إلى الذين انهزموا أمام الغرب .. و انقادوا له .. فهم لا يفترون عن التمجيد و التطبيل لفكر فلان و فلسفة فلان و نظرية فلان ...
إلى الذين تنكروا لدينهم و انسلخوا من ثقافتهم الإسلامية انسلاخ الأعمى عن أجمل الثياب ليلبس أردءها .. و كأنه لم يكن لهم حضارة و لا مجد و لا عزة و لا كرامة و لا مجتمع إنساني فاضل يضرب به المثل في العلوم و الفنون و الحرب و الإختراع و الاكتشاف و الإبداع و تقدير المرأة و مراعاة الأمم و الشعوب ... فحالهم كحال من قال الله فيهم : مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا. و قال عنهم : أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير.
إسمعوا و لو للحظة .. و افتحوا عقولكم .. فإن لم يكن صوت الحق مسموعا لكم من أهله فاسمعوا له من خارج ...
يقول المؤرخ الإنجليزي (ويلز) : "كل دين لا يسير مع المدنية في كل أطوارها فاضرب به عرض الحائط ، وإن الدين الحق الذي وجدته يسير مع المدنية أينما سارت هو الإسلام … ومن أراد الدليل فليقرأ القرآن وما فيه من نظرات ومناهج علمية ، وقوانين اجتماعية ، فهو كتاب دين وعلم واجتماع وخلق وتاريخ ، وإذا طُلبَ مني أن أحدّد معنى الإسلام فإني أحدده بهذه العبارة " الإسلام هو المدنية"(1).
وتقول المستشرقة زيغريد هونكه في كتابها القيم : (شمس الله تسطع على الغرب) : "إن هذه القفزة السريعة المدهشة في سلم الحضارة التي قفزها أبناء الصحراء ، والتي بدأت من اللا شيء لهي جديرة بالاعتبار في تاريخ الفكر الإنساني… وإن انتصاراتهم العلمية المتلاحقة التي جعلت منهم سادة للشعوب المتحضرة لفريدة من نوعها ، لدرجة تجعلها أعظم من أن تُقارَن بغيرها ، وتدعونا أن نقف متأملين : كيف حدث هذا ؟! إنه الإسلام الذي جعل من القبائل المتفككة شعباً عظيماً ، آخت بينه العقيدة ، وبهذا الروح القوي الفتي شق العرب طريقهم بعزيمة قوية تحت قيادة حكيمة وضع أساسها الرسول بنفسه … أو ليس في هذا الإيمان تفسير لذلك البعث الجديد ؟! والواقع أن روجر بيكون أو جاليليو أو دافنشي ليسوا هم الذين أسسوا البحث العلمي .. إنما السباقون في هذا المضمار كانوا من العرب الذين لجأوا – بعكس زملائهم المسيحيين – في بحثهم إلى العقل والملاحظة والتحقيق والبحث المستقيم ، لقد قدّم المسلمون أثمن هدية وهي طريقة البحث العلمي الصحيح التي مهدت أمام الغرب طريقه لمعرفة أسرار الطبيعة وتسلطه عليها اليوم … وإن كل مستشفى وكل مركز علمي في أيامنا هذه إنما هي في حقيقة الأمر نُصب تذكارية للعبقرية العربية … وقد بقي الطب الغربي قروناً عديدة نسخة ممسوخة عن الطب العربي ، وعلى الرغم من إحراق كتب ابن سينا في مدينة بازل بحركة مسيحية عدائية ، فإن كتب التراث العربي لم تختف من رفوف المكتبات وجيوب الأطباء ، بل ظلت محفوظة يسرق منها السارقون ما شاء لهم أن يسرقوا"(2).
وعلى مدى الكتاب كانت المؤلفة تعقد المقارنات بين منهج العرب المسلمين في البحث العلمي وبين ما كان عليه العقل الغربي من تسطّح فتقول : "اتسعت الهوة بين الحضارة العربية الشامخة والمعرفة السطحية في أوربة التي كانت ترى أن من الكفر والضلال القول بأن الأرض كروية ، فمعلم الكنيسة لاكتانتيوس يتساءل مستنكراً: أيعقل أن يُجنّ الناس إلى هذا الحد ، فيدخل في عقولهم أن البلدان والأشجار تتدلى من الجانب الآخر من الأرض ، وأن أقدام الناس تعلو رؤوسهم؟!!"(3).
ويقول العلامة بريفولت : "ما من ناحية من نواحي الازدهار الأوربي إلا يمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة ، وإن ما يدين به علمنا لعلم العرب ليس فيما قدموه لنا من كشوف مدهشة ونظريات مبتكرة ، بل إنه مدين بوجوده ذاته … ولم يكن بيكون إلا رسولاً من رسل العلم والمنهج الإسلامي إلى أوربة المسيحية ، وهو لم يَملّ قط من التصريح بأن اللغة العربية وعلوم العرب هما الطريق الوحيد لمعرفة الحق(4).. ولقد انبعثت الحضارة الإسلامية انبعاثاً طبيعياً من القرآن ، وتميزت عن الحضارات البشرية المختلفة بطابع العدل والأخلاق والتوحيد ، كما اتسمت بالسماحة والإنسانية والأخوّة العالمية"(5).
* * *
" من كتاب " ربحت محمدا ولم أخسر المسيح"
صيد الفوائد
-----------------------
(1) عن (الإسلام والمبادئ المستوردة) د. عبد المنعم النمر (84) .
(2) (شمس الله تسطع على الغرب) ص (148 – 269 – 315 – 354) .
(3) نفسه ص (370) .
(4) (بناء الإنسانية) رويلت بريفولت نقلاً عن (مقدمات العلوم والمناهج) أنور الجندي ، مجلد4 ص(710) .
(5) عن (أخطر ما تواصى به المسلمون عبر الأجيال) أنور الجندي (16) .
يتبع إن شاء الله

Comment