لنبدأ من البداية، لقد عنون أخونا الدكتور الفاضل مقالته الأولى التي ضمنها القاعدة الأولى بقوله :
النزاع بين الرسل وأقوامهم إنما كان في توحيد الألوهية " إفراد الله بالعبادة " لا في توحيد الربوبية "إفراد الله بالخلق " ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشريك .
و أكد على ذلك في الشرح بكلام للإمام بن عبد الوهاب، و أعقبه كلام نفيس لابن تيمية و هو قوله :
" ومن ظن في عباد الأصنام أنهم كانوا يعتقدون أنها تخلق العالم أو أنها تنزل المطر أو أنها تنبت النبات أو تخلق الحيوان أو غير ذلك فهو جاهل بهم بل كان قصد عباد الأوثان لأوثانهم من جنس قصد المشركين بالقبور للقبور المعظمة عندهم "مجموع الفتاوى 1-359
و يؤكد ذلك ما ذهب إليه تلميذه الإمام ابن كثير في التفسير :
قال ابن كثير في تفسيره : يَقُول تَعَالَى مُقَرِّرًا أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْره مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ الْمُسْتَقِلّ بِخَلْقِ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَتَسْخِير اللَّيْل وَالنَّهَار وَأَنَّهُ الْخَالِق الرَّازِق لِعِبَادِهِ وَمُقَدِّر آجَالهمْ وَاخْتِلَافهَا وَاخْتِلَاف أَرْزَاقهمْ . فَتَفَاوَتَ بَيْنهمْ فَمِنْهُمْ الْغَنِيّ وَالْفَقِير وَهُوَ الْعَلِيم بِمَا يُصْلِح كُلًّا مِنْهُمْ وَمَنْ يَسْتَحِقّ الْغِنَى مِمَّنْ يَسْتَحِقّ الْفَقْر فَذَكَرَ أَنَّهُ الْمُسْتَقِلّ بِخَلْقِ الْأَشْيَاء الْمُنْفَرِد بِتَدْبِيرِهَا فَإِذَا كَانَ الْأَمْر كَذَلِكَ فَلِمَ يُعْبَد غَيْره ؟ وَلِمَ يُتَوَكَّل عَلَى غَيْره ؟ فَكَمَا أَنَّهُ الْوَاحِد فِي مُلْكه فَلْيَكُنْ الْوَاحِد فِي عِبَادَته وَكَثِيرًا مَا يُقَرِّر تَعَالَى مَقَام الْإِلَهِيَّة بِالِاعْتِرَافِ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّة وَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتهمْ لَبَّيْكَ لَا شَرِيك لَك إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَك تَمْلِكهُ وَمَا مَلَكَ . انتهى كلام ابن كثير
و كلا القولين واضح في أن عامة المشركين – عبدة الأصنام بالتحديد كمشركي العرب الذين خاطبهم القرآن – هم مشركون في الألوهية دون الربوبية (الخلق و التصرف الذي لا يقدر عليه إلا الله)
و على هذا لا يصح الجمع إلا من باب التشبيه فيما توافقت عليه ملل الكفر و الشرك كتعطيل بعض الصفات أو وصف الله تعالى بما لا يليق به و القول عليه بغير علم، و هذا ما اصطلح عليه بعض أهل العلم بأفراد الربوبية، كاعتقاد بعض مشركي العرب في الأنواء و الرقى والتمائم والطيرة.
لكننا بالمقابل نجد أن هناك في بعض الملل شركا في الربوبية رأسا و ليس أفرادا كشرك النصارى و المجوس.
يقول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي :
''فطر الله الخلق على الاعتراف بربوبيته، والإقرار بكونه الخالق والرازق والمدبر والمتصرف، وهم بذلك مقرون، ولم يشذ عن ذلك إلا طوائف قليلة لفساد فطرهم وسقم عقولهم، كما أن القلوب تقر بتوحيد الأسماء والصفات إجمالاً، وقد جعل الله تعالى إقرار الخلق بربوبيته لهم حجة عليهم في توحيد الإلهية، وهو الغاية المطلوبة من خلق العباد.''
و كما ذكرنا فهناك حالات استثنائية للإشراك بالله تعالى في ربوبيته، و قد عرض لها الشيخ الراجحي في مقالته بشيء من التفصيل، فاستشهد بأربعة أمثلة لمن وقعوا في هذا الشرك –وقد اصطلح عليه الراجحي بأنه شذوذ في توحيد الربوبية- لأنه تعطيل و إنكار لها بالأساس :
- الفرعونية
- القائلون بالصدفة
- الدهرية
- الطبيعيون
و ذكر أمثلة للمشركين في الربوبية :
- مشركو الأصنام والكواكب (قال بعض المشركين)
- مثلثة النصارى
- مانوية المجوس
ثم قال :
''وهؤلاء الذين أشركوا في الربوبية لم يقولوا بتساوي هؤلاء الأرباب، فلم يقل أحد: إن هناك في العالم خالقين أو ثلاثة متساوين في الصفات والأفعال، بل هؤلاء الذين أشركوا في الربوبية يفضلون بعض هذه الأرباب على بعض.''
و قال أحد الإخوة الأفاضل مقالا أعجبني في بيان أن المشركين في زمان النبي صلى الله عليه و سلم لم يقعوا في شرك الربوبية إلا في حالات استثنائية، يقول :
قال الله تعالى : " فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) " العنكبوت
فأثبت لهم الإخلاص - الذي هو عين التوحيد - في الشدة ثم أثبت لهم الشرك في الرخاء
والدعاء هو عين العبادة، ولا يوحد اللهَ أحدٌ توحيد عبادة إلا وقد وحَّدَه - من قبل - توحيد ربوبية فإثبات توحيد العبادة لشخص يلزم منه الدلالة على توحيده للربوبية دلالة النتيجة على السبب .
أقول : فيكون إشراكهم بالله تعالى في ألوهيته عن هوى فقط و تزيينا من الشيطان بعد يقينهم بأن الله تعالى هو الأحق بالعبادة ممن سواه، فهم كانوا بالأساس حديثي عهد بدين إبراهيم عليه السلام، و كان تعظيمهم لجناب الكعبة من تعظيمهم لجناب الله تعالى و ليس لأصنام يتقربون بها إلى الله كما جاء ذلك صريحا في كلام الله تعالى.
قلت بارك الله فيك :
فمقصوده فيما يبدو لي ان حتى النزاع في الربوبية من الدهرية و المعطلة و المسيحيين و عبدة الاصنام و القبور و الحكام لا يحقق الا على النزاع في الألوهية و المناظرة عليها لا المناظرة على الربوبية...اذ لا احد ينكر ان مشركي العرب و اليهود و النصارى كانوا يشركون في الربوبية ايضا و ليس فقط في الالوهية و تعطيلهم في باب الصفات مشهور , الا ان القرآن ما حاجهم الا بالألوهية و نازعهم عليها لترابط ما بينهما , و تحقق الواقعية في النزاع على الألوهية اكثر مما يتحقق في الربوبية لوجود ثمرته النفعية
و لهذا كان ائمة المذاهب الأربعة و المذاهب الكبرى الأخرى المندثرة حين بنوا مذاهبهم الففقهية بنوها على هذه الأصول النفعية الكبرى للدين من تتبع اثار الألوهية و توحيد القصد و الطلب دون الربوبية في فروع الشرائع لأنها الوحيدة المحققة للحرية الواقعية التي نرى كيف تفعل كلمة الحرية اليوم بالناس لملامستها لأعمق ما فطروا عليه من النفور لعبودية مخلوق مثلهم
فقد يكون المرء موحدا في الربوبية مشركا في العمل – أي دون الإعتقاد- كما أنه قد يكون لديه أصل إيمان بالله تعالى لكنه لا يعمل بمقتضاه فيكون كفره عمليا، و لا يلحق بالكفر العقدي، و بالمقابل قد يبدو لك أحدهم في الظاهر موحدا لله كحال كثير من النصارى لكن عندما تناقشه في تفاصيل معتقده تجده يؤمن بالتثليث، و قد حدث لي شخصيا أن ناقشت بعض النصارى في اعتقاد غريب بأن للشيطان تصرفا مع الله فينسب إليه وقوع الزلازل و الشرور في العالم، هذا عدا من يعتقد منهم بتصرف الفضائيين في الكون.
لماذا كان نبذ شرك الألوهية هو محور دعوة الرسل جميعا :
قال ابن تيمية في تعريفه لهذا الشرك : "فأما الشرك في الإلهية فهو أن يجعل لله نداً ـ أي: مثلاً ـ في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته، فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، قال تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال:48]، وهذا هو الذي قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي العرب لأنهم أشركوا في الإلهية، قال الله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ} الآية [البقرة:165]، وقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى} الآية [الزمر:3]، وقالوا: {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عُجَابٌ} [ص:5]، وقال تعالى: {أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} [ق:24]، إلى قوله: {ٱلَّذِى جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءاخَرَ فَأَلْقِيَـٰهُ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ} [ق:26]"[9].
وقال المقريزي: "فالشرك في الإلهية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك، وهو شرك عبّاد الأصنام، وعبّاد الملائكة، وعبّاد الجن، وعبّاد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات، الذين قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعوا لنا عنده، وينالنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قربٌ وكرامة، كما هو المعهود في الدنيا من حصول الكرامة والزلفى لمن يخدم أعوان الملك وأقاربه وخاصته. والكتب الإلهية كلها من أوّلها إلى آخرها تبطل هذا المذهب وتردّه، وتقبِّح أهله، وتنصّ على أنهم أعداء الله تعالى، وجميع الرسل صلوات الله عليهم متفقون على ذلك من أوّلهم إلى آخرهم، وما أهلك الله تعالى من أهلك من الأمم إلا بسبب هذا الشرك ومن أجله"[10].
أقول : ليس نزاع الرسل عليهم السلام حول الشرك في الألوهية متعلقا بالثمرة النفعية و لكن لأنه بالفعل كان هو الغالب على أهل الإشراك بالله تعالى، كحال قوم نوح الذين اتخذوا أصناما لعباد صالحين فعكفوا عليها تقربا إلى الله لما لأولئك الصالحين من الحظوة المفترضة عند الله و ليس لأنهم يعتقدون فيهم ما يعتقدون في ربوبية الله تعالى. و لم يكن الرسل صلوات الله عليهم و سلامه ليدعوا النزاع حول أصل من أصول الإيمان تم نقضه –عدا وجوب الإخلاص لله في العبادة- بل كانوا يصدعون بالحق على أي حال و في كل موطن كما كان شأن إبراهيم و موسى عليهما السلام مع فرعون و عبدة النجوم الذين كان الشرك الغالب عليهم هو شرك الربوبية، و كما هو شأن رسول الله صلى الله عليه و سلم مع اليهود و النصارى الذين اعتقدوا الربوبية في بشر من دون خالق البشر جل و علا، و هكذا كانت دعوة الرسل عليهم السلام بحسب الحال ردا و تبيانا و إيضاحا و نقضا صريحا للباطل و محقا له كيفما جاء، و لا يتصور منهم تجاوز ما ينتقض كلمة التوحيد لتعلقه بالاعتقاد في الربوبية دون الألوهية من باب أولى لأنه فساد في أصل الإعتقاد و ليس فقط في العمل، كما هو حال الدهرية و القدرية و الملاحدة في عصرنا الحديث فهم كما ذكرنا في موضع آخر أسوء كفرا من أهل الإشراك بالله تعالى في ألوهيته.
قال شيخ الاسلام بن تيمية في منهاج السنة النبوية :
''وأصل المشركين والمعطلة باطل وكذلك أصل المجوس، والقدرية تخرج بعض الحوادث عن خلق الله وقدرته ويجعلون له شريكا في الملك وهؤلاء الدهرية شر منهم في ذلك فإن قولهم يستلزم إخراج جميع الحوادث عن خلق الله وقدرته وإثبات شركاء كثيرين له في الملك بل يستلزم تعطيل الصانع بالكلية.''
و لأجل ما ذكرنا يبقى لدي إشكال : و هو كيف يكون الشرك بالله تعالى في الألوهية أعظم عقوبة عند الله في الجزاء و المئال من كل كفر ككفر اليهود و النصارى و الدهرية و المعطلة، لقول الله تعالى : (إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء) و هل لذلك علاقة بمدى العلم بالله بأسمائه و صفاته، فيؤخذ على المشرك في الألوهية إثم شركه بالرب تبارك و تعالى لتعلق شركه بعمل القلب و الجوارح مع صحة علمه و اعتقاده في حين أن المشرك في الربوبية أو عدم الموقن بها أو ببعض أفعال الله كالقدرة على البعث مثلا لا علم له بحقيقة الصفات الإلهية، لذا ؟؟؟؟
و قد جاء في صحيح الإمام البخاري شيء من هذا القبيل :
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( قال رجل لم يعمل خيرا قط : فإذا مات فحرقوه ، واذروا نصفه في البر ، ونصفه في البحر ؛ فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين ، فأمر الله البحر فجمع ما فيه ، وأمر البر فجمع ما فيه ، ثم قال : لم فعلت ؟ ، قال من خشيتك وأنت أعلم ، فغفر له ) متفق عليه .
نرجو بيانا وافيا لهذا من أهل الخبرة في موضوع آخر –و إن كان متفرعا- فنرجو عدم البث فيه إلا بشكل مستقل أو على الخاص.
Leave a comment: