من يثبت لى نبوة محمد ؟

Collapse
This topic is closed.
X
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • الرمح
    عضو
    • Oct 2006
    • 2

    #46
    لقد كان هذا رأي قبل ان اعرف انك عدت لحظيرة الاسلام فاهلا بك اخا عزيزا وان الاعتراف بالحق من افضل شيم الرجال واسال الله لك الثبات على الايمان وان يجيرني و اياك والمسلمين من الحور بعد الكور
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    Comment

    • حازم
      طالب علم
      • Sep 2004
      • 1886

      #47
      الى كل باحث عن نبوة النبى اهديكم كتاب سعيد حول القيم جدا عن الرسول صلى الله عليه وسلم واثبات نبوته ورد الشبهات حوله

      كتاب الرسول لسعيد حوى

      إذا رضيت لنفسك بالهوان وجعلت من نفسك نعلاً فلا تلومن من انتعلك !
      روابط هامة :

      Comment

      • الغزالى
        عضو
        • Mar 2005
        • 56

        #48
        بسم الله الرحمن الرحيم

        الاخوة الكرام

        كل عام و انتم بخير , و تقبل الله منكم الصيام و الطاعات
        هذه اضافات جمعتها و احب الحاقها بهذا الحوار
        اولا - وجوب بعثة الانبياء
        هذه المسالة لم تطرح للبحث فى الحوار مع انها كافية لحسم المسألة

        فمن يقر بوجود خالق للكون لا يعقل ان ينفى النبوات , فكما يثبت العقل وجود خالق حكيم للكون , فان العقل يثبت ايضا وجوب ان يبعث هذا الخالق رسلا الى خلقه
        و قد اشار القرآن العظيم الى هذه الادلة
        لان البشر محتاجون الى التكليف و الارشاد الالهى فى طريق تكاملهم , و هذا لا يخفى على عاقل

        فالانسان لديه نزعة إلى الحياة المدنية, و لا مفر للإنسان عن الحياة الإجتماعية سواء لكونه مدنياً بالطبع أو مستخدماً بالطبع , و الحياة الإِجتماعية رهن القانون , و حاجة المجتمع إلى القانون ممّا لا يُرتاب فيه، وذلك لأن الإنسان مجبول على حب الذات، وهذا يجرّه إلى تخصيص كل شيء بنفسه من دون أن يراعي لغيره حقاً. ومن المعلوم أن الحياة الإجتماعية بهذا الوصف تنتهي إلى التنافس والتشاجر بين أبناء المجتمع، وتؤدي بالتالي إلى عقم الحياة وتلاشي أركان المجتمع.
        فلأجل ذلك لا يقوم للحياة الإجتماعية أساس إلا بوضع قانون دقيق ومحكم ومتكامل، يقوم بتحديد وظائف كلِّ فرد وحقوقه، ويشرِّع الحدود والقيود الّتي يجب تحرك الجميع من خلالها.
        و مقنن هذا القانون لا بد ان يكون المقنّن عارفاً بالإنسان , و الا يكون المقنِّن منتفعاً بالقانون
        و الضمان الكامل لإجراء القانون لا يتحقق إلا بتوجه المقنن إلى إصلاح الباطن مع إصلاح الظاهر، ولا يكون نظره محصوراً بوضع الضوابط الماديَّة الجافّة.
        فأين تتحقق هذه الشرائط، وعند مَنْ؟.
        أما الشرط الأول، فإنا لن نجد في صفحة الوجود موجوداً أعرف بالإنسان من خالقه، فإن صانع المصنوع أعرف به من غيره.
        و كما يقول القرآن العظيم (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبيرُ)
        واما الشرط الثاني، فلن نجد أيضا موجوداً مجرداً عن أي فقر وحاجة وانتفاع سواه سبحانه، ووجه ذلك أن الإنسان مجبول على حب الذات، فهو مهما جردّ نفسه من تبعات غرائزه، لن يستطيع التخلص من هذه النزعة، وإلا لزم أن ينسى نفسه، ويَخْرُجَ بالتالي من عداد البشر.
        وأما الشرط الثالث، أي تشريع القانون على صرح الإيمان والإعتقاد بصحة التشريع، فلن نجده أيضاً في غيره سبحانه، لأنه يدعو إلى ربوبية نفسه وعبوديّة غيره، ويبين للناس أن صلاحهم في إطاعته وشقاءهم في مخالفته وبهذا يسري قانونُه وتشريعُه في الحياة والمجتمعات البشرية سريان الماء في الشجر والنبات، ويكون مضمون الإجراء والتطبيق.
        فتلخص من هذا الدليل أُمور:
        الأول: أَنَّ الأنسان يميل إلى الحياة المدنية، إما لكونه «مدنياً بالطبع» أو لكونه «مستخدماً بالطبع».
        الثاني: أَنَّ الحياة الإجتماعية لا تستقر إلا بتعرف أعضاء المجتمع على وظائفهم وحقوقهم، وهذا لا يتسنى الا بالتقنين.
        الثالث: أَنَّ مهمة التقنين الشاقة لا يقوم بها إلا من اجتمعت فيه عدّة شروط أهمها: معرفته الكاملة بالإنسان، وعدم انتفاعه من القانون الّذي يجعله، وأن يبني قانونه على صَرْح الإِيمان.
        الرابع: أنّ تلك الشروط لا توجد على وجه الكمال إلاّ في الله سبحانه خالق البشر.
        فإذا كان استقرار الحياة الاجتماعية للبشر متوقفاً على التقنين الإلهي، فالواجب في حكمته تعالى إبلاغ تلك القوانين إليهم عبر واحد منهم يرسله إليهم، ليوقفهم على ما في سعادتهم. والحامل لرسالة الله سبحانه هو النبي المنبئ عنه والرسول المبلغ إلى الناس، ويَثْبُتُ بذلك أنّ بعث الانبياء واجب في حكمته تعالى حفظاً للنظام المتوقف على التقنين الكامل.
        و في القرآن الكريم ما يشير إلى هذا الدليل، وهو قوله تعالى: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)

        يدل ايضا على وجوب بعثة الانبياء : حاجة المجتمع الانسانى إلى المعرفة , سيما معرفة القضايا الكبرى : من اين جئنا و من خلقنتا و لماذا خلقنا و هل هناك حياة بعد الموت فحاجة البشر لمعرفة ذلك و غيره لا ينكرها عاقل , والعلم الإنساني قاصر في مجال المعارف الإلهية , وممّا يوضح قصور العلم البشري في العلوم الالهية، أن هناك الملايين من البشر يقطنون بلدان جنوب شرق آسيا على مستوى راق في الصناعات والعلوم الطبيعية، إلى حد أوقعوا العالم في إسارة استهلاك مصنوعاتهم، ومع ذلك فهم في الدرجة السفلى في المعارف الالهية. فجلّهم ـ إن لم يكن كلّهم ـ عبّاد الأصنام والأوثان، وأسراء الأحجار والاخشاب.
        وقد بلغ الحد في بلاد اليابان أن جعلوا لكل حادثة ربّاً، حتى أن هناك رباً باسم «رب الزواج»، يتوسل إليه البنات الذين تأخروا في الزواج، ليؤمن لهم الأزواج المناسبين.
        وببابك بلاد الهند الشاسعة، وما يعتقده مئات الملايين من أهلها من قداسة وتأله في «البقر». وليست بعيدة عنّا أيام أصاب الجوع تلك البلاد، وأصدر المجلس العام إجازة بذبح قسم من الأبقار لسدّ الجوع ورفع الموت عن أبناء الشعب، فقد ثارت ثائرة الجماهير إلى الحدّ الّذي أجبر الحكومة على إلغاء القانون. فرضوا أنه يموت الإنسان بجوعه، ويعيش البقر بأطيب عيشه، يأكل محاصيلهم ويتلف ممتلكاتهم.
        فإذا كان هذا هو حال المعارف الإلهية في عصر الفضاء والذرة، وبعد ما جاءت الرسل تترى لهداية البشر، فما هو حالها في غابر القرون والأزمان؟!. بل بأي صورة ياترى كان وضعنا الان لولا الهداية الإلهية عن طريق الرسل؟!.
        نعم، هناك نوابغ في التاريخ عرفوا الحق وتعرفوا عليه عن طريق التفكير والتعقل، كسقراط وأفلاطون وأرسطو. ولكنهم أُناس استثنائيون، لا يعدون معياراً في البحث، ولا ميزاناً في نفي لزوم البعثة،. وكونهم عارفين بالتوحيد، لا يكون دليلاً على مقدرة الآخرين عليه. على أنه من المحتمل جداً أن يكون وقوفهم على هذه المعارف في ظل ما وصل اليهم من التعاليم السماوية عن طريق رسله سبحانه وأنبيائه


        اضف الى ذلك : ضالة العلم الإنساني في التعرف على المصالح والمفاسد
        العلم الإنساني قاصر عن تشخيص منافع البشر والمجتمعات ومضارّها، ويدل على ذلك: أولاً ـ إن المجتمع الإنساني ـ مع ما بلغه من الغرور العلمي ـ لم يقف بعد على ألفباء الأقتصاد. فقد انقسم العالم الحديث إلى طائفتين: واحدة تزعم أن سعادة البشرية في نظام الرأسمالية والإقتصاد الحر المطلق، وانه هو العامل الوحيد لرفاه المجتمعات وتفجّر الطاقات. والأخرى تدّعي أنّ سعادة البشر في النظام الاشتراكي بدءً والشيوعي غايةً، فالسعادة كلها في سلب الملكية عن أدوات الإنتاج وتفويضها إلى الدولة الحاكمة.
        فلو كان الإنسان قادراً بحق على تشخيص المصالح والمفاسد، وما ينفعه وما يضره، لما حصل هذا الإختلاف، الّذي انجر إلى انقسام خطير بين دول العالم.
        ثانياً ـ وكما أن الإنسان لم يصل إلى النظام الاقتصادي النافع له، فهو كذلك لم يصل إلى وفاق في مجال الأخلاق وقد تعددت المناهج الأخلاقية في العصر الأخير إلى حد التضاد فيما بينها.
        ونضرب مثالا بأحدها: الشيوعية. إنها تدعي لنفسها منهجاً أخلاقياً من أُصوله أن الإنسان لا يكون شيوعياً إلا بالتضحية بكل شيء لبناء صرح حكومة العمال في العالم، وكل ما كان يصبّ في هذا المنحى فهو من الأخلاق الفاضلة، وإن كان ذلك إعداماً، وتدميراً وسرقة واختلاساً. ولأجل تبرير هذه الآراء الشاذة اعتنقوا الأصل المعروف: «الغايات تبرر الوسائل».
        يقول لينين ـ أحد زعماء الشيوعية بعد ماركس وانجلز ـ : «إن الشيوعي هو من يتحمل كل التضحيات ويلجأ إلى انواع الحيل والأفعال غير المشروعة، ليجد لنفسه موضعاً، وموطيء قدم في الإِتحاديات التجارية».موسوعة نيقولاي لينين، ج 17، ص142، طبعة 1923.
        فإذا كان هذا حال الإنسان في معرفة المسائل الابتدائية في الاقتصاد والأخلاق، فما ظنك بحاله في المسائل المبنية على أُسس تلك العلوم. أفبعد هذا الجهل المطبق يصح لنا أن نقول إن الانسان غني عن الوحي في سلوك طريق الحياة.
        قد جاء في الكتاب العزيز والسنة الشريفة إشارة إلى هذا الدليل نذكر منها:
        قوله سبحانه: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيَما اخْتَلَفُوا فِيهِ)
        فإن الاختلاف ـ إن كان عن نوايا صادقة ـ آية عجز البشر عن الوصول إلى الحقيقة
        فالعقل البشرى غير قادر على رفع الاختلاف
        فحاجة البشر الى الرسالة الالهية من اوضح الواضحات لكل عاقل
        و هنا لا يسع المقر بوجود الخالق الا ان يقر بوجوب بعثة الانبياء
        لانه اذا لم يرسل الخالق رسلا الى البشر فإما أن يكون ذلك لعدم علمه بحاجتهم إلى ذلك ، وهذا جهل يتنزه عنه الخالق
        وإما لان الله أراد حجبهم عن الوصول إلى كمالاتهم ، وهذا بخل يستحيل على الجواد المطلق
        وإما لانه أراد تكليفهم فلم يمكنه ذلك ،وهو عجز يمتنع على القادر المطلق
        وإذن فلا بد من ارسال الخالق لرسل
        و نفى بعثة الرسل يقتضى نفى وجود الخالق
        Last edited by الغزالى; 10-03-2006, 11:50 PM.
        لا اله الا الله , محمد رسول الله

        Comment

        • الغزالى
          عضو
          • Mar 2005
          • 56

          #49
          كنت نقلت فى هذا الحوار من قبل اثبات الشهيد الصدر لنبوة محمد و ادعو كل قارىء للحوار ان يقف عنده و يتأمله ففيه الكفاية لاولى الالباب
          كما ادعو كل باحث عن الحقيقة لقراءة كتاب " مصدر القرآن " للدكتور ابراهيم عوض و يجده فىموقعه :
          Last edited by الغزالى; 10-04-2006, 12:04 AM.
          لا اله الا الله , محمد رسول الله

          Comment

          • الغزالى
            عضو
            • Mar 2005
            • 56

            #50
            كتب العبد الفقير هنا عن اعجاز الشخصية المحمدية
            ( القضايا المتعلقة بالإسلام وتحدياته ووسائل نشره وتطبيقه والشبهات المثارة حوله )

            و لا يعنى ذلك انه ليس له معجزات اخرى , و ما يردده خصومه عن ان القرآن ينفى عنه المعجزات افتراء على القرآن لان في القرآن آيات دالة على صدور الآيات من النبي صلى الله عليه واله وسلم , و يكفى قوله تعالى : " إقتربت الساعة وانشق القمروإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر"
            ويدلنا على أن المراد من الآية هنا هي المعجزة : أنه عبر برؤية الآية ، ولو كان المراد هو آيات القرآن لكان الصحيح أن يعبر بالسماع دون الرؤية وأنه ضم إلى ذلك انشقاق القمر .
            و هنا تحقيق مهم للمفسر الطباطبائى ارجو تأمله :
            " شق القمر بيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة قبل الهجرة باقتراح من المشركين مما تسلمها المسلمون بلا ارتياب منهم. ويدل عليها من القرآن الكريم دلالة ظاهرة قوله تعالى: " اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر " القمر: 2، فالآية الثانية تأبى إلا أن يكون مدلول قوله: " وانشق القمر " آية واقعة قريبة من زمان النزول أعرض عنها المشركون كسائر الآيات التي أعرضوا عنها وقالوا: سحر مستمر. ويدل عليها من الحديث روايات مستفيضة متكاثرة
            فالكتاب والسنة يدلان عليها وانشقاق كرة من الكرات الجوية ممكن في نفسه لا دليل على استحالته العقلية
            . واعترض عليها بأن صدور الآية المعجزة منه صلى الله عليه وآله وسلم باقتراح من الناس ينافي قوله تعالى: " وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الاولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ومانرسل بالآيات إلا تخويفا " أسرى: 59 فإن مفاد الآية إما أنا لا نرسل بالآيات إلى هذه الامة لان الامم السابقة كذبوا بها وهؤلاء يماثلونهم في طباعهم فيكذبون بها، ولا فائدة في الارسال مع عدم ترتب أثر عليه أو المفاد أنا لا نرسل بها لانا أرسلنا إلى أوليهم فكذبوا بها فعذبوا وأهلكوا ولو أرسلنا إلى هؤلاء لكذبوا بها وعذبوا عذاب الاستئصال لكنا لا نريد أن نعاجلهم بالعذاب، وعلى أي حال لا يرسل بالآيات إلى هذه الامة كما كانت ترسل إلى الامم الدارجة. .

            والجواب عن هذا الاعتراض يحتاج إلى تقديم مقدمة هي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث رسولا إلى أهل الدنيا كافة بنبوة خاتمة كما يدل عليه قوله تعالى: " قل يا أيها الناس إني رسول الله اليكم جميعا " الاعراف: 158، وقوله و: " وأوحي إلي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ " الانعام: 19، وقوله: " ولكن رسول الله وخاتم النبيين " الاحزاب: 40 إلى غير ذلك من الآيات. وقد بدأ صلى الله عليه وآله وسلم وهو بمكة بدعوة قومه من أهل مكة وحواليها فقابلوه بما استطاعوا من الشقاق والايذاء والاستهزاء وهموا بإخراجه أو إثباته أو قتله حتى أمره ربه بالهجرة غير أنه آمن به وهو بمكة جمع كثير منهم وإن كانت عامتهم على الكفر والمؤمنون وإن كانوا قليلين بالنسبة إلى المشركين مضطهدين مفتنين لكنهم كانوا في أنفسهم جمعا ذا عدد كما يدل عليه قوله تعالى: " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة " النساء: 177. فقد استجازوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقاتلوا المشركين فلم يأذن الله لهم في ذلك على ما روي في سبب نزول الآية، وهذا يدل على أنهم كانوا ذوي عدة وعدة في الجملة ولم يزالوا يزيدون جمعا.

            ثم هاجر صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وبسط هنالك الدعوة ونشر الاسلام فيها وفي حواليها وفي القبائل وفي اليمن وسائر أقطار الجزيرة ما عدا مكة وحواليها ثم بسط الدعوة على غير الجزيرة فكاتب الملوك والعظماء من فارس والروم ومصر سنة ست من الهجرة ثم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة وقد أسلم ما بين الهجرة والفتح جمع من أهلها وحواليها. ثم ارتحل صلى الله عليه وآله وسلم وكان من انتشار الاسلام ما كان، ولم يزل الاسلام يزيد جمعا وينتشر صيتا إلى يومنا هذا وقد بلغوا خمس أهل الارض عددا.


            إذا تمهد هذا فنقول:
            كانت آية انشقاق القمر آية اقتراحية تستعقب العذاب لو كذبوا بها وقد كذبوا وقالوا: سحر مستمر وما كان الله ليهلك بها جميع من أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم أهل الارض جميعا لعدم تمام الحجة عليهم يومئذ وقد كان الانشقاق سنة خمس قبل الهجرة، وقد قال تعالى: " ليهلك من هلك عن بينة " الانفال: 42. وما كان الله ليهلك جميع أهل مكة وحواليها خاصة وبينهم جمع من المسلمين كما قال تعالى: " ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما " الفتح: 25.
            وما كان الله سبحانه لينجي المؤمنين ويهلك كفارهم وقد آمن جمع كثير منهم فيما بين سنة خمس قبل الهجرة وسنة ثمان بعد الهجرة عام فتح مكة ثم آمنت عامتهم يوم الفتح والاسلام كان يكتفي منهم بظاهر الشهادتين. ولم تكن عامة أهل مكة وحواليها أهل عناد وجحود وإنما كان أهل الجحود والعناد عظماؤهم وصناديدهم المستهزئين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم المعذبين للمؤمنين، المقترحين عليه بالآيات وهم الذين يقول تعالى فيهم: " إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " البقرة: 6، وقد أوعد الله هؤلاء الجاحدين المقترحين بتحريم الايمان والهلاك في مواضع من كلامه فلم يؤمنوا وأهلكهم الله يوم بدر وتمت كلمة الرب صدقا وعدلا.


            وأما التمسك لنفي إرسال الآيات مطلقا بقوله تعالى: " وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الاولون " فالآية لا تشمل قطعا الآيات المؤيدة للرسالة كالقرآن المؤيد لرسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذا الآيات النازلة لطفا كالخوارق الصادرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الاخبار بالمغيبات وشفاء المرضى بدعائه وغير ذلك. فلو كانت مطلقة فإنما تشمل الآيات الاقتراحية وتفيد أن الله سبحانه لم يرسل الآيات
            التي اقترحتها قريش - أولم يرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالآيات التي اقترحوها - لان الامم السابقة كذبوا بها وطباع هؤلاء المقترحين طباعهم يكذبون بها ولازمها نزول العذاب والله لا يريد أن يعذبهم عاجلا.

            وقد أوضح سبحانه سبب عدم معاجلتهم بالعذاب بقوله: " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون " الانفال: 33، واستبان بذلك أن المانع من عذابهم وجود الرسول فيهم كما يفيده أيضا قوله تعالى: " وإن كادوا ليستفزونك من الارض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا " أسرى 76. ثم قال تعالى: " وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون " الانفال: 35 والآيات نزلت عقيب غزوة بدر.

            والآيات تبين أنه لم يكن من قبلهم مانع من نزول العذاب غير وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهم فإذا زال المانع بخروجه من بينهم فليذوقوا العذاب وهو ما أصابهم في وقعة بدر من القتل الذريع. وبالجملة كان المانع من إرسال الآيات تكذيب الاولين ومماثلتهم لهم في خصيصة التكذيب ووجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهم المانع من معاجلة العذاب فإذا وجد مقتض للعذاب كالصد والمكاء والتصدية وزال أحد ركني المانع وهو كونه صلى الله عليه وآله وسلم فيهم فلا مانع من العذاب ولا مانع من نزول الآية وإرسالها ليحق عليهم القول فيعذبوا بسبب تكذيبهم لها وبسبب مقتضيات أخر كالصد ونحوه.

            فتحصل أن قوله تعالى: " وما منعنا أن نرسل بالآيات " الخ، إنما يفيد الامساك عن إرسال الآيات ما دام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهم وأما إرسالها وتأخير العذاب إلى خروجه من بينهم فلا دلالة فيه عليه وقد صرح سبحانه بأن وقعة بدر كانت آية وما أصابهم فيها كان عذابا، وكذا لو كان مفاد الآية هو الامتناع عن الارسال لكونه لغوا بسبب كونهم مجبولين على التكذيب فإن إرسالها مع تأخير العذاب والنكال إلى خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بينهم من الفائدة ليحق الله الحق ويبطل الباطل فلتكن آية انشقاق القمر من الآيات النازلة التي من فائدتها نزول العذاب عليهم بعد خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بينهم.
            . ومن الاعتراض على آية الانشقاق ما قيل: إن القمر لو انشق كما يقال لرآه جميع الناس ولضبطه أهل الارصاد في الشرق والغرب لكونه من أعجب الآيات السماوية ولم يعهد فيما بلغ الينا من التاريخ والكتب الباحثة عن الاوضاح السماوية له نظير والدواعي متوفرة على استماعه ونقله.
            وأجيب بما حاصله أن من الممكن أولا: أن يغفل عنه فلا دليل على كون كل حادث أرضي أو سماوي معلوما للناس محفوظا عندهم يرثه خلف عن سلف. وثانيا: أن الحجاز وما حولها من البلاد العربية وغيرها لم يكن بها مرصد للاوضاع السماوية، وإنما كان ما كان من المراصد بالهند والمغرب من الروم واليونان وغيرهما ولم يثبت وجود مرصد في هذا الوقت - وهو على ما في بعض الروايات أول الليلة الرابعة عشرة من ذي الحجة سنة خمس قبل الهجرة -. على أن بلاد الغرب التي كانوا معتنين بهذا الشأن بينها وبين مكة من اختلاف الافق ما يوجب فصلا زمانيا معتدا به وقد كان القمر - على ما في بعض الروايات - بدرا وانشق في حوالي غروب الشمس حين طلوعه ولم يبق على الانشقاق إلا زمانا يسيرا ثم التأم فيقع طلوعه على بلاد الغرب وهو ملتئم ثانيا"

            --------------------------

            و من الآيات التى يتكلم عنها خصوم الاسلام قوله تعالى :" وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا 90 أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا 91 أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً 92 أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً 93 وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً"
            و يقولون كيف يجيبهم الرسول بانه بشر بينما هم لم يطلبوا منه المعجزة بل طلبوها من الله
            و هى شبهة متهافتة لان الايات واضحة فى انهم طلبوا المعجزات من الرسول لا من الله فلم يقولوا لن نؤمن لك حتى تسأل ربك أن يفعل كذا وكذا بل قالوا: { لن نؤمن لك حتى تفجر } الخ
            فقد كانوا يعتقدون ان الرسول يجب ان يكون قادرا بنفسه على صنع المعجزات , لانهم كانوا يرفضون اصلا فكرة ان يكون الرسول بشرا كما حكى عنهم القرآن : " لو شاء ربنا لانزل ملائكة فإنا بما ارسلتم به كافرون " , " وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جائهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا "
            و الامور التى طلبوها من الرسول صلى الله عليه و سلم ثلاثة منها مستحيلة الوقوع ، وثلاثة منها غير مستحيلة ، ولكنها لا تدل على صدق المدعي للنبوة
            فالثلاثة المستحيلة : أولها : سقوط السماء عليهم كسفا . فان هذا يلازم خراب الارض ، وهلاك أهلها ، وهو إنما يكون في آخر الدنيا . وقد أخبرهم النبي - ص - بذلك ، ويدل عليه قولهم : " كما زعمت " وقد ذكر هذا في مواضع عديدة من القرآن الكريم .
            منها قوله تعالى : " إذا السماء انشقت "
            "إذا السماء انفطرت "
            "إن نشأ نخسف بهم الارض أو نسقط عليهم كسفا من السماء " .
            وإنما كان ذلك مستحيلا ، لان وقوعه قبل وقته خلاف ما تقتضيه الحكمة
            الالهية من بقاء الخلق ، وإرشادهم إلى كمالهم . ويستحيل على الحكيم أن يجري في أعماله على خلاف ما تقتضيه حكمته .

            ثانيها : أن يأتي بالله بأن يقابلوه ، وينظروا إليه . وذلك ممتنع لان الله لا تدركه الابصار ، وإلا لكان محدودا في جهة ، وكان له لون وله صورة . وجميع ذلك مستحيل عليه تعالى .

            ثالثها : تنزيل كتاب من الله . ووجه استحالة ذلك أنهم أرادوا تنزيل كتاب كتبه الله بيده ، لا مجرد تنزيل كتاب ما ، وإن كان تنزيله بطريق الخلق والايجاد ، لانهم لو أرادوا تنزيل كتاب من الله بأي طريق اتفق لم يكن وجه معقول لطلبهم إنزاله من
            السماء ، وكان في الكتاب الارضي ما في الكتاب السماوي من الفائدة والغرض ، ولا شك ان هذا الذي طلبوه مستحيل لانه يستلزم أن يكون الله جسما ذا جارحة . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
            وأما الامور الثلاثة الاخرى فهي وإن كانت غير مستحيلة ، لكنها لا تدل على صدق دعوى النبوة . فإن فجر الينبوع من الارض ، أو كون النبي - ص - مالكا لجنة من نخيل وعنب مفجرة الانهار . أو كونه يملك بيتا من زخرف ، امور لا ترتبط بدعوى النبوة ، وكثيرا ما يتحقق أحدها لبعض الناس ثم لا يكون نبيا .

            بل فيهم من يتحقق له جميع هذه الامور الثلاثة ، ثم لا يحتمل فيه أن يكون مؤمنا ، فضلا عن أن يكون نبيا ، وإذا لم ترتبط هذه الامور بدعوى النبوة ، ولم تدل على صدقها كان الاتيان بها في مقام الاحتجاج عبثا ، لا يصدر من نبي حكيم
            Last edited by الغزالى; 10-03-2006, 11:31 PM.
            لا اله الا الله , محمد رسول الله

            Comment

            • الغزالى
              عضو
              • Mar 2005
              • 56

              #51
              لقد ورد فى هذا الحوار بعض شبهات سطحية حول اعجاز القرآن البلاغى , كشبهة الالفاظ الاعجمية و قد رد عليها الاخ حاتم بما يكفى , و يقول الدكتور ابراهيم عوض :
              " سوف افترض ان هذه الالفاظ هى فعلا اعجمية فهل هذا يخرج القران عن عروبته ؟ ابدا , لانه ما من لغة من اللغات الا و فيها الفاظ كثيرة جدا من اللغات الاخرى , بل ان اللغة العالمية الاولى فى عصرنا و هى الانجليزية مفعمة بآلاف الالفاظ و العبارات الماخوذة بنصها من الللاتينية و الفرنسية و العربية و الالمانية و اليونانية , و فى الاسبانية ايضا عدد هائل جدا من الكلمات العربية و لا يقدح ذلك فى اسبانيتها ..
              و هذا على افتراض ان هذه الالفاظ كلها فعلا اعجمية و لقد اثبت فى كتابى " دائرة المعارف الاسلامية الاستشراقية – اضاليل و اباطيل " ان معظم ما يقوله المستشرقون و المبشرون ان العربية استعارت من اللغات السامية الاخرى هو زعم باطل , كما ان احد تلامذتى الذين درسوا معى .. انتهى بحثه الى ان الاغلبية الساحقة من الالفاظ القرآنية المقول باعجميتها هى الفاظ عربية اصيلة " عصمة القران الكريم /87-88
              اما شبهة التكرار فهى شبهة سطحية ايضا و الواقع ان رد الاخ الكريم حاتم عليها فيه الكفاية لمن تأمله , و من تدبر القرآن لن يجد تكرارا و انما يعيد القرآن قصة لغرض ثان ولمقصد آخر
              مثلا يقول تعالى : "وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ" البقرة : 58
              و يقول سبحانه : "وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ" الاعراف : 161
              الإعادة للقصة كانت لغرض ثان ولمقصد آخر غيره في تلك القصة ففي القصة الأولى هي جزء من قصة الخروج بصيغة المعاناة وجدلية بني إسرائيل وعدم اعتنائهم بالنعمة والثانية تتعلق بعلاقة بني إسرائيل بالإسلام فهي تذكرهم أن هذا هو الرسول الذي بشركم به الله والذي انعم عليكم سابقا بالمن والسلوى والذي أوجد لكم طريقة للخلاص من الذنوب بباب حطة.

              فهذان غرضان يجعلان القصة غير مكررة في واقعها من ناحية نفسية وموضوعية
              فكل هذه الشبهات سطحية و لا قيمة لها عند التحقيق , و تبقى حقيقة اعجاز القران البيانى ساطعة , فالقرآن العظيم معجزة لغوية , و لا يصح ان نحصر اعجازه فى الجانب اللغوى , لكن لا يصح ايضا التقليل من اهمية الاعجاز اللغوى , فاللغة هى الفكر
              و اعجاز القرآن اللغوى يتجلى فى انه قد جمع بين اربع خصائص يستحيل ان يجمع بينها بشر , و هى تضفي على القرآن ـ مجتمعة ـ إعجازه وتفوّقه، وهي:

              1 ـ فصاحةُ ألفاضه وجمالُ عباراته.

              2 ـ بلاغةُ معانيه وسموُّها.

              3 ـ روعة نظمه . ويراد منه: ترابط كلماته وجُمَله، وتناسق آياته، وتآخي مضامينه، حتى كأنّها بناء واحد، متلاصق الأجزاء، متناسب الأشكال، لا تجد فيه صَدْعاً ولا انشقاقاً.

              4 ـ بداعة أُسلوبه الّذي ليس له مثيل في كلام العرب، فإنّ لكل من الشعر والنثر بأقسامه، أسلوباً وسبكاً خاصاً، والقرآن على أُسلوب لا يماثل واحداً من الأساليب الكلامية والمناهج الشعرية.


              و كل من يحاول معارضة القرآن العظيم لا يسعه الا احد امرين : اما ان يحاول تقليد الاسلوب القرانى المعهود – كما فعل بعضهم – لكنه سيعجز عن جعل كلامه فى غاية الفصاحة و البلاغة , كما هو واضح فى المعارضات الركيكة التى كتبها البعض فهى قد حاكت الاسلوب القرآنى لكن افتقدت للفصاحة و البلاغة
              و اما ان يجعل كلاما فى غاية الفصاحة و البلاغة , لكنه سيعجز عن صياغته بالاسلوب القرآنى المعهود
              و هذا بحث قيم فى اثبات اعجاز القرآن بقلم الشيخ جعفر السبحانى :
              Last edited by الغزالى; 10-03-2006, 11:38 PM.
              لا اله الا الله , محمد رسول الله

              Comment

              • الغزالى
                عضو
                • Mar 2005
                • 56

                #52
                دعائم اعجاز القرآن :

                1- الفَصَاحَةُ: جمال اللفظ وأناقَة الظاهر

                اعتمد علماء المعاني والبيان في تعريف فن الفصاحة على أمور، وقد عرفت في المقدمة السابقة ـ نصوصهم على تلك الأمور.
                لكن المهم في الفصاحة، كون الكلمة عذبة مألوفة الإستعمال، جامعة لنعوت الجودة وصفات الجمال، كما أنّ المهم في فصاحة الكلام تلاؤم الكلمات في الجمل، فإنّ التلاؤم يوجب حسن الكلام في السمع، وسهولته في اللفظ، وتقبل النفس معناه بوجه مطبوع، لما يرد عليها المعنى بصورة حسنة ودلالة واضحة.
                وأمّا غير العذوبة والتلاؤم من الشرائط فهو في الدرجة الثانية من تحقيق معنى الفصاحة، وقد عرفت عدم اعتبار البعض ـ كمخالفة القياس في فصاحة المفرد، وضعف التأليف بمعنى كونه على خلاف القانون النحوي المشتهر ـ في الفصاحة القرآنية، لأنّ القرآن هو المقياس لهما.
                والذوق السليم هو العُمْدَة في معرفة حسن الكلمات وسلاستها وتمييز مافيها من وجوه البشاعة ومظاهر الإستكراه. لأنّ الألفاظ أصوات، فالذي يطرب لصوت البلبل، وينفر من أصوات البوم والغربان، ينبو سمعه عن الكلمة إذا كانت غريبة متنافرة الحروف. ألاترى أنّ كلمتي «المُزنة»، و«الديمة» للسحابة الممطرة، كلتاهما سهلة عذبة، يسكن إليهما السمع بخلاف كلمة «البعاق» الّتي في معناهما، فإنّها قبيحة، تصكّ الاذان. وأمثال ذلك كثير في مفردات اللغة،
                تستطيع أن تدركه بذوقك. وهذا نظير الخط الحسن، فإنّه يوجب إقبال الناس على قراءته، وإمعان النظر في معناه، بخلاف ما إذا كتب نفس ذلك الكتاب بخط رديء غير واضح.
                يقول الإمام يحيى بن حمزة العلوي. «إنّ الفصاحة راجعة إلى الألفاظ، والبلاغة راجعة إلى المعاني». ويشرحه في مكان آخر بقوله: «إنّ المزايا الراجعة إلى الألفاظ، تارة ترجع إلى مفردات الحروف، وأُخرى إلى تأليفها من تلك الحروف، وثالثة إلى مفردات الألفاظ، ومرة إلى مركباتها. فهذه أوجه أربعة لا بدّ من اعتبارها في كون اللفظ فصيحاً
                ولأجل أنّ لتلاؤم الحروف والكلمات دوراً عظيماً في الفصاحة، نركّز في هذا البحث، على الخلو من تنافر الكلمة والكلمات، بأن لا تكون نفس الكلمة ثقيلة على السمع، كما لا يكون اتّصال بعضها ببعض ممّا يسبب ثقلها على السمع وصعوبة أدائها باللسان. وبما أنّ مخارج الحروف مختلفة، فمنها ما هو من أقصى الحلق، ومنها ما هو من أدنى الفم، ومنها ما هو بين ذلك، فلا بدّ في حصول التلاؤم من مراعاة تلك الصفات، بأن لا يكون بين الحروف بُعْدٌ شديد، أو قُرْبٌ شديد فعندها تظهر الكلمة أو الكلام سهلاً على اللسان، وحسناً في الأسماع، ومقبولاً في الطباع. وهذا إن لم يكن ملاكاً كليّاً لتمييز المتلائم عن المتنافر، إلاّ أنّه ميزان غالبي، فلاحظ البيتين التاليين ترى الكلام في أحدهما في نهاية التنافر، وفي الأخر في كمال التلاؤم.
                قال الشاعر:
                وَقَبْرُ حَرْب بمكانِ قَفْرُ * وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْب قَبْرُ
                فقيل، إنّ هذا البيت يعسر لأحد أن ينشده ثلاث مرات متواليات دون أن يتتعتع، لأنّ اجتماع كلماته، وقرب مخارج حروفها يحدثان ثقلاً ظاهراً، وإن كانت كلُّ واحدة منها غير مستكرهة ولا ثقيلة.
                وقال شاعر آخر:
                رَمَتْني وسِتْرُ الله بيني وبينّها * عشيةَ آرامِ الكِناس رَميمُ(1).
                ولأجل دخالة عذوبة الكلمة وتلاؤم الكلمات في تحقق الفصاحة، أدرك صيارفة الكلام، ومشاهير الفصحاء في عصر النبي ما عَبّر عنه الوليد بن المُغيرة بقوله: «إنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة».
                يقول الإمام يحيى بن حمزة في شأن تركيب مفردات الألفاظ العربية، الّذي له دور كبير في فصاحة الكلام: «ولا بُدَّ فيه من مراعاة أمرين:
                أمّا أولاً: فأن تكون كلّ كلمة منظومة مع ما يشاكلها ويماثلها، كما يكون في نظام العقد، فإنّه إنّما يحسن إذا كان كل خرزة مؤتلفة مع ما يكون مشاكلاً لها. لأنّه إذا حصل على هذه الهيئة كان له وقع في النفوس وحسنُ منظر في رأي العين.
                وأمّا ثانياً: فإذا كانت مؤتلفة، فلا بدّ أن يقصد ما وضع لها بعد إحراز تركيبها.
                والمثال الكاشف عمّا ذكرناه، العقد المنظوم من اللئالي ونفائس الأحجار، فإنّه لا يحسن إلاّ إذا أُلّف تأليفاً بديعاً، بحيث يجعل كل شيء من تلك الأحجار مع ما يلائمه. ثم إذا حصل ذلك التركيب على الوجه الّذي ذكرناه، فلا بدّ من مطابقته لما وضع له، بأن يجعل الإكليل على الرأس، والطَوْق في العنق، والشنف في الأُذن، ولو ألّف غير ذلك التأليف، فلم يجعل كل شيء في موضعه، بَطَلَ ذلك الحُسن. وزال ذلك الرونق»).


                مثلاً: قوله سبحانه: (وَ مِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ).
                إنّ لهذه الآية تمّيزاً ذاتياً عن كلام البشر، لا يتمارى فيه منصف، ولا يشتبه على من له ذوق في معرفة فصاحة الكلام. وذلك التميز رهن فصاحة أبنيتها،
                وعذوبة تركيب أحرفها، وكونها مجانبة للوحشي الغريب، وبعدها عن الركيك المسترذل، مضافاً إلى سلاسة صيغها.
                فإنّه سبحانه قال: (الجَوَار)، ولم يقل: «الفُلْك»، لما في الجَرْي من الإشارة إلى باهر القُدرة حيث أجراها بالريح، وهي أرق الأشياء وألطفها، فحرّك ما هو أثقل الأمور، وأعظمها في الجرم. (والفُلْك، وإن كان مثل الجوار في العذوبة، لكنه يفقد النكتة الّتي يشملها الآخر).
                وقال سبحانه (في البحر)، ولم يقل: «في الطمطام». ولا: «في العُباب». والكل من أسماء البحر، لأنّ البحر أسهل وأسلس، وبالتالي أعذب وأجمل.
                وقال سبحانه: (كالأعلام)، ولم يقل: «كالروابي»، ولا: «كالاكام»، إيثاراً للأخف الملتذ به، وعدولاً عن الوحشي المشترك(1).



                من عجائب القرآن أنّه يعمد إلى ألفاظ ذات تركيب يغلب عليه الثقل والخشونة، فيجمعها في معرض واحد، ثم ينظم منها آياته، فإذا هي وضيئة مشرقة، متعانقة متناسقة. ومن نماذج ذلك، قوله سبحانه:
                (قَالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ)(2).
                إسمعها، هل تجد نَْبَرةً تخدش أذنك؟. واقرأها، فهل تجد لفظاً يتعسر على شفتيك، أو يضطرب في لسانك، فيا لها من سلاسة وعذوبة واتّساق، مع أنّ فيها كلمات ثقيلة بمفردها ثقلاً واضحاً في الأذن وعلى اللسان، أعني قوله: «تالله... تفتؤا... حَرَضاً». ولكنها حين اجتمعت في نظم قرآني، خفّ ثقيلها، ولان يابسها. وسلس جامحها، وانقاد وذلّ نافرها، فإذا هي عرائس مجلوة، تختال في روض نضير. فهذه ثلاث كلمات من أثقل الكلام، قد انتظمت
                مع خمس كلمات أخرى، فكان من ثمانيتها عقد نظيم يقطر ملاحة وحسناً.



                وأيضاً، من بدائع القرآن وغرائبه، أنّه يكرر الحرف الثقيل في آية واحدة، ولكنه يلطفه بحروف خفيفة بنحو يعلو مجموعه العذوبة والخفة، مكان الثقل والخشونة، ومن هذا النوع قوله سبحانه: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَم مِنَّا وَ بَرَكَات عَلَيْكَ وَ عَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَكَ وَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ)(1).
                فقد جمعت هذه الآية ثمانية عشر ميماً، منثورة بين كلماتها، حتى كأنّ الآية مشكلة كلّها من ميمات، كماترى في «أمم ممن معك... وأمم سنمتعهم»، ومع هذا فإنّك إذ ترتل الآية الكريمة على الوجه الّذي يُرَتَّل به القرآن، لاتحسّ أنّ هنا حرفاً ثقيلاً قد تكرر تكراراً غير مألوف، بل تجد الآية قد توازنت كلماتها وتناغمت مقاطعها في أعدل صورة وأكملها فلا تنافر بين حرف وحرف، ولا تباغض بين كلمة وكلمة.
                ونظير هذا قوله سبحانه: (قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(2).
                ففي الآية عشر ميمات، قد جاءت في مطلعها، ولكنها مع ذلك كأنّها ميم واحدة، ولو أنّ حرفاً آخر دخل في نظم الآية لما انبعث منها هذا الصوت القوي المجلجل، الّذي يقتضيه المقام هنا، ولتفككت أوصال النظم وتخاذلت قواه.
                وهكذا، إنّ القاف من أثقل الحروف نطقاً، تستنفر طاقة الحلق واللسان ليشتركا في حملها وإخراجها مخرج الأصوات. ومع هذا الثقل، فقد جاءت في بعض الآيات مكررة بصورة مأنوسة لا يلتفت قارئها إلى التكرار، ولا يجد فيها الجهد والعناء.
                قال سبحانه: (وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)(1).
                فقد جاء فيها أحد عشر قافاً، لو نثرت هذه القافات في كلام أبسط من هذا، لظهر عليه الثقل، ولكنها جاءت في هذه الآية من غير أن تحدث قلقاً واضطراباً. وإنّما حصل هذا، لكثرة الباءات واللامات في الآية، فإنّ الباء مخرجها الشفة، فهي أخفّ الحروف، وتليها اللام في الخفة، فإنّ مخرجها اللسان. وقد بلغت عدّة الباء أحد عشر، واللام خمس عشر، فأوجب كثرة دوران هذين الحرفين، تلطيفاً في الثقل الّذي توجبه القاف في كيان الآية.
                ومثل ذلك، قوله سبحانه: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَ قَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ وَ نَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقَ)(2).
                فقد اجتمعت فيها عشر قافات، وتكررت فيها اللام أحد عشر مرة، فكسرت حدّة الثقل في القاف، فترى ماءَ الحُسْن يترقرق على محياها، والملاحة تقطر من جبينها.


                هذه هي الدعامة الأولى للإعجاز، وليست هي سبباً تامّاً له. ولأجل ذلك ربما يوجد في كلام البشر ما هو مشتمل على هذه الدعامة بصورة رفيعة، مع أنّه ليس بكلام معجز، لإمكان مقابلته والإتيان بمثله، لمن تبحّر في تلك الصنعة، ولأجل ذلك تعلو عليه سيماء الصنع البشري، وما ذلك إلاّ لأنّ الإعجاز البياني يبتني على الدعائم الأربع مجتمعة، وليس ذاك الكلام مستجمعاً لها ليكون معجزاً فإنّه يفقد الأسلوب القرآني، أعني الأسلوب الّذي لا يشبه أُسلوب المحاورة ولا أسلوب الخطابة ولا الشعر، كما سيوافيك شرحه
                ان أفصح كلام الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ الّذي أصفقت جهابذة الأدب على أنّه فارس ميدان البيان، وبطل حلبته ـ قوله في وصف الإنسان:
                «أمْ هذا الّذي أنشأه في ظُلُماتِ الأَرحام، وشُغُف الأَستار، نُطْفَةً دهاقاً، وعَلَقَةً محاقاً، وجنيناً، وراضعاً، ووليداً، ويافعاً. ثم منحه قلباً حافظاً، ولساناً لافظاً، وبصراً لاحظاً، لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً، ويُقَصِّرَ مُزدجراً. حتى إذا قام اعتدالُه، واستوى مثالُه، نَفَرَ مُسْتكبراً، وخَبَطَ سادِراً، ماتحاً في غَرْبِ هواه، كادحاً سعياً لدُنياه، في لذات طَرَبِه، وبَذواتِ أَرَبِه»(1).
                فإنّ هذه القطعة من خطبه ـ عليه السَّلام ـ سبيكة مرصّعة بيواقت الكلم، ومعالي معاني الحكم، معدودة من مدهشات كلامه، وقد توفرت فيها جوامع وجوه الحسن. ومع ذلك، فأين هي من الكلام الإلهي المعجز، الّذي إذا جعلته إلى جنب هذا الكلام، ظهر بكل وضوح أنّه ليس من كلام البشر.
                لاحظ قوله تعالى: (وَ اللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الأَبْصَارَ وَ الأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(2).
                أو قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة مُخَلَّقَة وَ غَيْرِ مُخَلَّقَة لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَل مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْم شَيْئًا وَ تَرى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْج بَهِيج * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(3).
                هذا فيما يرجع إلى الدعامة الأولى لإعجاز القرآن.
                Last edited by الغزالى; 10-03-2006, 11:44 PM.
                لا اله الا الله , محمد رسول الله

                Comment

                • الغزالى
                  عضو
                  • Mar 2005
                  • 56

                  #53
                  2- البلاغة: جمال العرض وسمو المعنى

                  قد وقفت، في التعريف الفنيّ للبلاغة على أنّها عبارة عن خروج الكلام مطابقاً لمقتضى الحال. فلو كان المقام مقتضياً للتأكيد أو الإطلاق، وذكر المسند والمسند إليه أو حذفهما، والإيجاز أو الإطناب، وغير ذلك، جاء الكلام مطابقاً له. وقد أسهب علماء المعاني في تبيين مقتضيات الأحوال، على وجه لم يدعو لقائل مقالاً.
                  وقد اهتمّ بعض من كتب في الإعجاز، بأمر البلاغة أزيد من غيرها. حتى أنّ الخطابي قال: «وذهب الأكثرون من علماء النظر إلى أنّ وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة، ولكن صعب عليهم تفصيلها»(1).
                  غير أنّا ركّزنا على أنّ البلاغة بهذا المعنى، ترجع إلى عرض المقصود بشكل مطلوب، ومفيد في تحقق غرض المتكلم، ولكنه لا يكفي في توصيف الكلام بالبلاغة ما لم يضم إليه قيد آخر، وهو كون المعنى سامياً ورفيعاً، وقابلاً للذكر والإفادة، وإلاّ فالمعاني المبتذلة، وإن أُلبست أجمل الحُلي، وعرضت بشكل يقتضيه الداعي إلى التكلم، لا توصف بالبلاغة، وعلى فرض صحة التوصيف، لا يكون مثل ذلك الكلام أساساً للإعجاز، ولا دعامة له. ولأجل ذلك قلنا إنّ
                  التعريف الصحيح للبلاغة هو عبارة عن تأدية المعنى الجليل بعبارة صحيحة فصيحة، مع ملائمة كل كلام للموطن الّذي يقال فيه.
                  وعلى ضوء ذلك، فالكلام الساقط عن الإعتبار من حيث المضمون، لا يتّصف بالبلاغة، مثل ما حكي عن مسيلمة الكذّاب حيث أقسم بالطاحنات، وقال «والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً». فأين هذه المفاهيم الساقطة السوقية الركيكة الفاقدة لأيّةِ قيمة، من المعاني العالية السامية الواردة في قوله سبحانه: (وَ الْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً)(1).
                  فاللازم في البحث عن فصاحة القرآن، التركيز على أمرين:
                  1 ـ مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
                  2 ـ سمو المعاني وعلو المضامين


                  الأمر الأول ـ مطابقة الكلام لمقتضى الحالإنّ استقصاء جميع الأحوال الّتي يقع الكلام مطابقاً لها، راجع إلى علم المعاني، من علمي الفصاحة والبلاغة فذكروا مقتضيات الأحوال في أبواب الإسناد الخبري، والمسند إليه، والمسند، ومتعلقات الفعل، والإنشاء، والفصل والوصل، والإيجاز، والإطناب والمساواة، فذكروا الأحوال الطارئة على الكلام ومقتضياتها، من ذكر المسند إليه وحذفه، وتنكيره، وتقديمه وتأخيره، وتوصيفه وتأكيده، إلى غير ذلك من الأحوال الطارئة على المسند إليه، وبشكل على المسند، ولكل مقام. كما أنّ لكل من الإيجاز والإطناب والمساواة مقام.
                  ثم إنّ دراسة القرآن من حيث كونه مطابقاً للأحوال المقتضية، يحتاج إلى
                  تفسير حافل، يفسّر القرآن من هذا الجانب، ولعلّ «الكشاف» أحسن ما كتب في هذا الموضوع، فقد ذكر الزمخشري فيه، النكات البلاغية، في تفسير الآيات، وبذلك أثبت للقرآن إعجازاً بيانياً خاصاً، وأنّ كل آية بل كلّ كلمة واردة موردها.
                  ولما كانت الإحالة على مثل هذا الكتاب وغيره، عن المحذور غير خالية، نأتي بنماذج تثبت بلاغة القرآن، وورود آياته وفق مقتضى الحال، ونختار لذلك سورتين قصيرتين، من السور المكية، النازلة في أوائل البعثة.

                  1 ـ بلاغة سورة الكوثر

                  روى المفسرون أنّ العاص بن وائل السهمي رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يخرج من المسجد، فالتقيا عند باب بني سهم، وتحدّثا، وأُناس من صناديد قريش جلوس في المسجد، فقالوا: من الّذي كنت تتحدث معه. قال: ذلك الأبتر، وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله بن رسول الله وهو من خديجة، وكانوا يسمون من ليس له ابن أبتر، فسمته قريش عند موت ابنه أبتر، ومبتوراً(1)، فأنزل الله سبحانه هذه الآيات:
                  (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ)(2).
                  قال الزمخشري، في رسالته حول إعجاز سورة الكوثر: «أُنظر، كيف نُظمت النظم الأَنيق، ورُتِّبت الترتيب الرشيق، حيث قدّم منها ما يدفع الدعوى ويرفعها، وما يقطع الشبهة ويقلعها (إنّا أعطيناك الكوثر)، ثم لِما يَجبُ أَنّ يكون عنه مسبَّباً وعليه مترتباً (فصل لربك وانحر)، ثم ما هو تتمة الغرض من وقوع
                  العدو في مُغَوّاتِه(1) الّتي حفر، وصَلْيه بحرف ناره الّتي سَعَر (إنّ شانئك هو الأبتر)».
                  وإليك بيان نكات آياته الثلاث:
                  (إِنّا).
                  تأَمَّل كيف من أُسند إليه إسداء هذه العطية والموهبة السنية (الكوثر)، هو ملك السموات والأرض، ومالك البسط والقبض. فدلّ بذلك على عظمة المعطي والمُعْطَى، المعلوم أنّه إذا كان المعطي كبيراً، كان العطاء كثيراً.
                  وجمع ضمير المتكلم، فأعلم بذلك عظم الربوبية.
                  (أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ).
                  استعمل لفظ الماضي مكان المستقبل، مع أنّ الكوثر كما يتناول عطاء العاجلة، يتناول عطاء الآجلة، وذلك لأنّ المُتوقَّع من سيب الكريم، تحققه على وجه القطع والبت.
                  وجاء بالكوثر محذوف الموصوف، لأنّ المثبت ليس فيه ما في المحذوف من فرط الإبهام والشياع.
                  واختار الصفة المؤذنة بإفراط الكثرة، المُبِينة عن المعطيات الوافرة، وصدّرها باللام لتكون كاملة في إعطاء معنى الكثرة.
                  والمراد من الكوثر، أولاده حسماً للشبهة، وقطعاً لدعوى الخصم.
                  (فَصَلّ).
                  عَقَّب إبهامه الكوثر، بالفاء، ليكون دليلاً لمعنى التسبيب، فالعطاء الأكثر، يستلزم الشكر الأوفر.
                  (لِرَبِّكَ).
                  وقصد بذلك، التعريفَ بدين «العاصي» وأشباهه، ممّن كانت عبادته ونحره لغير إلهه، وبالتالي لتثبيت قدمي رسول الله على صراطه المستقيم وإخلاصه العبادة لوجهه الكريم.
                  وقال: «لربك» ولم يقل «لنا»، فصرف الكلام عن لفظ المضمر إلى لفظ المظهر، إظهاراً لكبرياء شأنه، وإنافةً لعزّ سلطانه. ومنه أخذ الخلفاء قولهم: يأمرك أمير المؤمنين بالسمع والطاعة، وينهاك أمير المؤمنين عن مخالفة الجماعة.
                  وعلّم، بالأمر بالصلاة للرب، أنّ مِنْ حَقِّ العبادة أن يَخُصَّ بها العبادُ ربَّهم ومالكهم، ومن يتولى معايشهم ومهالكهم. وعرّض بخطأ من سفّه نفسه، ونقض لبّه، وعبد مربوباً، وترك عبادة ربّه.
                  (وانْحَرْ).
                  أشار بالأمر بالنحر، بعد الأمر بالصلاة، إلى قسمين من العبادات، فالقسم الأول عمل بدني، والصلاة إمامها. والثاني عمل مالي، ونحر البدن سنامُها.
                  ونبّه على ما لرسول الله من الإختصاص بالصلاة الّتي جعلت لعينه قُرّة، وبنحر البدن الّتي كانت همته متطاولة إليها.
                  قال: «وانحر»، ولم يقل «وانحر له»، رعايةً لفواصل الآيات، وهو أمر مطلوب إذا سيق المتكلم، إليه، بلا تكلّف.
                  (إنّ شانِئَكَ).
                  عنى بالشانئ: «السهمي». وإنمّا ذكره بوصفه لاباسمه، ليتناول كلّ من كان مثل حاله. وأعرب بذلك عن أنّ عدوه لم يقصد بوصفه بالأبتر، الإفصاح بالحق، ولم ينطق إلاّ عن الشنآن الّذي هو توأم البغي والحسد، وعن البغضاء الّتي هي نتيجة الغيظ، فبذلك وسمه بما ينبئ عن المقت الأشدّ، ويدلّ على حنق الخصم الألدّ.
                  (هُوَ).
                  أقحم الفصل لبيان أنّه المُعَيَّن لهذه النقيصة (الأبتر)، وأنّه المُشَخَّص لهذه الغميصة(1).
                  (الأَبْتَر).
                  عرّف الخبر، ليتمّ له البتر.
                  فسبحان من أعجز فصحاء العرب والعجم، عن الإتيان بمثل هذه السورة على وجازة ألفاظها، مع تحدّيه إيّاهم بذلك، وحرصهم على بطلان أمره، منذ بعث النبي إلى يومنا هذا.
                  وسبحان من لو أَنزل هذه الواحدة وحدها، ولم ينزل ما قبلها وما بعدها، لكفى بها آية تغمر الأذعان. ومعجزة توجب الإذهان، فكيف بما أنزل من السبع الطوال(2).

                  -------

                  2 ـ بلاغة سورة «والضحى»
                  جرت حكمته سبحانه على نزول الوحي تدريجياً، لحكمة صرّح بها سبحانه في قوله: (وَ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً)(3).
                  ولأجل وقوع الفترة بين نزول الوحي، عابه المشركون على النبي الأكرم، فقالوا: إنّ محمداً قد ودعه ربُّه وَقَلاه، ولو كان أمره من الله لتتابع عليه، فنزلت السورة التاليةوَ الضُّحَى * وَ اللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مَا قَلَى * وَ لَلآخِرَةُ
                  خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيًما فَآوَى * وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَ وَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ * وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ * وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)(1).
                  إنّ في هذه السورة من أنواع البلاغة ما يَبْهَرُ العقول، وفي الدراسة التالية نشير إلى بعض منها.
                  (وَ الضُّحَى * وَ اللَّيْلِ إِذَا سَجَى).
                  الواو في الموضعين للقسم. والضحى، والليل حال السجي، هو المقسم به. وقوله سبحانه فيما يأتي: (مَا وَدَّعَكَ) هو المقسم له، بمعنى جواب القسم.
                  وقد ورد في القرآن الكريم، ثمان وثلاثون قَسَماً، أفردها إبن القيم بالتصنيف في كتاب أسماه «التبيان في أسماء القرآن». وقد وقع القَسَم فيها على أشياء مختلفة كالملائكة والنبي الأكرم والقرآن والقيامة، والنفس الإنسانية، والقلم، والكتاب والشمس، وضوئها، والليل وغير ذلك. واهتمّ المفسرّون ببيان سرّ القسم بهذه الأُمور، ولكنهم غفلوا عن مهمة أُخرى في هذه الأقسام، وهي المناسبة بين المقسم به والمُقْسَم له، أي بيان الصلة بين الشيء الّذي وقع الحلف عليه، كالنَّهار والليل، وما رتب عليه من الجواب. وهذا من الأُمور المهمة الّتي إذا كشفها المُفَسر، لأدرك أنّ تخصيص شيء معين بالقَسَم في هذا المجال دون غيره، ليس إلاّ لرابطة بينه وبين جوابه، وليس هو أمراً إعتباطياً فاقداً للمناسبة. وإليك البيان في المقام.
                  إنّ المُقْسَم به في آيتي «والضحى»، صورة مادية، وواقع حسيّ يشهد به الناس تألّق الضوء في صحوة النهار، ثم يشهدون من بعده فتور الليل إذا سجى وَسَكَن، يشهدون الحالين معاً في اليوم الواحد دون أن يختل نظام الكون أو يكون في توارد الحالين عليه ما يبعث على إنكار. بل دون أن يخطر على بال أحد، أنّ
                  السماء قد تخلّت عن الأرض، وأسلمتها إلى الظلمة، والوحشة بعد تألّق الضوء في ضحى النهار.
                  فإذا كان هذا حال الفيض المحسوس، الّذي به حياة البشر، فهكذا حال الفيض المعنوي، فينزل الوحي ويغرق المجتمع في بهاء نوره، ثم يسكن، فلا عجب في أن يجي ـ بعد أُنس الوحي، وتَجَلّي نوره على النبي الأكرم ـ فترة سكون يفتر فيها الوحي على نحو ما نشهد من الليل الساجي، يوافي بعد الضحى المتألق.
                  فإذن، القَسَم بالضحى، وباليل إذا سجى، بيان لصورة حسيّة، وواقع مشهود، يمهّد لموقف مماثل لكن غير حسّي ولا مشهود، وهو فتور الوحي بعد إشراقه وتجلّيه.
                  فعند ذلك، يتجلّى تخصيصهما بالقسم دون غيرهما ممّا ورد في القرآن من الأمور المقسم بها. كما يتّضح أنّ نزول الوحي تدريجاً، ليس دليلاً على أنّه سبحانه ترك نَبِيَّه أو قَلاه. وذلك لأنّ فتور الوحي، كنزول الليل بعد الضحى، فكما هو ليس دليلاً على تخلّي السماء عن الأرض، وتسليمها إلى الظلمة، فهكذا نزول الوحي نجوماً، ليس دليلاً على أنّه سبحانه تخلّى عن رسوله، وتركه بين أعدائه أو قلاه.
                  وبذلك يظهر إتّقان جواب القسم أعني قوله سبحانه:
                  (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مَا قَلَى).
                  ومن لطائف ما ورد في الجواب هو أنّه حذف المفعول من قوله: (وما قلى)، ولم يقل: «قَلاَكَ». وليس ذلك رعاية للفاصلة، لأنّه عَدَلَ عن رعايتها في آخر سورة الضحى، حيث قال: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ * وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ * وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)إذ ليس في السورة، حرف الثاء على الإطلاق، وكان بوسعه أن يقول مكان حَدِّث، فَخَبِّر، لتتفق الفواصل على مذهب أصحاب الصنعة. فهذا دليل على أنْ الحذف لوجه آخر، كما أنّ العناية بذكر بلفظة «حدّث»، مكان «خَبَر»، لنكتة موجودة في الأولى دون الثانية
                  والظاهرة أنّ حذف المفعول هو لتحاشي خطابه تعالى حبيبه المصطفى في مقام الإيناس، بقوله: «ما قلاك»، لما في القلي من الطرد، والإبعاد وشدّة البغض وهو في الوقت نفسه أَظهر المفعول في «وَدّعك»، إذ ليس فيه شيء يُكْرَه، بل هو يؤذن بالفراق على كُرْه، مع رجاء العود.
                  (وَ لَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى).
                  إنّ الآخرة إذا قرنت بالأولى، يراد منها اليوم الآخر، كما في قوله سبحانه: (فَللهِ الآخِرَةُ وَ الأُولَى)(1). وقوله سبحانه: (فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَ الأُولَى)(2).
                  ولكن يرجح أن يكون المراد من الأخرة في الآية، هو الغد المرجو من أيام بعثته، لتخصيص كونها خيراً في الآية بالنبي الأكرم، حيث قال: (خَيْرٌ لَكَ) فالآية تبشّر بالمستقبل الزاهر للنبي الأكرم، وبهذا يتمّ تأكيد نفي التوديع والقلي، ليذهب عن الأذهان أثر فتور الوحي.
                  والصلة بين هذه الآية وبين ما تقدمها، واضح على هذا البيان، والكلّ كسبيكة واحدة.
                  (وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى).
                  اللام لتأكيد لزوم العطاء، وأنّه أمر محقَّق. (وسوف) للتراضي. والجمع بين التوكيد مع التسويف الصريح، لبيان أنّه موضع عناية ربّه في أمسه وغده، وأُولاه، وأُخراه.
                  وأمّا العطاء الّذي يحصل به رضا النبي، فغير محدّد بشيء. وليس وراء الرضا مطمح، ولا بعده غاية، ولا حاجة لتحديد هذا الّذي يُررضي الرسول، حتى تقلّل من روعة ذاك البيان المعجز الّذي يتجلى سرّه في إطلاقه العام وانتهائه إلى الرضا.
                  أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَ وَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنى).
                  هذه الآيات تبث في نفس الرسول الطمأنينة، وتثبت قلبه، بإلفاته إلى ما أسبغه الله عليه في أولاه، من نِعَم: كان يتيماً، فآواه، ووقاه مسكنة الُيتْم، وكان ضالاًّ، فهداه تعالى إلى دين الحق(1) وكان عائلاً فأغناه الله بفضله وكرمه. أفما يكفي هذا ليطمئن كلُّ أحد إلى أنّ الله غير تاركه ولا قاليه؟ وهل تَرَكَه حين كان صبياً يتيماً متعرضاً لما يتعرض له اليتامى من قهر وضياع؟ وهل قلاه حين كان ذا عيلة؟ كلا، لا.
                  واليتيم مظنة الضياع والقهر، قال سبحانه: (وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ)(2). وقد وجد الله محمداً يتيماً عائلاً، فأعفاه سبحانه من تلك الآثار البغيضة، وحفظ جوهره من الآفات الّتي كان معرَّضاً لها بحكم يتمه وعيلته، وبذلك تمّ فيه الإستعداد النفسي لتلقّي الرسالة الكبرى، الّتي بعث بها ليقي الناس من المذلَّة والضلال.
                  (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ * وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ * وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ).
                  أتى بكلمة: «فلا تقهر»، مع أنّ في وسعه أن يستخدم كلمة أُخرى، نحو: «فلا تظلم»، «فلا تمنع حقه» وغيرهما، وذلك لأنّ في عبارة: «فلا تقهر»، معنى أعمق وأدق ممّا يفيده ذانك اللفظان ومشابههما، إذ يجوز أن يقع
                  القهر مع إنصاف اليتيم وإعطائه ماله، وعدم التسلّط عليه بالأذى، لأنّ حساسية اليتيم إلى حدّ أنّه يتأثّر بالكلمة العابرة، واللفتة الجارحة من غير قصد. والنبرة المؤلمة بلا تنبه، وإن لم يصحبها تسلّط بالأذى، أو غلبة عل مالِه وحقِّه.
                  ويحتمل أن يكون المراد من النعمة هو الرسالة الّتي أكرمه الله تعالى بها، وتفضل بها عليه، وعند ذلك يكون المراد من التحدّث بها هو إبلاغ رسالة ربّه.
                  ثم في الآيات الثلاث الأخيرة نكتة بديعة، فإنّا نرى أنّه سبحانه قَدّم النهي عن قهر اليتيم ونهر السائل، على التحدّث بنعمته تعالى، فأخَّر حَقَّ نفسه وهو التحدث بالنعمة، وقدّم حقّ اليتيم والسائل. وما هذا إلاّ لأنّه غنيّ وهما محتاجان، وتقديم حَقِّ المحتاج أُولى.
                  وهناك نكتة أُخرى، وهي أنّه تعالى لم يرض في حقهما إلاّ بالفعل، ورضى في نفسه بالقول
                  * * *

                  فهاتان السورتان المتقدمتان أوقفتانا على نموذج من بلاغة القرآن ـ بمعنى المطابقة لمقتضى الحال ـ وزيادة في بيان هذا الجانب البلاغي، نأتي بنماذج أخرى من آياته، حصل فيها تقديم وتأخير وعكس في العبارات، ممّا قد يتخيل معه أنّه تنويع وتفنن في الكلام، ولكن بالتأمّل فيها يتّضح أنّه ليس كذلك، وإنمّا اختلاف التعبير نشأ من اختلاف المقتضيات.
                  1 ـ يقول سبحانه في سورة الأنعام: (وَ لاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَق نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ)(2).
                  ويقول سبحانه في سورة الإسراء: (وَ لاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَق نَحْنُ
                  نَرْزُقُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ)(1).
                  والنهي في كلتا الآيتين متوجه إلى الوالدين. ووجه الإختلاف بينهما أنّ الداعي إلى القتل في الآية الأُولى هو الفَقْرُ المُحَقَّق، السائد في حياة الوالدين، بدلالة قَوْله: (من إملاق). وفي الثانية هو الفَقْر المتوقع، بدلالة قوله: (خشية إملاق). فاختلفت حال الوالدين.
                  ففي الآية الأُولى، الخطاب متوجه إلى الوالدين الفقيرين، حال الخطاب، فناسب أن يبدأ وعده بالرزق بهما ثم بأولادهما.
                  وهذا بخلاف الآية الثانية، فإنّ الخطاب فيها متوجه إلى الوالدين الميسورين المرزوقين بالفعل، ويخافان العيلة والعجز عن رزق أولادهم ولأجل ذلك كانوا يرتكبون ذلك العمل الأسود الوبيل (قتل أولادهم)، فناسب أن يبدأ وعده بالرزق، بالأولاد أوّلاً، وبالوالدين ثانياً.
                  2 ـ يقول سبحانه في عرض مشهد من مشاهد يوم القيامة وما يكون الناس عليه من فزع وكرب: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ * وَ صَاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِىء مِنْهُمْ يَوْمَئِذ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)(2).
                  وفي سورة أُخرى، في عرض مشهد من هذا اليوم، يقول: (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذ بِبَنِيهِ * وَ صَاحِبَتِهِ وَ أَخِيهِ * وَ فَصِيلَتِهِ التي تُؤْوِيهِ * وَ مَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ)(3).
                  ففي الآيتين ألفاظ مشتركة، مثل «بنيه» و «صاحبته» و «أخيه». لكن قَدّم في الأُولى الأخ، فالأُم، فالأَب، فالصاحبة، فالبَنين، مبتدءً بالعزيز فالأَعز.
                  وفي الثانية عَكَس فقَدَّم البنين، فالصاحب، فالأَخ، فالفصيلة، فسائر
                  الناس، مقدّماً الأعزّ فالعزيز. فما هو الوجه في هذا التقديم والتأخير؟.
                  الجواب: إنّ الآية الأُولى تصُوّر مشهد الفرار من العذاب والبلاء، والآية الثانية تمثّل مشهد دفع العذاب عن النفس.
                  ففي المقام الأول يتخلّى الإنسان عن العزيز فالأَعزّ، حتى لا يبقى معه شيء يمكنه أن ينخلع عنه لينجو بنفسه. فلأجل ذلك بدأ في الآية الأُولى بالأخ، فالأُم، فالأَب، فالصاحبة، فالبنين.
                  وأمّا في المقام الثاني، فالإنسان فيه حالة الإفتداء من العذاب الشديد الرهيب، ففي هذا الحال يفدي بعض جوارحه ببعض ليدفع عنه لهيب جهنم. فإن لم ينجع، يتناول للوقاية أَقرب شيء وأحبّه إليه لعلّه ينجو، وهم البنون، فالصاحبة، فالأخ.
                  فصار الموقفان مختلفين متباينين، فالحالة الأُولى تمثّل حركة فرار، والثانية تمثّل حركة دفاع من خطر داهم. وهذه النكتة، أوجبت اختلاف النظم بين الآيتين، وعليها جرى قول الشاعر:
                  ألقى الصحيفةَ كي يُخَفِّفَ رَحْلَهُ والزادَ حتى نَعْلَهُ أَلقاها
                  فإنّ النعل للمسافر الراجل في الصحراء، أعز الأشياء. وبما أنّ الموقف موقف حركة فرار، إبتدأَ بالقاء العزيز فالأعز حتى وصل إلى النعلين.
                  3 ـ يقول سبحانه: (لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَ كُلاً وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً)(1). فَقَدَّمَ الجهادَ بالأَموالِ على الجهادِ بالأنفس في مَوْردين من هذه الآية.
                  ويقول سبحانه في آية أخرى: (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
                  وَ أَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَ الإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ)(1). فقدم هنا الأنُفسَ على الأموال، مع أنّها واردة أيضاً في مجال الجهاد.
                  فهل هذا للتفنن في العبارة؟ أو أنّ الحال يقتضي في الآية الأُولى ونظائرها، تقديم الجهاد بالأموال على الأنفس، وفي الآية الثانية العكس.
                  التحقيق هو الثاني، بل هو المتعين، لأنّ الآية الأُولى بصدد بيان جهاد المؤمنين بالأموال والأنفس، ومن المعلوم أنّ الإنسان يبتديء في الجهاد بالعزيز فالأعز، فيجاهد بماله أولاً ثم بنفسه. وأمّا الآية الثانية فهي بصدد بيان شراء الله سبحانه من المؤمنين، ومن المعلوم أنّ المشتري يبتغي الأعزّ فالعزيز، ويختار لنفسه الأغلى فالغالي. والنفوس أغلى من الأموال.
                  والعجب أنّ القرآن راعى هذه النكتة في جميع الموارد الّتي ذكر فيها الجهاد بهما(2).
                  4 ـ يقول سبحانه حاكياً عن لسان إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ : (رَبَّنَا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(3) فقدم فيها التعليم على التزكية.
                  ولكن في موضع آخر عكس وقدم التزكية على التعليم، فقال: (هُوَ الذِي بَعَثَ فِي الأُمِّييِّنَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُبِين)(4). فعكس في هذه الآية وقَدّم فيها التزكية على التعليم
                  ونحن نترك للباحث الكريم استكشاف وجه الإختلاف بين الآيتين، ليستنبطه على ضوء ما ذكرنا. وكم لهذا من نظير في كتاب الله المجيد.
                  لا اله الا الله , محمد رسول الله

                  Comment

                  • الغزالى
                    عضو
                    • Mar 2005
                    • 56

                    #54
                    * * *
                    الأمر الثاني ـ سمو المعاني
                    إنّ التالي لآيات الذكر الحكيم ـ إذا كان ممعناً في تلاوته ـ يرى في كل سورة وآية عظة وتنبيهاً، وإعلاماً وتذكيراً، وترغيباً وترهيباً، وتشريعاً وتقنيناً وقصصاً، وعبراً، وبراهين وحُجج، ترقى بروح الإنسان وتحلّق بها في سماء المعنويات. فهذه المعاني العالية السامية الدقيقة، إذا حَمَلَتْها ألفاظ فصيحة، وصِيغَتْ في نُظُم رصينة، وَرُصِّعْت بأُسلوب بديع، وأُلقيت على مقتضى الحال، بهرت العقول، وخَلَبَتْ النفوس، وسَلَّمَتْ بعجزها عن معارضته والإتيان بمثله.
                    وقد ركّز النبي الأعظم في حديثه عن القرآن، على هذا الأمر، حيث قال: «وباطنه عميق». كما اعترف به عدوّه اللدود، الوليد بن المغيرة، حيث قال: «إنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لَمُغْدق».
                    إنّ النظرة الفاحصة، في آثار الكُتّاب والمؤلفين، تدفعنا إلى القول بأنّهم لا يخرجون عن طائفتين: طائفة تهتم بتزيين الألفاظ دون العناية بسمو المعنى.
                    وطائفة أُخرى تهتم بإبداع المعاني من دون عناية بتحسين اللفظ.
                    وقلما يتّفق من يراعي كلا الأمرين، والجمع بينهما مشكل. لأنّ الألفاظ والجمّل الخلاّبة لا تطابق الموضوعية والواقعية. فالذين يرغبون في إفهام المعاني لا يفتشون عن الألفاظ والعبارات الخلاّبة. فالجمع بين الجمالين، رهن عبقرية ونُبوغ قادرين على تحمّل عبئهما.
                    والقرآن الكريم أَبْرَزُ نَموذّج للقسم الثالث. فألفاظه في منتهى العُذوبة، ومقاطع الآيات وفواصلها في غاية الأناقة، والأُسلوب في منتهى البداعة، وقد ضمّ إلى هذا الجمال الظاهر، عمقاً في المعنى، لا تجد له مثيلاً في زبر الأولين وكتب الآخرين
                    إن التصوير الدقيق لسمو معاني القرآن لا يتأتى إلاّ بذكر نماذج من الآيات في مجالات مختلفة.
                    1 ـ المعارف العُلْيا
                    يتجلى سمو معاني القرآن في مجال المعارف بشكل واضح. فقد جاء هذا الكتاب بأسمى المطالب، وأغزر المضامين، في الدعوة إلى التوحيد ورفض الأصنام، ونفي الشرك والإثنينيّة، بل في باب إثبات الصانع، وصفاته. مضافاً إلى ما جاء من المضامين الدقيقة الفلسفية في الدعوة إلى عالم الغيب، وبقاء الروح بعد فناء البدن، وحشر الإنسان وعوده إلى الحياة، إلى غير ذلك ممّا ذكرنا بعضاً منه في الجزء الأول، ونذكر بعضاً آخر فيما يأتي من المباحث. ولكن لأجل عرض نموذج منه نأتي في هذا المقام بآيات:
                    أ ـ يقول سبحانه: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ)(1).
                    أُنظر إلى هذا البيان الجزل، كيف يشير إلى برهان الإمكان بصورة موجزة مستحكمة لم يكن العرب ولا حكماؤهم عارفين به. وتّتضح حقيقة سمو المعنى إذا أمعنت النظر في كل شقّ من هذه الشقوق الأربعة.
                    ب ـ يقول سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد وَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَ لَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ)(2).
                    ويقول سبحانه: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
                    فترى أنّه يستدلّ في هذه الآيات على التوحيد في التدبير، وأنّ النظام الجُمَلي يدار بمدبّر واحد لا غير.
                    ج ـ إنّ القرآن يستدلّ على إمكان المعاد وعود الإنسان إلى الحياة ثانياً بطرق مختلفة، بشكل يقنع المتحري للحقيقة، المتجرّد عن العناد. وإليك نظرة عابرة عليها.
                    فتارة يستدلّ عن طريق عموم القدرة على كل شيء، على إمكان المعاد، ويقول: (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ وَ لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِر عَلَى أَنْ يُحْيِ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ)(1).
                    وأخرى عن طريق قياس الإعادة على الحياة الأولى، ويقول: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْق نُعِيدُهُ)(2).
                    وثالثة عن طريق قياس إمكان إحياء الموتى بإحياء الأرض ـ بعد موتها ـ بالمطر والنبات، ويقول: (وَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَ كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ)(3).
                    ورابعة عن طريق قياس قدرة الإعادة، على القدرة على إخراج النار من الشجر الأخضر، ويقول: (قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ * الذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ)(4).
                    وخامسة عن طريق الإستدلال بالوقوع على إمكان العود. فإن أدلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه، ولأجل ذلك نقل سبحانه قصة بقرة بني إسرائيل(5) وحديث عُزَيْر(6).
                    وسادسة عن طريق الإستدلال بالنَّوْمات الطويلة الّتي امتدت أكثر من ثلاثماءة سنة، فإنّ النوم أخو الموت، ولا سيما الطويل منه، والإستيقاظ منه يشبه تطور الحياة وتجددها(1).
                    فهذا النوع من البرهنة على عقيدة هي كالعمود الفقري في باب العقائد، ممّا لاترى له مثيلاً في كتب الأقدمين، فإنّ هذه المعاني البديعة إذا انظمّ إليها الإستحكام في البيان، تبهر العقول وتدهش النفوس.
                    وهذا النوع من العمق وافر في الآيات الواردة حول المعارف والعقائد، وقد اكتفينا بما ذكرناه.
                    * * *


                    2 ـ سطوع براهينه
                    إنّ القرآن الكريم كتاب الهداية، نزل للناس أجمعين، ليبقى خالداً على جبين الدهر يرجع إليه كل من تحرّى الحقيقة، وارتاد الواقع، ولأجل ذلك اعتمد على البراهين اللامعة، لا على الأساليب المعقّدة الّتي كانت ولم تزل، رائجة بين الفلاسفة. فأخذ من المسلّمات برهاناً على النظريات، ومن المشاهدات دليلاً على الحقائق غير المحسوسة، كل ذلك ببيان واضح، لا يقبل الخدش والشك. ويستلذّ به الذوق، وتستسلم له العقول. وإليك نماذج من هذه البراهين:
                    1 ـ قال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)(2).
                    فلاحظ ما أحلى استدلاله على نَفْي الولد، بأنّه لو كان له وَلَدٌ كما يقول هؤلاء، فاللائق للاتخاذ ولداً، هم الأنبياء والمرسلون، الذين عبدوه، وخضعوا له، وائتمروا بأمره.
                    ـ وقال تعالى: (وَ هُوَ الذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)(1). إذا كان الخصم معترفاً بأنّ الله هو الّذي بدأ الخلق... إذن فالإعادة أهون من البدأة لأنّها من شيء، وتلك لا من شيء.
                    3 ـ وقال تعالى: (وَ لاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)(2). فقد رتّب دخولهم الجنة على ولوج الجمل في خرم الأبرة. ولما كان ذلك أمراً ممتنعاً، كان ذاك أيضاً مثله. فقد أبدى امتناع دخولهم الجنة بهذا الشكل القياسي بكناية بديعة.
                    4 ـ وقال تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ)(3). فقد رتّب النتيجة على صغرى القياس مع حذف الكبرى لظهورها، وهي: أنّ من أعطاه الله الكوثر ـ وهي مجموعة المكرّمات ـ فينبغي له أن يؤدّي شكره الواجب، بالإبتهال إلى الله والمثول لديه بكل الوجود.
                    5 ـ وقال تعالى: (وَ لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَ لَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ)(4).
                    قياس استثنائي مركّب من قضيّة شرطية مضمونها: (وَ مَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَ سَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً)(5). وأُخرى حملية استثنائية مضمونها: (وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَني أَعْمَى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَ كَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى)(6)
                    ـ وقال تعالى: (فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ)(1). الكبرى مطوية، أي وَكُلُّ آفل غير مستحق للعبادة.
                    * * *
                    3 ـ بداعة التصوير والتعبير
                    إنّ للقرآن طريقة موحدة في التعبير يتّخذها في أداء جميع الأغراض على السواء، حتى أغراض البرهنة والجدل، وتلك طريقة صوغ المعاني العالية في قالب التجسيم والتمثيل. ونحبّ أن نزيد المسألة إيضاحاً بالنماذج، وأنّه كيف يصوّر المعاني السامية والحالات النفسية ويبرزها في صور حسيّة، من غير فَرْق بين المشاهد الطبيعية، والحوادث الماضية والقصص المروية، ومشاهد القيامة، وصور النعيم والعذاب، فيعبّر عن الكلّ كأنّها حاضرة شاخصة، ولا شكّ أنّ هذه الطريقة تتفوق على نقل المعاني والحالات النفسية في صورها الذهنية التجريدية، ونقل الحوادث والقصص أخباراً مروية، والتعبير عن المشاهد والمناظر تعبيراً لفظياً لا تصويراً خيالياً. وإليك الأمثلة.
                    1 ـ معنى النفور الشديد من دعوة الإيمان، يعّبر عنه بوجهين: أحدهما تجريدي، والآخر تصويري.
                    فيقال في الأول: «إِنَّهُمْ لَيَنْفِرونَ أَشَدَّ النِّفْرَةِ مِنْ دَعْوَةِ الإِيمان». فيتملَّى الذهن وحده معنى النفور في برود وسكون.
                    ويقال في الثاني: (فَمَالَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَة)(2) فتشترك مع الذهن حاسة النظر، وملكة الخيال، وانفعال السخرية من هؤلاء الذين يفرون، كما تَفر حُمُر الوحش من الأسد، لا لشيء إلاّ
                    لأنّهم يدعون إلى الإيمان. فتأخذ النفس روعة الجمال الّذي يرتسم فيه صورة شرود هذه الحمر يتبعها قسورة المرهوب.
                    2 ـ معنى عجز الآلهة الّتي يعبدها المشركون من دون الله يُعَبَّر عنه بوجهين: أحدهما ذهني مجرّد، والآخر تصويري.
                    ففي الأول يقال: «إنَّ ما تَعْبُدونَ مِنْ دُونِ الله لأَعْجَزُ عَنْ خَلْقِ أَحْقَرِ الأَشْياء». فَيَصِلُ المعنى إلى الذهن مجرّداً باهتاً.
                    وفي الثاني يقال: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ)(1).
                    ففي الثاني أُبرز هذا المعنى بِصُوَر متحركة متعاقبة.
                    «لن يَخْلُقُوا ذُباباً»، هذه درجة.
                    «وَلَوْ اجْتَمعوا له»، هذه أُخرى.
                    «وإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقذُوهُ مِنْهُ»، وهذه الثالثة.
                    ففيها تصوير للضعف المُزري، والتدرّج في تصويره بما يثير في النفس السخرية اللاذعة والإحتقار المهيب.
                    3 ـ يُعَبَّر عن حالة تخلي الأولياء عن تابعيهم أمام هول القيامة بصورتين، كالسابقتين. في إحداهما، يقال: «لا لَقَدْ تَناكَرَ الأصْفياءُ وتَخَلّى المَتْبوعونَ عن التابِعينَ حينما شاهدوا الهَوْل يَوْمَ الدِّين».
                    وفي ثانيتهما، يقال: (وَ بَرَزُوا للهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ شَيء قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ
                    مَحِيص)(1).
                    ففي هذا الإستعراض يتجسم للخيال مشهدان:
                    الضعفاء الذين كانوا ذيولاً للأقوياء، وهم ما يزالون في ضعفهم يلجأون إلى الذين استكبروا في الدنيا، يسألونهم الخلاص من هذا الموقف، ويعتبون عليهم إغواءهم في الحياة، متمشين في هذا مع طبيعتهم الهزيلة، وضعفهم المعروف.
                    والذين استكبروا، وقد ذلّت كبرياؤهم وواجهوا مصيرهم، وهم لا يملكون لذات أنفسهم خلاصاً، فضلاً عن تابعيهم، فما يزيدون على أن يقولوا لهم: «لَوْ هدانا الله لَهَدَيْناكُمْ».
                    4 ـ يُعَبَّر عن بطلان أعمال الكافرين بأنّها: «لا وَزْنَ لَها ولا تَنْفَعْ». كما يعبر عن ضلالتهم الدائمة، بأنّهم: «لا مَخْرَجَ لهم منها ولا هاديَ لهم فيها». ولكن في هذا التعبير ركود وسكون لا تَنْتَعش النفس به أبداً.
                    وأين هو من التعبير القرآني في كلا الموردين (بطلان أعمالهم، وإحاطه الضلالة بهم) الّذي تحيا فيه النفس وتتحرك، وينتعش فيه الحسّ والخيال: (وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَاب بِقِيعَة يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَ وَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَ اللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)(2).
                    ويقول: (أَوْ كَظُلُمَات فِي بَحْر لُجِّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْض إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور)(3).
                    ففي التعبير الثاني ـ في كلا الموردين ـ صور متينة ساحرة فيها روح القصة، والخيال العميق.
                    وأين للريشة في ترسيم هذه لو أريد تصويرها بالألوان، وإلى أين للعدسة لو أريد تصويرها بالحركات.
                    بل اين هي الريشة، وأين هي العدسة، الّتي تستطيع أن تبرز هذه الظلمات: (فِي بَحْر لُجِّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْض إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا)؟. أو تصوّر الظمآن يسير وراء السراب: (حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً)، ووجد مفاجأة عجيبةً لم تكد تخطر له على بال، وجد الله عنده، وفي سرعة خاطفة تناوله، فوفّاه حسابه.
                    5 ـ وَمِنْ هذا الوادي تصوير معنى الضلال بعد الهدى. وضياع الجهد معه سدى، تلك الصور المتتابعة الّتي يجيش بها الحسّ والخيال، وتحيى بها النفس، يقول سبحانه:
                    (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَ مَا كَانُوا مُهْتَدِينَ * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لاَ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّب مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَ اللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهِمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَ إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَ لَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ)(1).
                    إنّ هنا مشهداً من الصور المتتابعة في شرائط متحركة; هؤلاء هم قد أوقدوا النار فأضاءت، وفَجأة يذهب الله بنورهم ويُخَيِّم حولهم الظلام. أو ها هي ذي العاصفة صَيّبٌ من السماءِ فيه ظلمات ورعد وبرق، وهؤلاء هم مذعورون يتوقعون الصاعقة، ويخافون الموت، فيجعلون أصابعهم في آذانهم، وما تغني الأصابع في الآذان، ولكنها حركة الغريزة في هذا الأَوان. وها هو ذا البرق يخطف الأبصار ولكنه ينير الطريق لحظة، فهم يخطون على ضوئه خطوة، وها هوذا ينقطع فيظلّون واقفين لا يدرون كيف يَخْطون




                    لون آخر من التصوير الفني
                    هذه نماذج من التصوير الفني في القرآن الكريم وهناك لون آخر من التصوير يضفي على المعاني الذهنية والحالات المعنوية صوراً حسيّة. مثلاً:
                    1 ـ الصبح مشهدٌ مألوف متكرر، ولكنه في تعبير القرآن حيٌّ لم تشهده من قبل عينان، وأنَه (وَ الصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ)(1).
                    2 ـ والليل آن من الزمان معهود، ولكنه في تعبير القرآن، حي جديد، (وَ اللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ)(2)، وهو يطلب النهار في سباق جبّار (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً)(3).
                    3 ـ والظلّ ظاهرة تُشهد وتُعرف، ولكنه في تعبير القرآن نَفْسٌ تَحُسُّ وتَتَصَرّف، (وَ ظِلّ مِنْ يَحْمُوم * لاَ بَارِد وَ لاَ كَرِيم)(4).
                    4 ـ والجدار بُنْيَةٌ جامدة كالجلمود، ولكنه في تعبير القرآن يحسّ ويريد: (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ)(5).
                    5 ـ والطَّير أبنية حية، ولكنها مألوفة لا تلفت الإنسان، أمّا في تعبير القرآن فمشهد رائعٌ، يثير الجَنان: (أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّات وَ يَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ)(6).
                    6 ـ والأرض والسماءُ والشَّمْسُ والقَمَرُ، والجبال والوديان، والدُور العامرة، والآثار الداثرة، والنبات والأشجار والأفنان، أمواتٌ عند الناس، لكنها في القرآن أحياء، أو مشاهد تخاطب الأحياء، فليس هناك جامد ولا ميت بين الجوامد والأشياء(7).
                    4 ـ الأمثال

                    يشتمل القرآن الكريم على أكثر من خمسين مثلاً في مجال هداية الناس. وهذه الأمثال مع بسطاتها غزيرة المعاني، عالية المضامين. ونحن نذكر في المقام نموذجاً منها يتبلور فيه عمق المعنى بشكل آخر.

                    الصراع بين الحق والباطل
                    يصوّر القرآن الكريم الصراع القائم بين الحق والباطل بصورة مثل بديع، يشتمل على نكات بعيدة الأغوار، عميقة الإشارات، في ألفاظ قليلة، وعبارات متناسقة، ويقول:
                    (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَ الْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَ أَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ)(1).
                    إنّ هذه الآية من أعمق الآيات القرآنية، فهي ـ بلباس المثل ـ تطرح معاني سامية تبين فيها مكانه الباطل من الحق. ففي هذا المثال، تشبّه الآية كلا من الحق والباطل بأمرين:
                    الأول: إنّ الحق كالماء النازل من السماء، المجتمع في أعماق الأرض، أو الجاري جداول وأنهاراً، بعد انحداره من سفوح الجبال إلى الأودية والسهول.
                    والباطل كالزبد والرغوة الّتي تعلو وجه الماء حال سيلانه واندفاعه، الّتي لا تلبث أن تتلاشى كأنّ لم تكن شيئاً مذكوراً.
                    الثاني: إنّ الحق كرواسب الأتربة المعدنية في المذابة الأفران، فإنّها خالص المعادن والفلزات
                    والباطل كالزبد والفقاعات الّتي تعلو هذه الأتربة حال غليانها، الّتي سرعان ما تنفجر وتتبخر.
                    فالصورة العامة الّتي يعطيها هذا المثل، ترسيم ثبات الحق ودوامه بتشبيهه، بالماء النازل من السماء، الجاري في الأودية والوهاد، الغائر في أعماق الأرض، ثم الظاهر، بصورة العيون والينابيع، الّتي تستفيد المخلوقات منها في دوام حياتها. وبالمعادن المذابة، الراسبِ خالصها في أعماق الأفران، الّتي يستفيد منها الناس في زينتهم وأمتعتهم.
                    وكذلك ترسيم سرعة أفول الباطل بعد نجومه بتشبيهه بالزبد الّذي يرغو فوق الماء، والمعادن المنصهرة، الّذي يتصوره الجاهل شيئاً ثابتاً قائماً، ولكن ما أسرع اختفاءه وزواله، فلا يرى منه عين ولا أثر.
                    وعلى ذلك فللحق ثبات ودوام، وللباطل جولة زوال.
                    ومع هذا، ففي هذا المثل معان عميقة، وإشارات دقيقة إلى مكانة كل من الحق والباطل، نشير إلى بعضها:
                    1 ـ إنّ الحق والباطل يتمثّلان في مجال العقيدة، في الإيمان والكُفر، والعدْل والظُلم.
                    فبالإيمان بالله تبارك وتعالى تحيا القيم الأخلاقية، كما أنّ بالكفر موت المُثل والفضائل وانعدام الكمالات الإنسانية.
                    ومثل ذلك العدل والظلم، ففي ظِلّ العدل تتفجّر الطاقات وتترقى المجتمعات، وينال كل إنسان الغاية الّتي يليق بها، كما أنّ في الظُلم كبت الإستعدادات، وتقديم المفضول وتأخير الفاضل، ولن يزال المجتمع الظالم يتدهور إلى أن لا يرى له أثر.
                    فأشبه الإيمان والعدل، الماء الّذي به حياة كل شيء، وخالص المعادن المترسب في قعر أفران الصَّهْر، إذ عليها تعتمد حياة الإنسان الدنيوية، وتترتب المنافع الكثيرة، قال سبحانه: (وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنَافِعُ
                    لِلنَّاسِ)(1). فالحديد وأضرابه، هو الّذي يدير عجلة الحضارة، وبفقدانه شللها التام.
                    وأشبه الكفر والظلم، الزبد الّذي يرغو على وجه الماء والمعادن المنصهرة، لا يستفاد منه ولا يعتمد عليه في شيء.
                    2 ـ إنّ الباطل ربما يصير حجاباً عن الحق، فيكون مانعاً بينه وبين طالبه ولكن هذا الحجاب سرعان ما يزول ويتجلى وجه الحقيقة بصورته الواقعية، تماماً كما أنّ الزبد يعلو وجه الماء ويوجب برغوته حدوث غشاوة ساترة لما تحته، والإنسان الجاهل يحسب أن لا شيء تحته سوى العفن والطين والتراب، ولكن سرعان ما تخمد رغوته، وتنقشع غشاوته، ويتجلى الماء صافياً زلالاً، أو الأتربة المنصهرة، معادن وفلزات نفيسة ونافعة.
                    فالأفكار الإلحادية ربما تستر وجه الحق، وتحول بينه وبين طالبه، لكن تعلقت مشيئته سبحانه على إحقاق الحق ومحو الباطل.
                    قال سبحانه: (وَ يَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَ يُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ)(2).
                    وقال سبحانه: (وَ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً)(3).
                    3 ـ إنّ الوجود النازل من عنده تعالى على الموجودات، خال في نفسه عن الصور والأقدار، وإنّما يَتَقَدَّر من ناحية الأشياء، أنفسها، كماء المطر النازل من السحاب على ساحة الأرض، خال في نفسه عن الصور والأقدار، وإنّما يحتمل من القدر والصورة ما يطرء عليه من ناحية قوالب الأودية، ومجاري الأنهار، والسواقي، والأحواض والبرك والسمتنقعات، المختلفة في الأقدار والصور.
                    فالحق فيض إلهي، يأخذ منه كل إنسان بحسب لياقته وسعة ذهنه. فمن
                    الناس من يكون واسع الصدر، كامل الإستعداد فيأخذ منه القسط الأكبر، ومنهم من لا يزيدون عن معشار ذلك.
                    ويُلَوّح إلى ما ذكرنا آيات كثيرة، منها قوله سبحانه: (وَ إِنْ مِنْ شَيء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم)(1).
                    وقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ هذه القلوب أوعيةٌ، فخيرها أوعاها»(2).
                    4 ـ إنّ الباطل في ثورانه وجولانه في أمده القصير، فرع اعتماده على الحق، واتّخاذه واجهة لأعماله. فلو تجرّد عن الحق بالكلية، لما كان له حتى هذا السهم القصير، كالزبد لا يتجلى إلاّ بركوبه الماء، كما أشار إليه سبحانه بقوله: (فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً)(3).
                    5 ـ إنّ الباطل لا يظهر إلاّ في الأجواء الصاخبة والمجتمعات المتضاربة. كالزبد الّذي لا يظهر إلاّ عند تدفق المياه واجتياحها القنوات الضيقة، فإذا انتهت إلى السهول الفسيحة، زال الزبد شيئاً فشيئاً، ولا يبقى بعده إلاّ الماء الزلال. وكذلك الزبد الناجم عند عملية الصهر، فطالما أنّ المعادن في حالة الغلي والفَوَران يكون الزبد على وجهها، فإذا هدأت النار وتوقف الغليان لم يبق إلاّ المعادن الخالصة.
                    فهذه بعض التصويرات للمفاهيم القيمة العميقة الّتي جاءت بها هذه الآية المباركة على وجازتها، وكلما تعمّق الإنسان فيها انفتحت له أبواب من المعارف
                    العُلْيا، والحقائق السامية، وأقَرَّ بأنّ هذا القرآن: «باطنه عميق»، وأنّ «أعلاه لمثمر، وأسفله لمُغْدق».
                    لا اله الا الله , محمد رسول الله

                    Comment

                    • الغزالى
                      عضو
                      • Mar 2005
                      • 56

                      #55
                      3- النظم: رصانة البيان واستحكام التأليف.
                      تعريف النظم
                      1 ـ النظم هو لجام الألفاظ، وزمام المعاني، وبه تنتظم أجزاء الكلام ويلتئم بعضها ببعض، فتقوم له صورة في النفس، يتشكل بها البيان.
                      2 ـ النَّظْمُ هو وضع كلِّ لفظ في موضعه اللائق به، بحيث لو أُبدل مكانه غيره ، ترتب عليه إمّا تبدل المعنى، أو ذهاب رونقه وسقوط البلاغة معه.
                      3 ـ النظم هو رعاية قوانين اللغة وقواعدها، على وجه لا يكون الكلام خارجاً عمّا هوالمرسوم بين أهل اللغة.
                      هذه تعاريف ثلاثة للنظم، غير أنّ المقصود منه هنا هو تماسك الكلمات والجمل، ووضع كل كلمة مكانها. وأمّا رعاية القوانين، فهي وإنّ كانت دخيلة، في تحقق النظم ـ فإنّ الكلام الخارج عن إطارها متخلخل ـ غير أنّ القرآن أرفع شأناً من ان يعرض على القواعد، بل هي تعرض عليه، كما تقدم. ولأجل ذلك نركّز في النظم على الأمرين الأولين، الإنسجام أولاً، ووضع كل كلمة مكانها، ثانياً.
                      وقد أعطى الشيخ عبد القاهر الجرجاني للنظم القسط الأوفر من إعجاز القرآن، بل جعله السبب الوحيد فيه، وقال ـ بعد ردّ كل ما يمكن أن يكون وجهاً
                      للإعجاز ـ: «فلم يَبْقَ إلاّ النظم، وليس هو شيئاً غير توخي معاني النحو، وأحكامه. وإنّا إن بقينا الدهر نُجهد أفكارنا حتى نعلم للكلم المفردة سلكاً ينظمها، وجامعاً يجمع شملها، ويؤلفها، ويجعل بعضها بسبب من بعض، غير توفّي معاني النحو وأحكامه فيها، طلبنا ما كلُّ محال دونه»(1).
                      وكلامه هذا لا ينافي ما ذكرناه، لأنّه يرمي إلى أنّ الإنجسام التام بين جمل الآية حصل في ظل تحقيق هذه القواعد ورعايتها فيها.
                      وقال الزملكاني: «إنّ وجه الإعجاز يرجع إلى التأليف الخاص به، بأن اعتدلت مفرداته تركيباً وزِنَةً، وعلت مركباته معنىً، بأن يوقع كل فن في مرتبته العليا في اللفظ والمعنى»(2).
                      ثم ليعلم أنّ الكلام يقوم على ثلاثة أشياء:
                      1 ـ لفظ حامل.
                      2 ـ معنى قائم باللفظ .
                      3 ـ ورباط لهما.
                      وهذه الأمور الثلاثة توجد في القرآن على الوجه الأحسن، فالألفاظ عذبة (الدعامة الأولى)، والمعاني سامية وراقية (الدعامة الثانية)، والكلمات والجمل مترابطة ومتلاحمة أشدّ التلاحم والتشاكل، وهذه هي الدعامة الثالثة الّتي نبحث فيها.

                      ونحن نبحث في تبيين النظم القرآني في مقامين:
                      الأول: إنسجام الجمل والكلمات، وتعانقها.
                      الثاني: وضع كل كلمة موضعها.
                      1 ـ تجاذب الكلمات وتعانق الجمل

                      إنّ القرآن بلغ من ترابط أجزائه، وتماسك كلماته وجمله وآياته، مبلغاً لا يدانيه فيه أي كلام آخر، مع طول نَفَسه، وتنوع مقاصده، وافتنانه وتلوينه في الموضوع الواحد. وآية ذلك أنّك إذا تأمّلت في القرآن الكريم، وجدت منه جسماً كاملاً، تربط الأعصاب والأغشية بين أجزائه، ولمحت فيه روحاً عاماً يبعث الحياة، والحسن، على تشابك وتساند بين أعضائه.
                      فبين كلمات الجملة الواحدة من التآخي والتناسق ما جعلها رائعة التجانس والتجاذب. وبين جمل السورة الواحدة من التشابك والترابط ما جعلها وحدة متآخذة الأجزاء، متعانقة الآيات. ولأجل ذلك يقول سبحانه: (قُرآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَج)(1).
                      والآيات القرآنية، وإن كانت كلّها مظاهر لهذا الإنسجام، كما يلاحظه التالي لها، غير أنا نختار من بينها آية تشع نوراً بين الآيات في حسن الإنسجام وروعة النظم، كأنها سبيكة واحدة، مع طولها، وكثرة جملها، وغزارة معانيها.
                      يقول سبحانه: (اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مَا خَلْفَهُمْ وَ لاَ يُحِيطُونَ بِشَيء مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ وَ لاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)(2).
                      وبما أنّ مسألة الترابط والتآخي في الآيات القرآنية واضحة لمن أمعن فيها، فلذلك نطوي الكلام عن الإكثار فيها، ونعطف نظر الباحث إلى نمط خاص من النظم:
                      نمط خاص من النظم في بعضّ الآيات
                      إنّ الأهرام الّتي أقامها فراعنة مصر، فكانت إحدى عجائب الدنيا، قد بنيت حجراً على حجر دون أن تتماسك أحجارها بايّة مادة غريبة دخلت بينها، وإنمّا كان تماسكها تماسكاً ذاتياً، وتجاذباً أحكمته هندسة البناء، فاستدعى الحجر صاحبه إليه، واعتنقه في تآلف وترابط. وإنّه بقدر ما كان بين هذه الأحجار من روابط ذاتية، بقدر ما يكون لها من ثبات وروعة على الزمن، ولكنها ـ مع هذا ـ صنعة إنسان، مقدور عليه الفناء، وإذن فلا خلود لها، لأنّ الفاني لا يخلق إلاّ فانياً.
                      فكان من إعجاز القرآن أن أقام أبنية من النظم الكلامي غير مستندة إلاّ على ما بينها من تناسق هندسي، وتجاذب روحي، وترابط الكلمات، وتعانق الآيات، أحكمه الحكيم العليم، وقدَّره اللطيف الخبير.
                      وإليك نماذج من هذا النوع من النظم:
                      1 ـ يقول سبحانه: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)(1).
                      هذه جمل أربع لم يتوسط فيها حروف العطف، حتى تعطف بعضها على بعض وتجعل منها كياناً واحداً. ومع ذلك نرى فيها من التلاحم والتناسق ما يجعلها تبدو جملة واحدة، بل كلمة واحدة.
                      2 ـ يقول سبحانه: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبَان)(2).
                      فهذه الآيات تراها كأنّها جملة واحدة في اتّساقها وتجاذبها، وتعانقها لفظاً ومعنى. فإنّها تساوقت ألفاظها، وتناغمت حروفها في هذا النغم العُلْوي، كما
                      تآخت معانيها وتناسبت فكانت نبعاً سماوياً يتدفق في تسلسل وترابط، لاترى العين منه إلاّ كياناً واحداً من منبعه إلى مصبّه.
                      3 ـ يقول سبحانه: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَاب وَاقِع * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ)(1).
                      فليس في هذه الآيات حرف عطف يجمع كلمة إلى كلمة، أو آية إلى آية. وهي مع هذا يسودها التلاحم والتآخي والتساند، يجذب بعضها بعضاً. فهناك سائل يسأل، وموضوعُ سؤاِلِه عذابٌ واقع، والذين وقع بهم العذاب هم الكافرون، وهو عذاب لا يدفع، لأنّه عذابٌ من الله ذي المعارج.
                      * * *
                      2 ـ وضع كلّ كلمة في موضعها
                      إنّ لكل نوع من المعنى، نوعاً من اللفظ هو به أولى وأصلح، وضروباً من العبارة، هي بتأديته أقوم، ومأخذاً إذا أُخذ منه كان إلى الفهم أقرب وبالقبول أَلْيَقْ، وكان السمع له أوعى، والنفس إليه أميل.
                      إنّ لغة العرب ألفاظاً متقاربة في المعاني، ربما يحسب غير المطّلع ترادفها، وتساويها في إفادة المقصود، كالعلم والمعرفة، والحمد والشكر، والبخل والشُّح، والقعود والجلوس، حتى بين الحروف كـ«بلى» و«نعم»، وغير ذلك من الأسماء والأفعال. فإنّ لكل لفظة منها خاصية تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها، وإن كانا يشتركان في بعضها.
                      وقد اهتمّ القرآن، باستعمال كل كلمة في موضعها بحيث لو أُزيلت الكلمة وأُقيمت مكانها ما يظن كونه مرادفاً لها، لفسد المعنى، وزال الرونق.
                      ولأجل إيقاف الباحث على هذا النوع من النظم، نأتي بنماذج:
                      1ـ نرى أنّه سبحانه يأمر عبده بحمده، ويقول: (وَ قُلِ الْحَمْدُ للهِ الذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ)(1).
                      وفي موضع آخر يأمر بالشُكر ويقول: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً)(2).
                      وما هذا إلاّ لأنّ الحمد هو الثناء على الجميل، والشكر هو الثناء في مقابل المعروف، فالحمد ضد الذم، والشكر ضد الكفران. وبما أنّه سبحانه يصف نفسه في الآية الأولى، بقوله: «الّذي لم يتخذ ولداً»، فناسب الأمر بالحمد. وبما أنّه يذكر معروفه وإحسانه على آل داود في الآية الثانية، ناسب الأمر بالشكر على المعروف.
                      2 ـ نرى أنّه سبحانه يستعمل كلمة السهو تارة بلفظة «في»، ويقول: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * اَلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَة سَاهُونَ)(3).
                      وأخرى بلفظة «عن» ويقول: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ)(4).
                      وما هذا إلاّ لأنّ المراد من الآية الأولى أنّ الغفلة تعلوهم وتغمرهم، وأنّهم في ضلالتهم متمادون، فناسب لفظة «في» الدالّة على الظرفية. ولكن المراد من الاّية الثانية هو السهو عن نفس الصلاة وعدم الإتيان بها في مواقيتها فناسب لفظة «عن»، ولو كان المراد السهو في نفس الصلاة، كأن لا يدري المصلي أنّه في شفع أو وتر، لقال «في صلاتهم».
                      3 ـ يقول سبحانه عن لسان إخوة يوسف: (فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَ مَا أَنْتَ بِمُؤْمِن لَنَا وَ لَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)(5). مع أنّ الرائج في فعل السباع هو الإفتراس لا الأكل، وما هذا إلاّ لإفادة أنّ الذئب أتى على جميع أجزاء يوسف وأعضائه، فلم يترك منه شيئاً، حتى لا يطالبهم والدهم بالإتيان ببقية أجزاء بدنه.
                      4 ـ يقول سبحانه عن لسان عبدة الأصنام(وَ انْطَلَقَ الْمَلاَُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ يُرَادُ)(1). ولم يقل: «ان امضوا وانطلقوا»، وذلك لإفادة أنّ الدفاع عن الآلهة أمر يطابق سجيتهم، كالمشي وراء الحوائج.
                      5 ـ يقول سبحانه: (وَ لَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)(2)، مع أنّ لله سبحانه ما سكن فيهما وما تحرك. وما ذلك إلاّ لأنّه ليس المراد من السكون ما يضاد الحركة، وإنّما المراد من السكون هو الإستقرار في نظام العالم، سواء كان متنقلاً عن موضعه أو ساكناً فيه.
                      فالسكون في الاّية، نظيره في قوله سبحانه: (وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)(3). فليس المراد من السكون فيها الإستقرار بلا حراك، بل الطُمِأْنينة الروحية.
                      ولأجل ذلك لو وضعت مكان «سَكَنَ» أية كلمة أخرى ترادفها، مثل «خَمَدَ»، «استَقَرّ»، «وَقَفَ»، تخرج الآية من روعتها، وربما يفسد المعنى.
                      وبذلك ينفتح بابٌ واسع للدِّقِة في نَظْمِ القرآن، فنأتي بنموذجين مع إحالة الإجابة عنهما إلى الباحث الكريم، ليقف على جوابهما بالإمعان.
                      6 ـ يقول سبحانه: (وَ جَنى الْجَنَّتَيْنِ دَان)(4) ولم يقل «قريب»، «حاضر» أو «عتيد»، لماذا؟.
                      7 ـ يقول سبحانه ـ حاكياً عن زكريا ـ: (إنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِني)(5)
                      ولم يقل «فتر»، «ضعف» أو «تخاذل»، لماذا؟
                      وبعد هذا، تقف على سبب ما اشتهر بين أئمة البلاغة من أنّ الكلمة في نظم القرآن، تأخذ أعْدَلَ مكان في بناء هذا البُنْيان، ولا يصلح للحلول مكانها أي كلمة أُخرى، لاستلزامه إما فساد المعنى، أو عدم إفادة المقصود، وإنِ اشْتَهَر في وضع اللغة قيام المترادفات مقام بعضها

                      * * *
                      هل في القرآن سَجع؟
                      من الملاحظ، أنّ كثيراً من آيات القرآن الكريم، تختم بفواصل فيها حروف متشاكلة في المقاطع، فهل هو من السجع أوْ لا؟.
                      ربما يرى بعض الأساتذة عدم اشتمال القرآن على السجع، بحجة أنّ الفواصل غير الأسجاع، لأنّ شأنَ القرآن أرفع من أن يُسجع فيه، فإنّ السجع مأخوذ من سجع الحمامة، وليس فيه إلاّ الأصوات المتشاكلة(1).
                      يلاحظ عليه: إنّ إنكار السجع في بعض السور القصار، خلاف الإنصاف، غير أنّ السجع على قسمين، ونربأ بالقرآن عن اشتماله على السجع الّذي يكون المعنى فيه تابعاً له، دون السجع الّذي يكون تابعاً للمعنى.
                      فالأول مردود، وهو السائد في الخطب الرائجة أيام الأمويين والعباسيين.
                      وأمّا الثاني فهو يوجب حسناً في الكلام، لأنّه على عفو الخاطر، يأتي به المتكلم مرتجلاً بلا تكلّف، كما هو الملموس في خطب الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ .
                      وقد نبّه ابن سنان الخفاجي على هذه النكتة حيث قال، ردّاً على الرماني: «إنّه إنْ أراد بالسجع، ما يكون تابعاً للمعنى، ـ وكأنّه غير مقصود ـ فذلك
                      بلاغة، وفواصل الآيات مثله، وإن كان يريد بالسجع ما تقع المعاني تابعة له، فذلك عيب، وأظن أنّ الّذي دعا أصحابنا إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل، ولم يسموا ما تماثلت حروفه، سجعاً، هو رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروي عند الكهنة وغيرهم»
                      لا اله الا الله , محمد رسول الله

                      Comment

                      • الغزالى
                        عضو
                        • Mar 2005
                        • 56

                        #56
                        (4)
                        الأسلوب: بِداعة المنهج وغرابة السبك

                        الأساليب السائدة في كلام العرب عصر نزول القرآن، كانت تتردد بين أسلوب المحاورة، وأسلوب الخطابة، وأسلوب الشعر، وأسلوب السجع المتكلف الموجود في كلام العرّافين والكُهّان.
                        فالأسلوب المحاوري، هو الأسلوب المتداول في المكالمات اليومية في رفع الحوائج، وتيسير الأمور المعيشية. وهذا الأسلوب دارج في كل لغة، ولم يكن في العرب بدعاً منهم، فلم يكن كلامهم عند البيع والشراء، والمعاشرة مثل كلامهم في مقام الخطابة، وإظهار المناقب والفضائل.
                        والأسلوب الخطابي، هو الأسلوب الرائج بين خطَباء العرب وبُلغائهم. ويكفينا مؤنة بيانه، التأمل في النموذجين التاليين لأشهر خطباء الجاهلية.
                        1 ـ وقف قس بن ساعدة في سوق عُكاظ، وخطب: «أيّها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تَزْخر، وجبال مُرْساة، وأرض مُدْحاة، وأنهار مُجراة، إنّ في السماء لخبرا، وإنّ في الأرض لعبرا، ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون، أَرَضوا فأَقاموا، أم تُرِكوا فناموا؟(1).
                        2 ـ وخطب المأمون الحارثي في قومه، فقال: «أرعوني أسماعكم، وأصغوا إليَّ قلوبكم، يبلغ الوعظ منكم حيث أريد; طمح بالأهواء الأشر، وران على القلوب الكدر، وطخطخ(1) الجهل النظر، إنّ فيما ترى لَمُعْتَبَراً لمن اعتبر، ارض موضوعة وسماء مرفوعة، وشمس تَطْلُعُ وَتَغْرُب، ونجوم تسرى فَتَعْزُب، وقمر تطلعه النور، وتَمْحَقُه أدبار الشهور(2).
                        ويرى هذا الأسلوب في خطب النبي وعليّ ـ عليهما السَّلام ـ في مواقف مختلفة.
                        والأسلوب الشعري، هو الأسلوب المعروف المبني على البحور المعروفة في العَروض.
                        وأمّا أسلوب السجع المتكلف، فقد كان يتداوله الكهنة والعرّافون، كما تراه في قول ربيع الذئبي الشهير بسطيح لابن اخته عبد المسيح حول علامات ظهور النبي العربي: «يسيح عبد المسيح، على جمل مشيح، أقبل إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاج الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا المؤبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عراباً، حتى اقتحمت الواد، وانتشرت في البلاد»(3).
                        ولكن القرآن جاء بصورة من صور الكلام على وجه لم تعرفه العرب، وخالف بأسلوبه العجيب وسبكه الغريب، جميع الأساليب الدارجة بينهم، ومناهج نظمهم ونثرهم.
                        ولأجل ذلك لم تتعامل معه العرب معاملة شعر أو نثر، بل أنصف المنصفون منهم بأنّه وحيد نسجه في أسلوبه وسبكه.
                        كان العرب يعرفون الأساليب الأربعة السالفة، ولكنهم لم يعرفوا الأسلوب القرآني الّذي يأخذ فيه الكلام صورة خاصة، تأتي فيها الآيات، وتختم كل واحدة منها بفاصلة ذات نظم ورنين، فيجد الصدر لذلك راحة عند الوقوف على الفاصلة.
                        إنّ الأسلوب القرآني الّذي تفرّد به، كان أبين وجه وجوه الإعجاز، في نظر الباحثين عن إعجازه، وإن جعلناه أحد الأسس الأربعة الّتي يبنى عليها صرح الإعجاز القرآني.
                        ولأجل أهمية الأسلوب في رفع القرآن إلى درجة الإعجاز ركّز القاضي الباقلاني عليه وحصر وجه إعجازه فيه، وقال: «وجه إعجازه ما فيه من النظم والتأليف والترصيف(1) وأنّه خارج عن وجوه جميع النظم المعتاد في كلام العرب ومبائن لأساليب خطاباتهم، ولهذا لم يمكنهم معارضته».
                        وأضاف: «ولا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من أصناف البديع الّتي أودعوها في الشعر، لأنّه ليس ممّا يخرق العادة، بل يمكن استدراكه بالعلم والتدريب والتصنع به، كقول الشعر، ورصف الخطب، وصناعة الرسالة، والحذق في البلاغة، وله طريق تسلك. فأمّا شأو نظم القرآن، فليس له مثال يحتذى، ولا إمام يقتدى به، ولا يصحّ وقوع مثله اتّفاقاً»(2).
                        وممّن حصر وجه إعجاز القرآن بأُسلوبه الراقي هو الأصفهاني ـ على ما حكاه السيوطي ـ فإنّه بعدما أشار إلى أقسام الكلام من المحاورة، والنثر المسجع، والشعر، قال: «ولكل من ذلك نظم مخصوص، والقرآن جامع لمحاسن الجميع، على نظم غير نظم شيء منها، يدلّ على ذلك أنّه لا يصح أن يقال له: «رسالة»، أو «خطابة»، أو «شعر»، أو «سجع». كما يصحّ أن يقال هو كلام. والبليغ إذا قرع القرآن سمعه، فصل بينه وبين ما عداه من النظم، ولهذا
                        قال تعالىوَ إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاَ مِنْ خَلْفِهِ)(1)، تنبيهاً على أن تأليفه ليس على هيئة نظم يتعاطاه البشر، فيمكن ان يغير بالزيادة والنقصان كحال الكتب الأخرى»(2).
                        وممّا يدلّ على أنّ القرآن ليس كلام النبي الأعظم هو وجود البون الشاسع بين أسلوب القرآن وأسلوب الحديث النبوي. فمن قارن آية من القرآن الكريم مع الأحاديث القطعية الصادرة منه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، أحس مدى التفاوت البعيد بين الأسلوبين، وآمن بأنّ أسلوب التنزيل يغاير أسلوب الحديث. وهذا يدلّ على أنّ القرآن ينزل من عالم آخر على ضمير النبي، بينما الحديث يتكلم به النبي من إنشاء نفسه.
                        وعلى الجملة، جاء القرآن في ثوب غير الأثواب المعروفة للكلام عند العرب، وفي صورة غير الصور المألوفة، جاء نسيج وحده، وصورة ذاته، لا يشبه غيره، ولا يشبهه غيره. فلا هو شعر، ولا هو نثر، ولا هو من قبيل سجع الحكماء أو العرّافين والكُهّان.
                        والّذي يمكن أن يقال إنّه قرآن فصّلت آياته، وكل آية لها مقطع تنتهي به، وهو الفاصلة، وهذه هي الظاهرة المحسوسة فيه، يقف عليها من يتصل بالقرآن الكريم، قارئاً كان أو مستمعاً، مؤمناً كان أو غير مؤمن.
                        وأنت إذا أردت أن تلمس الأسلوب القرآني عن كثب، وتقف عليه وقوف لامس للحقيقة، ومستكشف لها عن قرب. فلاحظ موضوعاً واحداً ورد في القرآن المجيد، وفي كلام النبي الأعظم أو الوصي. فكلاهما يهدفان إلى أمر واحد، ولكن لكل أُسلوبه الخاص لا يختلط أحدهما بالآخر.
                        يقول الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في وصف الغفلة عن الآخرة: «وكأنّ
                        الموت فيها على غيرنا كُتِب، وكأنّ الحق فيها على غيرنا وَجَب، وكأنّ الّذي نُشَيّع من الأموات سَفَر، عمّا قليل إلينا يرجعون».
                        وأنت إذا قارنته بما ورد في الذكر الحكيم في هذا المضمار ترى التفاوت بينهما بينا.
                        يقول سبحانه: (وَ مَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)(1).
                        فهما قد اتّفقا على وصف معنى واحد، وهو الموت والعود إلى الآخرة، وتصرّم الدنيا وانقضاء أحوالها، وطيّها، والورود إلى الآخرة، ولكن القرآن متميز في تحصيل هذا المعنى وتأديته بأسلوب خاص، تمييزاً لا يدرك بقياس، ولا يعتوره التباس.
                        وهكذا، لاحظ قول علي ـ عليه السَّلام ـ : «أَمْ هذا الّذي أنشأه في ظُلُمات الأرحام، وشُغُف الأستار، نطفة دهاقا، وعلقة محاقا، وجنينا، ووليدا، ويافعا»(2).
                        ثم قارنه إلى قوله تعالى: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة مُخَلَّقَة وَ غَيْرِ مُخَلَّقَة لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَل مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ)(3).
                        فإنك ترى الأسلوبين يتغايران جوهراً، ولا يجتمعان في شيء.


                        وأخيراً، يجب التنبيه على أنّ الأسلوب وحده لا يكفي لجعل الكلام فوق كلام البشر، ما لم ينضم إليه الدعائم الثلاث الأخر، خصوصاً سمو المعاني وعلو المضامين، فإنّ له القسط الأكبر في جعل الأسلوب ممتازاً، تمتدّ إليه الأعناق، وإلاّ فمحاكاة الأسلوب القرآني ملموس في كلام المدّعين للمعارضة مثل مسيلمة وغيره، كما سيوافيك، ولكنه يفقد المضمون الصحيح، والمعنى المتزن، وقد عرفت أن إعجاز القرآن بمعنى كونه خلاباً للعقول، ومبهراً للنفوس رهن أمور أربعة توجب حصول تلك الحالات للإنسان فلا يجد في نفسه أمام القرآن إلاّ السكوت والسكون.
                        وهناك من خفي عليه دور الأسلوب في رفع شأن القرآن، وزَعَم أنّ إعجاز القرآن ينحصر في الدعائم الثلاثة الأُول قال: «إنّ الأسلوب لا يمنع من الإتيان بأسلوب مثله، لأنّ الإتيان بأسلوب يماثله، سهل ويسير على كل واحد، بشهادة أن ما يحكى عن مسيلمة الكذاب من قوله: «إنّا أعطيناك الجواهر، فصلّ لربِّك وجاهر»، يشبه أسلوب القرآن»
                        ولكنه غفل عن أنّ الأسلوب أحد الدعائم لا الدعامة المنحصرة، حتى أنّ ما ادعاه من أن إعجاز القرآن لأجل الفصاحة، والبلاغة، وجودة النظم وحسن السياق، ليست دعائم كافية لإثبات الإعجاز، إذ في وسع البشر صياغة كلام في غاية الفصاحة والبلاغة مع حسن السياق وحودته، ومع ذلك لا يكون معجزاً لإمكان منافحته ومقابلته والإتيان بمثله، فيلزم على ذلك عدم كون القرآن من تلك الجهة معجزاً.
                        والّذي يقلع الإشكال أنّ الإعجاز رهن هذه القيود الأربعة، وأنّ الإتيان بكلام فصيح غايتها، وبليغ نهايتها، منضماً إلى روعة النظم، في هذا الأسلوب الخاص المعهود من القرآن، أمر معجز. ولذلك لم تجد طيلة هذه القرون حتى يومنا هذا كلام يناضل القرآن في آياته وسوره.
                        ونضيف، أنّه ليس هنا مقياس ملموس كالأوزان الشعرية لتبيين حقيقة أسلوب القرآن، وإنّما هو أمر وجداني يدركه كل من له إلمام بالعربية.
                        ولأجل تقريب المطلب نذكر آية، ثم نذكر مضمونها بعبارة أخرى، فترى أنّ العبارة الثانية بشرية، والأولى قرآنية.
                        قال سبحانه: (وَ مِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَ يَعْفُ عَنْ كَثِير)
                        هذا هو الكلام الإلهي.
                        فلو أراد إنسان أن يصب هذا المعنى بصورة أُخرى، يتغير الأُسلوب، مهما بلغ في الفصاحة والبلاغة من العظمة، فيقال مثلاً:
                        «ومن أعظم علاماته الباهرة، جري السُفُن على الماء، كالأبنية العظيمة، إن يرد هبوب الريح تجري بها، وإن يرد سكون الريح فتركد على ظهره، أو يرد إهلاكها بالإغراق بالماء فيهلكهم بسيئات أعمالهم. وفي ذلك آيات للمؤمنين».
                        فانظر الفرق بين الأُسلوبين، والإختلاف في السبكين، مضافاً إلى افتقاد الثانية بعض النكات الموجودة في الآية.
                        * * *
                        إلى هنا تمّ الكلام حول الدعائم الأربع الّتي بني عليها صرح الإعجاز
                        Last edited by الغزالى; 10-04-2006, 12:37 AM.
                        لا اله الا الله , محمد رسول الله

                        Comment

                        • الباحث عن الحق
                          عضو
                          • Aug 2006
                          • 197

                          #57
                          موضوع جميل وممتع.
                          جزاك الله خير الغزالي.
                          غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ

                          Comment

                          • عاشق الأمل الأحمد
                            عضو
                            • Oct 2005
                            • 199

                            #58
                            بالفعل موضوع قيم قيم قيم بحق

                            جزاك الله كل خير أخي في الله الغزالي
                            بسم الله الرحمن الرحيم
                            <وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)>
                            سورة الرحمن

                            أحمد .. مسلم

                            Comment

                            • يزيد القديري
                              عضو
                              • Mar 2007
                              • 36

                              #59
                              موضوع مؤثر ...
                              أثر فيني الروح السامية المنصفة الموضوعيةى التي تحدث بها كل من الاخ حاتم والاخ الغزالي .. لكن لي بعض التساؤلات سأطحرها في موضوع الاخ الغزالي الذي افرده عن دلائل نبوة محمد عليه الصلاة والسلام .
                              ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه

                              Comment

                              • يزيد القديري
                                عضو
                                • Mar 2007
                                • 36

                                #60
                                يرفع
                                ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه

                                Comment

                                Working...