مع أئمة التجديد ورؤاهم في الفكر والإصلاح

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • فخر الدين المناظر
    محاور - رحمه الله
    • Mar 2006
    • 1636

    #31
    (2)

    رسالة التيسير

    وأما (رسالة التيسير) التي يحملها هذا الكتاب، فهي واضحة فيه من أوله إلى آخره.

    والتيسير من أبرز مظاهره (التجديد) الذي عني به الكاتب رحمه الله، وقال في التعريف بالكتاب على صفحة الغلاف: (هذا الكتاب بأجزائه الستة: محاولة لـ(التجديد الإسلامي) في قضايا المرأة، تضاف إلى جهود رائدة لأساتذة لنا أجلاء).

    وعرَّف (التجديد) بالمفهوم الإسلامي: (أنه يعني العودة إلى الكتاب والسنة لمعرفة هدى الله، وتنزيل هذا الهدى على الواقع، حتى يستقيم على أمر الله).

    وهذا صحيح، فإن تجديد الشيء ليس معناه إزالته، وإتيان شيء حديث بدله، إنما معناه أن نحاول إعادته إلى صورته يوم نشأ وظهر، أو إلى أقرب ما يكون منها.

    وقد كان الدِّين عند ظهوره سهلاً ميسرًا، بعيدًا عن الحرج والإعنات، كما عبَّر عن ذلك القرآن، في مثل قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [المائدة:6]، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً [النساء:28].

    وجاء في وصف النبي في كتب أهل الكتاب: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [لأعراف:157].

    وعبَّرت عن ذلك الأحاديث النبوية: "يسروا ولا تعسروا"[1]، "إنما بعثتم مُيسرين، ولم تبعثوا مُعسرين"[2].

    فتجديد الدِّين يعني: أن نعيده إلى مَعين السهولة الأولى، ونضع عنه الآصار التي أثقلته طوال القرون، فكل عصر يضيف بعض الأحوطيات إلى ما قبله، والأحوط يعني: الأشد والأثقل. وقد حظي فقه المرأة بنصيب كبير من ذلك، وقد بيَّنت ذلك في تقديمي للكتاب، فكان مما قلته:

    الكتاب يَسِيرُ في اتجاه التيسير ورفع الحرج والإعنات عن المرأة المسلمة. وسبب ذلك أن الاتجاه الذي ساد العالم الإسلامي قرونًا هو اتجاه التزمُّت والتشديد على المرأة وسوء الظن بها.

    وعِلَّة ذلك الموقف المتشدِّد تتجلى في أمرين:

    الأول: جهل الأكثرين بالنصوص الشرعية التي تتضمن التيسير، وتقاوم التعسير، وبخاصة نصوص السنة النبوية الصحيحة، فإن نصوص القرآن معلومة للجميع. أما السنة فقد جُمعت في الكتب، ودونت في الدواوين الكثيرة من الجوامع والمسانيد والمعاجم والأجزاء وغيرها، واشتغل الناس بكتب المذاهب وفقهها عن الكشف عن السنة وكنوزها.

    وقد ترتب على هذا أن ترى كثيرين من المسلمين يَغفلون عن أحاديث صحيحة، ويستدلون بأحاديث ضعيفة، أو موضوعة.

    الثاني: سوء فهمهم للنصوص التي عرفوها، بوضعها في غير موضعها، أو قَسْرها على استنباط أحكام منها، لا تدلُّ عليها إلا باعتساف، أو بترها عن سبب ورودها أو عن سباقها وسياقها. أو عزلها عن باقي أحكام الإسلام، ومقاصده الكلية، فلا يوفِّق بين بعضها وبعض.

    ولهذا أمثلة كثيرة، لا يتسع المجال لذكرها.

    وقد وفِّق الكاتب البصير إلى رؤية هاتين العلَّتين بوضوح، فجعل أكبر همِّه في أمرين:

    أولهما: البحث عن النصوص المُحكَمة، وخاصة من الحديث الشريف، وحشد هذه النصوص المعبرة عن روح الإسلام وموقفه من المرأة، وهي غزيرة وفيرة ناصعة البيان، ويكفي أن تقرأ عناوين القضايا والجزئيات التي حشدها لتدرك مدى وفرتها ووضوح دلالتها.

    وهو يسوق هذه النصوص في كثير من الأحيان دون أن يعلِّق عليها، فهي ناطقة بما يريد أن يقوله للناس، شارحة نفسها بنفسها.

    ولكنه إذا علَّق على النصوص مستنبطًا أو شارحًا، أو مُرجِّحًا أو مُطبقًا لها على واقع الحياة، وجدته طويل الباع في التعبير عما يريد.

    أما الأمر الثاني الذي وجه إليه الكاتب همَّه: فهو ردُّ الأفهام الخاطئة التي حرَّفت النصوص عن موضعها، بقصد حينا، وبغير قصد أحيانا، ومحاولة استنباط الحكم الصحيح منها. ومثال ذلك: نظره في قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33]، وفي حديث وصف النساء بأنهن "ناقصات عقل ودين".

    قال الكاتب في حكم آية: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ َ: (إن الآية -مع الآيات السابقة واللاحقة- موجهة لنساء النبي ، ومما يؤكد أن أمر القرار في البيوت خاص بنساء النبي : أن عمر بن الخطاب ظل يمنعهن من الخروج للحج، ولم يأذن لهن إلا في آخر حجة حجها.

    قال الحافظ ابن حجر: (قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ فإنه أمر حقيقي خوطب به أزواج النبي )[3].

    وقال الحافظ في موضع آخر: (… وفهمت عائشة ومَن وافقها من هذا الترغيب في الحج -أي قوله : "لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج"[4]- إباحة تكرير الحج، وخص به عموم قوله: "هذه ثم ظهور الحُصْر"[5]، وقوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ، وكان عمر متوقفا في ذلك ثم ظهر له قوة دليلها، فأَذِن لهنَّ في آخر خلافته)[6].

    وعلى فرض أن الآية مقصود بها عامة المسلمات، فلننظر في نصوص السنة -وهي المُبيِّنة للكتاب- لنرى كيف طبَّق نساء المؤمنين على عهد رسول الله الأمر بالقرار في البيوت، وكيف لم يمنعهن هذا الأمر من الخروج للمشاركة في الحياة الاجتماعية. وقد أوردنا مئات النصوص من صحيحي البخاري ومسلم، وهي تؤكد هذه المشاركة في كثير من المجالات).

    وقال الكاتب في شرح حديث: "ناقصات عقل ودين"، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: خرج رسول الله في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء، فقال: "يا معشر النساء … ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للُبِّ الرجل الحازم من إحداكن …"[7].

    سنعرض لهذا الحديث من ثلاث زوايا: (سنكتفي نحن بأولاها وعلى القارئ أن يستكمل قراءتها كلها):

    الزاوية الأولى: هي الدَّلالة العامة لقوله : "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للُبِّ الرجل الحازم من إحداكن".

    إن النص يحتاج إلى دراسة وتأمل سواء من ناحية المناسبة التي قيل فيها، أو من ناحية مَن وُجِّه إليه الخطاب، أو من حيث الصياغة التي صيغ بها الخطاب، وذلك حتى نتبيَّن دلالته على معالم شخصية المرأة.

    فمن ناحية المناسبة: فقد قيل النَّص خلال عِظَة للنساء في يوم عيد، فهل نتوقع من الرسول الكريم صاحب الخلق العظيم أن يَغضَّ من شأن النساء أو يَحطَّ من كرامتهن أو ينتقص من شخصيتهن في هذه المناسبة البهيجة!!

    ومن ناحية مَن وُجِّه إليه الخطاب: فقد كنَّ جماعة من نساء المدينة-وأغلبهن من الأنصار- اللاتي قال فيهن عمر بن الخطاب: فلما قدمنا المدينة إذا قوم تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يأخذن من أدب الأنصار[8]. وهذا يوضِّح لماذا قال الرسول الكريم: "ما رأيت أذهب للُبِّ الرجل الحازم من إحداكن".

    أما من حيث صياغة النَّص: فليست صيغة تقرير قاعدة عامة أو حكم عام، وإنما هي أقرب إلى التعبير عن تعجُّب رسول الله من التناقض القائم في ظاهرة تغلب النساء -وفيهن ضعف- على الرجال ذوي الحزم. أي التعجُّب من حكمة الله: كيف وضع القوة حيث مَظِنَّة الضعف، وأخرج الضعف من مَظِنَّة القوة! لذلك، نتساءل: هل تحمل الصياغة معنى من معاني الملاطفة العامة للنساء خلال العِظَة النبوية؟ وهل تحمل تمهيدًا لطيفًا لفقرة من فقرات العِظَة، وكأنها تقول: أيها النساء إذا كان الله قد منحكنَّ القدرة على الذهاب بلُبِّ الرجل الحازم برغم ضعفكنَّ، فاتقينَ الله ولا تستعملنها إلا في الخير والمعروف.

    وهكذا كانت كلمة "ناقصات عقل ودين"، إنما جاءت مرة واحدة، وفي مجال إثارة الانتباه والتمهيد اللطيف لعِظَة خاصة بالنساء، ولم تجئ قط مستقلة في صيغة تقريرية سواء أمام النساء أم أمام الرجال).

    كما أن الكاتب حرص على أن يناقش بعض القضايا الأصولية الهامة التي لها علاقة بالموضوع، والتي اتَّكأ عليها كثيرون من العلماء في التضييق على المرأة، على خلاف ما أثبتته السنة المطردة. وذلك مثل قضية (سد الذرائع) التي ناقشها مناقشة العالم الواثق الذي يقف على أرض صُلْبَة.



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1]- متفق عليه: رواه البخاري في العلم (69)، ومسلم في الجهاد والسير (1734)، وأحمد في المسند (12333)، عن أنس.

    [2]- رواه البخاري في الوضوء (220) ، وأحمد في المسند (7255)، وأبو داود (380)، والترمذي (147)، والنسائي (56) ثلاثتهم في الطهارة، عن أبي هريرة.

    [3]- فتح الباري لابن حجر (7 /108) ط. دار المعرفة. بيروت.

    [4]- رواه البخاري في الحج (1861)، وأحمد في المسند (24497)، والنسائي في مناسك الحج (2628)، عن أم المؤمنين عائشة.

    [5]- رواه أحمد في المسند (21905) عن أبي واقد الليثي، وقال محققوه: حسن لغيره وهذا إسناد حسن في المتابعات والشواهد، وأبو داود في المناسك (1722)، وأبو يعلى في المسند (3/32)، والطبراني في الكبير (3/252)، والبيهقي في الكبرى كتاب الحج (4/327)، قال الحافظ في الفتح: إسناد حديث أبي واقد صحيح (4/74).

    [6]- فتح الباري (4/75).

    [7]- متفق عليه: رواه البخاري في الحيض (304)، ومسلم في الإيمان (80)، عن أبي سعيد الخدري.

    [8]- رواه البخاري في المظالم (2468)، ومسلم في الطلاق (1479)، وأحمد في المسند (222)، والترمذي في تفسير القرآن (3318)، عن عمر.
    {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

    وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

    Comment

    • فخر الدين المناظر
      محاور - رحمه الله
      • Mar 2006
      • 1636

      #32
      (3)

      رسالة التنوير:


      أما رسالة (التنوير) فهي الرسالة التي كانت أكبر همِّ عبد الحليم في حياته الفكرية. إنها رسالته للرجل والمرأة على حدٍّ سواء، فهو يؤمن أن تحرير المرأة لا يتم إلا بتحرير الرجل، وتحرير كليهما لا يتم إلا بتحرير العقل منهما، وهذا لا يتم إلا بإزاحة العوائق من طريق الإنسان، وإزالة الغشاوة عن عينيه حتى يرى، والأغلال عن أقدامه حتى يتحرك، ورفع كل القيود التي تعطله عن التفكير الحر والحركة الحرة.

      لقد كان كتاب (تحرير المرأة في عصر الرسالة) شمعة أضاءها عبد الحليم في طريق (التنوير) الإسلامي الصحيح. الذي يردُّ المسلمين إلى هُدى الله تعالى، وهدْي رسوله الكريم: هُدى الله المُتمثِّل في تعاليم كتابه أوامر ونواهي، وهَدْي الرسول المتمثل في أقواله وأعماله وتقريراته التي هي البيان النظري، والتطبيق العملي للقرآن، كما قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:44]، وقال: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21]، وقد حجبت المفاهيم الخاطئة، والتقاليد الخاطئة المسلمين عصورًا طويلة عن هذين النورين.

      كان عبد الحليم يرى أن أزمة المسلمين الأولى في عصرنا: أزمة عقلية في أساسها، وأن هذا ليس في جماهير المسلمين وحدهم، ولا في النخب العلمانية المقلدة للغرب فحسب، بل هي في النخب الإسلامية أيضًا، وقد لمسها هو عن كثب في العاملين في الجمعيات الدِّينية، والحركات الإسلامية، وقد كان عضوا عاملا فيها، قريبا من قياداتها، مساهما في أنشتطتها المختلفة، حتى دخل السجن متَّهمًا في إحدى قضاياها.

      ولهذا كان أول مقال كتبه في العدد الافتتاحي لمجلة (المسلم المعاصر) التي سعى في إصدارها: مقالا تحت عنوان (أزمة العقل المسلم المعاصر)، وهو المقال الذي لفت إليه أنظار الباحثين والمفكرين، وعلَّق عليه كثيرون، لما فيه من بصيرة وشجاعة في نقد الذات.

      وقد نقد هذا المقال العقل نقدًا مستبصرًا، كشف به اللثام عن مواضع ضعفه، ومواقع قصوره وخطئه، ولكنه لم يكن نقدًا غايته الهدم، بل غايته البناء، والأخذ بيد العقل المسلم، ليعرف الطريق القويم، ويمضي فيه على هدى.

      وقد وضَّح المؤلف رحمه الله، في مقدمته الثرية التي وضعها لكتابه، فبعد أن بين هدفه من كتابه، وهو الإسهام في إعادة تحرير المرأة المسلمة المعاصرة كما حررت في العصر النبوي قال:

      (ويلفتنا هذا الهدف إلى قضية أكبر وأخطر-تستدعي تضافر جهود العلماء والمفكرين- وهي قضية تحرير العقل المسلم المعاصر، تحريره من قيود هائلة، وموازين باطلة، وأفكار فاسدة، سيطرت عليه عبر القرون، فأعجزته وشوَّهته. فإذا تحرَّر من كل ذلك استيقظ وعمل على نور من هدى الله، وإن تحرير العقل المسلم هو السبيل الذي لا سبيل غيره إلى التحرير الكامل والأصيل للمرأة وتحرير الرجل معًا، بل هو السبيل إلى إعادة بناء المجتمع كله على أساس صحيح متين، ذلك أن العقل هو المُوِّجه لحركة الإنسان، فإذا تحرَّر عقله واهتدى تحرَّرت حركته واستقامت وِجهته، وانطلق راشدًا على نور وبصيرة، ونحسب أن هذه القضية هي أم القضايا، إذ أدت التشوهات المتراكمة إلى خلل بالغ في منهج تفكير المسلم، وتبع ذلك خلل عام في جميع نواحي الحياة).
      {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

      وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

      Comment

      • فخر الدين المناظر
        محاور - رحمه الله
        • Mar 2006
        • 1636

        #33
        المؤلف عبد الحليم أبو شقة:


        أيها الإخوة والأخوات:
        بقي أن أحدثكم عن الشقِّ الثاني من كلمتي، وهو عن مؤلف الكتاب الأستاذ عبد الحليم أبو شُقَّة رحمه الله، والحديث عنه ذو شجون وشؤون، ومجال القول فيه ذو سَعَة، وخصوصًا ممَّن عايشه مثلي عن قرب ثلث قرن من الزمان أو يزيد، وعرف مَدخله ومَخرجه، وخلوته وجلوته، وسارَّ كل منا صاحبه بما في نفسه. وأشهد أني لم أر مثل هذا الرجل في صفاء نفسه، ونقاء سريرته، وقوة التزامه، وصدقه واستقامته في قوله وفعله ونيته، ظاهره كباطنه، وعلانيته كسرِّه، لا يتلوَّن تلوُّن الحرباء، ولا يقابل الناس بوجهين، ولا يتكلم بلسانين. هو في معاملة الناس في ليونة الحرير، وفي أمر الله في صلابة الحديد. إنك تستطيع أن تتحدث عنه عالمًا باحثًا، وتتحدث عنه معلمًا مربيًا، وتتحدث عنه مصلحًا مجددًا، وتتحدث عنه أخًا وصديقًا، وتتحدث عنه رجلاً وإنسانًا.

        وسأكتفي هنا بالحديث عن ثلاث خصال من خصاله، لعلها أوصل بحديثنا عنه باحثًا ومؤلفًا ومفكرًا. هذه الخصال هي: خلق الحلم والأناة، وخلق التسامح، وخلق الحوار.

        أ. رجل الحلم والأناة:

        كثيرًا ما يكون للأسماء نضحها وأثرها على صاحبها، أو كأنما هي تنبؤ بما يكون عليه المسمَّى من صفات وفضائل.

        وكأنما كان اسم (عبد الحليم) توفيقا من الله لأبيه: أن يسميه بهذا الاسم المعبَّد لله تعالى موصوفًا بهذا الاسم من أسمائه الحسنى (الحليم)، رجاء أن يكون لابنه منه نصيب من هذا الاسم أو هذه الصفة، فيتخلق بخُلق وفضيلة الحلم، كما وصف تعالى نفسه بأنه: شَكُورٌ حَلِيمٌ[التغابن:17]، وغَفُورٌ حَلِيمٌ [آل عمران:155].

        وكما وصف خليله إبراهيم بقوله إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة:114].

        كان خلق (الحلم) و(الأناة) من أبرز أخلاق أخينا وحبيبنا عبد الحليم أبو شقة، وقد قال رسول الله لأشج عبد القيس: "يا أشج، إن فيك خَصلَتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة"[1].

        وقال : "الأناة من الرحمن، والعجلة من الشيطان"[2].

        وهذان الخُلقان: الحلم والأناة، كان لهما أثرهما البالغ في العمل العلمي والفكري لعبد الحليم، فلم تغلبه العجلة يوما فيما يكتبه، بل كان يقرأ طويلاً حتى يكتب، وما كتبه يراجعه طويلاً حتى يراه صالحًا للعرض، ثم تأتي مرحلة أخرى، وهي: عرضه على أصدقائه ومَن حوله من أهل العلم والفكر، على اختلاف ألوانهم، وتنوع ثقافاتهم، وتباين اتجاهاتهم. منهم أهل العلم الشرعي، وأهل العلم الوضعي، ومنهم الميَّال إلى التراث، والمواكب للعصر، ومنهم الجانح إلى التشديد، والداعي إلى التيسير، ومنهم ... ومنهم ...

        وأذكر أحيانا أن الموضوع الواحد كان يعيد صياغته عدَّة مرات، بعد أن يقرأه مَن يقرأه ويبدي ملاحظاته عليه، ثم يجلس مع صاحبه، ويناقشه في ملاحظاته واحدة بعد أخرى.

        كما أذكر أن الموضوع الواحد كان يعرضه عليَّ أكثر من مرة، ولا سيما بعد الاستشارات، وإبداء الملاحظات، وفي أحيان قليلة كنَّا نختلف في بعض المسائل التفصيلية، ونظل نتناقش فيها ونطيل المناقشة، حتى يُسلِّم أحدنا للآخر غالبًا.

        وما يزال هكذا يناقش ويراجع في كل موضوع حتى يَنضَج لديه، ويستقر عليه، ويصوغه الصياغة النهائية.

        أحسب أن كتاب (تحرير المرأة) قد أخذ منه نحو عشرين سنة في إعداده وتحريره، ومن أجله ترك عمله في دولة قطر، وقد كان مديرًا لمدرستها الثانوية وكان موضع الرضا والقبول والثناء، فإذا هو يفاجئنا بالاستقالة، وكم راجعه أصدقاؤه وزملاؤه في هذا الأمر، عسى أن يغير رأيه، ولكنه صمَّم على قراره. وكان الجميع يتعجَّب من هذا الرجل (الصوفي) الذي يتخلى مختارًا عن عمله المرموق في بلد يتهافت عليه المتهافتون، للتعاقد معه، أو الإعارة إليه. ولما سألناه عن السبب قال: إني أريد أن أتفرغ للبحث العلمي، وإن لديَّ مشروعات أريد أن أُنجزها، قلنا له: ألا تستطيع أن تبدأ ذلك وأنت في عملك؟ قال: إن سلفنا قالوا: إن العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك[3]. وقد استخرت الله تعالى وتوكلت عليه، وعزمت على أن أسلك طريقي في البحث. وقد ادَّخرت مبلغا من المال يكفي أن أبدأ به مشروعًا استثماريًا يكفي دخله لإعاشتي وأسرتي.

        وكان هذا المشروع دار نشر افتتحها في الكويت.

        وبدأ الرجل رحلته في البحث والقراءة بأناته المعروفة، يقرأ في كتب الحديث، وفي كتب التفسير، وفي كتب الفقه، وفي كتب التصوف، وفي كتب السيرة والتاريخ، وفي الكتب الحديثة في علم النفس، وعلم التربية، وعلم الاجتماع، وغيرها، لا يملُّ من القراءة، ولا يكتفي بالقليل من الاطِّلاع، فهو منهوم بالعلم، ومثله لا يشبع ولا يرتوي.

        وهو يقرأ وينقل ويسجل ملاحظات وأفكارًا متناثرة، وقد تكون في صورة تساؤلات تفتقر إلى جواب لا يزال يبحث عنه.

        لم يستكثر عبد الحليم أي وقت، أو أي جهد، أو أي مال، يبذله من أجل وليده أو كتابه المأمول، الذي استغرق تأليفه سنين. كثيرًا ما احتاج أن يسافر فيها هو وزوجه -أم عبد الرحمن حفظها الله- بعيدًا عن الناس وعن البيت والأولاد، في بلد عربي أو أوربي، لفترة خَلوة أو عزلة -كثيرًا ما تطول- لا يشوش عليه فيها أحد يقتحم عليه خَلوته. وبهذا كانت أم عبد الرحمن شريكه الكامل في إنجاز الكتاب كما ذكر رحمه الله، في مقدمته، وهي التي بيَّضت الكتاب بخطها، كما ساعدته بالمناقشة في بعض الأفكار، وفي تحضير بعض المواد، فضلاً عن تهيئة الجو النفسي المناسب. وربما كان ذلك في بعض الأحيان على حساب الأولاد، فهما يسافران، ويتركانهم وحدهم، وبعضهم كان يشعر بحاجته إلى الرعاية الوالدية، ولا سيما الجانب العاطفي منها.

        وبهذه الأناة الفريدة العجيبة: أنهى كتابه الأصيل والكبير: موسوعة (تحرير المرأة في عصر الرسالة) الذي يُعَد بحق (كتاب القرن) في شأن المرأة المسلمة.

        ب. رجل التسامح:

        ومن الأخلاق الأساسية عند عبد الحليم: التسامح مع الآخر، وسَعَة الصدر مع المخالف: سواء كان مخالفًا في العقيدة، أم مخالفًا في الفكر، أم مخالفًا في الموقف.

        فهو يؤمن بأن الله سبحانه خلق الناس مختلفين، ومنح كل واحد منهم عقلا يفكر به، وإرادة يرجِّح بها، وطاقة يعمل بها، وما دام الناس مختلفين في العقول والإرادات والطاقات، فلا بد أن تختلف وجهاتهم، وتختلف مواقفهم، ولا بد للإنسان العاقل الحكيم أن يحترم هذا الاختلاف، وإلا صادم حقائق الكون. وفي القرآن الكريم ما يشير إلى هذه الحقيقة الكبيرة حيث يقول تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود:118،119].

        قال كثير من المفسرين في معنى: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ، أي وللاختلاف خلقهم، أي خلقهم ليتغايروا، ولا يكونوا نسخًا مكرَّرة.

        وهذا هو الذي قرَّبه من كل الفئات والاتجاهات المختلفة: قوميين أو إسلاميين، يمينيين أو يساريين، سنيين أو شيعيين، سلفيين أو صوفيين، لأنهم رأوا فيه -من الناحية العقلية- الأفق الرحب، كما رأوا فيه -من الناحية العاطفية- الصدر الرَّحب، وكذلك لمسوا فيه -من الناحية الخُلقية- الضمير الحي. ولم يشعروا بأنه رجل متعصِّب، ضيق الأفق، منغلق على نفسه، سجين في قفص رأيه، كلا، فلم يكن يوما أسيرًا لمثل هذه النظرة.

        فئة واحدة هي التي ضاقت به وبفكره ذرعًا، ورفضته ورفضت فكره، ورفضت كتابه كلَّه. وهي الفئة المتحجِّرة الجامدة التي سمَّيتُها (الظاهرية الجدد).

        لقد رفضوا كتابه بمجرد ظهوره رفضًا قاطعًا، وأحسبهم لم يقرأوه، وإنما قرءوا عناوينه، وعلموا أنها تخالف ما انتهى إليه علمهم، وما استقرَّ عليه رأيهم، دون أن يفحصوا ما استند إليه من أدلة واعتبارات من صحيح المنقول، وصريح المعقول.

        ولقد دعاهم وألحَّ في دعوتهم برفق إلى اللقاء والمناقشة في موضوعات الكتاب، وخصوصا الموضوعات المختلف فيها، ليسمعوا إلى وجهة نظره، ويستمع إلى وجهة نظرهم، عسى أن يقرِّب هذا اللقاء بين الفريقين، فربما عدَّل من رأيه، وربما عدَّلوا من رأيهم. فأبوا ذلك أيضا، وقالوا: إن الكتاب غير مقبول عندهم جملة وتفصيلا، فلا داعي للنقاش حوله.

        وقد علَّق على ذلك الداعية الكبير الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله، قائلا: إنهم إذن يرفضون البخاري ومسلمًا، لأن الكتاب أساسا قائم -بعد القرآن- على أحاديث الصحيحين، فأعجب لمسلم يرفض الاحتكام إلى القرآن والصحيحين!!

        جـ. رجل الحوار:

        وهذه الأخلاق كلها أثمرت عند عبد الحليم: فكر الحوار، وخُلق الحوار. فهو رجل يعشق الحوار، ويؤمن به، ويدعو إليه على كل صعيد.

        ليس الحوار عنده جدلاً بيزنطيًا، أو مغالبة بالحق وبالباطل، يريد فيها الانتصار للنفس، وقهر الخَصم. ولكن الحوار عنده وسيلة لفهم أعمق، واستبصار أوثق، هو بحث -أو تباحث- عن الحقيقة، وسعي للكشف عنها، بواسطة تلاقح الأفكار، وتفاعل الآراء المختلفة بعضها مع بعض. فهو نوع من عمل الفريق، بدل أن يعمل الفرد وحده، ويبحث وحده، لا يناقشه أحد، ولا يسائله أو يجيبه أحد.

        إنه يؤمن أن الناس -مهما يختلفوا في الدِّين أو الدنيا- فإن هناك جوامع مشتركة يمكن أن يلتقوا عليها. ومهمة الحوار البنَّاء البحث عن هذه الجوامع، وتوسيع نطاقها، وتضييق دائرة المختلف عليه ما وجد إلى ذلك سبيل.

        لم يكن عبد الحليم يؤمن بحتمية الصراع بين الثقافات والحضارات أو الأديان، بل يتبنَّى إمكان التعايش بينها، وأن الاختلاف بين الحضارات لا يؤدي بالضرورة إلى صراع وعداوة، بل يؤدي إلى نوع من (التفاعل) المطلوب، بدلاً من (التصارع) المرفوض. ويكون هذا كما قيل في الاختلاف الموروث بين بعض علماء الإسلام وبعض في أقوال معينة: إنه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.

        أعلن هذا الأستاذ عبد الحليم -تفاعل الحضارات لا تصارعها- في العدد الافتتاحي لمجلة (المسلم المعاصر)، الذي كان هو صاحب فكرتها، والذي جمع لها المفكرين والعلماء مرات ومرات، من بلاد شتَّى في جلسات طويلة، حتى تبلورت فكرتها، وظهرت إلى الوجود تعبِّر عن هدف ورسالة، ولا سيما رسالة الحوار، ولا زالت موصولة العطاء إلى اليوم، بفضل جهود أخينا وصديقنا الأستاذ الدكتور جمال الدين عطية حفظه الله.

        ولقد تجلَّى اتجاهه النقدي والحواري منذ مقالته الأولى في المجلة (أزمة العقل المسلم المعاصر) التي أشرنا إليها من قبل.

        نتعاون في المتفق عليه ونتحاور في المختلف فيه:

        ولقد كنت أتحدث معه مرة حول (قاعدة المنار الذهبية) التي وضعها العلامة المُجدِّد الشيخ رشيد رضا، وروَّج لها في مجلته، ودعا إليها، وهي التي تقول: (نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه)، وهي من قواعد التسامح المهمة، والتي تشرع للعمل المشترك بين المختلفين، ولا تشترط الاتفاق في كل شيء، ليبدأ عمل مشترك لمصلحة الأمة.

        لكن أبا عبد الرحمن رحمه الله، كان له تعليق على الشقِّ الثاني من هذه القاعدة، وهو: أنه اقترح أن تكون القاعدة هكذا: (نتعاون في المتفق عليه، ونتحاور في المختلف فيه).

        فقد رأى أن عذر بعضنا بعضا وإن كان مفيدا في إشاعة خلق التسامح: أمر سلبي، لا يقدم جديدًا للعلم والفكر، وستظل هذه القضايا الخلافية ثابتة جامدة أبد الدهر، فلماذا لا نذيب هذا الجليد، ونتحاور في أمرها بروح علمية حيادية، وبمنهج عقلي موضوعي لا يحتكم إلى العواطف، ولا إلى الشائع بين الناس، فلعل هذا الحوار يخفف من حدة الخلاف، أو يقرب بين المتخالفين.

        قلت له: إذا كانت قاعدة الشيخ رشيد رحمه الله، سميت (القاعدة الذهبية) فإن قاعدتك هذه جديرة أن تسمى: (القاعدة الماسيَّة)!

        الثوابت لا تمنع الحوار:

        ومن حرص الأستاذ عبد الحليم رحمه الله، على إرساء دعائم الحوار والترغيب فيه، وإشاعة الدعوة إليه بين المثقفين، سواء كانوا دينيين أم وضعيين: أنه لم يرَ (الثوابت العَقَدية والفكرية) عقبة تقف في سبيل الحوار، وتمنع من إجرائه والاستفادة من ثماره.

        وقد عرض لهذه القضية -وهو يناقش أمر الحوار- في كتابه القيِّم الخصب الذي نُشر بعد وفاته، مستمدًا من أوراقه الثرية الكثيرة التي خلفها لمَن بعده، والذي سُمِّي (نقد العقل المسلم: الأزمة والمخرج) والذي كتب مقدمته المفكر المسلم الكبير الدكتور محمد عمارة.

        أجل، عرض لمسألة الثوابت، وعلاقتها بالحوار، وتأثيرها فيه، وناقشها بصراحة وشجاعة وموضوعية، وكان مما قاله فيها:

        (أما القضايا الجديدة أو المتجددة المتطورة في حياة الإنسان، فهي قضايا تثيرها الحياة المتطورة، وهي قضايا ما زال الإنسان يبذل جهده في تأملها وبحثها ودراستها، ويشعر أنها بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتريث والتأمل، وطرحها للحوار إحدى الوسائل المعينة للبحث والدراسة والتأمل.

        وما دامت هذه الأفكار المُتجدِّدة مطروحة بهذا القصد -أي للحوار- فهي أشبه بمرحلة التجريب في مجال تحسين زراعة محصول ما أو اكتشاف دواء ما، وطرحها للحوار حولها فرصة لتعاون عدة عقول على الدراسة والبحث والتأمل.

        ومن مميزات الحوار الجاد الذي نريده ما يلي:

        § الحوار نوع من (عمل الفريق) لا عمل الفرد.

        § الحوار يجلو الصدأ الذي قد يصيب العقل، بكسر القيود والسدود التي قد تكون مُترسِّبة في عقل الفرد، ويكشف علاقات منطقية كانت غائبة عن عقل الفرد.

        § يربط النتائج بأسبابها، وقد يغفل الفرد عن هذا الربط.

        § يربط الظواهر بالبواطن، وقد يغفل الفرد عن هذا الربط.

        § يوفر النظرة الشاملة للموضوع، وقد يقف عقل الفرد عند بعض جوانب هذا الموضوع فقط.

        § الحوار يصقل الفكرة (الرأي والاجتهاد).

        § الحوار نوع من التجربة، وكما أن التجربة تدعم الفرضية أو تُعدِّلها أو تُلغيها، فكذلك الحوار يدعم الفكرة أو يُعدِّلها أو ينفيها.

        § الحوار في مجال الفكر يقوم مقام إجراء التجارب في مجال المادة، وإن كان لا يتوافر في مجال الفكر ما يختبر صحة الفرضية، فإن ندوة الحوار هي في مقام مختبر التجارب.

        § الحوار تجربة في عالم الفكر أو عالم العقل تسبق التجربة في عالم الواقع؛ ولا بد أن يسبق هذا النوع من التجربة (أي ميدان الفكر) التجريب في مجال الواقع، حيث يكون الثمن باهظا عند الخطأ.

        § يعطي الحوار صاحبه الحق ليظهر حقه وهنا نقول: لا محايد إلا الانتهازيون أو السلبيون، ولا خير فيمن خلا من المعتقدات والمبادئ العامة والخاصة ... ولكن على أصحاب المعتقدات أن يتحلُّوا بالتعقُّل والاستنارة، وأن يؤمنوا بأن الحوار هو أساس كل نظام اجتماعي مُتجدِّد وأساس التقدم.

        وإذا كان سنا البرق يبدو من التقاء سُحب شتَّى، فإن سنا الحق يبدو من التقاء آراء شتَّى ...

        (لقد انتهى زمن المعصومين الذين يساندهم الوحي، ولا يقولون إلا الحق. وأدرك العالم كله أن من جاء بعدهم -أي الأنبياء- مهما شمخت عبقريته فهو يخطئ ويصيب ويكبو ويمضي ...)[4].

        ومما يجعل الحوار الجاد الذي نبغيه ضرورة لازمة: ضعف العقل البشري، بمعنى عدم كماله، وليس بمعنى عجزه.

        ومن آثار هذا الضعف:

        - يدرك شيئا وتغيب عنه أشياء.

        - قد يدرك شيئا إدراكًا غير صحيح.

        - يرى اليوم ما لم يره بالأمس.

        وننبِّه في خواتيم هذه الجولة إلى أن هناك فرقا بين الحوار من أجل التصحيح أو مع الاستعداد للتصحيح، وبين الحوار (المنتقى) من أجل التدعيم والتنمية لنفس الأخطاء والاتجاه، أو الاستماع لبعض الشخصيات الجدلية لتدعيم بعض ما عندي ما دام هو الغالب وبصرف النظر مقدما عن قدر الخلاف.

        إن التعاون بالميزان الصحيح يقضي بأنه ليس في العمل الجماعي أنا وأنتم، بل نحن كلنا نقدِّم لله، والعمل يحتاجنا جميعا، ونحن جميعا نحتاج رضا الله وثواب الله، ونخاف عقاب الله وإن قصرنا في واجبنا. المهم: حرام أن يزهد طرف في الآخر، ويحدث التقاطع والتباعد مع إمكانية التقارب والتعاون.

        ونحن إذ نتحاور لسنا في موقف تحدِّ، وإنما هو تشاور وتناصح وتحاور، تحاور بين طرفين مختلفين: تحاور في البيت الواحد، وتحاور للتعارف وللتقارب، والاستيثاق؛ أي يستوثق كل منا من صاحبه، فينبغي أن يتقدم كل منا خطوة أو خطوات (عن اقتناع) نحو الآخر)[5].



        --------------------------------------------------------------------------------

        [1]- رواه مسلم في الإيمان (25)، والترمذي في البر والصلة (2011)، وابن ماجه في الزهد (4188)، عن ابن عباس.

        [2]- رواه الترمذي في البر والصلة (2012)، وقال: حديث غريب، وفي نسخة : حسن غريب كما قال المباركفوري في تحفة الأحوذي (6/130)، والطبراني في الكبير (6/122)، عن سهل بن سعد، وله شاهد من حديث أنس رواه أبو يعلى في المسند (7/247)، والبيهقي في الشعب باب في تعديد نعم الله (4/89)، وفي الكبرى كتاب في آداب القاضي (10/104)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح (8/43)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (1795).

        [3]- روى الخطيب في تاريخ بغداد عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة: يقول العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، وأنت إذا أعطيته كلك من إعطائه البعض على غرر(14/249).

        [4]- من كتاب نظرة على واقعنا الإسلامي مع مطلع القرن الخامس عشر الهجري للشيخ محمد الغزالي صـ79 ط. دار ثابت. القاهرة.

        [5]- انظر: نقد العقل المسلم..الأزمة والمخرج ص 207 - 210.
        {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

        وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

        Comment

        Working...