أبناء الشيطان

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • DirghaM
    طالب علم
    • Jul 2007
    • 2155

    #16
    سوف أقتله
    كانت كيتي بايرون عام 1902 في الثالثة والعشرين من العمر عندما طعنت عشيقها آرثر بيكر، بسكين حادة أمام مكتب البريد في لندن وقتله. كانت الطعنة الأولى في ظهره و الثانية ـ القاتلةـ في صدره .وتمت الحادثة في وضح النهارأمام العديد من الشهود .وبعد مقتل آرثر تكومت كيتي فوقه تنتحب و تناديه.وقالت في المحكمة أنها لم تخطط لقتله،وكانت عندما طعنته في فورة غضب،ولكنها اتهمت بالقتل العمد وكان عقاب القتل يومها الشنق .

    قبل الحادثة المشؤومة كانت كيتي تعيش مع آرثر في غرفة مستأجرة في أحد أحياء لندن . وكان بيكر رجلاً متزوجاً يعمل في البورصة ، وقد ادعى عند استأجار الغرفة أنه متزوج من كيتي . وكان يدمن شرب الخمر ، وكثيلراً ما يضرب كيتي ، بل وكاد ذات مرة ان يخنقها . وكانت كيتي تتحمل ذلك منه وتدافع عنه أمام صاحبة الدار ، ولم تكن هي من جانبها تقرب الخمر .

    وفي ليلة السابع من تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1902 ن سمعت صاحبة الدار صُراخاً وجلبة ، فصعدت إلى الغرفة المؤجرة ووجدت الثياب مبعثر في كل مكان والغرفة في حالة مزرية من الفوضى ، فدافعت كيتي كعادتها عن بيكر المخمور وقالت إنهما كانا يلهوان وأن لاشيء يستحق غضبها . لكن بعد مغادرة السيدة سرعان ما عاد الشجار إلى الغرفة واستمر إلى الساعة الواحدة والربع بعد منتصف الليل مما دعا صااحبة الدار إلى العودة لإصلاح ذات البين . وعندما صعدت إلى الدور العلوي وجدت كيتي جالسة في الممر ترتجف وعلامات الخوف بادية على وجهها ، لكنها قالت للسيدة أنه ليس هناك شيء يستدعي تدخلها . وفي اليوم التالي طلبت السيدة منهما إخلاء الغرفة . وقد أعقب ذلك عدة أيام من الهدوء .

    ذات عينين سوداوين تائهتين تجولان بذهول في أركان قاعة المحكمة . وكان اسمها الحقيقي إيما بايرون . وقد شهد في قضيتها نحو 20 شاهداً . وعندما أشار أحد الأطباء إلى جسده ليحدد مكان الطعنة القاتلة صدرت عنها صرخة عويل أثارت فضول الجمهور . ولقد حاول الدفاع جهده تبرئتها واستدار عطف المحلفين على قضيتها . كما أن القاضي قال بأنه لو ترك الحكم لمشاعره لكان ألغى القضية منذ البداية ، لكنه لا يستطيع ان ينكر أن هناك رجلاً قد قتل مطعونا بيد المتهمة . وبعد 10 دقائق من المداولة صدر الحكم بالإدانة بتهمة القتل مع توصية قوية بالرأفة . أما كيتي فقد قالت : إنها بريئة من تهمة القتل العمد . لكن كل ذلك لم يكن ليجنبها حبل المشنقة .

    غير أن موجات متتابعة من العطف الجماهيري حالت دون تنفيذ العقوبة بكيتي ، ذلك أنه في يوم واحد جُمع نحو 15 ألف توقيع يطالب أصحابها بتخفيف الحكم . كما أنه تم جمع 3 آلاف توقيع من العاملين بالبورصة يطالب أصحابها بالشيء نفسه . وهكذا تم تخفيض الحكم إلى الأشغال الشاقة مدى الحياة . وفي عام 1907 تم تخفيض المدة ، ثم أفرج عنها في العام التالي مباشرة .
    شفاك الله وعافاك يــا أخي، نسألكم الدعاء لأحد إخواننا في المنتدى بالشفاء

    Comment

    • DirghaM
      طالب علم
      • Jul 2007
      • 2155

      #17
      زوجة الشيطان

      نهاية العام 1935 ، شهد أشهر محاكمات التريخ الفرنسي ، وأهمية هذا الحدث أن المتهم الأول في القضية كان ابن النائب العام .

      غصّت أرجاء المحكمة بشكلٍ كثيف من قبل الحضور الذين وفدوا بالآلاف من مختلف المدن والقرى الفرنسية بجانب التواجد الكثيف لأهالي المتهم والمجني عليها .

      بداية ما جرى ، إعلانين تجاريين في إحدى الصحف الفرنسية :

      " شابة من عائلة ميسورة الحال ، تطلب الزواج من فتى جيِّد المظهر والخلق وذا مركز مرموق أو من ملاّك الأراضي " التوقيع : جورجيت .

      " شاب ينحدر من عائلة جيّدة ، يملك ثروة لا بأس بها ، يطلب الزواج من فتاة لتسكن معه في الريف " التوقيع : ميشال .

      الفتاة قروية من مقاطعة نوايون تنحدر من أسرة غنية تملك مهراً كافياً لإغراء كل طالبي الزواج ، لكن حظها كان عاثراً منذ بلغت الرابعة من عمرها حيث تعرّضت لحادث سقوط على رأسها أدّى ذلك إلى كسرٍ في الجمجمة وشللٍ في الجانب الأيمن من جسدها مما جعل نطقها عسيراً .

      كبرت وهي تتحمل آثار سقطتها هذه ونَمَت في جوٍّ من الكآبة والحزن على وضعها الصحي الصعب .
      وحين بلوغها السن التاسعة عشر خطرت لها فكرة الإعلان عن رغبتها في الزواج .

      إلتقط ميشال ، وكان الإبن البكر لأحد القضاة ، الإعلان ، وتبادل مع جورجيت الرسائل .

      9 أيلول 1933 ، زار العشيق عشيقته في مزرعتها . وجمعت مصيبة كل واحدٍ منهما الآخر ، فهي مصابة بالشلل الجزئي وهو عبارة عن مجموعة متنافرة في الشكل والمنطق :

      وجه ميشال يبعث على الإستغراب : كان وجه عصفور وذقن مطبوعة ، وعينان زرقاوان وأذنان كبيرتان واسعتان ، وفم واسع . أما أسلوب كلامه فكان منفراً أيضاً كمن يعيش في هلوسة دائمة لا يعرف متى يضحك ومتى يتأثّر ويتكلّم حتى أن كلامه ومغازلته لجورجيت لم يكن منسقاً إطلاقاً .

      بسرعة البرق تمَّ التعارف بينهما وبين أسرتيهما واتفقا أخيراً على الزواج رغم أن كل منهما لم يكن ليجد في الآخر ضالته ، لكن كان لكل واحد منهما هدفه ورغبته .

      فهي رأت في مزرعته في مقاطعة لوريان وثراء أهله خصوصاً كون والده أحد أهم قضاة المقاطعة ما يغطي على شخصية ميشال النافرة .
      وهو رأى في زواجه من جورجيت رغم عاهتها الدائمة ثأراً لعدم توفيقه بالزواج في مسقط رأسه بريتانيا حيث لم توافق ولا فتاة على الزواج به .

      10 تشرين الأول 1933 تمّ عقد القران بين ميشال و جورجيت في جوّ عائلي وأرستقراطي أخّاذ .
      وفي 8 أيّار 1934 تلقَّت عائلة جورجيت البرقية التالية :

      " جورجيت ضحية حادثة خطيرة ، في غياب ميشال . نشاطركم أحزانكم وقلوبنا معكم " .
      ثم راحت البرقيات تتوالى على عائلة جورجيت :
      " هوجمت جورجيت من قبل أحد اللصوص بسلاح ناري ، ألمنا لا حدود له "
      " توفيت جورجيت دون ألم . بانتظاركم ".

      وكانت البرقيات الثلاثة بتوقيع النائب العام .

      ساد الحزن والكآبة عائلة جورجيت ، فوالدها أخذ يفتل شاربه الغليظ وعيناه غارقتان بالدموع وكذلك والدتها في حيرة من أمرها ، أما أختها والتي تصغرها بسنتين فأضحت حائرة وسط الحزن الذي بلغها . فرسائل جورجيت لها كانت كلها تتسم بالخيبة من هذا الزواج .

      عزيزتي الصغيرة ماري :

      " تصوّري أن ميشال هو شرير كبير ، إنه يضربني باستمرار ، إنه يخيفني دائماً بعد أن يجلدني ، تصوّري يعود إلى التودُّد إليّ ، يضحك وهو ينظر إلى ألمي ووجعي وبعدها يعود إلى ضربي مجدداً .
      لقد أراد أن يشعل النار في سريري وأنا نائمة ، إنه مؤذٍ ليس فقط لي لكن أيضاً للحيوانات فهو يضربها بقوة .
      هدَّدني أكثر من مرة بالقتل ، وفي جسدي الكثير من البقع الزرقاء من جراء تعذيبه لي .
      من فترة أشعل ذنب القطة المحبّبة لديّ ، ليشعرني أن مصيري سيكون كقطتي المسكينة ".

      أخذت ماري تقلب رسائل جورجيت حتى وصلت إلى آخر رسالة وفيها أن زوجها هدَّدها من جديد بأنه سيتخلّص منها بواسطة البندقية ( لأنه سيكون بذلك أكثر وثوقاً من النتيجة ).

      راحت ماري تصرخ : إنه هو .. هو الذي قتلها إنه زوجها ميشال.
      لم تخطئ الصغيرة ماري . وهم أيضاً لم ينخدعوا هناك في بريتانيا . الكل أشار إلى ميشال .
      إنه المجنون القاتل .. الشيطان قتل زوجته .

      حدس الشرطة والمحققين كان مطابقاً لشكوك كل أهالي بريتانيا وأهل جورجيت في اتهام ميشال بجريمة القتل .

      خصوصاً وثيقة التأمين ضد الحوادث الذي أجراه الزوج قبل شهر من الجريمة وسلاح الجريمة وآثار دماء تمتد من غرفة نوم جورجيت إلى غرفة الهاتف .

      فتحت الشرطة والمحقِّقون ملف حياة ميشال فوجدوا فيه الشاب الفاسد الحاقد : كان يقتل الحيوانات التي يصادفها دون رحمة أو مشقة بالبندقية التي أهدته إياها أمه ذات يوم تارة ، ويخنقها تارة أخرى ، وكان يعكر السواقي بمادة الأستيلين ويصب الدبق في الكثبان .

      وهكذا تمَّت حلقات المأساة التي جمعت فتى فاسداً إلى فتاة مشوَّهة وكأن الشيطان هو الذي زوَّجهما .
      في الثامن من أيّار كان يوم عيد في غيدل حيث يسكن الزوجان ، فالسكان ذهبوا للتنزه وكذلك أخذ الخدم إجازتهم لمناسبة العيد .

      فجأة اندلع حريق في منزلهما وهرعت جورجيت للاتصال هاتفياً لطلب الإستغاثة ، حينها انطلقت ست رصاصات بينما كانت عاملة الهاتف ترد على نداء الإستغاثة .

      سار القاتل في جنازة القتيلة ووقف على رأس المعزين وبجانبه والده النائب العام ونجح في إظهار الأسى واللوعة على فقدان زوجته متوعِّداً الجاني بأشد العقوبات .

      أجمع المحققون على توجيه الإتهام لميشال بتهمة قتل زوجته لكن والده كان غير مصدق .." مُحال .. أن يكون ولدي هو الفاعل .. لقد تناقشت بالأمس معه طويلاً بالحادث وأقنعني غضبه وأسفه لغياب زوجته بأنه طبعاً بريء من هذه الفعلة الشنيعة ".

      " ومع ذلك فالأدلة كلها واضحة وموجودة " - أجابه أحد المحقِّقين :

      في اليوم الثالث من التحقيق مع ميشال انهار واعترف بكل شيء.

      في المحكمة استدعى والده القاضي ووالدته لسماع شهادتيهما حول حياة ميشال الخاصة منذ طفولته وحتى زواجه فأجمعا على مرضه النفسي " كان يجب أن يدخل مصحة الأمراض العقلية "، قال والده ، بينما وقفت والدته أمام قوس المحكمة موجِّهة كلامها إلى ابنها .. " أما أنت يا حبيبي فأطلب منك العفو لأنني ولدتك ".

      شهادة الأطباء ركَّزت على مرض ميشال العقلي والنفسي ، كان مصاباً بانهيار سويداوي ،قال أحدهم . أما الآخر فاعتبره متفسّخاً أخلاقياً ، وأنه لم يلق العناية الكافية من قبل أهله .

      احتجاجات وهمهمات وصراخ من قِبَل الجمهور المحتشد في قاعة المحكمة ردًّا على محاولة الدفاع عن المتهم بتصوير الجريمة كلها على أنها بدون إصرار وتصميم من قِبَل القاتل بل إن الموضوع لا يتعدَّى مرضًا نفسيًا وعقليًا يصيب الجاني ليدفعه إلى فعل ما فعل وأن المال أُعطيَ المقام الأول في هذا الزواج الذي لا معنى له .

      لا شك أنهم أخطؤوا بتزويجهما . والزواج ليس علاجًا في مثل هذه الحالة ، أضاف أحد الخبراء - الشهود .

      انتهت جلسات المحكمة بإصدار الحكم : عشرون سنة سجناً مع الأشغال الشاقة .

      لا شك أن المحلّفين أخذوا بعين الإعتبار المسؤولية المنخفضة جدًا لهذا الغلام المخرِّب ، لكنهم لم ينسوا المظهر الآخر للمأساة السادية : المظهر النفعي الكثير البشاعة .
      شفاك الله وعافاك يــا أخي، نسألكم الدعاء لأحد إخواننا في المنتدى بالشفاء

      Comment

      • DirghaM
        طالب علم
        • Jul 2007
        • 2155

        #18
        مجرم محترف

        ولد الدكتور هاولي هارفي كريبن في ميتشيغان ، وجاء في عام 1900 ليعيش مع زوجته بيل إلمور في إنكلترا . كانت الزوجة مغنية أوبرا سابقة ، حسنة المظهر ، ومتسلطة ،بينما كان الزوج صغير الحجم ، أصلعًا ، وحاد الطبع .

        سكن الزوجان في شمال لندن حتى مطلع العام 1910 حين اختفت الزوجة فجأة . قال الزوج لأصدقائه في بداية الأمر : أن بيل سافرت إلى أمريكا وهناك فاجأها مرض أودى بحياتها . ثم غير إفادته أمام رجال الشرطة وقال : بأنها هربت مع عشيقها . ولما أخذ رجال الشرطة يضيقون الخناق عليه ، ويفتشون منزله بين فترة وأخرى صمم على مغادرة إنكلترا مع سكرتيرته وعشيقته إيثل لي نيف .

        حصل كريبن على جواز سفر مزوَّر باسم جون روبنسون ، وألبس إيثل ملابس الفتيان بعد أ، قص شعرها وحمَّلها جواز سفر بصفتها ابنه ماستر روبنسون .

        توجه الإثنان بحرًا إلى كندا ، وبعد رحيلهما بساعات تم تفتيش منزلهما حيث تم العثور على لحم دون عظم مدفون تحت بلاط إحدىحجرات المنزل . عممت الشرطة اسم المشبوه وأوصافه على جميع مراكز الحدود . وفي هذه الأثناء كان قبطان السفينة التي سافرا على متنها قد بدأ يشك بحقيقة الأب وابنه ، خاصة بعد أن لاحظ أن الأب يمسك بيد ابنه ويضغطها بطريقة " غير مألوفة " بين الذكرين . وسرعان ما تعرف القبطان على هوية كريبن وعشيقته بيل ، فأبرق إلى سكوتلانديارد التي أرسلت زورقاً سريعًا لَحِق بالسفينة ، وأُلقيَ القبض على العاشقين الهاربين ، وأعيدا إلى إنكلترا في 31 تموز ( يوليو ) عام 1910 .

        وفي 18 تشرين الأول ( أكتوبر ) بدأت محاكمته فقال في بداية الأمر أنه غير آسف على شيء ، ولكنه أصر على براءته من التهمة الموجهة إليه . وقال : بأن زوجته أخبرته قبل اختفائها بيوم أنها ستتركه وتذهب لتعيش مع عشيقها بروس ميلر ، وأنها طلبت منه " تغطية الفضيحة بأفضل طريقة يراها ". ولذلك قال : أنها ذهبت إلى أمريكا وتوفيت هناك . ثم قال : أنه هرب بعد أن اضطر إلى الكذب لتغطية الفضيحة ، وأخيرًا قال : ما هو دافعي لقتلها ، إني أحيى حياة سعيدة مع إيثل . لكن كريبن نسي موضوع اللحم الذي وجد تحت بلاط الحجرة . وعندما سئل عن ذلك قال : بأنه ربما كان مدفوناً هناك منذ فترة طويلة قبل قدومه إلى المنزل . وقال : بأن الطين الذي كان يغطي كتلة اللحم ربما حفظها من التلف طوال تلك المدة . وقد صادق الأطباء على أقواله ، وكاد يفلت من حبل المشنقة .

        غير أنه بمزيد من الفحص والتدقيق وجد الأطباء علامات دلت على أن كتلة اللحم المدفونة تحت بلاط الحجرة كانت ، دون ريب ، للزوجة المختفية بيل . ذلك أنهم وجدوا شعرًا أشقرًا مثل شعر بيل . ثم وجدوا قطعة من جدار البطن وفيها آثار عملية جراحية ، وكانت بيل قد أُجريت لها عملية جراحية قبل عدة سنوات . وهكذا أُدين كريبن وحكم عليه بالإعدام شنقاً ، حيث تم تنفيذ الحكم فيه يوم 23 تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1910 .
        شفاك الله وعافاك يــا أخي، نسألكم الدعاء لأحد إخواننا في المنتدى بالشفاء

        Comment

        • DirghaM
          طالب علم
          • Jul 2007
          • 2155

          #19
          زوجة آكل الزرنيخ

          في عام 1884 شهدت محكمة ليفربول جريمة قتل ، شاركت فيها امرأتان بتسميم وزج إحداهن بالزرنيخ المستخلص من ورق قتل الذباب . وقد اعترفت السيدتان بجريمتهما ، غير أن القضية مرت بدون ضجة ربما لأن الجانيتين كانتا من الطبقة الفقيرة . وبعد خمس سنوات شهدت ليفربول جريمة مماثلة ، يبد أنها هزّت ، هذه المرة ، الرأي العام وشغلت الصحف فرة طويلة . وكانت ، بغموضها ، مثارًا للجدل خاصة أنها جمعت إلى مسألة الزرنيخ تهمة الزنا . كما أن القضية ظلت حية في أذهان الناس بعد انقضاء 30 سنة على وقوعها ، حيث أشار الكاتب جيمس جويس عام 1922 إلى الحادثة في روايته المشهورة " عوليس " التي بدأ إحدى فقراتها بقوله : " خذ السيدة مايبريك التي سممت زوجها بوضع الزرنيخ المستخلص من ورق قتل الذباب في شايه ... " ولكن ، هل فعلت السيدة مايبريك ذلك حقاً ؟

          ولدت فلورنس إليزابيث تشاندلر ، التي أصبحت تعرف بعد زواجها بالسيدة مايبريك ، في ألاباما ، وتلقت تعليمها في أروبا . وفي عام 1881 تزوجت الثري البريطاني جيمس مايبريك . كانت هي في 18 من العمر ، وكان هو في 42 . وبعد ثلاث سنوات كانت السيدة مايبريك قد أنجبت طفلين ، ولدًا وبنتاً ، وكانت تعيش مع زوجها في ليفربول عيشة هانئة حتى العام 1887 حين اكتشفت أن لزوجها خليلة يتردد عليها في ليفربول . وعلمت الزوجة أن لزوجها خمسة أطفال من تلك المرأة ، اثنان منهم وُلِدَا بعد زواجهما.

          ومن الطبيعي أن تفتر العلاقة بين الزوجين ، حيث أخذ كل منهما ينام بعيدًا عن الآخر . وفي حين استمر الزوج يتردد على عشيقته ، أخذت الزوجة تخونه مع أحد أصدقائه الشبان ، ألفرد بريرلي .

          كان الزوج ، كعادة الكثير غيره في ذلك الوقت ، يتناول مع طعامه شيئاً من مادة الزرنيخ السامة باعتبارها مادة منشطة ومثيرة للشهوة الجنسية . ولقد كان رجال العهد الفكتوري أكثر فروسية منا اليوم ! وكان السيد مايبريك مغرمًا جدًا بتناول الزرنيخ ، ربما أكثر من أي شخص آخر في زمانه . قال ذات مرة عنه لأحد أصدقائه : " إنه اللحم والشراب بالنسبة لي . والأطباء يعذبونني لأنهم لا يصفونه لي باستمرار ، وإنما بين الحين والحين " . كما قال مرة أخرى أمام أحد معارفه ، وقد رآه يضيف إلى طعامه مسحوق الزرنيخ :" سوف ترتعب إن قلت لك ما هذا . إنه زرنيخ . كلنا يتناول بعض السم في طعامه ، غير أن الزرنيخ الذي أتناوله الآن كافٍ لقتلك " .

          كانت الزوجة تعلم بإدمان زوجها على تناول الزرنيخ وتعاطي الأدوية والمقويات ، وقد ذكرت ذلك في عام 1889 أمام أحد أطباء العائلة . وفي ذلك العام ذهبت في شهر آذار ( مارس ) لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في لندن مع عشيقها بريرلي مما أثار شكوك الزوج وغيرته . وبعد عودتها إلى البيت حدثت مشاجرة عنيفة بين الزوجين لجأ فيها الزوج إلى ضرب زوجته . ولما حضر الطبيب في اليوم التالي لعلاج عين الزوجة المتورمة أخبرته الأخيرة بأنها ستسعى إلى الإنفصال عن زوجها .

          استمر الشجار بين الزوجين طوال شهر نيسان ( أبريل ) ، وفي نهاية الشهر كانت الزوجة قد عزمت على أمر ما ، فذهبت إلى أحد الصيادلةالمحليين واشترت منه 12 ورقة مصمغة بالزرنيخ لقتل الذباب . بعد ذلك نقعت الزوجة أوراق الزرنيخ في الماء وتركتها في حجرة نومها على مرأى من الخدم .

          في 25 نيسان ( أبريل ) كتب جيمس مايبريك وصية جديدة ترك بموجبها كل ثروته لأولاده ، وحرم زوجته فلورنس من الحصول على أي شيء . وفي 28 من الشهر نفسه وقع الزوج فريسة المرض بعد تناوله طعامًا أعدته زوجته فأخذ يسترجع ما أكله ويحس بدوخة وغثيان وبتشنج في قدميه . لكنه تعافى في اليوم التالي وأخذت صحته تعود إلى حالتها الطبيعية . وفي الأسبوع التالي قصدت الزوجة صيدليًا آخر ، وابتاعت منه 24 ورقة لقتل الذباب .

          وفي يوم 7 أيار ( مايو) انهارت صحة مايبريك من جديد ، وأخذ يقيء كل ما يدخل جوفه . لم يكن الخدم يحبون السيدة مايبريك . وكذلك الحال بالنسبة لعائلةالسيد مايبريك . كما أن قصة تسميم المرأتين لزوج إحداهما لم تكن قد نُسيت في لفربول . ولذلك بدأ الخدم يراقبون تصرفات السيدة مايبريك بعد أن شكّوا في سلوكها . بل وصرحت مربية الأولاد لإحدى صديقاتها بأن السيدة مايبريك تقوم بتسميم زوجها . ولكن ، هل كان لك صحيحًا ؟!

          في تمام الساعة الثامنة وأربعين دقيقة من مساء يوم السبت الموافق 11 أيار (مايو) فارق جيمس مايبريك الحياة . وقد اتهم شقيقاه ومعهما الخدم الزوجة بقتله ، فتم القبض عليها تمهيدًا لتقديمها إلى المحاكمة .

          وجد الأطباء زرنيخاً في الطعام ، وكذلك في معدة الضحية . وأفاد الخدم بأنهم سمعوا السيد مايبريك يقول لزوجته قبل وفاته :" لا تعطيني الدواء الخطأ مرة ثانية "، فترد عليه السيدة مايبريك بقولها :" ماذا تقول ؟ لم أقدم لك الدواء الخطأ أبدًا".

          وفي يوم الأربعاء الموافق 31 تموز (يوليو) 1889 بدأت محاكمة السيدة مايبريك وسط اهتمام شعبي وإعلامي منقطع النظير ، وكانت الصحف والجماهير قد حكمت مسبقاً بإدانتها . غير أن المتهمة ظلت تصر على أنها بريئة .

          سرد المدعي العام أدلة الإتهام باختصار ووضوح : الموعد الغرامي مع العشيق في لندن ، فالشجار ، فشراء أوراق قتل الذباب المشبع بالزرنيخ ، فوجود مادة الزرنيخ في الطعام وفي معدة القتيل ، علاوة على وجود آثار للزرنيخ في جيب روب الزوجة وفي منديل مبلل . وأخيراً العثور على رسالة من الزوجة لعشيقها في لندن تخبره فيها أن زوجها على وشك أن يموت .

          بيد أن محامي الدفاع السيد تشارلز راسل كان بارعًا في دفاعه بحيث قدم تفسيراً لكل الأدلة التي ذكرها المدعي العام . فنقيع أوراق قتل الذباب كان لإعداد محلول مخفف من الزرنيخ لعلاج تجعيد البشرة ، ودليل ذلك وجود المنديل المبلل وآثار الزرنيخ في جيب الروب . كما أن السيدة مايبريك ابتاعت أوراق قتل الذباب بصورة علنية وتركت النقيع في غرفتها أمام أعين الخدم ، فلو كانت تعزم قتل زوجها هل كانت تفعل ذلك بهذه الصورة العلنية ؟! أما الزرنيخ الذي وجد في الطعام وفي معدة الميت فليس سرًا أن السيد مايبريك كان يتناول الزرنيخ في طعامه ، وتقول الزوجة أن زوجها كان يلح عليها لتعطيه الزرنيخ مع الطعام الذي كانت تقدمه إليه . وأما قولها في الرسالة أن زوجها على وشك أن يموت فتعبير شائع في جنوب بريطانيا ، ولا تعني أنها كانت تعلم بأنه سيموت حقاً . وأخيرًا جاء الدليل الحاسم على براءة الزوجة من شهادة الطبيب الشرعي الذي أفاد أن كمية الزرنيخ التي وجدت في معدة المتوفى كانت قليلة جدًا . كما أن الزوجة قالت في المحكمة أنها صارحت زوجها قبل وفاته " بعلاقتي الآثمة بصديقه ، وطلبت منه أن يسامحني ففعل " . وقد أغمي عليها أثناء الإدلاء بشهادتها مما جعل الجمهور والمحلفين يتعاطفون معها . كما أن الجميع أصبح على قناعة بأن موت الزوج متسممًا بالزرنيخ كان بعلمه وبناء على طلبه وإلحاحه .

          ولكن ، لعجب الجميع ودهشتهم ، رأى المحلفون أن المتهمة مذنبة ، وصدر الحكم عليها بالإعدام . غير أن الجمهور اعترض على هذا الحكم ، فأخذت رسائل الاحتجاج تكتب ، وأُثيرت المسألة أمام نواب الشعب في البرلمان ، وتلقت المتهمة داخل سجنها عدة رسائل يعرض أصحابها استعدادهم الاقتران بها ، لإيمانهم ببراءتها . كل ذلك جعل وزارة الداخلية ترضخ للضغوط الشعبية ، وتخفف الحكم على المتهمة إلى السجن المؤبد .

          مكثت فلورني مايبريك 15 سنة في السجن ، كانت خلالها مثال السجينة الحسنة السلوك مما ساعد في الإفراج عنها في عام 1904 . وقد عادت بعد إطلاق سراحها إلى الولايات المتحدة حيث أخذت تحاضر حول ضرورة إصلاح قانون العقوبات . وكانت تشير باستمرار في كل أحاديثها إلى براءتها مما نسب إليها ، قائلة : " أقسم أمامكم أنني بريئة مما اتهمت به " . بعد ذلك اعتزلت الناس ، وعاشت حياتها الخاصة مستعينة بأموال أصدقائها المحسنين . وفي عام 1941 توفيت في ساوث كنت بولاية كونكتيكوت عن عمر يناهز السادسة والسبعين .

          هل كانت مذنبة أم بريئة ؟؟ لا أحد يعرف إلا الله جلّ جلاله ، ثم هيَ .
          شفاك الله وعافاك يــا أخي، نسألكم الدعاء لأحد إخواننا في المنتدى بالشفاء

          Comment

          • DirghaM
            طالب علم
            • Jul 2007
            • 2155

            #20
            للرفع

            <كنتُ أتمنى تتمة نسخ هذا الكتاب المثير
            شفاك الله وعافاك يــا أخي، نسألكم الدعاء لأحد إخواننا في المنتدى بالشفاء

            Comment

            Working...