إعجاز القرآن.. حقيقته، وجوانبه، ومفاهيم خاطئة

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • ناصر التوحيد
    محاور - رحمه الله
    • Nov 2005
    • 5513

    #61
    لا تجد قضية نالت من العناية والاهتمام ، وتنوعت فيها الكتب والدراسات مثل قضية الإعجاز في القرآن الكريم.
    فكل من تناول القرآن الكريم على أي مستوى من مستويات التناول وقف بلا شك أمام الإعجاز ، سواء كان التناول بالشرح والتحليل ، أو النظر والتدبر واستخلاص الدروس .
    وكل من تناول قضية الإعجاز وقف أمام عدة آيات يقال لها : ( آيات التحدى ).
    وهذه الآيات - على قلتها – تمثل لب الإعجاز ، لأنها تطلب من الخلق كافة ومن المكذبين خاصة الإتيان بمثل القرآن ، أو ببعض من القرآن.
    فالتحدي في : ( حديث مثله ) ، أو في ( مثل هذا القرآن ) ، أو ( عشر سور مثله ) ، ( أو سورة من مثله ).
    ذاك هو مناط التحدي .
    فهل هذا التحدي في المجيء بأعلى كلام في البلاغة وبأحسن سبك وأجمل أسلوب، أو المجيء بتنبؤات ، وهل الإعجاز يكمن في هذا اللفظ ( المثل ) وما المراد بكلمة المثل ؟

    المثل هو الشبيه والنظير والمساوي .
    ولهذا قال الله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)
    وقال الله تعالى : (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ )

    المثلية تعنى التطابق في الأصل ، والتوحّد في الماهية والتناظر في الحقيقة . فالمثلية تعني التطابق حتى لا يعرف هذا من هذا ، وقد لفت البيضاوي إلى هذا بجملة عجيبة حيث قال عند عرضه لقول الله تعالى حكاية عن السحرة (فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ )(طـه: الآية58) قال :[ مثله سحرك] [23] فجعل ما رآه السحرة في بادئ الأمر هو المثل ، وجعل الأصل هو السحر عند السحرة .
    لكن التعبير القرآني ( بسحر مثله ) يشير إلى أن ما رآه السحرة في البداية شيء جديد فتعاهدوا على أن يأتوا بمثل هذا السحر ولذلك جاءوا بالحبال والعصى لما رأوه من إلقاء موسى للعصي قبل ذلك ، فأرادوا أن يصنعوا سحراً مثل الذي جاء به موسى ، وأحضروا أدوات مثل أدواته ولذلك قال بسحر مثله) لكن اللفتة التي لفت إليها البيضاوي ـ رحمه الله ـ أراد بها أنهم أرادوا أن يأتوا بشيء لا يختلف عما جاء به حتى في الصورة .
    فالمثل في الكتاب يراد به المثل صورة ومعنى .

    وإما عند بعض الناس فيراد بالمثل صورة بلا معنى .
    كقوله تعالى : (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ)
    ولهذا قد يقول قائل :
    لم تكن مضامين القرآن ومعانيه وعلمومه داخلة في التحدي المطلوب، وليست هذه المضامين هي المثلية المطلوبة، والذي يدل دلالة صريحة على هذا، كلمة في آية التحدي في سورة هود قد يغفل عنها كثيرون ممن يتحدثون عن إعجاز القرآن، إنها كلمة ((مفتريات)) الواردة في قوله (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات). وكأن جملة (بعشر سور مثله مفتريات) تجاوزت عن الصدق الموضوعي في ما طلب من الكفار تقديمه، فلم تطلب منهم علمًا صائبًا ولا أخبارًا صادقة، ولا معاني رفيعة ولا حقائق موضوعية، وأجازت لهم تقديم امور مفتراة مكذوبة في ذلك، ولكنها بأسلوب وبيان رائع، مثل القرآن في بيانه وأسلوبه. فالتحدي ليس في المضامين والحقائق والعلوم، وإنما في البيان والفصاحة والبلاغة.
    وهذا الكلام من بعض الناس لا يصح .. وان صح , فانه لا يصح الا تجاوزا او مجازا , على اساس ان المثل المطلق لا يتصور في حق البشر . فلذلك يقولون : ان التشابه هو أقل درجات المثلية , فالأمر على الغالب الأعم والظاهر الواضح . ويقولون أن الإعجاز عندهم قائم في اللغة أو البلاغة أو النظم .
    فيقول الجصاص : { معلوم أن العجم لا يتحدون من طريق النظم ، فوجب أن يكون التحدي لهم من جهة المعاني وترتيبها على هذا النظام .. ويجوز أن يكون التحدي واقعاً للعجم بأن يأتوا بكلام في أعلى طبقات البلاغة بلغتهم التي يتكلمون بها .}
    فالمعاني هي من ضمن التحدي , وليس فقط ترتيب الكلام على النظم القراني .
    فلا يكفي أن يثبت عجز الأعجمي بعجز العرب ، فليس العرب حجة عليهم إلا إذا كان الإعجاز بلاغياً ، وحصر الإعجاز في هذا الاطار البلاغي لأن القوم كانوا فصحاء يعني حصر الإعجاز والتحدي في طائفة قليلة , وليس لكل البشر .
    ففي سورة (هود:13) : (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) .
    فهذه الآية جاءت لترد على دعوى افتراء القرآن من عند الرسول .. وليس بأن يأتوا بعشر سور مثله في النظم وإن لم تشتمل على ما اشتمل عليه من المضامين والحقائق والعلوم ... وإن كان حتى ذلك - ايضا - بدون المضامين والحقائق والعلوم , غير ممكن لهم .
    لأن التحدي يقول " بعشر سور مثله ".
    فكلمة مفتريات , هي للرد على مقولتهم وليس لاثبات مقولتهم ..
    فمثلا :
    قد يتصدق شخص بمليون دينار . فياتي شخص ويدعي ان هذا الكلام فرية - كذب - , فيقول له : تقول انه افتراء وكذب ! طيب , فتصدق بمليون دينار مثلها " مثل تلك الدنانير التي تدعي انها مفتراة او مزيفة او ... ) . لانها في الحقيقة ليست مفتراة ولا مزيفة .
    فطبعا لن يستطيع ذلك لانها فوق قدرته وطاقته .
    ويكون القرآن بعرضه لقضية التحدي لمن يريد المعارضة والتحدي أن يثبت العجز من كل وجه .
    للحق وجه واحد
    ومذهبنا صواب لا يحتمل الخطأ ومذهب مخالفنا خطأ لا يحتمل الصواب
    "بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ"

    Comment

    • سيف الكلمة
      باحث متخصص
      • Sep 2004
      • 2203

      #62
      المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الجاحـظ
      أهلاً بسيف الكلمة.
      استخدامك لكلمة معجزة تحتاج لتوضيح أيضًا، هل تعني السبق؟ أم فشل الخصم؟
      وهل الإعجازات الأخرى غير البيانية موجودة في كل سورة حتى يتحدى الله بها كما جاء اللفظ القرآني؟
      السبق ب1400 سنة لا شك يتضمن عجز الخصم فى ذلك الزمن السابق

      الإعجاز البيانى يتميز بتوفره فى جميع الكلمات والآيات وليس جميع السور فحسب فأعترف بشموله لكل القرآن

      ولكن لا أنفى أن الإعجاز العلمى تبين لنا فى الآيات التى كان بها إشارات فيها سبق علمى ولا ينتظر وجوده فى الآيات التى تفصل لنا الحدود
      والإعجاز التاريخى فى الآيات التى تنبأت بأحداث تحقق حدوثها وبعضه يرتبط بالإعجاز العددى
      وهكذا
      والأدلة الرقمية على كون القرآن كلام الله أيضا متعددة ولم يثبت بعد شمولها لكل القرآن

      أما من حيث كلمة معجزة فأنا لم أصر عليها وبينت تفضيلى لمصطلح الأدلة العلمية أو الإشارات العددية فى القرآن

      وكل هذه الأوجه المتعددة يعجز البشر عن الإتيان بكتاب يشملها جميعا أو بكتاب يشمل نوع واحد منها فى ذلك الزمن وبواسطة مؤلف أمى لا يقرأ أو يكتب فهى إشارات وأدلة وهى أيضا معجزة

      رأيت أنك لخصت المعجزة فى العناصر :

      (1)المعاجزة (مصدر عَاجَزَ بمعنى طالَبَ وتحدى)

      (2)العجز (وقوع الفشل)

      (3)الإعجاز (النتيجة النهائية في فوز المعاجِز "بكسر الجيم")
      هذا يمكن أن ينطبق على الإعجاز البيانى
      فالإعجاز العلمى لا يستلزم وقوع الفشل فى الوقت الحالى ولكنه دليل على سبق القرآن المنزل على نبى أمى فى زمن يستحيل فيه توفر هذا التراث العلمى لهذا التقدم العصرى المدعوم بما لم يتوفر من قبل من أدوات البحث والإستكشاف فهو معجزة فى السبق بمقياس النظرة الشمولية لعناصر الزمن والإمكانيات والتراكم المعرفى عند لحظة محددة من هذا الزمن .
      والإستحالة علامة إعجاز .

      وهذا لا يعنى أنه ليست هناك حالات من الغلو فى فهم الإعجاز عند البعض مما أساء لقضية الإعجاز العلمى والرقمى
      ولذلك بدأ البعض فى دراسة ضوابط لكليهما وقد نضجت ضوابط الإعجاز العلمى أسرع من ضوابط الإعجاز الرقمى وسأقدم نموذجا لتقنين الإعجاز العلمى لبيان المقصود بكلمة إعجاز وهو جزء من المشاركة رقم 2 بهذا الموضوع :

      !لا تدفع زي غيرك !تطبيقنا بطل ويخليك تدفع اقل، حمله الان ، !أكثر من 250 كود خصم ، تطبيقنا يوفر لك خصومات متنوعة من المتاجر والمطاعم وتطبيقات التوصيل والصيدليات وغيرها الكثير


      ضوابط البحث في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة
      ا.د. عبد الله بن عبد العزيز المصلح
      الأمين العام للهيئة

      الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد رسول الله
      وآله وصحبه ومن والاه وبعد /


      فبين يدي كلامنا عن القواعد والضوابط في مجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة يطيب لي أن أذكر بعض ثمرات البحوث في هذا الميدان والتي منها :
      1 ـ الأثر البالغ الذي تتركه في قلوب المسلمين ، والذي يترجم بزيادة اليقين عندهم لدى رؤيتهم هذه الحقائق الباهرة ؛ لأنها وردت على لســان النبي الأمي محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ، وهكذا فإنها خير محرض للتمسك بالقرآن والسنة والاهتداء بهما .
      2 ـ الرد العلمي الدامغ على الأفكار التشكيكية بصحة الرسالة المحمدية ؛ حيث إن عرض تلك الحقائق التي أخبر عنها نبي أمي في زمن لا يوجد فيه تقدم علمي كما أنه لا توجد في المجتمع وكذا البيئة التي عاش فيها أية إثارة من علم في تلك الميادين الكونية ؛ ولذلك فهذا الإعجاز يعتبر مجالاً خصباً لإقناع المنصفين من العلماء بربانية القرآن الكريم وصدق رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم .
      3 ـ الرد العملي المقترن بالبرهان الساطع على أن الدين الإسلامي هو دين العلم حقاً ؛ فمع إشادة الرسول صلى الله عليه وسلم بالعلم ـ وترغيبه بتحصيله وتنويهه بفضل العلماء ـ قد ذكر كثيراً من الحقائق العلمية وأشار إلى كثير من الأسرار الكونية مما هو موضوع العديد من التخصصات في آفاق الكون ولم يستطع أحد إلى الآن أن يثبت وجود تعارض أي دلالة كونية واردة في حديث شريف صحيح مع ما استقر من الحقائق العلمية اليوم وأنى له ذلك .
      4 ـ إن الإعجاز العلمي يعتبر خير محرض لهمم المسلمين كي يتابعوا مسيرة البحث والتجريب والمقارنة وغير ذلك من وسائل الكشوف العلمية والتقدم المعرفي ، وفي الوقت نفسه فإن ذلك يفضي إلى توسيع دائرة شواهد الإعجاز العلمي .
      5 ـ كما أن هذا الإعجاز العلمي يعتبر قناة آمنة ترفد بقية قنوات الدعوة إلى الله والذي يتتبع أسباب دخول كثير من الناس في الإسلام ـ ممن كانوا نصارى أو بوذيين أو يهود ـ يجد بحق أن فريقاً منهم قد ابتدأ سيره إلى الحق ؛ والذي انتهى به لإعلان شهادة الحق ؛ من خلال معاينة لطائف الإعجاز العلمي في القرآن والسنة .
      6 ـ ولا شك أن ظاهرة الرجوع إلى دين الإسلام من قبل الذين كانوا قدماً من الشاردين الغافلين ، وهكذا إسلام غير المسلمين ؛ فإن ذلك كله أثمر مع ازدياد يقين المسلمين بدينهم رجوعاً لحالة العزة في نفوس أبناء الأمة الإسلامية بعد الكبوة التي حصلت لهم عقب سقوط الخلافة الإسلامية وهيمنة الدوائر الاستعمارية عليهم .
      7 ـ وهذا كله يذكرنا بالحقيقة التي لا تتخلف أبداً ؛ والتي أخبرنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال لا يضرهم من خالفهم أو من خذلهم حتى يأتي أمر الله ) (1) .

      إن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة يمثل شاهداً إضافياً على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويستوي في ذلك الحكم إن كان الإعجاز العلمي قرآنياً أم بالسنة ، ومن هنا فإن الادعاء بوجود إعجاز علمي لا يسلم به إلا بعد ثبوت تحقيق مناطه والذي يتمثل بحقيقتين هما :
      أولاً / ثبوت اكتشاف هذه الحقيقة من قبل العلماء بشكل مستقر وذلك بعد برهنة المتخصصين في مجالها على ثبوتها .
      ثانياً / صحة الدلالة على تلك الحقيقة في نص من نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة وذلك دون تكلف أو اعتساف في الاستدلال ؛ علماً بأن الرابط الذي يعطي هذا المناط قيمته هو عدم إمكانية إحاطة البشر بتلك الحقيقة وقت التنزيل ولذلك فإن خطوات إثبات شاهد من شواهد الإعجاز العلمي في النص الشريف تصبح خمسة وهي :
      1 ً ـ إثبات وجود دلالة في النص على الحقيقة الكونية المراد إثبات وجود إعجاز علمي بصددها .
      2 ً ـ ثبوت تلك الحقيقة الكونية علمياً بعد توفر الأدلة التي تحقق سلامة البرهنة عليها .
      3 ً ـ ثبوت استحالة معرفة البشر بتلك الحقيقة الكونية وقت تنزيل القرآن على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والتي اكتشفت لاحقاً في الأزمنة المتأخرة .
      4 ً ـ تحقق المطابقة بين دلالة النص من كتاب الله عز وجل أو من سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وبين تلك الحقيقة الكونية .
      5 ً ـ ثبوت أن النص من السنة المطهرة الذي نستنبط منه الإعجاز العلمي المشار إليه هو صحيح أو حسن حيث لا تعتمد في هذا المجال الأحاديث الواهية أو الساقطة .


      أهم معالم المنهج المقرر في تفسير نصوص الإعجاز العلمي

      تعتبر الأسس والقواعد الواجب مراعاتها في تفسير القرآن الكريم هي النبراس في تفسير النصوص عموما ؛ ونجملها فيما يلي :
      أولاً : يلزم معرفة ما يتعلق بالنص من سبب الورود وهل هو خاص أو عام أو مطلق أو مقيد أو منسوخ أو غير ذلك .
      ثانياً : يلزم الاطلاع هل ورد نص آخر يفسره ؛ إذ تفسير النص من الوحي ، _ والسنة من الوحي _ أولى بالاعتبار لذلك نقدم وجوه التفسير الواردة في السنة على ما دونها .
      ثالثاً : مراعاة العرف اللغوي في زمن التنزيل دون المعاني التي كثر تداولها فيما بعد ، مهما بلغ انتشارها فيما بعد .
      رابعاً : مراعاة قواعد الإعراب والبلاغة وأساليب البيان المقررة ليتم فهم أبعاد معاني النصوص .
      خامسا : ملاحظة سياق النص وسباقه ومقتضيات الحال وغير ذلك من القرائن .
      سادساً : التأكد من وجود إشارة واضحة أو صحيح عبارة على ما ندعي بأنه من معاني النص الذي نحن بصدد بيانه وتفسيره وتحديد الإشارة العلمية بشكل صحيح .
      سابعاً : مراعاة أوليات الاعتبار في الاحتجاج بالمعاني فالنص المحكم أولى من الظاهر وظاهر النص أولى من المعنى المستقى بطريق التأويل ومنطوق النص مقدم على مفهومه كما أن بعض المفاهيم مقدم في الاعتبار على بعض ؛ ولذلك يلزم عدم التسرع في ترجيح وجه تفسيري دون مرجح معتبر .
      ثامناً : ملاحظة أسلوب النص وصياغته هل هو عام ؟ وهل هو مطلق ؟ وهل هو مجمل ؟ وهل تشترك فيه معان عدة أم لا ؟ وهل يحتوي دلالة على حقيقة علمية لا يمكن تعارضها مع العرف اللغوي الذي قد يقدم في الاعتبار أم هناك احتمال آخر .
      تاسعاً : عند التأويل للنص لا بد أن يكون هناك ما يقتضي ذلك ويلزم عندئذ إعمال القواعد المعتبره عند أئمة الأصول و التفسير من مثل قولهم :
      • العبرة بعموم النص لا بخصوص السبب .
      • إعمال الكلام أولى من إهماله .
      • لا عبرة بالظن غير الناشئ عن دليل .
      عاشراً : اعتماد المعاني المقررة للحروف التي تسمى حروف المعاني كما قررها الأئمة الأعلام .
      حادي عشر : البعد عن تأويل المتشابه وكذا الخوض في القضايا السمعية ، مما لا يخضع للنشاط الذهني ؛ بل يعتمد على النصوص الواردة بصددها من كتاب الله وسنه رسوله صلى الله عليه وسلم .
      ثاني عشر : ومن ذلك عدم الخوض في النصوص المتعلقة بالغيبيات التي استأثر الله بعلمها .
      ثالث عشر : الحذر من الأخبار الإسرائيلية والآثار الواهية .
      رابع عشر : التأدب مع علماء الأمة والحذر من تسفيه آرائهم فكم عاب إنسان آخر في اجتهاده فكان فيه العيب ، إذ لم يحسن فهم مرامي الكلام أو مقتضيات الحال .
      خامس عشر : يجب ألا يفارقنا اليقين بصدق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو بمثابة قول الله عز وجل لأنه وحي ووعد من الله ولذلك مهما رأينا وسمعنا في واقع حياتنا بأمور تتعلق بالكون فلا يسوغ أن نقدم ما قيل بصددها على ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا يجب إعادة النظر عند وجود تعارض ظاهري بينهما لأنه لا يمكن أن يصادم مضمون نص صحيح حقيقة ثابتة أبداً حيث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى بل بوحي من الله خالق الكون .


      بعض المحترزات البحثية في مجال الإعجاز العلمي
      في القرآن الكريم والسنة المطهرة

      1- إيثار أسلوب اليسر في بيان المراد ـ وكذا تدوين الأفكار أو التعليل في مجال بيان المطلوب ـ فاليسر من مبادئ الدين الإسلامي بشكل عام ويلزم عدم الغفلة عن ملاحظة إظهار هداية القرآن والسنة للتي هي أقوم ؛ حيث هي الغاية من إنزال القرآن الكريم .
      2- اختيار الطريقة المناسبة للتدليل والبرهنة فالموضوع التجريبي له طريقته والمنطقي له طريقته وبحوث المقارنات الميدانية لها أسلوب بيانها .. وهكذا .
      3- الحذر من معارضة مبدأ شرعي أو قاعدة من قواعد الدين أو معلم من معالمه لأن اليقين العلمي متوافق مع الدين في كل الحقائق التي يستنبطها أهل الاختصاص في شتى المجالات الكونية ومنها الميدان الطبي .
      4- اجتناب العبارات التي تشعر أن الباحث يدافع عن القرآن والسنة أو أنهما يحتويان ما يمكن أن يعبر عنه بالنقص أو أن العلماء السابقين قصروا في فهمها أو أنهم قد أخطؤا في فهم ما يشتملان عليه من حقائق .
      5- الاعتدال في بيان الحقائق الكونية بعد التأكد من ثبوتها وعدم الاندفاع العاطفي الذي يترجم انبهاراً وعدم اتزان ، وكما ذكرنا فإن على الباحث أن يحذر من التعجل والإسراع إلى فكرة لمجرد أنها أعجبته ؛ بل عليه التزام الحيدة البحثية وعدم التحيز لما يعرضه بل يتوجب عليه كذلك عدم الركون للقناعات الشخصية جعل العلم الكوني بمثابة المرجع المرجح والملاذ الذي يركن إليه بإطلاق .
      6- مراعاة التقاليد والأمور التي جرى عليها عرف الهيئة العالمية للإعجاز العلمي من عدم التجريح بالآخرين تقصد غبن الناس مقاديرهم مثل التقليل من شأن جهود السابقين .
      7- لدى تحقيق مناط الإعجاز بشقيه الشرعي والكوني يلزم الإشارة للخلفية التاريخية التي توضح واقع المجتمع الإنساني من ناحية المعارف الكونية قبل إظهار المطابقة المطلوبة بين الدلالة النصية والحقيقة العلمية ؛ وبالتالي تقرير النتيجة المفضية لوضوح الصورة الإعجازية حسب الخطوات الخمس المقررة .
      8- ملاحظة الفرق بين بحث تمهيدي في مرحلة المطارحات والمناقشات ولكن يراد منه الوصول إلى نتيجة ـ ولو كانت غير مقطوع بها ـ ولا يدعي صاحبه أنه يقرر حقائق ثابتة ولا يدافع عن أفكار معينة ، وبين بحث هادف لبيان الإعجاز العلمي فالأول يمكن التساهل في أسلوب عرضه لإثارة أفكار الآخرين وإثراء البحث (( ولكن في نطاق بحثي خاص )) أما الثاني فلابد فيه من التدقيق التام خاصة أثناء العرض ، ولذلك ففي هذا المجال لا بد أن تضيق دائرة القبول وتحدد بحاله مقتضى الدعوى على وجه لا يحتمل أي شك .ونود أن نشير هنا إلى أن البحوث لدى الهيئة تمر بمراحل هي :
      1) إثارة الفكرة ومناقشتها ومطارحتها حتى يتم الاتفاق عليها ثم الكتابة فيها:
      2) إحالة البحث إلى محكمين شرعي وعلمي .
      3) ثم عقد ندوة على نطاق أوسع يشترك فيها نخبة من المختصين الشرعيين والعلميين وعند إجازته بعد ذلك تتبنى الهيئة طباعته ونشره وتأذن لصاحبه بذلك .
      9- ونؤكد هنا على عدم الخوض في الأمور السمعية التي استأثر الله بعلمها ولم يقدرنا على الإحاطة بها لان في مثل هذا الخوض تمحل وتكلف وتنطع ؛ ونؤكد بأن الإعجاز العلمي يتعلق دائما بما وراء ذلك من القضايا حيث ينصب دائماً على القضايا الخاضعة للتجريب والمشاهدة والمقارنة .
      10- مراعاة بقية القواعد المسلكية والمصطلحات المقررة من قبل الهيئة العالمية للإعجاز العلمي سابقا وما تقرره الجمعية العمومية حالياً ولاحقا إذ هي تمثل مرجعية إنجاز تلك الأبحاث وبذلك تنتفي التناقضات والسلبيات في ميدان بحوث الإعجاز العلمي ؛ علما بان المرجعية الأساسية للإعجاز العلمي إنما هي كتاب الله وسنه رسوله صلى الله عليه وسلم .
      المصدر:
      ضوابط البحث في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة
      ا.د. عبد الله بن عبد العزيز المصلح
      الأمين العام للهيئة
      الدنيا ساعة اختبار *** فإما جنة وإما نار تحقق من حديث
      http://www.dorar.net/hadith.php

      Comment

      • أبو جهاد الأنصاري
        محاور
        • Jun 2005
        • 2129

        #63
        وهذه خطوة على الطريق أستاذنا سيف الكلمة فجزاك الله خيراً.

        Comment

        • muslimah
          محاور
          • Sep 2004
          • 3113

          #64
          مع احترامي لناقل الموضوع ولمن نقل عنهم:

          1- إذا كان التحدي لغوياً فقط وعجز عنه أهل اللغة فمن الطبيعي أن يعجز عنه من يلونهم لضعف لغتهم
          فما الحكمة من تحدي من تعلم أنه لا يستطيع ؟
          ليس من العدل أو المنطق أن أتحدى خريجاً جامعياً وتلميذا في الابتدائية في نفس الموضوع
          وليس من العدل أو المنطق أن أتحدى شاباً في عنفوان شبابه وعجوزاً على رفع نفس الأثقال

          2- إذا كان البعض قد حاول بما هو أفضل من " يا ضفدع نقي ما تنقين...............والعاجنات عجنا........الخ" ولكن العرب وضعوا تلك المحاولات للتندر كما تقول . إذن ما يدرينا إن كانوا فعلاً قد ألفوا ما هو مثيل أو قريب من بلاغة كتاب الله ولكن العرب أتلفوها؟

          3- إذا كانت سورة الكافرون لا ينطبق عليها الإعجاز اللغوي كما تقول فهذا يقود إلى بطلان التحدي بسورة من مثله
          علماً بأن قراءتها تعدل أجر ربع القرآن الكريم فهي من أهم سور كتاب الله
          ففيها التأكيد على الولاء والبراء
          وبطلان موضه هذا الزمن بالدعوة إلى وحدة الأديان وبهذا تكون قد فاقت الإعجاز البلاغي

          4- إذا كنا فعلاً قد فقدنا قوة اللغة فكيف نفرق بين ما هو معجز لغوياً وعادي؟

          6-النتيجة أنه لا بد أن يشتمل الإعجاز على جميع أنواع محتويات كتاب الله من إعجاز لغوي وتشريعي وعلمي........الخ

          والله تعالى أعلم
          sigpic

          http://groups.yahoo.com/group/sonofmary/

          Comment

          • لادينية
            عضو
            • Aug 2005
            • 211

            #65
            ما هو الوجه الذي يعتبر القاسم المشترك بين كل سور القرآن ؟؟
            ....dont miss me

            Comment

            • قرآن الفجر
              طالب علم
              • Sep 2005
              • 1683

              #66


              الإيجاز في بيان أوجه الإعجاز

              في سورة ( الكافرون)

              بقلم د/ حاكم المطيري

              الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على النبي الأمين، وآله وصحبه أجمعين، وبعد :

              فقد سألني أحد الأخوة النجباء، والأدباء الأذكياء، عن وجه الإعجاز في سورة ( الكافرون ) والتي لا يظهر فيها عنده وجه الإعجاز؟!

              وقد أجبته إجابة مختصرة مضمونها أن عدم الإتيان بمثلها كاف في إثبات إعجازها مع ما يتراءى لنا من سهولة النظم على مثالها، ثم لما تدبرت فيها من الغد إتباعا لقول الله تعالى ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) ظهر لي من أوجه الإعجاز البياني ما لم يخطر لي من قبل فشرعت أكتب تلك الخواطر من بعد صلاة الفجر إلى صلاة العصر حتى جاءت هذه الرسالة اللطيفة ، وفي الآية أوجه أخرى لمن أنعم فيها النظر ، وأجال فيها الفكر، وهذه بعض أوجه الإعجاز فيها :

              الوجه الأول: أن التحدي والإعجاز تحققا عند عدم الإتيان بسورة على نحو هذه السورة، بقطع النظر عن البحث في وجه الإعجاز فيها، إذ عدم الإتيان هو الإعجاز ذاته، وقد كان باستطاعة المشركين أن يبطلوا دعوى النبي صلى الله عليه وسلممن أساسها بالإتيان بسورة من مثله، دون أن يسفكوا دماءهم، ويبذلوا أموالهم، وكان الإتيان بسورة واحدة كاف في إبطال الدعوى مع ظهور التحدي أولا بالإتيان بمثل القرآن ثم بعشر سور مثله مفتريات ثم بسورة واحدة كما في قوله تعالى):(قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القران لا يأتون بمثله ولوكان بعضهم لبعض ظهيرا )) [الكهف88] (( قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات)) [هود 13]، (( قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين))[يونس 38] ((فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا....)) [ البقرة 23-24].

              فلما لم يأتوا بشيء من ذلك، مع كون العرب أئمة البيان، وأهل اللسان، وأصحاب اللغة وأربابها، وآل الفصاحة وأصحابها، حتى نظموا من الشعر وقرضوا منه ما لم تقرضه أمة من الأمم كما نص على ذلك المؤرخ الفرنسي ( جوستاف لويون) في كتابه (حضارة العرب)، وبلغ عنايتهم بعلوم اللسان، وفنون البيان، من شعر ونثر أن عقدوا لها الأسواق ليتباروا فيها أيهم أفصح لسانا، وأبلغ بيانا، حتى عبروا عما يعنيهم من أمورهم، وما تختلج من المعاني في صدورهم، وصوروها شعرا ونظما، كأنما يراها السامع رأي العين شكلا ورسما، وأخرجوها بأشعارهم من حيز المعنويات، إلى حيز الماديات، والمصورات المشاهدات، مما يقطع معه أن التحدي وقع لهم فيما يحسنونه وينظمونه، وكان أسهل عليهم أن يأتوا بسورة من مثله من تعرضهم للقتل والحرب، مع طول المدة والمهلة.



              الوجه الثاني: إن الإعجاز هو في صرفهم عن الإتيان بمثل هذا القرآن، أو بعشر سور مثله، أو بسورة واحدة، فصارت كل سورة من سوره ـ مهما كانت قصيرة يتراءى للنفس إمكان الإتيان بمثلها ـ معجزة بذاتها لا يستطيع الخلق أن يأتوا بمثلها إلى قيام الساعة(( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا)) مع عدم وجود ما يحول دون الإتيان بمثلها حساً وطبعاً، ومع استمرار وجود أعداء الرسالة، وقيام التحدي لهم في كل عصر، ومع استهزائهم بالقرآن وسوره، وادعائهم أنه مفترى، وأنهم يستطيعون الإتيان بمثله، وأنه أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وعشيا، ومع ذلك كله لم يأت أحد منهم بسورة واحدة يبطل بها التحدي، فكان صرف الخلق عن ذلك هو المعجز، وهو الإعجاز الدال على صدق الرسول، وصدق الرسالة، وأنها حق من عند الله، فاستوى بذلك القرآن كله، والسورة القصيرة منه،

              إذ التحدي وقع في هذا وهذا ،ولم يأت أحد بمثل ذاك و لا ذا ، وهو أمر خارج عن العادة الإنسانية، ومصادم للسنن الاجتماعية، في اجتهاد الخصم والعدو في إبطال دعوى خصمه ونقضها بكل وسيلة يقدر عليها، ولما جبل عليه الإنسان بطبيعته من حب الظهور والظفر فيما هو أدنى من ذلك، فكيف بمثل هذا الأمر العظيم الذي تبطل به الأديان التي هي أحب عند أبتاعها من النفوس والأموال؟!

              وإذا كان( الحدوث دليل الإمكان ) وكان القرآن والسورة الواحدة منه من جنس كلام العرب، وكان من جاء به واحداً منهم، وبشراً مثلهم، فقد أصبح في حيز الإمكان أن يأتوا هم بمثله عادة، وخرج بذلك عن أن يكون مستحيلا عادة وعقلا الإتيان بمثله أو بسورة واحدة منه ، وإذا لم يكن مستحيلا فقد وقع إذن التحدي فيما هو ممكن، إذ نظم ست عبارات مثل آيات ( الكافرون ) لا يستحيل عادة ولا عقلا، إذ هو كلام عربي مبين، واضح المعاني، سهل المباني، فكان عدم الإتيان بمثل هذه السورة وغيرها من سور القرآن القصار، هو المعجزة الظاهرة التي لا إعجاز أوضح منها ولا أظهر، سواء أقيل الله هو الذي يحول بينهم وبين الإتيان بمثلها ويصرفهم عن ذلك، أم قيل إن الله خلى بينهم وبين ذلك فلم يستطيعوا، إذ الإعجاز تحقق بعدم الإتيان في حد ذاته بقطع النظر عن أسبابه.

              الوجه الثالث: أن القرآن والسورة الواحدة منه كله كلام الله، وهذا أصل الدعوى وأساسها (( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليه )) ((إنا علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه )) (( فأجره حتى يسمع كلام الله )) وإذا كان العقل يقطع بأن ذات الخالق لاتشابه ذوات المخلوقين،فصفاته قطعاً لا تشابه صفاتهم، وكلامه لا يشبه كلامهم، وهذا بدلالة العقل الذي يقطع بأن لا موجود بلا موجود، ولا حادث بلا محدث، ولا مخلوق بلا خالق يتصف بصفات الكمال المطلق.

              فإذا ثبت ذلك بدلالة العقل، وثبت أن إرسال الرسل وإنزال الكتب معهم لهداية الخلق إلى خالقهم هو من الممكنات العقلية، وأن خطاب الخالق إلى المخلوق في حيز الإمكان العقلي، وإذا ثبت لدى أهل الأديان قاطبة على اختلاف مللهم ونحلهم السماوية والأرضية أن الله أرسل كثيراً من الرسل لهداية الخلق، وأنزل على بعضهم كتبا، وأوحى إليهم، وكلمهم، وكان حدوث ذلك كله دليل إمكانه، وكان آخرهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن ما جاء به من قرآن هو من عند الله ومن كلامه ووحيه، والدليل عليه هو أن الخلق كلهم لو اجتمعوا ما استطاعوا أن يأتوا بمثله ولا بسورة واحدة، لأنه كلام الله، ثم لم يأتوا فعلا بمثله، كان ذلك أوضح حجة على أن هذا القرآن كلام الله حقا، يستوي بذلك القرآن كله، والعشر سور منه، والسورة الواحدة القصيرة، إذ كلام الله ليس ككلام خلقه، كما أن ذاته ليست كذواتهم (( ليس كمثله شيء)) فالسبب في عدم قدرة العرب والخلق كافة على الإتيان بسورة واحدة قصيرة كمثل( الكافرون ) هو كونها من كلام الله وكفى، والبرهان على ذلك هو عجز الخلق قاطبة عن الإتيان بمثلها، ولا تفسير لذلك بداهة إلا كونها من كلام الله، والإتيان بمثل كلام الله خارج عن حيز الإمكان العقلي، إذ يستحيل عقلا مماثلة المخلوق للخالق في ذاته أو صفاته، فصار القرآن من حيث هو كلام الله يستحيل أصلا الإتيان بمثله عقلا، وخارجا عن حيز الممكنات، ومن حيث هو كلام عربي مبين، يتلوه رجل عربي أمي، بألفاظ وحروف من جنس ما يستخدمه العرب في كلامهم، في حيز الإمكان وفي نطاق قدرتهم، فكان التحدي بذلك أظهر.

              الوجه الرابع: إن أسلوب القرآن ونمطه لا عهد للعرب به، فلا هو بالشعر، ولا هو بالنثر ،بل هو قرآن لا يشابه كلامهم مع كونه من جنس كلامهم، ومن مفردات لغتهم، بل إنه لا يشابه كلام النبي eفالفرق بين القرآن والحديث النبوي فرق ظاهر جلي مع كونهما وحي من الله ((وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحى))[النجم: 3-4] إلا أن القرآن كلام الله وخطابه، والحديث النبي كلام الرسول وبيانه عن الله تعالى.

              وكذلك الفرق بين كلام النبي eوكلام أصحابه واضح جلي، لا يكاد يخفى على من يعرق كلامه وأسلوبه ونمطه، وكذا الفرق بين كلام أصحابه وكلام أتباعه، ولهذا يسهل على أهل العلم المتخصصين أن يميزوا بين كلام النبي صلى الله عليه وسلموكلام من سواه بالنظر للفظ والأسلوب، كما يستطيع أهل الشعر أن يميزوا بين قصائد الشعراء لمعرفتهم بأسلوب كل شاعر ونمطه، بل ربما استخرجوا من القصيدة الواحدة ما زيد فيها من أبيات ليس منها لكونها ليست من نمطها، ولا يكاد يختلط على أهل الشعر والأدب والنقد شعر أبي الطيب بشعر أبي العتاهية، ولا شعر أبي تمام بشعر البحتري، فضلا عن أن يختلط عليهم شعر أهل الجاهلية بشعر من بعدهم، وشعر العصر الأموي بالعصر العباسي الثاني .

              وكذا يستطيع أهل التخصص من الأدباء والفصحاء معرفة أسلوب الرافعي وتميزه عن أسلوب المنفلوطي، وأسلوب العقاد من أسلوب طه حسين، فلكل كاتب وشاعر أسلوبه ونمطه وطريقته التي هي كالبصمة لا يستطيع التخلص منها ولا انتحالها إلا على وجه من التكلف الذي يكشف حقيقة التقليد ،وإذا كان الأمر كذلك كان محاكاة كلام الله أمرا ظاهرا لا يخفى، والتحدي إنما هو في المثلية (( بسورة من مثله)) والمثلية تقتضي المطابقة والمماثلة على وجه لا يمكن معه التمييز بينهما.

              ونحن نرى الفرق ظاهراً جلياً بين القرآن والحديث النبوي بحيث لا يخفى الفرق بينهما على من له أدنى معرفة في القرآن والسنة، ولو كان في مقدور أحد من البشر أو العرب أن يتأثر خطا القرآن ويتأثر أسلوبه ونمطه لكان ذلك في مقدور النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان أفصح العرب قاطبة، وكان يتلو القرآن بكرة وعشيا مدة ثلاث وعشرين سنة، ومع ذلك كله لم يقع في كلامه صلى الله عليه وسلم- مع كثرة ما تواتر عنه وما حفظ من كلامه- ما يشابه القرآن ولو في عبارة واحدة مع أنه أوتي جوامع الكلم؟!

              وهذا ما يجده المسلمون في أنفسهم ،فإنهم يحفظون القرآن عن ظهر قلب، ويتلونه ليل نهار، ويخرج منهم الشعراء، والخطباء، والكتاب، وأئمة اللغة، وأرباب البيان، ثم لا يكاد أحدهم يواطئ أسلوبه أسلوب القرآن، ولا نمطه، ولو مصادفة بلا قصد ؟! مع أن من يحفظ ديوان شاعر، ويعتني بشعره، ويكثر من ترديده، يستطيع محاكاته وتقليده، بل يتأثر أسلوبه ونمطه من حيث لا يشعر.

              ولا تفسير لهذه الظاهرة اللغوية في القرآن وأسلوبه ونمطه إلا كونه كلام الله تعالى، فظهر بذلك أن أسلوب السورة القرآنية القصيرة كسورة (الكافرون)، ونمطها، ونظمها، معجز في حد ذاته، لا يستطيع أحد الإتيان بمثله، إذ السور القصيرة كالسورة الطويلة، وكالعشر سور، وكالقرآن كله، على نمط واحد، وأسلوب واحد، وهذا ما يدركه كل عربي بداهة بسليقته، فمهما اختلفت السور في مضامينها، ومعانيها، وقضاياها التي اشتملت عليها، إلا إن أسلوبها ونمطها واحد، لا هو بالشعر ولا بالنثر، بل نمط آخر هو القرآن.

              الوجه الخامس: أن الله وصف قرآنه بأنه هدى ونور وفرقان وبرهان وبيان وموعظة وحكمه...الخ وهذه الأوصاف تصدق على القرآن ككل، وما من سورة إلا ولها من هذه الأوصاف حظ ونصيب، فمن آيات البرهان والفرقان التي تخاطب العقول (( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون )) وقوله : (( قل هو الله أحد* الله الصمد*....)) وقوله: ((قل لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا)) ومثلها كثير ،

              فهذه الآيات ونحوها دلائل برهانية على إثبات وحدانية الله، فانتظام حركة الوجود، وصلاحه وعدم اضطرابه، دليل على خالقه الذي يصرفه، فهذا برهان عقلي يقوم على مقدمات منطقية هي :

              المقدمة الأولى: لو تعددت الأرباب لفسدت السموات والأرض، و لاضطرب الوجود بسبب حدث التنازع واختلاف الإرادات بينهم .

              المقدمة الثانية: وبما أنه لاضطراب ولا اختلاف في حركة الوجود بل صلاح وانتظام.

              النتيجة: ثبوت وحدانية الرب وانفراده بالخلق والتصريف، واتصافه بكمال القدرة والعلم...الخ.

              وباختصار فالتعدد يقتضي الفساد، وبما أنه لا فساد، فلا تعدد، بل وحدانية وانفراد مطلق .



              ومن أمثلة الآيات الوعظية التي تخاطب القلوب قوله تعالى : (( نبأ عبادي أني أنا الغفور الرحيم)) ، ((يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقطنوا من رحمة الله إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له...))

              ومن أمثلة آيات الحكمة(( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا..))، (( ولا تمشي في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا)) .

              ولهذا لم يقع التحدي بآية واحدة، إذ في القرآن آيات هي عبارة عن كلمة واحدة، أو حرف، ولا يظهر في مثل ذلك شيء من ذلك، كما لا يظهر فيه أسلوب ونمط يصلح به التحدي، وإنما يظهر ذلك ويتجلى بالكلام المركب، وذلك ظاهر في كل سورة مهما كانت قصيرة بخلاف الآية التي قد تكون حرفا واحدا مثل (( ن * والقلم وما يسطرون ))

              وسورة ( الكافرون ) لها نصيب من الوصف المذكور للقرآن على سبيل الإجمال، وهو كونه بيانا وهدى وفرقانا بين الحق والباطل.

              وهذا يتجلى في هذه السورة في أوضح صورة فقوله (( قل يأيها الكافرون)) خطاب ونداء موجه إلى الكافرين جميعا، فدخول (أل) على اسم الفاعل (كافر)، المشتق من (كفر)، المجموع جمعا سالما، هو من أبلغ صور العموم في لغة العرب، فقد أفاد الشمول والاستغراق لكل كافر من مشركي العرب ومن غيرهم، من كان موجودا آنذاك ومن يأتي من بعدهم، فعمهم النداء، وشملهم الخطاب، فلم يستثن منهم أحدا.

              ثم قال ((لا أعبد ما تعبدون)) فجاء بالفعل المضارع ( أعبد) الذي يفيد الاستمرار وتجدد الحدث، ثم سلط عليه أداة النفي (لا) ليفيد نفي عموم الفعل وتجدده، وجاء بـ (ما) وهي اسم موصول – مفعول به- وهي من أسماء العموم تفيد الاستغراق والشمول بمعنى (الذي)، وجاء بصلته (تعبدون) وهو فعل مضارع من الأفعال الخمسة، والواو واو الجماعة، فأفادت ( ما تعبدون) عموم معبوداتهم، وعموم عباداتهم على اختلاف أنواعها وأجناسها، لكثرة معبوداتهم وأصنامهم، وأفرد معبوده بقوله (ما أعبد).

              ثم قال((ولا أنتم عابدون ما أعبد ))فجاء بالجملة الاسمية التي تفيد الثبات بعد الجملة الفعلية التي تفيد التجدد والحدوث، ونفى هذه كما نفى تلك، وجاء بالوصف المشتق وهو اسم الفاعل (عابدون) الذي يفيد أيضا معنى الاستقبال .

              ثم قال (( ولا أنا عابد ما عبدتم)) فجاء هنا أيضا بالجملة الاسمية ( أنا عابد)

              التي تفيد الثبوت، كما جاء من قبل بالجملة الفعلية ( لا أعبد ) التي تفيد الحدوث والتجدد، ونفى هذه وتلك.



              فلا ما يصدر عنهم من فعل العبادة كمثل ما يصدر عنه من فعل، ولا الوصف القائم به من العبودية ( عابد ) كالوصف القائم بهم من العبودية ( عابدون)، ولا معبداتهم على اختلافها وكثرتها كمعبدوه مع وحدانيته.

              ثم جاء بعد ( عابد ) بالمفعول وجعله اسما موصولا يفيد العموم وهو (ما)، وجعل صلته هنا فعلا ماضيا ( عبدتم)، بينما جعل صلته من قبل فعلا مضارعا ( ما تعبدون ) ، ليشمل النفي الماضي والحاضر والمستقبل .

              ثم أكد ذلك بقوله (( ولا أنتم عابدون ما أعبد )) مرة ثانية على سبيل القطع والتأكيد، ليرفع ما قد يتوهمونه من إمكان أن يكونوا على شيء من دينه وعبادته .

              ثم قال (( لكم دينكم ولي دين )) ليقطع عليهم طريق اللقاء به ماداموا على كفرهم وشركهم فلهم دينهم وله دينه.

              فاشتملت هذه السورة مع قصرها وتكرار ألفاظها وتضمنت من صور العموم والشمول، والقطع والتأكيد، والنفي والإثبات، والبيان والوضوح، ما يجعل منها فرقانا بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، والإسلام والوثنية، والتوحيد والشرك.

              فمن صيغ العموم ( أيها ) و( الكافرون) و( ما) و( ماتعبدون) و(ما عبدتم) و (عابدون)، وجاء بأصرح ألفاظ النفي وهي (لا) وسلطها على الجملة الفعلية، والجملة الاسمية، كما سلطها على الفعل المضارع، والفعل الماضي ( تعبدون) (أعبد) ( عبدتم) .

              وجاء بـ ( ما) وهي اسم موصول يفيد العموم ،تارة يأتي بمعنى (الذي)، وتارة يأتي بمعنى (الذين)، فأتى بالصلة بحسب السياق فقال ( ماتعبدون) أي (الذين تعبدون) ليشمل كل معبوداتهم، وقال ( ما أعبد) أي (الذي أعبد) ليفيد وحدانية معبوده.

              وقد تكون( ما ) أيضا مصدرية تسبك بما بعدها فيكون المعنى ( لا أعبد عبادتكم ) و( لا أنتم عابدون عبادتي ).

              وعليه فقد تضمنت السورة ما يلي :

              1.نفي أن تكون عبادته كعبادتهم، كما نفى أن تكون عبادتهم كعبادته .

              2.ونفي أن تكون عبوديته ( عابد)، كعبوديتهم ( عابدون)، ولا صفته ووصفه القائم به كصفتهم ووصفهم القائم بهم، ولا صفتهم كصفته.

              3.ونفي أن يكون معبوده الواحد كمعبوداتهم، ولا معبوداتهم كمعبوده الواحد.

              4.ونفي أن يكون دينه كدينهم، ودينهم كدينه.

              فلا الفعل كالفاعل، ولا الوصف كالوصف، ولا المعبود كالمعبود، ولا الدين كالدين.



              فيصدق على هذه السورة القصيرة أنها بيان قاطع، وفرقان فارق، بين الحق والباطل، كما هو شأن القرآن ووصفه، والله تعالى أعلم.



              الوجه لسادس: أن التحدي جاء للخلق كافة أنسهم وجنهم، وعربهم وعجمهم، غير أنه لما كان العرب الذين نزل عليهم القرآن وهم عرب الجاهلية من أفصح الأمم، بل أفصحها على الإطلاق، ولما كانت حكمة الله تعالى تقتضي أن تكون آخر رسالة منه للعالمين، وآخر خطاب للعباد، رسالة بيانية، تنزل بأفصح وأوضح لغة، لتقوم حجة الله على خلقه إلى قيام الساعة، من حيث استمرار الحجة وبقائها، ومن حيث وضوحها وبيانها، ولا يتحقق ذلك إلا بأن تكون حجته بيانية لسانية، تتضمن أحكام الله وتشريعاته، وحكمه ومواعظه، وبراهينه وقصصه، وأخباره، على وجه تظهر فيه المعجزة من جهة، والبيان والوضوح من جهة أخرى، بحيث لا يحتاج الخلق معها إلى رسول آخر، ولا معجزة أخرى، ولا رسالة ثانية، بشرط أن يكون خطابه محكما محفوظا لا يأتي الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حتى لا يدخل عليه الخلل بالزيادة فيه أو النقص منه، أو تحريفه وتبديله، و إلا لم تقم الحجة على الخلق، ولهذا قال: (( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ))وقال (( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)).

              ولهذا امتن الله على عباده كافه بأن جعل خطابه وكتابه إليهم بلسان عربي مبين هو الغاية في الوضوح والبيان والإيجاز (( كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لعلكم تعقلون )) .

              كما امتن عليهم بحفظ الله له من التبديل والتحريف (( لئلا يكون للناس على الله حجة)) فبلغ أفصح الخلق وأصدقهم رسالة الله إلى العرب كافة، فلم يمت صلى الله عليه وسلمحتى دخل العرب في دين الله أفواجا، ثم جعل الله العرب ــ وهم أفصح الأمم وأقدرها على الفهم والإفهام، والتبيين والبيان ، بأوجز عبارة و أوضحها – واسطة بين الرسول وكافة الأمم (( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)) فلم يمت آخر صحابي حتى بلغ الإسلام مشارق الأرض ومغربها، ودخلت الأمم من غير العرب في دين الله أفواجا، بعد أن بلغهم العرب حجة الله وخطابه وكتابه بلغاتهم على اختلاف ألسنتهم، فاستجابوا لله ورسوله، وعلم أهل الكتاب أنه الحق الذي بشرت به الأنبياء من قبل، وعلم غيرهم أن كل ما جاء به القرآن من عقائد وأحكام وأخلاق وآداب أوضح دليل على أنه من عند الله وأنه حق كله، كما قال تعالى (( سنيرهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)) واستوى في ذلك العربي وغير العربي، فكان استجابة العرب للقرآن و إيمانهم به وعجزهم عن الإتيان بمثله ولو بسورة

              قصيرة، وشهادتهم له بأنه أفصح الكلام وأوضحه وأجزله، وأنه خارج عن نطاق قدرة أدبائهم، وخطبائهم، وشعرائهم، دليل على أنه معجز وحجة وكان العجم تبعا لهم .

              وكذا حال من يأتي بعدهم، إذ التاريخ شاهد على أنه لم يأتي بعد عرب الجاهلية من يجاريهم في الفصاحة والبيان، وفنون وعلوم اللسان، وأن قصارى من جاء بعدهم أن يحاكوا أشعارهم ويتبعوا آثارهم.

              ومن هنا يظهر أن الله لم ينزل القرآن على هذا النحو الموجز المعجز تحديا للعرب،بل الصحيح أن الله هيئ العرب على هذا النحو واصطفاهم قبل البعثة، لينزل عليهم كتابه وخطابه الخالد ليفهموه ويبلغوه الأمم الأخرى، وذلك يقتضي إعدادهم على النحو الذي بلغوه وبرعوا فيه في علوم البيان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

              والمقصود أن العرب المشركين آمنوا بالقرآن كله، وأدركوا أن كل سوره الطوال والقصار ، بلغت الغاية في الإعجاز البياني، ولم يروا فيه خللا، ولا نقصا، ولا عيبا، لا في طوال سوره ولا قصاره، مع اختلاف مضامينها و موضوعاتها، فإذا أقروا له بذلك، كان اعترافهم وإقرارهم حجة على من سواهم ، من باب أولى، وهذا كما إذا شهد شعراء أهل عصر من العصور على أن أحدهم أشعرهم، فإن شهادتهم له حجة على أهل عصرهم ممن لا يحسن نظم الشعر ولا يقرضه، وليس لغير الشعراء والأدباء إلا التسليم لهم فيما أجمعوا عليه، وإن كان غيرهم لا يرى في شعره ما يرونه هم، ولا يتذوق منه ما يتذوقونه منه، وهذا كحال العامة في هذا العصر الذين لا يتذوقون الشعر العربي الفصيح، لا الشعر الجاهلي ولا الإسلامي، لفساد سليقتهم، وعجزهم عن فهمه وتذوقه، وبسبب قصورهم لا لقصور في الشعر العربي الفصيح، فلا يمكن للعامة أن يحكموا على الشعر العربي ولا أن يميزوا بين طبقات شعرائه، وإنما يقبل ذلك ممن تعلم العربية حتى غدا كأهلها سليقة.

              وإذا كان هذا حال العامة مع الشعر العربي، وأنهم تبع لأئمة الشعر، وأدباء العصر، في تذوقه، وفهمه، فكذلك حالهم مع القرآن، فإنهم تبع في فهمه وتذوقه لعرب الجاهلية، الذين أسلموا طوعا وإيمانا منهم بأنه كلام معجز لا يمكن الإتيان بمثله، وأنه لا يجارى في بلاغته، ونظمه، وبيانه، وحكمه، يستوي في ذلك طوال سوره وقصارها، إذ لو رأوا فيه خللا، أو ضعفا، أو عيبا في لغته، لحال ذلك بينهم وبين الإيمان به، و لكان حجة لكل من يرفض الدخول فيه، غير أنهم لم يفعلوا فدل ذلك على أحكامه وإعجازه، ومن ذلك سورة ( الكافرون).

              الوجه السابع: أن إعجاز القرآن على وجوه عدة منها :

              1-إعجاز بياني من حيث النظم والأسلوب، واستخدام الألفاظ، ومراعاة مقتضى الحال والخطاب، على اختلاف الموضوعات التي طرقها .

              2-إعجازه التشريعي وتفصيله للأحكام على كثرتها بأوجز عبارة وأوضحها كما في آيات الفرائض (( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثنين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلث ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منها السدس مما ترك إن كان له ولد....)) فقد اشتملت ثلاثة آيات محكمات من القرآن على علم الفرائض والمواريث كله، وقسمت الفرائض وحددت نصيب كل وارث، في كل أحواله، في حال انفراده وحده ، وحال اجتماعه مع غيره ، وفي حال الذكورة، أوحال الأنوثة، وحال الأبوة، وحال البنوة، وحال الكلالة، على نحو يحتاج بيانه إلى كتب كاملة، وهو ما ليس في نطاق البشر أن يأتوا بمثله على هذا النحو الموجز .

              ومع تفاوت نزوله بحسب الحوادث مدة 23 سنة إلا أنه لا يوجد تعارض بين أحكامه وتشريعاته، بل كأن آياته لشدة أحكامها نزلت جملة واحدة.

              3-إعجازه الخبري سواء في إخباره عن الماضي، وما وقع فيه من حوادث وقع الخلاف فيها بين أهل الأديان والكتب السابقة، فقصها على الوجه الصحيح كأنه حضرها، أو فيما أخبر به من حوادث المستقبل مما وقع بعد ذلك على وفق ما أخبر، كالإخبار عن ظهور الإسلام وعلوه على الأديان، مع كون ذلك نزل في مكة في حال الضعف والاضطهاد.

              4-إعجازه العلمي حيث تحدث القرآن عن قضايا الوجود وخلق السموات والأرض، و أنهما كانتا رتقا ففتق الله بينها، وأنه جعل من الماء كل شيء حي، وأن أصل ذلك الدخان ... الخ

              ومازال العلم المادي الحديث منذ نشأته يتوافق مع ما جاء في القرآن من هدايات علمية.

              5-الإعجاز الترتيبي حيث أن ترتيب سوره، وكذا ترتيب الآيات في كل سوره، على وفق نظام بديع معجز، مع كونه نزل مفرقا منجما مدة ثلاث وعشرين سنة، فجاء ترتيبه على نحو لا نظير له، لمن تدبر فواتحه، وخواتيمه، وتناسبها، وتناسقها .

              6-الإعجاز العددي حيث وردت فيه كثير من المفردات والألفاظ ،كالسماء والأرض، والليل والنهار، والسمع والبصر ،والذكر والأنثى ... الخ على نحو من التوافق والتناسب العددي المعجز .

              7-الإعجاز الإتقاني ويتجلى ذلك في حفظه وضبطه على نحو فريد لا يشاركه ما من كتاب بما في ذلك كتب أهل الأديان الأخرى إلا في نسخها اختلاف ونقص وزيادة، هذا مع أن القرآن نزل على أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، وعلى نبي أمي، ومع ذلك تحقق له هذا الأمر المعجز الذي لا ينازع فيه إلا مكابر ،حتى شهد له بذلك المنصفون الغربيون، ولم يقتصر الحفظ والضبط له بالرسم والخط ،بل بالقراءة، واللفظ، والتجويد، وكيفية قراءة كل حرف فيه.

              وكذا يتجلى الإعجاز الإتقاني في إحكام آياته، حتى وقع التحدي فيه كما في قوله تعالى (( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)) فليس فيه اختلاف ولا اضطراب، بل إحكام وإتقان، يصدق بعضه بعضا، ويفسر بعضه بعضا، حتى كأنه نزل جملة واحدة لا مفرقا على حسب الوقائع والحوادث مدة ثلاث وعشرين سنة؟!

              فهذه بعض صور ووجه الإعجاز القرآني، ولكل سورة نصيب وحظ من هذه الوجوه والصور ، ومن ذلك سورة ( الكافرون) ،ففيها إعجاز بياني يتجلى في عجز مشركي العربي عن الإتيان بمثلها، وكذا إعجاز خبري حيث تحقق صدق ما أخبرت به هذه السور القصيرة من أنه لا لقاء بين دين التوحيد ودين الشرك، لا في الماضي، ولا في الحاضر، ولا في المستقبل، مع كونها سورة مكية، وكان ممكنا أن يصلوا إلا حل وسط يرضي الطرفين، غير أن ما أخبرت به السورة هو الذي تحقق على أتم وجه وأكمله.

              وكذلك فيها إعجاز ترتيبي فقد جاءت بعد سورة ( الكوثر) وهي مكية، وفيها إخبار بإكرام الله لنبيه ونصره وإعزازه (( إن شانئك هو الأبتر)) و الكوثر تعني الكثرة ،مع أن (الكافرون) فيها مقاطعته eلقومه واعتزاله إياهم ((لكم دينكم ولي دين )) ، ثم جاءت بعدها سورة مدنية وهي (النصر) ((إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا))

              والتناسب بين السور الثلاثة ظاهر جلي، وقد تحقق ما أخبر الله به في (الكوثر) من قطع وبتر أعدائه، وما أخبر به في (الكافرون) من عدم اللقاء والتوافق بين النبي e وأعدائه، وأن لكل دينه وطريقه، وما أخبر الله به في ( النصر) من دخول المشركين في نهاية المطاف في دين الله أفواجا؟!!

              وكذلك في (الكافرون) إعجاز إتقاني فلا اختلاف ولا اضطراب ولا تعارض بينها وبين كل سور القرآن وآياته في موضوعها ومضمونها وإخبارها ونظمها وأسلوبها. والله تعالى أعلى وأعلم .

              المصدر:
              http://www.dr-hakem.org/drarsh/d001.htm
              ............................

              Comment

              • سيف الكلمة
                باحث متخصص
                • Sep 2004
                • 2203

                #67
                المشاركة الأصلية كتبت بواسطة لادينية
                ما هو الوجه الذي يعتبر القاسم المشترك بين كل سور القرآن ؟؟
                الإعجاز البيانى هو القاسم المشترك بين كل سور القرآن
                الإعجاز العلمى يتواجد فى الآيات التى تشير إلى بعض الحقائق العلمية أو إحداها
                وجميع أوجه الإعجاز توجد فى بعض الآيات أو السور ولا توجد فى كل سورة
                الدنيا ساعة اختبار *** فإما جنة وإما نار تحقق من حديث
                http://www.dorar.net/hadith.php

                Comment

                Working...