فضلا عن حكومة، ولا كالجمعيات مدارس تدريب، ونماذج تجريب.

                        ونواد بلغت العشرات، غايتها إصلاح ما أفسدت المقاهي والملاهي من أخلاق الشباب، وكلها ميادين للعمل، ومنابر للخطابة، ومستغلات للعلم والتعليم.

                        وآلاف من الشباب العربي المسلم كان كالمجهول في نسبه، وكالجاهل لحسبه، ففتحت المحاضرات الحية أذهانه على تاريخ أسلافه وفتقت ألسنته على آدابهم، فتقاسم على أن يقفو الأثر، ويجدد ما اندثر، وأقبل على العلم حتى إذا ضاقت به الجزائر فارقها كالنحلة، ترحل إلى المكان السحيق، لترجع إلى خليتها بالرحيق.

                        وإصلاح ديني تمكن من النفوس وتغلغل في الأفئدة، فطهرها من الشوائب التي شابت الدين، ومن النقائص التي شانت الدنيا، وصحح العقائد فصحت القواعد، وصحح العزائم، فأقدمت على العظائم، وإذا صحت العقائد وصلحت النيات، ظهرت الآثار في العزائم والإرادات.

                        وفضائل شرقية كانت مشرفة على التلاشي فأحيتها مدارسة القرآن وممارسة التاريخ، وإفشاء الآداب العربية، ونشر المآثر العربية.

                        وأمة كاملة كانت نهبا مقسما بين استعمارين متعاونين على إبادتها: مادي متسلط على الأبدان. وروحاني متسلط على العقول، فصححت حركة الإصلاح الديني عقولها فصح تفكيرها، واتزن تقديرها، واستقام اتجاهها للحياة. وإن تحرير العقول من الأوهام، سبيل ممهد إلى تحرير الأبدان من الاستعباد.

                        هذا هو رأس المال الضخم الذي أثلته جمعية العلماء للأمة الجزائرية في بضع سنين، وغدت به البقايا المدخرة من ميراث الأسلاف).

                        (وهذه هي الأعمال التي عملتها جمعية العلماء للعروبة والإسلام، فحفظت لهما وطنا أشرف على الضياع، وأمة أحاطت بها عوامل المسخ، فأصبحت أمة عربية مسلمة شرقية نضاهي بها أخواتها في العروبة والإسلام، بل نباهيهن بها.

                        وما شيدت جمعية العلماء هذا البناء الشامخ من الماديات والمعنويات ورفعت سمكه إلا بعد أن أزالت أنقاضا من الباطل والضلال تنوء بالعصب أولي القوة والأيد، وبعد أن نازلت جيوشا من المبطلين المضللين تكع عن لقائها الأبطال، وبعد أن لقيت من حماة الاستعماريين ما تلقاه فئة الحق من فئات الباطل: كانوا أكثر وأوفر، وكنا أثبت وأصبر، وكانت العاقبة للصابرين)[1].



                        --------------------------------------------------------------------------------

                        [1]- البصائر: العدد 46- السنة الثانية من السلسة الثانية – 23 أوت 1948م.
                        {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

                        وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

                        Comment

                        • فخر الدين المناظر
                          محاور - رحمه الله
                          • Mar 2006
                          • 1636

                          #27
                          (5)

                          الأمة العربية الإسلامية: ساحة وميدانا


                          كان الإمام الإبراهيمى يجاهد في معركة كبيرة، كَثُر فيها الخصوم والأعداء، وقل فيها الأعوان والنصراء، وشحذت فيها أسلحة كثيرة من قبل هؤلاء الأعداء، المجهّزين بكل ما تطلبه المعركة، فهم مجهزون بالعلم، ومجهزون بالمال، ومجهزون بالمكر، ومجهزون بالعدد والعدة، ومجهزون بالتكاتف والتعاضد. فهم يختلفون فيما بينهم على أمور شتى، ولكن إذا كان العدو هو الإسلام: اتفقت كلمتهم، والتأم شملهم، وتوحد صفهم، ونسوا ما بينهم من خلافات جانبية.

                          ومما ضاعف من صعوبة هذه المعركة وشدتها وخطرها: أن ساحتها واسعة جدا، مساحتها (الأمة الإسلامية) على امتداد أقطارها، واتساع مساحاتها، وتباعد أطرافها، وتنوع عروقها، وتعدد لغاتها.

                          الأمة المسلمة في مشارق الأرض ومغاربها كانت ميدان العمل والدعوة والجهاد للإبراهيمي.

                          قضية فلسطين في المقدمة:

                          ولذا كان اهتمامه بكل قضايا الأمة، وعلى رأسها قضيتها المحورية: قضية أرض الإسراء والمعراج والأقصى: فلسطين، التي خصّها بالمزيد من الاهتمام فهو يعيش فيها، وتعيش فيه، يذكر بمحنتها، ويحامي عن حقها، ويحرض العرب والمسلمين على الذود عن حياضها، ويدعو الجزائريين خاصة أن ينهضوا بواجبهم نحوها، ولا يتخاذلوا عن نصرتها بكل ما يستطيعون.

                          كان هذا موقفه قبل أن تقوم دولة الكيان الصهيوني، وبعد أن قامت.

                          استمع معي إلى ما كتبه في البصائر في العدد (5) سنة 1947م:

                          (يا فلسطين ! إن في قلب كل مسلم جزائري من قضيتك جروحا دامية، وفي جفن كل مسلم جزائري من محنتك عبرات هامية، وعلى لسان كل مسلم جزائري في حقك كلمة مترددة هي: فلسطين قطعة من وطني الإسلامي الكبير قبل أن تكون قطعة من وطني العربي الصغير؛ وفي عنق كل مسلم جزائري لك – يا فلسطين – حق واجب الأداء، وذمام متأكد الرعاية، فإن فرّط في جنبك، أو ضاع بعض حقك، فما الذنب ذنبه، وإنما هو ذنب الاستعمار الذي يحول بين المرء وأخيه، والمرء وداره، والمسلم وقبيلته.

                          يا فلسطين ! إذا كان حب الأوطان من أثر الهواء والتراب، والمآرب التي يقضيها الشباب، فإن هوى المسلم لك أن فيك أولى القبلتين، وأن فيك المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، وإنك كنت نهاية المرحلة الأرضية، وبداية المرحلة السماوية، من تلك المرحلة الواصلة بين السماء والأرض صعودا، بعد رحلة آدم الواصلة بينهما هبوطا ؛ وإليك إليك ترامت هِمم الفاتحين، وترامت الأيْنُق الذللُ بالفاتحين، تحمل الهدى والسلام، وشرائع الإسلام، وتنقل النبوة العامة إلى أرض النبوات الخاصة، وثمار الوحي الجديد، إلى منابت الوحي القديم، وتكشف عن الحقيقة التي كانت وقفت عند تبوك بقيادة محمد بن عبد الله، ثم وقفت عند مؤتة بقيادة زيد بن حارثة، فكانت الغزوتان تحويما من الإسلام عليك، وكانت الثالثة وردا، وكانت النتيجة أن الإسلام طهّرك من رجس الرومان، كما طهر أطراف الجزيرة قبلك من رجس الأوثان) [1].

                          وفي هذه المقالة يقول: (أيظن الظانون أن الجزائر بعراقتها في الإسلام والعروبة تنسى فلسطين ؟! وتضعها في غير منزلتها التى وضعها الإسلام من نفسها ؟ لا والله: يأبى لها ذلك شرف الإسلام، ومجد العروبة ووشائج القربى.

                          ولكن الاستعمار الذي عقد العقدة لمصلحته، وأبى أن يحلها لمصلحته، وقايض بفلسطين لمصلحته: هو الذى يباعد بين أجزاء الإسلام لئلا تلتئم، ويقطع أوصال العروبة كيلا تلتحم، وهيهات).

                          ويستمر الشيخ على هذا النهج في التركيز بفلسطين، والتعريف بعدالة قضيتها، وجمع الأمة كلها حولها، في سبع مقالات مطولة، بأسلوب الشيخ الذي يُحرّك السواكن، ويثير الكوامن، ويفجر المكنون من الطاقات.

                          انظر ما كتبه عن (عيد الأضحى وفلسطين): النفوس حزينة، واليوم يوم الزينة، فماذا نصنع ؟

                          إخواننا مشردون، فهل نحن من الرحمة والعطف مجردون ؟

                          تتقاضانا العادة أن نفرح في العيد ونبتهج، وأن نتبادل التهاني، وأن نطرح الهموم، وأن نتهادى البشائر.

                          وتتقاضانا فلسطين أن نحزن لمحنتها ونغتم، ونُعْنَى بقضيتها ونهتم.

                          ويتقاضانا إخواننا المشردون في الفيافي، أبدانهم للسوافي، وأشلاؤهم للعوافى، أن لا ننعم حتى ينعموا، وأن لا نطعم حتى يطعموا.

                          ليت شعرى !. . . هل أتى عبّاد الفلس والطين، ما حل ببني أبيهم في فلسطين ؟

                          أيها العرب، لا عيد حتى تنفذوا في صهيون الوعيد، وتنجزوا لفلسطين المواعيد، ولا نحر حتى تقذفوا بصهيون في البحر.

                          ولا أضحى حتى يظمأ صهيون في أرض فلسطين ويضحى.

                          أيها العرب: حرام أن تنعموا وإخوانكم بؤساء، وحرام أن تطعموا وإخوانكم جياع، وحرام أن تطمئن بكم المضاجع وإخوانكم يفترشون الغبراء.

                          أيها المسلمون: افهموا ما في هذا العيد من رموز الفداء والتضحية والمعاناة لا ما فيه من معاني الزينة والدعة والمطاعم، ذلك حق الله على الروح، وهذا حق الجسد عليكم.

                          إن بين جنبي ألماً يتنزّى، وإن في جوانحي ناراً تتلظى، وإن بين أناملي قلماً سُمته أن يجري فجمح، وأن يسمح فما سمح، وإن في ذهني معاني أنحى عليها الهم فتهافتت، وإن على لساني كلمات حبسها الغم فتخافتت.

                          ولو أن قومي أنطقتنى رماحهم نطقت ولكن الرماح أجَرّت[2]

                          وكتب مرة أخرى بمرارة مقالاً يقول فيه: هل لمن أضاع فلسطين عيد ؟؟

                          ولنقرأ هذه الكلمات البليغة المعبرة التي ارتجلها الإبراهيمي في حفل إقامة جمعية الإخوة الإسلامية في العراق ونشرتها مجلتها: قال[3]:

                          إن معرفة كارثة فلسطين لا تعدو أن تكون أسئلة وأجوبة ؛ فإن استطعنا أن نعرف الداء، ثم نعالجه. .

                          أما السؤال الأول، فهو:

                          هل أضعنا فلسطين ؟

                          الجواب: نعم.

                          السؤال الثاني:

                          هل أعطيناها أم أخذوها منا ؟

                          الجواب: أعطيناها نحن !!

                          السؤال الثالث:

                          هل يمكن استرجاعها ؟

                          الجواب: يمكن استرجاعها. .

                          ثم قال: بماذا أضعنا فلسطين ؟

                          الجواب: أضعناها بالكلام.

                          فقد كان الشعراء ينظمون القصائد الطويلة العريضة في مديح العرب وتسفيل اليهود، والكُتّاب يكتبون، والسّاسة يصرحون، فبين النظم والتصريح والكتابة والخطابة ضاعت فلسطين !!

                          ثم قال:

                          الرجل البطل يعمل كثيرا، ولا يقول شيئا. ا.هـ

                          وفي مقام آخر ختم مقالة بهذه الكلمات المضيئة التي يكاد يحفظها الجزائريون كافة:

                          أيها العرب، أيها المسلمون !

                          إن فلسطين وديعة محمد عندنا، وأمانة عمر في ذمتنا، وعهد الإسلام في أعناقنا، فلئن أخذها اليهود منا ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون !

                          مشاركة تونس في محنتها:

                          وإذا كان الشيخ يهتم بفلسطين - على بعد الدار – فلا غرو أن يهتم بالمغرب العربي أو بالشمال الأقصى، وهو أقرب دارا فهو يألم لألمه، ويبكي في أحزانه، ويشدو في أفراحه. وقد كتب تحت عنوان (كوارث الاستعمار) مواسيا لتونس يقول: فات " البصائر " بسبب عطلة المطبعة أسبوعين في آخر رمضان – أن تشارك الأمة التونسية العزيزة في إعلان الحزن على ما أصابها في العهد الأخير من كوارث الاستعمار التي تجلت في الحادثتين الداميتين، حادثة (جبل الجلود) وحادثة (صفاقس).

                          أما التألم والامتعاض من قتل الأبرياء المسالمين، وأما الحزن والأسى لإخواننا الذين ماتوا مظلومين، ولأطفالهم وزوجاتهم الذين بقوا بلا مال ولا عائل فإن حظنا منها لا يقل عن حظ إخواننا التونسيين، ومحال أن يتألم عضو من جسد ولا يتألم له سائر الأعضاء، وقد ألّفت هذه المصائب المتوالية، وهذه المصائب المتحدة المصدر، بين قلوبنا تأليفا جديدا محكم النسج، وأرهفت إحساسنا وصيرتنا كتلة من لحم مرضوض، في لجة من الدموع المرفضة، فلا يمتاز في مصائبنا معز من معزى.

                          عذرنا إلى إخواننا أننا لم نخسر في باب التعزية إلا سطورا سوداء في أوراق بيضاء تقرأ وتهجر. وعوضنا الغالي عنها إحساسات مضطربة في نفوس متألمة [4].

                          ويكتب المقالات في الصفحات المتعددة عن (المغرب) وقد كان يسمى في ذلك الوقت (مراكش). أو المغرب الأقصى، ويتحدث عن الملك محمد الخامس الذي وقف ضد فرنسا، وقامت بنفيه خارج البلاد، وأثنى عليه جميلا، على قلة ثنائه على الملوك والأمراء. بل كثيرا ما يصليهم نارا من كلمه، الذي نراه أحيانا أحدّ من السيف.

                          ولليبيا حق مؤكد:

                          كما تحدث الشيخ كثيراً عن تونس ومراكش – أو المغرب الأقصى كما كان يسمى – تحدث عن ليبيا فقال: ولإخواننا الليبيين – أو الطرابلسيين كما نسميهم - علينا حق الدين، وحق اللغة، وحق الجنس، وحق الجوار، وحق الاشتراك في الآلام والمحن، وفي الآمال المقترحة على الزمن، وهذه كلها أرحام يجب أن تبل ببلالها، وحقوق في ذمة المروءة والوفاء يجب أن تؤدى، وإن من حسن القضاء عند الكرام الأوفياء أن يكون في وقت الحاجة إليه، وإن هؤلاء الإخوان اليوم في طور امتحان عسير معقد، تتخلله الأهواء والمطامع، ويحيط به الكيد والتعنيت من كل جانب، وإن نجاحهم فيه يتوقف على جمع الكلمة، وتسوية الصف، وتوحيد الرأي، ومتانة الإيمان بالحق، والحذر الشديد من الأشراك المنصوبة والعُصَب الدخيلة، والنظر البعيد في العواقب المخبوءة والمكايد الخفية، والاحتفاظ بكلمة الفصل، يقولها الواحد فترددها الملايين، وإنهم في حالة انتقال، من حال إلى حال، من حال كانوا يواجهون فيه عدواً واحداً مكشوف النيات والسرائر، حيواني الشهوات والمنازع، إلى حال يواجهون فيه ثلاثة أعداء متشاكسي المصالح، متبايني المطامع، متظاهرين بالتقوى والعدل، والنصيحة الرشيدة للمستضعفين، ولكنهم متفقون على الاستغلال لا على الاستقلال، ومن ورائهم ذلك الثعلب القديم، وقصمت الحرب ظهره، جائعاً يتضور، وقابعاً يتحفز، وحانقاً يتلظى، وراجياً يتعلق، وطامعاً يتملق.

                          قاوم هؤلاء الإخوان الاستعمار الإيطالي، ووقفوا في وجهه وقفة المستميت، لم يثنهم التقتيل والتشريد، حتى إذا استيأسوا، وظنوا أن هذا الجار العنيد ختم عليهم بالعبودية المؤبدة جاءت الحرب الأخيرة، وعاد الرجاء، ونبض عرق البطولة، وهبّ المغاوير من سلائل العرب، يثأرون لعمر المختار، والشهداء الأبرار، حتى اشتفوا، وأوبقت إيطاليا جرائرها، فأبادها الله، وما كان إخواننا يدرون أنهم يعينون استعماراً على استعمار، وأنهم سينتقلون من شدق الأفعى، إلى ناب الأفعوان، ولكنهم لم يهنوا ولم يفشلوا في طلب استقلالهم، فصُمت الآذان عن سماع صوتهم حيناً ثم تصادمت المطامع، فكان لأصوات الدول الضعيفة في مجلس الأمم مجال في الآذان الصماء، ومنفذ إلى القلوب الغلف، فقضى ذلك المجلس باستقلال ليبيا طائعاً كمكره، ولكنه أرجأ الإنجاز إلى أول سنة 1952م.

                          جزيرة العرب في وجدان الإبراهيمي:

                          وهو يتابع بفكره وقلبه وأعصابه وإحساسه كل بلاد الإسلام. فاقرأه وهو يتحدث عن جزيرة العرب، ومصر وشمال أفريقيا وغيرها يقول:

                          (وهذه الجزيرة العربية مَجْلى البيان والوحي، ومسرح الخيال والشعر، ومنبت حماة الحقائق من قطحان وعدنان – تنصب فيها أشراك الشركات ووراء كل شرك صائد ؛ وتتناطح فيها رؤوس الأموال ؛ ووراء كل رأس مال رؤوس حيوانية تفكر في الكيد، وأيد حريرية تحمل القيد ؛ وأرجل تسعى للاحتلال والاستغلال ؛ وقد فجعت صحراؤها في الدليل الذي كان يستاف أخلاف الطرق [5]، بالدليل الذي جاء يستشفّ [6] أطباق الأرض، ويشتفّ [7] ما فيها من سوائل ؛ وأصبح ما في الأرض من الكنوز السائلة والجامدة بلاء وشقاء لمن على ظهرها من أهل وسكان.

                          وهذه مصر كنانة السهام ؛ أرض العبقرية وسماء الإلهام، وقبلة العرب ومحراب الإسلام تدفع بقوة إيمانها ألوهية فرعون جديد. وتدفع بيقظتها كيد شيطان مريد، بعد أن أنقذها الإسلام من تعبد الفراعنة الأولين ؛ وإن فرعون الجديد لعال في الأرض – كأخيه – وإنه لمن المفسدين.

                          وهذا الشمال [8] قد أصبح أهله كأصحاب الشمال، في سموم من الاستعمار وحميم، وظل من يحموم، ، لا بارد ولا كريم ؛ أفسد الاستعمار أخلاقهم.

                          ولمصر مكانة خاصة:

                          ويتحدث في مقال خاص رائع يخاطب فيه مصر (يا مصر) فيقول وما أبدع ما يقول:

                          (انثري كنانتك – يا كنانة الله – فإن لم تجدي فيها سلاح الحديد والنار فلا تراعي، واحرصي على أن تجدي فيها السلاح الذي يفل الحديد، وهو العزائم ؛ والمادة التي تطفئ النار، وهي اتحاد الصفوف ؛ والمِسن الذي يشحذ هذين، وهو العفة والصبر ؛ فلعمرك – يا مصر – إنهم لم يقاتلوك بالحديد والنار، إلا ساعة من نهار، ولكنهم قاتلوك في الزمن كله بالأستاذ الذي يفسد الفكر، وبالكتاب الذي يزرع الشك، وبالعلم الذي يمرض اليقين، وبالصحيفة التي تنشر الرذيلة، وبالفيلم الذي يزين الفاحشة، وبالبغي التي تخرب البيت ؛ وبالحشيش الذي يهدم الصحة ؛ وبالممثلة التي تمثل الفجور ؛ وبالراقصة التي تغري بالتخنث ؛ وبالمهازل التي تقتل الجد والشهامة ؛ وبالخمرة التي تذهب بالدين والبدن والعقل والمال ؛ وبالشهوات التي تفسد الرجولة، وبالكماليات التي تثقل الحياة ؛ وبالعادات التي تناقض فطرة الله ؛ وبالمعاني الكافرة التي تطرد معاني الله من القلوب ؛ فإن شئت أن تذيبي هذه الأسلحة كلها في أيدي أصحابها فما أمرك إلا واحدة، وهي أن تقولي: إني مسلمة. .. ثم تصومي عن هذه المطاعم كلها. .. إن القوم تجار سوء، فقاطعيهم تنتصري عليهم. .. وقابلي أسلحتهم كلها بسلاح واحد، وهو التعفف عن هذه الأسلحة كلها... فإذا أيقنوا أنك لا حاجة لك بهم، أيقنوا أنهم لا حاجة لهم فيك، وانصرفوا... وماذا يصنع " المرابي" في بلدة لا يجد فيها من يتعامل معـه بالربا؟)[9] انتهى.

                          قومي هم العرب والمسلمون:

                          ويتحدث الشيخ عن قومه وقضاياهم ومآسيهم التي تُؤرق عليه ليله، وتكدر عليه نهاره. وقومه هم العرب والمسلمون. يقول رحمه الله:

                          (والحقيقة هي أني كلما أظلّني عيد من أعيادنا الدينية أو القومية – أظلّتني معه سحابة من الحزن لحال قومي، وما هم عليه من التخاذل والانحلال والبعد عن الصالحات، والقرب من الموبقات. ... وقومي هم العرب أولا، والمسلمون ثانيا، فهم شغل خواطري، وهم مجال سرائري وهم مالئو أرجاء نفسي، ومالكو أزمة تفكيري.

                          أفكِّر في قومي العرب فأجدُهم يتخبّطون في داجية لا صباح لها، ويُفتَنون في كل عام مرةً أو مرتين، ثم لا يتوبون ولا هم يذّكرون، وأراهم لا ينقلون قدما إلى أمام، إلا تأخروا خطوات إلى وراء، وقد أنزلوا أنفسهم من الأمم منزلة الأمة الوكعاء من الحرائر، عجزت أن تتسامى لعلاهن، أو تتحلى بحلاهن، فحصرت همها في إثارة غيرة حرة على حرة، وتسخير نفسها لضَرّة، نكاية في ضرة، وأفكر في علة هذا البلاء النازل بهم، وفي هذا التفرق المبيد لهم، فأجدها آتية من كبرائهم وملوكهم، ومن المعوقين منهم الذين أشربوا في قلوبهم الذل، فرئموا الضيم والمهانة، واستحبوا الحياة الدنيا فرضوا بسفافها، ونزل الشرف من نفوسهم بدار غريبة فلم يقيم، ونزل الهوان منها بدار إقامة فلم يَرِم ؛ وأصبحوا يتوهمون كل حركة من إسرائيل، أشباحا من عزرائيل.

                          وأفكّر في قومي المسلمين فأجدهم قد ورثوا من الدين قشورا بلا لباب، وألفاظا بلا معان ؛ ثم عمدوا إلى روحه فأزهقوها بالتعطيل، وإلى زواجره فأرهقوها بالتأويل، وإلى هدايته الخالصة فموّهوها بالتضليل، وإلى وحدته الجامعة فمزّقوها بالمذاهب والطرق والنحل والشيع ؛ قد نصبوا من الأموات هياكل يفتتنون بها ويقتتلون حولها، ويتعادون لأجلها ؛ وقد نسوا حاضرهم افتنانا بماضيهم، وذهلوا عن أنفسهم اعتمادا على أوليهم، ولم يحفلوا مستقبلهم لأنه – زعموا – غيب، والغيب لله، وصدق الله وكذبوا، فما كانت أعمال محمد وأصحابه إلا للمستقبل، وما غرس محمد شجرة الإسلام ليأكل هو وأصحابه من ثمارها، ولكن زرع الأولون، ليجني الآخرون.

                          وهم على ذلك إذ طوقتهم أوروبا بأطواق من حديد، وسامتهم العذاب الشديد، وأخرجتهم من زمرة الأحرار إلى حظيرة العبيد، وورثت بالقوة والكيد والصولة والأيد – أرضهم وديارهم، واحتجنت أموالهم وخيرات أوطانهم، وأصبحوا غرباء فيها، حظهم منها حظ الأوكس، وجزائهم منها جزاء الأبخس.

                          إن من يفكر في حال المسلمين، ويسترسل مع خواطره إلى الأعماق – يفضي به التفكير إلى إحدى نتيجتين: إما أن ييأس فيكفر، وإما أن يجن فيستريح!

                          وجاء هذا العيد. .. والهوى في مراكش يأمر وينهي، والطغيان في الجزائر بلغ المنتهى، والكيد في تونس يسلط الأخ على أخيه، وينام ملء عينيه، والأيدي العابثة في ليبيا تمزق الأوصال، وتداوي الجروح بالقروح، وفرعون في مصر يحاول المحال، ويطاول في الآجال ؛ ومشكلة فلسطين أكلة خبيثة في وجه الجزيرة العربية، تسري وتستشري ؛ والأردن قنطرة عبور، للويل والثبور، وسوريا ولبنان يتبادلان القطيعة، والحجاز مطمح وراث متعاكسين، ونهزة شركاء متشاكسين، وقد أصبحت حماية (بيته)، معلقة بحماية زيته، واليمن السعيدة شقية بأمرائها، مقتولة بسيوفها ؛ والعراق، أعيا داؤه الراق ؛ وتركيا لقمة في لهوات ضيغم، وهي تستدفع تيارا بتيار، وتستجير من الرمضاء بالنار، وفارس طريدة ليثين يتخاطران، وباكستان لم تزمع التشمير، حتى رهصت بكشمير؛ والأفغان تحاول الكمال، فيصدها الخوف من الشمال، وجاوة لم تزل تحبو، تنهض وتكبو، وتومض وتخبو.

                          هذه ممالك العروبة والإسلام، كثرت أسماؤها، وقل غناؤها ؛ وهذه أحوال العرب والمسلمين، الذين يقبل عليهم العيد فيقبل بعضهم على بعض، يتقارضون التهاني، ويتعللون بالأماني ؛ أفلا أعذر إذا لقيت الأعياد بوجه عابس، ولسان بكي، وقلم جاف، وقلب حزين ؟. ..

                          حركة الإسلام في أوربا:

                          ولا يكتفي الشيخ بحمل هموم الإسلام وأمته في العالم الإسلامي فقط، بل تمتد هممه إلى الأقليات الإسلامية التي تعيش في الغرب وفي غيره، فتراه يكتب عن حركة الإسلام في أوربا قائلا [10]:

                          (الإسلام روح تجري ؛ ونفحة تسري، وحقيقة ليس بين قبولها إلا مواجهتها لها، وليس بين النفوس وبين الإذعان لها إلا إشراقها عليها من مجاليها الأولى.

                          لذلك نراه في جميع مراحل التاريخ يقطع الفيافي بلا دليل، ويقطع البحار بلا هاد، ويغزو مجاهل أفريقيا في الوسط والجنوب، ومنتبذات آسيا في الوسط والشرق، ثم يدخل شرق أوربا مع الفتوحات العثمانية. كما دخل غربها في الجنوب مع الفتوحات الأموية، وكما دخل جنوبها مع الفتوحات القيروانية. وهو في كل ذلك يقتحم الأذهان من غير استئذان.

                          وليست تلك الفتوحات الحربية هي التي غرسته أو مكنت له، لأن الفتح في الإسلام لم يكن في يوم ما إكراها على الدين. وإنما مكنت للإسلام: طبيعته ويسره ولطف مدخله على النفوس وملاءمته للفطر والأذواق والعقول. ولو بقي الإسلام على روحانيته القوية، ونورانيته المشرقة، ولو لم يفسده أهله بما أدخلوه عليه من بدع، وشانوه به من ضلال، لطبق الخافقين، ولجمع أبناءه على القوة والعزة والسيادة حتى يملكوا به الكون كله، ولكنهم أفسدوه واختلفوا فيه، وفرقوه شيعا ومذاهب، فضعف تأثيرهم به، فضعف تأثيره فيهم، فصاروا إلى ما نسمع.

                          لا يعود المسلم إلى العزة والسيادة حتى يغير ما به، فيرجع إلى حقائق القرآن يستلهما الرشد، ويستمد منها تشديد العزيمة، وتسديد الرأي، وإصابة الصواب، ومتانة الأخلاق، فيأخذ دينه بقوة، تهديه إلى أن يأخذ دنياه بقوة، ويقوده كل ذلك إلى أخذ السعادة بأسبابها.

                          ولو كان المسلم مسلما حقا لعرف نفسه، ولو عرف نفسه لعرف أخاه، ولو عرف أخاه لكان قويا به في المادة. ويوم نصل إلى هذه الدرجة نكون قد أعدنا تاريخ الإسلام من جديد. ونكون قد أضفنا إلى هذا العصر المادي العصري الفوار: عنصرا روحانيا فوارا يلطف من حدته، ويخفف من شدته، فيتكون منهما مزاج صالح، يصلح عليه الكون كله، لا المسلمون وحدهم.

                          إنك لترى للمسلمين وجودا في كل قطر، وتسمع عنهم نبأ في كل ناحية، ولكنهم متفرقون في زمن أصبح فيه التكتل شرطا للحياة، ومتباعدون في وقت أصبح فيه التقارب أساسا للقوة، ومتناكرون في عصر أصبح فيه التعارف أقوى وسائل التعاون. ومنصرفون عن الجامعة الإسلامية الواسعة إلى جوامع أخرى ضعيفة الآفاق، من جنسية وإقليمية، في هذا الزمن الذي يتداعى فيه أتباع الأديان القديمة، ومعتنقو النحل الحديثة – إلى التجمع حول المبادئ الروحية أو الفكرية.

                          وهناك في الأقاصي من شمالي أوربا طوائف من إخواننا المسلمين المنحدرين من السلائل التركية والصقلبية التي امتزجت في شبه جزيرة البلقان، ثم مدت مدها إلى النمسا وهنغاريا، ثم نزحت منها مجاميع إلى الشمال، فكان من بقاياها هذه المجموعة المتوطنة في (فنلندا).

                          ولا نشك أن إخواننا هؤلاء قد اصطبغوا بصبغة ذلك الوطن في حياتهم الدنيوية وطرق معايشهم، ولا نشك أنهم أخذوا فيها بنظام العصر وقوته وجده، ولكنهم في حياتهم الدينية – مستضعفون محتاجون إلى إمداد من إخوانهم المسلمين في جميع الأقطار، تقوي ضعفهم المادي، وتكمل نقصهم العلمي، وتشعرهم بالعزة والكرامة، وترفع رؤوسهم بين مواطنيهم.

                          ويظهر للقارئ من كلمة الأستاذ محمد فهمي عوض المنشورة في الماضي ومن الصور التي ننشرها اليوم، ومن الرسالة المفصلة التي كتبها إلينا الشيخ حبيب الرحمان شاكر إمام المسلمين في فنلندا – يظهر من ذلك كله ما هم في حاجة إليه، فليس لهم مسجد جامع يؤدون فيه الشعائر الدينية، وإنما يصلون الجمعة في قاعة سينما يكترونها لساعات، وليس عندهم من الكتب الدينية العربية شيء إلا المصاحف، وإنما يتمتعون بشيئين مهما تكن قيمتها غالية فإنهما لا تغنيان عن المفقود. وهما: العقيدة المتينة، والحرية التامة.

                          وجمعية العلماء تبتهج بهذه الصلة الجديدة بإخواننا مسلمي فنلندا، وتصل بهذه الكلمة وشائج القربى الدينية، وتحرك بها سواكن همم المسلمين في الشرق والغرب ليلتفتوا إلى هذه الناحية من جسمهم فيداووا علتها، ويسدوا خلتها، ويربحون بها ما يزيد في عددهم ؛ وإن هذا لأقل ما يوجبه الإسلام على المسلم) انتهى.



                          --------------------------------------------------------------------------------

                          [1] - نشرت في العدد (5) من جريدة البصائر سنة 1947.

                          [2] - نشرت في العدد (53) من جريدة البصائر سنة 1948.

                          [3] - مجلة الأخوة الإسلامية العدد الرابع، بغداد، الجمعة 20 جمادى الأولى 1372هـ الموافق 5 فيفري 1954م، السنة الثانية.

                          [4] - البصائر – العدد (5) – السنة الأولى من السلسة الثانية – 5 سبتمبر 1947 م. (بدون إمضاء).

                          [5] - الاستياف: شم الدليل لتراب الأرض ليعرف أين موقعه عند الضلال، ومن هذا الفعل أخذت كلمة المسافة.

                          [6] - استشف الشيئ صيره شفافا أو وجده كذلك بعد الاختيار.

                          [7] - اشتف ما في الإناء إذا أتى على آخره فلم يترك منه شيئا.

                          [8] - يريد شمال إفريقية.

                          [9] - نشرت في العدد178 من جريدة البصائر سنة 1952م.

                          [10] - البصائر: العدد 147 – السنة الرابعة من السلسة الثانية – 19 مارس 1951 م.
                          {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

                          وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

                          Comment

                          • فخر الدين المناظر
                            محاور - رحمه الله
                            • Mar 2006
                            • 1636

                            #28
                            خاتمة

                            دعاء وابتهال

                            ونختم بحثنا هذا عن العلامة الإبراهيمي بدعاء جامع، اقتبسناه من كلام الشيخ رحمه الله، ذكره في مقدمة التقرير الأدبي. وهي خطبة أدبية رائعة من الأدب الديني صادرة عن قلب مؤمن، عبر عنها قلم بليغ [1]:

                            رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ[آل عمران:8]

                            رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ[آل عمران:193-194].

                            اللهم هب لنا توفيقا ينير الطريق، وهداية تقي العثرات، وعناية تأخذ باليد إلى الحق، ويقينا يزيل اللبس في مواطن الشبهات، وتأييدا يثبت الأقدام في مواضع الزلل، وثباتا يعصم من الفرار في ميادين الصراع بين الخير والشر، وصبرا يزع عن النكوص على الأعقاب، وشجاعة تفل الحديد، وتنسخ آية هذا العصر الجديد، وبيانا يفحم الخصم في مواقف الجدل، وعفة تقهر الغرائز الجامحة، والشهوات العارمة، والمطامع المتعرضة بكل سبيل، وأفض علينا لطفا يصحب خفايا الأقدار عند حلول المصائب، وأصحبنا ولاية منك تخرجنا من الظلمات إلى النور،رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ[البقرة:250].

                            اللهم جنبنا زلة الرأي، وزلزلة العقيدة، ودغل الضمير، ورين البصيرة، وخيبة الرجاء، وطيش السهام، وجنبنا الخوف من غيرك، والجحود لخيرك، والبخل عليك برزقك، والرهبة من عدوك، والضلال في معرفتك، والهجر لكتابك، والشك في وعدك، والاستخفاف بوعيدك، والدخل في الانتساب إليك، واجنبنا وقومنا أن نعبد هذه الأصنام التي أضلت كثيرا من الناس.

                            اللهم ارزق أمة محمد التفاتا صادقا إليك، والتفاتا محكما حول كتابك، واتباعا كاملا لنبيك، وعرفانا شاملا بأنفسهم فقد جهلوها، وتعارفا نافعا بين أجزائهم فإنهم أنكروها، وبصيرة نافذة في حقائق الحياة فقد اشتبهت عليهم سبلها الواضحة، وهب لهم من لدنك نفحة تصحح الأخوة السقيمة وتصل الرحم المجفوة، وتمكن للثقة بينهم، واتحاد يجمع الشمل الممزق ويعيد المجد الضائع، ويرهب عدوك وعدوهم، ورجوعا إلى هديك يقربهم من رضاك، ويسبب لهم رحمتك ويزحزحهم عن عذاب الخزي، فإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت.

                            اللهم واحفظ هذه العصابة الذائدة عن حماك، والمعظمة لحرماتك الواقفة بالمرصاد لكل معتد عليها، الناصرة لدينك، والمدافعة – ولا منة – عن بيوتك، القائدة لرعيل الحق في سبيلك، فإنها كثيرة بك، معتزة بعزتك، قوية بتوفيقك، وإنها إن هلكت لم تعبد في هذه الأرض).

                            أيها الإخوان الكرام، أيها الأبناء الأعزاء !

                            مرحباً بالوفود غير خزايا ولا ندامى، وسلام لكم من أصحاب اليمين، وسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



                            --------------------------------------------------------------------------------

                            [1] - البصائر: العدد172 – 173- السنة الرابعة من السلسلة الثانية – 15 أكتوبر1951 م.
                            {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

                            وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

                            Comment

                            • فخر الدين المناظر
                              محاور - رحمه الله
                              • Mar 2006
                              • 1636

                              #29
                              بسم الله الرحمن الرحيم
                              مقدمة


                              الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتَّبع هداه ...

                              أيها الإخوة والأخوات:

                              خير ما أحييكم به تحية الإسلام، وتحية الإسلام السلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

                              فنحن نجتمع اليوم لنحتفل بكتاب ومؤلَّف.

                              وكم تُخرج المطابع كل يوم من ألوف الكتب بمختلف اللغات، وفي شتَّى الثقافات، ولكن الذي يلفت النظر منها قليل، والذي يَخلُد منها ويبقى أقل من القليل.

                              الذي يَخلُد ويبقى أثره، ويدوم نفعه، ولا يُبليه مرور الأيام والليالي: هو الأصيل الذي قدَّم صاحبه جديدًا للناس، ولا سيما إذا كان الناس في حاجة إلى هذا الجديد.

                              ومن هذه الكتب في عصرنا: كتاب (تحرير المرأة في عصر الرسالة) لأخينا وحبيبنا عبد الحليم أبو شقة رحمه الله.

                              ومن حقِّ الكتاب أن ينوِّه به العلماء، ويتحدث عنه النقَّاد، ويقتبس منه الدعاة، فهو موسوعة فريدة في بابها كانت الأمة في مسيس الحاجة إليها.

                              ومن حق الكاتب أن يحتلَّ مكانته في العلم والفكر، وأن يأخذ حقَّه ومكانه بين العلماء والمفكرين والمصلحين المجددين.

                              وحق على مثلي أن يتحدث عنه بما يجب له وما يستحقه من تقدير وتكريم، فهو شقيق الفكر والروح، ورفيق الدرب والمنهج، وصديق الشباب والكهولة والشيخوخة.

                              ولكن المقام لا يتسع، فسأكتفي هنا بكلمتين موجزتين:

                              كلمة عن الكتاب، وكلمة عن المؤلف.

                              كلمتي عن الكتاب:

                              أما الكتاب فقد كان يحمل إلى القارئ المسلم، وإن شئت قلت: يحمل إلى الأمة المسلمة: رسائل ثلاثا:

                              1- رسالة تحرير.

                              2- ورسالة تيسير.

                              3- ورسالة تنوير.
                              {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

                              وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

                              Comment

                              • فخر الدين المناظر
                                محاور - رحمه الله
                                • Mar 2006
                                • 1636

                                #30
                                (1)

                                رسالة التحرير:

                                فأما رسالة التحرير التي يحملها الكتاب إلى الأمة، فنأخذها من عنوان الكتاب ذاته (تحرير المرأة في عصر الرسالة) ومفهوم هذا العنوان: أن المرأة لم يحرِّرها قاسم أمين أو غيره في هذا العصر، بل حرَّرها محمد ، منذ أربعة عشر قرنًا أو تزيد.

                                وهذا ما أثبته هذا الكتاب بأجزائه الستة، وبنصوصه الوفيرة، ونقوله الغزيرة، واستنباطاته البصيرة، وتعليقاته المنيرة، ومناقشاته المستفيضة.

                                وهو يسعى من وراء إثبات تحرير المرأة في العصر النبوي إلى ضرورة تحرير المرأة المسلمة في العصر الحديث: تحريرها ممن اعتبروها مجرد وعاء للحمل والولادة، ومن الذين اعتبروها مجرد جسد للإثارة والفتنة، وكلا الفريقين من المتعصبين للقديم، ومن المتعبدين للحديث: لم يعتبرها إنسانا ذا عقل وروح ورسالة، وأنها مثل شقيقها الرجل: مكلفة بعبادة الله تعالى، وعمارة الأرض، والقيام بخلافة الله فيها.

                                لقد ضاعت رسالة المرأة بين الإفراط والتفريط، أو بين دعاة الغلو ودعاة التسيب.

                                بين الذين يريدون أن يحبسوا المرأة في البيت، فلا تخرج منه إلا مرتين: مرة إلى بيت الزوج، والمرة الأخرى إلى القبر.

                                وبين الذين يريدون أن يطلقوها كاسية عارية، مُتبرجة بكل زينة، مُتحللة من كل قيد.

                                وكلا هؤلاء وهؤلاء دعاة جاهلية، ولكن الأولين -كما قال عبد الحليم رحمه الله- دعاة جاهلية التقليد الأعمى للآباء، والآخرون دعاة جاهلية التقليد الأعمى للغرب.

                                وقد سمَّى الجاهلية الأولى (جاهلية القرن الرابع عشر)، كما سمَّى الجاهلية الأخرى (جاهلية القرن العشرين).

                                كان هذا الكتاب (فتحًا) في ساحة الفكر الإسلامي المعاصر في قضية المرأة، وإن كان قد سبقه كثيرون من علماء الإسلام قد تكلموا في قضية المرأة وأنصفوها: رشيد رضا، محمود شلتوت، البهي الخولي، مصطفى السباعي، عباس العقاد، وآخرون.

                                ولكن مزيَّة باحثنا: أنه جمع النصوص من القرآن الكريم ومن صحيح السنة، وخصوصا صحيحي البخاري ومسلم، جمعًا مستوعبًا لم يسبق أن قام به أحد قبله، حتى إنه جمع أكثر من ثلاثمائة نص في مشاركة المرأة في مجالات الحياة المختلفة بحضرة الرجال، كلها من الصحيحين.

                                كما أن له مزيَّة أخرى لم تتوافر لغيره، وهو: أنه صنَّفها تصنيفًا جديدًا، واستنبط منها دلالات مهمة، ووصل إلى نتائج طيبة، منطقية غير متكلفة ولا متعسفة، كلها في صالح المرأة، حتى قال شيخنا وشيخ الدعاة في عصره الشيخ محمد الغزالي في تقديم الكتاب: وددت لو أن هذا الكتاب ظهر من عدة قرون، وعرض قضية المرأة في المجتمع الإسلامي على هذا النحو الراشد.
                                {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

                                وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

                                Comment

                                Working...