المشايخ العلمانيون
الأحد, 23 شوال 1436
د. أحمد بن فارس السلوم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قد يكون من نافلة القول أن نذكِّر بنشأة العلمانية في القرون الوسطى المظلمة في أوروبا، ردةَ فعلٍ على الجَور الذي كانت تُعانيه من رجالات الكنسية المتحالفين مع سلاطين السوء؛ فقد أدى هذا الطغيان إلى النفور من الدين المحرف أصلًا، وإلى الانحراف عن الله عز وجل؛ إذ إن هؤلاء الطواغيت كانوا يوقعون باسمه، ويمنحون الخلق نيابة عنه الجنة، ويعاقبونهم بالنار، فنشأت فكرة العلمانية على أنها المخلص من الظلم والطغيان الذي كانت تعيشه القارة الأوربية.
وتمخضت الصراعات الأوربية الطاحنة بين الحاكم والمحكوم عن هذا النظام القائم على قصر الدين على العلاقة بين المرء وربه فيما بينه وبين نفسه، دون أن يكون للتعاليم الدينية أي دور في توجيه أنظمة الحياة المختلفة؛ فالعلمانية: هي فصل الدين عن الحياة.
لقد كانت النصرانية ورجالاتها السبب الرئيس لثورة الأوربيين على نظام الحكم الديني النصراني، ولا غرابة في ذلك؛ لأن النصرانية الحاكمة آنذاك لم تكن دينًا سماويًّا صحيحًا، ولا الإنجيل المعتمد عليه بكتاب سماوي صحيح، بمعنى أنه لم يكن على هيئته يوم نزل من السماء؛ فإن الأهواء البشرية عَبِثت به، واجتالته شياطين الإنس ذات اليمين وذات الشمال.
لقد كان فساد رجال الدين وتسلطهم على كتابهم تحريفًا وتغييرًا أمرًا قديمًا جدًّا؛ لأنه بدأ بُعَيد رفع المسيح عليه السلام بقليل، وقد قص الله عز وجل علينا في كتابه طرفًا من أحوالهم فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 34].
وقال عن الطغيان الديني الذي جرهم إلى استعباد الناس: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ [التوبة: 31].
ولذلك لم يكن مستغربًا أن يثور الناس على هكذا نظام يحكم، يسترقُّ البشر للبشر، ويستعبد الناس لبعض الأجناس؛ فإن الله عز وجل غرز في طبائع البشر حب الحرية، وجعل ذلك هو الأصل، وفطر خلقه على أن يتوجهوا بالعبادة إليه وحده.
بقي العالم الإسلامي بعيدًا عن تجاذبات العلمانية، وعن إفسادها للفطرة؛ لأن الداعي لظهورها في أوربا لا يوجد مثله بين المسلمين.
ولم يعرف العالم الإسلامي العلمانية طيلة قرون العزة والمجد، ولا ما بعدها، ولا حتى في زمن الدولة العثمانية التي ضعف في آخرها الدين، وكثر فيها الوهن، حتى كان منذ قرن تقريبًا، بدأت العلمانية تتردد في شوارع المسلمين على أيدي المحتل الأوربي، الذي سمى نفسه زورًا وبهتانًا بـ: المستعمر، وتلقَّيْنا منه هذه التسمية.
خرج هذا المستعمر المزعوم مهزومًا عسكريًّا على أيدي مَن جاهد لإعلاء كلمة الله، ولرفع راية الدين، ولكن الغاية مِن جهاد هؤلاء لم تتحقق؛ إذ لم تعد الأمة الإسلامية بعد خروج المستعمر إلى ما كانت عليه قبل دخوله؛ فقد استبدلت بنظام الحياة فيها نظامَ الأوربيين، القائم على العلمانية، ووجد هذا الأمر من النخبة المصنوعة من المستعمر استحسانًا وتزويرًا، مررت به ما تريد على الدَّهماء، ودخلت بذلك العلمانية - من غير سيف أو دم مهراق - إلى العالم الإسلامي.
وما هو إلا قليل حتى ذهبت الغمرة، وجاءت الفكرة، فعلم الناس ومَن بذل وجاهد، ومَن علم وتعلم، أنهم على شفا جرف هارٍ، وأن جهادهم منقوص، وتحررهم مشوه؛ فتنحية حكم الله عز وجل من الأرض طامة لم تعشها الأمة الإسلامية مِن قبل، وهذا النظام البديل فاسد سيهلك الحرث والنسل.
لم يكن الذين مكنوا للعلمانية عقلاء ولا مفكرين، ولا أئمة مبرزين، ولم يقدموا مبررات أكثر من أن الغرب أخذ بها، وحسبك أن تأخذ أوربا بأمرٍ كي يكون صحيحًا.
لقد كانت تنحية شريعة الله عز وجل عن الأرض المسلمة عودة إلى الجاهلية، وانتكاسة في الضلالة، ولكن الأمة لم تشعر بذلك في حينها؛ فقد كانت الفرحة بطرد المحتل الأوربي طاغية، والرغبة بالعصرنة والتجديد جامحة؛ فقاوم هذا المدَّ الجارف ثلةٌ من العلماء الربانيين، وبينوا خطر ذلك، وما فيه من المهالك؛ فديننا ليس بدين مستبد، ولا يرعى الاستبداد، وليس هو بدين كهنوتي يعطي رجاله هالة من القدسية، ومنزلة من التعظيم، بل هو دين شرائعي؛ أي: إنه يمتلك نظامًا ساميًا، ودستورًا سامقًا، يغطي جوانب الحياة كلها، ولا سيما الأنظمة الثلاثة التي يدور عليها صلاح الأمم والشعوب، ويكثر فيها كلام المفكرين والفلاسفة: النظام السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي.
إلا أن صوتهم لم يُسمع، لا سيما مع تسلط الحكام الذين خلفهم المحتل الأوربي بعده، وملَّكهم على رقاب المسلمين.
وانقسمت الأمة الإسلامية إزاء هذا الواقع إلى أقسام:
1 - قسم يؤمن بالعلمانية ويدعو لها، ويعلق عليها آمال التقدم والرقي، ويعلل الهزيمة والتخلف بالتمسك بالدين، وعامة الطبقة الحاكمة كانت من هؤلاء؛ فإن المحتل ما خرج حتى رباهم على عينه، واصطنعهم بأدواته.
2 - وقسم لا يدري ما الأمر، إلا أنه رأى في العلمانية تفلتًا من التكاليف الشرعية، وهذا أمر تتوق له النفوس الشهوانية، والطباع البطالة، ولكنه - على ذلك - لو ذُكر تذكر، ولو وُعظ انتبه.
3 - وقسم أدرك هذا الخطر، وهم الطائفة المنصورة - كما سماهم النبي صلى الله عليه وسلم - لم تختلف عليهم الحقائق، ولم تبهرجهم المسميات؛ فأنكروا، وأمروا بالمعروف، ونهَوا عن المنكر، وحاربوا فحُوربوا، وقاوموا فقُمعوا؛ فكانت السجون منازل خير الناس.
ومن هذا الصراع بين أهل الحق والعلم وبين النخبة العلمانية الحاكمة، ومع هذا التفلت من التكاليف الشرعية التي كانت تعيشه العامة، نشأ واقع للأمة الإسلامية لم أرَ له نظيرًا في تاريخ المسلمين، ونشأ كذلك نوع من المشايخ لم يكن معروفًا من قبل: إنهم المشايخ العلمانيون، وهم القسم الرابع.
طبيعة العلمانية تتصادم مع الإسلام؛ لأنها تلغي هيمنة القرآن، ومصدريته في التشريع، وتجعل الحُكم حقًّا للخلق دون الخالق.
فالله عز وجل يقول: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ [المائدة: 48].
وقال: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [المائدة: 49].
والعلمانية تفتن الناس عن كل ما أنزل الله، وليس عن بعضه.
فإذا كانت العلمانية بهذه الصورة، فكيف يمكن أن يكون هناك علماء ومشايخ علمانيون؟ وكيف يجتمع الضدان؟
ثمت أمور كثيرة دعت لظهور مثل هذا التيار المشيخي، المهادن للعلمانية، المعادي للطائفة المنصورة، ولكن قبل أن أذكر هذه الأسباب والجذور الفكرية لهذا التيار من المشايخ؛ (العلماشيخي)، لا بد أن أقول: إن هذا التيار يلتئم تحته صنفان من الناس متضادان مختلفان، أحدهما ينتسب إلى من مضى من السلف، والآخر يدعي التنوير والتجديد، وسأعرِّف بهؤلاء وهؤلاء من خلال سيماهم ولحنهم في القول.
أما الأولون فيعرفون بما يلي:
أولًا - يُكثر هؤلاء المشايخ من الخطاب التبريري للهيمنة العلمانية، ومن الدعوة لإحسان الظن بأقطابها الدعاة إليها، والتماس الأعذار لهم.
فهم رحماء على أهل العلمانية، غلاظ على من خالفهم من أهل العلم.
ثانيًا - مِن ديدنهم التخذيلُ عن نصرة المسلمين هنا أو هناك، وَلَيُّ النص الشرعي لتبرير هذا التخاذل.
ثالثًا - التجافي عن الحديث السياسي، والبعد عنه، فتجد منهم من يستعيذ من السياسة، وتجد منهم من يطعن في أهل العلم إذا تكلم في مسألة من السياسة، مما تهم أمر العامة، ولسان حاله يقول: دع السياسة لأهلها، وليت شعري ماذا ترك بعد هذه القالة للعلمانيين!
رابعًا - إضفاء الصفة الشرعية على بعض مخلفات المحتل الأوربي.
مِن ذلك: استحداث أوثان يجمعون الأمة عليها، ومِن ثَم تقديس هذه الأوثان، وإظهارها وكأنها مِن مسلمات الدين، ثم تأتي المرحلة الأخطر، وهي الاستعاضة بهذه الأوثان عن حقائق الإسلام، واستبدال السنة بالبدعة والهدى بالضلالة.
كالدعوة إلى رابطة الولاء على الوطن، أو الجنسية، أو الإقليم، وتكييف الدين على قوالب الحدود الوهمية التي صنعها المحتل، واشتهرت باسم حدود سايس بيكو.
كان بعض المؤرخين من المستشرقين يقول: إن أوروبا كانت تخشى من الرجل المريض - يريد الدولة العثمانية رغم ضعفها - لأن وراءها ثلاثمائة مليون مسلم، وهذا ما يبرر لك حرصهم على تفتيت الأمة الإسلامية، ثم رعاية هذا التفتيت عبر المشايخ العلمانيين.
فأصبحت الحدود الداخلية مسألة ولاء وبراء لدى هذا التيار (العلماشيخي).
خامسًا - محاربة أي جماعة تدعو إلى تطبيق حكم الله في أي مصرٍ من أمصار المسلمين، وانتقاده، والطعن فيه، ليس لأجل إصلاحه، بل للإيقاع به.
فإذا اتفق أن حُورب هذا البلد مِن قِبل الصليبين يصب هؤلاء جام غضبهم ومكتل لومهم على المسلمين، ويعتذرون عن الصليبين، ويوجدون لهم المبررات.
وهذا نَفَسهم دائمًا، وتلك هِجِّيراهم، والشنشنة العظمى التي بها يعرفون.
سادسًا - موالاة المستعمر السابق لبلاد المسلمين، موالاة باطنة، وإن كان ظاهر خطابهم النهي عن موالاة الكافرين، إلا أن من صفات هذا التيار (العلماشيخي) المخالفة بين القول والعمل.
وفي تبريرهم لهذا الأمر ينيطون الحكم بالتعقل والعقلانية والحكمة؛ فالعقل والحكمة يقتضيان مهادنة المستعمر وعدم استعدائه؛ ولذلك تجد بينهم وبين الجهاد عداوة لا صلح بعدها.
يتبع ======
الأحد, 23 شوال 1436
د. أحمد بن فارس السلوم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قد يكون من نافلة القول أن نذكِّر بنشأة العلمانية في القرون الوسطى المظلمة في أوروبا، ردةَ فعلٍ على الجَور الذي كانت تُعانيه من رجالات الكنسية المتحالفين مع سلاطين السوء؛ فقد أدى هذا الطغيان إلى النفور من الدين المحرف أصلًا، وإلى الانحراف عن الله عز وجل؛ إذ إن هؤلاء الطواغيت كانوا يوقعون باسمه، ويمنحون الخلق نيابة عنه الجنة، ويعاقبونهم بالنار، فنشأت فكرة العلمانية على أنها المخلص من الظلم والطغيان الذي كانت تعيشه القارة الأوربية.
وتمخضت الصراعات الأوربية الطاحنة بين الحاكم والمحكوم عن هذا النظام القائم على قصر الدين على العلاقة بين المرء وربه فيما بينه وبين نفسه، دون أن يكون للتعاليم الدينية أي دور في توجيه أنظمة الحياة المختلفة؛ فالعلمانية: هي فصل الدين عن الحياة.
لقد كانت النصرانية ورجالاتها السبب الرئيس لثورة الأوربيين على نظام الحكم الديني النصراني، ولا غرابة في ذلك؛ لأن النصرانية الحاكمة آنذاك لم تكن دينًا سماويًّا صحيحًا، ولا الإنجيل المعتمد عليه بكتاب سماوي صحيح، بمعنى أنه لم يكن على هيئته يوم نزل من السماء؛ فإن الأهواء البشرية عَبِثت به، واجتالته شياطين الإنس ذات اليمين وذات الشمال.
لقد كان فساد رجال الدين وتسلطهم على كتابهم تحريفًا وتغييرًا أمرًا قديمًا جدًّا؛ لأنه بدأ بُعَيد رفع المسيح عليه السلام بقليل، وقد قص الله عز وجل علينا في كتابه طرفًا من أحوالهم فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 34].
وقال عن الطغيان الديني الذي جرهم إلى استعباد الناس: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ [التوبة: 31].
ولذلك لم يكن مستغربًا أن يثور الناس على هكذا نظام يحكم، يسترقُّ البشر للبشر، ويستعبد الناس لبعض الأجناس؛ فإن الله عز وجل غرز في طبائع البشر حب الحرية، وجعل ذلك هو الأصل، وفطر خلقه على أن يتوجهوا بالعبادة إليه وحده.
بقي العالم الإسلامي بعيدًا عن تجاذبات العلمانية، وعن إفسادها للفطرة؛ لأن الداعي لظهورها في أوربا لا يوجد مثله بين المسلمين.
ولم يعرف العالم الإسلامي العلمانية طيلة قرون العزة والمجد، ولا ما بعدها، ولا حتى في زمن الدولة العثمانية التي ضعف في آخرها الدين، وكثر فيها الوهن، حتى كان منذ قرن تقريبًا، بدأت العلمانية تتردد في شوارع المسلمين على أيدي المحتل الأوربي، الذي سمى نفسه زورًا وبهتانًا بـ: المستعمر، وتلقَّيْنا منه هذه التسمية.
خرج هذا المستعمر المزعوم مهزومًا عسكريًّا على أيدي مَن جاهد لإعلاء كلمة الله، ولرفع راية الدين، ولكن الغاية مِن جهاد هؤلاء لم تتحقق؛ إذ لم تعد الأمة الإسلامية بعد خروج المستعمر إلى ما كانت عليه قبل دخوله؛ فقد استبدلت بنظام الحياة فيها نظامَ الأوربيين، القائم على العلمانية، ووجد هذا الأمر من النخبة المصنوعة من المستعمر استحسانًا وتزويرًا، مررت به ما تريد على الدَّهماء، ودخلت بذلك العلمانية - من غير سيف أو دم مهراق - إلى العالم الإسلامي.
وما هو إلا قليل حتى ذهبت الغمرة، وجاءت الفكرة، فعلم الناس ومَن بذل وجاهد، ومَن علم وتعلم، أنهم على شفا جرف هارٍ، وأن جهادهم منقوص، وتحررهم مشوه؛ فتنحية حكم الله عز وجل من الأرض طامة لم تعشها الأمة الإسلامية مِن قبل، وهذا النظام البديل فاسد سيهلك الحرث والنسل.
لم يكن الذين مكنوا للعلمانية عقلاء ولا مفكرين، ولا أئمة مبرزين، ولم يقدموا مبررات أكثر من أن الغرب أخذ بها، وحسبك أن تأخذ أوربا بأمرٍ كي يكون صحيحًا.
لقد كانت تنحية شريعة الله عز وجل عن الأرض المسلمة عودة إلى الجاهلية، وانتكاسة في الضلالة، ولكن الأمة لم تشعر بذلك في حينها؛ فقد كانت الفرحة بطرد المحتل الأوربي طاغية، والرغبة بالعصرنة والتجديد جامحة؛ فقاوم هذا المدَّ الجارف ثلةٌ من العلماء الربانيين، وبينوا خطر ذلك، وما فيه من المهالك؛ فديننا ليس بدين مستبد، ولا يرعى الاستبداد، وليس هو بدين كهنوتي يعطي رجاله هالة من القدسية، ومنزلة من التعظيم، بل هو دين شرائعي؛ أي: إنه يمتلك نظامًا ساميًا، ودستورًا سامقًا، يغطي جوانب الحياة كلها، ولا سيما الأنظمة الثلاثة التي يدور عليها صلاح الأمم والشعوب، ويكثر فيها كلام المفكرين والفلاسفة: النظام السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي.
إلا أن صوتهم لم يُسمع، لا سيما مع تسلط الحكام الذين خلفهم المحتل الأوربي بعده، وملَّكهم على رقاب المسلمين.
وانقسمت الأمة الإسلامية إزاء هذا الواقع إلى أقسام:
1 - قسم يؤمن بالعلمانية ويدعو لها، ويعلق عليها آمال التقدم والرقي، ويعلل الهزيمة والتخلف بالتمسك بالدين، وعامة الطبقة الحاكمة كانت من هؤلاء؛ فإن المحتل ما خرج حتى رباهم على عينه، واصطنعهم بأدواته.
2 - وقسم لا يدري ما الأمر، إلا أنه رأى في العلمانية تفلتًا من التكاليف الشرعية، وهذا أمر تتوق له النفوس الشهوانية، والطباع البطالة، ولكنه - على ذلك - لو ذُكر تذكر، ولو وُعظ انتبه.
3 - وقسم أدرك هذا الخطر، وهم الطائفة المنصورة - كما سماهم النبي صلى الله عليه وسلم - لم تختلف عليهم الحقائق، ولم تبهرجهم المسميات؛ فأنكروا، وأمروا بالمعروف، ونهَوا عن المنكر، وحاربوا فحُوربوا، وقاوموا فقُمعوا؛ فكانت السجون منازل خير الناس.
ومن هذا الصراع بين أهل الحق والعلم وبين النخبة العلمانية الحاكمة، ومع هذا التفلت من التكاليف الشرعية التي كانت تعيشه العامة، نشأ واقع للأمة الإسلامية لم أرَ له نظيرًا في تاريخ المسلمين، ونشأ كذلك نوع من المشايخ لم يكن معروفًا من قبل: إنهم المشايخ العلمانيون، وهم القسم الرابع.
طبيعة العلمانية تتصادم مع الإسلام؛ لأنها تلغي هيمنة القرآن، ومصدريته في التشريع، وتجعل الحُكم حقًّا للخلق دون الخالق.
فالله عز وجل يقول: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ [المائدة: 48].
وقال: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [المائدة: 49].
والعلمانية تفتن الناس عن كل ما أنزل الله، وليس عن بعضه.
فإذا كانت العلمانية بهذه الصورة، فكيف يمكن أن يكون هناك علماء ومشايخ علمانيون؟ وكيف يجتمع الضدان؟
ثمت أمور كثيرة دعت لظهور مثل هذا التيار المشيخي، المهادن للعلمانية، المعادي للطائفة المنصورة، ولكن قبل أن أذكر هذه الأسباب والجذور الفكرية لهذا التيار من المشايخ؛ (العلماشيخي)، لا بد أن أقول: إن هذا التيار يلتئم تحته صنفان من الناس متضادان مختلفان، أحدهما ينتسب إلى من مضى من السلف، والآخر يدعي التنوير والتجديد، وسأعرِّف بهؤلاء وهؤلاء من خلال سيماهم ولحنهم في القول.
أما الأولون فيعرفون بما يلي:
أولًا - يُكثر هؤلاء المشايخ من الخطاب التبريري للهيمنة العلمانية، ومن الدعوة لإحسان الظن بأقطابها الدعاة إليها، والتماس الأعذار لهم.
فهم رحماء على أهل العلمانية، غلاظ على من خالفهم من أهل العلم.
ثانيًا - مِن ديدنهم التخذيلُ عن نصرة المسلمين هنا أو هناك، وَلَيُّ النص الشرعي لتبرير هذا التخاذل.
ثالثًا - التجافي عن الحديث السياسي، والبعد عنه، فتجد منهم من يستعيذ من السياسة، وتجد منهم من يطعن في أهل العلم إذا تكلم في مسألة من السياسة، مما تهم أمر العامة، ولسان حاله يقول: دع السياسة لأهلها، وليت شعري ماذا ترك بعد هذه القالة للعلمانيين!
رابعًا - إضفاء الصفة الشرعية على بعض مخلفات المحتل الأوربي.
مِن ذلك: استحداث أوثان يجمعون الأمة عليها، ومِن ثَم تقديس هذه الأوثان، وإظهارها وكأنها مِن مسلمات الدين، ثم تأتي المرحلة الأخطر، وهي الاستعاضة بهذه الأوثان عن حقائق الإسلام، واستبدال السنة بالبدعة والهدى بالضلالة.
كالدعوة إلى رابطة الولاء على الوطن، أو الجنسية، أو الإقليم، وتكييف الدين على قوالب الحدود الوهمية التي صنعها المحتل، واشتهرت باسم حدود سايس بيكو.
كان بعض المؤرخين من المستشرقين يقول: إن أوروبا كانت تخشى من الرجل المريض - يريد الدولة العثمانية رغم ضعفها - لأن وراءها ثلاثمائة مليون مسلم، وهذا ما يبرر لك حرصهم على تفتيت الأمة الإسلامية، ثم رعاية هذا التفتيت عبر المشايخ العلمانيين.
فأصبحت الحدود الداخلية مسألة ولاء وبراء لدى هذا التيار (العلماشيخي).
خامسًا - محاربة أي جماعة تدعو إلى تطبيق حكم الله في أي مصرٍ من أمصار المسلمين، وانتقاده، والطعن فيه، ليس لأجل إصلاحه، بل للإيقاع به.
فإذا اتفق أن حُورب هذا البلد مِن قِبل الصليبين يصب هؤلاء جام غضبهم ومكتل لومهم على المسلمين، ويعتذرون عن الصليبين، ويوجدون لهم المبررات.
وهذا نَفَسهم دائمًا، وتلك هِجِّيراهم، والشنشنة العظمى التي بها يعرفون.
سادسًا - موالاة المستعمر السابق لبلاد المسلمين، موالاة باطنة، وإن كان ظاهر خطابهم النهي عن موالاة الكافرين، إلا أن من صفات هذا التيار (العلماشيخي) المخالفة بين القول والعمل.
وفي تبريرهم لهذا الأمر ينيطون الحكم بالتعقل والعقلانية والحكمة؛ فالعقل والحكمة يقتضيان مهادنة المستعمر وعدم استعدائه؛ ولذلك تجد بينهم وبين الجهاد عداوة لا صلح بعدها.
يتبع ======
لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)رواه البخاري (3673) ومسلم (2541).
Comment