الكوميديا الإلحادية

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • أبو يحيى الموحد
    عضو فعال
    • May 2011
    • 1637

    #76
    ويظل نفي هذا الجهل بتحصيل العلوم المادية الباهرة ثم نقلها من الوجود الذهني والرقمي إلى الوجود الحقيقي, هو التحدي الأكبر الذي يقف أمامه الفكر الإلحادي العربي حيران مترددا. هذه هي العتبة المقدسة التي يعكف عندها عتاة ملاحدة الشبكة ويلزمونها متهيبين, لأنها تبدو كقمة إيفرست
    بارك الله فيك و في علمك
    الكُفْرُ يُعْمي و يُصِم

    Comment

    • هشام بن الزبير
      كاتب
      • May 2010
      • 2867

      #77
      22 من أدب الطفولة الإلحادية

      منذ أن شاع خبر إلحاده بين خواصه و أقاربه قبيل سنوات وصاحبنا منزو في ركنه, منطو على نفسه, يزحف على الأرض شريدا, ويلوذ بالشبكة وحيدا, يتحاشى الزيارات العائلية ويختلق الأعذار المتنوعة ليتملص من بعض الدعوات التي ما تزال تأتيه بين الفينة والأخرى, لكن أبا الإلحاد لم يجد بدا من الاستجابة لدعوة أخيه الأصغر هذه المرة. لقد فاجأه سفيان حين طرق عليه الباب ثم قال له: "إني أنتظرك في السيارة, لا تتأخر الجميع ينتظرونك للعشاء."

      هاهوذا في غرفة الضيوف يتصنع ابتسامة باهتة ويطرق ببصره كيلا يتورط في حديث لا يدري إلى أين يفضي به كمن يحاذر دخول النهر كيلا يجرفه التيار, مضى بعض الوقت في تبادل عبارات التحية والمجاملات المعتادة حين ارتفع الأذان فجأة, فتهيأ الحضور لأداء الصلاة, حينها أخرج أبو الإلحاد هاتفه النقال كأنه تلقى لتوه اتصالا وأومأ للجمع معتذرا ثم خرج واختفى بعض ساعة ريثما يفرغ القوم من صلاتهم. حين عاد إلى مكانه جاءه بن أخيه وليد وجلس إزاءه ينظر إليه في فضول, لقد كبر بسرعة, إنه الآن في الثامنة من عمره, ابتسم أبو الإلحاد حين سأله الطفل فجأة: " لماذا لا تصلي يا عمي؟ الذي لا يصلي يدخل النار!", نظر إليه والدهشة تملأ عينيه, وسكت للحظة خيل إليه أنها دهر, وأطرق كأنه يغوص في نفسه عن جواب ينهي هذا الوضع المحرج ثم قال: "ما زلت صغيرا, سأجيبك عندما تكبر قليلا." قال وليد: "لقد كبرت بما يكفي, سمعت خالي أحمد يقول عنك (ملحد), إيش معنى (ملحد) يا عمي؟" نظر أبو الإلحاد حوله وشعر كأن الأرض تخسف من تحته, وماذا عساه يقول؟ إنه لا يعلم لوجوده ولا لإلحاده معنى, فمن أين له الجواب الذي يملأ عقل طفل؟ قال له: "أحضر لي كوب ماء رجاء." حين شرع أبو الإلحاد يشرب ويتمنى أن ينسى الصبي أسئلته قال له مستغربا: "تشرب بالشمال يا عم, الشيطان فقط هو الذي يأكل ويشرب بشماله." كاد صاحبنا يغص بالماء, نظر حوله وقد امتلأ ندما على حضوره في هذا المكان.

      مضت بقية الليلة في أحاديث متناثرة لا يضمها رابط إلا الولع بالضوضاء والرهبة من الصمت, ولم تنقطع هذه الأحاديث إلا قليلا حين حضر الطعام. وما أن رفعت مائدة العشاء حتى اعتذر صاحبنا ثم انصرف لا يلوي على شيء. ظلت الأسئلة الطفولية تطارده, فقطع طريقه متفكرا في جناية المتدينين على أبنائهم, وحملهم لفلذات أكبادهم على اقتفاء آثارهم واتباع معتقداتهم. تساءل عن سر غربة الإلحاد وغرابته, وعن ذلته ومهانته. ثم خطر له أمر طالما أرقه: - هل من سبيل إلى تربية الأطفال تربية إلحادية عميقة تستسيغها عقولهم وتعصمهم من الإيمان الذي يتشربونه - فيما يبدو - بلا تكلف كما تتشرب الأرض العطشى ماء السماء؟

      لم يزل أبو الإلحاد يقلب وجوه الرأي ويتفكر في سبل تخليص أهل الصبا والطفولة من والوهم والخرافة . فخطر له أن يكتب بقلم الإلحاد قصة لطيفة تشرح قصة الحياة والكون بلغة أدبية تفهمها عقول الأطفال الصغيرة وتمنحهم تذكرة الولوج إلى عالم الإلحاد العجيب في سن مبكرة. إنه يريدها قصة رمزية خفيفة الهضم يسيرة الفهم يقرؤها المتنورون لأبنائهم منذ نعومة أظفارهم, ليرضعوا لبان الإلحاد وليتخيلوا مبادئه التنويرية.

      دخل أبو الإلحاد بيته وهو يفكر ويقدر, ويقدم ويؤخر, ويهمهم ويغمغم, ويحاذر أن تضيع أفكاره قبل أن يقيدها بقيد الكتابة, فكم من فكرة باهرة هجرته وولت إلى غير رجعة. سارع إلى غرفته, كأن هاتفا يملي عليه أفكاره, ويستحثه أن يتخير لها أحسن لفظ وأبلغ عبارة, فجلس إلى حاسوبه في غاية التركيز, وافتتح صفحة جديدة في مدونته وكتب العنوان التالي:

      سلسلة من أدب الطفولة الإلحادية - (1) قصة الحياة:

      (أيها الصبيان)
      كان يا ما كان, ما كان زمان ولا مكان..
      ما كان شيء ولا فيء, لا غبار ولا حجر, لا سهل ولا جبل..
      كان يا ما كان, ظلام في ظلام, وخواء في خواء, لم يكن هناك حتى هواء..
      لكن كل شيء كان على وشك أن يتغير إلى الأبد..
      فكيف كانت البداية أيها الصبيان؟

      (في البدء كانت الصدفة)

      والصدفة أمرها عجيب, فلا شكل لها ولا لون ولا سمع ولا بصر..
      الصدفة شيء عجيب لا نسمعه ولا نراه, لكنا نرى فعله وأثره..
      لو سألنا حكماء الإلحاد, الذين غاصوا في بحور العلوم وطغوا في البلاد..
      وانسلخوا من الأديان وخلعوا لباس الإيمان..
      لقالوا: إن الكون انبثق من العدم والظلام صدفة.. فكان بعد أن لم يكن..
      ساد الظلام زمانا مديدا و صمت الكون إذ لم يكن ثمة كون..
      وصمت كل شيء إذ لم يكن ثمة من شيء..
      فكيف يجيء شيء من لا شيء؟
      يجيء صدفة كما قال حكماء الإلحاد..
      صمت الكون الذي لم يكن, وصمت اللاشيء, لكن الصدفة بقيت تتحين الفرص..
      فهي صدفة تواقة, صبورة خلاقة, إنها لن تستريح حتى يكون كون..

      (الإنفجار الكبير)

      وحين جاء يوم سعد الصدفة الأكبر..
      أبصرت في ثنايا اللاشيء شيئا عجيبا مشعا..
      فزحفت نحوه يملأ جنباتها الفضول والعجب..
      اجتهدت أن تصف ذلك الشيء المشع المبهر فلم يكن لها بوصفه طاقة..
      فأسمته حينذاك (طاقة), فبادرتها الصدفة بالسؤال: - أيتها الطاقة أين الهوية والبطاقة؟
      حينها انفجرت الطاقة من الغيظ وانبعثت منها غازات غريبة, بمحض الصدفة..
      فكان (انفجار عظيم), ورجة هائلة وفجأة كانت هناك سماء وأرض, طول وعرض, أعراض وأجرام..
      نور وظلام, ماء وهواء, أنهار وبحار, كواكب ونجوم, شمس وقمر..
      كذا قال أساطين الإلحاد الذين غاصوا في بحور العلوم وطغوا في البلاد..
      وكانت الصدفة مستلقية على بطنها فاعتدلت جالسة, ثم تبسمت وقالت:
      الآن لدي كون, لدي زمان ومكان, وها قد جاء يومي..
      اهتزت الصدفة وانتفضت ثم أخرجت فجأة حجر نرد وصارت ترميه فيتدحرج, وتتأمل وتتفرج..
      وتجرب وتراكم, وكل ذلك صدفة, فالصدفة لا تبحث عن شيء وليس لها غرض ولا غاية..
      لكنها لا تكل ولا تمل, كما لا يمل حجر النرد؟ كذا قال أساطين الإلحاد..

      (المعجزة الكبرى: أحادية الخلية)

      وفجأة اجتمعت ذرات متناثرة بمحض الصدفة في بقعة خالية, فشرعت ترتعش من الوحدة..
      فقالت لها الصدفة أنت أيتها الفاتنة البهية, أنت أحادية الخلية..
      زحفت الخلية إلى الماء, فصارت الصدفة ترمي بها بدل حجر النرد..
      ومع كل رمية تتشكل في هيئة أخرى, فطورا تزحف وطورا تسبح, وطورا تعلو وطورا تهبط..
      فهتفت الصدفة في حماس ارتجت له أرجاء العالم الإلحادي: تطور... تطور... لدينا تطور..

      (التطور)

      لم تزل الخلية تسبح وتنمو وتتمدد حتى نبتت لها زعانف, وحين شعرت أنها تكاد تذوب في الماء..
      منحتها الصدفة حراشف سميكة, فانسلت في رشاقة, فقالت لها الصدفة أنت سمكة..
      ولم تزل تسبح حتى خشيت عليها الصدفة من الوحدة, فما زالت ترمي حجر النرد حتى صارت السمكة تبيض..
      وسرعان ما غدا لها نسل وذرية, وبمحض الصدفة كان منهم ذكور وإناث..
      وفي يوم من الأيام جرف التيار بعض الأسماك إلى الشاطئ, فمات معظمها اختناقا..
      لكن بعضها ظل يزحف في حذر حتى نبتت له أطراف فمضى إلى الأدغال..
      ولم تزل الأحياء تزحف وتدب في تطور ترقبه عين الصدفة الحانية, حتى قام بعضها على رجلين, وصار يتسلق الأشجار ويلتقط الثمار..
      إنهم أسلافكم من النسانيس والقرود التي تقتات على الحشائش والفواكه والورود..
      عاش أولئك الأسلاف المثابرون حياة الوحوش حتى اكتشف بعضهم النار وسكن الكهوف..
      وتساقط شعرهم فلبسوا الثياب وبدأت إذذاك مسيرة الحضارة..
      لكنها مسيرة بطيئة.. بطيئة جدا..

      (الجينوم البشري ذو الأصل الفضائي)

      ثم حصل شيء عجيب رواه بعض أساطين الإلحاد الذين طغوا في البلاد, إذ حط يوما من الزمن الغابر صحن فضائي على الأرض, فخرج منه كائن أخضر اللون ضخم الرأس أصلع منتفخ البطن فأخرج قارورة فأفرغ محتواها في إحدى مغارات القرود, وألقى بالقاروة الفارغة وعليها الحروف التالية (ج ي ن و م). ومنذ ذلك الحادث الغريب وتلك القرود لا تتوقف عن التطور السريع حتى بلغت من الحضارة ما نراه في أنفسنا اليوم..

      فأولئك أيها الصبيان الأعزاء أسلافنا الأولون وأباؤنا الأقدمون, وجدنا الأكبر مجرد خلية بسيطة, انبثقت في عالم نشأ صدفة..
      فالفضل في مذهب الإلحاد كل الفضل للصدفة التراكمية وللمخلوقات الفضائية..
      ولعلكم تتساءلون: - ومن أين جاء الفضائيون؟ وهذا سؤال ليس له بعد من جواب في مذهب الإلحاد, وإن كان له جواب في أفلام الكرتون, ونحن نتطلع إلى يوم نعثر فيه بالصدفة على حل هذا اللغز...

      عندها انقطع التيار الكهربائي , فكاد يغشى على صاحبنا, فإنه نسي في غمرة حماسته أن يحفظ الملف, لقد ذهب جهده العقلي سدى, يا لها من صدفة حمقاء, إنه لا ينسى مثل هذا عادة, أخذ مصباحا يدويا واتجه إلى سريره وهو يتساءل: - كم من هذه الدرر النفيسة سيبقى في ذاكرته حين يستيقظ في اليوم التالي؟


      Last edited by هشام بن الزبير; 07-05-2011, 08:57 PM.
      {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

      Comment

      • أبو يحيى الموحد
        عضو فعال
        • May 2011
        • 1637

        #78
        بارك الله فيك
        الكُفْرُ يُعْمي و يُصِم

        Comment

        • هشام بن الزبير
          كاتب
          • May 2010
          • 2867

          #79
          وفيك بارك الله أخي الكريم.
          {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

          Comment

          • عبدالرحمن الحنبلي
            عضو
            • Apr 2011
            • 2064

            #80
            جزاك الله خيرا استاذنا القدير هشام ....انت الوحيد حسب علمي في المنتدى الذي دخل مجال الكتابه الكوميديه ....ولاشك هذا المجال يحتكره الملاحده فتشاهد الكاريكاتيرات الساخره من الاسلام ....وتشاهد المقالات الساخره من الانبياء والرسل والملائكه ..... دخولك في هذا المجال سد ثغره مهمه في الدعوه الى الله .... جزاك الله خيرا .....اهجهم وروح القدس معك .....تحياتي لك
            Last edited by عبدالرحمن الحنبلي; 07-06-2011, 12:38 AM.

            Comment

            • Maro
              طالب متدرب
              • Mar 2011
              • 2815

              #81
              المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالرحمن الحنبلي مشاهدة المشاركة
              ولاشك هذا المجال يحتكره الملاحده فتشاهد الكاريكاتيرات الساخره من الاسلام ....وتشاهد المقالات الساخره من الانبياء والرسل والملائكه
              الأحرى أن نقول... هذا المجال يبرع فيه (ولا يحتكره) كل من ملحدى الغرب و من يحاربون الله ورسوله (اليهود و الماسون وأشباههم)
              أما ملحدى العرب... فلا يفعلون سوى التقليد والإستشهاد بأساتذتهم من الغرب
              مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ
              فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ !

              Comment

              • ontology
                عضو
                • Feb 2010
                • 554

                #82
                لغتك اخي الكريم أسطورية.. جزاك الله خيراً على هذا المجهود المشهود!#
                معرفة الله هي الغاية
                وطلب العلم هو الوسيلة

                Comment

                • هشام بن الزبير
                  كاتب
                  • May 2010
                  • 2867

                  #83
                  إخواني,
                  عبد الرحمن و مارو و أنتولوجي, بارك الله فيكم.
                  وأهديكم جميعا اليومية التالية...
                  {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

                  Comment

                  • هشام بن الزبير
                    كاتب
                    • May 2010
                    • 2867

                    #84
                    23 شرنقة الإلحاد

                    أبحر أبو الإلحاد ليلة على أمواج الشبكة الإلكترونية متنقلا بين المنتديات والمواقع المختلفة, شعر بأنه يكاد يغرق في بحر من الصور والكلمات والأرقام والخيالات. كان يقرأ مقالات المؤمنين تارة, وردود الملحدين تارة أخرى, فيظل مذبذبا متأرجحا بين الآراء المتباينة, والأحاسيس المتضاربة, أغمض عينيه وأخفى وجهه بين كفيه حين تصور أن ملايين النقط التي تشكل هذا العالم الافتراضي العجيب تهجم عليه كأنها أسراب مرعبة من الزنابير السامة, وخيل إليه أنه يحس بوخزها في سائر أنحاء جسمه وخاصة في عينيه. أطفأ الحاسوب وأشعل سيجارة. أخذ نفسا عميقا ثم تساءل عن مذهب الإلحاد وكنهه, وعن وروده وشوكه, وعن لبه وقشره وعن تخبطه وشكه. تمثلت له الصورة الفاتنة التي يرسمها الزملاء لمذهبهم حين يحاجون المتدينين, إنك إن تسمع لأقاويلهم لتحسب الإلحاد جنة وارفة الظلال طيبة الهواء واسعة الأرجاء يحيا فيها المتنورون حياة هنيئة طيبة تهب عليهم فيها نسائم الطمأنينة واليقين الإلحادي, فيرفعون رؤوسهم في فخر واعتزاز ليلتقطوا في كل لحظة ثمرات التنوير اليانعة, في بيئة اجتثت منها رواسب الخرافة وغرست فيها أغراس العلم وارتفعت صروح الحضارة. يا لها من صورة مغرية يسيل لها لعاب من اكتفى من الإلحاد بما يدعيه أهله, أما من خبره واكتوى بشواظ ناره المحرقة كما اكتوى أبو الإلحاد فإنه يعلم أن هذه صورة لا تصلح إلا للدعاية ولمجادلة الخصوم.

                    ما أشبه صنيع الزملاء في تزويق ملتهم العوجاء وتنميق مذهبهم الأعرج بصنيع الشيوعيين في دولتهم البائسة البائدة. لقد أقام البلاشفة للبروليتاريا جحيما مرعبا وأحاطوه بالأسوار العالية الملونة, ثم طفقوا يرسمون صورة خيالية لجنة يحبر فيها مجتمع فريد تخلص من رواسب الرجعية والطبقية وانعتق من كل القيود المادية والمعنوية, لقد أحكم الزملاء آنذاك حبك خديعتهم حتى انطلت على طائفة من عقلاء العالم, فحسبوا نار الدولة الحمراء ماء عذبا فراتا.

                    تساءل صاحبنا عن أعظم ما يقض مضجعه حين يضطر للدفاع عن مذهبه, فوقع في نفسه أنه افتقاره دوما للخروج من قوقعة الإلحاد الضيقة ليستعير من قاموس الخصوم وأفكارهم ما يستعين به في الرد عليهم, إن الإلحاد يضيق عليه كلما أراد أن يناظر خصما في أصول الأخلاق وقيم العدالة والخير والشر والمسؤولية والجزاء. إنه يبدأ خيانته للمذهب الإلحادي عادة بهذه الجملة الماكرة: "لنسلم جدلا أيها الزميل المؤمن,على سبيل التنزل..." إنه يعلم أنه ليس تنزلا ولا جدلا, لكنه العجز الفاضح عن تفسير العالم تفسيرا ماديا محضا.

                    إنه يشعر بالصداع النصفي حين يضطر ليستعمل مصطلحات ملوثة ميتافيزيقيا في جداله لأهل الإيمان, إنه يشعر بنفسه عاريا حين يتحدث عن الضمير الإنساني وعن الفضيلة والرذيلة وعن السلوك الأخلاقي. إن الإلحاد لا يرى في الكون إلا فضاء ماديا تسبح فيه مادة صماء تحكمها قوانين مادية صارمة, إن الإلحاد لا يرى وجودا لشيء غير مادي أبدا, وإن وجد شيء من ذلك في تفكيره, وهو الملحد الجلد فإنما هو من رواسب الأفكار الرجعية, فكيف لم يستطع بعد كل تلك السنوات الخدّاعات أن يخلص إلحاده من تلك الشوائب المزعجة؟

                    إنها سلسلة طويلة من المسائل التي تحير الفكر المادي كأنها من طينة أخرى غير طينته. لكن بينها شيئا مشتركا, إنها محاولة لترجمة العالم المادي إلى لغة غير لغته, إنها أحكام يصدرها العقل الإنساني الذي لم يتحرر بعد من رواسب المعتقدات الدينية, بعد أن يعرض وقائع العالم المادي وتفاعلاته الدقيقة على ميزان آخر, له مقاييس أخرى غير مقاييس المختبر. إنه ميزان لا يقيس الحجم والكثافة والحرارة وغيرها من الخصائص الفيزيائية للمادة, بل يسعى للحكم عليها من جهة الخير والشر والعدل والظلم والحق والباطل والصلاح والفساد. إنها منظومة متكاملة من الأحكام الميتافيزيقية الفضفاضة التي يتوهم المتدينون قدرتها على كبح جماح العالم المادي بقوته القاهرة وحتميته الباهرة. لا يهمني كثيرا أن يبقى المتدينون أسرى أوهام الأخلاق والخير والعدالة, الذي يحيرني أني ما أبرح أستقي من ذات المعين الذي يغرفون منه هذا الفكر الأسطوري, وأنني لا أقوى على التبرؤ الكامل منه. فهل أستطيع أن أنفي أني أشعر بمعنى العدل والظلم وبحقيقة الخير والشر؟ إني أرى مثلا أن الحكم على نتائج تفاعلات العالم المادي بمعيار العدل والظلم يعد في حد ذاته ظلما للمادة, يا للمفارقة, إني أسعى لإلغاء سطوة هذه المقاييس الغريبة فأجد نفسي في كل مرة واقعا في فخها متخبطا في شباكها!

                    إني كلما جادلت متدينا وبارزته في حزم وشجاعة كما يليق بفرسان الإلحاد الصناديد, وحملت عليه بسيف التسفيه أبغي نسف بنيان معتقده, كلما تمنيت ألا يفتح علي باب هذه المتاهة العجيبة. إن أخشى ما أخشاه إن انتقدت على الخصم اختياراته وقناعاته أن يجيبني: "وأي شيء يضيرك فيما أراه وأقوله وأختاره أيها الزميل الملحد, أليس كل شيء محكوما بقوانين مادية دقيقة؟ فما وجه الإنكار أصلا؟ "كتلة مادية لها تفاعلات إلحادية تنكر على كتلة مادية لها تفاعلات إيمانية", قل لي أيها الزميل, بأي قوانين مادية استطعت أن تحكم على تفاعلاتي بالبطلان والفساد, بل من أين جئت بحكم البطلان والفساد أصلا؟"

                    حينها أخرج مكرها من بيت الإلحاد البارد إلى العراء الفسيح, حيث تلفحني شمس الميتافيزيقا, وتعصف بي رياح الأفكار المثالية المهلهلة, لكم أشعر بالمهانة حين أضطر للإستعارة من قاموس الإفتراض, وأقترض من لغة الإعتقاد, إني أكاد أظن حينذاك أن الإلحاد مشرف على الإنقراض. وما للمادة والإفتراض؟ إن المادة لا تفترض شيئا, إنها لا تقف قط في مفترق طرق حائرة متفكرة, تحك جبينها متساءلة: "أيجدر بي أن أمشي يمينا, أم أن الأولى أن آخذ ذات الشمال؟" هل تصورتم أن الذرات والإلكترونات تهبط إلى هذا الحضيض من الترف الفكري الميتافيزيقي؟ إن هذا لغو وهراء لا تعرفه المادة وأنا مادة, فمن أين جاءني هذا السلوك العجيب؟

                    تظل هذه الأسئلة القاتلة تهجم على رأسى كأنها مطارق مدببة, كالتي استعملها محاربوا الشمال في العصور المظلمة, إلى أن أيأس من الحصول على جواب, فأعود ذليلا صاغرا إلى بيت الإلحاد المتهالك, لعله يهبني شيئا من الدفء والسكينة. لكن هيهات.
                    إني يرقة إلحادية يتيمة تؤوي إلى شرنقة ضيقة, شرنقة الإلحاد, إني يرقة تتوق أن تصير يوما فراشة مضيئة تسهم في تنوير مجتمع لا أرى فيه إلا الظلام ولا أرى أهله إلا كالهوام, لكني كلما أردت أن أنشر أجنحتي فأطير مبشرا بملة التنوير, كلما شعرت أني أنا من يتخبط في الظلام. إني لا أغادر الشرنقة إلا لأكتشف أن العالم خارج خيوطها المتشابكة أرحب وأوسع. أجادل غيري باسم الإلحاد وأهاجمه بلسان من أمسك بناصية المعرفة وتمكن من زمام العلم, فما يلبث الهجوم أن يرتد إلي, فلا أجد مناصا من طرح الإلحاد وماديته وصرامته وحتميته خلف ظهري, لأتطفل على ميزان الخير وجماله والشر وقبحه والعدل وتناسقه والظلم وتناقضه, ثم أعود بعد هذا كله إلى شرنقتي المتهالكة, التي تتمزق في كل مرة أنسل من بين خيوطها المتشابكة وفي كل كرة أعود فيها إلى تلافيفها الضيقة, إنها صارت مع مرور الليالي والأيام أوهى من بيت العنكبوت. إني أحيا حياة النفاق, إني أعاني أعراض انفصام الشخصية.

                    تساءل صاحبنا في نفسه: "ما دمت أرى هذا كله فما الذي يبقيني مستمسكا بالإلحاد؟" حينها طرق رأسه سؤال: "وهل تظن أن كل أولئك العباقرة الأفذاذ كانوا على باطل؟" ضبط نفسه مرة أخرى يستعير من غير قاموس المادة, وهل تعرف المادل "التساؤل" و"الظن" و"البطلان"؟ ويئس أن يصل الليلة إلى مخرج من متاهته المظلمة فوضع رأسه على مكتبه وقد غلبه الإجهاد, ولم يشعر بنفسه إلا وهو يغط في نوم عميق.
                    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

                    Comment

                    • أبو يحيى الموحد
                      عضو فعال
                      • May 2011
                      • 1637

                      #85
                      يا اخي......اقصى ما استطيع ان اقوله....جعل الله مثواك الجنة
                      الكُفْرُ يُعْمي و يُصِم

                      Comment

                      • هشام بن الزبير
                        كاتب
                        • May 2010
                        • 2867

                        #86
                        أخي سلمة, أسأل الله أن يجزيك خيرا أن دعوت لي بخير الدعوات وأن يجمعنا جميعا في مستقر رحمته.
                        أخي الكريم, هذه السلسلة التي تراها هنا ثمرة من ثمار المنتدى, فالمادة اللازمة لها متوفرة بكثرة هنا, وربما كان في كل جملة يكتبها ملحد ما لا يحصى من اللفتات التي تصلح لتشريح هذا الفكر المنحرف بصورة تشبه ما أحاوله هنا. لكن تشجيع الإخوة يسهم في إثراء الموضوع, فبارك الله فيكم جميعا ولله الحمد أولا وآخرا.
                        {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

                        Comment

                        • هشام بن الزبير
                          كاتب
                          • May 2010
                          • 2867

                          #87
                          24 هلوسات إلحادية

                          استيقظ أبو الإلحاد ورأسه لا تزال متورمة من فرط تأملاته حول ضنك الإلحاد وخزيه وتهافت بنيانه وضيق شرنقته. أحس أن عِرقا هائجا ينبض في جمجمته. قضى يومه شاردا عابسا متفكرا. ولما عاد من عمله آخر اليوم, أتى مكتبته فأخذ يتصفح كتاب "إفحام أهل الملل والأديان". لقد هوى به هذا الكتاب منذ قرأه قبل سنوات إلى قعر مستنقع الإلحاد, وجلّى له كثيرا من الحقائق التنويرية التي ما تزال توجه دفة حياته البئيسة. نظر في الفهرس وهو يمني النفس أن يجد شيئا يدفع عنه الحيرة والإضطراب الذي استحوذ عليه منذ فترة, فخطر له أن يقرأ الكتاب مرة أخرى تجدد له إلحاده الرث.

                          قرأ صاحبنا كتابه المفضل متمعنا حتى كاد يحفظه, فخيل إليه أنه صار ورشة متنقلة لتفكيك أوصال المعتقدات الدينية ولكشف مغالطاتها المنطقية, وسقط في روعه أنه طرد عنه كثيرا من شكوكه, بعدما أوشك أن يخسر معركته مع هواجسه ووساوسه. جلس يتفكر في حاله, وأن الحكمة تقتضي أن ينقل المعركة إلى أرض أخرى غير أرض نفسه, فإن خير ضروب الدفاع الهجوم كما هو معلوم. إن الإلحاد نار تستعر في أحشائه, فإن خلى بينها وبين نفسه حرّقته وذرّته في الهواء. فليهجم إذن على أعداء الإلحاد في ديارهم وليُجلب عليهم بما وقر في قلبه من دلائل الفلسفة والمنطق, لعله يستعيد شيئا من ثقته بنفسه و اعتداده بكفره وعناده. أبحر أبو الإلحاد بحاسوبه على أمواج اللجة الإلكترونية يحمل أوساق الأماني حتى رسى في إحدى المنتديات التوحيدية يمني النفس بغزوة تنويرية مجيدة.

                          حل صاحبنا بساحة الخصوم منتشيا والفخر الإلحادي يملأ خياشيمه, وقصد قسم التسجيل ليلبس لهذا الموقع ما يليق به من الثياب الرقمية, فإن الأسماء المستعارة حلية المنتديات الإلكترونية وزينة المواقع التواصلية, وبها يتميز اللبيب الفطن من بين أفواج الأغمار والمجاهيل, ذوي الأسماء الباهتة والمعرفات الشاحبة. فجراءة الملحد شطر رأس ماله الإلكتروني وشطره الثاني معرف رنان. بدأ أبو الإلحاد ينقر على لوحة المفاتيح في ثقة حروف معرفه الجديد: (ملحد وبس), ثم بدأ ينسج موضوعا يندرج تحت ما يسميه النقاد غرض (الإلحاد الهجومي الإنترنيتي). شعر بالزهو من سلاسة أفكاره, كانت كلماته تسيل دونما عناء فتملأ الشاشة أمامه, كأن صفحات الكتاب الذي أنهاه لتوه ما تزال ماثلة أمام ناظريه مرتسمة في مخيلته, كتب عن القضاء والقدر وعن الوجود والعدم وعن العقل والروح وعن الحدوث والأزل وعن الجواب الإلحادي الحاسم لكل تلك المقولات الدينية التي لا يراها إلا ستارا شفافا تحجبه أسوار من المغالطات المنطقية الماكرة. لقد بدا أبو الإلحاد كمن يحاول نفض غبار التدليس عن تلك المفاهيم المختلفة, لكنه في واقع الأمر إنما كان يسعى ليزيح سحائب الشك عن نفسه المتحيرة. كان يجادل نفسه ويقارعها وإن كان خطابه في الظاهر لغيره. تلقى صاحبنا جوابه الأول من أحد كتاب المنتدى, يدعى (أبا الخطيب). وقد عقب على موضوعه بالكلمات التالية:

                          "مرحبا بك أيها الزميل, تعجبني حماستك وسيلان قلمك, إذ طرحت في سطور من التساؤلات ما لو أجبناك عنه لما انتهينا خلال شهور, لكن دعني أسألك سؤالا يهمني جوابك عنه: "هل أجبرك أحد ما على اختيار الإلحاد؟". قرأ (ملحد وبس) التعقيب فحرك رأسه متعجبا, يا له من سؤال؟ طبعا أجاب أنه شق بنفسه ولنفسه سبيل الإلحاد الموحشة, كما تشق السفينة عباب البحر الهائج, ولن يضيره أن يقف أهل الأرض في وجهه فهو إنسان حر. عندها جاءه السؤال الذي لم يذكر أنه طرق سمعه قط, ولم يعرض له صاحب كتاب "إفحام أهل الملل" بل لم يحم حوله على كثرة ما أورد على الخصوم من المسائل الفلسفية والإشكالات الميتافيزيقية, سأله محاوره: "أيها الزميل هل لك أن تخبرنا عن أي قانون مادي صدرت إرادتك الحرة؟ وكيف استطاع جسمك المادي أن يعي مفهوما لا وجود له في العالم المادي البتة, ألا وهو مفهوم (الحرية) والإختيار والإرادة الحرة؟" قرأ صاحبنا السؤال مرارا, وكلما هم بجواب بدا له هزاله وخفته فعدل عنه إلى غيره, حتى يئس أن يتحصل له شيء ذو بال في المجلس نفسه. تحسر على أيام خلت كان فيها حاضر الخاطر متوقد الذهن سريع البديهة. فاختار بكامل حريته التي لا يفهم لها كنها ولا مصدرا, أن ينسحب بشرف قبل أن يفتضح أمره.

                          أطفأ الحاسوب وهو يتفكر في وجه الخروج من هذا الفخ المحكم, هل حقا يملك الإختيار الحر؟ أم أنه آلة مادية متطورة مبرمجة؟ فجأة خطر له خاطر عجيب, تساءل ما الذي يمنع أن تكون المادة التي تشكل هذا العالم نفسها تملك حرية الإختيار؟ ماذا لو كانت مع ذلك في غاية الحكمة, فهي لا تختار إلا الأفضل, ربما كان الأمر كذلك, فلما تتبع الإنسان حركتها ودرس سلوكها ظن لفرط جهله أنها لا تملك إلا السير في تلك المسالك الرتيبة التي كشف عنها العلم بعد قرون من الملاحظة والتجربة والتأمل؟ ماذا لو كانت المادة أرقى من هذا الإنسان المغرور؟ إنها تسير وفق قوانين مادية اختارتها بمحض مشيئتها الحرة لأنها اكتشفت أنها الأفضل والأحكم. تخيل أبو الإلحاد ما الذي سيحل بهذا العالم لو أن الجمادات والسوائل والغازات التي تملأ الكون سلكت فجأة مسالك البشر واقتدت بهم في تخبطهم وتضارب اختياراتهم وتذبذب مواقفهم؟ أحس لوهلة أن كثيرا من الزملاء من بني جنسه أحط شأنا من بعض الجمادات. أحس بجفونه تنطبق رغما عنه, كان يشعر بالعطش ويود لو يشرب كوب ماء قبل أن يستسلم للكرى.

                          حمل أبو الإلحاد كوب ماء ورفعه إلى فيه, لكنه استحال في سرعة البرق جليدا كاد يكسر ثناياه, لم يصدق عينيه, لكن الماء استحال من غير سبب ظاهر ,وفي يوم مشمس, قطعة من جليد كأنها الصخر! أخذ قنينة أخرى فسكب منها ماء يملأ الكوب, فخيل إليه أن الماء يتبخر, حين هم أن يشرب, لم ينتبه إلا والبخار الحار يكاد يشوي صفحة وجهه. ألقى بالكوب والفزع يملأ كيانه. هل هي مقدمات الجنون؟ همّ أن يجلس على أريكته فلم يشعر إلا وهو منبطح أرضا, لقد ضنت الأريكة بنفسها عليه فانزاحت بمقدار ذراع, ما الذي يجري؟ كيف تتحرك أريكة من خشب وجلد؟ بل كيف تختار لذلك اللحظة المناسبة لينال هذه السقطة المؤلمة؟ لا بد أنه يفقد عقله شيئا فشيئا, نظر إلى السقف فخيل إليه أنه يتأرجح, فهرول مسرعا يريد الباب, لكن أنى له بفتحه؟ لم تفلح كل محاولاته ومفاتيحه في قهر هذا الباب الخشبي, فجأة رأى النافذة مفتوحة فأطل منها لعله يجد من ينقذه من هلوساته, لكنه لم ير أحدا, إما أنه جن, أو أن العالم من حوله يتصرف بخلاف ما اعتاده طيلة حياته, يبدو أن العالم المادي اكتسب أبرز صفات الشخصية الإنسانية, لم تعد مادته بذلك الحزم والإنضباط والثبات الذي عهده, بل إنها صارت تتسم بنفس خصيصة الإنسان: استقلال الإرادة وحرية الإختيار. يا له من كابوس مرعب! لقد أصبح العالم فجأة خضما مضطربا لا وثوق بشيء منه, كل ذرة حوله تتصرف كأنها ابتلعت صيدلية كاملة من حبوب الهلوسة. رأى العمارات تذوب ذوبان الشحم على النار, ورأى النار باردة والماء محرقا والحديد سائلا. رأى كل شيء يمضي في غير الوجهة التي انطبعت في ذهنه منذ عقل, ولا يؤدي شيئا مما يفترض أنه الحكمة من وجوده, لم يبق شيء حوله قابلا للفهم والتوقع. ود لو كان للأشياء سمع فيخاطبها, ويستفسرها ويرجوها أن تلين له وأن تستجيب لإرادته, لكن شيئا من ذلك لم يحدث. بدا له ألا انتفاع بشيء أبدا على هذه الحال. حتى الآلات صار لها اختيار ومشيئة. هاهي ذي السيارات لا تطيع ركابها, بل تمضي حيث شاءت ولا تعبأ لشيء يخالف إرادتها. لقد صار العالم المادي بحذافيره غارقا في أتون مستعر من الحرية المطلقة. رأى أبو الإلحاد نفسه يجري في العراء يحاذر أن يسقط عليه جدار أو أن يحرقه معدن سائل أو يخنقه غاز قاتل. ظل يجري وأنفاسه تكاد تنقطع, رافعا يديه يذب بهما عن نفسه ما يتقاطر عليه من شظايا العالم المادي المجنون المفتون بحريته المكتسبة, بحث يائسا عن شيء مادي يستطيع الإحتماء به, بحث عن شيء ما يزال يحيا وفق القوانين المادية الجبرية, أمسك شيئا لينا ناعم الملمس بيديه وأخفى وجهه فيه فشعر بالأمان, فتح عينيه فإذا هو يغطس بوجهه في الوسادة المبللة والعرق ما يزال يتصبب من جبينه, فاعتدل جالسا يسترد أنفاسه متعجبا من غرابة كابوسه ويمسح بكمه جبينه. وهمهم: "ما أسعد العالم المادي بجبريته وما أتعس الإنسان بحريته!"
                          {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

                          Comment

                          • هشام بن الزبير
                            كاتب
                            • May 2010
                            • 2867

                            #88
                            25 كازينو الإلحاد

                            لقي أبو الإلحاد صديقا له أثناء سفرة إلى العاصمة, فجلسا يتسامران في حانة (كل شيء على ما يرام) وسط المدينة. لم يكن قد رآه منذ سنوات طوال. عجب لتبدل حاله, إذ كانت علائم الثراء بادية عليه. كان يتكلم في ثقة ويمشي في خيلاء ولا يفتأ ينظر إلى ساعته الفاخرة ويقلب في يده هاتفه النقال الذي يفوق في سرعته وسعة ذاكرته حاسوب أبي الإلحاد بمراحل. وحين هم صاحبنا بالإنصراف هم أن يستفسره عن سر النعمة السابغة البادية آثارها على محياه حين سأله فوزي: "لماذا لا تقضي الليلة معي؟ سنستمتع سويا وربما نكسب بعض المال؟" نظر إليه في استغراب, ولم يلبث أن وجد نفسه في مكان لم تطأه قدماه من قبل.

                            كانت الألوان تنبعث من كل حدب وصوب, تمتزج بأصوات الألحان والضوضاء التي تلف المبنى, كانت أمارات البذخ والترف تبدو على هذا المكان وأهله. خيل إليه أن كل شيء حوله يعبق بريح المال والنعمة. قلب بصره في وجوه الحاضرين فرأى رجالا ونساء منكبين في لهوهم وقد أقبلوا على أصناف الآلات المبثوثة هنا وهناك. إنه عجيب عالم الكازينو. لأمر ما يستهوي اللون الأحمر الناس, إنه لون الدم واللحم ولون الشيوعية وهو اللون الغالب على هذا المكان. تساءل صاحبنا عن لون الإلحاد فترجح لديه أنه أسود قاتم. وقف خلف شيخ في السبعين يحمل في قبضته قطعا نقدية يلقمها آلة لا تشبع, كان يشخص ببصره مترقبا كلما ألقى قطعة, فتنبعث من الآلة أصوات صرير وأزيز ثم تشرع أشكال وصور في الدروان, سيارة حمراء, عمارات, حلي, كان يتوقع كل مرة أن تستقر تلك الدواليب الثلاثة الصماء على نفس الصورة لكي تلفظ الآلة أرطالا من القطع المعدنية الرنانة, لكن شيئا من ذلك لم يقع, نظر إليه أبو الإلحاد بمزيج من الشفقة والشماتة وهو يتخيله واقفا أمام هذه الآلة المخادعة منذ كان شابا غضا طري الإهاب, ترى كم مرة ابتسم الحظ في وجهه وأسمعه رنين الدراهم التي تنهمر كالمطر؟

                            ظل يرقب حركة المكان في شرود, ويعجب من خضوع البشر للصور والخيالات في جريهم المحموم وراء الحظ العابس, ومن لزومهم لآلات اخترعوها لعلها تتبسم بين الفينة والأخرى في جوههم. أحس بنفسه وقد غمرته أمواج من الأرقام والحروف والصور والرنات, تحيط به الكراسي الفارهة والشاشات العملاقة. ثم خطر له أن التصور الإلحادي للكون غير بعيد من واقع هذا المكان. إن التفسير المادي لنشأة الحياة بمحض الصدفة عبر تسلسل عشوائي عبثي, ثم تطورها عبر طفرات عمياء متراكمة يجعل الكون أشبه شيء بكازينو عملاق, لا تحكمه إرادة ولا قصد ولا هدف.

                            في كازينو الكون الإلحادي تدور العجلة لتستقر كل مرة على نتيجة معينة, ثم تدور مرة أخرى, على هذا الوجه -زعموا- نشأ كل شيء, هكذا نشأت الغازات والسوائل والجمادات, هكذا تكونت النجوم والكواكب والمجرات, هكذا تكونت الجراثيم والحيوانات والحشرات, هكذا تكون الإنسان كي يطلع على هذا الكون العجيب ويعيه ويستكشفه ويعجب به, هكذا تكونت أجهزته الحيوية المعقدة, هكذا نشأت كرياته الحمراء والبيضاء, هكذا تكونت معلومات حمضه النووي الموسوعية. إنه كازينو لا يكافئ الفائز فيه بالجوائز المالية, بل يهبه الوجود والحياة والوعي. إن الإنسان في المذهب الإلحادي الدارويني ليس إلا فائزا محظوظا يدين للصدفة والإنتخاب المادي الطبيعي بكل ما ينعم به من وعي وفكر وإبداع. يجب على الإنسان الملحد أن يتواضع كثيرا, فليس له الفضل في شيء أبدا, إن هو إلا ذرة حقيرة في كازينو تدمن ذراته المادية المقامرة. إنها مقامرة كونية مادية عبثية مستمرة, لا تعرف حدودا ولا ضوابط, إلا ضابط الصدفة التراكمية. نظر أبو الإلحاد حوله وتساءل: "هل يعقل أن يكون الكون مجرد كازينو؟ لكن هذا الكازينو الأرضي لم ينشأ صدفة, ولم ينشأ بفعل مقامرة, بل إن أصغر عجلة فيه ثمرة دراسة وحساب وهندسة, فمن أين جاءت العجلة الكونية التي يفترض أنها بدأت يوما ما بالدوران؟ وكيف عرفت أنها حققت شيئا ذا بال حتى تتوقف عند نتيجة ما, ثم تراكم ما حصلته؟ هل تقوم الطبيعة بالتخمين كل مرة قبل أن تدير العجلة؟ إن في هذا الكازينو عمال صيانة وكهرباء ومراقبة ومحاسبة, فضلا عن الزبناء المقامرين, العابرين والمدمنين. إن ههنا عجلة ومن يديرونها, لكن الإلحاد يريد أن يوهمنا أن اللعبة واللاعب والملعب والقواعد والنظام والنتيجة والحساب كلها شيء واحد, وأن العجلة والدوران والمدير شيء واحد, وأنها جميعها ثمرة صدفة مقامرة..." أحس بيد تربت على كتفه, استدار فقال له فوزي: "تعال لترى كم هو سهل كسب المال, كم معك؟" أجاب مترددا: "معي ألفان وخمسمائة درهم" كان قد حصل للتو على راتبه. مد فوزي يده, فما شعر أبو الإلحاد بنفسه إلا وهو يخرج من جيبه الظرف ويعطيه المال كاملا.

                            جلس فوزي إلى الطاولة تغمره النشوة, وفي عينيه بريق الواثق من الفوز, وبدأ يقلب الأوراق ويدير العجلة, نظر إليها أبو الإلحاد تدور عيناه معها كأنه يستعطفها أن تقف منه موقفا يليق بالزمالة المادية الكونية. تسارع نبض قلبه وهو يرى أنه تحت رحمة قوانين مادية صارمة لا تحابي أحدا, تفكر في سرعة العجلة وقوة احتكاكها بالهواء, واحتمالات حصول الفوز. وحين بدأت سرعتها بالتباطؤ رآها تتجه نحو الأرقام الكبيرة: مائة ألف, خمسون ألفا..., كاد قلبه يخرج من صدره, ظلت العجلة تدور حتى توقفت أخيرا وحطت الرحال عند الرمز العجيب الذي يترجم للعدم: "صفر" كاد يغمى عليه, لقد فقد لتوه مرتب شهر كامل, من أين له الآن ثمن إيجار البيت؟ بل ماذا سيأكل؟ يا ويله من أم الإلحاد! كيف له أن يخبرها بأمر كهذا؟ التفت حوله ليسأل فوزي أن يعيره بعض المال, لكنه لم يجد له أثرا, خرج صاحبنا من الكازينو كئيبا تتقاذفه الهموم وينظر إلى السماء تارة وإلى الأرض أخرى وهو يكاد يجزم أن الفكر الإلحادي أكبر مقامرة أقدم عليها في حياته, ويتمنى أن يخرج يوما من عالم كازينو الإلحاد كما خرج من هذا الكازينو الصغير دون أن يخسر نفسه.
                            {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

                            Comment

                            • هشام بن الزبير
                              كاتب
                              • May 2010
                              • 2867

                              #89
                              26 ألاعيب الحارات الإلحادية

                              مرت سنة على طرد أبي الإلحاد من منتديات الزملاء اللادينيين والمتشككين والملحدين, سنة كاملة من الضياع والحيرة والتخبط والغضب. كانت وحدته أشد ما يغيظه بعدما افتقد الحضن الدافئ الذي كان يؤويه؟ طالما لاذ بتلك المستنقعات الفكرية الآسنة, من شواظ المجتمع المحافظ الذي يحيط به, وطالما التمس السلوى في مواضيع الزملاء التي تفيض عنادا وثقة في مذهب الإلحاد. سنة عجفاء كاملة مرت عليه فيها أزمات كادت تذهب بالبقية الباقية من عقله, وأتت عليه فيها ساعات ظن أنه قد شارف الجنون. هاهو يبحر بحاسوبه ميمما شطر أعتى منتديات "الجرب والجذام", لعله يسترجع ذكريات أيام خلت تعبق بريح الشك وبريح الإلحاد.

                              لكم كانت صدمته كبيرة حين وجد وكر الثعالب مهجورا كئيبا, كأن عناكب افتراضية نسجت شباكا رفيعة على أبوابه. راجع شريط المواضيع الجديدة فاكتشف أن آخر موضوع يرجع إلى شهور, وأن كل ما كتب بعدها بقبقة إلكترونية فارغة. لقد كسدت سوق الزندقة الإلكترونية وتلاشت أسهم الهرطقة الإفتراضية كالهباء. ابتسم حين خطر له أن زملائه لم يكونوا أحسن حالا منه, يبدو أن الملحد كائن منبوذ سواء تحزب مع أضرابه أو اعتزلهم وخلا بنفسه. جلس يتفكر في أسباب هذه الحال البئيسة التي تخيم على الموقع. لا بد أن مرجع ذلك إلى طبيعة الإلحاد نفسه, فهو مذهب سلبي عدمي, لا يقوم إلا على النفي والإنكار, ولا يستمد وجوده إلا من نقد الإيمان وازدراء الأديان, فما أشبهه بالنار وما أشبه نفَسه العدواني بالحطب. لقد استنفذ الزملاء كل طاقتهم في تسفيه خصومهم وفي معارك الشتم والقذف والكلام البذيء, حتى إذا فرغوا من ذلك كله جلسوا كالأيتام ينظر بعضهم إلى بعض, فما تراهم يصنعون؟ لقد شتموا الخصوم وسخروا من معتقداتهم دهرا, ثم قعدوا بعد ذلك كله منبوذين في ناديهم, فانقلبوا على أنفسهم فأوسعوها شتما ولعنا. تصفح بعض المواضيع فألفاها ركيكة المبنى رخيصة المعنى. هذا يدعو إلى اغتنام العمر القصير في اقتناص كل متعة والغوص في لذائذ الحياة واهتبال كل فرصة في سبيل ذلك, وذاك يتشدق بذكائه ولباقته, ويفخر أن إلحاده انطلى على أقرب الناس إليه. يا له من حضيض مهين, لقد انحدر الزملاء إلى حياة النفاق. خطر لأبي الإلحاد أنه لم يخسر في النهاية شيئا يذكر بنفيه عن المجتمع الإلحادي الإفتراضي, لعلها كانت فرصة ثمينة ليجدد بحثه وليمحص أفكاره.

                              طفق صاحبنا متأملا في حاله وحال زملاء أمسه, غارقا في أفكاره حين لمح في شريط المواضيع الجديدة عنوانا مثيرا تحيط به علامات التعجب: "!!! فكرة عبقرية لتنشيط المنتدى!!!" دخل مسرعا تسبقه آماله, فقرأ موضوع الزميل (طرطور), إنه يعرفه, هذا زميل ملحد من الدرجة الثالثة, إنه يعرفهم من توقيعاتهم, المثقف منهم يتخذ لنفسه توقيعا رنانا, يوحي بسعة الإطلاع وبالرغبة في الحوار ومعرفة أفكار الخصم. أما صاحبنا (طرطور) فقد اختار توقيعا يفضح ضحالة عقله ويشي بهزالة فكره: [ الفعل هو دليل عدم وجود الفاعل.فالفاعل هو بحد ذاته فعل.ومهما عدنا بالسببية للوراء فسوف نجد فعلا بدون فاعل، فلا بد أن نعترف أن الفعل لا يحتاج لفاعل، الفعل مفعول بدون فاعل.] قال يحدث نفسه: "يبدو أني تسرعت في استبشاري بالموضوع, وأي شيء يجيء من مثل هذا؟"

                              بدأ الزميل يشرح لرفقاء "الجرب والجذام" فكرته العبقرية قائلا: " كما ترون فنحن في بطالة وفراغ قاتل, والمنتدى صار كالخربة, تنعق فيها غربان الحداثة, وتنقنق فيها ضفادع اللاأدرية وتعوي فيها ذئاب الإلحاد -طبعا أمزح معكم- باختصار أنتم ترون بأم أعينكم ما نحن فيه, وقد جئتكم باقتراح نحرك به مياه التنوير اللاديني الآسنة, ونوجه دفة السفينة الإلحادية وجهتها الحقيقية, لقد عزمت أن نهجم على أكبر مواقع الخصوم, وأن نغير عليهم بما يفحمهم, فلنجعل هذا الشريط ورشة إلكترونية لتهيئة الفكرة, أرى أن نسأل الزملاء أين توجد الأرض السابعة, ونلزمهم بالإجابة العلمية وبالحجج الجيولوجية, فما رأيكم, ومن أين نبدأ؟ قرأ أبو الإلحاد هذا الجزء من الموضوع فأصيب بالإحباط, وأحس بأنه في رفقة شرذمة من المراهقين الأغمار, أو الكهول البطالين, أي شيء أصنع بك وبموضوعك يا طرطور؟ ظننتك وقعت على حجة علمية تشد من أزر الملة الإلحادية المتهالكة, ظننتك وقفت على الدليل الدامغ لصحة العقيدة الداروينية, ظننتك جئتنا بالبرهان الساطع على نظرية الأكوان المتوازية, حسبتك جئتنا بمقال عن خبايا الحضارة المريخية, فإذا بك تعود بنا إلى الألاعيب الصبيانية, وإلى لهو غلمان الحارة, تريدنا أن نلعب "الغميضة"؟ انتظر صاحبنا حتى اكتملت فصول المسرحية الإلحادية وانصرف الممثل المغرور ليفتتح فصلها الأول, فدخل الموقع المسلم وهو لا يكاد يشك في أن زميله يوشك أن يقع على أمر رأسه.

                              بدأ أبو الإلحاد يتنقل بين المقالات, ويتأمل في الحوارات, فوجد لغة سائغة وكلاما سلسا. ثم نظر في ردود الملاحدة فألفى أكثرها مغرقا في التكلف, كان يقرأ الجملة ثم يعيدها لعله يظفر منها بشيء, فلا يزيده تكرار النظر فيها إلا حيرة, كأنها كتبت بالفارسية. هذا أحدهم سمى نفسه "كوبرنيكوس" سئل عن دليله على إلحاده فتكلم بكلام لا يدرى بطنه من ظهره ولا رأسه من قدمه: "النظر العقلي المجرد في هذه المسألة الأنطولجية يفضي إلى ولوج مساحات من التساؤلات الفلسفية التي تستدعي معقولية وفكرا منطقيا يجتاح فضاءات مسكونة بالمجهول, وهذا معنى النسبية, وهذا جوهر خلافنا مع المتدينين الذين يصدرون عن فكر ينبني على إيمان ميتافيزيقي بالمطلق, السؤال هو كيف انبثق المعنى والغاية والنظام والتصميم والإبداع من اللامعنى واللاغاية واللانظام واللاإبداع, هذا السؤال في نظري لا يمكن الإجابة عنه بالرجوع بالبشرية إلى الماضي واستلهام الموروث الديني, بل بتصحيح أوضاع حركة التنوير اللاديني. إن الكون نسبي لا معنى له من دون حركة رصد, فالراصد والمرصود, والشاغل والمنشغل, والماسك والممسوك, في النهاية شيء واحد, وهذه هي القبعة الفكرية للإلحاد في أعمق تجلياته, فكيف تريدونني أيها الزملاء أن أترك هذا الثراء الفكري والمعرفي بحذافيره لأعتنق معكم تصورا بسيطا للكون يهبك جوابا مباشرا عن كل هذه الأسئلة؟"
                              قرأ أبو الإلحاد كلام زميله مرارا, فهاله ولعه بالحشو وتكلف العبارات الجوفاء التي تستر من المعاني ما يحصل بأدنى مؤنة وأقل جهد. ثم ظهر موضوع الزميل الذي انبثق من ورشة عمليات منتدى "الجرب والجذام", كتب (طرطور) موضوعه وسرعان ما جاءته الردود تدعوه إلى مناقشة أصول الإعتقاد قبل النظر في الفروع, وتعده بجواب مسألته إن استطاع أن يبرهن على صواب مذهبه وأن يأتي بدليل إلحاده. حينها أخذت الحمية الزميل المتحمس فكتب مشاركة بعنوان:

                              أقصر دليل إلحادي
                              البطاطا موجودة والدليل المادي هو دخولها في الحيز المكاني والزماني الذي تخضع له الظواهر المادية التي تسري عليها الأعراض. وأقرب تجليات البطاطا هي تفاعلها الباهر مع الزيت المغلي عند بلوغ ذروة فعل القلي. ودون الدخول في التداعيات الكيميائية لهذه العملية المعقدة, ودون الحديث عن المعاني المخيفة دينيا لوجود بطاطس معدلة جينيا, فإنني أنا (طرطور) أقول: "البطاطا موجودة خارج الفلاح, فهي مستقلة بوجودها, ففعل الفلح والبذر والسقي لا يقتضي وجود ذات فالحة متصفة بإرادة حرة فاعلة, نحن نرى أن البطاطا تنبت عند توافر حزمة من العوامل الطبيعية وتظافر عمليات تقودها قوانين مادية صارمة لا تترك مجالا لافتراض أسباب خارقة, فبوجود المطر والتربة والحرارة تنتعش البطاطا المالحة والحلوة وتزدهر. ولا يطعن في هذا أن تقوم بعد ذلك ذات عاقلة مريدة مفكرة باستنساخ هذه الميكانزمات الطبيعية وإعادة إنتاجها بصورة منظمة في إطار ترشيد الإنتاج الزراعي, فالأصل في الطبيعة أنها مستقلة بإرادتها كما بينته من مثال البطاطا. فالبطاطا لا تحتاج إلى فلاح كما أثبتت بالبرهان المنطقي الصارم الذي يؤيده الحس السليم والبطاطا جزء من العالم المادي, وقياسا عليه فإن العالم المادي يثبت مرة أخرى أنه مستقل بنفسه قائم بذاته.
                              قرأ أبو الإلحاد دليل البطاطا كأنه يقرأ نعي الإلحاد العربي الإنترنيتي, وشعر بالجوع فأطفأ الحاسوب وخرج يطلب شيئا يأكله.
                              Last edited by هشام بن الزبير; 07-14-2011, 09:55 PM.
                              {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

                              Comment

                              • هشام بن الزبير
                                كاتب
                                • May 2010
                                • 2867

                                #90
                                26 اختراق الإلحاد

                                مضت سنة كاملة على إلغاء اشتراك أبي الإلحاد من جميع منتديات "الجرب والجذام". تعرض فيها لهزات فكرية زلزلت إلحاده, إنه يعيش في وسط معاد يسوده الدين والإيمان, فكيف يحرمه زملاؤه المتنورون من بصيص النور الذي تمثله منتدياتهم التنويرية في الفضاء الإلكتروني. الشياطين, لقد أرسلوا عنوان جهازه إلى جميع المنتديات الإلحادية, فلم يقبله بعدها أحد, فإلى من يلجأ إن صده حزب التنوير؟ حتى رسائل الرفاق الصعاليك انقطعت, كم يفتقد الشتائم اليومية المقذعة التي تنهال عليه كلما فتح صندوق بريده الإلكتروني, لقد انتهى ذلك كله, إنه لم يعد يرغب في الحياة, لقد فكر بالفعل في الإنتحار, لكنه تردد, رغم أن من مذهبه أن المادة لا تعرف التردد, وتعلق بأمل ما, رغم أن مذهبه يغتال الأمل, وقاوم اليأس, رغم أن مذهبه يزرع اليأس, لكن السبب الأكبر لنكوصه عن إنهاء حياته البئيسة هو أنه انقلب لا أدريا وارتد متشككا, لقد تلوث إلحاده, وصار يخشى إن طالت محنته أن يعود كما كان مؤمنا ساذجا يصدق أن للحياة معنى عميقا.

                                فتح بريده الإلكتروني وهو لا يتوقع إلا بعض رسائل الدعاية المزعجة, لكنه رأى اسما كبيرا, تسارع نبضه, ارتعشت أنامله وقرأ: "رسالة جديدة: المرسل, الدكتور زاجر المحموم." الموضوع: "كلمة السر الجديدة" لم يصدق عينيه, فتح الرسالة: فقرأ: زميلي العزيز شماس 13, هذه كلمة السر الجديدة: [خروف الفضاء] . ندعوك للقاء طارئ في القسم الخاص غدا على الساعة العاشرة مساء لأمر عاجل ومهم. هم أن يرسل رسالة شكر لولا أن قرأ: "هذه رسالة إدارية, نرجو عدم الرد." كان قلبه يرقص طربا لأن رفاقه لم ينسوه, لكنه استغرب أنهم غيروا معرفه, لكن كيف يختارون له اسما كهذا "شماس 13"؟ ربما أرادوا تأديبه بعد أن فهموا من مقالاته في "نقد الفكر الإلحادي" أنه بدأ يميل إلى التدين, ربما كان اللقاء مجلسا تأديبيا يتقرر بعده مصيره, فليكن, إنه يقبل أي شيء يمنحه حق العودة للمنتديات الإلحادية. لكن ألا يكفي المعرف الغريب للقيام بالمهمة التربوية حتى يضموا إليه كلمة سر من قاموس القرون الوسطى, شم رائحة غريبة تفوح من هذه الرسالة, رائحة أقبية مظلمة, نظر إلى معلومات الدخول الجديدة لأكبر منتديات "الجرب والجذام" فتخيل أنه حصل لتوه على "شيفرة دا فينشي" هذه "شيفرة أبي الإلحاد" جلس يكررها حتى يحفظها, تخيل شماسا يونانيا بلباسه الأسود الفضفاض يرعى ثلاث عشرة نعجة بيضاء في يوم مشمس, وتخيل خروفا وسيما يطير فوق القطيع. هكذا سترسخ المعلومات الثمينة في رأسه. تساءل: "لأي شيء حظي بشرف لقاء الدكتور زاجر شخصيا في الصالون الخاص التابع للمنتدى العتيد؟ أمر عقله أن يتوقف عن طرح الأسئلة و أن يصبر إلى الغد.

                                جاءت الساعة الموعودة, لبس أبو الإلحاد أحسن ثيابه, ومشط شعره وتعطر وأعد فنجان قهوة ثم جلس إلى مكتبه. فتح الموقع العتيد الذي يعد طليعة منتديات "الجرب والجذام" وقاطرة التنوير اللاديني في الفضاء الرقمي العربي, وتوجه للقسم الخاص, أحس برعشة تسري في جسده من رأسه إلى أخمص قدميه, أدخل معلومات الدخول فوجد نفسه مع نخبة الإلحاد: الدكتور زاجر المحموم مدير الموقع والدكتور فراس العث والأستاذ جورج المهماز وغيرهم. كان دخان غريب يملأ الشاشة, ظن صاحبنا لوهلة أن خللا قد أصاب حاسوبه في أسوأ توقيت, فبدأ يحرك الشاشة لعل الصورة تتضح, ثم ما لبث أن قرأ في الشريط أسفل القسم الخاص أنه هذا نوع من البخور الإلكتروني تمت برمجته احتفاء بقرب قدوم الأب (رائيل الثاني). لم يكتب صاحبنا شيئا ريثما ينتهي الزملاء من دعاباتهم الظريفة. لكن شعورا ملحا ظل يراوده أن شيئا غريبا يحدث في موقع التنوير. بدأ الدكتور زاجر يشرح برنامج اللقاء فكتب: "أيها الإخوة, لقد اجتمعنا لنناقش سوية التوصيات الأبوية الحكيمة لأبينا الروحي المفدى (رائيل الثاني). ولا شك أنكم قرأتم رسالته السنية واستشكلتم إشاراتها الخفية, فلهذا اجتمعنا بكم يا أوتاد كنيسة الخلاص الكوني. فأدعوكم جميعا للإسهام في إثراء الحوار كي نعجل بقدوم سفينة الخلاص." نظر أبو الإلحاد إلى أسماء الحاضرين فوجدها مصدرة بنجمة سداسية يتوسطها صليب معقوف فزاد عجبه, وهم أن يسأل عن سر هذه الحفلة التنكرية العجيبة, لولا أنه آثر التريث حتى يستبين الأمر على حقيقته. كان الأستاذ جورج أول من علق على كلمة الدكتور الإفتتاحية, فشكره وقال: "يشرفنا جميعا أن نكون في خدمة الكائنات العلوية, فنحن ندين لها بالوجود, ويشرفنا أن نكون جنودا لبث رسالة أبينا الأول رائيل. لقد بلغنا أن الوفد الفضائي السامي قد أكمل إعداد السفينة الفضائية, وأن هذا إيذان بدنو انتهاء أمد الحياة الأرضية, فليس بيننا وبين الخلاص من الوشائج الترابية إلا قدوم الموكب الأنفس, لنستقل المركب المقدس. كذا قال الأب." أدخل أبو الإلحاد كلمة "رائيل" في محرك البحث فتعرف على الكنيسة الرائيلية ومعتقداتها الفضائية, ورموزها الغريبة, لكنه لم يفلح في تفسير النقاش الدائر في المنتدى الإلحادي. لا بد أن ثمة خطأ ما. هل اخترق أنصار الملة الفضائية موقع التنوير اللاديني؟ نعم, لا بد أنهم اخترقوا حساب مسيري الموقع, لكنهم أخطئوا بمراسلته. لكن كيف حصل ذلك؟ جلس أبو الإلحاد يعيد ترتيب أفكاره, ويحاول أن يتصور حقيقة ما يجري, حين خطر بباله فجأة أن إدارة الموقع الإلحادي تنتمي بالفعل إلى تلك الكنيسة العجيبة, لكنه طرد عنه هذا الخاطر الغريب. كيف يعقل أن يكون دعاة الإلحاد وأساطين التنوير مؤمنين بخرافة كهاته؟ وكيف يعقل أن يكون لهم أب روحي يهيئهم لمقدم الموكب الفضائي المخلص؟ كيف ساغ لهم إذن أن ينتقدوا دين المسلمين وأن يسفهوا معتقداتهم؟ لماذا لم ينتقدوا سواه من الأديان إلا لماما؟ هل يكون الإلحاد في الموقع العتيد قناعا يستر الحقيقة التي اكتشفها لتوه؟ لا بد أن استلامه للرسالة كان خطئا قاتلا فضح اللعبة الماكرة. أخفى وجهه بين كفيه برهة, ثم انتفض وحرك رأسه مستنكرا. نظر إلى الشاشة فوجد الجمع غائصا في ترانيم خاشعة تتغنى بقرب الخلاص من العلائق الترابية وتدعو الكائنات الفضائية وتسألها الفرج بتحقيق النبوءة الرائيلية. جاءته رسالة من الدكتور زاجر فتحها فإذا فيها: "عزيزي شماس 13, اختم لنا المجلس بتقرير النشاط الإستنساخي للسنة الماضية." جلس صاحبنا يتفكر في طريقة يستدرج فيها هذه الشرذمة من مخترقي مذهب الإلحاد كي يفصحوا أكثر عن خبيئة نفوسهم, ثم كتب: "لقد ضاع مني التقرير يا دكتور, معذرة" حينها فطن الجمع إلى أن بينهم من ليس منهم, فقد كان لهم رمز يفتتحون به كتاباتهم. وجد أبو الإلحاد نفسه خارج القسم الخاص في أسرع من لمح البصر. جلس يقلب وجوه الرأي ويتفكر أي شيء يصنع, فظهر له أن يكتب رسالة إلكترونية إلى إدارة المنتدى يستفسر فيها عن حقيقة الذي يجري.

                                أرسل الرسالة ولبث بضع دقائق فجاءه الرد: "عزيزي أبا الإلحاد, يسرني أن أشكرك على الخدمة الجليلة التي أسديتها للموقع خاصة ولمذهب التنوير عامة. فقد كشفت بذكائك وفراستك أكبر عملية اختراق يتعرض لها الموقع منذ تأسيسه, وقد قام خبراؤنا في السلامة الإلكترونية بتدارك الوضع وبتخليص الموقع من قرصنة الشرذمة الدخيلة. وقد ارتأت الإدارة أن تكافئك على مساعدتك القيمة بإعادة تنشيط حسابك وبمنحك عضوية برونزية بامتيازات خاصة. توقيع الدكتور زاجر المحموم.

                                قرأ أبو الإلحاد الرسالة مرات, ولم يتمالك نفسه من البكاء, تحدرت دموعه على خديه, كانت دموعا باردة. لقد عاد إلى حظيرة الإلحاد الإلكتروني من جديد بعد أن أنقذ الزملاء من اختراق الدخلاء, ملأ الفخر جوانب نفسه, وجلس يرتب في ذهنه الأسئلة والإشكالات التي سيطرحها على زملائه قريبا على صفحات أعتى مواقع "الجرب والجذام".
                                Last edited by هشام بن الزبير; 07-17-2011, 02:16 AM.
                                {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

                                Comment

                                Working...