رابعاً
من تسبيحات السلف وثنائهم
من تسبيحات السلف وثنائهم
1-قال جعفر الصادق(1) رحمه الله تعالى:
(رب كم من نعمة أنعمت بها علي قَلّ لك عندها شكري، وكم من بلية ابتليتني بها قَلّ لها عندك صبري، فيا من قَلّ عند نعمته شكري فلم يرحمني، ويا من قَلّ عند بليته صبري فلم يخذلني، ويا من رآني على المعاصي فلم يفضحني، ويا ذا النعم التي لا تحصى أبداً، ويا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً أعني على ديني بدنيا...)(2).
2 ـ وقال سليمان بن طَرْخان(3) رحمه الله تعالى:
(سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عدد ما خلق، وعدد ما هو خالق، وزِنّة ما خلق، وزِنة ما هو خالق، ومِلء ما خلق ومِلء ما هو خالق، وملء سمواته ومِلء أرضه ومثل ذلك وأضعاف ذلك، وعدد خلقه، وزنة عرشه، ومنتهى رحمته، ومدادَ كلماته، ومبلغَ رضاه حتى يرضى وإذا رضي، وعدد ما ذكره به خلقه في جميع ما مضى، وعدد ما هم ذاكروه فيما بقي، في كل سنة وشهر وجهة ويوم وليلة وساعة من الساعات وشَمٍّ ونفس من الأنفاس من أبد الآباد: أبد الدنيا وأبد الآخرة، وأكثر من ذلك، لا ينقطع أوله ولا ينفد آخره)(4).
3 ـ وقال عمر بن ذر(5) رحمه الله تعالى:
(اللهم: إنا قد أطعناك في أحب الأشياء إليك أن تطاع فيه: الإيمان بك والإقرار بك، ولم نعصك في أبغض الأشياء أن تُعصى فيه: الكفر و الجحد بك، اللهم فاغفر لنا بينهما.
وأنت قلت ]وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ(6)[، ونحن نقسم بالله جهد أيماننا لتبعَثَن من يموت، أفتراك تجمع بين أهل القَسَمين في دار واحدة)(7).
4 ـ وقال أحد السلف:
(سبحان الذي في السماء عرشه، سبحان الذي في الأرض حكمه، سبحان الذي في القبر قضاؤه، سبحان الذي في البحر سبيله، سبحان الذي في النار سلطانه، سبحان الذي في الجنة رحمته، سبحان الذي في القيامة عدله.
سبحان الذي رفع السماء، سبحان من بسط الأرض، سبحان الذي لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه)(8).
5 ـ ودعا إبراهيم بن أدهم(9) رحمه الله تعالى فقال:
(سبحانك سبحانك يا علي يا عظيم، يا بارىء، يا رحيم، يا عزيز، يا جبار.
سبحان من سبحت له السموات بأكنافها(10)، وسبحان مَن سبحت له البحار بأمواجها، وسبحان من سبحت له الجبال بأصدائها، وسبحان من سبحت له الحيتان بلغاتها، وسبحان من سبحت له النجوم في السماء بأبراجها، وسبحان من سبحت له الأشجار بأصولها وثمارها، وسبحان من سبحت له السموات السبع والأرضون السبع ومن فيهن ومن عليهن، سبحان من سبح له كل شيء من مخلوقاته، تباركت وتعاليت.
سبحانك سبحانك يا حي يا قيوم، يا عليم، يا حليم.
سبحانك لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك تحيي وتميت، وأنت حي لا تموت، بيدك الخير وأنت على كل شيء قدير)(11).
6 ـ وقال أحد السلف:
(يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمائر الصامتين.
يا من ليس معه ربٌّ يُدعى، ويا من ليس فوقه خالق يُخشى، ويا من ليس له وزير يُؤتى، ولا حاجب يُرشَ.
يا من لا يزداد على كثرة السؤال إلا جوداً وكرماً، وعلى كثرة الحوائج إلا تفضيلاً وإحساناً...
يا من لا يشغله شأن عن شأن، ولا سمع عن سمع، ولا تشتبه عليه الأصوات، يا من لا تُغلِّطه المسائل ولا تختلف عليه اللغات.
يا من لا يُبْرمه إلحاحُ الملحين، ولا تضجره مسألة السائلين، أذقنا بَرْدَ عفوك وحلاوة مناجاتك)(12).
7 ـ وقال مسمع بن عاصم(13) رحمه الله تعالى:
سمعت عابداً من أهل البحرين يقول في مناجاته ـ سمعته من جوف الليل من حيث لا يعلم بمكاني ـ:
(... طوبى لقلوب ملأتها خشيتُك، واستولت عليها محبتك، فخشيتك قاطعة لها عن سبيل كل معصية خوفاً لحلول سخطك، ومحبتك مانعة لها من كل لذة غير لذة مناجاتك، نافيةً لها عن كل ما يشغلها عن ذكرك، محببة إليها الاجتهاد في خدمتك، ثم بكى.
ثم قال:
واحزناه من خوف فوت الآخرة حيث لا رجعة إلى الدنيا، ولا حيلة ولا عثرةَ تُقال، ولا توبة تُنال.
يا رب:
أشرقت بنورك السموات، وأنارت بوجهك الظلمات، وحجبتَ جلالك عن العيون... فناجاك من بسيط الأرض النبيون والصديقون فسمعت النجوى وعلمت السر وأخفى.
سيدي:
خشعت لك رقبتي، وخشع لك قلبي لتدخلني في رحمتك وتكرمني بعزتك، وتنظر إلي نظرة تجبرني بها يا كريم)(14).
8 ـ وقال الإمام الليث(15) رحمه الله تعالى:
(الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علماً، ووسع كلَّ شيء حفظاً، والحمد لله الذي أحاط بكل شيء سلطانُه، ووسعت كلَّ شيء رحمتهُ.
اللهم:
لك الحمد على حلمك بعد علمك، ولك الحمد على عفوك بعد قدرتك.
اللهم:
لك الحمد على ما تأخذ وتعطي، ولك الحمد على ما تميت وتُحيي.
اللهم:
لك الحمد كله، بيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله: علانيتهُ وسرُّه، أوله وآخره.
اللهم:
إني أحمدك بمحامدك كلها، ما علمت منها وما لم أعلم.
اللهم:
إني أحمدك بالذي أنت أهله، وأذكر آلاءك وأشكر نعماءك، وعدلك في قضائك، وقدرتَك في سلطانك...
سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك... يا فعالاً لما يريد، يا ذا البطش الشديد، يا ذا العز المنيع، يا ذا الجاه الرفيع، يا خير الغافرين، يا خير الرازقين، يا خير الفاصلين، يا خير المنعمين، يا خير الناصرين، يا أحكم الحاكمين، يا أسرع الحاسبين، يا أرحم الراحمين، يا وارث الأرض ومن عليها وأنت خير الوارثين...)(16).
(1) جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الإمام، أحد أعلام السلف. توفي سنة 148 رحمه الله تعالى. انظر ((نزهة الفضلاء)): 1/535 ـ 538.
(2) المصدر السابق: 1/537.
(3) سليمان بن طَرْخان التيمي، أو المعتمر البصري، نزل في التّيمْ فنسب إليهم. فقيه عابد. توفي سنة 143 وهو ابن سبع وتسعين رحمه الله تعالى. انظر ((التقريب)) 252.
(4) ((إتحاف السادة المتقين)): 5/ 316.
(5) الإمام الزاهد العابد، أبو ذر الهمداني الكوفي، ثقة بليغ. توفي سنة 153 رحمه الله تعالى. انظر ((سير أعلام النبلاء)): 6/ 385 ـ 390.
(6) سورة النحل: آية 38.
(7) ((سيرة أعلام النبلاء)): 6/385 ـ 390.
(8) ((طهارة القلوب)): 190.
(9) إبراهيم بن أدهم بن منصور، القدوة الإمام العارف، سيد الزهاد، أبو إسحاق العِجْلي الخراساني البَلْخي، نزيل الشام. ولد في حدود المائة. وتوفي سنة 162 رحمه الله تعالى. انظر ترجمته في ((سيرة أعلام النبلاء)): 7/387 ـ 396.
(10) أي: بأطرافها: انظر ((إتحاف السادة المتقين)): 5/319.
(11) المصدر السابق.
(12) ((جامع الثناء على الله)): 104 ـ 105.
(13) أبو سنان مسمع بن عاصم، من عُبّاد أهل البصرة ومتقنيهم، لكنه ليس مشهوراً بالنقل، وما له حديث مسند يرجع إليه، والحكايات في فضائله كثيرة وروى عنه أهل البصرة. انظر ((لسان الميزان)): 6/42.
(14) ((الصلاة والتهجد)): 393.
(15) الليث بن سعد بن عبد الرحمن، الإمام الحافظ شيخ الإسلام، وعالم الديار المصرية، أبو الحارث الفهمي بالولاء. ولد بقرقشندة ـ قرية بمصر ـ سنة 94. كان فقيه مصر= =ومحدثها، ورئيسها بحيث إن متولي مصر وقاضيها وناظرها من تحت أوامره ويرجعون إلى رأيه ومشورته، ولقد أراده المنصور على أن يتولى مصر فأبى. توفي سنة 175 رحمه الله تعالى. انظر ((سير أعلام النبلاء)): 8/ 136 ـ 163.
وأنا في شك من نسبة هذا الثناء لليث بن سعد، والله أعلم.
(16) ((جامع الثناء على الله)): 107 ـ 111.
Comment