وكما فعل الدكتور في مسألة اجتهاد النبي –صلى الله عليه وسلم- عندما عرضها وكأنها محلّ خلاف بيننا، عرضَ مسألة أخرى كذلك، وهي محلّ اتّفاق أيضاً (والحمد لله).
وهي مسألة: حوادث العين التي لا عموم لها، وهي لذلك ليست بلاغاً عامًّا للأمّة، كالفصل بين الخصوم في القضاء، وتدابير الحروب، والسياسة الشرعية في حالةٍ خاصّة. فقد ذكر الدكتور هذه الأمور، ونصوص العلماء على أنها لا يلزم أن تكون بوحي.
ولا أدري ألم يقرأ الدكتور العثماني قولي بالحرف الواحد: "وهذه الأحكام الخاصة التي لا عموم فيها (كحكمه صلى الله عليه وسلم على سبيل القضاء والإمامة والسياسة) هي التي ربما عبّر عنها العلماء بأمور الدنيا، التي لا يلزم أن تكون بوحي، بل التي قد يحكم النبيّ –صلى الله عليه وسلم- فيها بحكم، ولا يُصوَّب، ويكون مخالفاً للواقع؛ لأن الخطأ في هذه الأمور لا يؤدّي إلى خطأ في التصوُّر للأمّة كلّها إلى قيام الساعة، ولا يفهمُ الناس منه أنه حكمٌ يتعدَّى إلى غير من حُكِم له أو عليه، ولا يَؤُول إلى خللٍ في بلاغ الدين".
إذن فأنا أقرّر أنّ النبيّ –صلى الله عليه وسلم- قد يجتهد في هذه الأمور، بل إني لأقرر أيضاً أنه قد يخطئ في اجتهاده، بل أضيف إلى أنه قد لا يُصوَّبُ خطأه في هذه الحالة؛ لأنه في حُكمه على زيدٍ من الناس بأن عليه حقًّا لعَمرو، أو أن الرّماة يوم أحد يقفون على جبلهم، لن يفهم الناس من ذلك أن هذا هو حكم زيد من الناس مطلقا، ولا أنّ المعارك لا تصح إلا بأن يقف الرماة على جبل الرماة!! هذا لا قائل به من العقلاء، ولا بلغ الفَهْمُ البشري إلى هذا الحدّ من التدنيّ، لذلك لو أخطأ النبي –صلى الله عليه وسلم- في مثل هذه الأمور ولو لم يصوَّب هذا الخطأ لا يكون في ذلك خطر على صحّة تبليغ الشريعة، ولا يؤدّي ذلك الخطأ –لو وقع- إلى تحريف معالم الدين؛ ولذلك لم يكن هناك ضرورة مطلقةٌ إلى تصويب مثله. وهذا بخلاف الخبر الجازم من النبيّ –صلى الله عليه وسلم-، الذي يفهم المخاطَبون به أنه حقٌّ وصِدْق، وهو بخلاف ذلك، فيما لو أُقر النبيّ –صلى الله عليه وسلم- فيه على الخطأ. فإنه يؤدّي إلى تحريف الحقيقة، وتشويه الدين..
لقد كنتُ قد ذكرتُ في هذا السياق حديثَ أمِّ سلمة –رضي الله عنها-، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "إنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون أَلْحَن بحجّته، من بعض، فأقضي له على نحوٍ ممّا أسمع منه. فمن قطعتُ له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعةً من النار".
وذكرتُ أنه دليلٌ على أن النبيَّ –صلى الله عليه وسلم- قد يجتهد في حوادث الأعيان التي لا عموم لها، ويخطئ، ولا يصوّبُ الوحيُ خطأه.
فلماذا يُعيدُ الدكتور كلامي واستدلالي، وكأنه يخالفني في هذا المعنى، اللهم إلا إن كان الدكتور (وفقه الله) يريد أن يُساوي بين أمور الدنيا التي لا عموم لها (كهذه الحوادث العينيّة) والأمور العامّة والأخبار المطلقة، بحجّة أن الجميع من أمور الدنيا.
وعندها يكون قد ساوَى بين غير المتساويين، ولزمه أن يعطينا الفارق الواضح بين ما يُحتجُّ به من السنّة في أمور الدنيا وما لا يحتج به؛ إذ إنّ اطّراد هذا القول حينها سيكون هو ردَّ السنّة في أمور الدنيا كلّها، وأنها لا تُقبل إلا في العقائد والعبادات المحضة؛ كما سبق وبيّنتُه في مقالي السابق.
والدكتور (وفقه الله) كاد أن يعترف بأنه لا فارق واضحاً لديه لأمور الدنيا التي تلزم فيها طاعةُ النبي –صلى الله عليه وسلم- والتي لا تلزم فيها الطاعة، وأنه لم يصل لوضع ضابط صحيح لذلك.
فهو عندما أورد رأي شهاب الدين القرافي في التمييز، وأنه: ما كان لمصلحة الآخرة وما كان لمصلحة الدنيا، وأثنى على هذا التمييز، عاد وقال: "لكنها تحتاج إلى مزيد دراسة وتعميق". وهو إنما أعلن حاجته إلى ذلك؛ لأنه قد علم أن ما ذكره القرافي ليس ضابطاً للتمييز، فبهذا التعبير الذي نقله عنه يمكنني أن أُخرج نُصوصَ المعاملات، ولا يفيدني ذلك الوصفُ ما يمنع من هذه النظرة الكنسيّة (حسب تعبير الدكتور).
وأمّا قول الدكتور: "وهكذا يتبيّن أن المقصود من التصرفات النبويّة الدنيويّة ليس هو ممّا يبلّغه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن الله من أخبار أو أحكام، فهذه هو فيها صادق أمين، معصوم عمّا يطالها من خُلْف أو خلل، ولو كانت متعلقة بأمور المعاملات بين الناس"، فليس فيه بيان ضابط التفريق بين أمور الدنيا التي يبلّغها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن الله تعالى، وأمور الدنيا التي ليست بلاغاً عن الله تعالى. وما الذي جعل أمور المعاملات عن الله تعالى، دون أمور الطب مثلاً؟!
لقد كنتُ في مقالي السابق قد ذكرتُ ضابطًا لا يُحرج الذي ما زال يحتجّ بالسنة في غير العبادات والعقائد، كالمعاملات المالية وغيرها من أمور الدنيا؛ لأنه ضابطٌ حدَّدَ أمور الدنيا بحوادث الأعيان التي لا عموم لها.
أمّا من احتجّ بالسنة في أمور المعاملات وهي من مصالح الدنيا، وردّها في الطب مثلاً، فقد تناقض؛ وإلا فيلزمه أن يبيّن لي كيف عرف أن الأولى بلاغٌ عن الله تعالى دون الثانية!
ومن دلائل بطلان القول (أيّ قول) فسادُ لوازمه؛ ومن وسائل إثبات عدم صحّة رأي طَرْدُه لتتضح نتائجه الخطيرة، وهذا ما حرصتُ على بيانه في مقالي السابق، ولم يقف الدكتور عند ذلك، ولا مَرّ به في تعقيبه، ولا مرور الكرام على اللغو.
وهي مسألة: حوادث العين التي لا عموم لها، وهي لذلك ليست بلاغاً عامًّا للأمّة، كالفصل بين الخصوم في القضاء، وتدابير الحروب، والسياسة الشرعية في حالةٍ خاصّة. فقد ذكر الدكتور هذه الأمور، ونصوص العلماء على أنها لا يلزم أن تكون بوحي.
ولا أدري ألم يقرأ الدكتور العثماني قولي بالحرف الواحد: "وهذه الأحكام الخاصة التي لا عموم فيها (كحكمه صلى الله عليه وسلم على سبيل القضاء والإمامة والسياسة) هي التي ربما عبّر عنها العلماء بأمور الدنيا، التي لا يلزم أن تكون بوحي، بل التي قد يحكم النبيّ –صلى الله عليه وسلم- فيها بحكم، ولا يُصوَّب، ويكون مخالفاً للواقع؛ لأن الخطأ في هذه الأمور لا يؤدّي إلى خطأ في التصوُّر للأمّة كلّها إلى قيام الساعة، ولا يفهمُ الناس منه أنه حكمٌ يتعدَّى إلى غير من حُكِم له أو عليه، ولا يَؤُول إلى خللٍ في بلاغ الدين".
إذن فأنا أقرّر أنّ النبيّ –صلى الله عليه وسلم- قد يجتهد في هذه الأمور، بل إني لأقرر أيضاً أنه قد يخطئ في اجتهاده، بل أضيف إلى أنه قد لا يُصوَّبُ خطأه في هذه الحالة؛ لأنه في حُكمه على زيدٍ من الناس بأن عليه حقًّا لعَمرو، أو أن الرّماة يوم أحد يقفون على جبلهم، لن يفهم الناس من ذلك أن هذا هو حكم زيد من الناس مطلقا، ولا أنّ المعارك لا تصح إلا بأن يقف الرماة على جبل الرماة!! هذا لا قائل به من العقلاء، ولا بلغ الفَهْمُ البشري إلى هذا الحدّ من التدنيّ، لذلك لو أخطأ النبي –صلى الله عليه وسلم- في مثل هذه الأمور ولو لم يصوَّب هذا الخطأ لا يكون في ذلك خطر على صحّة تبليغ الشريعة، ولا يؤدّي ذلك الخطأ –لو وقع- إلى تحريف معالم الدين؛ ولذلك لم يكن هناك ضرورة مطلقةٌ إلى تصويب مثله. وهذا بخلاف الخبر الجازم من النبيّ –صلى الله عليه وسلم-، الذي يفهم المخاطَبون به أنه حقٌّ وصِدْق، وهو بخلاف ذلك، فيما لو أُقر النبيّ –صلى الله عليه وسلم- فيه على الخطأ. فإنه يؤدّي إلى تحريف الحقيقة، وتشويه الدين..
لقد كنتُ قد ذكرتُ في هذا السياق حديثَ أمِّ سلمة –رضي الله عنها-، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "إنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون أَلْحَن بحجّته، من بعض، فأقضي له على نحوٍ ممّا أسمع منه. فمن قطعتُ له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعةً من النار".
وذكرتُ أنه دليلٌ على أن النبيَّ –صلى الله عليه وسلم- قد يجتهد في حوادث الأعيان التي لا عموم لها، ويخطئ، ولا يصوّبُ الوحيُ خطأه.
فلماذا يُعيدُ الدكتور كلامي واستدلالي، وكأنه يخالفني في هذا المعنى، اللهم إلا إن كان الدكتور (وفقه الله) يريد أن يُساوي بين أمور الدنيا التي لا عموم لها (كهذه الحوادث العينيّة) والأمور العامّة والأخبار المطلقة، بحجّة أن الجميع من أمور الدنيا.
وعندها يكون قد ساوَى بين غير المتساويين، ولزمه أن يعطينا الفارق الواضح بين ما يُحتجُّ به من السنّة في أمور الدنيا وما لا يحتج به؛ إذ إنّ اطّراد هذا القول حينها سيكون هو ردَّ السنّة في أمور الدنيا كلّها، وأنها لا تُقبل إلا في العقائد والعبادات المحضة؛ كما سبق وبيّنتُه في مقالي السابق.
والدكتور (وفقه الله) كاد أن يعترف بأنه لا فارق واضحاً لديه لأمور الدنيا التي تلزم فيها طاعةُ النبي –صلى الله عليه وسلم- والتي لا تلزم فيها الطاعة، وأنه لم يصل لوضع ضابط صحيح لذلك.
فهو عندما أورد رأي شهاب الدين القرافي في التمييز، وأنه: ما كان لمصلحة الآخرة وما كان لمصلحة الدنيا، وأثنى على هذا التمييز، عاد وقال: "لكنها تحتاج إلى مزيد دراسة وتعميق". وهو إنما أعلن حاجته إلى ذلك؛ لأنه قد علم أن ما ذكره القرافي ليس ضابطاً للتمييز، فبهذا التعبير الذي نقله عنه يمكنني أن أُخرج نُصوصَ المعاملات، ولا يفيدني ذلك الوصفُ ما يمنع من هذه النظرة الكنسيّة (حسب تعبير الدكتور).
وأمّا قول الدكتور: "وهكذا يتبيّن أن المقصود من التصرفات النبويّة الدنيويّة ليس هو ممّا يبلّغه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن الله من أخبار أو أحكام، فهذه هو فيها صادق أمين، معصوم عمّا يطالها من خُلْف أو خلل، ولو كانت متعلقة بأمور المعاملات بين الناس"، فليس فيه بيان ضابط التفريق بين أمور الدنيا التي يبلّغها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن الله تعالى، وأمور الدنيا التي ليست بلاغاً عن الله تعالى. وما الذي جعل أمور المعاملات عن الله تعالى، دون أمور الطب مثلاً؟!
لقد كنتُ في مقالي السابق قد ذكرتُ ضابطًا لا يُحرج الذي ما زال يحتجّ بالسنة في غير العبادات والعقائد، كالمعاملات المالية وغيرها من أمور الدنيا؛ لأنه ضابطٌ حدَّدَ أمور الدنيا بحوادث الأعيان التي لا عموم لها.
أمّا من احتجّ بالسنة في أمور المعاملات وهي من مصالح الدنيا، وردّها في الطب مثلاً، فقد تناقض؛ وإلا فيلزمه أن يبيّن لي كيف عرف أن الأولى بلاغٌ عن الله تعالى دون الثانية!
ومن دلائل بطلان القول (أيّ قول) فسادُ لوازمه؛ ومن وسائل إثبات عدم صحّة رأي طَرْدُه لتتضح نتائجه الخطيرة، وهذا ما حرصتُ على بيانه في مقالي السابق، ولم يقف الدكتور عند ذلك، ولا مَرّ به في تعقيبه، ولا مرور الكرام على اللغو.
يتبع
Comment