اثبات نبوة محمد صلى الله عليه و سلم

Collapse
This topic is closed.
X
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • القلم الحر
    عضو
    • Nov 2004
    • 1056

    #61
    "وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ "
    هذه الايةالشريفة من روائع اساليب القران الذى لا تنقضى عجائبه فى الهداية و الاقناع ,فقد تقرر عقلا ان البارى لا يمكن ان يترك البشر بلا ارشاد وهداية اى ان من يثبت البارى يجب ان يثبت النبوات ,لان البشر فى حاجة الى التكليف , و لا يتاتى معرفته الا برسل من الله فتقتضى حكمة البارى بعثتهم و هو ما تثبته الاية ان من لوازم الالوهية وخصائص الربوبية أن ينزل الوحى والكتاب لغرض هداية الناس إلى مستقيم الصراط
    ثم تسوق الاية برهانا على وجود الانبياء فى الامم المختلفة وهو كما يقول بعض اهل العلم : أنكم علمتم ما لم يكن في وسعكم أن تعلموه أنتم من عند أنفسكم بالاكتساب ولا في وسع آبائكم أن يعلموه فيورثوكم علمه وذلك كالمعارف الالهية والاخلاق الفاضلة والشرائع والقوانين الناظمة للاجتماع والمعدلة له أحسن نظم وتعديل الحاسمة لاعراق الاختلافات البشرية الاجتماعية فإنها وخاصة المواد التشريعية من بينها ليست مما ينال بالا كتساب، والتى تنال منها من طريق الاكتساب العقلي كالمعارف الكلية الالهية من التوحيد والنبوة والمعاد والاخلاق الفاضلة في الجملة لا يكفى مجرد ذلك في استقرارها في المجتمع الانساني، فمجرد العلم بشئ غير دخوله في مرحلة العمل واستقراره في المستوى العام الاجتماعي، فحب التمتع من لذائذ المادة وغريزة استخدام كل شئ في طريق التوصل إلى الاستعلاء على مشتهيات النفس والتسلط التام على ما تدعو إليه أهواؤها لا يدع مجالا للانسان يبحث فيه عن كنوز المعارف والحقائق المدفونة في فطرته ثم يبنى ويدوم عليها وفي مسيرحياته وخاصة إذا استولت هذه المادية على المجتمع واستقرت في المستوى فإنها تكون لهم ظرفا يحصرهم في التمتعات المادية لا ينفذ في شئ من أقطاره شئ من الفضائل الانسانية ولا يزال ينسى فيه ما بقى من إثاره الفضائل المعنوية الموروثة واحدا بعد واحد حتى يعود مجتمعهم مجتمعا حيوانيا ساذجا كما نشاهده في الظروف الراقية اليوم أنهم توغلوا في المادية واستسلموا للتمتعات الحسية فشغلهم ذلك في أوقاتهم بثوانيها وصرفهم عن الاخرة إلى الدنيا صرفا سلبهم الاشتغال

    ولم يضبط التاريخ فيما ضبطه من أخبار الامم والملل رجلا من رجال السياسة والحكومة كان يدعو إلى فضائل الاخلاق الانسانية والمعارف الطاهرة الالهية وطريق التقوى والعبودية بل أقصى ما كانت تدعو إليه الحكومات الفردية الاستبدادية - هو أن يتمهد الامر لبقاء سلطتها واستقامة الامر لها، وغاية ما كانت تدعو إليه الحكومات الاجتماعية - الديمقراطية وما يشابهها - أن ينظم أمر المجتمع على حسب ما يقترحه هوى أكثرية الافراد أيا ما اقترحه فضيلة أو رذيلة وافق السعادة الحقيقية العقلية أو خالفها غير أنهم إذا خالفوا شيئا من الفضائل المعنوية والكمالات والمقاصد العالية الانسانية التى بقيت أسماؤها عندهم وألجاتهم الفطرة إلى إعظامها والاحترام لها كالعدل والعفة والصدق وحب الخير ونصح النوع الانساني والرأفة بالضعيف وغير ذلك فسروها بما يوافق جارى عملهم والدائر من سنتهم كما هو نصب أعيننا اليوم.
    وبالجملة فالعقل الاجتماعي والشعور المادى الحاكم في المجتمعات ليس مما يوصل الانسان إلى هذه المعارف الالهية والفضائل المعنوية التى لا تزال المجتمعات الانسانية على تنوعها وتطورها تتضمن أسماء كثيرة منها واحترام معانيها وأين الاخلاد إلى الارض من الترفع عن المادة والماديات.
    فليست إلا آثارا وبقايا من الدعوة الدينية المنتهية إلى نهضات الانبياء ومجاهداتهم في نشر كلمة الحق وبث دين التوحيد وهداية النوع الانساني إلى سعادته الحقيقية في حياته الدنيوية والاخروية جميعا فهى منتهية إلى تعليم إلهى من طريق الوحى وإنزال الكتب السماوية.

    Comment

    • القلم الحر
      عضو
      • Nov 2004
      • 1056

      #62
      ان القران معجزة لمن تدبره ,تلك حقيقة يدركها من تعمق فى هذا الكتاب الالهى فهو لا تنقضى عجائبه ,بلى قشيب الدهرو اعجازه جديد, و هرم شباب الزمان و رونقه الى مزيد
      و لنعطى مثالا
      هناك من ينكر وقوع النسخ فى القران و تراهم يستدلون عليه بقوله تعالى "لا تبديل لكلمات الله "
      و ليس هنا محل بحث المسالة لكن نلفت الانتباه الى تدبرهم القاصر بما يكشف عن عجائب اسرار هذا الكتاب
      اننا اذا تتبعنا الايات التى ورد فيها هذه الجملة نجد انها جميعا تتعلق بعدم تبديل وعد الله
      "لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" يونس -64
      هنا نجد الوعد واضحا
      "وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ" الانعام -34

      هنا الوعد بالنصر

      و فى السورة ايضا "أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ 114 وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 115
      ان كلمات الله هنا هى وعده اهل الكتاب بانزال القران فالتّمام يطلق على حصول المنتظر وتحقّقه، يقال: تَم ما أخبر به فلان، ويقال: أتم وعده، أي حقّقه، ومنه قوله تعالى:
      { وتمّت كلمة ربّك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا"

      و يشبهه قوله تعالى :
      ( قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ( 107 ) ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا(الاسراء )


      و يقول سبحانه :" وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا " الكهف -27
      والمعنى.انه لما وعدهم الجواب عن الروح وعن أهل الكهف وأبرَّ اللّهُ وعدَه إياهم قطعاً لمعذرتهم ببيان إحدى المسألتين ذيل ذلك بأن أمر نبيئه أن يقرأ القرآن كما أنزل عليه وأنه لا مبدِّل لكلمات الله،

      تبين مما سبق ان المراد هو عدم تبدل وعد الله
      و تلك الطريقة فى التدبر هى ما اشار اليه قوله تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ"
      يسمى الشئ مثاني إذا كانت له مطاوي ومحاني ومعاطف ومنعَرَجات .

      تقول : ثنى الشيء ثَنْياً : أي ردَّ بعضه على بعض وقد تثنى وانثنى . وأثناؤه ومثانيه : قواه وطاقاته وأثناء واحدها ثني ومثناة ومثناة عن ثعلب .ومثاني الوادي ومحانيه : معاطفه . والثِّني : واحد أثناء الشيء أي تضاعيفه تقول : أنفذت كذا ثِنْيَ كتابي أي في طيه .

      وثِنْي الناقة ولدها وكذلك المرأة . أقول سمي ولد الناقة او ولد المرأة ثني ، لانه كان في أحنائهما وطياتهما .

      وفي ضوء ذلك يتضح ان وصف الكتاب بالمثاني معناه ان آياته لها ارتباط بعضها ببعض كارتباط المحاني ومعاطفها ومنعرجاتها بعضها ببعض ، وكارتباط محاني الوادي ومنعطفاته ومنعرجاته بعضها ببعض .

      ولم يترك القرآن قارئه حيران لا يهتدي الى هذه المنعرجات والمحاني والبطون بل هداه إليها بواسطة ألفاظ الآية أو مترادفاتها غالبا وأحيانا بواسطة عبارة أو جملة منها
      ثم تبين الايات الشريفة ان القران له خاصية اقشعرار جلد قارئه االمؤمن ثم اطمئنانه بذكره و هو امر مشاهد مجرب و هو هدى الله يهدى اليه من طابت سريرته اما الظالمون فلا يزيدهم الا خسارا

      Comment

      • القلم الحر
        عضو
        • Nov 2004
        • 1056

        #63
        "ُ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ " [ سورة البقرة الآية :146]

        تناولت فى المشاركة الاولى مسالة بشارات كتب اهل الكتاب بمحمد و اوردت نصا صريحا من سفر حجى
        و نسهب هنا فى المسالة
        تعتبر ابرز البشارات ما ورد فى كتاب دانيال
        و هذا نصها :

        دانيال2: الإصحاح الثاني من كتاب دانيال بتمامه
        "وفي السنة الثانية من ملك نبوخذنصر (1) حلم نبوخذنصر أحلاماً فانزعجت روحه وطار عنه نومه، فأمر الملك بأن يُستدعى المجوس والسحرة والعرافون والكلدانيون ليخبروا الملك بأحلامه فأتوا ووقفوا أمام الملك... إن لم تنبئوني بالحلم وبتعبيره تُصيَّرون إرباً إرباً... أجاب الكلدانيون قدّام الملك وقالوا ليس على الأرض إنسان يستطيع أن يبين أمر الملك... لأجل ذلك غضب الملك واغتاظ جداً وأمر بإبادة كل حكماء بابل فخرج الأمر وكان الحكماء يُقتلون فطلبوا دانيال (2) وأصحابه ليقتلوهم... حينئذ لدانيال كُشف السر في رؤيا الليل... أجاب دانيال قدّام الملك وقال السر الذي طلبه الملك لا تقدر الحكماء ولا السحرة ولا المجوس ولا المنجمون على أن يبينوه للملك لكن يوجد إله في السماوات كاشف الأسرار وقد عَرَّف الملك نبوخذنصر ما يكون في الأيام الأخيرة... أنت أيها الملك كنت تنظر وإذا بتمثال عظيم هذا التمثال العظيم البهيّ جداً وقف قُبالتك ومنظره هائل رأس هذا التمثال من ذهب جيّد، صدره وذراعاه من فضة، بطنه وفخذاه من نحاس، ساقاه من حديد، قدماه بعضهما من حديد والبعض من خزف، كنت تنظر إلى أن قُطع حجر بغير يدين فضرب التمثال على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما فانسحق حينئذٍ الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معاً وصارت كعصافة البيدر في الصيف فحملتها الريح فلم يوجد لها مكان. أما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلاً كبيراً وملأ الأرض كلها. هذا هو الحلم فنخبر بتعبيره قدّام ( أي أمام) الملك.
        أنت أيها الملك ملك الملوك لأن إله السماوات أعطاك مملكة واقتداراً وسلطاناً وفخراً. وحيثما يسكن بنو البشر ووحوش البر وطيور السماء دفعها ليدك وسلّطك عليها جميعاً. فأنت هذا الرأس من ذهب. وبعدك تقوم مملكة أُخرى أصغر منك ومملكة ثالثة أُخرى من نحاس فتتسلّط على كل الأرض. وتكون مملكة رابعة صلبة كالحديد لأن الحديد يدق ويسحق كل شيء وكالحديد الذي يكسر تسحق وتكسر كل هؤلاء. وبما رأيت القدمين والأصابع بعضها من خزف الفخّار والبعض من حديد فالمملكة تكون منقسمة ويكون فيها قوة الحديد من حيث إنك رأيت الحديد مختلطاً بخزف الطين. وأصابع القدمين بعضها من حديد والبعض من خزف فبعض المملكة يكون قوياً والبعض قَصِماً. وبما رأيت الحديد مختلطاً بخزف الطين فإنهم يختلطون بنسل الناس ولكن لا يتلاصق هذا بذاك كما أن الحديد لا يختلط بالخزف. وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبداً، وُملكها لا يُترك لشعب آخر، وتسحق وتفني كل هذه الممالك وهي تثبت إلى الأبد. لأنك رأيت أنه قد قُطع حجر من جبل لا بيدين فسحق الحديد والنحاس والخزف والفضة والذهب. الله العظيم قد عرّف الملك ما سيأتي بعد هذا. الحلم حق وتعبيره يقين.
        حينئذ خرّ نبوخذنصر على وجهه وسجد لدانيال وأمر بأن يقدموا له تقدمة وروائح سرور. فأجاب الملك دانيال وقال حقاً إن إلهكم إله الآلهة ورب الملوك وكاشف الأسرار إذ استطعت على كشف هذا السر. حينئذ عظّم الملك دانيال وأعطاه عطايا كثيرة عظيمة وسلطة على كل ولاية بابل وجعله رئيس الشَّحِن على جميع حكماء بابل .."
        حين رأى ملك بابل نبوخذنصر بالمنام رؤيا، قتل عليها حكماء بابل عند عجزهم عن سردها ثم تفسيرها.. وقد طلب منهم سرد الرؤيا وتفسيرها.. ويتضرع دانيال لإله السماوات عز وجل أن يكشف له الرؤيا وتفسيرها فقد باتت حياته وإخوانه من المؤمنين في خطر.. ويرحمهم الله فيوحي لدانيال بالرؤيا وتفسيرها، فيحكي دانيال للملك رؤياه ويفسرها، فتُنقذ حياتهم، ويمكّن لهم في ارض بابل من بعدها..

        وتتلخص الرؤيا في أن الملك رأى في منامه تمثالاً كبيراً، صُنع رأسه من ذهب، وصدره وذراعاه من فضة، وبطنه وفخذاه من نحاس، وساقاه من حديد.. واختلط الحديد بالخزف في قدميه.. ثم رأى حجراً قُطع بغير يدين ( أي لم تصنعه يدي إنسان)، فضرب به التمثال على طبقة قدميه.. فسحقها واستحال التمثال كله هباء تذروه الرياح.. واستقرّ الحجر مكانه، فنما حتى صار جبلاً كبيراً، وملأ الأرض كلها.. وفسّر دانيال للملك الرؤيا بأنه ستحكم الأرض أربع ممالك منذ عصره، الذي مثّل له بطبقة الرأس الذهبية، ثم ستلي مملكته ثلاث ممالك أخرى، كل واحدة منها مثلت في التمثال بطبقة من معدن خاص، وتتسلط المملكة الثالثة ( والتي مثلت بطبقة النحاس) على كل الأرض، ولكن المملكة الرابعة هي الأقوى، وستحكم شعوباً كثيرة غير متجانسة كما لا يتجانس الحديد والخزف اللذان مثلت بهما، ويلاحظ أن الخزف لم يظهر بالتمثال إلا في قدميه ولعل في ذلك إشارة لتمثيله للشعوب المحكومة والمستضعفة ضمن المملكة (الحديدية) الرابعة، وفي أيام المملكة الرابعة يقيم إله السماوات مملكته التي ستقضي على المملكة الرابعة ولن تنقرض، بل ستثبت إلى الأبد..
        ويتفق هنا سجل التاريخ مع تفسير أهل الكتاب في أن الممالك الأربع هي مملكة الكلدانيين أو البابليين (المملكة الأولى) التي كان نبوخذنصر نفسه أحد حكامها، والتي غلب عليها سايروس الفارسي عام 539 قبل الميلاد حين أنشأ المملكة الفارسية ( المملكة الثانية)، ثم أتى الإغريق (المملكة الثالثة) حين نزعوا الأرض من الفرس عام 331 قبل الميلاد، وظلّوا بها حتى انتزعها منهم الرومان عام 63 قبل الميلاد.. وكانت مملكة الرومان بذلك هي المملكة الأخيرة ( الرابعة) التي ينبغي أن تأتي بعدها مملكة الله.. وكل هذه الممالك الأربع ( البابليون ثم الفرس ثم الإغريق ثم الرومان ) استولت على الأرض المباركة بفلسطين وحَكَمتها.. ويجدر هنا الإشارة إلى أن لفظ الأرض قد استخدم هنا ليعني أساساً الأرض المباركة ( فلسطين) وما حولها ممّا وُعد أبناء إبراهيم بحكمه ووراثته حتى قيام الساعة كما يفهم من التوراة .. ويؤيد كتاب دانيال نفسه في مواضيع عدة في إصحاحاته الأخرى تفسير الممالك الأربع بالممالك المذكورة أعلاه.. فالأولى فسرتها الرؤيا نفسها أنها دولة الكلدانيين التي منها صاحب الرؤيا ( نبوخذنصر الملك)، والثانية وهي الإمبراطورية المادّية والفارسية، وقد اعتبرتا دولة واحدة كما في الإصحاح الخامس من كتاب دانيال 28:5 حين صورتا بكبش واحد ذو قرنين أحدهما للمادية والآخر للفارسية، فهما دولتان من شعب واحد، ولا خلاف في أن المملكة الثالثة هي دولة الإغريق فقد صورت في الإصحاح السابع كما سيأتي معنا بنمر له أربعة أجنحة يرمز كل جناح منها إلى أحد أجزاء الإمبراطورية بعد انقسامها، كما صورت في الإصحاح الثامن بعنزة لها قرن بارز من بين عينيها يمثل ملكها الأول ( الإسكندر) يبرز بعد انكساره أربعة قرون جديدة تمثل الأجزاء التي انقسمت إليها الإمبراطورية الإغريقية حيث تم التصريح باسمها في الإصحاح الثامن.. فاتضح بذلك بشكل تام أن الإمبراطورية الأخيرة ( أي الرابعة) والسابقة لمملكة الله هي إمبراطورية الرومان التي خلفت الإغريق مباشرة في حكم الأرض المباركة حين استولت عليها منهم عام 63ق.م.. ولعل تمثيل دولة الرومان بالخصر والرجلين يُشير إلى إنقسام الدولة لاحقا إلى شرقية وغربية كما يرى بعض الباحثون.. وفي هذا دلالة على أن نهاية دولة الرومان المعتبرة هنا هي بخروجها من الأرض المباركة عام 638- 640 م.. وليس بسقوط الجزء الغربي منها عام 476م.. إذ أن الجزء الشرقي ( وهو الجزء الحاكم للأرض المباركة) ظل ممثلا بالصنم بصورة مستقلة..
        إن هنالك إتفاقاً بين الباحثين على اعتبار سنة الإنتقال بين المملكة الثالثة ( اليونانية) والرابعة (الرومية) هو عام 63 ق م، وهو عام دخول الروم إلى أرض سوريا وفلسطين وإسقاطهم لحكم السلوقيين اليونان الحاكمين قبلها للأرض المباركة.. مع أن دولة اليونان بأرض اليونان كانت قد سقطت تحت الحكم الروماني قبل ذلك بأكثر من قرن.. لكنّ ذلك لم يكن له اعتبار لبقاء الحكم بأرض فلسطين تحت حكم دولة منبثقة عن إمبراطورية اليونانيين.. ومثل هذا عودة دولة الفرس إلى الوجود بعد سقوطها الأول تحت الإسكندر المقدوني، لم يعني شيئا بهذه النبوة لإنتهاء دورها في حكم الأرض المباركة منذ عام 331 ق م.. الذي كان هو عام انتزاع اليونان للأرض المباركة من إيدي الفارسيين..
        ومن هنا، فمنذ عصر قسطنطين انتقلت عاصمة دولة الروم إلى مدينة القسطنطينية ( استانبول).. وظلت تبعية الأرض المباركة للإمبراطور الحاكم بالقسطنطينية.. ولا يعني شيئاً لنبوتنا انفصال الجزء الغربي عن العاصمة أو سقوطه بعد ذلك.. إذ ظلت الأرض المباركة تحت حكم القسطنطينية.. ومع أنّ المسلمين هم مَن أسقط القسطنطينية إلا أنّ التاريخ لإنتهاء الحكم الروماني ( المملكة الرابعة) بهذه النبوة يجب أن يكون عام 638 م الذي هو عام خروج الرمان من حكم الأرض المباركة.. وليس عام 1453 م الذي كان عام استيلاء المسلمين على القسنطينية وإنهاء الإمبراطورية الرومانية.. وإن كان ذلك لا يؤثر على الإستنتاج بأنّ مملكة الله المنتظرة هي دولة الإسلام..
        قد يتسآءل البعض فما عبرة الإشارة إلى الجزء الغربي من دولة الرومان بإحدى الرجلين.. والواقع هو إن إنفصال الدولة الرومانية لم يكن ثابتا.. فقد توحدت في عدد من المرات بعد إن كانت أصلا موحدة.. ومن هنا تمّ ذكر الدولة الميدية مع الفارسية.. مع أن الذي أسقط البابلييين هم الفرس.. لكن إنضمام الدولة الميدية بعد ذلك إلى الفارسية، وتوحيدهما في دولة واحدة يُعطي إنطباعا بمشاركة غير مباشرة للميديين في حكم الأرض المباركة.. ومثل هذا كان دور الجزء الغربي الروماني بعد إنفصاله.. ومع هذا فلا يعني بالضرورة تمثيل دولة الرومان بهذه الطبقة الأخيرة من جسد التمثال انها ترمز إلى جزئي الإمبراطورة.. فالتسلسل الزمني هو السبب في ترك المنطقة السفلى من الجسد لتمثل المملكة الرابعة والأخيرة قبل ظهور مملكة الله..
        والسؤال هنا بعد كل هذا هو مَن حَكَم الأرض المباركة من بعد الرومان ؟ وهل كان يستحق لقب مملكة الله؟ فإن الرجاء ألاّ تكون دولته دولة وثنية أخرى كالأربع الممالك قبلها، فعندها تبطل النبوة التي تبشر بمملكة تشريعها من عند الله تأتي بعد المملكة الرابعة ( الروم) ؟
        والإجابة ساطعة باهرة… مَن غير دولة الإسلام ورث الأرض المباركة وحكمها من بعد الرومان ؟ ومَن غير دولة الإسلام أنهى إمبراطورية الرومان وقضى عـليها حتى أصبحت عاصمتها الـوحيدة ( القسطنطينية) حينها عاصمةً لدولة الإسلام ؟
        …ومَن غير دولة الإسلام دولةً قامت على رسالة سماوية ودعوة للإيمان بالله والاحتكام إلى شرعه؟ من غير دولة الإسلام دولة جاءت بهدى الله الخاتم وبدينه الأخير الباقي إلى يوم القيامة ؟ .. ولو أن دولة الإسلام لم تحمل رسالة من السماء لجاز لليهود والنصارى أن يبحثوا عن تأويل آخر للبشارة ! أمّا وقد جاءت دولة الإسلام برسالة سماوية عالمية، لا تحكم باسم قومية ولا جنس بل بدين منفتح للجميع يستوي فيه العربي والأعجمي فإنها بلا شكّ هي مملكة الله التي بشر بها المرسلون..
        وبمجيء دولة الإسلام أسلم سكان الأرض المباركة ومازالوا إلى اليوم.. وسيعمرونها إلى الأبد رغم عودة اليهود إلى أجزاء منها.. فعودة اليهود هذه هي عودة جزئية ومؤقتة كعودة الصليبيين إليها من قبل.. وسيظل المسلمون – وما زالوا - يعمرون بيت المقدس وما حوله حتى قيام الساعة..
        ولنا أن نتأمل أنّ الدول الإسلامية المتعاقبة على الأرض المباركة لا تُعدُّ إلاّ دولة وإمبراطورية واحدة ذات خلفية واحدة، وإن تعددت شخصيات حكامّها أو مواطنهم الأصلية.. تماماَ كما اعتبرت البشارة السابقة ( وما ارتبط بها من بشارات أخرى) دولتي الفرس والماديين دولة واحدة لخلفيتهما العرقية المشتركة..
        ويبقى أن نتساءل كيف وجد اللذين أصروا على الكفر من أهل الكتاب مخرجاً لهم لصرف هذه البشارة عن وجهتها الصحيحة.. لقد اتفق أكثرهم كارهين على التفسير المذكور أعلاه للمالك الأربع، بما فيه أنّ المملكة الرابعة هي مملكة الرومان.. واتفقوا على أنها قد زالت.. وأن المملكة التي ستزيلها هي مملكة الله.. ولمّا كان يلزمهم - على هذا الأساس - الإقرار بأنّ دولة الإسلام التي تلتها والتي أزالتها من الأرض المباركة ( بل ومن الوجود) هي بلا شكّ مملكة الله، فقد زعموا أنه سيكون لدولة الرومان نهوض جديد في آخر الزمان، وذلك لكي تصدق البشارة في أن المملكة التي ستسبق مملكة الله هي مملكة الروم ( الرابعة من زمن البشارة)! ولم ينتبه هؤلاء المتعصبون بذلك أنهم قد نقضوا البشارة حين لم يسلموا لدولة الإسلام، فإن مملكة الله لم تعد بذلك هي المملكة الخامسة من عصر دانيال ؟ ولم يعد لإيراد تسلسل الممالك الأربع المتتالية من بعد دانيال أي معنى إذا تم السكوت بعد بذلك على ما يزيد عن ألف عام من بعد خروج الروم من الأرض المباركة؟؟ وتواصوا به يخدعون أنفسهم بأنهم يؤمنون بالكتاب، إذ يؤمنون بما كتب دانيال أن مملكة الله هي فعلاً التي ستزيل دولة الرومان، ولكنها على زعمهم دولة الرومان القادمة في المستقبل!!.. وصرف القوم بذلك أنفسهم عن الإيمان بآية من آيات الله البينة... وتمّ لهم في الواقع تمييع البشارة وتعطيلها من كل معنى وهدف كان وراء إيرادها...
        ولا يسع المرء المسلم إلاّ أن يعجب غاية العجب كيف عطّل هؤلاء هذه البشارة ؟ وكيف تكلفوا هذا الافتراض بقيام دولة للروم بعد أن زالت وأخرجت من حكم الأرض المباركة منذ ما يقرب من ألف وأربعمائة عام.. إنه العمى عن آيات الله الذي اختاره الكفار لأنفسهم.." فإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم، فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون.." الطور 45-46.


        تباشير الانجيل و التوراة بالاسلام و رسوله محمد /نصر الله ابو طالب
        Last edited by القلم الحر; 12-05-2010, 12:46 PM.

        Comment

        • فتاة الأسلام
          عضو
          • Aug 2010
          • 27

          #64
          هل أجد هذا الكلام في كتاب واحد ,وما اسمه اريد أن اقرأه من الكتاب لو سمحت
          بارك الله فيك
          الهي قلت بيأس:إني أتألم !!قالت لي آياتك لا تقنطوا من رحمة الله)..قلت:لا أحد يعلم ما يثقل قلبي..فقالت لي آياتك إن الله يحول بين المرء وقلبه )..قلت:ليس عندي أحد ..فقالت لي آياتك نحن أقرب إليه من حبل الوريد)..قلت لا تنساني ..فقالت لي آياتك فاذكروني أذكركم)..قلت :أعطني أملا يا رب..فقالت لي آياتكإن مع العسر يسرا)..قلت :كيف لأحلامي أن تتحقق؟فقلت لي (أدعوني أستجب لكم

          Comment

          • القلم الحر
            عضو
            • Nov 2004
            • 1056

            #65
            لا اعرف كتابا يتضمن كل ما فى الموضوع ,و انما هو من كل بستان زهرة و من كل غيث قطرة
            لكن هناك كتب مفيدة
            مصدر القران /دكتور ابراهيم عوض
            محمد /مصطفى محمود
            اثبات نبوة النبى /المؤيد بالله الهارونى
            الظاهرة القرانية /مالك بن نبى
            تباشير التوراة و الانجيل بالاسلام و رسوله /نصر الله ابو طالب
            Last edited by القلم الحر; 12-05-2010, 07:08 PM.

            Comment

            • القلم الحر
              عضو
              • Nov 2004
              • 1056

              #66
              وجه من وجوه اعجاز القران الكريم
              من وجوه الاعجاز التى اشار اليها المؤيد بالله الهارونى ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابتدأ الاتيان بهذا القرءان على غاية الاحكام والاتقان ، قال :وقد ثبت جريان العادة أن كل أمر يقع على وجه لا يصح وقوعه عليه إلا بعلوم تحصل للفاعل له ، لا يصح وقوعه ابتداء على غاية الاحكام والاتقان ، وأن بلوغه الغاية يتعذر على مر الدهور والأعصار ، وتعاطي جماعة فجماعة له . وأنه لا فرق في ذلك بين شيء من الأمور التي هي منظوم الكلام ومنثوره ، أو ما يتعلق بالتنجيم أوالطب أو الفقه أو النحو ، أو الصناعات التي هي النساخة أو الصياغة أو البناء أو ما أشبه ذلك .
              فإذا ثبت ذلك وثبت وقوع القرءان على الوجه الذي بيناه ، ثبت أنه وقع على وجه انتقضت به العادة ، وما وقع على وجه تنتقض به العادة ، وجب كونه معجزا ، وجرى مجرى قلب العصا حية ، وإحياء الموتى ، والمشي على الماء والهواء .
              فإن قيل: ولم ادعيتم أن القرءان وقع على غاية الاحكام والاتقان ؟!
              قيل له: قد علمنا ذلك كما علمنا أن الشعر بلغ الغاية في أيام امرئ القيس ، والنابغة ، وزهير ، والأعشى ، وأن النحو بلغ الغاية في أيام سيبويه والخليل ، وأن الخط بلغ الغاية في أيام ابن مقلة ، وكذلك سائر الصناعات والمهن ، وكان الطريق إلى الجميع أنا قد علمنا من حال كل واحد ممن تعاطاه ، بأن كل من حاوله وتعاطى مثله ، إما أن يكون قصر عنه قصورا بينا ، وبَعُدَ بُعداً متفاوتا ، أو قاربه ، أو زاد عليه شيئا ، زيادة كانت يسيرة لا يؤبه لمثلها .
              فدلنا ذلك على أن جميع ما ذكرناه وقع على غاية الاحكام والاتقان في بابه ، في الأوقات التي ذكرناها .
              على أنه لو ثبت أن وراء غاية القرءان غاية يترتب وقوعها مزيدا يُطلب ، لم يقدح ذلك في استدلالنا هذا ، لأنا قد علمنا أنه لما حصل ووقع ، لم يكن وقوعه على أدنى مراتب الكلام وأضعف وجوهه ، بل كان متجاوزا لذلك شأوا بعيدا ، وأمدا مديدا .
              وهذا القدر كافٍ في وقوعه على وجه انتقضت به العادة .
              على أنا نقول لهذا السائل: إن كنت تعرف شيئا من الأشياء بلغ الغاية في مجرى العادة ، فَأَبِن عنه لنوضِّح بمثله أن ما ادعيناه في حال القرءان أوضح من ذلك ، ولسنا نريد بالغايات التي ذكرناها في هذه المواضع أجمع الغاية التي لا تكون في المقدور أو المعلوم ما يزيد عليها . وإنما نريد ما يسمى غاية ، ويُعد نهاية في مثله من طريق العادة ، فليكن ذلك مقصورا عند الناظر في كلامنا هذا . فإن المدار عليه ، والغرض ينتهي إليه .
              فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: إن ما ادعيتموه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابتداء الاتيان به لا يصح ، لأن الفصاحة لم يكن هو صلى الله عليه وآله وسلم ابتدأها ، بل كانت متقادمة العهد ،متداولة [بين] العرب ، قد استمرت عليها الأعصار ، وتصرفت فيها الأفكار ؟
              قيل له: لسنا نزعم أن الذي اختص به القرءان هو الفصاحة فقط ، حتى يلزمنا ما ذكرتموه ، وإنما نقول: إن الذي اختص به هو هذا النظم المخصوص ، والأسلوب المتميز ، واقعا في أعلى طبقات الفصاحة . وإذا كان هذا هكذا ، ولم يعرف للعرب قبله صلى الله عليه وآله وسلم هذا النظم المتميز عن غيره ، صح ما قلناه من أنه ابتدأ به على الغاية في معناه .

              فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أدار القرءان في نفسه نحوا من خمسة وعشرين سنة ، من حين بلغ إلى أن بعث ، حتى رتبه ونقحه وهذبه ، ثم أظهره على ما هو عليه من الغاية؟
              قيل له: ذلك مما لا يصح ، لأن القرءان ليس دون الأشعار والرسائل .
              وقد علمنا: أن الشعر لم يبلغ الغاية في هذا القدر من الزمان . ولا برجل واحد ، وكذلك الرسائل ، وكذلك سائر الصناعات ، وأن العادة جارية بأن كل من ابتدأ صناعة وابتكرها ، لا يتسع لبلوغ آخرها في مقدار عمره ، وأنها لا تبلغ الغاية إلا بأزمنة تتصل ، وبجماعات يقتدي بعضهم ببعض ، ويستعين بعضهم بخواطر بعض ، ويبني الخالف على ما أسسه السالف . فوضح بذلك سقوط هذا السؤال .


              فإن قيل: إن الخليل بن أحمد ابتدأ العروض فأورده على غايته ، ولم يدل ذلك عندهم على انتقاض العادة ، فما أنكرتم أن يكون القرءان مثل ذلك ؟!
              قيل له: إن العروض هو ضرب من تقطيع الأصوات وترتيبه ، وقد سبقه بذلك صاحب المسيقى ، وبلغ الغاية فيه .
              وقد سمعنا من كان يعرف اللغة السريانية يذكر أن للأشعار المعمولة على ذلك اللسان عروضا قد عملت ، ويجوز أن يكون الخليل بنى على تلك الطريقة ، ولا يكون له إلا بتتبع أشعار العرب ، وعدِّ أجناسها ، وردها إلى الوزن ، مقتفيا به ما ذكرناه .
              ثم قد سقط عنه أوزان وأضرُبٌ ، منها الوزن المسمى: ركض الخيل ، وقد جاء عليه الشعر المنسوب إلى عمر الجني ، وهو:
              أشجاك تشتيت شعب الجن ... فأنت له أرق وصب

              وهي قصيدة طويلة .
              وفي المحدثين من عمل على ذلك ، فقال قصيدة طويلة أولها:
              أنسيت أفعالهم السمحا ... فأراك تذكرهم لهجا

              وسقط عنه أيضا ضربٌ من الوزن المسمى بالمنشرح ، وهو أن يقع في القافية (( مفعولات )) بدل (( مفتعلن )) ، وقد جاء على ذلك أشعار كثيرة ، وتَتَبُّعُ هذا مما يخرجنا عن غرض كتابنا هذا ، وفيما أشرنا إليه كفاية .
              فبان بما ذكرناه أنه لا يصح أن يقال: إن الخليل أورد ذلك ابتداء على الغاية ، كما أورد النبي صلى الله عليه وآله وسلم القرءان مبتدئا به ، ومبتكراً له على الغاية في معناه ، فسقطت المعارضة .

              فإن قيل: هذا الذي بنيتم استدلالكم عليه فاسد ، لأنه يؤدي إلى أن السبق إلى الشيء يوجب كونه معجزا ، وقد علمنا فساده ، لأن أمورا كثيرة تتجاوز الاحصاء والعد ، قد وقع إليها السبق ، كالصناعات والمهن وما جرى مجراها ، وكثير من العلوم ، وليس يكون شيء من ذلك معجزا .
              قيل ل‍ه: مَن تَأمَّلَ كلامنا لم يسأل هذا السؤال ، لأنا لم نقل: إن الابتداء بالقرءان فقط يدل على أنه معجز ، وإنما قلنا: إنه وقع على وجه انتقضت به العادة ، لأن العادة جارية بأن الأمر المبتدأ به لا يجوز وقوعه على الغاية في الباب المقصود إليه ، وأوضحنا ذلك وكشفنا عن صحة ما قلناه .

              Comment

              • القلم الحر
                عضو
                • Nov 2004
                • 1056

                #67
                التامل فى اعجاز القران الكريم لا ينته , و يقال لمن يرتاب فى اعجازه لماذا حاربت قريش النبى صلى الله عليه و اله و سلم ؟
                هل حاربته لانه سفه احلامها و دعى الى التوحيد ؟
                لا شك انه سبب لكن غير تام فقد كان هناك حنفاء من فحول الخطباء و الشعراء وكانت خطبهم و اشعارهم
                مشحونة بالدعوة لنبذ الوثنية
                هل لانه ادعى النبوة ؟الواقع ان هذا ادعى لاهماله لان من يدعى مثلها دون حجة قاهرة لا يلتفت اليه الا بالسخرية لا بالحرب
                ليس الا انه جاء بالقران مع ما عرف من صدقه و كونه الابيض الذى يستسقى الغمام بوجهه
                فقد وجدوا فى القران قوة غلابة و تيارا جارفا عجزوا عن معارضته و هو يتحداهم به
                فكانت الحرب الشعواء وكانت الحيلولة بكل وسيلة بين الناس و بين هذا القران
                و يحكي لنا القرآن أنّ المشركين تواصوا بترك سماع القرآن والإلغاء عند قراءته في قوله: (وَ قَالَ الَّذِينَ كَفَرَوُا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) أي عارضوه باللّغو بما لا يُعْتَدُّ به من الكلام، حتى لا يصل كلامه إلى أسماع الآخرين
                و اشير هنا الى ان تسجيل القران لمواقف قريش و مجادلاتهم للنبى هو من شواهد صحته التاريخية كما يقر مثل هشام جعيط فى كتابه السيرة و غيره
                هذه الجملة تدل على تفرد القران و مفاجاته للعرب ,فاضف اليها النتيجة النهائية الباهرة و هى ان عصرنزول القران هو ازهى عصور البيان العربى , و تلك هى المنابر المرفوعة هنا و هناك اسواق العرب تعرض انفس بضائعها بضاعة الكلام و صناعة الشعر و الخطابة و اذ بالقران ياتى فاذا الاسواق انفضت الا منه و اذ الاندية صفرت الا عنه
                و صار للقران دوى فى جزيرة العرب كدوى النحل
                و خشعت اسماع الجاهلية التى كانت بالامس للذى يتلى عليهم
                و اخبتت السنتها اقرارا لهذا القران و ماجت بهم جزيرة العرب مهللين مكبرين مسبحين
                فهذه جملة تدلك على هذا الاعجاز القرانى
                فان شئت التعمق لاستكشاف سره فانه النظم مع الفصاحة
                فقد فاجاهم القران بنظم جديد بائن عن كلامهم مع فصاحة و بلاغة معجزة
                و هى معجزة لان القران الى يومنا لا يقدر بشر على الاتيان بمثل نظمه مع الفصاحة و البلاغة
                فمن اصاب نظمه اخطا الفصاحة و البلاغة و جاء بما يضحك الثكلى
                و من جاء بكلام فصيح بليغ عجز عن صياغته باسلوب القران المعهود

                Comment

                • القلم الحر
                  عضو
                  • Nov 2004
                  • 1056

                  #68
                  ذكرت نماذج من الاجاز العلمى فى لقران العظيم و نذكر نماذج اخرى
                  ـ القرآن والجاذبية العامة

                  اكتشف العالم الإنجليزي نيوتن (ت 1642 ـ م 1727 م ) ناموس الجاذبية العامة، وأثبت به وجود جاذبية بين الكواكب والسيارات، وحتى في باطن الذرّة. وقد كان لاكتشاف هذا القانون في القرن السابع عشر أهمية عظمى، حتى سمّي ذلك القرن باسم كاشفه.

                  وحاصل ما كشفه أنّ الأجرام السماوية كلّها متجاذبة فيما بينها ولا يشذّ جرم منها عن هذا الأثر العام، وأنّه كلما قربت الأجسام من بعضها، زادت الجاذبية بينها، وكلما تباعدت قلَّت الجاذبية بينها. وعلى ضوء ذلك، فلو كان القانون السائد هو قانون الجاذبية فحسب، للزم صيرورة الكون كله كتلة واحدة، ولكن هناك قوّة أُخرى مقابلة تحفظ النظام الكوني، هي قوة طاردة ناتجة عن الفرار من المركز. فالكواكب الّتي تدور حول الشمس، تنازعها قوّتان، قوة جاذبية إلى الشمس، وقوة طاردة عنها، ناتجة من دورانها حولها. وفي ظل تعادل هاتين القوتين، يأخذ النظام الكوني حالة الاستقرار، وتقع الأجرام الكبيرة في الفراغ من دون ماسك لها.

                  هذه خلاصة النظرية، بلفظها البسيط الواضح. وهي نظرية علمية محقّقة، هذا.

                  وبالرجوع إلى آيات الذكر الحكيم والتأمّل فيها، يظهر أنّ القرآن الكريم، قد أشار إلى هذا القانون الكوني، حيث يرى أنّ السموات مرفوعة في الفضاء بلا عمد مرئية يقول تعالى: (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّموَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَل مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ)

                  إنّ الضمير في قوله: (ترَوْنَها)، يرجع إلى (عمد) لا إلى (السَّموات)، لقرب الأول وبُعْد الثاني، والمعنى «الله الّذي رفع السموات بعمد غير مرئية الخ». بمعنى: إنّ للسموات عمداً، ولكن لا ترونها. فما هذه الأعمدة الّتي يثبتها القرآن للسموات، ولا نراها؟. فإذا كانت الجاذبية العامة، والقوة المركزية الطاردة، عمد تمسك السموات، فتكون الآية ناظرة إلى تلكما القوتين المتعاندتين، وإنّما جاء القرآن بتعبير عام حتى يفهمه الإنسان في القرون الغابرة والحاضرة، ولو أتى بما اكتشفه العلم الحديث، لَرُمِيَ القرآن قبل الاكتشاف، بالخطأ والزلل.
                  وعلى كل تقدير فقد اختار القرآن في إفهام هذا الناموس تعبيراً صادقاً في جميع الأدوار، مفهماً أنّ هذه المُعَلَّقات في الفضاء، تحملها أعمدة غير مرئية، ممسكة لها

                  القرآن وكروية الأرض

                  إنّ في القرآن الكريم آيات صريحة ناطقة بكروية الأرض، يعرفها من أمعن فيها. يقول سبحانه: (وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا).

                  ويقول سبحانه: (رَبُّ السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ رَبُّ الْمَشَارِقِ).

                  ويقول: (فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَ الْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ).

                  ومن المعلوم أنّ الأرض على فرض انبساطها لا تخلو من مشرق واحد ومغرب كذلك، وإنّما تتعدد مشارقها ومغاربها إذا كانت كروية، فتكون النقاط الشرقية، غربية لسكنة النقاط الشرقية، والنقاط الغربية، شرقيةً لسكنة النقاط الغربية

                  نعم، كان للفلاسفة الأقدمين نظريات شتى حول شكل الأرض وكرويتها، وكان الاعتقاد بكرويتها منتشراً عند ظهور نظرية بطلميوس، غير أنها لم تكن معروفة في الحجاز، وإنّما كان تفكير الأُميين من العرب حول الأرض، تفكير إنسان بدوي يعيش في الصحراء القاحلة. فالإجهار بهذه الحقيقة في تلك البيئة البعيدة عن الحضارة، لا يصحّ إلاّ إذا اعتمد المخبر، على منطق الوحي

                  القرآن والعالم الجديد

                  من الأسرار الّتي كشف عنها القرآن قبل أربعة عشر قرناً، وجود العالم الّذي اكتشفه البَحّار كريستوف كولمبوس.

                  قال سبحانه: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ).

                  وقد شغلت الآية بال المفسّرين، ففسّروها تارة بمشرقي الشمس والقمر، ومغربيهما، وأُخرى بمشرقي الصيف والشتاء، ومغربيهما. ولكن الظاهر هو الإشارة إلى وجود قارة أُخرى، على الوجه الآخر من الكرة الأرضية، يلازم شروق الشمس عليها، غروبها عنّا، وذلك لقوله سبحانه ـ حاكياً عن المجرمين يوم القيامة ـ: (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْني وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ). فالظاهر أنّ المشرقين في الآيتين متحدّان أوّلاً، وأَنَّ البُعْد بينهما أطول مسافة محسوسة للمتمني ثانياً. وليست المسافة بين مشرقي الشمس والقمر أو مشرقي الصيف والشتاء أطول مسافة محسوسة، فلا بدّ من أن يكون المراد منه المسافة الّتي ما بين المشرق والمغرب. ومعنى ذلك أن يكون المغرب مشرقاً لجزء آخر من الكرة الأرضية، ليصحّ هذا التعبير. فالآية تدلّ على وجود هذا الجزء الّذي لم يكتشف إلاّ بعد مئات السنين من نزول القرآن، كما أنّ إِفراد المشرق والمغرب في قوله سبحانه: (وَ للهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)، لأجل الإشارة إلى المشرق والمغرب المحسوسين لمن يعيش على هذا الوجه من الأرض.

                  وبالجملة، إنّ تفسير المشرقين بالمعنى الأول والثاني، بعيد عن الأفهام العرفية، وإنّما يختصّ التفسير بهما بالفلكيين الأخصائيين في هذا الفن، والقرآن ينقله عن المجرم المتمني يوم القيامة

                  القرآن وحركة الأرض

                  إنّ الهيئة اليونانية كانت تصرّ على سكون الأرض، ومركزيّتها بمعنى أنّ الشمس وجميع الكواكب والنجوم تدور حولها. وأوّل من خالف هذه النظرية ـ في الغرب ـ وكشف حركة الأرض حول نفسها وحول الشمس، العالم البولوني «كوبرنيك» (1473 ـ 1534 م). وقد أيّده العالم الايطالي «جاليلو» (1554 ـ 1624 م)بعد أن صنع لنفسه منظاراً فلكيّاً صغيراً ليشهد به حركة الأرض بالدقّة والحسّ. ولكنّه لقي بسبب تأييده هذا معارضة الكنيسة وملاحقتها حتى حكم عليه بالإعدام بعدما سجن طويلاً. ولأجل ذلك كان العلماء يكتمون اكتشافاتهم خوفاً من الكنيسة الرومية
                  ولكن القرآن أشار إلى حركة الأرض بعبارات لم تتضح إلاّ بعد قرون من الزمن، وقد جاء ذلك في ضمن آيتين:

                  الأُولى ـ قوله تعالى: (الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا) فقد استعار للأرض لفظ المهد الّذي يعمل للرضيع ويُهَزّ بهدوء لينام فيه مستريحاً هادئاً. وكذلك الأرض، مهدٌ للبشر، وملائمة لهم من جهة حركتها الوضعية والانتقالية. فكما أنّ الغاية من حركة المهد رعاية الطفل وطمأنينته، فكذلك الأرض، فإنّ الغاية من حركتها اليومية والسنوية، تربية الإنسان، بل وجميع ما عليها من الحيوان والنبات والجماد. وإنّما أشار إلى الحركة ولم يصرّح بها، لأنّها نزلت في زمان أجمعت عقول البشر فيه على سكونها، حتى أنّه كان يُعَدُّ مِنَ الضروريات الّتي لا تقبل التشكيك.

                  الثانية ـ قولهُ تعالى: (وَ تَرى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ)

                  إنّ بعض المفسّرين يخصّ الآية بيوم القيامة، لأنّها وردت في سياق آياتها، فقد ورد قبلَها: (وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ وَ كُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ)

                  ويلاحظ عليه: أنّ الآية المتقدمة على هذه الآية، تبحث عن الحياة الدنيوية، يقول سبحانه: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ) فَتَوَسُّطُ الآيةِ الراجعةِ إلى يوم القيامة، لا يمنع صلة الآية بالحياة الدنيوية، إذا كان هناك صلة وتناسب بين الآيات، هذا.

                  مع أَنّ القرائن الموجودة في نفس الآية تؤيّد خلافه، أَمّا أَوّلاً: فإنّه سبحانه يقول: (تَحْسَبُهَا جَامِدَةً)، مع أنّ يوم القيامة، يوم ظهور الحقائق وكشف البواطن، وليس هناك ظَنٌّ وحسبان، بل كلُّ ما هناك إذعان ويقين، يقول سبحانه: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَة مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)

                  وثانياً: فإنّ الآية تبحث عن الجبال الموجودة، مع أنّ يوم القيامة يوم تبدلّ النظام وتغيّره، يقول سبحانه: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَ السَّموَاتُ)

                  ويقول سبحانه: (وَ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً)

                  ويقول سبحانه: (وَ إِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ)

                  ويقول سبحانه: (وَ تَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ)

                  فالكل يدل على زوال النظام بما فيه الجبال، فكيف تكون الآية ناظرة إلى يوم القيامة؟

                  وثالثاً: إنّ قوله سبحانه في ذيل الآية (صُنْعَ اللهِ الذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء)، دليل على أنّه لا صلة للآية بالقيامة، إذ الصنع يناسب حياتنا الدنيوية، وأمّا يوم القيامة، فهو يوم إبادة نظام الحياة فالجبال تتلاشى وتتمزق، فلا يناسبه التركيز على إتقان الصنع.

                  ورابعاً: فإنّ قوله في ذيل الآية: (إنّه خبيرٌ بِما تَفْعَلونَ)، صريح في أنّ الآية راجعةٌ إلى الحياة الدنيوية، ولو كانت ناظرة إلى يوم القيامة، لكان المناسب أن يقول: «خبير بما فعلتم
                  فهذه القرائن تؤيّد كون الآية راجعة إلى حياتنا الدنيوية.

                  وأمّا دلالتها على حركة الأرض، فلا شكّ أنّ حركة الجبال متّصلة بحركة الأرض وتابعة لها، لرسوخها فيها، وتَشَعُّب أُصولها في بواطنها، فحركتها تلازم حركة الأرض. ومعنى الآية: إنّ الأرض والجبال وما عليها وما فيها، في حركة مستمرة كحركة السحاب. وأمّا تخصيص الجبال بالذكر، فلأجل ما فيها من الوزن والثقل والارتفاع، وقدرة الله تسيرها كالسحاب. والقرآن ذكر الجبال لعظمتها وثقلها، ليبرهن بها على أنّ قدرة الله نافذة في كل موجود، ووسعت كل شيء.

                  وأمّا تشبيه حركتها بحركة السَّحاب، فلإفهام أمرين:

                  1 ـ كما أنّ حركة السَّحاب تكون بسكون وهدوء، بدون صخب واضطراب، فكذلك حركة الجبال تتحقق بسكون وطمأنينة.

                  2 ـ سرعة الحركة، حيث تتحرك كتحرك السحاب حين تهب الريح. فإنّ حركة السُّحب عند هبوب الرياح والعواصف حركة سريعة، ولأجل ذلك يشبهون مرور الفُرَص بمرّ السحاب، كما يقولون: «الفرصة تَمُرُّ مَرّ السحاب».

                  Comment

                  • القلم الحر
                    عضو
                    • Nov 2004
                    • 1056

                    #69
                    معجزة
                    من الامور الجديرة بالتامل ايمان الانصار رضى الله عنهم بنبوة ابى الزهراء
                    فهو امر كالمعجزات
                    لقد تابعه من امن به في دار هجرته لما سمعوا القرآن واثرت قوته في قلوبهم، فآووه ونصروه، واحبوا من هاجر اليهم، واتخذ بعضهم بعضا اخوانا، وواسوهم باموالهم واووهم في ديارهم، ونابذوا ابائهم وابنائهم وعشائرهم، فقطعوا كل عهد وذمة كانت بيهم وبين من يحاددهم، وردوا كل جوار وحرمة كانت بينهم بعضهم في بعض، وآثروا محمدا ومن هاجر معه اليهم، على جميع من ذكرنا من القريب والبعيد، ونزلوا على حكمه، ولم يقبل ايمانهم حتى حكموه في انفسهم واموالهم وذراريهم

                    و رضوا بذلك وسلموا له، وهم مختارون غير مجبرين وطائعون غير مكرهين

                    و تلا عليهم قول الله عزوجل" فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُو تسليما "، وقوله :"ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله امرا ان يكون لهم الخيرة في امرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا "

                    فقبلوا ذلك منه والزمهم هذه الشرائط، وهو رجل وحيد فريد لا سلطان له عليهم، ولا مال له ولا عشيرة تعينه ولا قبيلة

                    فقبلوا منه هذه الشرائط طيبة بذلك انفسهم مع ما قد جبل الله عليه البشر من حب من احسن اليها، والنفور ممن اساء اليها، ولم ينالوا منه من امر الدنيا شيئا، من اعراضها التي يعدها من يؤثر الدنيا احسانا

                    بل نالوا منه هذه الاسباب التي يعدونها اساءة إذا اثروا الدنيا على الآخرة

                    Comment

                    • القلم الحر
                      عضو
                      • Nov 2004
                      • 1056

                      #70
                      اضف الى تلك المعجزة أن العرب لم تزل معروفة بالأنفة ، وشدة الحمية ، مشهورة بالتكبر والتعاظم ، ولذلك قط لم يجمعهم على الطاعة ملِك منهم ، ولم يخضعوا لعظيم من عظمائهم ، ولم يدينوا لأحد منهم .
                      خلاف سائر الأمم ، فإن أمة من الأمم لم تخل من ملك منهم يصرفها ، وعظيم يدبر أمورها منها ، ولم يكن ذلك إلا لأن الجل من العرب كانوا يعتقدون من أنفسهم أحوالا من الكبرياء ، تمنعهم عن أن ينقاد بعضهم لبعض ، لعزة نفوسهم ، وقوة قلوبهم ، وظهور فضائلهم النفسية .
                      ثم دانوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالطاعة ، وخفضوا ل‍ه جناح الذلة ، وخضعوا تحت أحكامه ، وتصرفوا على قضايا أوامره ونواهيه ، جارفين عاداتهم العادية ، ومخالفين سجاياهم القديمة ، ويَجِلُّون أن يكونوا فعلوا ذلك إلا لأنه صلى الله عليه وآله وسلم بهرهم وقهرهم بحجته ، وقطع معاذيرهم بآياته المعجزة ، ودلالاته الواضحة .
                      وهل يكون لنقض العادة إلا مثل ما اتفق في أحوالهم ، والخضوع بعد الاستكبار ، والانقياد بعد الإباء ؟! ولهم الإصابة والفهم البيِّن ، والرأي الثاقب ، والبصيرة الثابتة ؟!

                      إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ

                      Comment

                      • القلم الحر
                        عضو
                        • Nov 2004
                        • 1056

                        #71
                        لااحب ان انهى هذا الموضوع لكن مؤقتا اختم بخاطرة ..
                        ان معدن الهداية هو القران الكريم و قد تكلمنا عن وجوه لاعجازه و نحوه لكن الامر فى تصورى اكبر من ذلك
                        فهذا الكتاب قد تجلى الله تعالى فيه لخلقه
                        ان من يؤمن بوجود الله – و نحن نخاطب فى اثبات النبوة من يؤمن بوجوده – لا يخف عليه اذا تفكر ان الله يتعرف الينا فى حياتنا بجماله و جلاله , بل الانسان فى كل احواله فى هذا الحال فالمرض مثلا اثر لجبروت الرب تعالى يفحم من يتصورون الها رقيقا يستحيل ان يعذب , و الصحة و سائر النعم التى لا تحصى مظاهر جماله
                        و صفات الجمال و الجلال الالهى تكاد تنطق فى ايات هذا الكتاب
                        القران هو الكتاب الوحيد الذى يتضمن اقوى اقناع دائم على وحدانية الله و جماله و جلاله مقدما اصدق تصور للذات الالهية بوعى انكر معه التثليث المسيحى و اله اليهود القومى و اله نيوتن الذى انعزل عن العالم فضلا عن اله قريش الذى انجب بناتا
                        لقد تعرف الينا الله بصفاته فى هذا القران العظيم فمن تدبره كانه يرى الله
                        و هو ما يصل اليه من قراه قراءة الصلحين من سلف الامة الذين كانوا يرتلونه ترتيلاً ، يحزنون به أنفسهم ، ويستثيرون به دواء دائهم فاذا مروا بآية فيها تشويق .. ركنوا إليها طمعاً ، وتطلعت نفوسهم إليها شوقاً .. وظنوا أنها نصب أعينهم .. وإذا مروا بآية ، فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنوا أن زفير جهنم ، وشهيقها .. في أصول آذانهم
                        ان ايات الوعد الكاشفة عن رحمة الله و ايات الوعيد الكاشفة عن جبروته تمضى فى القران بتوازن مدهش
                        مثلا يقول سبحانه :
                        "لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ 196 مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ 197 لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ"

                        و الامثلة لا تحصى فى ذلك فتاملها و عش مع كتاب الله ليتفجر ينبوع النور فى قلبك فان هذا اصح طريق لليقين و عندها تلمس انه نداء العناية العليا و جبروت القدرة العظمى و كتاب الله ذى الجلال و الاكرام
                        ثم قل الله و ذر من يقراون القران بكل جهلهم المدقع باحثين عن تناقض لا يثبت او خطا دون اثباته خرط القتاد كالخفافيش التى تكره النور
                        Last edited by القلم الحر; 12-11-2010, 07:59 PM.

                        Comment

                        • القلم الحر
                          عضو
                          • Nov 2004
                          • 1056

                          #72
                          تناول الفقير الى عفو ربه اعجاز الشخصية المحمدية و شيئا من اعجاز الكتاب العزيز البيانى و العلمى و اعجاز وقوعه على الغاية ابتداءا مع اشارة لمعجزات المصطفى الاخرى و بشارة كتب اهل الكتاب به و دلائل اخرى على نبوته صلى الله عيه و اله و سلم
                          و اسلط الضوء هنا على لب اعجاز القران البيانى و هو اعجازه فى الفصاحة
                          و لادراك هذا الاعجاز طريقان :
                          الاول – عجز فصحاء العرب عن معارضته مع حرصهم التام على ابطال نبوة محمد صلى الله عليه و اله و سلم
                          الثانى – دراسة الفصاحة القرانية

                          اولا – التحدى القرانى :
                          لقد تحدى ابو الزهراء قريش و كل العرب بان ياتوا بسورة من مثل سور القران وكان من الجدير بالعرب - وفيهم الفصحاء النابغون في الفصاحة – أن يجيبوا التحدى فيسقطوا حجة هذا المدعي الذي تحداهم في أبرع كمالاتهم ، وأظهر ميزاتهم ، ويسجلوا لانفسهم ظهور الغلبة وخلود الذكر ، وسمو الشرف والمكانة ، ويستريحوا بهذه المعارضة البسيطة من حروب طاحنة ، وبذل أموال ، ومفارقة أوطان ، وتحمل شدائد ومكاره .

                          ولكن العرب فكرت في بلاغة القرآن فأذعنت لاعجازه ، وعلمت أنها مهزومة إذا أرادت المعارضة ، فصدق منها قوم داعي الحق ، وخضعوا لدعوة القرآن ، وفازوا بشرف الاسلام ، وركب آخرون جادة العناد ، فاختاروا المقابلة بالسيوف على المقاومة بالحروف ، وآثروا المبارزة بالسنان على المعارضة في البيان ، فكان هذا العجز والمقاومة أعظم حجة على أن القرآن وحي إلهي خارج عن طوق البشر .
                          و قد اشكل خصوم الاسلام على هذا اشكالات نجيب عن اهمها
                          (1)قيل : اننا لا نسلم بتواتر ايات التحدى
                          الجواب :
                          أن العلم بكل آية من القرءان ، مما أتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم ضروري ، كما أن العلم بجملته ضروري .
                          لأن القرءان كله آية آية ، فلو لم يكن العلم بكل آية علما ضروريا ، لم يكن العلم بجميع القرءان ضروريا . لكنا لا نقتصر على هذا القدر ،
                          والتفاصيل كالجملة في التواتر لا فرق بينهما إلا أن التفاصيل ربما احتاجت إلى البحث، والذي يدل على عدم الفرق بينهما العلم الضروري بأنه لو زاد أحدنا في القرآن لفظة أو حرفاً، أو نقص منه ذلك لعلمه كل من يقرأ القرآن حتى الصبيان فضلاً عن العلماء، وليس ذلك إلا لتشدد أهل الإسلام في حفظ القرآن ومنعه من التغيير، وإذا كان هذا التشديد في الزمن المتأخر، فالمعلوم ضرورة أن الصحابة إن لم يكن تشددهم أعظم فهو لا يقصر عن تشدد غيرهم.
                          الوجه الثاني: أنه لو أمكن القول بزيادة آيات التحدي لأمكن أن يقال بزيادة أقيموا الصلاة وغيرها بل سائر القرآن، ومعلوم فساده.
                          الثالث: أن هذه الآيات مسموعة، والتحدي قائم على وجه الدهر، والفصحاء موجودون بكثرة؛ فيجب أن يأتوا بمثله ليظهر فساد التحدي، والمعلوم أن أحداً لم يقدر على معارضته إلى يومنا هذا.
                          فإن قيل: إن الفصاحة قد نقصت ولو ظهرت تلك الآيات في أيام توفر فصاحة العرب لعارضوه.
                          قيل: لا نسلم فإن في خطباء الأزمنة المتأخرة من الفصاحة والتفنن فيها ما لا يوجد في العرب، وغايته نقص الفصاحة في الشعر، وهي لا تتعلق بما نحن فيه.
                          و لا إشكال أن هذه الآيات كانت كلها في المصاحف التي كتبت أيام عثمان ، وتلك المصاحف كتبت بمشهد أقوام لا يجوز التواطؤ عليهم لكثرتهم ، وفيهم الحفاظ ، منهم من كان يعرف الفرق بين ما هو من القرءان ، وما ليس من القرءان ، بل كان أكثرهم - والله أعلم - بهذه الصفة . كما أن عامة المسلمين اليوم - وإن لم يكونوا حفاظا - يفصلون بين ما هو من القرءان وما ليس من القرآن . فلم ينقل عن أحد أنه تكلم في ذلك ، وأنكر معرفتهم ، كما نقل ما كان من ابن مسعود في المعوذتين ، وفي آي سورة القنوت
                          فلولا أن هذه الآيات بَانَ كونها من جملة القرءان ظاهرا مكشوفا لجرى فيها التضاد ، وعرض فيها النزاع .
                          فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: إنهم جميعا سكتوا عنها ، لأنها كانت مقوية لأمرهم ، معليةً لكلمتهم ، مصححة لنحلتهم .
                          قيل له: الاتفاق على مثل ذلك لا يصح من العدد الكثير ، ولولا ذلك لم يصح أن يقع العلم بشيء من الأخبار التي تعلق بها الأغراض .
                          وذلك أن الطبائع مبنية على نشر الأخبار إذا عرفتها الجماعة الكثيرة ، ضرتهم أو نفعتهم ، لأن الدواعي إلى النشر كثيرة مختلفة ، فيخرج المكتوم لأغراض مختلفة ، فلو كان الأمر على ما ذكرتم ، والحال على ما توهمتم ، لظهرذلك ، ونقل ولم ينكتم . لأن واحدا كان لديانته ، وسداد طريقته ، يذكره إنكارا وتوجعا .
                          وآخر كان لسخافة دينه ، وضعف عقيدته ، يذكره لبعض أعداء الدين تقربا وتوددا .
                          وآخر كان يورده ويحكيه لأهله ولولده تحيرا وتعجبا .


                          (2)قيل لو سلمنا بتواترها لا نسلم انها دالة على التحدى و لو كان الغرض منها الدلالة على النبوة لاشتهر عن النبى ذلك و لكن لم ينقل احد من اصحاب الاخبار انه استدل به و لم ينقل ممن امن به انه امن بسبب القران !
                          الجواب:أن هذا إنكار لما هو معلوم بين الأمة وغيرهم، فإن المعلوم عند كل من عرف أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ادعى النبوة من المؤمنين والفاسقين والكافرين أن القرآن معجزته العظمى، وأنه تحدى به العرب، واستدل به على نبوته، وإنكار ذلك سفسطة.
                          و قولهم: لم ينقل أصحاب الأخبار...إلخ.
                          بل نقلوه كما في إسلام عمر والبراء بن عازب وغيرهما كما تضمنته كتب التاريخ.
                          و قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وآله كان يتلو القرءان على أصحابه ، وعلى من كان يفد عليه من المشركين من أحياء العرب ومدنها ، ثلاثا وعشرين سنة حتى تَحَقَّقَه الخلق من الصحابة ، وكانوا يتلونه في المحافل والمجامع ، وبين أهليهم في صلواتهم ومدارسهم ومجالسهم ، وكان المشركون يسمعون ذلك ، ويقرع أسماعهم ، وإن لم يكونوا يحفظونه .
                          وانتهى الاسلام في هذه المدة إلى اليمن ، وسائر نواحي العرب ، ويكفي في آية واحدة من آيات التحدي أن تقرع أسماعهم . فكيف يصح أن يقال: إنهالم تبلغهم ؟! إلا أن يكون الله تعالى قد صرفهم عن سماعها ، ولئن جاز ذلك ، فالصرف من عظيم المعجزات .
                          على أن عامة آيات التحدي إنما هي في السور المكية ، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وعلى أهله وهو بمكة شغل بالجهاد ، وبيان الاحكام . وإنما كان أكثر شغله صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء الى الله تعالى ، وقراءة القرءان ، على ما كان يستدعيه .
                          يؤكد ما ذكرناه ويوضحه: الآثار الواردة في اجتماع مشركي العرب على التشاور والنظر في حال القرءان ، وتدبر أمره ، حتى قال الوليد بن المغيرة لعنه الله: (( قد سمعت الأشعار والخطب ، وكلام الكهنة ، وليس القرءان شيئا من ذلك )) ، ثم قال ما حكى الله تعالى عنه في قوله: { ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) } [المدثر] .
                          فالتجأ إلى أن قال: إنه سحر ، لما بهره أمره .


                          3- قيل :لعلهم عارضوا القران لكن لم تنقل المعارضة و منعهم خوف المسلمين من نقلها.
                          والجواب: أن الخوف إنما يمنع من الظهور والاشتهار لا النقل فلا يمنعه؛ بدليل أنه قد نقل أقوال المنكرين للصانع والسابين للرسل، ولم يمنع من ذلك خوف المسلمين، و يكفى شاهدا فضائل على بن ابى طالب فقد حاربه بنو أمية و بالغوا في طمس فضائله وكتمها فخرج من بين الكتمين ما ملأ الخافقين، ولم يؤثر الخوف إلا في ظهورها واشتهارها في أيام بني أمية، وأما نقلها وروايتها فلم يؤثر في منعه بحال، وبعد فكان أعداء محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عزة ومنعة، وفي غير أرضهم مواضع يمكنهم إظهار المعارضة فيها كبلاد فارس والروم وغيرها،
                          وأيضاً لو جوزنا ذلك لجاز لقائل أن يقول: إنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنبياء إلا أن المسلمين قتلوهم ولم يجسر أعداؤهم على نقل ذلك للخوف، وكذلك يقال في زمن موسى وعيسى عليهما السَّلام ، والمعلوم أنه لو ادعى ذلك مُدَّعٍ لَكَذبه العرب والعجم، ثم إن المعارضة لو كانت لوجب نقلها لما مر، وقد نقل منها معارضة مسيلمة وابن المقفع مع أنها غير معارضة لركتها وسماجتها.

                          و المعارضة لو وجدت لظهرت وتواترت؛ لأن الداعي إلى فعلها وهو إبطال أمره صلى الله عليه وآله وسلم هو بعينه الداعي إلى إظهارها؛ إذ لايبطل أمره إلا بإظهارها لا بمجرد فعلها، ولو ظهرت لتواترت لما نعلمه ضرورة من حرص اليهود والنصارى وغيرهم على إبطال أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ونقل ما يدل على كذب دعواه في حياته وبعد وفاته إلى زماننا هذا ولا مانع لهم يقدر إلا خوف المسلمين، وذلك إنما يلزم لو طبقت شوكة المسلمين أقطار الأرض، والمعلوم خلافه فإن أكثر الأقطار كفرية وهم في القوة والسطوة في الغاية التي ينتفي معها خوفهم من المسلمين، فثبت أن السبيل إلى القطع موجودة

                          4- قيل : أن خبر التحدي لم ينقل أنه بلغ إلى كل واحد من العالمين فإنا نعلم ضرورة أن أهل الهند والصين، وسائر الأطراف الشاسعة لم يعلموا وجود محمد صلى الله عليه وآله وسلم في زمانه فضلاً عن نبوته وتحديه بالقرآن،
                          الجواب: أن فصحاء العرب إذا عجزوا عن المعارضة فعجز غيرهم بالأولى، وتقدير وجود فصيح لم يبلغه التحدي لا يضر؛ لأن فصاحته إن لم تبلغ فصاحة القرآن كان مثل الحاضرين و المعتبر فيه عجز من ظهر عليه وتحداهم به، ونقض عادتهم
                          (4) قيل: لوكان القرءان معجزا لأنه لم يُعارَض ولم يؤت بمثله ، لوجب أن يكون اى كتاب ممتاز معجزا يدل على نبوة من أتى به .
                          الجواب : أنَّا لم نقل: إن القرءان معجز لأنه لم يؤت بمثله قط ، بل لأنه تحدى به ، ولم يؤت بمثله ، و تلك الكتب ، لا يصح أن يقع التحدي به ، لأنه إن تعذر على غير من أتى به يكون تعذره لأحد وجهين:
                          إما أن يكون قد استنفذ الطرق ، فلم يبق هناك طريق آخر لذلك الشيء ، وما جرى هذا المجرى فالإتيان به مستحيل ،لا تصح القدرة عليه ، وما لا تصح القدرة عليه لا يصح التحدي به
                          ألا ترى أن إنسانا لو أتى بشعر مركب من هذه الحروف التي هي ثمان وعشرون ، ثم تحدى به ، فقال: ائتوا بمثله من غير هذه الحروف ، لم يصح التحدي به ، لأنه ليس في المقدور
                          و هذه الكتب لو صح التحدي بها ، لم يلزمنا أن نقول: إنها معجزة . على قولنا: إن القرءان معجز .
                          لأنا لم نعلم أن القرءان معجز بأن صح التحدي به ، وإنما علمنا ذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى به قوما هم في الفصاحة والمعرفة بأساليب الكلام مثله أو دونه بيسير ، فتحداهم به وقرعهم بالمعجز عن الاتيان بمثله ، وادعا عليهم أنهم له خاضعون في نفوذ أحكامه فيهم ، وأنهم يلزمهم مفارقة ما كانوا عليه من الدين ، وتكفيرهم لم يفارقه والإنقياد له ولأوامره ، والقوم له كارهون ، وفي تكذيبه جاهدون ، وظهرت قوة دواعيهم إلى كل ما دعا إلى إفساد أمره ، وتوهين حاله ، وإظهار كذبه ، ولم يأتوا بمثله .
                          فدلنا ذلك على أنه كان متعذرا عليهم ، ولم يثبت في تلك الكتب شيء من ذلك ، لأنه لم يثبت أن مؤلفا لها أتى قوما مثله في تلك الصناعة وتحداهم بالعجز عن الاتيان بمثله ، وجعله لنفسه حجة عليهم ، في أنهم يلزمهم الجري على أحكامه ، والتصرف تحت أوامره ونواهيه ، مع كراهة القوم له ولأحواله ، ووفور بواعثهم إلى إفساد أمره ، والإبانة عن كذبه ، وأنهم لم يأتوا بمثله ، مع تطاول الزمان على تلك الأحوال .
                          Last edited by القلم الحر; 12-27-2010, 09:23 PM.

                          Comment

                          • القلم الحر
                            عضو
                            • Nov 2004
                            • 1056

                            #73
                            6- قيل : التحدى لم يكن بالفصاحة
                            الجواب :
                            وجوه اعجاز القران كثيرة لكن التحدى كان بالفصاحة فهى محور الإعجاز في عصر النزول وعند فصحاء الجزيرة، وبُلغائهم، وبها وقع التحدي. وأما إعجازه من جهات أخرى، كهديه او كون حامله أميا، وكونه مبينا للعلوم الكونية التي وصل إليها البشر بعد أحقاب من الزمن، أو إخباره عن المغيبات، أو كونه مصدرا لتشريع متقن ومتكامل، أو غير ذلك من الجهات، فالقرآن الذي كان في أيام الدعوة الأولى، كان مجردا عن هذه الأشياء التي جاءت فيما بعد، وكان مع ذلك محتوياً على هذا النبع الأصيل الذي تذوقه العرب، فقالوا إن هذا إلا سحر يُؤثر.
                            انّنا نقرأ الآيات الكثيرة في هذه السور فلا نجد فيها تشريعاً محكماً، ولاعلوماً كونية، ولا نجد إخبارا بالغيب يقع بعد سنين، ومع ذلك سحر عقول العرب وتحدث عنه ابن المغيرة بعد التفكير والتقدير، بما تحدّث
                            و التحدى كان بأن ياتوا بسورة مثله
                            و اسم (السورة )لا ينطلق على الشعر، ولا الخطبة، ولا الرسالة، ولا اسجاع الكهنة، ولا المحاضرة
                            و انما ينطلق على الكلام الفصيح الذى له هذا النظم المخصوص الذى جاء به القران
                            و لم تكن العرب تستعمل هذا اللفظ قبل نزول القرآن

                            Comment

                            • القلم الحر
                              عضو
                              • Nov 2004
                              • 1056

                              #74
                              ثانيا -دراسة الفصاحة القرانية
                              أصل الفصاحة هو الإبانة عن المعنى المقصود بحسن البيان . وهذا معنى ما حكى الله عز وجل عن موسى صلى الله عليه: { وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا } [القصص: 34] ، أي: أحسن بيانا
                              فمن أقسام الفصاحة أن يكون الكلام مركبا من اللغات الفاشية في العرب ، التي لم يسترذلها أحد منهم ، نحو (( عنعنة تميم )) ، و (( كشكشة ربيعة )) ،
                              ومن ذلك جر الاسم لمجاورة المجرور ،
                              فأصل الفصاحة أن يَسْلم الكلام من ذلك وأشباهه ، وقد سَلِمَ كل القرءان من أوله إلى آخره . فهذا باب من الفصاحة .
                              ومن أقسام الفصاحة: أن يكون الكلام مؤلفا من لغات ترتفع عن المبتذل السوقي ، وتنحط عن المستفل الحُوشي. ولهذا نجد أشعار الفصحاء المجيدين ، نحو امرئ القيس ، والنابغة ، وزهير ، والأعشى ، جارية على هذه الطريقة ، لا يكاد يوجد فيها الحوشي المستفل ، إلا أن تتفق ندرا ، وإنما يكثر ذلك في كلام الأجلاف من العرب والمتكلفين ، نحو الشماخ ، ورؤبة ، ومن نحَّا نحوهما .
                              فأما السوقي المبتذل ، فَقَلَّ ما يتفق في كلام أهل البادية ، وإنما يكثر ذلك في كلام الموَلَّدين وأشعارهم ، والقرءان من أوله إلى آخره مؤلف من النمط المختار في هذا الباب .
                              فهذان القسمان من الفصاحة قد استمرا في جميع القرءان
                              ومن أقسام الفصاحة: جزالة اللفظ ، وهي موجودة في جلِّ القرءان وجمهوره ، وإن لم يوجد في جميعه - كما قلناه - في القسمين الأولين ، لأنه في قوة الطويل الذي يصرف على معاني مختلفة ، ومقاصد متباينة ، وأغراض متمايزة ، كالأوامر والنواهي ، والزواجر والمواعظ ، والوعد والوعيد ، والقصص والمثل ، أن يكون جميعه مؤلفا من ألفاظ جزلة ، لأن جزالته تكون لتأليفه من حروف مخصوصة ، والكلام مبني من الأسماء والأفعال والحروف ، وفي الكثير من الأسماء والأفعال والحروف ما لم يؤلف من الحروف التي تقتضي الجزالة ، والفصيح إذا صار إلى تلك الأسماء والأفعال والحروف ، فلا بد من إيرادها على ما هي عليه ، إذا كان متكلما بكلام العرب .
                              ولهذا لا يمكن في شيء من أشعار فحول الشعراء ، وكلام البلغاء ، أن يكون من أوله إلى آخره مؤلفا من ألفاظ جزلة .
                              فأما العذوبة فهي أمكن ، لأنها تكون بالتلاؤم ، وأن لا تكون الكلمة مؤلفة من حروف متنافرة ، وذلك أمكن من الجزالة ، وقد يكون ذلك بتلاؤم الحركات والسكنات ، كما يكون بتلاؤم الحروف ، وأما مواضعها من القرءان فأكثر من أن يأتي عليها الاحصاء والعد ، ونحن نذكر منها مواضع ننبه بها على ما سواها .
                              من ذلك قوله عز وجل: { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17) } [البقرة] .
                              وقوله: { يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ } [البقرة: 20] ، وفي هذه الآية من وجوه الفصاحة سوى الجزالة ما نبينه في موضعه .
                              وكقوله: { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ } [البقرة: 197] .
                              وكقوله عز وجل: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } [البقرة: 179] ، وقوله: { وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ } [البقرة: 194] .
                              وقوله عز وجل: { فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) } [البقرة] ، وقول عز وجل: { وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ (137) } [الأعراف] ، وقوله: { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) } [الأعراف] .
                              وكقوله: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) } [الأعراف] .
                              وقوله عز وجل: { فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) } [الأعراف] .
                              وكقوله عز وجل: { كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } [هود] ، وهذه السورة أكثر ألفاظها من ألفاظ الجزالة مع العذوبة . وفيها: { وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء
                              أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ } [هود: 44] ، وفيها: { ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } [هود] .
                              ومن ذلك عامة سورة القصص وهو من الفصاحة العجيبة ، لأن أول هذه السورة في اقتصاص أحوال موسى صلى الله عليه من مولده إلى مبعثه إلى قصده فرعون ، مبلِّغاً ما أرسل به إليه ، وذلك مما يصعب جدا في اقتصاص أحوال بعينها ، لأنه لا بد من ضعف يَعرِض فيما جرى مجراه ، فإذا أردت أن تتحقق ذلك ، فتأمل كلام الفصحاء إذا قصدوا هذا القصد .
                              ومن ذلك عامة { حم } السجدة . تأملها تجدها على ما قلناه .
                              ومن ذلك: { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) } [النجم] ، وما بعدها من الآيات .
                              ومن ذلك قوله عز وجل: { أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) } [النمل] .
                              ومن ذلك في السور القصار قوله: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ (5) } [الفيل] .
                              وقوله عز وجل: { وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) } [العاديات] .
                              وتتبُّعُ هذا مما يتعذر ، فإن أكثر القرءان على هذا

                              Comment

                              • القلم الحر
                                عضو
                                • Nov 2004
                                • 1056

                                #75
                                و من أقسام الفصاحة: الاستعارات والتشبيهات ، وإحداهما قريبة من الأخرى ، وإن كان بينهما فصل ، وذلك أن التشبيه هو أن يذكر الشيء باسمه ، ويشبهه بغيره ، كقولك: زيد مثل الأسد شجاعة ، وكالريح جودا ، وكالبدر حسنا .
                                والاستعارة أن تنقل إليه اسم الشيء المشبه به ، وذلك كقولك: حمار ، إذا وصفته بالبلادة ، أو كلب ، إذا وصفته بالخساسة . والاستعارات والتشبيهات في القرءان كثيرة حسنة ، واقعة موقعها لحسنها ، وشرف موضعها .
                                ونحن نذكر منها جملا ننبه بها على ما سواها ، لأن استيفاءها مما يطول ويتعذر .
                                فمن ذلك قوله عز وجل: { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17) } [البقرة] ، فشبَّه المنافقين الذين أظهروا الإيمان ، وانتفعوا به بين المسلمين ، بمن استوقد نارا ، حتى أضاءت ما حوله ، وشبَّه أحوالهم عند الموت وبعد الموت ، في أنهم لا ينتفعون بما أظهروه من الإيمان ، ثم { ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ } حتى بقوا في { ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17) } ، ثم استعار لهم عز وجل اسم الأصم والأبكم ، وضم الأعمى فقال: { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (18) } [البقرة] ، فهم في إعراضهم عن استماع الحق بمنزلة الصُّم الذين لا يسمعون ، وفي تركهم النطق بالحق - على ما أمرهم الله عز وجل ودعاهم إليه - بمنزلة الخرس الذين لا ينطقون .
                                ثم قال عز وجل: { أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ . . . } [البقرة: 19] إلى آخر الآية ، فشبههم في حيرتهم وتبلدهم ، واضطراب أمورهم ، وحرج صدورهم ، بمن يكون في ظلمات ورعد وبرق ، ثم ذكر هذا المعنى بقوله عز وجل: { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء } [الأنعام: 125] ، ثم زاد في وصف أحوالهم ، فقال: { يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ } [البقرة: 20] ، ثم رد عز وجل هذا المعنى - أعني تأثير البرق في الأبصار - في غير هذه الألفاظ ، فقال: { يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43) } [النور] ، وهذا من الفصاحة العجيبة والبلاغة التامة ، أن يَرِد معنى واحد بألفاظ مختلفة تجمعها الفصاحة .
                                ثم عاد عز وجل إلى ذكر من بدأ بذكرهم ، فقال: { واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) } [البقرة] ، وهذا قسم من الفصاحة ، وهو أن يجري ذكر شيء ثم يتجاوز إلى ذكر غيره ، ثم يعطفه عليه ويعاد ذكره - أعني المذكور أولا - مثل قول جرير:
                                متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام

                                فجمعت هذه الآية أنواع الفصاحة ، منها الجزالة في اللفظ ، مع التشبيهات والاستعارة الواقعة ، والعطف آخر الكلام على أوله .
                                ومن الأمثال الحسنة والتشبيهات الواقعة ، ما ذكره عز وجل من قوله عز وجل: { مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ . . . إلى قوله: يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) } [البقرة] ، فشبَّه عز وجل من أنفقوا ابتغاءً لوجه الله ، وطلباً لثوابه الرادع (1) ، بما يحصل لهم من الربح بحبة ، وبمن ل‍ه جنة بربوة ، آتت أكلها ضعفين .
                                وشبَّه من أحبط ثواب انفاقه بطلب الرياء والسمعة ، بصفوان عليه تراب إذا أصابه الوابل ، وبمن ل‍ه جنة وله ذرية ضعفاء ، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت . وكلها تشبيهات وأمثال ، واقعة بألفاظ جزلة .
                                ومن الاستعارة الحسنة قوله عز وجل: { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } [الإسراء: 24] ، وقوله: { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) } [الشعراء] ، فجمعت الآية بين الاستعارة الحسنة ، والجزالة البالغة ، والعذوبة اللطيفة . وأخذ هذا المعنى الكميت فقال:
                                خفضت لهم مني جناحي مودة ... إلى كنف عطفاه أهل ومرحب
                                فأخذ اللفظ والمعنى ، ولكن لم يرزق تلك العذوبة الصافية ، وذلك الماء المتسلسل ، على أن هذه اللفظة في غرة هذا البيت مع ما بها ، والباقي كما ترى
                                ومن الاستعارة الحسنة العذبة مع الجزالة قوله عز وجل: { وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا } [مريم: 4] ، فاستعار للبياض اسم الاشتعال ، مصبوبا في قالبه ، مقصورا عليه ، وهذا من الفصاحة البالغة .
                                ومن ذلك قوله عز وجل: { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . . . } [النور: 35] إلى آخر الآية ، فسمى نفسه باسم: النور ، لَمَّا كان عز وجل هو خالق النور ومنشؤه ، مع ما فيه من النفع العظيم لأهل السماوات والأرض ، وهذا من الاستعارة الحسنة ، ومن تسمية الفاعل بفعله . ومنه قول الشاعر:
                                ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
                                ومن الاستعارة الحسنة العذبة مع الجزالة قوله عز وجل: { وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا } [مريم: 4] ، فاستعار للبياض اسم الاشتعال ، مصبوبا في قالبه ، مقصورا عليه ، وهذا من الفصاحة البالغة .
                                ومن ذلك قوله عز وجل: { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . . . } [النور: 35] إلى آخر الآية ، فسمى نفسه باسم: النور ، لَمَّا كان عز وجل هو خالق النور ومنشؤه ، مع ما فيه من النفع العظيم لأهل السماوات والأرض ، وهذا من الاستعارة الحسنة ، ومن تسمية الفاعل بفعله . ومنه قول الشاعر:
                                ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
                                وعلى هذا تَأَوَّل مَن قرأ: إنه عمَلٌ غير صالح - برفع اللام وفتح الميم - ثم شبَّه نوره بالمصباح ، فقال: { مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ } [النور: 35] ، ثم شبَّه الزجاجة بالكوكب ، فقال: { الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ } ، وهو أضوأ الكواكب ، ثم عاد إلى ذكر المصباح ، وهذا يسمى الالتفات ، فقال: { يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ . . . إلى قوله: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء } ، فعاد إلى ذكر النور ، وهذا أيضا مما يسمى: الالتفات ، وهو أن يجري ذكر شيء ثم يتجاوزه إلى غيره ، ثم يذكر ثانياً ، كما قال جرير:
                                متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام

                                فجمعت هذه الآيات وجوها من الفصاحة ، منها جزالة اللفظ ، ومنها الاستعارة ، ومنها تشبيه بعد تشبيه ، ومنها الالتفات بعد الالتفات .

                                ومن التشبيه الواقع قوله عز وجل بعد هذه الآية: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ } [النور: 39] . لما كانت أعمالهم محبطة لا نفع فيها في الآخرة ، شبهها بالسراب الذي لا نفع فيه ، ولأنه مما يظن الناظر أنه ماء ، وكذلك الكافر لما يظن أن ل‍ه نفعا في عمله ، شبهه أيضا به ، فهذان وجهان من التشبيه . وفيه تشبيه ثالث وهو انكشاف حال كل واحد منهما عن أنه لا نفع فيه لراجيه . وفيه تشبيه آخر وهو تشبيه الكافر بالظمآن ، وتشبيه ظنه بظنه ، وتشبيه خيبته بخيبته عند شدة حاجته إليه ، و قوة تعويله عليه ، فقد جمعت الآية هذه الوجوه من التشبيهات مع جزالة اللفظ ، وحسن المعنى ، وقد عُدَّ من محاسن امرئ القيس أنه جمع بين تشبيهين في بيت واحد ، حيث يقول:
                                كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي

                                Comment

                                Working...