فوائد من شرح رسالة العبودية لابن تيمية ... من شرح الشيخ الغفيص

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • السليماني
    عضو
    • Oct 2008
    • 361

    #46
    (46)

    قال شيخ الإسلام رحمه الله :

    ( وقد بين أن عباده هم الذين ينجون من السيئات الذي زينها الشيطان قال: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري )

    وقد بين أن عباده هم الذين ينجون من السيئات، قال الشيطان: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيتي لأزينَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) قال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ .

    الشرح :

    -هذا من فضل الله على عباده، أن الله يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت كما أخبر الله في كتابه،( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ )

    وأن من ضل فإنما ضل بظلمه لنفسه.

    بل لما قام الظلم واستحكم في نفسه، وعن هذا جاء اسم فاعل في الآية، قال ( وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)

    والله - سبحانه وتعالى يصطفي من عباده من يصطفي، وهذا الاصطفاء من الله سبحانه وتعالى - هم فيه - أعني عباده هم فيه على درجات،

    وكل ذلك من الله فضل، كما أن عقوبته على من كفر به هي من الله عدل، ولا يظلم ربك أحداً.

    قال ابن تيمية رحمه الله :

    (وقال: فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ وقال في حق يوسف: ﴿كَذَلِكَ لنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾

    الشرح :

    -صرف عنه السوء والفحشاء؛ لأنه من عباد الله المخلصين، أي بتوحيدهم وإيمانهم وما جعل الله له من العاقبة - وهي عاقبة النبوة - فجعله الله نبياً ورسولاً.

    قال ابن تيمية رحمه الله :

    ( وقال: سُبْحَانَ اللهُ عَمَّا يَصِفُونَ إِلا عِبَادَ اللهُ الْمُخْلَصِينَ )

    الشرح :

    -لذلك هذه المعاني الكلية تستصحب في تفسير القرآن، كما سبق في المجلس في الفقه في فروع الشريعة، ففي هذا من باب أولى، ولا تجرد السياقات عن هذه القواعد التي هي أوصاف شرعية مؤثرة .

    كما أنك تقول في المثال الأدنى وليس في المثال الملائم أو المساوي، كما أنك تقول في المثال الأدنى:

    إن الوقائع القضائية لا تفك عن الأحوال المقارنة لها وتجرد عنها، فكذلك هنا في الأمور الشرعية من باب أولى.

    ولذلك لما جاء قول الله - جل وعلا: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾

    تكلم بعض المفسرين أو كثير منهم، ونقلوا في ذلك آثاراً عن بعض الصحابة - جمهورها لا يصح - من جهة أن يوسف - عليه الصلاة والسلام وقع منه الهم أو إلى ما ذلك، ثم صاروا يقولون وهذا الهم هو الهم الأول وهو الهم الذي غفره الله لعباده وهو الذي قال عنه النبي :

    ((إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به،))

    قالوا: فهو الهم المغفور، إلى غير ذلك.

    وهذا النظر غريب، لأنه ليس النظر في سياق عادي، هذا لم يأتي خبراً في سياق رجل من الناس، هذا جاء في سياق أمر نبي من الأنبياء، صحيح أن هذا كان قبل نبوته، ولكن الله جل وعلا - اصطفى أولئك القوم - وهم رسل الله وأنبياء الله -

    فلا يمكن أن أحداً منهم يقع في مثل هذا الهم المنافي في أخلاقه للشريعة التي يجعلها الله - سبحانه وتعالى - لهم.

    ولهذا بين طائفة من محققي العلماء من المفسرين ومن علماء اللغة بأن يوسف عليه الصلاة والسلام لم يقع منه الهم أصلاً، ليس الشأن أنه يغفر أو لا يغفر، أو أنه الهم المغفور أو ليس المغفور، هذا محل معروف،


    لكن لا يقال بأن النبي في هذا المقام - وهو مقام الأخلاق - عرض منه أدنى درجة، هذا الأنبياء أشرف من ذلك، حتى قبل نبوتهم لا يقع ذلك منهم،

    لذلك صار بعض المحققين من العلماء وبينوا امتناع ذلك، والآية التي تليها تقول:

    ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾

    فإذا امتنع وقوعه في الهم؛ لأنه رأى برهان ربه، فهذا هو معناها.

    وبعضهم أورد اعتراضاً على هذا من جهة اللغة، ولكن التحقيق من جهة اللغة، أن هذا معروف عند العرب، وصار بعض علماء النحو إذا لم يكن هذا هو المشهور فى كلام العرب، قال بأن هذا يخالف شرط اللغة، ثم هذا الشرط إنما بناه- أي كونه شرطاً - على المشهور في كلام العرب،

    مع أن الشرط هنا من جنس الشرط الشرعي، بل أدنى منه.

    فإن الشرط الشرعي الذي يذكره الفقهاء منه ما يكون ثابتاً بنص، ومنه ما يكون ثابتا بوجه من الاجتهاد، كما إذا قال بعض الفقهاء بأن هذا العقد قد خالف الشرط، مع أنه قد يكون مخالفاً للشرط بوجه من الاجتهاد، أي أن هذا الشرط وكونه من شروط صحة هذا العقد، هذا محل اختلاف أو محل اجتهاد

    فكذلك اللغة، يجتهد من يجتهد، فيقول : ولكن هذا السياق أو هذا الورود من جهة اللغة من شرطه كذا وكذا، فلا يصلح أن تفسر الآية به، فيتوهم الباحث وكأن هذا الشرط نزل به قرآن أو نزل به نص أو استحكم عند العرب في كلامها وأطبقت عليه في شعرها وقولها، وهذا ليس كذلك.

    وإنما هو قدر من الاستقراء، استقرأه بعض علماء اللغة ثم من هذا الاستقراء الذي استقرأوه ومن تلك القواعد التي قعدوها،

    صاروا يقولون بأن هذا يشترط كذا ولا يشترط كذا، وإذا نظرت في كلام العرب وشعرها، وجدت أنه ليس من باب الشرط وإنما من باب المشهور ويأتي غيره.

    ولا سيما أن الإحاطة بلسان العرب إحاطة متوهمة، فلا أحد يحيط بما قالته العرب من شعرها ونثرها وما إلى ذلك، فهذا،

    ولذلك هناك مذهب معروف الطائفة من النحاة بل من كبار أئمة النحاة يصححون هذه الطريقة في تفسير هذه الآية وأنها لا تخالف قواعد العربية ولا سياق كلام العرب الذين نزل القرآن بكلامهم،

    ولكن البعض أغلق ذلك، وإنما أغلق اجتهاداً، والاجتهاد لا يغلق ولا يُغلق به،

    وهذا القول - حتى لو قدر جدلاً بأنه ليس المشهور في كلام العرب - فإنه هو الأليق في تفسير هذه الآية لما سبق من معاني الشريعة.

    وهنا تكون المعاني مبينة وجه الاختيار في كلام العرب، وكله كلام معتبر، وإن كان بعض النحاة ليضبطوا قواعد علم النحو صاروا يتحرون لصناعة تلك القواعد، ولا سيما زمن الصناعة أي -زمن صناعة قواعد النحو - صاروا حتى تستقر لهم القواعد يتقون ما ليس مشهوراً أو قد يسمونه شاذاً أو قد يسمونه يسمع ولا يقاس عليه وما إلى ذلك؛ لتستقرلهم الصنعة والقواعد،


    وهذا صار فيه من بعض الملخصين عن متقدمي النحاة ولا سيما من المصريين - صار فيه غلو، حتى صار يضاف إلى مذهب البصريين الزيادة في ذلك وإلى ترك ما ورد القرآن به في قراءات متواترة، ويجعلون ذلك مخالفاً لما وجب في استعمال العرب، وهذا من الجهل، فإن ما ورد به قراءة متواترة لا يمكن أن يقال بأن هذا خالف ما وجب في كلام العرب، هذا من التناقض ولا بد؛ لأنك إذا نظرته وجدته متناقضاً من جهة العقل فضلاً عن اللغة.

    والمقصود هنا : أن تفسير القرآن بل وتفسير الأحكام والقول في الأحكام يجب أن تستصحب فيه هذه المقدمات من قواعد ومقاصد وما إلى ذلك، حتى يكون التفسير للنص ملاقياً لها، وأما أخذ الكلمة المفردة من النص أو أخذ السياق الواحد ويقطع عن قواعده وعن جملة السياق وعن مقاصد الشريعة في هذا الباب وفي كليات القواعد، فهذا هو علامة الجهل الذي لا يدرك صاحبه أنه جهل ويتوهم أنه محقق.

    فيأتي في سياق آية أو في سياق حرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويُقلب هذا الحرف على أوجه متكلفة مع أن هذا يخالف التحصيل من جهة القواعد،


    ثم يقول بأن النص يقدم على غيره، وكأن غيره هذا ليس من النص، وكأنه لا يعرف بأن القاعدة هي حكم نص مستفيض القواعد هي: حكم نص مستفيض،

    هذا نص وذاك نص مستفيض، لكن النص المستفيض قد سلم من الاجتهاد وهذا لم يسلم من الاجتهاد في تحصيل حكمه.

    Comment

    • السليماني
      عضو
      • Oct 2008
      • 361

      #47
      (47)

      قال الشيخ رحمه الله تعالى:

      «وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (۹۹) إِنَّمَا سُلْطَاتُهُ عَلَى اللَّهِ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (۱۰۰))

      وبالعبودية نعت كل من اصطفى من خلقه في قوله( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى النَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧))

      وَقَالَ: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ بِمَا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ﴾
      وَقَالَ : فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (۱۰))
      وَقَالَ : ( عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهُ )
      وَقَالَ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾ ومثل هَذَا كَثير متعدد فِي الْقُرْآن .

      فصل:

      إذا كان ذلك فمعلوم أن الناس يتفاضلون في هذا الباب تفاضلا عظيما.) ا.هــ كلام الشيخ رحمه الله .

      الشرح :



      -هذه الآيات التي ساقها المصنف رحمه الله - وهذا من فقهه ؛ فإنه ضمن هذه الرسالة الفاضلة في بيان مقام العبودية لله -جل وعلا-


      فضمنها جملة واسعة من آيات الكتاب وأحاديث النبي صل الله عليه وسلم -


      وهذه هي العبودية وهذا هو علمها؛ لأن علمها هو الكتاب والسنة، وتؤخذ مما قاله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .



      -وآيات ذكر العبودية وما تتضمنه العبودية من الشرائع والعبادات والمعاني الكلية والمعاني الخاصة والمطلقة والمقيدة تقع في كتاب الله أوجها متنوعة في بيان حال السالكين، وحال البصيرة، وحال العبادة.

      فيذكر فيها مقام العلم، ويُذكر فيها مقام الإخلاص، ويُذكر فيها مقام الإرادات، وأوجه التعبدات الظاهرة والباطنة،

      مع أنه ليس في الشريعة باطن محض ولا ظاهر محض،

      فما من ظاهر إلا وهو يتضمن باطنا، وما من باطن إلا وهو يتضمن ويستلزم ظاهرا ويقتضيه نوع اقتضاء.


      كله في مقام العبودية والشريعة التي جعلها الله سبحانه وتعالى - دينا لعباده أجمعين، وهو إخلاص الدين الله وحده لا شريك له.

      وهذه الآيات في هذا السياق بين بها مقاما من مقامات فقه العبودية وهو أنه:

      من شرف مقامها أن الله وصف بها خاصة الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام - الذين سماهم الله في كتابه إلى خيرهم؛ وهو رسول الله محمد سماه الله بذلك في مقام الاطفاء والامتنان والاجتباء وذلك في قول الله جل ذكره

      ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾


      فوصفه هنا بمقام العبودية كما وصف إخوانه من الرسل والأنبياء بمقام العبودية،

      وذلك المقام من أشرف المقامات بل هو أشرف مقام يضاف إلى جملة العباد وعموم العباد.

      ومقام النبوة هو من مقامات عبودية الله سبحانه وتعالى، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام - هم المصطفون بعبادة الله وحده لا شريك له،

      وهم أعلى الخلق مرتبة في عبادة الله الملائكة والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام - فأولئك (لا يعْصُونَ اللهُ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)) ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتَرُونَ (۲۰))

      والأنبياء والرسل عصمهم الله عن معصيته، وهداهم لطاعته، والإقامة على عبادته .

      (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَثَمَانِي للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)) .

      -قال رحمه الله تعالى «إذا كان ذلك فمعلوم أن الناس يتفاضلون في هذا الباب تفاضلا عظيما وَهُوَ تفاضلهم في حَقِيقَة الْإِيمان وهم ينقسمون فيه إلى عام وخاص، وهذا كانت ربوبية الرب لهم فيها عموم وخصوص ودروب، وَقال ( كَانَ الشرك في هذه الأمة "أَخْفى من دبِّيب النمل".)

      الشرح :

      -هذا جاء في الشرك أخفى في هذه الأمة من دبِّيب النمل جاء هذا في آثار رويت مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم -قواها طائفة من الحفاظ،

      وبعضهم أعلها بجملتها، وفيها ما هو معلول جزماً ولكن منهم من قوى أوجهاً منها، ومنهم من أعلّ جملتها.

      Comment

      • السليماني
        عضو
        • Oct 2008
        • 361

        #48
        (48)

        قال الشيخ الإمام رحمه الله :

        ( وفي " الصحيح " عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش إن أعطي رَضِي وإن منع سخط )

        فَسَماه النبي صلى الله عليه وسلم - عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفة وعبد الخميصة وذكر ما فيه دعاء وخبرًا وَهُوَ قَوْله: «تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش)

        والنقش إخراج الشوكة من الرجل والمنقاش ما يخرج به الشوكة، وَهَذِهِ حَالَ من إِذا أَصَابَهُ شَر لم يخرج منه ولم يفلح كونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه، وَهَذِهِ حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بِأَنَّهُ إِذا أعطي رَضِي وَإِن منع سخط

        كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أَعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ﴾ فرضاهم لغير الله وسخطهم لغير الله .)) ا.هــ

        الشرح :

        هذا الصنف في العبودية التي ذكرت في الحديث وهو عبد الدينار وعبد الدرهم وهو الذي يشتري بآيات الله أو بدين الله أو بالحقوق ثمناً قليلا

        إما بالأيمان الكاذبة أو بشهادة الزور أو غير ذلك.

        --------------------------

        قال الشيخ رحمه الله (وَهَكَذَا حال من كان متعلقا برئاسة أو بصورة - ونحو ذلك من أهواء نفسه - إن حصل لَهُ رَضِي وَإن لم يحصل له سخط فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وَهُوَ رَقِيق لَهُ إِذْ الرق والعبودية في الحقيقة هُوَ رق القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده فَهُوَ عَبدِهِ، وَهَذَا يُقَال: العبد حر ما قنع والحر عبد ما طمع.

        وَقَالَ الشَّاعِر : أطعتُ مطامعي فاستعبدتني ولو أني قنعت لكنت حرا

        ويقال: الطمع غل في العنق قيد في الرجل، فإذا زَالَ الغل من الْعُنُقِ زَالَ الْقَيْد من الرجل.

        ويروى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- أنه قال: "الطمع فقر واليأس غنى وإن أحدكم إذا يئس من شيء استغنى عَنهُ)

        وَهَذَا أَمر يجده الإنسان من نفسه فإن الأمر الذي يأس مِنْهُ لَا يَطْلُبُهُ، وَلَا يَطْمَع فِيهِ، وَلَا يَبْقى قلبهِ فَقِيرًا إِلَيْهِ وَلَا إِلى من يفعله، وأما إذا طمع في أمر من الأمور ورجاه فَإن قلبه يتعلَّق بِهِ، فَصارَ فَقِيرًا إِلَى حُصُوله وَإِلى من يظن أنه سَبَب في حصوله وَهَذَا فِي المال والجاه والصور وغير ذلك،

        قَالَ الخليل صلى الله عليه وسلم -: (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهُ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوالَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (۱۷)) .ا.هـــــ

        الشرح :

        -المقصود بهذا المقام ليس إبطال الأسباب، وقد سبق أن ذكر المصنف أن الأسباب معتبرة في الشريعة، الأسباب التي جعلت أسبابا، قدرها الله أسبابا أو أمر بها قد تكون أسبابا كونية. أو أسباباً شرعية.

        ولكن الالتفات إلى الأسباب أو التعلق بآثار الأسباب وما إلى ذلك هذا من نقص تحقيق العبودية؛


        لأن من مقامات العبودية: الإيمان بقضاء الله وقدره، وابتغاء ما عند الله سبحانه وتعالى - في الأعمال الصالحة،

        وأن تكون الأعمال الصالحة أو عبادة الله هي الأصل الجامع الحال المؤمن، وتكون حياته حظاً يُستعان به على عبادته لربه.

        -----------------------

        قال الشيخ رحمه الله :قال: «فَالْعَبْدُ لَا بُد لَهُ مِن رِزْقِ وَهُوَ مُحتاج إلى ذلك فإذا طلب رزقه من الله صار عبدًا للهِ فَقِيرًا إِلَيْهِ وَإِذَا طلبه من تمخْلُوقَ صَار عبدا لذلك المَخْلُوقَ فَقِيرًا إِلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَت مَسْأَلَة المخلوق محرمة في الأصل وإنما أبيحت للضرورة وفي النهى عَنْهَا أَحاديث كثيرة في " الصحاح " و "السنن" و "المسانيد " كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: «لا تزال المسأَلة بأحدكم حَتَّى يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَة وَلَيْسَ في وجهه مزعه لحم )

        الشرح :

        هذه الأحاديث التي فيها ذم المسألة ، أو ذم أهلها ، إنما هي في المسألة التي تكون تكثرا ، أو عن أسباب مخالفة لمقتضى الشريعة،


        وأما من سأل لفقره وعجزه ، واستعان بغيره من المسلمين ما يعينه على لوازم أمره ، وحاجة نفسه ، وحاجة من يعول،

        فهذه المسألة ليست مذمومة وقد فعلها الصحابة رضوان الله عليهم، وفعلت بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم ، وأقر النبي للحاجة عليها.

        وأثنى الله سبحانه وتعالى - على من يحسن إلى هؤلاء .

        فمثل قوله: «لا تزال المسألة بأحدكم والحديث في الصحيح وغيره، حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم ))

        فهذا ليس فيمن يسأل وهو مضطر في سؤاله، فإن الناس فقراء، والغنى الذي يُصيب بعض الناس هو غنى نسبي،


        وإلا جميع الخلق فقراء إلى الله، وهذا الرزق الذي بيد الأغنياء هو من فضل الله عليهم.

        ولهذا ينبغي الشكر، ولهذا فرضت الزكاة مع أن الزكاة في فريضتها قد تتضمن أن الفقير يسأل الغني الزكاة، وهذا من حق الفقير أن يسأل الغني الزكاة، والمسكين يسأل الزكاة،


        وإن كانت المروءة والخير الأعلى أن الغني يبادر ، لكن لو أنه سأل فالمسألة هنا ليست المسألة المذمومة.

        إنما المسألة المذمومة هي مسألة التكثر ، أو مسألة التي يُصاحبها إسقاط للأسباب التي شرع الأخذ بها مع قدرته على العمل ونحو ذلك ،


        فهؤلاء أو هذه الصور وأمثالها هي التي فيها مسألة مذمومة، وأما الإنسان المقطوع العاجز إما لمرض أو لكبر أو لغير ذلك من الأسباب، وهو لا يريد هذه المسألة وليست من رغبته، ولكنه اضطر الجائحة اجتاحته أو فاقة أصابته ونحو ذلك،


        فهؤلاء موقرون في الشريعة، ومحترمون في الشريعة، ليسوا مذمومين لهذه العوارض التي صادفتهم أولاقتهم .

        -------------------
        قال الشيخ رحمه الله وقوله: من سأل الناس وله مَا يُغْنِيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو خموشا أو كدوشا في وجهه

        وقوله: ولا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع ))

        الشرح :


        -أي إذا رأيت هذه الآثار التي ساقها المصنف وجدت أنها مقيدة من سأل الناس وله ما يُغنيه... هذا قيد،

        وقد يقول قائل : إن الحديث الأول لا تزال المسألة بأحدكم .... ليس فيه قيد.

        فنقول: هذا فهم خطأ، بل فيه قيد، فإن الشريعة نصوصها المفصلة تقيد بفقه قواعدها، وهذا من أخص طرق التقييد والتفصيل للشريعة.

        -------------------

        قال الشيخ ( وقوله: «لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع أو دم موجع أو فقر مدقع».

        الشرح :

        -فضلا عن كون الفعل لا تزال يدل على الاستمرار، لا تزال يدل على أن هذا صار حالا له قد أقام عليها، وهذا في الغالب المطلق لا يكون إلا عن تقصير؛

        لأن الإقامة على تلك الحال من المسألة مع أن الإنسان تنقلب حاله، ومن أقام على المسألة فهذا في الغالب مظنة التقصير، وإن كان لا يستلزم التقصير على كل تقدير .


        -----------------------------------

        قال الشيخ رحمه الله :

        (وفيه أيضا: «لأن يَأْخُذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل النَّاسِ أَعْطُوهُ أَو مِنعُوهُ، وَقَالَ: «مَا أَتَاكَ من هَذَا المال وأنت غير سائل وَلَا مُشرف فخله وَمَا لَا فَلا تبعه نفسك )) فكره أخذه مَعَ سُؤال اللسان واستشراف القلب،

        وقال في الحديث الصحيح: «من يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر».

        الشرح :

        وهذه كلها أحاديث صحيحة، الحديث ((ما أتاك من هذا المال،)) وكذلك ما ذكره المصنف.

        Comment

        • السليماني
          عضو
          • Oct 2008
          • 361

          #49
          (49)

          قال الشيخ رحمه الله

          (وأوصى خواص أصْحَابه ألا يسألوا الناس شَيْئًا وَفي "المسند": " أن أبا بكر كان يسقط السوط من يده فلا يقول الأحد: ناولني إياه ويقول: إن خليلي أمرني ألا أسأل الناس شَيْئًا، وفي "صحيح مسلم " وَغَيره عَن عَوْف بن مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم - بايعه في طائفة وأسر إليهم كلمة خفية: «أن لا يسألوا الناس شَيْئًا)

          فَكَانَ بعض أُولَئِكَ النفر يسقط السوط من يد أحدهم ولا يقول لأحد: ناولني إياه )

          الشرح :

          -كلما اتقيت المسألة فهو أفضل، لكن أيضًا لا يكون للإنسان ترك المسألة لما جرت العادة بالتعاون فيه، فهناك مسائل على خلاف العادة، وهناك مسائل على وفق العادة.

          والعادة محكمة؛ لأن البعض قد يغلق على نفسه، أو يشق على نفسه، مما لا يعد من المسألة المذمومة، فهذه المسألة فيها اعتدال وتوسط على كل حال.

          -وما لاقي بعض السلف من الحال الخاصة هذا لا يلزم أن يكون منهجا عاما لكل أحد، وإلا لو اتخذ منهجا مضطرداً لضاقت على الناس بعض الأمور التي هم محتاجون إليها أو من ورائهم ومن يعولونهم يحتاجون إليها.

          -----------------
          فال الشيح رحمه الله

          (قال: وقد دلت النصوص على الْأَمْرِ بِمَسْأَلَة الخَالِقِ وَالنَّهْي عَن مَسْأَلَة الْمَخْلُوقِ فِي غَير مَوضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (۷) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (۸)) [الشَّرْح : ٧].)

          الشرح :

          -ولكن هذا مقامات مسألة الخالق ومسألة المخلوق هذه مقامات، فهناك مقامات من المسألة لا تصح إلا الله، وهناك مقامات يسأل الله سبحانه وتعالى ما يليق به،

          وقد يسأل المخلوق ما هو بيده ، ولا يكون مما يختص بالخالق، فالمخلوق لا يسأل الرزق؛ لأن الله وحده هو الرزاق،

          لكن قد يسأل مخلوق مخلوقا آخر أن يُعطيه مالا معينا، أو درهما معينا، أو عقارا معيناً أو طعاما معينا فهذا من مقدوره،

          لكن أن يسأله رزقا سواء كان حيا أو ميتا فهذا مما لا يليق إلا بالله .

          ---------------

          قال الشيخ رحمه الله

          ( وقد دلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق والنهي عن مسألة المخلوق في غير موضع كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (۷) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (۸)) [الشرح : ٧] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس: إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاسْتَمِن بِالله وَمِنه قول الخليل: (فَابْتَغُوا عِندَ اللهِ الرِّزْقَ) [العنكبوت: ١٧] ولم يقل: فابتغوا الرزق عند الله لأن تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر كانه قَالَ: لَا تَبْتَغُوا الرزق إِلَّا عِندَ اللهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّبِينَ فَضْلِهِ) [النساء: (٣٢)، والإنسان لابد له من حصول ما يحتاج إليه من الرزق ونحوه ودفع ما يضره وكلا الأمرين شرع له أن يكون دعاؤه لله فله أن يسأل وإليه يشتكي كما قَالَ يَعْقُوب عَلَيْهِ السلام : (إِنَّمَا أَشْكُو بَنِي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ الْيُوسُف ٨٦) الله تعالى ذكر في القرآن الهجر الجميل، والصفح الجميل، والصبر الجميل وقد قيل: إن الهجر الجميل: هو هجر يلا أذى، والصفح الجميل : صفح بلا معاتبة، والصبر الجميل : صبر بغير شكوى إلى المخلوق.)

          الشرح :

          -هذا المعنى الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تقرير هذه الرسالة رسالة العبودية، وقوله رحمه الله: "وقد دلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق والنهي عن مسألة المخلوق"؛ الأمر بمسألة الخالق هذا قد استقرت دلالة النصوص عليه، فهو من المحكمات؛

          (وقال ربكم ادعوني استجب لكم) الله أمر بدعائه، وأمر بمسألته

          (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾ [البقرة: ١٨٦]


          فأجاب سبحانه وتعالى دعوة من دعاء من المشركين إذا دعوا ربهم مخلصين له الدين فأنجاهم سبحانه وتعالى - ابتلاء منه لهم، وآية منه سبحانه وتعالى -وبرهانا على ربوبيته - جل وعلا، والله سبحانه وتعالى - أمر بدعائه ومسألته.


          -وأما مسألة المخلوق : فمن حيث الجملة والجنس الأصل فيها الذم، لكنك تعلم أنه لا بد للمخلوق لقصوره من أن يسأل مخلوقا،

          ولكن المقصود بالمسألة هنا التي هي من موارد المباحات الأمر الذي تكون بها الحركة وتمام الحركة وما إلى ذلك كأن يطلب هذا أو يحمل هذا أو ما إلى ذلك؛

          وليست من المقصود في الأصل، بمعنى ليست بما يتعلق به الذم، فإن هذا مما لا تصلح أحوال الناس وأحوال بني آدم إلا به، وإن كانت لا يتوسع فيها .

          -وعن هذا جاء عن جماعة من السلف رحمهم الله - أنهم كانوا ربها سقط سوط أحدهم فلا يطلب من يأخذ له هذا السوط، أو يعطيه هذا السوط، لم ؟

          لأن السوط من اليسير الذي يحمله بنفسه.

          -لكن ما كان لابد له من مساعدة غيره فهذا كانوا يبذلونه؛ لأن تحقق المصالح لا تكون إلا بمثله، فليس في الشريعة تشريع ينهى عن المسألة بكل تقديراتها.

          -وأما المثال الذي روي عن بعض السلف في مسألة السوط يسقط من أحدهم، فهذا نقل عن بعض الصحابة أو عن بعض التابعين،

          فهذا لا يقصد به الإغلاق المطلق، وإنما لأن هذا المثال هو كذلك ، بمعنى أنه من خاصة الإنسان.

          -ولذلك موسى عليه السلام - لما سأله الله (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (۱۷)) [طه: ۱۷] ما قال هي عصا، وإنما قال: (هي عصاي ) [طه: ۱۸]

          فهذه من خاصة الإنسان، ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يحمل عصاه أو نعله إلا هو.

          لكن فيما يتعلق بمسألة الإنسان في تحقيق المعنى الذي تقوم به مصالحهم في البناء وفي العلم وفي الإعانة فهذا لابد للناس منه، وإلا لتعطلت مصالح العباد،

          فهذا لا يدخل في هذا القدر، هذا وجه، حتى لا يعمم ويظن أنه لما ذكر عن بعض السلف كما في مسألة السوط دل على أن غيره من باب أولى على كل تقدير، لا، هو السوط؛ لأنه من خاصة الإنسان،

          لكن إذا أراد الإنسان أن يحمل هذه الخشبة مثلا بثقلها لا بد أن يطلب من غيره أن يعينه.

          هل هذا داخل في مادة الذم ؟

          الجواب: هذا ليس داخلا في مادة الذم

          -لأنه إما أن الإنسان يحملها وحده وهذا ممتنع حساً .

          -وإما أنه لا يحمل ما لا يستطيع وهذا معناه عجز، وتأخر عن العمل.

          -وإما أنه يستعين بغيره وهذا هو الذي تتحقق به المصلحة له ولغيره. هذا وجه.

          الوجه الثاني: وهو يبلغ في الدلالة والمعنى، ماذا يقصد بالمسألة ؟ والباعث على الأمر؟ وما هو المعنى الذي يقوم في نفس الإنسان إذا سأل غيره،

          هل هو على المعنى الذي يكون على قدر السبب البشري القاصر ؟ أو أنه يفرط في نظره إلى هذا الغير أو إلى سبب هذا الغير ؟

          وكما أن الإنسان يغلو في الأسباب - أنت تعلم أن الشريعة أقرت الأسباب والأخذ بالأسباب،

          -ولكن إذا غلا الإنسان في السبب أو في أثر السبب صار مخالفًا للشريعة - وهنا كذلك يُقال إذا سأل إنسان إنساناً آخر؛ نظر إلى هذه المسألة من وجهين

          -هل هي مما يحتمله السؤال ؟

          -أو مما يختص به الإنسان؟

          فإن كان مما يحتمله السؤال كما سبق الإبانة لبعض أنواعه، وليس لجميع أنواعه، فقد أتى على وجه مناسب،

          لكن بقي أن يتحقق من الوجه الآخر حتى لو صح له الأول،

          ما هو الوجه الآخر ؟

          أنه إذا سأل إنسان إنسان آخر ولو فيه يصح فيه السؤال ، ينبغي أن لا يكون هذا السؤال متجاوزًا في قدر السبب الذي جعل له،

          وهذا متفق وظاهر في مسائل الأسباب، يقع فيها إفراط ويقع فيها تفريط.


          وكما أن الشريعة ذمت إغلاق السبب وتركه توكلا على القدر؛ لأن هذا الإغلاق للسبب توكلا على القدر هو فهم وجهل لمسألة القدر؛

          لأن السبب من حيث هو مقدر، ومن حيث هو فعل الإنسان، هو من قدر الله، فالله هو الذي قدر الأسباب وقدر المسببات،

          فكل سبب أتاه الإنسان فهو بقضاء الله وقدره .

          -إذا المقصود أن مسألة المخلوق؛ الأصل فيها الذم، ولكن إذا قبل الأصل فيها الذم ، ليس معنى هذا أن ثمة مراد في الشريعة لإغلاقها على كل تقدير؛

          لأن من رام إغلاقها على كل تقدير وقع في العجز، ولو تواطئ الناس على إغلاقها على كل تقدير ما قامت حالهم وصلحت دنياهم و شئونهم،

          د فهي لابد فيها من هذا المقام.

          -ومن تعالى عن هذه الدرجة العادية ، التي هي محل إباحة في الشريعة، من تعالى عنها على زعم التوكل ، وألا يسأل إلا الله فقد أخطأ في فهم مسألة الله، وإنها الإنسان لا يسأل إلا الله فيها هو من أمر الله - سبحانه، والأمر كله لله ، له الأمر من قبل و من بعد.

          -ولكن ما كان في شأن بني آدم المحض كحمل متاع الإنسان، إذا كان متاعاً ثقيلاً لا يستطيع أن يحمله، فإذا استعان بآخر من الناس ليحمله على رحله ، أو ليحمله معه على ظهره ، أو على دابته أو نحو ذلك ، لم يقل إن هذه الاستعانة من الاستعانة المذمومة أو هذه المسألة من المسألة المذمومة.

          -وإنما المذموم؛ الالتفات للمخلوقين في أي مسألة حتى لو هذه.


          الالتفات للمخلوق لأن المخلوق سبب، والالتفات للأسباب منافي لتحقيق التوحيد.


          -وكذلك ما كان اختصاصا للإنسان فهذا من مروءته ومن صدق تحقيقه لتعبده الله ألا يلتفت فيه إلى الناس ، حتى لا يقع في هذا المورد مما هو من إغلاق الأسباب؛ لأن إغلاق الأسباب ليس مشروعًا بل مخالف للشريعة، والالتفات للأسباب مخالف للشريعة.


          ومسألة الناس هي في هذا السياق؛ إذا وقعت في محلها المناسب، وعلى المقصود المناسب صارت مسألة خارجة عن الذم

          أما إذا اختل المحل أو اختل المقصود صارت داخلة في مادة الذم التي قال فيها المصنف: وذم مسألة المخلوقين.

          -ولهذا شرعت الشريعة طلب الرزق من الله،( فَابْتَغُوا عِندَ الله الرزق ) [العنكبوت: ١٧]

          وكما أشار المصنف قدم الظرف ليدل على أن الرزق من عند الله وحده، فالله هو الرزاق،

          وحتى الأموال التي بيد الكفار هي من رزق الله ، خلافا لبعض أهل البدع كطوائف من المعتزلة وغيرهم، الذين قالوا : رزق الله هو ما يكون للمؤمنين.

          فالجواب : لا هذا من الأمر القدري فهو رزق من الله؛ لأن الأمر كله الله سبحانه وتعالى.

          ومع أن الله قال: (فَابْتَغُوا عِندَ الله الرِّزْق) [العنكبوت: ۱۷] إلا أن الله سبحانه - أباح لعباده البيع والشراء، مع أنهم يبتغون في بيعهم وشراءهم وتجارتهم يبتغون الرزق

          فهل هذا منافي ويبتغونه فيما بينه ؟ لكن هذا الابتغاء فيما بينهم ليس هو الابتغاء الذي أمر الله به وهو حقه سبحانه في قوله: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ الله الرِّزْقَ ﴾ [العنكبوت: ١٧]

          فهذا ابتغاء وذاك ابتغاء ولكن هذا الابتغاء هو من حق الله،

          وهذا الابتغاء الثاني - إن جاز تسميته أو التعاطي أو المعاطاة أو البيع أو الشراء أو المبادلة التجارية، أو التجارة، كل هذه الأسماء - هي من مناسب المخلوق.

          -وهذا هي ليست مبنية على الجزم ، لا قدرًا يعلمه الإنسان، لأن القدر لا يعلمه إلا الله، لا يعلم ما سيكون إلا الله -سبحانه وتعالى.

          ولو كان الإنسان يعلم بعلمه بالقدر النتائج؛ ما باع إنسان إلا وهو يعلم أنه رابح إلى غير ذلك، لكن هذا لا يكون.

          -فالقدر بأن هذا ربح أو خسارة ، هذا في علم الله، ليس في علم البشر، لاشك أنه في علم الله وفي قضاء الله وفي قدر الله أن هذا رابح وهذا خاسر، معلوم.

          لكن هذا من القدر الذي لا يعلمه الناس، وإنما يتبين له الأمور فيما بعد.

          -والله سبحانه وتعالى - شرع لهم هذه الأعمال، أو أباح لهم هذه الأعمال، وهي من شرع الله المباح؛ ومن شرع الله ومن أحكام الله التي أباحها وشرعها لعباده.

          -فإذا كان كذلك علمنا أن ابتغاء الرزق عند الله لا يتنافى مع بذل الأسباب؛ لأن هذه الأسباب أسباب قاصرة لا يجزم بوقوع الرزق بموجبها، ولهذا تقع في التجارة الخسارة، وهي قائمة على ذلك بل لو لم تقم على ذلك لدخلت في أوجه من الظلم لبعض الناس

          ولذلك نهت الشريعة عن ضمان الربح في بعض الصور التي تكون مبنية على الاجتهاد وبذل الجهد كعقد المضاربة مثلاً.

          فلو أن المضارب ضمن لرب المال الربح؛ قال: اعطني مائة ألف، وأضمن لك ربحا أضارب بها في تجارة ما، وأضمن لك ربحا في السنة قدره كذا وكذا، فقبل بأن هذا العقد عقد باطل، بل قد يكون رابحًا في تمام سنته، وقد يكون خاسرا، وقد يكون لا رابحا ولا خاسرا مثلا.

          ----------------

          قال الشيخ «وهذا قرى على أحمد بن حنبل في مرضه أن طاوسا كان يكره أنين المريض وَيَقُولُ: إِنَّه شكوى فما أن أحمد حَتَّى مات. وأما الشكوى إلى الخالق فلا تنافي الصبر الجميل فَإِن يَعْقُوب قَالَ : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) [يُوسُفَ : ٨٣]، وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَني وَحُزْنِي إِلَى الله [يُوسُفَ : ٨٦].)

          الشرح :

          -كما أشرنا هي فرق بين مقامات يعني مسائل القصود البواعث هي المؤثرة

          فرسول الله - عليه الصلاة والسلام قال في حديث ابن مسعود: إني أوعك لكن لما قال: إني أوعك؛ ونظرنا إلى السياق،

          فقال له ابن مسعود: يا رسول الله إنك لتوعك كما يوعك رجلان منا، فقال: «نعم، ذلك لأن لي الأجر مرتين)

          فهنا النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول ذلك على سبيل الشكوى، وإنما على سبيل بيان أمر شرعي في أحكام الشريعة وما إلى ذلك.

          فإذا العبرة في مثل هذه الأخبار التي تقع ، مما يعرض في أمر الناس ، إما في مرض، أو في بيع، أو في شراء، أو في حصول مصلحة، أو في وقوع مفسدة هذا ليس كله من باب الشكوى لغير الله.

          -ولذلك يعقوب عليه الصلاة والسلام قال لبنيه ما قال وراجعهم في أمرهم، وعاتبهم في بعض فعلهم، ولم يكن هذا من باب الشكوى لغير الله ؛

          فهذا كما قلت هو معتبر بأمرين:

          -معرفة المحل المناسب.

          -وفوقه وأجل منه فقها وعلما ما يتعلق بالقصد والباعث.

          وإذا تحقق هذا وهذا؛ وقع على الوجه الشرعي المناسب.

          Comment

          • السليماني
            عضو
            • Oct 2008
            • 361

            #50
            (50)

            قال الشيخ الإمام رحمه الله : وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقرا في الفجر بسورة يونس ويوسف والنحل قمر بهله الآية في قراءته فبكى حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف. وَمِن دُعَاء مُوسَى: "اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان ويك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك ".

            وَفِي الدُّعَاءِ الَّذِي دَعَا بِهِ النَّبي - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما فعل به أهل الطائف ما فعلوا: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ... "...

            الشرح :

            -لاشك أن من أعظم مقامات العبودية؛ هو تعلق العبد بربه سبحانه وتعالى ، وبمسألته، وبالفقر إليه، وبالتذلل بين يديه وبأن يجعل أمره كله الله، وإلى الله سبحانه وتعالى، فيجعل عبادته الله، ويجعل أمره الله.

            وحتى الأمر العادي يجعله الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله بيده ملكوت كل شيء،


            وهذا قول الخليل إبراهيم عليه السلام - فيما ذكره الله جل وعلا - (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (۷۸) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (۷۹) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (۸۰) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (۸۱) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (۸۲)) [الشعراء: ۷۸]

            فهنا ترى في سياق ذكر الخليل عليه الصلاة والسلام - ذكر المعاني العبادية المحضة، وذكر المعاني العادية.

            وكل ذلك وكله وجعله إلى الله سبحانه وتعالى، فجعل هدايته من الله، وجعل عبادته الله، كما جعل رزقه وطعامه وشرابه ومرضه وشفاءه بأمر الله وقضاءه،

            قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (۸۰)) [الشعراء: ۸۰] .

            والمرض بقدر الله، لكن لما كان ضعفًا في الإنسان ، لم يضف ذلك إلى الله سبحانه وتعالى - قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يشفين (۸۰)) [الشعراء: ۸۰]،


            لكن لما كان الخلق كمالا وفضلا من الله على عبده - أما المرض فهو نقص في العبد وإن كان بقدر الله، وبأمر الله الكوني -

            وأما الخلق فقال: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (۷۸)) [الشعراء: ۷۸]، والطعام( وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (۷۹)) [الشعراء: ۷۹]،

            لكن لما كان المرض هو عارض من النقص ينتاب البشر ما أضيف إلى الله سبحانه وتعالى - مع أنه بأمر الله جل وعلا.

            -ولذلك من شهد هذه الحقيقة شهد العبودية في كل شأنه حتى في أكله وشربه، ولذلك كان رسول الله - عليه الصلاة والسلام - يقول:

            «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا؛)

            لأن هذا أمر عادي، فمن حقق هذا المقام العادي فهو أحرى بتحقيق ما فوقه، ولذلك صار موجبا لرضا الله، ورضا الله أكبر المقامات وأشرفها، وأنت ترى أنه جعل هنا في فعل من فعل الإنسان وهو طعامه وشرابه، ولكن الموجب لرضا الله هو مقام الحمد له سبحانه ، ومقام الشكر له سبحانه .

            -فمن استم مقام الشكر ومقام الحمد حمد الله في شأنه كله، وهذا هو مقتضى الإيمان بالشرع من جهة كهذا الحديث؛ (إن اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها )

            وهو مقتضى الإيمان بالقدر من جهة كقول النبي - عليه الصلاة والسلام في الصحيح وغيره( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ).

            -ولهذا مقام الحمد هو من أخص مقامات العبودية، وافتتحت أجل السور، وأعظم السور في كتاب الله وهي السبع المثاني، سورة الفاتحة ابتدأت بحمد الله سبحانه

            -( الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (۲)) [الفاتحة: ٢] بعد البسملة.

            وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح كلامه وخطبه عليه الصلاة والسلام - بهذا المقام : بالحمد لله رب العالمين إن الحمد لله، فالحمد من أخص مقامات العبودية،


            وسمى الله سبحانه - قومًا فقال التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ) [التوبة : ١١٢]

            فجعل المقام الأول مقام التوبة؛ لأن التوبة هي مقدمة وهي تسليم النفس من جرائرها وموبقاتها وآثامها وسخائمها ونقصها ولهذا شرعها الله لجميع المؤمنين.

            ولما خوطبوا بها خوطبوا بها بصيغة العموم المؤكدة، وإلا الخطاب كثير العموم في القرآن، بل هو الأصل في خطاب الإيمان، لكن هنا جاء العموم مؤكدًا ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهُ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [النور: ۳۱) فجاء التأكيد بذكر "جميعا"

            ولذلك اجتمع في هذه الآية (وَتُوبُوا إِلَى الله جميعا ﴾ [النور: ۳۱)؛ اجتمع فيها عدد من مقتضيات العموم.

            فذكر الله مقام التائبون، وبعده العابدون، وإنها قدمت التوبة باعتبارها مصححة للحال، حتى يدخل العبد على طهارة، ولهذا كثر مشروعية الاستغفار بين يدي العبادة وبعدها

            (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ ...) [التوبة: ١١٢] بعد هذا المقام المجمل العام المطلق وهو مقام العبادة - لأنه مقام جامع لكل ما شرع الله ورسوله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة العبادة كما هي معروفة في الشريعة - ذكر المقام أو الوصف بقوله: (الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ) [التوبة : ١١٢]

            فهذا الثالث؛ فيه ذكر لأخص مقامات العبودية، وأن أخص مقامات العبودية هو مقام الحمد.

            -والحمد فقه وعلم ونور وبصيرة في قلب العبد، والصلاة من حمد الله، والصيام من حمد الله، والحج من حمد الله، فمن وجد في هذه العبادات مقام الحمد ، فقد حقق هذه العبادات على وجهها المنيف.

            -وعن هذا كان أخص ما يتفاضل به الأولياء ليس هي كثرة النوافل كما يتوهم، ليس أخص ما يتفاضل به في ولاية الله كثرة النوافل وإن كان مقامها معتبرا في الشريعة،

            ولكن أخص ما يتفاضل به الأولياء في ولايتهم هو تحقيقهم لمقام العبودية على وجهه الأكمل والأتم الذي يُرضي الله.

            وهذا فقه كلمة الحسن البصري - وهو من سادات الفقهاء والعلماء كما أنه من البصراء في العبادة وفي فقه العبادة وسلوكها؛ لأن العبادة لها فقه، وكما يتفاضل الفقهاء في معرفة الأحكام وفقهها وتحريرها وأوجهها، يتفاضل العباد في فقه العبادة، وليست العبادة كثرة محضة، وإن كان العمل محمودا بكثرته إذا كان صالحا بمعنى تكراره

            ، لهذا أثني إلى التكرار الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لم بينهما والتكرار الذي يوافق ويلاقي الشريعة محمود.

            لكن فوق هذا المعنى معنى يخفى على بعض الناس فيظن أن المفاضلة أو التحقيق هو في العدد فحسب ، وهذا ليس كذلك، ولكنه في المقام الأخص.

            وعن هذا كما قلت هذا هو - فقه كلمة الحسن البصري رحمه الله - لما قال: " ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة"؛ فإنك تعلم أن أبا بكر الصديق هو أفضل هذه الأمة لصريح الأدلة الدالة على ذلك في الكتاب والسنة على فضل أبي بكر -رضي الله عنه ، وهذا متواتر في السنة للرسول عليه الصلاة والسلام - وفي كلام الرسول من الأوجه الكثيرة الدالة على فضل أبي بكر، وها متفق عليه بين الصحابة رضي الله عنهم .

            وتعلم أن أبا بكر لم يكن السبب المقدم هو مسألة الكثرة، وإن كان هذا لا يعني أن أبا بكر رضي الله عنه - لم يكن كثير التبتل، فهو من أئمة التبتل والعبادة، ولا يجوز الإنسان أصلا أن يقول كان يصلي كذا أو يصلي كذالأن صلاته فيها بينه وبين الله،


            ما كان الصحابة يُظهرون أعمالهم أو يسمون للناس أعمالهم، وإنما كانوا يستخفون فيما شرع فيه الاستخفاء من العبادة.

            الشاهد هنا: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه - حقق مقام الفعل، وحقق مقام العلم، والعمل القلبي وهذا هو فقه الإيمان،


            ألسنا نقول بأن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل واعتقاد؟، ويقولون هو : قول وعمل؛ قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل الجوارح كما هي الجملة التي جاءت عند أكثر أئمة السلف، قول وعمل،

            وقال بعضهم قول وعمل واعتقاد، لكن جمهور السلف الذين نقل عنهم بالإيمان كلام لما ظهرت البدع، قالوا: الإيمان قول وعمل.

            قد يقول قائل : أين الاعتقاد؟

            نقول: قول؛ أرادوا قول القلب وقول اللسان، وعمل أرادوا عمل القلب وعمل الجوارح.

            -فمن غلب عليه مقام العمل في الجوارح، ولم يُدرك عمل القلب فاته من الإيمان ما فاته، وهذا الذي يعرض لكثير من العامة وبعض المتعبدة، أنهم يعتبرون مقام الولاية أو العبودية بكثرة الأعمال، وهذا مقام في أصله شريف، لكنه أحد المقامات، ولا يصيب التحقيق صاحبه إلا إذا عرف المقصود من هذه الأعمال، فوجد مقام أو حقق مقام الحمد في صلاته ومقام الحمد في صيامه، ومقام الحمد في صدقته وفي بذله.

            -ولذلك تجد أن الشريعة إذا شرعت أمرًا حتى في باب النفقات تغلق هذا الباب عما ينافي مقام الحمد لله (ثُمَّ لَا يُتَّبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَّا وَلَا أَذًى ) [البقرة: ٢٦٢]

            لأنه إن خالطه من أو خالطه أذى ولو بحركة أو تصرف فإن هذا ينافي مقام الحمد الله سبحانه .

            وإنها المتصدق حقا هو الذي يتصدق وهو يعلم ويرى ويجد أن هذه الصدقة هي من فضل الله عليه، فمن عرف لهذه العبادات حقها وجد أثارها الشرعية

            وقامت فيه أثارها الشرعية التي قال فيها الله ورسوله - عليه الصلاة والسلام كقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي مالك الأشعري: «الصلاة نور».

            لكن هل هذا النور درجته في كل الناس وفي كل المصلين سواء ؟ الجواب: ليس كذلك.

            الصلاة نور والصدقة برهان؟ هل هذا البرهان يكون لسائر المتصدقين بدرجة واحدة ؟ الجواب: لا.

            وهكذا في مقامات العبادات، فالعبودية لها فقه، ولها علم، ولها قواعد، والشريعة جاءت بهذا العلم، ويقواعد العبادة، ومحبة الله، والتعلق بالله، والاستعانة بالله، فليست الشريعة أحكاما فيها الواجب وفيها المستحب فقط.

            الشريعة فيها التشريعات ، لكن فيها مقام العبودية، وكما فيها الأحكام التي تخاطب العقول فيها الأحكام التي تخاطب النفوس، ولهذا هذا من ركن الشريعة ومقامها.

            ولهذا العمل إذا خلا منه لم يكن عملا صالحا، إذا خلا من عمل القلب فعمل الجوارح المحض ليس عملاً صالحا، إذا لم لا يسمى فعله عبادة، أليس كذلك؟

            يُصاحبه تصديق ولا عمل في القلب لم يكن هذا من الأعمال الصالحة، ولذلك الذي يفعل الفعل العبادي على وجه عادي

            فالذي يبحث عن مفقود له أو عن صاحب له بين الطائفين، وهو لا يريد بذلك الطواف بالبيت، وإنما يريد أن يجد صاحبه، لا يسمى فعله هذا ماذا ؟ طوافا ولا يسقط به ركن في حج أو عمرة.

            -وكذلك الذي يفعله لغير وجه الله؛ فأنت تعلم أن المنافقين يصلون، ولكن صلاتهم هذه ليست عبادة ، مع أنها في ظاهرها يأتون بظاهر الصلاة مع الرسول - عليه الصلاة والسلام- والمسلمين، لكن الله - سبحانه - سماهم منافقين، لأنهم ظاهر لا باطن لهم في الإيمان، وإنما باطنهم الضلال وعدم الإيمان بالله - سبحانه وتعالى.

            -فالمقصود أن هذا علم منيف شريف، وقد اعتنى به جملة من علماء المسلمين، ولكن كما نعلم أن علم الفقه مثلا فيه محققون، وفيه مقلدون، فكذلك هذا العلم فيه محققون، وفيه مقلدون، وفيه متوهمون .

            كبعض من خاض في هذا العلم بطرق مبتدعة أو متكلفة،


            ويُقابلهم في ذلك من أراد، - وهذا هو الذي يخاف على بعض القاصدين للسنة، ويحسن أن يتقوه

            - فإن بعض القاصدين للسنة والاتباع يريد أن يُغلق بعض الطرق كطرق التصوف مثلا أو ما هو منها فيقع في مادة من الجفاء في فقه العبادة لجهله وقلة علمه وفقه بفقه العبودية ،

            فيتوهم أن مثل هذه المعاني هي من معاني التصوف وهي ليست كذلك.


            -وتأمل في سياق الدلالات، إذا كان الآن في باب الأمر والنهي نأخذ من الأمر والنهي في تشريع الأحكام بحسب دلالات الخطاب التي رتبت في علم أصول الفقه المعرفة أحكام الشريعة، هنالك دلالة النص، وهناك دلالة الظاهر، وما دون ذلك، ، والمنطوق، والمفهوم، ومفهوم الموافقة، والمخالفة إلى آخره من أنواع الدلالات، أو العام، أو الخاص، أو المطلق، والمقيد إلى آخره.

            كذلك في الفقه العبادي المعني هنا بهذه الرسالة دلالات الأسماء والأفعال التي ذكرت في القرآن، مثل:

            الخاشعين؛ كلمة الخاشعين التي جاءت اسم فاعل، أو يأتي بصيغة الفعل مثل: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لذكر الله )(الحديد : ۱۷] ما قال هنا أن تستجيب، أو أعطاهم الأمر الذي يقع في الأمر التشريعي المحض،

            هنا جاء الفعل فعلا قلبيا له فقهه، وله معناه الخاص( الم يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله ) [الحديد: ١٧ ] لم يقل : أن يسمعوا وإنما قال: ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهُ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) [الحديد: ١٧].

            هنا الخشوع، الإخبات، ما معنى الإخبات؟ وما الفرق بين الإخبات وبين الخشوع ؟

            الحمد الحامدون، ما معنى الحمد؟ مقام الحامدين ما هو ؟

            لأن هذه ذكرها الله مقامات حتى للرسل( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتا ﴾ [النحل : ۱۲۰]؛ ما معنى مقام القنوت الله ؟

            وكما تتفقه وتتدبر القرآن في معرفة أحكام الأمر والنهي ، يجب من باب أولى أن نتدبر القرآن في فهم مقامات العبودية، ماهو المعنى الذي ذكره ؟ أو ما فقه هذه الآية؟

            إذا كنت تقف عند قوله - جل ذكره - : ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٤]لنفقه منها حكم الفطر في السفر وحال المريض وأنه يقضي إلى غير ذلك، وهذا من علم القرآن وشريعة الإسلام، فالعلم فيه ركن من أركان الإسلام.

            لكن كذلك الآيات التي فيها مقام العبودية لله لها فقه، (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِنَا لله حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (۱۲۰) شَاكِرًا لأنعمه ﴾ [النحل : ۱۲۰ - ۱۲۱]

            ما هو مقام القنوت الذي وصف به إبراهيم؟ وما هو مقام الشكر الذي وصف به إبراهيم ؟

            في ذكر إسماعيل عليه الصلاة والسلام - (إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ) [مريم: ٥٤] ، مقام صادق الوعد .

            (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) [الأنبياء: (۷۳)، وفي مثل قول الله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا)[الأنبياء: ٩٠).

            آيات فقه العبودية مع الأسف هنالك تقصير كثير في فقهها، وهذا من الجهل الذي مر في القرون المتأخرة حتى استطار، ولما كان كذلك أصبحت المراجعة فيه صعبة، وقد يفوت إقناعها حتى على بعض من له مقام في العلم.

            ولهذا إذا أقبل الطالب على طلب العلم أول ما يتبادر إليه في طلب العلم أن يعرف الأحكام الحلال، وأن هذه المسألة فيها خلاف بين أبي حنيفة ومالك، وهذا البيع صحيح في مذهب أحمد باطل في مذهب الشافعي، وأن بيع العربون من مفردات المذهب، وهذا لاشك أنه من علم الشريعة.

            لكن تجد أنه في جانب علم العبودية وفقهها ما هو من العلم الذي يتبصر فيه، وإذا أقبل الإنسان فيه على مقام أقبل على مقام العدد. ما معنى أقبل على مقام العدد ؟

            أقبل على مقام العدد بأنه يحافظ على عدد من الركعات، وعدد من الصيام النوافل؛ فيجد أن نفسه قد حققت هذا المقام؛ لأنه لا يكتفي بصوم رمضان، وإنما يصوم من النافلة ما يصوم كثلاثة أيام من كل شهر، أو الإثنين، أو ما إلى ذلك، مما ورد فيه فضل إما مجمع عليه، أو على رأي طائفة كأيام البيض وتخصيصها إلى غير ذلك، أو يحافظ على سنن من الصلاة أو قدر من ذلك.

            لاشك أن هذه عبودية الله، لكن هل تحديد مقام العبودية بها وحدها أو هذا المقام له علم وله فقه ؟

            -فكما تقبل على مقام العدد، فيجب أن تقبل على مقام العلم، وعلى مقام الخشوع، وعلى مقام الإخبات الله، وعلى مقام الاستعانة بالله.

            ولا سيما أن الاستعانة يتوهم أحيانًا أنها في الأمر الكوني ، وليست في الأمر العبادي؛ كقضاء الحاجات، وهذا ليس صحيحا بل الاستعانة بالله تكون في الأمر الكوني، وتكون في الأمر العبادي، فإن الذي هداك للصلاة وفعلها وللصيام وفعله هو الذي رزقك، وهو الذي نجاك، وهو الذي حفظك إلى غير ذلك.

            ولهذا قال الله في أعظم سورة في كتابه - ومهما نظر الناظرون والعلماء والفقهاء والبصراء والمكاشفون في فقه هذه السورة الشريفة؛ سورة الفاتحة، فإنهم لن يأتوا على تمام مقتضياتها، ودلالاتها، وإشاراتها الشريفة في العلم والعبودية وما إلى ذلك

            - فأنت ترى أن الله يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: ٥] فهنالك اقتران بين مقام العبودية ومقام الاستعانة، هذا مقام الكثرة أو مقام العدد قد يفوت معهم،


            بمعنى : بعض الناس يقبل على مسألة العدد، ولكنه لا يشهد مقام الاستعانة، ويكون عبد من عباد الله دونه في العدد،

            ولكنه أعظم مقام عند الله - سبحانه وتعالى-، لم؟ لأنه على مقام من تحقيق الاستعانة بالله - سبحانه وتعالى.

            -ولهذا كما تعلم في الشريعة أن العمل مقصود ، فعند علماء السنة العمل ركن في الإيمان؛ لأنه أصلا لا يوجد عمل مجرد ويكون إيمانا، فالعمل إذا تجرد لم يمكن أن يكون إيمانًا.

            -ولهذا قول المرجئة خطأ في العقل والنقل، لما يقولون الإيمان هو التصديق، ثم يقولون: والعمل ليس من الإيمان، هذا خطأ في العقل مخالف لدليل العقل قبل أن يكون مخالفًا لدليل الشرع، فهذا مخالف للعقل والنقل؛ لأنه لا يوجد في نفس الأمر عمل مجرد ومعية مجردة مستقلة تسمى شريعة وعبادة يقبلها الله - سبحانه وتعالى.

            -والشاهد: أن هذا العلم علم كثير وبالغ ودقيق، وقد خاض فيه خلق من الباحثين والبصراء والمكاشفين وكلهم من علماء الإسلام، يرومون تحقيق هذا المقام لكن فاتهم، أو فات طائفة منهم قدرًا من تحقيقه،


            وهذا الفوات من أخص أسبابه عدم العلم بالسنة، وهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وعدم العلم بفقه القرآن في هذا المقام، هذا يعرض وهذا يعرض،


            الأول يعرض لبعض المتصوفة، والثاني يعرض لبعض المنتسبين للسنة ممن لم يفقه هذا المقام على وجهه ولا سيما إذا كان قليل المادة العلمية في فقه هذا الباب ومحاذرًا للبدعة، فربما صارت محاذرته هذه تباعده عن موارد من المعاني الصحيحة توهما أنها قد تقوده إلى وجه من التصوف.

            فالتصوف منهج ضل فيه من ضل، وزل فيه من زل، وأخطأ فيه من أخطأ، ونسب لبعض العباد والصالحين وهم منهم براء لم ينتسبوا إليه، وقال به بعض الصالحين والعباد وتسموا به، فيكون هذا القدر مراجعا في شأنهم.

            وإن كان الغالب على حالهم أنها حال صحيحة، وعبادة مستقيمة، وهؤلاء من يسميهم المصنف أي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - (صوفية أهل الحديث)، أو يسميهم في بعض المقامات (مقتصدة الصوفية)، أو (فضلاء الصوفية).

            فيهم من زاد عن ذلك، وفيهم من غلا وضل ضلالاً مبيناً كغلاة الصوفية أهل وحدة الوجود ونحوها كصاحب الفصوص، والعفيف التلمساني، وابن الفارض، وابن سبعين وأمثال هؤلاء، فهؤلاء غلاة معرفون، وتصوفهم فلسفة ليس تعبدا مجتهدا في تحصيله بالطرق الشرعية ، والطرق النفسية البسيطة، وإنما هي طرق نفسية مركبة ومبنية على فلسفة.

            فوحدة الوجود نظرية فلسفية قديمة، وتكلم عنها كثير من الفلاسفة المعارضين لها؛ كأرسطو طاليس من الفلاسفة العقليين المناوئين لهذه الفلسفة، لما صار بعض أهل الأقاليم في غير اليونان يقولون بهذه الفلسفة، وصار السائد إذ ذاك في اليونان هي الفلسفة العقلية، ولاسيما لما تيممت بأرسطو طاليس صاحب التعاليم المعروفة.

            وكان قبله جانب من الروحانيات والميل إليها في الفلسفة التي كان عليها أفلاطون من قبله، ولم تكن الفلسفة عند أفلاطون بمثل المعنى التي تقول فلسفة وحدة الوجود ، التي لم تكن من صنع اليونان أصلا، وإنما من صنع أقاليم بعيدة عن بلادهم، ولكن كان فلاسفتهم وبالذات من هم من أهل الأقيسة العقلية كأرسطو لهم رد معروف عليها.

            والمقصود هنا؛ أن علم العبادة علم له قواعد، وبعض العلماء الفضلاء - رحمهم الله - عنوا بهذا العلم، ومن أخص من عني به المصنف - رحمه الله - أعني شيخ الإسلام ابن تيمية، فهو من المحققين في ترتيب هذا العلم، وله فيه جملة رسائل منها

            هذه الرسالة ( رسالة العبودية )، ومنها رسالة في مجموع فتاواه موجودة تسمى ( التحفة العراقية ) وله رسائل أخرى، وهو من أخص المحققين لفقه هذا العلم، ولغيره من العلماء من قبله ومن بعده لاشك.

            ولابن القيم رحمه الله - كذلك عرض أوسع في هذا العلم، وإن كان فقهه له ليس بدرجة فقه شيخ الإسلام له.

            وهذا كما قلت؛ كما يتفاضل الفقهاء في معرفة الأحكام الفقهية يتفاضلون في هذا العلم كذلك، وليس التفاضل - بعض الناس من سذاجته يظن أن التفاضل في التطبيق، وأنه علم بدهي،

            وإنما التفاضل - في الإقبال عليه أو عدم الإقبال عليه، هذا جهل فهو علم بالله سبحانه وتعالى، وكيف أن العلم يُورث الخشية لله

            كما قال الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ العلماء) [فاطر: ۲۸]

            وكيف ترى نور الشريعة كما قال النبي: الصلاة نور»، وكيف ترى البرهان في الصدقة ؟ كيف تكون الصدقة برهانا ؟

            ولذلك حفظتها الشريعة عن مقامات الرياء، وجعلت الأصل فيها الإخفاء؛ ولأن حاجة البشر تقتضي أو مصلحة الفقراء أو أوجه الخير قد تقتضي إظهارا، فالشريعة من كمالها ما جعلت المعيار للنفاق هو الإظهار.

            فأنت ترى أن الصلاة وهي أخص العبادات بعد التوحيد تُصلى فروضها ظاهرة، ويجتمع الناس عليها في المساجد، يرى بعضهم صلاة بعض، والجماعة مشروعة بإجماع العلماء وإن اختلفوا في حكمها التكليفي من حيث الدرجة، فهذه المقامات واسعة في العبودية وفي الحقائق الإلهية،

            وكيف شرع النسك كما قال الله: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهُ ) [الحج: ٣٤] فكيف يتحقق هذا المقام في المناسك التي هي شعائر الله ؟

            ولذلك حتى فيما يفعلونه ويأكلونه في سياق نسكهم، وهو المهدي هم إنما يفعلونه تقوى الله قبل أن يكون طعاما لهم، ولذلك أمر الله بإطعام الجائع القانع والمعتر، وقد قال سبحانه لَن يَنَالَ الله لحومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى منكم )[الحج: ۳۷] فهذه مقامات الإخلاص ومقامات العبودية مقامات شريفة.

            وقد خاض فيها من سلف الإشارة إليهم من أنواع العلماء، وإن كان بعض الخائضين قد يعرض له شيء من المخالفة، لكن إذا عرض له شيء من المخالفة لا يلزم أن تكون جميع حاله مخالفة؛ كالحارث بن أسد المحاسبي - رحمه الله، فهو من أهل العلم بهذا الفقه، وإن كان له كلام يترك، وقد كان الإمام أحمد رحمه الله ينتقي من كلامه وأحواله شيئًا،

            ولكنه يستحسن له بعض الأحوال، وهذا من علم الإمام أحمد وإنصافه وورعه وفقهه، وإن كان الحارث بن أسد له كلام في موارد الإلهيات والصفات تابع فيه طريقة ابن كلاب، هذا مقام مختلف أي لا يوافق عليه لكنه في مادة أو في باب آخر.

            وكالجنيد بن محمد مثلا، ومن المتأخرين كأبي حامد الغزالي، فإن أبا حامد ممن عني بهذا العلم حتى أقبل عليه كثيرا، وإن كان - أعني أبا حامد - قد اضطربت حاله فيه، وقد أشار إلى اضطراب حاله - رحمه الله - في كتابه الذي سماه (المنقذ من الضلال والمفصح بالأحوال) وهي رسالة معروفة لأبي حامد، ذكر فيها أحواله التي مر بها.

            ولما كان لم يجد في طريقة المتكلمين التي نشأ فيها ما هو من الموصل للحقائق العبادية، والحقائق هذا العلم الشريف الذي نشير إليه؛ لأن علم الكلام علم محدث، انصرف إلى ما سماء بهذه الطريقة ، وإن كان تصوّفه ليس طارئا عليه ، لكنه تقلب في أوجه التصوف كثيرا، فصار مرة يقول من كلام الصوفية ما يوافق مقتصديهم، وصار تارة يقول من كلام الصوفية ما يوافق متوسطيهم، وصار تارة يقول من كلام الصوفية ما يوافق كلام من شذ منهم.

            ولذلك صار في كتبه مقامات ودرجات، وبعض رسائل أبي حامد بالغة الخطأ، كبعض الرسائل التي كتبها في التصوف كمشكاة الأنوار، وجواهر القرآن فهذه فيها تصوف بعيد عن أثر السنة.

            وفي كلام أبي حامد ولاسيما في كتابه ( إحياء علوم الدين )كلام حسن مقتصد في السلوك، وإن كان فيه أغلاط، ولكن الغالب على هذا الكتاب أن المادة فيه مادة مناسبة، أكثره مادة مناسبة لكن فيه أغلاط بل أغلاط شديدة،

            ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - لما سئل عن كتاب ( إحياء علوم الدين ) ،

            قال ابن تيمية: "أما الإحياء فغاليه جيد، لكن فيه ثلاث مواد فاسدة مادة من تزهات الصوفية، ومادة من الأحاديث الموضوعة، ومادة فلسفية".

            هذه ثلاث مواد خالطت كتاب الإحياء لأبي حامد، فله فيه مقامات حسنة، وفيه مقامات لا يتابع عليها بل غلط فيها غلطا بينا.

            أما الأحاديث الموضوعة فلأنه لم يكن مقبلا إقبالا واسعا على دراسة علم الحديث ولا سبها من جهة الرواية، وقد ذكر هو هذا عن نفسه في بعض كلامه،

            وإن كان هذا لا يعني جهل أبي حامد بالسنة، لكنه ليس من المقبلين على علم الرواية كالحفاظ الذين لهم عناية واسعة بعلم الرواية،

            وإلا هو فقيه كبير من كبار الفقهاء ولاسيما في مذهب الإمام الشافعي، وأصولي متين ولاسيما في مذهب الشافعية وفي نظام علم الأصول ونظرياته، كتب فيه كتبا من أخصها كتاب(المستصفى)، وله علوم أخرى.

            وكذلك مادة من تزهات الصوفية لأنه أتى على بعض كلام الصوفية المنحرف وعلى طائفة من أوهامهم فدرج عليها أبوحامد وتأول لها، وصحح لها مشارع، وهو بديع في صناعة المشارع للطرق التي يتكلم عنها.

            وله مادة ثالثة كما يشير شيخ الإسلام ابن تيمية، قال:- ومادة فلسفية- مع أنك تعلم أن أبا حامد من أخص من رد على الفلسفة، وله في ذلك كتب ومن أخصها كتاب (التهافت)،

            ولكن أبا حامد لما درس الفلسفة وأقبل عليها وقرأ كتب الحسين بن عبد الله بن سينا بالذات تأثر بفلسفة ابن سينا مع أنه يطعن عليه كثيرا، ويختلف معه كثيرا،

            لكن لما كان ابن سينا إشراقيا في فلسفته، فيضيا في فلسفته، عرفانيا في فلسفته وهذه تناسب مزاج أبي حامد من حيث الطريقة، تأثر بفلسفة ابن سينا ولا سيما في كتابه المطول كتاب (الشفاء).

            -ولهذا قيل بأن أبا حامد أمرضَه الشفاء أي كتاب (الشفاء) لابن سينا، ولكن لا يعني هذا أنه موافق لابن سينا، أو أنه قريب من مذهبه في التصوف أو في الفلسفة، هو ليس كذلك، وابن سينا مسافة بعيدة عن أبي حامد؛ أبو حامد له علم في الشريعة، وإجلال لها، وله مقامات في التحقيق معروفة وغير ذلك،

            -أما ابن سينا فهو فيلسوف كما يُعرف بعيد عن هذا المناط وعن هذه الرتبة، وله ضلالات بالغة في مسائل العبادة والإلهيات كتبها في كتبه الفلسفية التي عرف طائفة منها،وفقد طائفة منها، ومنها كتاب (الإشارات) و (التنبيهات) وكتاب (التعليقات) وغيرها،

            فليس هناك مقارنة بين الرجلين البتة، ولكن المقصود أن كتاب( إحياء علوم الدين) فيه مقامات حسنة، وفيه ضلالات أخطأ فيها أبو حامد، عفا الله عنا وعنه.

            النتيجة من هذا:

            أن هذا العلم خاض فيه خلق، ولكن من حسن ما يُوصى به من الرسائل العلمية هي رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله - ولا سيما ( التحفة العراقية)، ورسالة (العبودية).

            وابن القيم كذلك له بعض المقامات، وإن كانت درجة التحقيق عند شيخ الإسلام أبلغ.

            أيضًا من العارفين في هذا المقام والفضلاء فيه الحافظ ابن رجب الحنبلي، وهو محقق بالغ التحقيق في مثل هذه المسائل.

            ولا بن الجوزي كلام، ولكن ينتاب كلام ابن الجوزي ما ينتابه، ولأبي حامد كلام ولكن انتاب كلام أبي حامد ما ينتابه، ولكن حينما يقال : ينتابه، فمن كان على درجة من العلم والتحقيق استفاد من ذلك .

            كما أنك تقول: كتاب (المحلي) لابن حزم في الفقه ينتابه ما ينتابه؛ لأنه سلك فيه المسلك الظاهري المعروف الذي خالف في قواعده الجماهير، ولكن في كتاب (المحلي) جملة واسعة من التحقيقات العلمية والإشارات في الاستدلال حتى ولو لم تأخذ القول كاملا فإنك تستفيد منه أوجها من طرق الاستدلال أو الآثار التي يُعنى ابن حزم بجمعها أو بتوجيهها أو ما إلى ذلك.

            فهذا لا يغلق ولكن لا يحسن للمبتدئ أن يبتدئ بكلام أبي محمد بن حزم، فكذلك في السلوك لا يحسن بالمبتدئ أن يبتدئ بكلام قد دخله ما دخله، لكن إذا صار الإنسان على مقام من رفيع العلم، وفهم السنة، وقواعد الاتباع لمنهج وهدي الرسول عليه الصلاة والسلام - أصاب من كلام هؤلاء العلماء الذين هم مقتصدون


            - بخلاف الغلاة؛ فالغلاة شأنهم بعيد، ولا حاجة للنظر في كتبهم البتة غلاة الصوفية أو ما إلى ذلك؛ لأنهم لا يختصون بشيء من المعاني الحسنة، بل ما عندهم معنى حسن اختصوا به،

            فالمعاني الحسنة قد ذكرت في كتب أهل العلم من قبلهم، وحققت على درجة أرفع يذكرونها، فضلا عما في كتبهم من الأخطاء المخالفة للإجماع، فهذا من التوسط لأخذ الأمور.

            Comment

            Working...