(2)
رسالة التيسير
رسالة التيسير
وأما (رسالة التيسير) التي يحملها هذا الكتاب، فهي واضحة فيه من أوله إلى آخره.
والتيسير من أبرز مظاهره (التجديد) الذي عني به الكاتب رحمه الله، وقال في التعريف بالكتاب على صفحة الغلاف: (هذا الكتاب بأجزائه الستة: محاولة لـ(التجديد الإسلامي) في قضايا المرأة، تضاف إلى جهود رائدة لأساتذة لنا أجلاء).
وعرَّف (التجديد) بالمفهوم الإسلامي: (أنه يعني العودة إلى الكتاب والسنة لمعرفة هدى الله، وتنزيل هذا الهدى على الواقع، حتى يستقيم على أمر الله).
وهذا صحيح، فإن تجديد الشيء ليس معناه إزالته، وإتيان شيء حديث بدله، إنما معناه أن نحاول إعادته إلى صورته يوم نشأ وظهر، أو إلى أقرب ما يكون منها.
وقد كان الدِّين عند ظهوره سهلاً ميسرًا، بعيدًا عن الحرج والإعنات، كما عبَّر عن ذلك القرآن، في مثل قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [المائدة:6]، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً [النساء:28].
وجاء في وصف النبي في كتب أهل الكتاب: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [لأعراف:157].
وعبَّرت عن ذلك الأحاديث النبوية: "يسروا ولا تعسروا"[1]، "إنما بعثتم مُيسرين، ولم تبعثوا مُعسرين"[2].
فتجديد الدِّين يعني: أن نعيده إلى مَعين السهولة الأولى، ونضع عنه الآصار التي أثقلته طوال القرون، فكل عصر يضيف بعض الأحوطيات إلى ما قبله، والأحوط يعني: الأشد والأثقل. وقد حظي فقه المرأة بنصيب كبير من ذلك، وقد بيَّنت ذلك في تقديمي للكتاب، فكان مما قلته:
الكتاب يَسِيرُ في اتجاه التيسير ورفع الحرج والإعنات عن المرأة المسلمة. وسبب ذلك أن الاتجاه الذي ساد العالم الإسلامي قرونًا هو اتجاه التزمُّت والتشديد على المرأة وسوء الظن بها.
وعِلَّة ذلك الموقف المتشدِّد تتجلى في أمرين:
الأول: جهل الأكثرين بالنصوص الشرعية التي تتضمن التيسير، وتقاوم التعسير، وبخاصة نصوص السنة النبوية الصحيحة، فإن نصوص القرآن معلومة للجميع. أما السنة فقد جُمعت في الكتب، ودونت في الدواوين الكثيرة من الجوامع والمسانيد والمعاجم والأجزاء وغيرها، واشتغل الناس بكتب المذاهب وفقهها عن الكشف عن السنة وكنوزها.
وقد ترتب على هذا أن ترى كثيرين من المسلمين يَغفلون عن أحاديث صحيحة، ويستدلون بأحاديث ضعيفة، أو موضوعة.
الثاني: سوء فهمهم للنصوص التي عرفوها، بوضعها في غير موضعها، أو قَسْرها على استنباط أحكام منها، لا تدلُّ عليها إلا باعتساف، أو بترها عن سبب ورودها أو عن سباقها وسياقها. أو عزلها عن باقي أحكام الإسلام، ومقاصده الكلية، فلا يوفِّق بين بعضها وبعض.
ولهذا أمثلة كثيرة، لا يتسع المجال لذكرها.
وقد وفِّق الكاتب البصير إلى رؤية هاتين العلَّتين بوضوح، فجعل أكبر همِّه في أمرين:
أولهما: البحث عن النصوص المُحكَمة، وخاصة من الحديث الشريف، وحشد هذه النصوص المعبرة عن روح الإسلام وموقفه من المرأة، وهي غزيرة وفيرة ناصعة البيان، ويكفي أن تقرأ عناوين القضايا والجزئيات التي حشدها لتدرك مدى وفرتها ووضوح دلالتها.
وهو يسوق هذه النصوص في كثير من الأحيان دون أن يعلِّق عليها، فهي ناطقة بما يريد أن يقوله للناس، شارحة نفسها بنفسها.
ولكنه إذا علَّق على النصوص مستنبطًا أو شارحًا، أو مُرجِّحًا أو مُطبقًا لها على واقع الحياة، وجدته طويل الباع في التعبير عما يريد.
أما الأمر الثاني الذي وجه إليه الكاتب همَّه: فهو ردُّ الأفهام الخاطئة التي حرَّفت النصوص عن موضعها، بقصد حينا، وبغير قصد أحيانا، ومحاولة استنباط الحكم الصحيح منها. ومثال ذلك: نظره في قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33]، وفي حديث وصف النساء بأنهن "ناقصات عقل ودين".
قال الكاتب في حكم آية: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ َ: (إن الآية -مع الآيات السابقة واللاحقة- موجهة لنساء النبي ، ومما يؤكد أن أمر القرار في البيوت خاص بنساء النبي : أن عمر بن الخطاب ظل يمنعهن من الخروج للحج، ولم يأذن لهن إلا في آخر حجة حجها.
قال الحافظ ابن حجر: (قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ فإنه أمر حقيقي خوطب به أزواج النبي )[3].
وقال الحافظ في موضع آخر: (… وفهمت عائشة ومَن وافقها من هذا الترغيب في الحج -أي قوله : "لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج"[4]- إباحة تكرير الحج، وخص به عموم قوله: "هذه ثم ظهور الحُصْر"[5]، وقوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ، وكان عمر متوقفا في ذلك ثم ظهر له قوة دليلها، فأَذِن لهنَّ في آخر خلافته)[6].
وعلى فرض أن الآية مقصود بها عامة المسلمات، فلننظر في نصوص السنة -وهي المُبيِّنة للكتاب- لنرى كيف طبَّق نساء المؤمنين على عهد رسول الله الأمر بالقرار في البيوت، وكيف لم يمنعهن هذا الأمر من الخروج للمشاركة في الحياة الاجتماعية. وقد أوردنا مئات النصوص من صحيحي البخاري ومسلم، وهي تؤكد هذه المشاركة في كثير من المجالات).
وقال الكاتب في شرح حديث: "ناقصات عقل ودين"، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: خرج رسول الله في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء، فقال: "يا معشر النساء … ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للُبِّ الرجل الحازم من إحداكن …"[7].
سنعرض لهذا الحديث من ثلاث زوايا: (سنكتفي نحن بأولاها وعلى القارئ أن يستكمل قراءتها كلها):
الزاوية الأولى: هي الدَّلالة العامة لقوله : "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للُبِّ الرجل الحازم من إحداكن".
إن النص يحتاج إلى دراسة وتأمل سواء من ناحية المناسبة التي قيل فيها، أو من ناحية مَن وُجِّه إليه الخطاب، أو من حيث الصياغة التي صيغ بها الخطاب، وذلك حتى نتبيَّن دلالته على معالم شخصية المرأة.
فمن ناحية المناسبة: فقد قيل النَّص خلال عِظَة للنساء في يوم عيد، فهل نتوقع من الرسول الكريم صاحب الخلق العظيم أن يَغضَّ من شأن النساء أو يَحطَّ من كرامتهن أو ينتقص من شخصيتهن في هذه المناسبة البهيجة!!
ومن ناحية مَن وُجِّه إليه الخطاب: فقد كنَّ جماعة من نساء المدينة-وأغلبهن من الأنصار- اللاتي قال فيهن عمر بن الخطاب: فلما قدمنا المدينة إذا قوم تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يأخذن من أدب الأنصار[8]. وهذا يوضِّح لماذا قال الرسول الكريم: "ما رأيت أذهب للُبِّ الرجل الحازم من إحداكن".
أما من حيث صياغة النَّص: فليست صيغة تقرير قاعدة عامة أو حكم عام، وإنما هي أقرب إلى التعبير عن تعجُّب رسول الله من التناقض القائم في ظاهرة تغلب النساء -وفيهن ضعف- على الرجال ذوي الحزم. أي التعجُّب من حكمة الله: كيف وضع القوة حيث مَظِنَّة الضعف، وأخرج الضعف من مَظِنَّة القوة! لذلك، نتساءل: هل تحمل الصياغة معنى من معاني الملاطفة العامة للنساء خلال العِظَة النبوية؟ وهل تحمل تمهيدًا لطيفًا لفقرة من فقرات العِظَة، وكأنها تقول: أيها النساء إذا كان الله قد منحكنَّ القدرة على الذهاب بلُبِّ الرجل الحازم برغم ضعفكنَّ، فاتقينَ الله ولا تستعملنها إلا في الخير والمعروف.
وهكذا كانت كلمة "ناقصات عقل ودين"، إنما جاءت مرة واحدة، وفي مجال إثارة الانتباه والتمهيد اللطيف لعِظَة خاصة بالنساء، ولم تجئ قط مستقلة في صيغة تقريرية سواء أمام النساء أم أمام الرجال).
كما أن الكاتب حرص على أن يناقش بعض القضايا الأصولية الهامة التي لها علاقة بالموضوع، والتي اتَّكأ عليها كثيرون من العلماء في التضييق على المرأة، على خلاف ما أثبتته السنة المطردة. وذلك مثل قضية (سد الذرائع) التي ناقشها مناقشة العالم الواثق الذي يقف على أرض صُلْبَة.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]- متفق عليه: رواه البخاري في العلم (69)، ومسلم في الجهاد والسير (1734)، وأحمد في المسند (12333)، عن أنس.
[2]- رواه البخاري في الوضوء (220) ، وأحمد في المسند (7255)، وأبو داود (380)، والترمذي (147)، والنسائي (56) ثلاثتهم في الطهارة، عن أبي هريرة.
[3]- فتح الباري لابن حجر (7 /108) ط. دار المعرفة. بيروت.
[4]- رواه البخاري في الحج (1861)، وأحمد في المسند (24497)، والنسائي في مناسك الحج (2628)، عن أم المؤمنين عائشة.
[5]- رواه أحمد في المسند (21905) عن أبي واقد الليثي، وقال محققوه: حسن لغيره وهذا إسناد حسن في المتابعات والشواهد، وأبو داود في المناسك (1722)، وأبو يعلى في المسند (3/32)، والطبراني في الكبير (3/252)، والبيهقي في الكبرى كتاب الحج (4/327)، قال الحافظ في الفتح: إسناد حديث أبي واقد صحيح (4/74).
[6]- فتح الباري (4/75).
[7]- متفق عليه: رواه البخاري في الحيض (304)، ومسلم في الإيمان (80)، عن أبي سعيد الخدري.
[8]- رواه البخاري في المظالم (2468)، ومسلم في الطلاق (1479)، وأحمد في المسند (222)، والترمذي في تفسير القرآن (3318)، عن عمر.
Comment