فصل [ متابعة سياق حجته صلى الله عليه وسلم ]
عدنا إلى سياق حجته صلى الله عليه وسلم .
[ الإفاضة من عرفة ]
فلما غربت الشمس واستحكم غروبها بحيث ذهبت الصفرة أفاض من عرفة ، وأردف أسامة بن زيد خلفه وأفاض بالسكينة وضم إليه زمام ناقته حتى إن رأسها ليصيب طرف رحله وهو يقول أيها الناس عليكم السكينة ، فإن البر ليس بالإيضاع أي ليس بالإسراع .
وأفاض من طريق المأزمين ، ودخل عرفة من طريق ضب ، وهكذا كانت عادته صلوات الله عليه وسلامه في الأعياد أن يخالف الطريق وقد تقدم حكمة ذلك عند الكلام على هديه في العيد .
ثم جعل يسير العنق وهو ضرب من السير ليس بالسريع ولا البطيء . فإذا وجد فجوة وهو المتسع نص سيره أي رفعه فوق ذلك وكلما أتى ربوة من تلك الربى ، أرخى للناقة زمامها قليلا حتى تصعد .
وكان يلبي في مسيره ذلك لم يقطع التلبية . فلما كان في أثناء الطريق نزل صلوات الله وسلامه عليه فبال وتوضأ وضوءا خفيفا ، فقال له أسامة : الصلاة يا رسول الله فقال الصلاة - أو المصلى - أمامك
ثم سار حتى أتى المزدلفة ، فتوضأ وضوء الصلاة ثم أمر بالأذان فأذن المؤذن ثم أقام فصلى المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال فلما حطوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة ثم صلى عشاء الآخرة بإقامة بلا أذان ، ولم يصل بينهما شيئا وقد روي أنه صلاهما بأذانين وإقامتين وروي بإقامتين بلا أذان والصحيح أنه صلاهما بأذان وإقامتين ، كما فعل بعرفة . ثم نام حتى أصبح ولم يحي تلك الليلة ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء .
هل يجوز رمي الجمار قبل الفجر ]
وأذن في تلك الليلة لضعفة أهله أن يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر وكان ذلك عند غيبوبة القمر وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس حديث صحيح صححه الترمذي وغيره
وأما حديث عائشة رضي الله عنها : أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم تعني عندها رواه أبو داود ، فحديث منكر أنكره الإمام أحمد وغيره . ومما يدل على إنكاره أن فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أمرها أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة وفي رواية توافيه بمكة وكان يومها ، فأحب أن توافيه وهذا من المحال قطعا .
قال الأثرم : قال لي أبو عبد الله : حدثنا أبو معاوية عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن توافيه يوم النحر بمكة لم يسنده غيره وهو خطأ .
وقال وكيع : عن أبيه مرسلا : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة أو نحو هذا ، وهذا أعجب أيضا ، أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر وقت الصبح ما يصنع بمكة ؟ ينكر ذلك . قال فجئت إلى يحيى بن سعيد ، فسألته فقال عن هشام عن أبيه " أمرها أن توافي " وليس " توافيه " قال وبين ذين فرق . قال وقال لي يحيى : سل عبد الرحمن عنه فسألته ، فقال هكذا سفيان عن هشام عن أبيه . قال الخلال سها الأثرم في حكايته عن وكيع " توافيه " ، وإنما قال وكيع : توافي منى . وأصاب في قوله " توافي " كما قال أصحابه وأخطأ في قوله " منى " .
قال الخلال أنبأنا علي بن حرب ، حدثنا هارون بن عمران ، عن سليمان بن أبي داود ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال أخبرتني أم سلمة ، قالت قدمني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن قدم من أهله ليلة المزدلفة . قالت فرميت بليل ثم مضيت إلى مكة ، فصليت بها الصبح ثم رجعت إلى منى
قلت : سليمان بن أبي داود هذا : هو الدمشقي الخولاني ، ويقال ابن داود . قال أبو زرعة عن أحمد : رجل من أهل الجزيرة ليس بشيء . وقال عثمان بن سعيد : ضعيف .
قلت : ومما يدل على بطلانه ما ثبت في " الصحيحين " ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة ، قالت استأذنت سودة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة أن تدفع قبله وقبل حطمة الناس وكانت امرأة ثبطة قالت فأذن لها ، فخرجت قبل دفعه وحبسنا حتى أصبحنا ، فدفعنا بدفعه ولأن أكون استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة أحب إلي من مفروح به فهذا الحديث الصحيح يبين أن نساءه غير سودة ، إنما دفعن معه .
فإن قيل فما تصنعون بحديث عائشة الذي رواه الدارقطني وغيره عنها ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر نساءه أن يخرجن من جمع ليلة جمع ، فيرمين الجمرة ثم تصبح في منزلها ، وكانت تصنع ذلك حتى ماتت
قيل يرده محمد بن حميد أحد رواته كذبه غير واحد . ويرده أيضا : حديثها الذي في " الصحيحين " وقولها : وددت أني كنت استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة .
وإن قيل فهب أنكم يمكنكم رد هذا الحديث فما تصنعون بالحديث الذي رواه مسلم في " صحيحه " ، عن أم حبيبة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بها من جمع بليل . قيل قد ثبت في " الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم تلك الليلة ضعفة أهله وكان ابن عباس فيمن قدم . وثبت أنه قدم س ودة ، وثبت أنه حبس نساءه عنده حتى دفعن بدفعه . وحديث أم حبيبة ، انفرد به مسلم . فإن كان محفوظا ، فهي إذا من الضعفة التي قدمها .
فإن قيل فما تصنعون بما رواه الإمام أحمد ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث به مع أهله إلى منى يوم النحر فرموا الجمرة مع الفجر قيل نقدم عليه حديثه الآخر الذي رواه أيضا الإمام أحمد ، والترمذي وصححه أن ا لنبي صلى الله عليه وسلم قدم ضعفة أهله وقال لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس ولفظ أحمد فيه قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا من جمع ، فجعل يلطح أفخاذنا ويقول " أي بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس لأنه أصح منه وفيه نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن رمي الجمرة قبل طلوع الشمس وهو محفوظ بذكر القصة فيه . والحديث الآخر إنما فيه أنهم رموها مع الفجر ثم تأملنا فإذا أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث فإنه أمر الصبيان أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي أما من قدمه من النساء فرمين قبل طلوع الشمس للعذر والخوف عليهن من مزاحمة الناس وحطمهم وهذا الذي دلت عليه السنة جواز الرمي قبل طلوع الشمس للعذر بمرض أو كبر يشق عليه مزاحمة الناس لأجله وأما القادر الصحيح فلا يجوز له ذلك .
وفي المسألة ثلاثة مذاهب أحدها : الجواز بعد نصف الليل مطلقا للقادر والعاجز كقول الشافعي وأحمد رحمهما الله والثاني : لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر كقول أبي حنيفة رحمه الله والثالث لا يجوز لأهل القدرة إلا بعد طلوع الشمس كقول جماعة من أهل العلم . والذي دلت عليه السنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر لا نصف الليل وليس مع من حده بالنصف دليل والله أعلم .
فصل [ مذهب من قال بركنية الوقوف بمزدلفة والمبيت بها]
فلما طلع الفجر صلاها في أول الوقت لا قبله قطعا بأذان وإقامة يوم النحر وهو يوم العيد وهو يوم الحج الأكبر وهو يوم الأذان ببراءة الله ورسوله من كل مشرك .
ثم ركب حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام ، فاستقبل القبلة وأخذ في الدعاء والتضرع والتكبير والتهليل والذكر حتى أسفر جدا ، وذلك قبل طلوع الشمس .
وهنالك سأله عروة بن مضرس الطائي ، فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني جئت من جبلي طيئ ، أكللت راحلتي ، وأتعبت نفسي ، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا ، فقد أتم حجه وقضى تفثه قال الترمذي : حديث حسن صحيح .
وبهذا احتج من ذهب إلى أن الوقوف بمزدلفة والمبيت بها ، ركن كعرفة ، وهو مذهب اثنين من الصحابة ابن عباس ، وابن الزبير رضي الله عنهما ، وإليه ذهب إبراهيم النخعي ، والشعبي ، وعلقمة والحسن البصري ، وهو مذهب الأوزاعي ، وحماد بن أبي سليمان ، وداود الظاهري وأبي عبيد القاسم بن سلام ، واختاره المحمدان ابن جرير ، وابن خزيمة ، وهو أحد الوجوه للشافعية ، ولهم ثلاث حجج هذه إحداها ، والثانية قوله تعالى : فاذكروا الله عند المشعر الحرام [ البقرة 198 ] .
والثالثة فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خرج مخرج البيان لهذا الذكر المأمور به.
واحتج من لم يره ركنا بأمرين أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم مد وقت الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر وهذا يقتضي أن من وقف بعرفة قبل طلوع الفجر بأيسر زمان صح حجه ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنا لم يصح حجه .
الثاني : أنه لو كان ركنا ، لاشترك فيه الرجال والنساء فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء بالليل علم أنه ليس بركن وفي الدليلين نظر فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قدمهن بعد المبيت بمزدلفة ، وذكر الله تعالى بها لصلاة عشاء الآخرة والواجب هو ذلك . وأما توقيت الوقوف بعرفة إلى الفجر فلا ينافي أن يكون المبيت بمزدلفة ركنا ، وتكون تلك الليلة وقتا لهما كوقت المجموعتين من الصلوات وتضييق الوقت لأحدهما لا يخرجه عن أن يكون وقتا لهما حال القدرة .
فصل [ قصة الفضل مع الخثعمية ]
وقف صلى الله عليه وسلم في موقفه وأعلم الناس أن مزدلفة كلها موقف ثم سار من مزدلفة مردفا للفضل بن عباس وهو يلبي في مسيره وانطلق أسامة بن زيد على رجليه في سباق قريش .
وفي طريقه ذلك أمر ابن عباس أن يلقط له حصى الجمار سبع حصيات ولم يكسرها من الجبل تلك الليلة كما يفعل من لا علم عنده ولا التقطها بالليل فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول بأمثال هؤلاء فارموا ، وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين
وفي طريقه تلك عرضت له امرأة من خثعم جميلة فسألته عن الحج عن أبيها وكان شيخا كبيرا لا يستمسك على الراحلة فأمرها أن تحج عنه وجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فوضع يده على وجهه وصرفه إلى الشق الآخر وكان الفضل وسيما ، فقيل صرف وجهه عن نظرها إليه . وقيل صرفه عن نظره إليها ، والصواب إنه فعله للأمرين فإنه في القصة جعل ينظر إليها وتنظر إليه .
[ الحج عن الأم ]
وسأله آخر هنالك عن أمه فقال إنها عجوز كبيرة فإن حملتها لم تستمسك وإن ربطتها خشيت أن أقتلها ، فقال " أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه ؟ قال : نعم . قال فحج عن أمك "
فلما أتى بطن محسر ، حرك ناقته وأسرع السير وهذه كانت عادته في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه فإن هنالك أصاب أصحاب الفيل ما قص الله علينا ، ولذلك سمي ذلك الوادي وادي محسر ، لأن الفيل حسر فيه أي أعيي وانقطع عن الذهاب إلى مكة ، وكذلك فعل في سلوكه الحجر ديار ثمود ، فإنه تقنع بثوبه وأسرع السير .
ومحسر : برزخ بين منى وبين مزدلفة ، لا من هذه ولا من هذه وعرنة : برزخ بين عرفة والمشعر الحرام ، فبين كل مشعرين برزخ ليس منهما ، فمنى : من الحرم ، وهي مشعر ومحسر : من الحرم ، وليس بمشعر ومزدلفة : حرم ومشعر وعرنة ليست مشعرا ، وهي من الحل . وعرفة : حل ومشعر .
وسلك صلى الله عليه وسلم الطريق الوسطى بين الطريقين وهي التي تخرج على الجمرة الكبرى ، حتى أتى منى ، فأتى جمرة العقبة ، فوقف في أسفل الوادي ، وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ، واستقبل الجمرة وهو على راحلته فرماها راكبا بعد طلوع الشمس واحدة بعد واحدة يكبر مع كل حصاة . وحينئذ قطع التلبية
وكان في مسيره ذلك يلبي حتى شرع في الرمي ورمى بلال وأسامة معه أحدهما آخذ بخطام ناقته والآخر يظلله بثوب من الحر . وفي هذا : دليل على جواز استظلال المحرم بالمحمل ونحوه إن كانت قصة هذا الإظلال يوم النحر ثابتة وإن كانت بعده في أيام منى ، فلا حجة فيها ، وليس في الحديث بيان في أي زمن كانت . والله أعلم .
فصل [ خطبة منى ]
ثم رجع إلى منى ، فخطب الناس خطبة بليغة أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر وتحريمه وفضله عند الله وحرمة مكة على جميع البلاد وأمرهم بالسمع والطاعة لمن قادهم بكتاب الله وأمر الناس بأخذ مناسكهم عنه وقال لعلي لا أحج بعد عامي هذا .
وعلمهم مناسكهم وأنزل المهاجرين والأنصار منازلهم وأمر الناس أن لا يرجعوا بعده كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض وأمر بالتبليغ عنه . وأخبر أنه رب مبلغ أوعى من سامع .
وقال في خطبته لا يجني جان إلا على نفسه .
وأنزل المهاجرين عن يمين القبلة والأنصار عن يسارها ، والناس حولهم وفتح الله له أسماع الناس حتى سمعها أهل منى في منازلهم .
وقال في خطبته تلك اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم ، وصوموا شهركم وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم .
وودع حينئذ الناس فقالوا : حجة الوداع .
وهناك سئل عمن حلق قبل أن يرمي وعمن ذبح قبل أن يرمي فقال " لا حرج " قال عبد الله بن عمرو ما رأيته صلى الله عليه وسلم سئل يومئذ عن شيء إلا قال افعلوا ولا حرج .
قال ابن عباس إنه قيل له صلى الله عليه وسلم في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال لا حرج .
وقال أسامة بن شريك خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حاجا ، وكان الناس يأتونه فمن قائل يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف أو قدمت شيئا أو أخرت شيئا فكان يقول لا حرج لا حرج إلا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم فذلك الذي حرج وهلك .
وقوله سعيت قبل أن أطوف في هذا الحديث ليس بمحفوظ . والمحفوظ تقديم الرمي والنحر والحلق بعضها على بعض .
[ بحث في نحره صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين بدنة بيده ]
ثم انصرف إلى المنحر بمنى ، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده وكان ينحرها قائمة معقولة يدها اليسرى . وكان عدد هذا الذي نحره عدد سني عمره ثم أمسك وأمر عليا أن ينحر ما غبر من المائة ثم أمر عليا رضي الله عنه أن يتصدق بجلالها ولحومها وجلودها في المساكين وأمره أن لا يعطي الجزار في جزارتها شيئا منها ، وقال نحن نعطيه من عندنا وقال من شاء اقتطع
فإن قيل فكيف تصنعون بالحديث الذي في " الصحيحين " عن أنس رضي الله عنه قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا ، والعصر بذي الحليفة ركعتين فبات بها ، فلما أصبح ركب راحلته فجعل يهلل ويسبح فلما علا على البيداء ، لبى بهما جميعا ، فلما دخل مكة ، أمرهم أن يحلوا ، ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده سبع بدن قياما ، وضحى بالمدينة كبشين أملحين فالجواب أنه لا تعارض بين الحديثين .
قال أبو محمد ابن حزم : مخرج حديث أنس ، على أحد وجوه ثلاثة .
أحدها : أنه صلى الله عليه وسلم لم ينحر بيده أكثر من سبع بدن كما قال أنس ، وأنه أمر من ينحر ما بعد ذلك إلى تمام ثلاث وستين ثم زال عن ذلك المكان وأمر عليا رضي الله عنه فنحر ما بقي .
الثاني : أن يكون أنس لم يشاهد إلا نحره صلى الله عليه وسلم سبعا فقط بيده وشاهد جابر تمام نحره صلى الله عليه وسلم للباقي ، فأخبر كل منهما بما رأى وشاهد .
الثالث أنه صلى الله عليه وسلم نحر بيده منفردا سبع بدن كما قال أنس ، ثم أخذ هو وعلي الحربة معا ، فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين كما قال غرفة بن الحارث الكندي أنه شاهد النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ قد أخذ بأعلى الحربة وأمر عليا فأخذ بأسفلها ، ونحرا بها البدن ثم انفرد علي بنحر الباقي من المائة كما قال جابر . والله أعلم .
فإن قيل فكيف تصنعون بالحديث الذي رواه الإمام أحمد ، وأبو داود عن علي قال لما نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنه فنحر ثلاثين بيده وأمرني فنحرت سائرها
قلنا : هذا غلط انقلب على الراوي ، فإن الذي نحر ثلاثين هو علي ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نحر سبعا بيده لم يشاهده علي ، ولا جابر ، ثم نحر ثلاثا وستين أخرى ، فبقي من المائة ثلاثون فنحرها علي ، فانقلب على الراوي عدد ما نحره علي بما نحره النبي صلى الله عليه وسلم .
فإن قيل فما تصنعون بحديث عبد الله بن قرط ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ، ثم يوم القر وهو اليوم الثاني . قال وقرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بدنات خمس فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ ؟ فلما وجبت جنوبها قال : فتكلم بكلمة خفية لم أفهمها ، فقلت ما قال ؟ قال من شاء اقتطع
قيل نقبله ونصدقه فإن المائة لم تقرب إليه جملة وإنما كانت تقرب إليه أرسالا ، فقرب منهن إليه خمس بدنات رسلا ، وكان ذلك الرسل يبادرن ويتقربن إليه ليبدأ بكل واحدة منهن .
فإن قيل فما تصنعون بالحديث الذي في " الصحيحين " ، من حديث أبي بكرة في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بمنى ، وقال في آخره ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما ، وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا لفظه لمسلم .
ففي هذا ، أن ذبح الكبشين كان بمكة ، وفي حديث أنس ، أنه كان بالمدينة .
قيل في هذا طريقتان للناس .
إحداهما : أن القول قول أنس ، وأنه ضحى بالمدينة بكبشين أملحين أقرنين وأنه صلى العيد ثم انكفأ إلى كبشين ففصل أنس ، وميز بين نحره بمكة للبدن وبين نحره بالمدينة للكبشين وبين أنهما قصتان ويدل على هذا أن جميع من ذكر نحر النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ، إنما ذكروا أنه نحر الإبل وهو الهدي الذي ساقه وهو أفضل من نحر الغنم هناك بلا سوق وجابر قد قال في صفة حجة الوداع إنه رجع من الرمي فنحر البدن وإنما اشتبه على بعض الرواة أن قصة الكبشين كانت يوم عيد فظن أنه كان بمنى فوهم .
الطريقة الثانية طريقة ابن حزم ، ومن سلك مسلكه أنهما عملان متغايران وحديثان صحيحان فذكر أبو بكرة تضحيته بمكة ، وأنس تضحيته بالمدينة . قال وذبح يوم النحر الغنم ونحر البقر والإبل كما قالت عائشة : ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ عن أزواجه بالبقر وهو في " الصحيحين " .
وفي " صحيح مسلم " : ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة بقرة يوم النحر
وفي " السنن " : أنه نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة ومذهبه أن الحاج شرع له التضحية مع الهدي والصحيح إن شاء الله الطريقة الأولى ، وهدي الحاج له بمنزلة الأضحية للمقيم ولم ينقل أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية بل كان هديهم هو أضاحيهم فهو هدي بمنى ، وأضحية بغيرها .
وأما قول عائشة : ضحى عن نسائه بالبقر فهو هدي أطلق عليه اسم الأضحية وأنهن كن متمتعات وعليهن الهدي فالبقر الذي نحره عنهن هو الهدي الذي يلزمهن .
ولكن في قصة نحر البقرة عنهن وهن تسع إشكال وهو إجزاء البقرة عن أكثر من سبعة .
بيان بطلان قول ابن حزم بأنه لا هدي على القارن ]
وأجاب أبو محمد ابن حزم عنه بجواب على أصله وهو أن عائشة لم تكن معهن في ذلك فإنها كانت قارنة وهن متمتعات وعنده لا هدي على القارن وأيد قوله بالحديث الذي رواه مسلم من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين لهلال ذي الحجة فكنت فيمن أهل بعمرة فخرجنا حتى قدمنا مكة ، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض لم أحل من عمرتي ، فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال دعي عمرتك وانقضي رأسك ، وامتشطي ، وأهلي بالحج . قالت ففعلت . فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا ، أرسل معي عبد الرحمن بن أبي بكر ، فأردفني ، وخرج إلى التنعيم ، فأهللت بعمرة فقضى الله حجنا وعمرتنا ، ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم
وهذا مسلك فاسد تفرد به ابن حزم عن الناس . والذي عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم أن القارن يلزمه الهدي كما يلزم المتمتع بل هو متمتع حقيقة في لسان الصحابة كما تقدم وأما هذا الحديث فالصحيح أن هذا الكلام الأخير من قول هشام بن عروة ، جاء ذلك في " صحيح مسلم " مصرحا به فقال حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها . .. فذكرت الحديث . وفي آخره قال عروة في ذلك إنه قضى الله حجها وعمرتها . قال هشام : ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة .
قال أبو محمد : إن كان وكيع جعل هذا الكلام لهشام ، فابن نمير ، وعبدة أدخلاه في كلام عائشة ، وكل منهما ثقة فوكيع نسبه إلى هشام ، لأنه سمع هشاما يقوله وليس قول هشام إياه بدافع أن تكون عائشة قالته فقد يروي المرء حديثا يسنده ثم يفتي به دون أن يسنده فليس شيء من هذا بمتدافع وإنما يتعلل بمثل هذا من لا ينصف ومن اتبع هواه والصحيح من ذلك أن كل ثقة فمصدق فيما نقل . فإذا أضاف عبدة وابن نمير القول إلى عائشة ، صدقا لعدالتهما . وإذا أضافه وكيع إلى هشام ، صدق أيضا لعدالته وكل صحيح وتكون عائشة قالته وهشام قاله .
قلت : هذه الطريقة هي اللائقة بظاهريته وظاهرية أمثاله ممن لا فقه له في علل الأحاديث كفقه الأئمة النقاد أطباء علله وأهل العناية بها ، وهؤلاء لا يلتفتون إلى قول من خالفهم ممن ليس له ذوقهم ومعرفتهم بل يقطعون بخطئه بمنزلة الصيارف النقاد الذين يميزون بين الجيد والرديء ولا يلتفتون إلى خطإ من لم يعرف ذلك .
ومن المعلوم أن عبدة وابن نمير لم يقولا في هذا الكلام قالت عائشة ، وإنما أدرجاه في الحديث إدراجا ، يحتمل أن يكون من كلامهما ، أو من كلام عروة أو من هشام ، فجاء وكيع ، ففصل وميز ومن فصل وميز فقد حفظ وأتقن ما أطلقه غيره نعم لو قال ابن نمير وعبدة : قالت عائشة ، وقال وكيع : قال هشام ، لساغ ما قال أبو محمد وكان موضع نظر وترجيح .
وأما كونهن تسعا وهي بقرة واحدة فهذا قد جاء بثلاثة ألفاظ أحدها أنها بقرة واحدة بينهن والثاني : أنه ضحى عنهن يومئذ بالبقرة والثالث دخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت ما هذا ؟ فقيل ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه
وقد اختلف الناس في عدد من تجزئ عنهم البدنة والبقرة فقيل سبعة وهو قول الشافعي ، وأحمد في المشهور عنه وقيل عشرة وهو قول إسحاق . وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم بينهم المغانم فعدل الجزور بعشر شياه
وثبت هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم ضحى عن نسائه وهن تسع ببقرة
وقد روى سفيان عن أبي الزبير عن جابر أنهم نحروا البدنة في حجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشرة وهو على شرط مسلم ولم يخرجه وإنما أخرج قوله خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج معنا النساء والولدان فلما قدمنا مكة ، طفنا بالبيت وبالصفا والمروة ، وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة .
وفي " المسند " : من حديث ابن عباس : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فحضر الأضحى ، فاشتركنا في البقرة سبعة وفي الجزور عشرة ورواه النسائي والترمذي ، وقال حسن غريب .
وفي " الصحيحين " عنه نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ، البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة
وقال حذيفة : شرك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته بين المسلمين في البقرة عن سبعة ذكره الإمام أحمد رحمه الله .
وهذه الأحاديث تخرج على أحد وجوه ثلاثة إما أن يقال أحاديث السبعة أكثر وأصح ، وإما أن يقال عدل البعير بعشرة من الغنم تقويم في الغنائم لأجل تعديل القسمة وأما كونه عن سبعة في الهدايا ، فهو تقدير شرعي ، وإما أن يقال إن ذلك يختلف باختلاف الأزمنة . والأمكنة والإبل ففي بعضها كان البعير يعدل عشر شياه فجعله عن عشرة وفي بعضها يعدل سبعة فجعله عن سبعة والله أعلم .
وقد قال أبو محمد : إنه ذبح عن نسائه بقرة للهدي وضحى عنهن ببقرة وضحى عن نفسه بكبشين ونحر عن نفسه ثلاثا وستين هديا ، وقد عرفت ما في ذلك من الوهم ولم تكن بقرة الضحية غير بقرة الهدي بل هي هي وهدي الحاج بمنزلة ضحية الآفاقي .
فصل [ مكة كلها منحر ومنى مناخ لمن سبق إليه ]
ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنحره بمنى ، وأعلمهم " أن منى كلها منحر وأن فجاج مكة طريق ومنحر " وفي هذا دليل على أن النحر لا يختص بمنى ، بل حيث نحر من فجاج مكة أجزأه كما أنه لما وقف بعرفة قال وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف ووقف بمزدلفة ، وقال وقفت ها هنا ومزدلفة كلها موقف وسئل صلى الله عليه وسلم أن يبنى له بمنى بناء يظله من الحر فقال لا ، منى مناخ لمن سبق إليه وفي هذا دليل على اشتراك المسلمين فيها ، وأن من سبق إلى مكان منها ، فهو أحق به حتى يرتحل عنه ولا يملكه بذلك .
فصل [ الحلق والتقصير ]
فلما أكمل رسول الله صلى الله عليه وسلم نحره استدعى بالحلاق فحلق رأسه فقال للحلاق - وهو معمر بن عبد الله وهو قائم على رأسه بالموسى ونظر في وجهه - وقال يا معمر أمكنك رسول الله صلى الله عليه وسلم من شحمة أذنه وفي يدك الموسى فقال معمر أما والله يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ذلك لمن نعمة الله علي ومنه . قال أجل إذا أقر لك ذكر ذلك الإمام أحمد رحمه الله . وقال البخاري في " صحيحه " وزعموا أن الذي حلق للنبي صلى الله عليه وسلم معمر بن عبد الله بن نضلة بن عوف انتهى .
فقال للحلاق خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ، فلما فرغ منه قسم شعره بين من يليه ثم أشار إلى الحلاق فحلق جانبه الأيسر ثم قال ها هنا أبو طلحة ؟ فدفعه إليه هكذا وقع في " صحيح مسلم " .
وفي " صحيح البخاري " : عن ابن سيرين ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره وهذا لا يناقض رواية مسلم ، لجواز أن يصيب أبا طلحة من الشق الأيمن مثل ما أصاب غيره ويختص بالشق الأيسر لكن قد روى مسلم في " صحيحه " أيضا من حديث أنس ، قال لما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه ثم دعا أبا طلحة الأنصاري ، فأعطاه إياه ثم ناوله الشق الأيسر فقال احلق . فحلقه فأعطاه أبا طلحة ، فقال اقسمه بين الناس
. ففي هذه الرواية كما ترى أن نصيب أبي طلحة كان الشق الأيمن وفي الأولى : أنه كان الأيسر . قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي ، رواه مسلم من رواية حفص بن غياث ، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع إلى أبي طلحة شعر شقه الأيسر ورواه من رواية سفيان بن عيينة ، عن هشام بن حسان ، أنه دفع إلى أبي طلحة شعر شقه الأيمن . قال ورواية ابن عون ، عن ابن سيرين أراها تقوي رواية سفيان والله أعلم .
قلت : يريد برواية ابن عون ، ما ذكرناه عن ابن سيرين ، من طريق البخاري ، وجعل الذي سبق إليه أبو طلحة ، هو الشق الذي اختص به . والله أعلم .
والذي يقوى أن نصيب أبي طلحة الذي اختص به كان الشق الأيسر وأنه صلى الله عليه وسلم عم ثم خص وهذه كانت سنته في عطائه وعلى هذا أكثر الروايات فإن في بعضها أنه قال للحلاق " خذ " وأشار إلى جانبه الأيمن ، فقسم شعره بين من يليه ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه فأعطاه أم سليم ولا يعارض هذا دفعه إلى أبي طلحة ، فإنها امرأته . وفي لفظ آخر فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس ثم قال بالأيسر فصنع به مثل ذلك ثم قال ها هنا أبو طلحة ؟ فدفعه إليه .
وفي لفظ ثالث دفع إلى أبي طلحة شعر شق رأسه الأيسر ثم قلم أظفاره وقسمها بين الناس .
وذكر الإمام أحمد رحمه الله من حديث محمد بن عبد الله بن زيد ، أن أباه حدثه أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم عند المنحر ورجل من قريش وهو يقسم أضاحي فلم يصبه شيء ولا صاحبه فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه في ثوبه فأعطاه فقسم منه على رجال وقلم أظفاره فأعطاه صاحبه قال فإنه عندنا مخضوب بالحناء والكتم يعني شعره ودعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا ، وللمقصرين مرة وحلق كثير من الصحابة بل أكثرهم وقصر بعضهم وهذا مع قوله تعالى : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين [ الفتح 27 ] ومع قول عائشة رضي الله عنها ، طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولإحلاله قبل أن يحل دليل على أن الحلق نسك وليس بإطلاق من محظور .
فصل [ ترجيح المصنف بأنه صلى الله عليه وسلم لم يطف غير طواف الإفاضة بعد إفاضته إلى مكة ]
ثم أفاض صلى الله عليه وسلم إلى مكة قبل الظهر راكبا ، فطاف طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة وهو طواف الصدر ولم يطف غيره ولم يسع معه هذا هو الصواب وقد خالف في ذلك ثلاث طوائف طائفة زعمت أنه طاف طوافين طوافا للقدوم سوى طواف الإفاضة ثم طاف للإفاضة وطائفة زعمت أنه سعى مع هذا الطواف لكونه كان قارنا ، وطائفة زعمت أنه لم يطف في ذلك اليوم وإنما أخر طواف الزيارة إلى الليل فنذكر الصواب في ذلك ونبين منشأ الغلط وبالله التوفيق .
قال الأثرم قلت لأبي عبد الله فإذا رجع أعني المتمتع كم يطوف ويسعى ؟ قال يطوف ويسعى لحجه ويطوف طوافا آخر للزيارة عاودناه في هذا غير مرة فثبت عليه .
قال الشيخ أبو محمد المقدسي في " المغني " : وكذلك الحكم في القارن والمفرد إذا لم يكونا أتيا مكة قبل يوم النحر ولا طافا للقدوم فإنهما يبدآن بطواف القدوم قبل طواف الزيارة نص عليه أحمد رحمه الله واحتج بما روت عائشة رضي الله عنها ، قالت فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت ، وبين الصفا والمروة ، ثم حلوا ، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا ، فحمل أحمد رحمه الله قول عائشة ، على أن طوافهم لحجهم هو طواف القدوم ، قال ولأنه قد ثبت أن طواف القدوم مشروع فلم يكن طواف الزيارة مسقطا له كتحية المسجد عند دخوله قبل التلبس بالصلاة المفروضة .
وقال الخرقي في " مختصره " وإن كان متمتعا ، فيطوف بالبيت سبعا وبالصفا والمروة سبعا كما فعل للعمرة ثم يعود فيطوف بالبيت طوافا ينوي به الزيارة وهو قوله تعالى : وليطوفوا بالبيت العتيق [ الحج : 29 ]
فمن قال إن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعا كالقاضي وأصحابه عندهم هكذا فعل والشيخ أبو محمد عنده أنه كان متمتعا التمتع الخاص ولكن لم يفعل هذا ، قال ولا أعلم أحدا وافق أبا عبد الله على هذا الطواف الذي ذكره الخرقي ، بل المشروع طواف واحد للزيارة كمن دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد ولأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه الذين تمتعوا معه في حجة الوداع ولا أمر النبي صلى الله عليه وسلم به أحدا ، قال وحديث عائشة دليل على هذا ، فإنها قالت طافوا طوافا واحدا بعد أن رجعوا من منى لحجهم وهذا هو طواف الزيارة ولم تذكر طوافا آخر . ولو كان هذا الذي ذكرته طواف القدوم ، لكانت قد أخلت بذكر طواف الزيارة الذي هو ركن الحج الذي لا يتم إلا به وذكرت ما يستغنى عنه وعلى كل حال فما ذكرت إلا طوافا واحدا ، فمن أين يستدل به على طوافين ؟
وأيضا ، فإنها لما حاضت فقرنت الحج إلى العمرة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن طافت للقدوم لم تطف للقدوم ولا أمرها به النبي صلى الله عليه وسلم ولأن طواف القدوم لو لم يسقط بالطواف الواجب لشرع في حق المعتمر طواف القدوم مع طواف العمرة لأنه أول قدومه إلى البيت ، فهو به أولى من المتمتع الذي يعود إلى البيت بعد رؤيته وطوافه به . انتهى كلامه .
قلت : لم يرفع كلام أبي محمد الإشكال وإن كان الذي أنكره هو الحق كما أنكره والصواب في إنكاره فإن أحدا لم يقل إن الصحابة لما رجعوا من عرفة ، طافوا للقدوم وسعوا ، ثم طافوا للإفاضة بعده ولا النبي صلى الله عليه وسلم هذا لم يقع قطعا ، ولكن كان منشأ الإشكال أن أم المؤمنين فرقت بين المتمتع والقارن فأخبرت أن القارنين طافوا بعد أن رجعوا من منى طوافا واحدا ، وأن الذين أهلوا بالعمرة طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وهذا غير طواف الزيارة قطعا ، فإنه يشترك فيه القارن والمتمتع فلا فرق بينهما فيه ولكن الشيخ أبا محمد ، لما رأى قولها في المتمتعين إنهم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى ، قال ليس في هذا ما يدل على أنهم طافوا طوافين والذي قاله حق ، ولكن لم يرفع الإشكال فقالت طائفة هذه الزيادة من كلام عروة أو ابنه هشام ، أدرجت في الحديث وهذا لا يتبين ولو كان فغايته أنه مرسل ولم يرتفع الإشكال عنه بالإرسال .
فالصواب أن الطواف الذي أخبرت به عائشة ، وفرقت به بين المتمتع والقارن هو الطواف بين الصفا والمروة ، لا الطواف بالبيت ، وزال الإشكال جملة فأخبرت عن القارنين أنهم اكتفوا بطواف واحد بينهما ، لم يضيفوا إليه طوافا آخر يوم النحر وهذا هو الحق ، وأخبرت عن المتمتعين أنهم طافوا بينهما طوافا آخر بعد الرجوع من منى للحج وذلك الأول كان للعمرة وهذا قول الجمهور وتنزيل الحديث على هذا موافق لحديثها الآخر وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم يسعك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك " ، وكانت قارنة يوافق قول الجمهور الصفا والمروة لحجك وعمرتك وكانت قارنة يوافق قول الجمهور .
ولكن يشكل عليه حديث جابر الذي رواه مسلم في " صحيحه " لم يطف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا ، طوافه الأول . هذا يوافق قول من يقول يكفي المتمتع سعي واحد كما هو إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله نص عليها في رواية ابنه عبد الله وغيره وعلى هذا ، فيقال عائشة أثبتت وجابر نفى ، والمثبت مقدم على النافي . أو يقال مراد جابر من قرن مع النبي صلى الله عليه وسلم وساق الهدي كأبي بكر وعمر وطلحة وعلي رضي الله عنهم وذوي اليسار فإنهم إنما سعوا سعيا واحدا . وليس المراد به عموم الصحابة أو يعلل حديث عائشة ، بأن تلك الزيادة فيه مدرجة من قول هشام وهذه ثلاث طرق للناس في حديثها والله أعلم .
[ رد القول بالطواف والسعي للقدوم بعد إحرام المتمتع بالحج من مكة ]
وأما من قال المتمتع يطوف ويسعى للقدوم بعد إحرامه بالحج قبل خروجه إلى منى ، وهو قول أصحاب الشافعي ، ولا أدري أهو منصوص عنه أم لا ؟ قال أبو محمد فهذا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة ألبتة ولا أمرهم به ولا نقله أحد ، قال ابن عباس لا أرى لأهل مكة أن يطوفوا ، ولا أن يسعوا بين الصفا والمروة بعد إحرامهم بالحج حتى يرجعوا من منى . وعلى قول ابن عباس قول الجمهور ومالك ، وأحمد ، وأبي حنيفة وإسحاق وغيرهم .
والذين استحبوه قالوا : لما أحرم بالحج صار كالقادم فيطوف ويسعى للقدوم . قالوا : ولأن الطواف الأول وقع عن العمرة فيبقى طواف القدوم ، ولم يأت به فاستحب له فعله عقيب الإحرام بالحج وهاتان الحجتان واهيتان فإنه إنما كان قارنا لما طاف للعمرة فكان طوافه للعمرة مغنيا عن طواف القدوم ، كمن دخل المسجد فرأى الصلاة قائمة فدخل فيها ، فقامت مقام تحية المسجد وأغنته عنها .
وأيضا فإن الصحابة لما أحرموا بالحج مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يطوفوا عقيبه وكان أكثرهم متمتعا . وروى محمد بن الحسن ، عن أبي حنيفة ، أنه إن أحرم يوم التروية قبل الزوال طاف وسعى للقدوم وإن أحرم بعد الزوال لم يطف وفرق بين الوقتين بأنه بعد الزوال يخرج من فوره إلى منى ، فلا يشتغل عن الخروج بغيره وقبل الزوال لا يخرج فيطوف . وقول ابن عباس والجمهور هو الصحيح الموافق لعمل الصحابة وبالله التوفيق .
افتراضي
فصل [ الرد على من قال إن القارن يحتاج إلى سعيين ]
والطائفة الثانية قالت إنه صلى الله عليه وسلم سعى مع هذا الطواف وقالوا : هذا حجة في أن القارن يحتاج إلى سعيين كما يحتاج إلى طوافين وهذا غلط عليه كما تقدم والصواب أنه لم يسع إلا سعيه الأول كما قالته عائشة ، وجابر ، ولم يصح عنه في السعيين حرف واحد بل كلها باطلة كما تقدم فعليك بمراجعته .
والطائفة الثالثة الذين قالوا : أخر طواف الزيارة إلى الليل وهم طاووس ، ومجاهد ، وعروة ، ففي " سنن أبي داود " ، والنسائي ، وابن ماجه ، من حديث أبي الزبير المكي ، عن عائشة وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر طوافه يوم النحر إلى الليل
وفي لفظ طواف الزيارة قال الترمذي : حديث حسن . وهذا الحديث غلط بين خلاف المعلوم من فعله صلى الله عليه وسلم الذي لا يشك فيه أهل العلم بحجته صلى الله عليه وسلم فنحن نذكر كلام الناس فيه قال الترمذي في كتاب " العلل " له سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث وقلت له أسمع أبو الزبير من عائشة وابن عباس ؟ قال أما من ابن عباس ، فنعم وفي سماعه من عائشة نظر .
وقال أبو الحسن القطان : عندي أن هذا الحديث ليس بصحيح إنما طاف النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ نهارا ، وإنما اختلفوا : هل صلى الظهر بمكة أو رجع إلى منى ، فصلى الظهر بها بعد أن فرغ من طوافه ؟ فابن عمر يقول إنه رجع إلى منى ، فصلى الظهر بها ، وجابر يقول : إنه صلى الظهر بمكة ، وهو ظاهر حديث عائشة من غير رواية أبي الزبير هذه التي فيها أنه أخر الطواف إلى الليل وهذا شيء لم يرو إلا من هذا الطريق وأبو الزبير مدلس لم يذكر ها هنا سماعا من عائشة وقد عهد أنه يروي عنها بواسطة ولا عن ابن عباس أيضا ، فقد عهد كذلك أنه يروي عنه بواسطة وإن كان قد سمع منه فيجب التوقف فيما يرويه أبو الزبير عن عائشة وابن عباس مما لا يذكر فيه سماعه منهما ، لما عرف به من التدليس لو عرف سماعه منها لغير هذا ، فأما ولم يصح لنا أنه سمع من عائشة فالأمر بين في وجوب التوقف فيه وإنما يختلف العلماء في قبول حديث المدلس إذا كان عمن قد علم لقاؤه له وسماعه منه ها هنا .
يقول قوم يقبل ويقول آخرون يرد ما يعنعنه عنهم حتى يتبين الاتصال في حديث حديث وأما ما يعنعنه المدلس عمن لم يعلم لقاؤه له ولا سماعه منه فلا أعلم الخلاف فيه بأنه لا يقبل .
ولو كنا نقول بقول مسلم بأن معنعن المتعاصرين محمول على الاتصال ولو لم يعلم التقاؤهما ، فإنما ذلك في غير المدلسين .
وأيضا فلما قدمناه من صحة طواف النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ نهارا . والخلاف في رد حديث المدلسين حتى يعلم اتصاله أو قبوله حتى يعلم انقطاعه إنما هو إذا لم يعارضه ما لا شك في صحته وهذا قد عارضه ما لا شك في صحته . انتهى كلامه .
ويدل على غلط أبي الزبير على عائشة أن أبا سلمة بن عبد الرحمن روى عن عائشة أنها قالت حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر
وروى محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه فزاروا البيت يوم النحر ظهيرة وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه ليلا وهذا غلط أيضا .
قال البيهقي : وأصح هذه الروايات حديث نافع عن ابن عمر وحديث جابر وحديث أبي سلمة عن عائشة يعني : أنه طاف نهارا . قلت إنما نشأ الغلط من تسمية الطواف فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخر طواف الوداع إلى الليل كما ثبت في " الصحيحين " من حديث عائشة . قالت خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم . .. فذكرت الحديث إلى أن قالت فنزلنا المحصب ، فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر ، فقال اخرج بأختك من الحرم ، ثم افرغا من طوافكما ، ثم ائتياني ها هنا بالمحصب . قالت فقضى الله العمرة وفرغنا من طوافنا في جوف الليل فأتيناه بالمحصب فقال " فرغتما " ؟ قلنا : نعم . فأذن في الناس بالرحيل فمر بالبيت فطاف به ثم ارتحل متوجها إلى المدينة . فهذا هو الطواف الذي أخره إلى الليل بلا ريب فغلط فيه أبو الزبير أو من حدثه به وقال طواف الزيارة والله الموفق .
ولم يرمل صلى الله عليه وسلم في هذا الطواف ولا في طواف الوداع وإنما رمل في طواف القدوم
فصل [ تعليل شربه صلى الله عليه وسلم قائما ]
ثم أتى زمزم بعد أن قضى طوافه وهم يسقون فقال " لولا أن يغلبكم الناس لنزلت فسقيت معكم " ، ثم ناولوه الدلو فشرب وهو قائم فقيل هذا نسخ لنهيه عن الشرب قائما ، وقيل بل بيان منه أن النهي على وجه الاختيار وترك الأولى ، وقيل بل للحاجة وهذا أظهر .
[ طاف صلى الله عليه وسلم طواف الإفاضة على راحلته ]
وهل كان في طوافه هذا راكبا أو ماشيا ؟ فروى مسلم في " صحيحه " ، عن جابر قال طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الركن بمحجنه لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه
وفي " الصحيحين " ، عن ابن عباس قال طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن وهذا الطواف ليس بطواف الوداع فإنه كان ليلا ، وليس بطواف القدوم لوجهين .
أحدهما : أنه قد صح عنه الرمل في طواف القدوم ، ولم يقل أحد قط : رملت به راحلته وإنما قالوا : رمل نفسه .
والثاني : قول الشريد بن سويد : أفضت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعا وهذا ظاهره أنه من حين أفاض معه ما مست قدماه الأرض إلى أن رجع ولا ينتقض هذا بركعتي الطواف فإن شأنهما معلوم . قلت : والظاهر أن الشريد بن سويد ، إنما أراد الإفاضة معه من عرفة ، ولهذا قال حتى أتى جمعا وهي مزدلفة ، ولم يرد الإفاضة إلى البيت يوم النحر ولا ينتقض هذا بنزوله عند الشعب حين بال ثم ركب لأنه ليس بنزول مستقر وإنما مست قدماه الأرض مسا عارضا . والله أعلم .
فصل [ أين صلى صلى الله عليه وسلم الظهر حين رجوعه إلى منى ]
ثم رجع إلى منى ، واختلف أين صلى الظهر يومئذ ففي " الصحيحين " : عن ابن عمر ، أنه صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى .
وفي " صحيح مسلم " : عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بمكة وكذلك قالت عائشة . واختلف في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر فقال أبو محمد ابن حزم
قول عائشة وجابر أولى وتبعه على هذا جماعة ورجحوا هذا القول بوجوه .
أحدها : أنه رواية اثنين وهما أولى من الواحد .
الثاني : أن عائشة أخص الناس به صلى الله عليه وسلم ولها من القرب والاختصاص به والمزية ما ليس لغيرها .
الثالث أن سياق جابر لحجة النبي صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها ، أتم سياق وقد حفظ القصة وضبطها ، حتى ضبط جزئياتها . حتى ضبط منها أمرا لا يتعلق بالمناسك وهو نزول النبي صلى الله عليه وسلم ليلة جمع في الطريق فقضى حاجته عند الشعب ثم توضأ وضوءا خفيفا ، فمن ضبط هذا القدر فهو بضبط مكان صلاته يوم النحر أولى .
الرابع أن حجة الوداع كانت في آذار وهو تساوي الليل والنهار وقد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى ، وخطب بها الناس ونحر بدنا عظيمة وقسمها ، وطبخ له من لحمها ، وأكل منه ورمى الجمرة وحلق رأسه وتطيب ثم أفاض فطاف وشرب من ماء زمزم ، ومن نبيذ السقاية ووقف عليهم وهم يسقون وهذه أعمال تبدو في الأظهر أنها لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع إلى منى ، بحيث يدرك وقت الظهر في فصل آذار .
الخامس أن هذين الحديثين جاريان مجرى الناقل والمبقي ، فقد كانت عادته صلى الله عليه وسلم في حجته الصلاة في منزله الذي هو نازل فيه بالمسلمين فجرى ابن عمر على العادة وضبط جابر وعائشة رضي الله عنهما الأمر الذي هو خارج عن عادته فهو أولى بأن يكون هو المحفوظ . ورجحت طائفة أخرى قول ابن عمر لوجوه .
أحدها : أنه لو صلى الظهر بمكة ، لم تصل الصحابة بمنى وحدانا وزرافات بل لم يكن لهم بد من الصلاة خلف إمام يكون نائبا عنه ولم ينقل هذا أحد قط ، ولا يقول أحد : إنه استناب من يصلي بهم ولولا علمه أنه يرجع إليهم فيصلي بهم . لقال إن حضرت الصلاة ولست عندكم فليصل بكم فلان وحيث لم يقع هذا ولا هذا ، ولا صلى الصحابة هناك وحدانا قطعا ، ولا كان من عادتهم إذا اجتمعوا أن يصلوا عزين علم أنهم صلوا معه على عادتهم .
الثاني : أنه لو صلى بمكة لكان خلفه بعض أهل البلد وهم مقيمون وكان يأمرهم أن يتموا صلاتهم ولم ينقل أنهم قاموا فأتموا بعد سلامه صلاتهم وحيث لم ينقل هذا ولا هذا ، بل هو معلوم الانتفاء قطعا ، علم أنه لم يصل حينئذ بمكة . وما ينقله بعض من لا علم عنده أنه قال يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر فإنما قاله عام الفتح لا في حجته .
الثالث أنه من المعلوم أنه لما طاف ركع ركعتي الطواف ومعلوم أن كثيرا من المسلمين كانوا خلفه يقتدون به في أفعاله ومناسكه فلعله لما ركع ركعتي الطواف والناس خلفه يقتدون به ظن الظان أنها صلاة الظهر ولا سيما إذا كان ذلك في وقت الظهر وهذا الوهم لا يمكن رفع احتماله بخلاف صلاته بمنى ، فإنها لا تحتمل غير الفرض .
الرابع أنه لا يحفظ عنه في حجه أنه صلى الفرض بجوف مكة ، بل إنما كان يصلي بمنزله ب الأبطح بالمسلمين مدة مقامه كان يصلي بهم أين نزلوا لا يصلي في مكان آخر غير المنزل العام .
الخامس أن حديث ابن عمر متفق عليه وحديث جابر من أفراد مسلم . فحديث ابن عمر أصح منه وكذلك هو في إسناده فإن رواته أحفظ وأشهر وأتقن فأين يقع حاتم بن إسماعيل من عبيد الله بن عمر العمري ، وأين يقع حفظ جعفر من حفظ نافع ؟
السادس أن حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه فروي عنها على ثلاثة أوجه أحدها : أنه طاف نهارا ، الثاني : أنه أخر الطواف إلى الليل الثالث أنه أفاض من آخر يومه فلم يضبط فيه وقت الإفاضة ولا مكان الصلاة بخلاف حديث ابن عمر .
السابع أن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع فإن حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه عنها ، وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به ولم يصرح بالسماع بل عنعنه فكيف يقدم على قول عبيد الله حدثني نافع عن ابن عمر .
الثامن أن حديث عائشة ليس بالبين أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بمكة ، فإن لفظه هكذا : أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى ، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات . فأين دلالة هذا الحديث الصريحة على أنه صلى الظهر يومئذ بمكة وأين هذا في صريح الدلالة إلى قول ابن عمر أفاض يوم النحر ثم صلى الظهر بمنى ، يعني راجعا . وأين حديث اتفق أصحاب الصحيح على إخراجه إلى حديث اختلف في الاحتجاج به . والله أعلم .
فصل [ ذكر طواف أم سلمة ]
قال ابن حزم وطافت أم سلمة في ذلك اليوم على بعيرها من وراء الناس وهي شاكية استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم فأذن لها ، واحتج عليه بما رواه مسلم في " صحيحه " من حديث زينب بنت أم سلمة ، عن أم سلمة قالت شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أني أشتكي ، فقال " طوفي من وراء الناس وأنت راكبة " قالت فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ والطور وكتاب مسطور ولا يتبين أن هذا الطواف هو طواف الإفاضة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأ في ركعتي ذلك الطواف بالطور ولا جهر بالقراءة بالنهار بحيث تسمعه أم سلمة من وراء الناس وقد بين أبو محمد غلط من قال إنه أخره إلى الليل فأصاب في ذلك .
وقد صح من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل بأم سلمة ليلة النحر ، فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت فكيف يلتئم هذا مع طوافها يوم النحر وراء الناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانب البيت يصلي ويقرأ في صلاته والطور وكتاب مسطور ؟ هذا من المحال فإن هذه الصلاة والقراءة كانت في صلاة الفجر أو المغرب أو العشاء وأما أنها كانت يوم النحر ولم يكن ذلك الوقت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قطعا ، فهذا من وهمه رحمه الله .
[طواف عائشة ]
فطافت عائشة في ذلك اليوم طوافا واحدا ، وسعت سعيا واحدا أجزأها عن حجها وعمرتها ، وطافت صفية ذلك اليوم ثم حاضت فأجزأها طوافها ذلك عن طواف الوداع ولم تودع فاستقرت سنته صلى الله عليه وسلم في المرأة الطاهرة إذا حاضت قبل الطواف - أو قبل الوقوف - أن تقرن وتكتفي بطواف واحد وسعي واحد وإن حاضت بعد طواف الإفاضة اجتزأت به عن طواف الوداع
فصل [ رمي الجمار ]
ثم رجع صلى الله عليه وسلم إلى منى من يومه ذلك فبات بها ، فلما أصبح انتظر زوال الشمس فلما زالت مشى من رحله إلى الجمار ولم يركب فبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف ، فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة يقول مع كل حصاة " الله أكبر " ، ثم تقدم على الجمرة أمامها حتى أسهل فقام مستقبل القبلة ثم رفع يديه ودعا دعاء طويلا بقدر سورة البقرة ثم أتى إلى الجمرة الوسطى ، فرماها كذلك ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو قريبا من وقوفه الأول ثم أتى الجمرة الثالثة وهي جمرة العقبة ، فاستبطن الوادي واستعرض الجمرة فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه فرماها بسبع حصيات كذلك .
[ التعليل لترك الدعاء بعد العقبة ]
ولم يرمها من أعلاها كما يفعل الجهال ولا جعلها عن يمينه واستقبل البيت وقت الرمي كما ذكره غير واحد من الفقهاء . فلما أكمل الرمي رجع من فوره ولم يقف عندها ، فقيل لضيق المكان بالجبل وقيل وهو أصح : إن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها ، فلما رمى جمرة العقبة ، فرغ الرمي والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها ، وهذا كما كانت سنته في دعائه في الصلاة إذ كان يدعو في صلبها ، فأما بعد الفراغ منها ، فلم يثبت عنه أنه كان يعتاد الدعاء ومن روى عنه ذلك فقد غلط عليه وإن روي في غير الصحيح أنه كان أحيانا يدعو بدعاء عارض بعد السلام وفي صحته نظر .
وبالجملة فلا ريب أن عامة أدعيته التي كان يدعو بها ، وعلمها الصديق إنما هي في صلب الصلاة وأما حديث معاذ بن جبل : لا تنس أن تقول دبر كل صلاة : اللهم أعني على ذكرك وشكرك ، وحسن عبادتك فدبر الصلاة يراد به آخرها قبل السلام منها ، كدبر الحيوان ويراد به ما بعد السلام كقوله تسبحون الله وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة الحديث . والله أعلم .
فصل [ ميل المصنف بأنه صلى الله عليه وسلم رمى قبل الصلاة ]
ولم يزل في نفسي ، هل كان يرمي قبل صلاة الظهر أو بعدها ؟ والذي يغلب على الظن أنه كانه يرمي قبل الصلاة ثم يرجع فيصلي ، لأن جابرا وغيره قالوا : كان يرمي إذا زالت الشمس فعقبوا زوال الشمس برميه . وأيضا ، فإن وقت الزوال للرمي أيام منى ، كطلوع الشمس لرمي يوم النحر والنبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر لما دخل وقت الرمي لم يقدم عليه شيئا من عبادات ذلك اليوم وأيضا فإن الترمذي وابن ماجه ، رويا في " سننهما " عن ابن عباس رضي الله عنهما : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمار إذا زالت الشمس زاد ابن ماجه : قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر . وقال الترمذي : حديث حسن ولكن في إسناد حديث الترمذي الحجاج بن أرطاة ، وفي إسناد حديث ابن ماجه إبراهيم بن عثمان أبو شيبة ولا يحتج به ولكن ليس في الباب غير هذا .
وذكر الإمام أحمد أنه كان يرمي يوم النحر راكبا ، وأيام منى ماشيا في ذهابه ورجوعه .
فصل [ وقفات الدعاء في الحج ]
فقد تضمنت حجته صلى الله عليه وسلم ست وقفات للدعاء .
الموقف الأول على الصفا ، والثاني : على المروة ، والثالث بعرفة ، والرابع بمزدلفة ، والخامس عند الجمرة الأولى ، والسادس عند الجمرة الثانية .
فصل [ خطبتا منى ]
وخطب صلى الله عليه وسلم الناس بمنى خطبتين خطبة يوم النحر وقد تقدمت والخطبة الثانية في أوسط أيام التشريق فقيل هو ثاني يوم النحر وهو أوسطها ، أي خيارها ، واحتج من قال ذلك بحديث سراء بنت نبهان ، قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أتدرون أي يوم هذا ؟ قالت وهو اليوم الذي تدعون يوم الرءوس . قالوا : الله ورسوله أعلم قال هذا أوسط أيام التشريق . هل تدرون أي بلد هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال هذا المشعر الحرام . ثم قال : إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ، ألا وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم ألا هل بلغت " فلما قدمنا المدينة ، لم يلبث إلا قليلا حتى مات صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود ويوم الرءوس هو ثاني يوم النحر بالاتفاق .
وذكر البيهقي ، من حديث موسى بن عيدة الربذي ، عن صدقة بن يسار عن ابن عمر ، قال أنزلت هذه السورة إذا جاء نصر الله والفتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق وعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت واجتمع الناس فقال " يا أيها الناس " ثم ذكر الحديث في خطبته .
فصل [ ترخيصه صلى الله عليه وسلم لمن له عذر بالمبيت خارج منى وبجمع رمي يومين بعد يوم النحر في أحدهما ]
واستأذنه العباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له . واستأذنه رعاء الإبل في البيتوتة خارج منى عند الإبل فأرخص لهم أن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر يرمونه في أحدهما .
قال مالك : ظننت أنه قال في أول يوم منهما ، ثم يرمون يوم النفر .
وقال ابن عيينة في هذا الحديث رخص للرعاء أن يرموا يوما ، ويدعوا يوما فيجوز للطائفتين بالسنة ترك المبيت بمنى ، وأما الرمي فإنهم لا يتركونه بل لهم أن يؤخروه إلى الليل فيرمون فيه ولهم أن يجمعوا رمي يومين في يوم وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد رخص لأهل السقاية وللرعاء في البيتوتة فمن له مال يخاف ضياعه أو مريض يخاف من تخلفه عنه أو كان مريضا لا تمكنه البيتوتة سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء والله أعلم .
فصل [ أين لقي صلى الله عليه وسلم عائشة بعد رجوعها من عمرة التنعيم ]
ولم يتعجل صلى الله عليه وسلم في يومين بل تأخر حتى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة وأفاض يوم الثلاثاء بعد الظهر إلى المحصب ، وهو الأبطح ، وهو خيف بني كنانة ، فوجد أبا رافع قد ضرب له فيه قبة هناك وكان على ثقله توفيقا من الله عز وجل دون أن يأمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة ثم نهض إلى مكة ، فطاف للوداع ليلا سحرا ، ولم يرمل في هذا الطواف ، وأخبرته صفية أنها حائض فقال " أحابستنا هي ؟ " فقالوا له إنها قد أفاضت قال " فلتنفر إذا " ورغبت إليه عائشة تلك الليلة أن يعمرها عمرة مفردة فأخبرها أن طوافها بالبيت وبالصفا والمروة قد أجزأ عن حجها وعمرتها ، فأبت إلا أن تعتمر عمرة مفردة فأمر أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم ، ففرغت من عمرتها ليلا ثم وافت المحصب مع أخيها ، فأتيا في جوف الليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فرغتما " ؟ قالت نعم فنادى بالرحيل في أصحابه فارتحل الناس ثم طاف بالبيت قبل صلاة الصبح . هذا لفظ البخاري .
فإن قيل كيف تجمعون بين هذا ، وبين حديث الأسود عنها الذي في " الصحيح " أيضا ؟ قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم نر إلا الحج . . . فذكرت الحديث وفيه فلما كانت ليلة الحصبة قلت يا رسول الله يرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع أنا بحجة ؟ قال أوما كنت طفت ليالي قدمنا مكة ؟ قالت قلت لا . قال " فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم ، فأهلي بعمرة ثم موعدك مكان كذا وكذا " ، قالت عائشة فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مصعد من مكة ، وأنا منهبطة عليها ، أو أنا مصعدة وهو منهبط منها
ففي هذا الحديث أنهما تلاقيا في الطريق وفي الأول أنه انتظرها في منزله فلما جاءت نادى بالرحيل في أصحابه . ثم فيه إشكال آخر وهو قولها : لقيني وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها ، أو بالعكس فإن كان الأول فيكون قد لقيها مصعدا منها راجعا إلى المدينة ، وهي منهبطة عليها للعمرة وهذا ينافي انتظاره لها بالمحصب .
قال أبو محمد ابن حزم : الصواب الذي لا شك فيه أنها كانت مصعدة من مكة ، وهو منهبط لأنها تقدمت إلى العمرة وانتظرها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءت ثم نهض إلى طواف الوداع فلقيها منصرفة إلى المحصب عن مكة ، وهذا لا يصح ، فإنها قالت وهو منهبط منها ، وهذا يقتضي أن يكون بعد المحصب ، والخروج من مكة ، فكيف يقول أبو محمد : إنه نهض إلى طواف الوداع وهو منهبط من مكة ؟ هذا محال .
وأبو محمد ، لم يحج . وحديث القاسم عنها صريح كما تقدم في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم . انتظرها في منزله بعد النفر حتى جاءت فارتحل وأذن في الناس بالرحيل فإن كان حديث الأسود هذا محفوظا ، فصوابه لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مصعدة من مكة ، وهو منهبط إليها ، فإنها طافت وقضت عمرتها ، ثم أصعدت لميعاده فوافته قد أخذ في الهبوط إلى مكة للوداع فارتحل وأذن في الناس بالرحيل ولا وجه لحديث الأسود غير هذا ، وقد جمع بينهما بجمعين آخرين وهما وهم .
أحدهما : أنه طاف للوداع مرتين مرة بعد أن بعثها ، وقبل فراغها ، ومرة بعد فراغها للوداع وهذا مع أنه وهم بين فإنه لا يرفع الإشكال بل يزيده فتأمله .
الثاني : أنه انتقل من المحصب إلى ظهر العقبة خوف المشقة على المسلمين في التحصيب فلقيته وهي منهبطة إلى مكة ، وهو مصعد إلى العقبة ، وهذا أقبح من الأول لأنه صلى الله عليه وسلم لم يخرج من العقبة أصلا ، وإنما خرج من أسفل مكة من الثنية السفلى بالاتفاق . وأيضا : فعلى تقدير ذلك لا يحصل الجمع بين الحديثين .
وذكر أبو محمد ابن حزم أنه رجع بعد خروجه من أسفل مكة إلى المحصب ، وأمر بالرحيل وهذا وهم أيضا ، لم يرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وداعه إلى المحصب ، وإنما مر من فوره إلى المدينة .
وذكر في بعض تآليفه أنه فعل ذلك ليكون كالمحلق على مكة بدائرة في دخوله وخروجه فإنه بات بذي طوى ، ثم دخل من أعلى مكة ، ثم خرج من أسفلها ، ثم رجع إلى المحصب ، ويكون هذا الرجوع من يماني مكة حتى تحصل الدائرة فإنه صلى الله عليه وسلم لما جاء نزل بذي طوى ، ثم أتى مكة من كداء ، ثم نزل به لما فرغ من الطواف ثم لما فرغ من جميع النسك نزل به ثم خرج من أسفل مكة وأخذ من يمينها حتى أتى المحصب ، ويحمل أمره بالرحيل ثانيا على أنه لقي في رجوعه ذلك إلى المحصب قوما لم يرحلوا ، فأمرهم بالرحيل وتوجه من فوره ذلك إلى المدينة .
ولقد شان أبو محمد نفسه وكتابه بهذا الهذيان البارد السمج الذي يضحك منه ولولا التنبيه على أغلاط من غلط عليه صلى الله عليه وسلم لرغبنا عن ذكر مثل هذا الكلام . والذي كأنك تراه من فعله أنه نزل بالمحصب وصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة ثم نهض إلى مكة ، وطاف بها طواف الوداع ليلا ، ثم خرج من أسفلها إلى المدينة ، ولم يرجع إلى المحصب ، ولا دار دائرة ففي " صحيح البخاري " : عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب ، والعشاء ورقد رقدة بالمحصب ثم ركب إلى البيت وطاف به
وفي " الصحيحين " : عن عائشة خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت الحديث ثم قالت حين قضى الله الحج ونفرنا من منى ، فنزلنا بالمحصب فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال له " اخرج بأختك من الحرم ، ثم افرغا من طوافكما ، ثم ائتياني ها هنا بالمحصب " . قالت فقضى الله العمرة وفرغنا من طوافنا في جوف الليل فأتيناه بالمحصب . فقال فرغتما ؟ قلنا : نعم . فأذن في الناس بالرحيل فمر بالبيت فطاف به ثم ارتحل متوجها إلى المدينة
فهذا من أصح حديث على وجه الأرض وأدله على فساد ما ذكره ابن حزم وغيره من تلك التقديرات التي لم يقع شيء منها ، ودليل على أن حديث الأسود غير محفوظ ، وإن كان محفوظا ، فلا وجه له غير ما ذكرنا وبالله التوفيق .
فصل [ هل وقف صلى الله عليه وسلم في الملتزم بعد الوداع ]
وأما المسألة الثانية وهي وقوفه في الملتزم ، فالذي روي عنه أنه فعله يوم الفتح ففي " سنن أبي داود " ، عن عبد الرحمن بن أبي صفوان ، قال لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، انطلقت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج من الكعبة هو وأصحابه وقد استلموا الركن من الباب إلى الحطيم ، ووضعوا خدودهم على البيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطهم .
وروى أبو داود أيضا : من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده قال طفت مع عبد الله فلما حاذى دبر الكعبة قلت ألا تتعوذ ؟ قال
نعوذ بالله من النار ، ثم مضى حتى استلم الحجر ، فقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه هكذا ، وبسطهما بسطا ، وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله
فهذا يحتمل أن يكون في وقت الوداع وأن يكون في غيره ولكن قال مجاهد والشافعي بعده وغيرهما : إنه يستحب أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع ويدعو ، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يلتزم ما بين الركن والباب وكان يقول لا يلتزم ما بينهما أحد يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه والله أعلم .
فصل [ أين صلى صلى الله عليه وسلم الصبح ليلة الوداع ؟]
وأما المسألة الثالثة وهي موضع صلاته صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح صبيحة ليلة الوداع ففي " الصحيحين " : عن أم سلمة ، قالت شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي ، فقال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة . قالت فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ ب والطور وكتاب مسطور فهذا يحتمل أن يكون في الفجر وفي غيرها ، وأن يكون في طواف الوداع وغيره فنظرنا في ذلك فإذا البخاري قد روى في " صحيحه " في هذه القصة أنه صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت صلاة الصبح ، فطوفي على بعيرك والناس يصلون ففعلت ذلك فلم تصل حتى خرجت وهذا محال قطعا أن يكون يوم النحر فهو طواف الوداع بلا ريب فظهر أنه صلى الصبح يومئذ عند البيت وسمعته أم سلمة يقرأ فيها بالطور .
فصل [ ارتحاله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ]
ثم ارتحل صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة ، فلما كان بالروحاء ، لقي ركبا ، فسلم عليهم وقال من القوم ؟ فقالوا : المسلمون قالوا : فمن القوم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفعت امرأة صبيا لها من محفتها ، فقالت يا رسول الله ؟ ألهذا حج ؟ قال نعم ولك أجر
فلما أتى ذا الحليفة ، بات بها ، فلما رأى المدينة ، كبر ثلاث مرات وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دخلها نهارا من طريق المعرس ، وخرج من طريق الشجرة والله أعلم .
فصل في الأوهام
[ وهم ابن حزم في قوله إنه صلى الله عليه وسلم أعلم الناس وقت خروجه أن عمرة في رمضان تعدل حجة ]
فمنها : وهم لأبي محمد ابن حزم في حجة الوداع حيث قال إن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس وقت خروجه أن عمرة في رمضان تعدل حجة وهذا وهم ظاهر فإنه إنما قال ذلك بعد رجوعه إلى المدينة من حجته إذ قال لأم سنان الأنصارية : ما منعك أن تكوني حججت معنا ؟ قالت لم يكن لنا إلا ناضحان فحج أبو ولدي وابني على ناضح وترك لنا ناضحا ننضح عليه . قال فإذا جاء رمضان فاعتمري ، فإن عمرة في رمضان تقضي حجة هكذا رواه مسلم في " صحيحه " .
وكذلك أيضا قال هذا لأم معقل بعد رجوعه إلى المدينة ، كما رواه أبو داود ، من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن جدته أم معقل ، قالت لما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وكان لنا جمل فجعله أبو معقل في سبيل الله فأصابنا مرض فهلك أبو معقل ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من حجه جئته فقال ما منعك أن تخرجي معنا " ؟ فقالت لقد تهيأنا ، فهلك أبو معقل ، وكان لنا جمل وهو الذي نحج عليه فأوصى به أبو معقل في سبيل الله . قال" فهلا خرجت عليه ؟ فإن الحج في سبيل الله فأما إذ فاتتك هذه الحجة معنا فاعتمري في رمضان فإنها كحجة
فصل
ومنها وهم آخر له وهو أن خروجه كان يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة وقد تقدم أنه خرج لخمس وأن خروجه كان يوم السبت .
فصل [ وهم محب الدين الطبري بقوله خرج صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة بعد الصلاة ]
ومنها وهم آخر لبعضهم ذكر الطبري في " حجة الوداع " أنه خرج يوم الجمعة بعد الصلاة . والذي حمله على هذا الوهم القبيح قوله في الحديث خرج لست بقين فظن أن هذا لا يمكن إلا أن يكون الخروج يوم الجمعة إذ تمام الست يوم الأربعاء وأول ذي الحجة كان يوم الخميس بلا ريب وهذا خطأ فاحش فإنه من المعلوم الذي لا ريب فيه أنه صلى الظهر يوم خروجه بالمدينة أربعا ، والعصر بذي الحليفة ركعتين ثبت ذلك في " الصحيحين " .
وحكى الطبري في حجته قولا ثالثا : إن خروجه كان يوم السبت وهو اختيار الواقدي ، وهو القول الذي رجحناه أولا ، لكن الواقدي ، وهم في ذلك ثلاثة أوهام أحدها : أنه زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم خروجه الظهر بذي الحليفة ركعتين الوهم الثاني : أنه أحرم ذلك اليوم عقيب صلاة الظهر وإنما أحرم من الغد بعد أن بات بذي الحليفة الوهم الثالث أن الوقفة كانت يوم السبت وهذا لم يقله غيره وهو وهم بين .
فصل [ وهم القاضي عياض أنه صلى الله عليه وسلم تطيب قبل غسله ثم غسل الطيب عنه لما اغتسل ]
ومنها وهم للقاضي عياض رحمه الله وغيره أنه صلى الله عليه وسلم تطيب هناك قبل غسله ثم غسل الطيب عنه لما اغتسل .
ومنشأ هذا الوهم من سياق ما وقع في " صحيح مسلم " في حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طاف على نسائه بعد ذلك ، ثم أصبح محرما
والذي يرد هذا الوهم قولها : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه وقولها : كأني أنظر إلى وبيص الطيب أي بريقه في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم وفي لفظ وهو يلبي بعد ثلاث من إحرامه وفي لفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم تطيب بأطيب ما يجد ثم أرى وبيص الطيب في رأسه ولحيته بعد ذلك وكل هذه الألفاظ ألفاظ الصحيح
وأما الحديث الذي احتج به فإنه حديث إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، عن أبيه عنها : كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يطوف على نسائه ثم يصبح محرما وهذا ليس فيه ما يمنع الطيب الثاني عند إحرامه .
فصل
[ وهم ابن حزم أنه صلى الله عليه وسلم أحرم قبل الظهر ]
ومنها : وهم آخر لأبي محمد ابن حزم أنه صلى الله عليه وسلم أحرم قبل الظهر وهو وهم ظاهر لم ينقل في شيء من الأحاديث وإنما أهل عقيب صلاة الظهر في موضع مصلاه ثم ركب ناقته واستوت به على البيداء وهو يهل ، وهذا يقينا كان بعد صلاة الظهر والله أعلم .
فصل [ وهم ابن حزم أنه صلى الله عليه وسلم ساق الهدي مع نفسه وكان هدي تطوع]
ومنها وهم آخر له وهو قوله وساق الهدي مع نفسه وكان هدي تطوع وهذا بناء منه على أصله الذي انفرد به عن الأئمة أن القارن لا يلزمه هدي وإنما يلزم المتمتع وقد تقدم بطلان هذا القول .
فصل
ومنها : وهم آخر لمن قال إنه لم يعين في إحرامه نسكا ، بل أطلقه ووهم من قال إنه عين عمرة مفردة كان متمتعا بها ، كما قاله القاضي أبو يعلى ، وصاحب " المغني " وغيرهما ، ووهم من قال إنه عين حجا مفردا مجردا لم يعتمر معه ووهم من قال إنه عين عمرة ثم أدخل عليها الحج ووهم من قال إنه عين حجا مفردا ، ثم أدخل عليه العمرة بعد ذلك وكان من خصائصه وقد تقدم بيان مستند ذلك ووجه الصواب فيه . والله أعلم .
فصل
ومنها : وهم لأحمد بن عبد الله الطبري في " حجة الوداع " له أنهم لما كانوا ببعض الطريق صاد أبو قتادة حمارا وحشيا ولم يكن محرما ، فأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم وهذا إنما كان في عمرة الحديبية ، كما رواه البخاري .
فصل
ومنها : وهم آخر لبعضهم حكاه الطبري عنه صلى الله عليه وسلم أنه دخل مكة يوم الثلاثاء وهو غلط فإنما دخلها يوم الأحد صبح رابعة من ذي الحجة .
فصل
ومنها : وهم من قال إنه صلى الله عليه وسلم حل بعد طوافه وسعيه كما قاله القاضي أبو يعلى وأصحابه وقد بينا أن مستند هذا الوهم وهم معاوية ، أو من روى عنه أنه قصر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص على المروة في حجته .
فصل
ومنها : وهم من زعم أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل الركن اليماني في طوافه وإنما ذلك الحجر الأسود ، وسماه اليماني لأنه يطلق عليه وعلى الآخر اليمانيين . فعبر بعض الرواة عنه باليماني منفردا .
فصل
ومنها : وهم فاحش لأبي محمد ابن حزم أنه رمل في السعي ثلاثة أشواط ومشى أربعة وأعجب من هذا الوهم وهمه في حكاية الاتفاق على هذا القول الذي لم يقله أحد سواه .
فصل
ومنها : وهم من زعم أنه طاف بين الصفا والمروة أربعة عشر شوطا ، وكان ذهابه وإيابه مرة واحدة وقد تقدم بيان بطلانه .
فصل
ومنها : وهم من زعم أنه صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم النحر قبل الوقت ومستند هذا الوهم حديث ابن مسعود ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر يوم النحر قبل ميقاتها وهذا إنما أراد به قبل ميقاتها الذي كانت عادته أن يصليها فيه فعجلها عليه يومئذ ولا بد من هذا التأويل وحديث ابن مسعود ، إنما يدل على هذا ، فإنه في " صحيح البخاري " عنه أنه قال هما صلاتان تحولان عن وقتهما : صلاة المغرب بعدما يأتي الناس المزدلفة والفجر حين يبزغ الفجر وقال في حديث جابر في حجة الوداع فصلى الصبح حين تبين له الصبح بأذان وإقامة
فصل ومنها وهم من وهم في أنه صلى الظهر والعصر يوم عرفة ، والمغرب والعشاء تلك الليلة بأذانين وإقامتين
ووهم من قال صلاهما بإقامتين بلا أذان أصلا ، ووهم من قال جمع بينهما بإقامة واحدة والصحيح أنه صلاهما بأذان واحد وإقامة لكل صلاة .
فصل
ومنها : وهم من زعم أنه خطب بعرفة خطبتين جلس بينهما ، ثم أذن المؤذن فلما فرغ أخذ في الخطبة الثانية فلما فرغ منها ، أقام الصلاة وهذا لم يجئ في شيء من الأحاديث البتة وحديث جابر صريح في أنه لما أكمل خطبته أذن بلال ، وأقام الصلاة فصلى الظهر بعد الخطبة .
فصل
ومنها : وهم لأبي ثور أنه لما صعد أذن المؤذن فلما فرغ قام فخطب وهذا وهم ظاهر فإن الأذان إنما كان بعد الخطبة .
فصل
ومنها : وهم من روى ، أنه قدم أم سلمة ليلة النحر وأمرها أن توافيه صلاة الصبح بمكة وقد تقدم بيانه .
فصل
ومنها : وهم من زعم أنه أخر طواف الزيارة يوم النحر إلى الليل وقد تقدم بيان ذلك وأن الذي أخره إلى الليل إنما هو طواف الوداع ومستند هذا الوهم - والله أعلم - أن عائشة قالت أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه كذلك قال عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه عنها ، فحمل عنها على المعنى ، وقيل أخر طواف الزيارة إلى الليل .
فصل
ومنها : وهم من وهم وقال إنه أفاض مرتين مرة بالنهار ومرة مع نسائه بالليل ومستند هذا الوهم ما رواه عمر بن قيس ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه فزاروا البيت يوم النحر ظهيرة وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه ليلا وهذا غلط والصحيح عن عائشة خلاف هذا : أنه أفاض نهارا إفاضة واحدة وهذه طريقة وخيمة جدا ، سلكها ضعاف أهل العلم المتمسكون بأذيال التقليد والله أعلم .
فصل
ومنها : وهم من زعم أنه طاف للقدوم يوم النحر ثم طاف بعده للزيارة وقد تقدم مستند ذلك وبطلانه .
فصل
ومنها وهم من زعم أنه يومئذ سعى مع هذا الطواف . واحتج بذلك على أن القارن يحتاج إلى سعيين وقد تقدم بطلان ذلك عنه وأنه لم يسع إلا سعيا واحدا ، كما قالت عائشة وجابر رضي الله عنهما .
فصل
ومنها : على القول الراجح وهم من قال إنه صلى الظهر يوم النحر بمكة ، والصحيح أنه صلاها بمنى كما تقدم .
فصل
ومنها : وهم من زعم أنه لم يسرع في وادي محسر حين أفاض من جمع إلى منى ، وأن ذلك إنما هو فعل الأعراب ، ومستند هذا الوهم قول ابن عباس : إنما كان بدء الإيضاع من قبل أهل البادية كانوا يقفون حافتي الناس حتى قد علقوا القعاب والعصي والجعاب فإذا أفاضوا ، تقعقعت تلك فنفروا بالناس ولقد رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن ذفرى ناقته ليمس حاركها وهو يقول يا أيها الناس عليكم السكينة وفي رواية إن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل ، فعليكم بالسكينة فما رأيتها رافعة يديها حتى أتى منى رواه أبو داود " . ولذلك أنكره طاووس والشعبي ، قال الشعبي : حدثني أسامة بن زيد أنه أفاض مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة ، فلم ترفع راحلته رجلها عادية حتى بلغ جمعا . قال وحدثني الفضل بن عباس ، أنه كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع ، فلم ترفع راحلته رجلها عادية حتى رمى الجمرة . وقال عطاء إنما أحدث هؤلاء الإسراع يريدون أن يفوتوا الغبار .
ومنشأ هذا الوهم اشتباه الإيضاع وقت الدفع من عرفة الذي يفعله الأعراب وجفاة الناس بالإيضاع في وادي محسر ، فإن الإيضاع هناك بدعة لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بل نهى عنه والإيضاع في وادي محسر سنة نقلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جابر وعلي بن أبي طالب ، والعباس بن عبد المطلب رضي الله عنهم وفعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان ابن الزبير يوضع أشد الإيضاع وفعلته عائشة وغيرهم من الصحابة والقول في هذا قول من أثبت لا قول من نفى . والله أعلم .
فصل
ومنها وهم طاووس وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفيض كل ليلة من ليالي منى إلى البيت وقال البخاري في " صحيحه " ويذكر عن أبي حسان عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت أيام منى ورواه ابن عرعرة قال دفع إلينا معاذ بن هشام كتابا قال سمعته من أبي ولم يقرأه قال وكان فيه عن أبي حسان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت كل ليلة ما دام بمنى قال وما رأيت أحدا واطأه عليه انتهى . ورواه الثوري في " جامعه " عن ابن طاووس عن أبيه مرسلا ، وهو وهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرجع إلى مكة بعد أن طاف للإفاضة وبقي في منى إلى حين الوداع والله أعلم .
فصل
ومنها وهم من قال إنه ودع مرتين . ووهم من قال إنه جعل مكة دائرة في دخوله وخروجه فبات بذي طوى ، ثم دخل من أعلاها ، ثم خرج من أسفلها ، ثم رجع إلى المحصب عن يمين مكة ، فكملت الدائرة .
فصل
ومنها وهم من زعم أنه انتقل من المحصب إلى ظهر العقبة ، فهذه كلها من الأوهام نبهنا عليها مفصلا ومجملا وبالله التوفيق .
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الهدايا والضحايا والعقيقة
وهي مختصة بالأزواج الثمانية المذكورة في سورة ( الأنعام ) ولم يعرف عنه صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة هدي ولا أضحية ولا عقيقة من غيرها ، وهذا مأخوذ من القرآن من مجموع أربع آيات .
إحداها : قوله تعالى : أحلت لكم بهيمة الأنعام [ المائدة 1 ] .
والثانية قوله تعالى : ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام [ الحج : 28 ] .
والثالثة قوله تعالى : ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ثمانية أزواج [ الأنعام 142 ، 143 ] ثم ذكرها .
الرابعة قوله تعالى : هديا بالغ الكعبة [ المائدة 95 ] .
فدل على أن الذي يبلغ الكعبة من الهدي هو هذه الأزواج الثمانية وهذا استنباط علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
والذبائح التي هي قربة إلى الله وعبادة هي ثلاثة الهدي والأضحية والعقيقة .
فأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنم وأهدى الإبل وأهدى عن نسائه البقر وأهدى في مقامه وفي عمرته وفي حجته وكانت سنته تقليد الغنم دون إشعارها .
وكان إذا بعث بهديه وهو مقيم لم يحرم عليه شيء كان منه حلالا .
وكان إذا أهدى الإبل قلدها وأشعرها ، فيشق صفحة سنامها الأيمن يسيرا حتى يسيل الدم . قال الشافعي : والإشعار في الصفحة اليمنى ، كذلك أشعر النبي صلى الله عليه وسلم .
وكان إذا بعث بهديه أمر رسوله إذا أشرف على عطب شيء منه أن ينحره ثم يصبغ نعله في دمه ثم يجعله على صفحته ولا يأكل منه هو ولا أحد من أهل رفقته ثم يقسم لحمه ومنعه من هذا الأكل سدا للذريعة فإنه لعله ربما قصر في حفظه ليشارف العطب فينحره ويأكل منه فإذا علم أنه لا يأكل منه شيئا ، اجتهد في حفظه .
وشرك بين أصحابه في الهدي كما تقدم البدنة عن سبعة والبقرة كذلك .
وأباح لسائق الهدي ركوبه بالمعروف إذا احتاج إليه حتى يجد ظهرا غيره وقال علي رضي الله عنه يشرب من لبنها ما فضل عن ولدها
وكان هديه صلى الله عليه وسلم نحر الإبل قياما ، مقيدة معقولة اليسرى ، على ثلاث وكان يسمي الله عند نحره ويكبر وكان يذبح نسكه بيده وربما وكل في بعضه كما أمر عليا رضي الله عنه أن يذبح ما بقي من المائة .
وكان إذا ذبح الغنم وضع قدمه على صفاحها ثم سمى ، وكبر وذبح وقد تقدم أنه نحر بمنى وقال إن فجاج مكة كلها منحر وقال ابن عباس : مناحر البدن بمكة ، ولكنها نزهت عن الدماء ومنى من مكة ، وكان ابن عباس ينحر بمكة .
وأباح صلى الله عليه وسلم لأمته أن يأكلوا من هداياهم وضحاياهم ويتزودوا منها ، ونهاهم مرة أن يدخروا منها بعد ثلاث لدافة دفت عليهم ذلك العام من الناس فأحب أن يوسعوا عليهم وذكر أبو داود من حديث جبير بن نفير عن ثوبان قال ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال يا ثوبان أصلح لنا لحم هذه الشاة قال فما زلت أطعمه منها حتى قدم المدينة .
وروى مسلم هذه القصة ولفظه فيها : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له في حجة الوداع أصلح هذا اللحم " قال فأصلحته فلم يزل يأكل منه حتى بلغ المدينة
وكان ربما قسم لحوم الهدي وربما قال من شاء اقتطع فعل هذا ، وفعل هذا ، واستدل بهذا على جواز النهبة في النثار في العرس ونحوه وفرق بينهما بما لا يتبين .
فصل [هديه صلى الله عليه وسلم في ذبح هدي العمرة والقران ]
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم ذبح هدي العمرة عند المروة ، وهدي القران بمنى ، وكذلك كان ابن عمر يفعل ولم ينحر هديه صلى الله عليه وسلم قط إلا بعد أن حل ولم ينحره قبل يوم النحر ولا أحد من الصحابة البتة ولم ينحره أيضا إلا بعد طلوع الشمس وبعد الرمي فهي أربعة أمور مرتبة يوم النحر أولها : الرمي ثم النحر ثم الحلق ثم الطواف وهكذا رتبها صلى الله عليه وسلم ولم يرخص في النحر قبل طلوع الشمس البتة ولا ريب أن ذلك مخالف لهديه فحكمه حكم الأضحية إذا ذبحت قبل طلوع الشمس .
فصل وأما هديه في الأضاحي
[ وقت الذبح ]
فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع الأضحية وكان يضحي بكبشين وكان ينحرهما بعد صلاة العيد وأخبر أن من ذبح قبل الصلاة ، فليس من النسك في شيء وإنما هو لحم قدمه لأهله هذا الذي دلت عليه سنته وهديه لا الاعتبار بوقت الصلاة والخطبة بل بنفس فعلها ، وهذا هو الذي ندين الله به وأمرهم أن يذبحوا الجذع من الضأن والثني مما سواه وهي المسنة .
وروي عنه أنه قال كل أيام التشريق ذبح لكن الحديث منقطع لا يثبت وصله .
وأما نهيه عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فلا يدل على أن أيام الذبح ثلاثة فقط لأن الحديث دليل على نهي الذابح أن يدخر شيئا فوق ثلاثة أيام من يوم ذبحه فلو أخر الذبح إلى اليوم الثالث لجاز له الادخار وقت النهي ما بينه وبين ثلاثة أيام والذين حددوه بالثلاث فهموا من نهيه عن الادخار فوق ثلاث أن أولها من يوم النحر قالوا : وغير جائز أن يكون الذبح مشروعا في وقت يحرم فيه الأكل قالوا : ثم نسخ تجريم الأكل فبقي وقت الذبح بحاله .
فيقال لهم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه إلا عن الادخار فوق ثلاث لم ينه عن التضحية بعد ثلاث فأين أحدهما من الآخر ولا تلازم بين ما نهى عنه وبين اختصاص الذبح بثلاث لوجهين .
أحدهما : أنه يسوغ الذبح في اليوم الثاني والثالث فيجوز له الادخار إلى تمام الثلاث من يوم الذبح ولا يتم لكم الاستدلال حتى يثبت النهي عن الذبح بعد يوم النحر ولا سبيل لكم إلى هذا .
الثاني : أنه لو ذبح في آخر جزء من يوم النحر لساغ له حينئذ الادخار ثلاثة أيام بعده بمقتضى الحديث وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه أيام النحر يوم الأضحى ، وثلاثة أيام بعده وهو مذهب إمام أهل البصرة الحسن ، وإمام أهل مكة عطاء بن أبي رباح ، وإمام أهل الشام الأوزاعي ، وإمام فقهاء أهل الحديث الشافعي رحمه الله واختاره ابن المنذر ، ولأن الثلاثة تختص بكونها أيام منى ، وأيام الرمي وأيام التشريق ويحرم صيامها ، فهي إخوة في هذه الأحكام فكيف تفترق في جواز الذبح بغير نص ولا إجماع . وروي من وجهين مختلفين يشد أحدهما الآخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل منى منحر ، و كل أيام التشريق ذبح روي من حديث جبير بن مطعم وفيه انقطاع ومن حديث أسامة بن زيد ، عن عطاء عن جابر .
قال يعقوب بن سفيان : أسامة بن زيد عند أهل المدينة ثقة مأمون .
وفي هذه المسألة أربعة أقوال هذا أحدها .
والثاني : أن وقت الذبح يوم النحر ويومان بعده وهذا مذهب أحمد ، ومالك ، وأبي حنيفة رحمهم الله قال أحمد هو قول غير واحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وذكره الأثرم عن ابن عمر ، وابن عباس رضي الله عنهم .
الثالث أن وقت النحر يوم واحد وهو قول ابن سيرين ، لأنه اختص بهذه التسمية فدل على اختصاص حكمها به ولو جاز في الثلاثة لقيل لها : أيام النحر كما قيل لها : أيام الرمي وأيام منى ، وأيام التشريق ولأن العيد يضاف إلى النحر وهو يوم واحد كما يقال عيد الفطر .
الرابع قول سعيد بن جبير ، وجابر بن زيد : أنه يوم واحد في الأمصار وثلاثة أيام في منى ، لأنها هناك أيام أعمال المناسك من الرمي والطواف والحلق فكانت أياما للذبح بخلاف أهل الأمصار .
فصل [ مسائل تتعلق بالأضحية ]
ومن هديه صلى الله عليه وسلم أن من أراد التضحية ودخل يوم العشر ، فلا يأخذ من شعره وبشره شيئا ثبت النهي عن ذلك في " صحيح مسلم " . وأما الدارقطني فقال الصحيح عندي أنه موقوف على أم سلمة .
يتبع ...
عدنا إلى سياق حجته صلى الله عليه وسلم .
[ الإفاضة من عرفة ]
فلما غربت الشمس واستحكم غروبها بحيث ذهبت الصفرة أفاض من عرفة ، وأردف أسامة بن زيد خلفه وأفاض بالسكينة وضم إليه زمام ناقته حتى إن رأسها ليصيب طرف رحله وهو يقول أيها الناس عليكم السكينة ، فإن البر ليس بالإيضاع أي ليس بالإسراع .
وأفاض من طريق المأزمين ، ودخل عرفة من طريق ضب ، وهكذا كانت عادته صلوات الله عليه وسلامه في الأعياد أن يخالف الطريق وقد تقدم حكمة ذلك عند الكلام على هديه في العيد .
ثم جعل يسير العنق وهو ضرب من السير ليس بالسريع ولا البطيء . فإذا وجد فجوة وهو المتسع نص سيره أي رفعه فوق ذلك وكلما أتى ربوة من تلك الربى ، أرخى للناقة زمامها قليلا حتى تصعد .
وكان يلبي في مسيره ذلك لم يقطع التلبية . فلما كان في أثناء الطريق نزل صلوات الله وسلامه عليه فبال وتوضأ وضوءا خفيفا ، فقال له أسامة : الصلاة يا رسول الله فقال الصلاة - أو المصلى - أمامك
ثم سار حتى أتى المزدلفة ، فتوضأ وضوء الصلاة ثم أمر بالأذان فأذن المؤذن ثم أقام فصلى المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال فلما حطوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة ثم صلى عشاء الآخرة بإقامة بلا أذان ، ولم يصل بينهما شيئا وقد روي أنه صلاهما بأذانين وإقامتين وروي بإقامتين بلا أذان والصحيح أنه صلاهما بأذان وإقامتين ، كما فعل بعرفة . ثم نام حتى أصبح ولم يحي تلك الليلة ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء .
هل يجوز رمي الجمار قبل الفجر ]
وأذن في تلك الليلة لضعفة أهله أن يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر وكان ذلك عند غيبوبة القمر وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس حديث صحيح صححه الترمذي وغيره
وأما حديث عائشة رضي الله عنها : أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم تعني عندها رواه أبو داود ، فحديث منكر أنكره الإمام أحمد وغيره . ومما يدل على إنكاره أن فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أمرها أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة وفي رواية توافيه بمكة وكان يومها ، فأحب أن توافيه وهذا من المحال قطعا .
قال الأثرم : قال لي أبو عبد الله : حدثنا أبو معاوية عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن توافيه يوم النحر بمكة لم يسنده غيره وهو خطأ .
وقال وكيع : عن أبيه مرسلا : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة أو نحو هذا ، وهذا أعجب أيضا ، أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر وقت الصبح ما يصنع بمكة ؟ ينكر ذلك . قال فجئت إلى يحيى بن سعيد ، فسألته فقال عن هشام عن أبيه " أمرها أن توافي " وليس " توافيه " قال وبين ذين فرق . قال وقال لي يحيى : سل عبد الرحمن عنه فسألته ، فقال هكذا سفيان عن هشام عن أبيه . قال الخلال سها الأثرم في حكايته عن وكيع " توافيه " ، وإنما قال وكيع : توافي منى . وأصاب في قوله " توافي " كما قال أصحابه وأخطأ في قوله " منى " .
قال الخلال أنبأنا علي بن حرب ، حدثنا هارون بن عمران ، عن سليمان بن أبي داود ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال أخبرتني أم سلمة ، قالت قدمني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن قدم من أهله ليلة المزدلفة . قالت فرميت بليل ثم مضيت إلى مكة ، فصليت بها الصبح ثم رجعت إلى منى
قلت : سليمان بن أبي داود هذا : هو الدمشقي الخولاني ، ويقال ابن داود . قال أبو زرعة عن أحمد : رجل من أهل الجزيرة ليس بشيء . وقال عثمان بن سعيد : ضعيف .
قلت : ومما يدل على بطلانه ما ثبت في " الصحيحين " ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة ، قالت استأذنت سودة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة أن تدفع قبله وقبل حطمة الناس وكانت امرأة ثبطة قالت فأذن لها ، فخرجت قبل دفعه وحبسنا حتى أصبحنا ، فدفعنا بدفعه ولأن أكون استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة أحب إلي من مفروح به فهذا الحديث الصحيح يبين أن نساءه غير سودة ، إنما دفعن معه .
فإن قيل فما تصنعون بحديث عائشة الذي رواه الدارقطني وغيره عنها ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر نساءه أن يخرجن من جمع ليلة جمع ، فيرمين الجمرة ثم تصبح في منزلها ، وكانت تصنع ذلك حتى ماتت
قيل يرده محمد بن حميد أحد رواته كذبه غير واحد . ويرده أيضا : حديثها الذي في " الصحيحين " وقولها : وددت أني كنت استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة .
وإن قيل فهب أنكم يمكنكم رد هذا الحديث فما تصنعون بالحديث الذي رواه مسلم في " صحيحه " ، عن أم حبيبة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بها من جمع بليل . قيل قد ثبت في " الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم تلك الليلة ضعفة أهله وكان ابن عباس فيمن قدم . وثبت أنه قدم س ودة ، وثبت أنه حبس نساءه عنده حتى دفعن بدفعه . وحديث أم حبيبة ، انفرد به مسلم . فإن كان محفوظا ، فهي إذا من الضعفة التي قدمها .
فإن قيل فما تصنعون بما رواه الإمام أحمد ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث به مع أهله إلى منى يوم النحر فرموا الجمرة مع الفجر قيل نقدم عليه حديثه الآخر الذي رواه أيضا الإمام أحمد ، والترمذي وصححه أن ا لنبي صلى الله عليه وسلم قدم ضعفة أهله وقال لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس ولفظ أحمد فيه قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا من جمع ، فجعل يلطح أفخاذنا ويقول " أي بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس لأنه أصح منه وفيه نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن رمي الجمرة قبل طلوع الشمس وهو محفوظ بذكر القصة فيه . والحديث الآخر إنما فيه أنهم رموها مع الفجر ثم تأملنا فإذا أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث فإنه أمر الصبيان أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي أما من قدمه من النساء فرمين قبل طلوع الشمس للعذر والخوف عليهن من مزاحمة الناس وحطمهم وهذا الذي دلت عليه السنة جواز الرمي قبل طلوع الشمس للعذر بمرض أو كبر يشق عليه مزاحمة الناس لأجله وأما القادر الصحيح فلا يجوز له ذلك .
وفي المسألة ثلاثة مذاهب أحدها : الجواز بعد نصف الليل مطلقا للقادر والعاجز كقول الشافعي وأحمد رحمهما الله والثاني : لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر كقول أبي حنيفة رحمه الله والثالث لا يجوز لأهل القدرة إلا بعد طلوع الشمس كقول جماعة من أهل العلم . والذي دلت عليه السنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر لا نصف الليل وليس مع من حده بالنصف دليل والله أعلم .
فصل [ مذهب من قال بركنية الوقوف بمزدلفة والمبيت بها]
فلما طلع الفجر صلاها في أول الوقت لا قبله قطعا بأذان وإقامة يوم النحر وهو يوم العيد وهو يوم الحج الأكبر وهو يوم الأذان ببراءة الله ورسوله من كل مشرك .
ثم ركب حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام ، فاستقبل القبلة وأخذ في الدعاء والتضرع والتكبير والتهليل والذكر حتى أسفر جدا ، وذلك قبل طلوع الشمس .
وهنالك سأله عروة بن مضرس الطائي ، فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني جئت من جبلي طيئ ، أكللت راحلتي ، وأتعبت نفسي ، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا ، فقد أتم حجه وقضى تفثه قال الترمذي : حديث حسن صحيح .
وبهذا احتج من ذهب إلى أن الوقوف بمزدلفة والمبيت بها ، ركن كعرفة ، وهو مذهب اثنين من الصحابة ابن عباس ، وابن الزبير رضي الله عنهما ، وإليه ذهب إبراهيم النخعي ، والشعبي ، وعلقمة والحسن البصري ، وهو مذهب الأوزاعي ، وحماد بن أبي سليمان ، وداود الظاهري وأبي عبيد القاسم بن سلام ، واختاره المحمدان ابن جرير ، وابن خزيمة ، وهو أحد الوجوه للشافعية ، ولهم ثلاث حجج هذه إحداها ، والثانية قوله تعالى : فاذكروا الله عند المشعر الحرام [ البقرة 198 ] .
والثالثة فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خرج مخرج البيان لهذا الذكر المأمور به.
واحتج من لم يره ركنا بأمرين أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم مد وقت الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر وهذا يقتضي أن من وقف بعرفة قبل طلوع الفجر بأيسر زمان صح حجه ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنا لم يصح حجه .
الثاني : أنه لو كان ركنا ، لاشترك فيه الرجال والنساء فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء بالليل علم أنه ليس بركن وفي الدليلين نظر فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قدمهن بعد المبيت بمزدلفة ، وذكر الله تعالى بها لصلاة عشاء الآخرة والواجب هو ذلك . وأما توقيت الوقوف بعرفة إلى الفجر فلا ينافي أن يكون المبيت بمزدلفة ركنا ، وتكون تلك الليلة وقتا لهما كوقت المجموعتين من الصلوات وتضييق الوقت لأحدهما لا يخرجه عن أن يكون وقتا لهما حال القدرة .
فصل [ قصة الفضل مع الخثعمية ]
وقف صلى الله عليه وسلم في موقفه وأعلم الناس أن مزدلفة كلها موقف ثم سار من مزدلفة مردفا للفضل بن عباس وهو يلبي في مسيره وانطلق أسامة بن زيد على رجليه في سباق قريش .
وفي طريقه ذلك أمر ابن عباس أن يلقط له حصى الجمار سبع حصيات ولم يكسرها من الجبل تلك الليلة كما يفعل من لا علم عنده ولا التقطها بالليل فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول بأمثال هؤلاء فارموا ، وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين
وفي طريقه تلك عرضت له امرأة من خثعم جميلة فسألته عن الحج عن أبيها وكان شيخا كبيرا لا يستمسك على الراحلة فأمرها أن تحج عنه وجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فوضع يده على وجهه وصرفه إلى الشق الآخر وكان الفضل وسيما ، فقيل صرف وجهه عن نظرها إليه . وقيل صرفه عن نظره إليها ، والصواب إنه فعله للأمرين فإنه في القصة جعل ينظر إليها وتنظر إليه .
[ الحج عن الأم ]
وسأله آخر هنالك عن أمه فقال إنها عجوز كبيرة فإن حملتها لم تستمسك وإن ربطتها خشيت أن أقتلها ، فقال " أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه ؟ قال : نعم . قال فحج عن أمك "
فلما أتى بطن محسر ، حرك ناقته وأسرع السير وهذه كانت عادته في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه فإن هنالك أصاب أصحاب الفيل ما قص الله علينا ، ولذلك سمي ذلك الوادي وادي محسر ، لأن الفيل حسر فيه أي أعيي وانقطع عن الذهاب إلى مكة ، وكذلك فعل في سلوكه الحجر ديار ثمود ، فإنه تقنع بثوبه وأسرع السير .
ومحسر : برزخ بين منى وبين مزدلفة ، لا من هذه ولا من هذه وعرنة : برزخ بين عرفة والمشعر الحرام ، فبين كل مشعرين برزخ ليس منهما ، فمنى : من الحرم ، وهي مشعر ومحسر : من الحرم ، وليس بمشعر ومزدلفة : حرم ومشعر وعرنة ليست مشعرا ، وهي من الحل . وعرفة : حل ومشعر .
وسلك صلى الله عليه وسلم الطريق الوسطى بين الطريقين وهي التي تخرج على الجمرة الكبرى ، حتى أتى منى ، فأتى جمرة العقبة ، فوقف في أسفل الوادي ، وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ، واستقبل الجمرة وهو على راحلته فرماها راكبا بعد طلوع الشمس واحدة بعد واحدة يكبر مع كل حصاة . وحينئذ قطع التلبية
وكان في مسيره ذلك يلبي حتى شرع في الرمي ورمى بلال وأسامة معه أحدهما آخذ بخطام ناقته والآخر يظلله بثوب من الحر . وفي هذا : دليل على جواز استظلال المحرم بالمحمل ونحوه إن كانت قصة هذا الإظلال يوم النحر ثابتة وإن كانت بعده في أيام منى ، فلا حجة فيها ، وليس في الحديث بيان في أي زمن كانت . والله أعلم .
فصل [ خطبة منى ]
ثم رجع إلى منى ، فخطب الناس خطبة بليغة أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر وتحريمه وفضله عند الله وحرمة مكة على جميع البلاد وأمرهم بالسمع والطاعة لمن قادهم بكتاب الله وأمر الناس بأخذ مناسكهم عنه وقال لعلي لا أحج بعد عامي هذا .
وعلمهم مناسكهم وأنزل المهاجرين والأنصار منازلهم وأمر الناس أن لا يرجعوا بعده كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض وأمر بالتبليغ عنه . وأخبر أنه رب مبلغ أوعى من سامع .
وقال في خطبته لا يجني جان إلا على نفسه .
وأنزل المهاجرين عن يمين القبلة والأنصار عن يسارها ، والناس حولهم وفتح الله له أسماع الناس حتى سمعها أهل منى في منازلهم .
وقال في خطبته تلك اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم ، وصوموا شهركم وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم .
وودع حينئذ الناس فقالوا : حجة الوداع .
وهناك سئل عمن حلق قبل أن يرمي وعمن ذبح قبل أن يرمي فقال " لا حرج " قال عبد الله بن عمرو ما رأيته صلى الله عليه وسلم سئل يومئذ عن شيء إلا قال افعلوا ولا حرج .
قال ابن عباس إنه قيل له صلى الله عليه وسلم في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال لا حرج .
وقال أسامة بن شريك خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حاجا ، وكان الناس يأتونه فمن قائل يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف أو قدمت شيئا أو أخرت شيئا فكان يقول لا حرج لا حرج إلا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم فذلك الذي حرج وهلك .
وقوله سعيت قبل أن أطوف في هذا الحديث ليس بمحفوظ . والمحفوظ تقديم الرمي والنحر والحلق بعضها على بعض .
[ بحث في نحره صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين بدنة بيده ]
ثم انصرف إلى المنحر بمنى ، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده وكان ينحرها قائمة معقولة يدها اليسرى . وكان عدد هذا الذي نحره عدد سني عمره ثم أمسك وأمر عليا أن ينحر ما غبر من المائة ثم أمر عليا رضي الله عنه أن يتصدق بجلالها ولحومها وجلودها في المساكين وأمره أن لا يعطي الجزار في جزارتها شيئا منها ، وقال نحن نعطيه من عندنا وقال من شاء اقتطع
فإن قيل فكيف تصنعون بالحديث الذي في " الصحيحين " عن أنس رضي الله عنه قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا ، والعصر بذي الحليفة ركعتين فبات بها ، فلما أصبح ركب راحلته فجعل يهلل ويسبح فلما علا على البيداء ، لبى بهما جميعا ، فلما دخل مكة ، أمرهم أن يحلوا ، ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده سبع بدن قياما ، وضحى بالمدينة كبشين أملحين فالجواب أنه لا تعارض بين الحديثين .
قال أبو محمد ابن حزم : مخرج حديث أنس ، على أحد وجوه ثلاثة .
أحدها : أنه صلى الله عليه وسلم لم ينحر بيده أكثر من سبع بدن كما قال أنس ، وأنه أمر من ينحر ما بعد ذلك إلى تمام ثلاث وستين ثم زال عن ذلك المكان وأمر عليا رضي الله عنه فنحر ما بقي .
الثاني : أن يكون أنس لم يشاهد إلا نحره صلى الله عليه وسلم سبعا فقط بيده وشاهد جابر تمام نحره صلى الله عليه وسلم للباقي ، فأخبر كل منهما بما رأى وشاهد .
الثالث أنه صلى الله عليه وسلم نحر بيده منفردا سبع بدن كما قال أنس ، ثم أخذ هو وعلي الحربة معا ، فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين كما قال غرفة بن الحارث الكندي أنه شاهد النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ قد أخذ بأعلى الحربة وأمر عليا فأخذ بأسفلها ، ونحرا بها البدن ثم انفرد علي بنحر الباقي من المائة كما قال جابر . والله أعلم .
فإن قيل فكيف تصنعون بالحديث الذي رواه الإمام أحمد ، وأبو داود عن علي قال لما نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنه فنحر ثلاثين بيده وأمرني فنحرت سائرها
قلنا : هذا غلط انقلب على الراوي ، فإن الذي نحر ثلاثين هو علي ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نحر سبعا بيده لم يشاهده علي ، ولا جابر ، ثم نحر ثلاثا وستين أخرى ، فبقي من المائة ثلاثون فنحرها علي ، فانقلب على الراوي عدد ما نحره علي بما نحره النبي صلى الله عليه وسلم .
فإن قيل فما تصنعون بحديث عبد الله بن قرط ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ، ثم يوم القر وهو اليوم الثاني . قال وقرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بدنات خمس فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ ؟ فلما وجبت جنوبها قال : فتكلم بكلمة خفية لم أفهمها ، فقلت ما قال ؟ قال من شاء اقتطع
قيل نقبله ونصدقه فإن المائة لم تقرب إليه جملة وإنما كانت تقرب إليه أرسالا ، فقرب منهن إليه خمس بدنات رسلا ، وكان ذلك الرسل يبادرن ويتقربن إليه ليبدأ بكل واحدة منهن .
فإن قيل فما تصنعون بالحديث الذي في " الصحيحين " ، من حديث أبي بكرة في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بمنى ، وقال في آخره ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما ، وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا لفظه لمسلم .
ففي هذا ، أن ذبح الكبشين كان بمكة ، وفي حديث أنس ، أنه كان بالمدينة .
قيل في هذا طريقتان للناس .
إحداهما : أن القول قول أنس ، وأنه ضحى بالمدينة بكبشين أملحين أقرنين وأنه صلى العيد ثم انكفأ إلى كبشين ففصل أنس ، وميز بين نحره بمكة للبدن وبين نحره بالمدينة للكبشين وبين أنهما قصتان ويدل على هذا أن جميع من ذكر نحر النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ، إنما ذكروا أنه نحر الإبل وهو الهدي الذي ساقه وهو أفضل من نحر الغنم هناك بلا سوق وجابر قد قال في صفة حجة الوداع إنه رجع من الرمي فنحر البدن وإنما اشتبه على بعض الرواة أن قصة الكبشين كانت يوم عيد فظن أنه كان بمنى فوهم .
الطريقة الثانية طريقة ابن حزم ، ومن سلك مسلكه أنهما عملان متغايران وحديثان صحيحان فذكر أبو بكرة تضحيته بمكة ، وأنس تضحيته بالمدينة . قال وذبح يوم النحر الغنم ونحر البقر والإبل كما قالت عائشة : ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ عن أزواجه بالبقر وهو في " الصحيحين " .
وفي " صحيح مسلم " : ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة بقرة يوم النحر
وفي " السنن " : أنه نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة ومذهبه أن الحاج شرع له التضحية مع الهدي والصحيح إن شاء الله الطريقة الأولى ، وهدي الحاج له بمنزلة الأضحية للمقيم ولم ينقل أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية بل كان هديهم هو أضاحيهم فهو هدي بمنى ، وأضحية بغيرها .
وأما قول عائشة : ضحى عن نسائه بالبقر فهو هدي أطلق عليه اسم الأضحية وأنهن كن متمتعات وعليهن الهدي فالبقر الذي نحره عنهن هو الهدي الذي يلزمهن .
ولكن في قصة نحر البقرة عنهن وهن تسع إشكال وهو إجزاء البقرة عن أكثر من سبعة .
بيان بطلان قول ابن حزم بأنه لا هدي على القارن ]
وأجاب أبو محمد ابن حزم عنه بجواب على أصله وهو أن عائشة لم تكن معهن في ذلك فإنها كانت قارنة وهن متمتعات وعنده لا هدي على القارن وأيد قوله بالحديث الذي رواه مسلم من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين لهلال ذي الحجة فكنت فيمن أهل بعمرة فخرجنا حتى قدمنا مكة ، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض لم أحل من عمرتي ، فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال دعي عمرتك وانقضي رأسك ، وامتشطي ، وأهلي بالحج . قالت ففعلت . فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا ، أرسل معي عبد الرحمن بن أبي بكر ، فأردفني ، وخرج إلى التنعيم ، فأهللت بعمرة فقضى الله حجنا وعمرتنا ، ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم
وهذا مسلك فاسد تفرد به ابن حزم عن الناس . والذي عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم أن القارن يلزمه الهدي كما يلزم المتمتع بل هو متمتع حقيقة في لسان الصحابة كما تقدم وأما هذا الحديث فالصحيح أن هذا الكلام الأخير من قول هشام بن عروة ، جاء ذلك في " صحيح مسلم " مصرحا به فقال حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع ، حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها . .. فذكرت الحديث . وفي آخره قال عروة في ذلك إنه قضى الله حجها وعمرتها . قال هشام : ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة .
قال أبو محمد : إن كان وكيع جعل هذا الكلام لهشام ، فابن نمير ، وعبدة أدخلاه في كلام عائشة ، وكل منهما ثقة فوكيع نسبه إلى هشام ، لأنه سمع هشاما يقوله وليس قول هشام إياه بدافع أن تكون عائشة قالته فقد يروي المرء حديثا يسنده ثم يفتي به دون أن يسنده فليس شيء من هذا بمتدافع وإنما يتعلل بمثل هذا من لا ينصف ومن اتبع هواه والصحيح من ذلك أن كل ثقة فمصدق فيما نقل . فإذا أضاف عبدة وابن نمير القول إلى عائشة ، صدقا لعدالتهما . وإذا أضافه وكيع إلى هشام ، صدق أيضا لعدالته وكل صحيح وتكون عائشة قالته وهشام قاله .
قلت : هذه الطريقة هي اللائقة بظاهريته وظاهرية أمثاله ممن لا فقه له في علل الأحاديث كفقه الأئمة النقاد أطباء علله وأهل العناية بها ، وهؤلاء لا يلتفتون إلى قول من خالفهم ممن ليس له ذوقهم ومعرفتهم بل يقطعون بخطئه بمنزلة الصيارف النقاد الذين يميزون بين الجيد والرديء ولا يلتفتون إلى خطإ من لم يعرف ذلك .
ومن المعلوم أن عبدة وابن نمير لم يقولا في هذا الكلام قالت عائشة ، وإنما أدرجاه في الحديث إدراجا ، يحتمل أن يكون من كلامهما ، أو من كلام عروة أو من هشام ، فجاء وكيع ، ففصل وميز ومن فصل وميز فقد حفظ وأتقن ما أطلقه غيره نعم لو قال ابن نمير وعبدة : قالت عائشة ، وقال وكيع : قال هشام ، لساغ ما قال أبو محمد وكان موضع نظر وترجيح .
وأما كونهن تسعا وهي بقرة واحدة فهذا قد جاء بثلاثة ألفاظ أحدها أنها بقرة واحدة بينهن والثاني : أنه ضحى عنهن يومئذ بالبقرة والثالث دخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت ما هذا ؟ فقيل ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه
وقد اختلف الناس في عدد من تجزئ عنهم البدنة والبقرة فقيل سبعة وهو قول الشافعي ، وأحمد في المشهور عنه وقيل عشرة وهو قول إسحاق . وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم بينهم المغانم فعدل الجزور بعشر شياه
وثبت هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم ضحى عن نسائه وهن تسع ببقرة
وقد روى سفيان عن أبي الزبير عن جابر أنهم نحروا البدنة في حجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشرة وهو على شرط مسلم ولم يخرجه وإنما أخرج قوله خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج معنا النساء والولدان فلما قدمنا مكة ، طفنا بالبيت وبالصفا والمروة ، وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة .
وفي " المسند " : من حديث ابن عباس : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فحضر الأضحى ، فاشتركنا في البقرة سبعة وفي الجزور عشرة ورواه النسائي والترمذي ، وقال حسن غريب .
وفي " الصحيحين " عنه نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ، البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة
وقال حذيفة : شرك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته بين المسلمين في البقرة عن سبعة ذكره الإمام أحمد رحمه الله .
وهذه الأحاديث تخرج على أحد وجوه ثلاثة إما أن يقال أحاديث السبعة أكثر وأصح ، وإما أن يقال عدل البعير بعشرة من الغنم تقويم في الغنائم لأجل تعديل القسمة وأما كونه عن سبعة في الهدايا ، فهو تقدير شرعي ، وإما أن يقال إن ذلك يختلف باختلاف الأزمنة . والأمكنة والإبل ففي بعضها كان البعير يعدل عشر شياه فجعله عن عشرة وفي بعضها يعدل سبعة فجعله عن سبعة والله أعلم .
وقد قال أبو محمد : إنه ذبح عن نسائه بقرة للهدي وضحى عنهن ببقرة وضحى عن نفسه بكبشين ونحر عن نفسه ثلاثا وستين هديا ، وقد عرفت ما في ذلك من الوهم ولم تكن بقرة الضحية غير بقرة الهدي بل هي هي وهدي الحاج بمنزلة ضحية الآفاقي .
فصل [ مكة كلها منحر ومنى مناخ لمن سبق إليه ]
ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنحره بمنى ، وأعلمهم " أن منى كلها منحر وأن فجاج مكة طريق ومنحر " وفي هذا دليل على أن النحر لا يختص بمنى ، بل حيث نحر من فجاج مكة أجزأه كما أنه لما وقف بعرفة قال وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف ووقف بمزدلفة ، وقال وقفت ها هنا ومزدلفة كلها موقف وسئل صلى الله عليه وسلم أن يبنى له بمنى بناء يظله من الحر فقال لا ، منى مناخ لمن سبق إليه وفي هذا دليل على اشتراك المسلمين فيها ، وأن من سبق إلى مكان منها ، فهو أحق به حتى يرتحل عنه ولا يملكه بذلك .
فصل [ الحلق والتقصير ]
فلما أكمل رسول الله صلى الله عليه وسلم نحره استدعى بالحلاق فحلق رأسه فقال للحلاق - وهو معمر بن عبد الله وهو قائم على رأسه بالموسى ونظر في وجهه - وقال يا معمر أمكنك رسول الله صلى الله عليه وسلم من شحمة أذنه وفي يدك الموسى فقال معمر أما والله يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ذلك لمن نعمة الله علي ومنه . قال أجل إذا أقر لك ذكر ذلك الإمام أحمد رحمه الله . وقال البخاري في " صحيحه " وزعموا أن الذي حلق للنبي صلى الله عليه وسلم معمر بن عبد الله بن نضلة بن عوف انتهى .
فقال للحلاق خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ، فلما فرغ منه قسم شعره بين من يليه ثم أشار إلى الحلاق فحلق جانبه الأيسر ثم قال ها هنا أبو طلحة ؟ فدفعه إليه هكذا وقع في " صحيح مسلم " .
وفي " صحيح البخاري " : عن ابن سيرين ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره وهذا لا يناقض رواية مسلم ، لجواز أن يصيب أبا طلحة من الشق الأيمن مثل ما أصاب غيره ويختص بالشق الأيسر لكن قد روى مسلم في " صحيحه " أيضا من حديث أنس ، قال لما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه ثم دعا أبا طلحة الأنصاري ، فأعطاه إياه ثم ناوله الشق الأيسر فقال احلق . فحلقه فأعطاه أبا طلحة ، فقال اقسمه بين الناس
. ففي هذه الرواية كما ترى أن نصيب أبي طلحة كان الشق الأيمن وفي الأولى : أنه كان الأيسر . قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي ، رواه مسلم من رواية حفص بن غياث ، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع إلى أبي طلحة شعر شقه الأيسر ورواه من رواية سفيان بن عيينة ، عن هشام بن حسان ، أنه دفع إلى أبي طلحة شعر شقه الأيمن . قال ورواية ابن عون ، عن ابن سيرين أراها تقوي رواية سفيان والله أعلم .
قلت : يريد برواية ابن عون ، ما ذكرناه عن ابن سيرين ، من طريق البخاري ، وجعل الذي سبق إليه أبو طلحة ، هو الشق الذي اختص به . والله أعلم .
والذي يقوى أن نصيب أبي طلحة الذي اختص به كان الشق الأيسر وأنه صلى الله عليه وسلم عم ثم خص وهذه كانت سنته في عطائه وعلى هذا أكثر الروايات فإن في بعضها أنه قال للحلاق " خذ " وأشار إلى جانبه الأيمن ، فقسم شعره بين من يليه ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه فأعطاه أم سليم ولا يعارض هذا دفعه إلى أبي طلحة ، فإنها امرأته . وفي لفظ آخر فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس ثم قال بالأيسر فصنع به مثل ذلك ثم قال ها هنا أبو طلحة ؟ فدفعه إليه .
وفي لفظ ثالث دفع إلى أبي طلحة شعر شق رأسه الأيسر ثم قلم أظفاره وقسمها بين الناس .
وذكر الإمام أحمد رحمه الله من حديث محمد بن عبد الله بن زيد ، أن أباه حدثه أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم عند المنحر ورجل من قريش وهو يقسم أضاحي فلم يصبه شيء ولا صاحبه فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه في ثوبه فأعطاه فقسم منه على رجال وقلم أظفاره فأعطاه صاحبه قال فإنه عندنا مخضوب بالحناء والكتم يعني شعره ودعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا ، وللمقصرين مرة وحلق كثير من الصحابة بل أكثرهم وقصر بعضهم وهذا مع قوله تعالى : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين [ الفتح 27 ] ومع قول عائشة رضي الله عنها ، طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولإحلاله قبل أن يحل دليل على أن الحلق نسك وليس بإطلاق من محظور .
فصل [ ترجيح المصنف بأنه صلى الله عليه وسلم لم يطف غير طواف الإفاضة بعد إفاضته إلى مكة ]
ثم أفاض صلى الله عليه وسلم إلى مكة قبل الظهر راكبا ، فطاف طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة وهو طواف الصدر ولم يطف غيره ولم يسع معه هذا هو الصواب وقد خالف في ذلك ثلاث طوائف طائفة زعمت أنه طاف طوافين طوافا للقدوم سوى طواف الإفاضة ثم طاف للإفاضة وطائفة زعمت أنه سعى مع هذا الطواف لكونه كان قارنا ، وطائفة زعمت أنه لم يطف في ذلك اليوم وإنما أخر طواف الزيارة إلى الليل فنذكر الصواب في ذلك ونبين منشأ الغلط وبالله التوفيق .
قال الأثرم قلت لأبي عبد الله فإذا رجع أعني المتمتع كم يطوف ويسعى ؟ قال يطوف ويسعى لحجه ويطوف طوافا آخر للزيارة عاودناه في هذا غير مرة فثبت عليه .
قال الشيخ أبو محمد المقدسي في " المغني " : وكذلك الحكم في القارن والمفرد إذا لم يكونا أتيا مكة قبل يوم النحر ولا طافا للقدوم فإنهما يبدآن بطواف القدوم قبل طواف الزيارة نص عليه أحمد رحمه الله واحتج بما روت عائشة رضي الله عنها ، قالت فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت ، وبين الصفا والمروة ، ثم حلوا ، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا ، فحمل أحمد رحمه الله قول عائشة ، على أن طوافهم لحجهم هو طواف القدوم ، قال ولأنه قد ثبت أن طواف القدوم مشروع فلم يكن طواف الزيارة مسقطا له كتحية المسجد عند دخوله قبل التلبس بالصلاة المفروضة .
وقال الخرقي في " مختصره " وإن كان متمتعا ، فيطوف بالبيت سبعا وبالصفا والمروة سبعا كما فعل للعمرة ثم يعود فيطوف بالبيت طوافا ينوي به الزيارة وهو قوله تعالى : وليطوفوا بالبيت العتيق [ الحج : 29 ]
فمن قال إن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعا كالقاضي وأصحابه عندهم هكذا فعل والشيخ أبو محمد عنده أنه كان متمتعا التمتع الخاص ولكن لم يفعل هذا ، قال ولا أعلم أحدا وافق أبا عبد الله على هذا الطواف الذي ذكره الخرقي ، بل المشروع طواف واحد للزيارة كمن دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد ولأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه الذين تمتعوا معه في حجة الوداع ولا أمر النبي صلى الله عليه وسلم به أحدا ، قال وحديث عائشة دليل على هذا ، فإنها قالت طافوا طوافا واحدا بعد أن رجعوا من منى لحجهم وهذا هو طواف الزيارة ولم تذكر طوافا آخر . ولو كان هذا الذي ذكرته طواف القدوم ، لكانت قد أخلت بذكر طواف الزيارة الذي هو ركن الحج الذي لا يتم إلا به وذكرت ما يستغنى عنه وعلى كل حال فما ذكرت إلا طوافا واحدا ، فمن أين يستدل به على طوافين ؟
وأيضا ، فإنها لما حاضت فقرنت الحج إلى العمرة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن طافت للقدوم لم تطف للقدوم ولا أمرها به النبي صلى الله عليه وسلم ولأن طواف القدوم لو لم يسقط بالطواف الواجب لشرع في حق المعتمر طواف القدوم مع طواف العمرة لأنه أول قدومه إلى البيت ، فهو به أولى من المتمتع الذي يعود إلى البيت بعد رؤيته وطوافه به . انتهى كلامه .
قلت : لم يرفع كلام أبي محمد الإشكال وإن كان الذي أنكره هو الحق كما أنكره والصواب في إنكاره فإن أحدا لم يقل إن الصحابة لما رجعوا من عرفة ، طافوا للقدوم وسعوا ، ثم طافوا للإفاضة بعده ولا النبي صلى الله عليه وسلم هذا لم يقع قطعا ، ولكن كان منشأ الإشكال أن أم المؤمنين فرقت بين المتمتع والقارن فأخبرت أن القارنين طافوا بعد أن رجعوا من منى طوافا واحدا ، وأن الذين أهلوا بالعمرة طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وهذا غير طواف الزيارة قطعا ، فإنه يشترك فيه القارن والمتمتع فلا فرق بينهما فيه ولكن الشيخ أبا محمد ، لما رأى قولها في المتمتعين إنهم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى ، قال ليس في هذا ما يدل على أنهم طافوا طوافين والذي قاله حق ، ولكن لم يرفع الإشكال فقالت طائفة هذه الزيادة من كلام عروة أو ابنه هشام ، أدرجت في الحديث وهذا لا يتبين ولو كان فغايته أنه مرسل ولم يرتفع الإشكال عنه بالإرسال .
فالصواب أن الطواف الذي أخبرت به عائشة ، وفرقت به بين المتمتع والقارن هو الطواف بين الصفا والمروة ، لا الطواف بالبيت ، وزال الإشكال جملة فأخبرت عن القارنين أنهم اكتفوا بطواف واحد بينهما ، لم يضيفوا إليه طوافا آخر يوم النحر وهذا هو الحق ، وأخبرت عن المتمتعين أنهم طافوا بينهما طوافا آخر بعد الرجوع من منى للحج وذلك الأول كان للعمرة وهذا قول الجمهور وتنزيل الحديث على هذا موافق لحديثها الآخر وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم يسعك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك " ، وكانت قارنة يوافق قول الجمهور الصفا والمروة لحجك وعمرتك وكانت قارنة يوافق قول الجمهور .
ولكن يشكل عليه حديث جابر الذي رواه مسلم في " صحيحه " لم يطف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا ، طوافه الأول . هذا يوافق قول من يقول يكفي المتمتع سعي واحد كما هو إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله نص عليها في رواية ابنه عبد الله وغيره وعلى هذا ، فيقال عائشة أثبتت وجابر نفى ، والمثبت مقدم على النافي . أو يقال مراد جابر من قرن مع النبي صلى الله عليه وسلم وساق الهدي كأبي بكر وعمر وطلحة وعلي رضي الله عنهم وذوي اليسار فإنهم إنما سعوا سعيا واحدا . وليس المراد به عموم الصحابة أو يعلل حديث عائشة ، بأن تلك الزيادة فيه مدرجة من قول هشام وهذه ثلاث طرق للناس في حديثها والله أعلم .
[ رد القول بالطواف والسعي للقدوم بعد إحرام المتمتع بالحج من مكة ]
وأما من قال المتمتع يطوف ويسعى للقدوم بعد إحرامه بالحج قبل خروجه إلى منى ، وهو قول أصحاب الشافعي ، ولا أدري أهو منصوص عنه أم لا ؟ قال أبو محمد فهذا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة ألبتة ولا أمرهم به ولا نقله أحد ، قال ابن عباس لا أرى لأهل مكة أن يطوفوا ، ولا أن يسعوا بين الصفا والمروة بعد إحرامهم بالحج حتى يرجعوا من منى . وعلى قول ابن عباس قول الجمهور ومالك ، وأحمد ، وأبي حنيفة وإسحاق وغيرهم .
والذين استحبوه قالوا : لما أحرم بالحج صار كالقادم فيطوف ويسعى للقدوم . قالوا : ولأن الطواف الأول وقع عن العمرة فيبقى طواف القدوم ، ولم يأت به فاستحب له فعله عقيب الإحرام بالحج وهاتان الحجتان واهيتان فإنه إنما كان قارنا لما طاف للعمرة فكان طوافه للعمرة مغنيا عن طواف القدوم ، كمن دخل المسجد فرأى الصلاة قائمة فدخل فيها ، فقامت مقام تحية المسجد وأغنته عنها .
وأيضا فإن الصحابة لما أحرموا بالحج مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يطوفوا عقيبه وكان أكثرهم متمتعا . وروى محمد بن الحسن ، عن أبي حنيفة ، أنه إن أحرم يوم التروية قبل الزوال طاف وسعى للقدوم وإن أحرم بعد الزوال لم يطف وفرق بين الوقتين بأنه بعد الزوال يخرج من فوره إلى منى ، فلا يشتغل عن الخروج بغيره وقبل الزوال لا يخرج فيطوف . وقول ابن عباس والجمهور هو الصحيح الموافق لعمل الصحابة وبالله التوفيق .
افتراضي
فصل [ الرد على من قال إن القارن يحتاج إلى سعيين ]
والطائفة الثانية قالت إنه صلى الله عليه وسلم سعى مع هذا الطواف وقالوا : هذا حجة في أن القارن يحتاج إلى سعيين كما يحتاج إلى طوافين وهذا غلط عليه كما تقدم والصواب أنه لم يسع إلا سعيه الأول كما قالته عائشة ، وجابر ، ولم يصح عنه في السعيين حرف واحد بل كلها باطلة كما تقدم فعليك بمراجعته .
والطائفة الثالثة الذين قالوا : أخر طواف الزيارة إلى الليل وهم طاووس ، ومجاهد ، وعروة ، ففي " سنن أبي داود " ، والنسائي ، وابن ماجه ، من حديث أبي الزبير المكي ، عن عائشة وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر طوافه يوم النحر إلى الليل
وفي لفظ طواف الزيارة قال الترمذي : حديث حسن . وهذا الحديث غلط بين خلاف المعلوم من فعله صلى الله عليه وسلم الذي لا يشك فيه أهل العلم بحجته صلى الله عليه وسلم فنحن نذكر كلام الناس فيه قال الترمذي في كتاب " العلل " له سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث وقلت له أسمع أبو الزبير من عائشة وابن عباس ؟ قال أما من ابن عباس ، فنعم وفي سماعه من عائشة نظر .
وقال أبو الحسن القطان : عندي أن هذا الحديث ليس بصحيح إنما طاف النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ نهارا ، وإنما اختلفوا : هل صلى الظهر بمكة أو رجع إلى منى ، فصلى الظهر بها بعد أن فرغ من طوافه ؟ فابن عمر يقول إنه رجع إلى منى ، فصلى الظهر بها ، وجابر يقول : إنه صلى الظهر بمكة ، وهو ظاهر حديث عائشة من غير رواية أبي الزبير هذه التي فيها أنه أخر الطواف إلى الليل وهذا شيء لم يرو إلا من هذا الطريق وأبو الزبير مدلس لم يذكر ها هنا سماعا من عائشة وقد عهد أنه يروي عنها بواسطة ولا عن ابن عباس أيضا ، فقد عهد كذلك أنه يروي عنه بواسطة وإن كان قد سمع منه فيجب التوقف فيما يرويه أبو الزبير عن عائشة وابن عباس مما لا يذكر فيه سماعه منهما ، لما عرف به من التدليس لو عرف سماعه منها لغير هذا ، فأما ولم يصح لنا أنه سمع من عائشة فالأمر بين في وجوب التوقف فيه وإنما يختلف العلماء في قبول حديث المدلس إذا كان عمن قد علم لقاؤه له وسماعه منه ها هنا .
يقول قوم يقبل ويقول آخرون يرد ما يعنعنه عنهم حتى يتبين الاتصال في حديث حديث وأما ما يعنعنه المدلس عمن لم يعلم لقاؤه له ولا سماعه منه فلا أعلم الخلاف فيه بأنه لا يقبل .
ولو كنا نقول بقول مسلم بأن معنعن المتعاصرين محمول على الاتصال ولو لم يعلم التقاؤهما ، فإنما ذلك في غير المدلسين .
وأيضا فلما قدمناه من صحة طواف النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ نهارا . والخلاف في رد حديث المدلسين حتى يعلم اتصاله أو قبوله حتى يعلم انقطاعه إنما هو إذا لم يعارضه ما لا شك في صحته وهذا قد عارضه ما لا شك في صحته . انتهى كلامه .
ويدل على غلط أبي الزبير على عائشة أن أبا سلمة بن عبد الرحمن روى عن عائشة أنها قالت حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر
وروى محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه فزاروا البيت يوم النحر ظهيرة وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه ليلا وهذا غلط أيضا .
قال البيهقي : وأصح هذه الروايات حديث نافع عن ابن عمر وحديث جابر وحديث أبي سلمة عن عائشة يعني : أنه طاف نهارا . قلت إنما نشأ الغلط من تسمية الطواف فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخر طواف الوداع إلى الليل كما ثبت في " الصحيحين " من حديث عائشة . قالت خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم . .. فذكرت الحديث إلى أن قالت فنزلنا المحصب ، فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر ، فقال اخرج بأختك من الحرم ، ثم افرغا من طوافكما ، ثم ائتياني ها هنا بالمحصب . قالت فقضى الله العمرة وفرغنا من طوافنا في جوف الليل فأتيناه بالمحصب فقال " فرغتما " ؟ قلنا : نعم . فأذن في الناس بالرحيل فمر بالبيت فطاف به ثم ارتحل متوجها إلى المدينة . فهذا هو الطواف الذي أخره إلى الليل بلا ريب فغلط فيه أبو الزبير أو من حدثه به وقال طواف الزيارة والله الموفق .
ولم يرمل صلى الله عليه وسلم في هذا الطواف ولا في طواف الوداع وإنما رمل في طواف القدوم
فصل [ تعليل شربه صلى الله عليه وسلم قائما ]
ثم أتى زمزم بعد أن قضى طوافه وهم يسقون فقال " لولا أن يغلبكم الناس لنزلت فسقيت معكم " ، ثم ناولوه الدلو فشرب وهو قائم فقيل هذا نسخ لنهيه عن الشرب قائما ، وقيل بل بيان منه أن النهي على وجه الاختيار وترك الأولى ، وقيل بل للحاجة وهذا أظهر .
[ طاف صلى الله عليه وسلم طواف الإفاضة على راحلته ]
وهل كان في طوافه هذا راكبا أو ماشيا ؟ فروى مسلم في " صحيحه " ، عن جابر قال طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الركن بمحجنه لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه
وفي " الصحيحين " ، عن ابن عباس قال طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن وهذا الطواف ليس بطواف الوداع فإنه كان ليلا ، وليس بطواف القدوم لوجهين .
أحدهما : أنه قد صح عنه الرمل في طواف القدوم ، ولم يقل أحد قط : رملت به راحلته وإنما قالوا : رمل نفسه .
والثاني : قول الشريد بن سويد : أفضت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعا وهذا ظاهره أنه من حين أفاض معه ما مست قدماه الأرض إلى أن رجع ولا ينتقض هذا بركعتي الطواف فإن شأنهما معلوم . قلت : والظاهر أن الشريد بن سويد ، إنما أراد الإفاضة معه من عرفة ، ولهذا قال حتى أتى جمعا وهي مزدلفة ، ولم يرد الإفاضة إلى البيت يوم النحر ولا ينتقض هذا بنزوله عند الشعب حين بال ثم ركب لأنه ليس بنزول مستقر وإنما مست قدماه الأرض مسا عارضا . والله أعلم .
فصل [ أين صلى صلى الله عليه وسلم الظهر حين رجوعه إلى منى ]
ثم رجع إلى منى ، واختلف أين صلى الظهر يومئذ ففي " الصحيحين " : عن ابن عمر ، أنه صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى .
وفي " صحيح مسلم " : عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بمكة وكذلك قالت عائشة . واختلف في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر فقال أبو محمد ابن حزم
قول عائشة وجابر أولى وتبعه على هذا جماعة ورجحوا هذا القول بوجوه .
أحدها : أنه رواية اثنين وهما أولى من الواحد .
الثاني : أن عائشة أخص الناس به صلى الله عليه وسلم ولها من القرب والاختصاص به والمزية ما ليس لغيرها .
الثالث أن سياق جابر لحجة النبي صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها ، أتم سياق وقد حفظ القصة وضبطها ، حتى ضبط جزئياتها . حتى ضبط منها أمرا لا يتعلق بالمناسك وهو نزول النبي صلى الله عليه وسلم ليلة جمع في الطريق فقضى حاجته عند الشعب ثم توضأ وضوءا خفيفا ، فمن ضبط هذا القدر فهو بضبط مكان صلاته يوم النحر أولى .
الرابع أن حجة الوداع كانت في آذار وهو تساوي الليل والنهار وقد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى ، وخطب بها الناس ونحر بدنا عظيمة وقسمها ، وطبخ له من لحمها ، وأكل منه ورمى الجمرة وحلق رأسه وتطيب ثم أفاض فطاف وشرب من ماء زمزم ، ومن نبيذ السقاية ووقف عليهم وهم يسقون وهذه أعمال تبدو في الأظهر أنها لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع إلى منى ، بحيث يدرك وقت الظهر في فصل آذار .
الخامس أن هذين الحديثين جاريان مجرى الناقل والمبقي ، فقد كانت عادته صلى الله عليه وسلم في حجته الصلاة في منزله الذي هو نازل فيه بالمسلمين فجرى ابن عمر على العادة وضبط جابر وعائشة رضي الله عنهما الأمر الذي هو خارج عن عادته فهو أولى بأن يكون هو المحفوظ . ورجحت طائفة أخرى قول ابن عمر لوجوه .
أحدها : أنه لو صلى الظهر بمكة ، لم تصل الصحابة بمنى وحدانا وزرافات بل لم يكن لهم بد من الصلاة خلف إمام يكون نائبا عنه ولم ينقل هذا أحد قط ، ولا يقول أحد : إنه استناب من يصلي بهم ولولا علمه أنه يرجع إليهم فيصلي بهم . لقال إن حضرت الصلاة ولست عندكم فليصل بكم فلان وحيث لم يقع هذا ولا هذا ، ولا صلى الصحابة هناك وحدانا قطعا ، ولا كان من عادتهم إذا اجتمعوا أن يصلوا عزين علم أنهم صلوا معه على عادتهم .
الثاني : أنه لو صلى بمكة لكان خلفه بعض أهل البلد وهم مقيمون وكان يأمرهم أن يتموا صلاتهم ولم ينقل أنهم قاموا فأتموا بعد سلامه صلاتهم وحيث لم ينقل هذا ولا هذا ، بل هو معلوم الانتفاء قطعا ، علم أنه لم يصل حينئذ بمكة . وما ينقله بعض من لا علم عنده أنه قال يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر فإنما قاله عام الفتح لا في حجته .
الثالث أنه من المعلوم أنه لما طاف ركع ركعتي الطواف ومعلوم أن كثيرا من المسلمين كانوا خلفه يقتدون به في أفعاله ومناسكه فلعله لما ركع ركعتي الطواف والناس خلفه يقتدون به ظن الظان أنها صلاة الظهر ولا سيما إذا كان ذلك في وقت الظهر وهذا الوهم لا يمكن رفع احتماله بخلاف صلاته بمنى ، فإنها لا تحتمل غير الفرض .
الرابع أنه لا يحفظ عنه في حجه أنه صلى الفرض بجوف مكة ، بل إنما كان يصلي بمنزله ب الأبطح بالمسلمين مدة مقامه كان يصلي بهم أين نزلوا لا يصلي في مكان آخر غير المنزل العام .
الخامس أن حديث ابن عمر متفق عليه وحديث جابر من أفراد مسلم . فحديث ابن عمر أصح منه وكذلك هو في إسناده فإن رواته أحفظ وأشهر وأتقن فأين يقع حاتم بن إسماعيل من عبيد الله بن عمر العمري ، وأين يقع حفظ جعفر من حفظ نافع ؟
السادس أن حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه فروي عنها على ثلاثة أوجه أحدها : أنه طاف نهارا ، الثاني : أنه أخر الطواف إلى الليل الثالث أنه أفاض من آخر يومه فلم يضبط فيه وقت الإفاضة ولا مكان الصلاة بخلاف حديث ابن عمر .
السابع أن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع فإن حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه عنها ، وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به ولم يصرح بالسماع بل عنعنه فكيف يقدم على قول عبيد الله حدثني نافع عن ابن عمر .
الثامن أن حديث عائشة ليس بالبين أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بمكة ، فإن لفظه هكذا : أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى ، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات . فأين دلالة هذا الحديث الصريحة على أنه صلى الظهر يومئذ بمكة وأين هذا في صريح الدلالة إلى قول ابن عمر أفاض يوم النحر ثم صلى الظهر بمنى ، يعني راجعا . وأين حديث اتفق أصحاب الصحيح على إخراجه إلى حديث اختلف في الاحتجاج به . والله أعلم .
فصل [ ذكر طواف أم سلمة ]
قال ابن حزم وطافت أم سلمة في ذلك اليوم على بعيرها من وراء الناس وهي شاكية استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم فأذن لها ، واحتج عليه بما رواه مسلم في " صحيحه " من حديث زينب بنت أم سلمة ، عن أم سلمة قالت شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أني أشتكي ، فقال " طوفي من وراء الناس وأنت راكبة " قالت فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ والطور وكتاب مسطور ولا يتبين أن هذا الطواف هو طواف الإفاضة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأ في ركعتي ذلك الطواف بالطور ولا جهر بالقراءة بالنهار بحيث تسمعه أم سلمة من وراء الناس وقد بين أبو محمد غلط من قال إنه أخره إلى الليل فأصاب في ذلك .
وقد صح من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل بأم سلمة ليلة النحر ، فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت فكيف يلتئم هذا مع طوافها يوم النحر وراء الناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانب البيت يصلي ويقرأ في صلاته والطور وكتاب مسطور ؟ هذا من المحال فإن هذه الصلاة والقراءة كانت في صلاة الفجر أو المغرب أو العشاء وأما أنها كانت يوم النحر ولم يكن ذلك الوقت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قطعا ، فهذا من وهمه رحمه الله .
[طواف عائشة ]
فطافت عائشة في ذلك اليوم طوافا واحدا ، وسعت سعيا واحدا أجزأها عن حجها وعمرتها ، وطافت صفية ذلك اليوم ثم حاضت فأجزأها طوافها ذلك عن طواف الوداع ولم تودع فاستقرت سنته صلى الله عليه وسلم في المرأة الطاهرة إذا حاضت قبل الطواف - أو قبل الوقوف - أن تقرن وتكتفي بطواف واحد وسعي واحد وإن حاضت بعد طواف الإفاضة اجتزأت به عن طواف الوداع
فصل [ رمي الجمار ]
ثم رجع صلى الله عليه وسلم إلى منى من يومه ذلك فبات بها ، فلما أصبح انتظر زوال الشمس فلما زالت مشى من رحله إلى الجمار ولم يركب فبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف ، فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة يقول مع كل حصاة " الله أكبر " ، ثم تقدم على الجمرة أمامها حتى أسهل فقام مستقبل القبلة ثم رفع يديه ودعا دعاء طويلا بقدر سورة البقرة ثم أتى إلى الجمرة الوسطى ، فرماها كذلك ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو قريبا من وقوفه الأول ثم أتى الجمرة الثالثة وهي جمرة العقبة ، فاستبطن الوادي واستعرض الجمرة فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه فرماها بسبع حصيات كذلك .
[ التعليل لترك الدعاء بعد العقبة ]
ولم يرمها من أعلاها كما يفعل الجهال ولا جعلها عن يمينه واستقبل البيت وقت الرمي كما ذكره غير واحد من الفقهاء . فلما أكمل الرمي رجع من فوره ولم يقف عندها ، فقيل لضيق المكان بالجبل وقيل وهو أصح : إن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها ، فلما رمى جمرة العقبة ، فرغ الرمي والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها ، وهذا كما كانت سنته في دعائه في الصلاة إذ كان يدعو في صلبها ، فأما بعد الفراغ منها ، فلم يثبت عنه أنه كان يعتاد الدعاء ومن روى عنه ذلك فقد غلط عليه وإن روي في غير الصحيح أنه كان أحيانا يدعو بدعاء عارض بعد السلام وفي صحته نظر .
وبالجملة فلا ريب أن عامة أدعيته التي كان يدعو بها ، وعلمها الصديق إنما هي في صلب الصلاة وأما حديث معاذ بن جبل : لا تنس أن تقول دبر كل صلاة : اللهم أعني على ذكرك وشكرك ، وحسن عبادتك فدبر الصلاة يراد به آخرها قبل السلام منها ، كدبر الحيوان ويراد به ما بعد السلام كقوله تسبحون الله وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة الحديث . والله أعلم .
فصل [ ميل المصنف بأنه صلى الله عليه وسلم رمى قبل الصلاة ]
ولم يزل في نفسي ، هل كان يرمي قبل صلاة الظهر أو بعدها ؟ والذي يغلب على الظن أنه كانه يرمي قبل الصلاة ثم يرجع فيصلي ، لأن جابرا وغيره قالوا : كان يرمي إذا زالت الشمس فعقبوا زوال الشمس برميه . وأيضا ، فإن وقت الزوال للرمي أيام منى ، كطلوع الشمس لرمي يوم النحر والنبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر لما دخل وقت الرمي لم يقدم عليه شيئا من عبادات ذلك اليوم وأيضا فإن الترمذي وابن ماجه ، رويا في " سننهما " عن ابن عباس رضي الله عنهما : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمار إذا زالت الشمس زاد ابن ماجه : قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر . وقال الترمذي : حديث حسن ولكن في إسناد حديث الترمذي الحجاج بن أرطاة ، وفي إسناد حديث ابن ماجه إبراهيم بن عثمان أبو شيبة ولا يحتج به ولكن ليس في الباب غير هذا .
وذكر الإمام أحمد أنه كان يرمي يوم النحر راكبا ، وأيام منى ماشيا في ذهابه ورجوعه .
فصل [ وقفات الدعاء في الحج ]
فقد تضمنت حجته صلى الله عليه وسلم ست وقفات للدعاء .
الموقف الأول على الصفا ، والثاني : على المروة ، والثالث بعرفة ، والرابع بمزدلفة ، والخامس عند الجمرة الأولى ، والسادس عند الجمرة الثانية .
فصل [ خطبتا منى ]
وخطب صلى الله عليه وسلم الناس بمنى خطبتين خطبة يوم النحر وقد تقدمت والخطبة الثانية في أوسط أيام التشريق فقيل هو ثاني يوم النحر وهو أوسطها ، أي خيارها ، واحتج من قال ذلك بحديث سراء بنت نبهان ، قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أتدرون أي يوم هذا ؟ قالت وهو اليوم الذي تدعون يوم الرءوس . قالوا : الله ورسوله أعلم قال هذا أوسط أيام التشريق . هل تدرون أي بلد هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال هذا المشعر الحرام . ثم قال : إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ، ألا وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم ألا هل بلغت " فلما قدمنا المدينة ، لم يلبث إلا قليلا حتى مات صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود ويوم الرءوس هو ثاني يوم النحر بالاتفاق .
وذكر البيهقي ، من حديث موسى بن عيدة الربذي ، عن صدقة بن يسار عن ابن عمر ، قال أنزلت هذه السورة إذا جاء نصر الله والفتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق وعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت واجتمع الناس فقال " يا أيها الناس " ثم ذكر الحديث في خطبته .
فصل [ ترخيصه صلى الله عليه وسلم لمن له عذر بالمبيت خارج منى وبجمع رمي يومين بعد يوم النحر في أحدهما ]
واستأذنه العباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له . واستأذنه رعاء الإبل في البيتوتة خارج منى عند الإبل فأرخص لهم أن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر يرمونه في أحدهما .
قال مالك : ظننت أنه قال في أول يوم منهما ، ثم يرمون يوم النفر .
وقال ابن عيينة في هذا الحديث رخص للرعاء أن يرموا يوما ، ويدعوا يوما فيجوز للطائفتين بالسنة ترك المبيت بمنى ، وأما الرمي فإنهم لا يتركونه بل لهم أن يؤخروه إلى الليل فيرمون فيه ولهم أن يجمعوا رمي يومين في يوم وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد رخص لأهل السقاية وللرعاء في البيتوتة فمن له مال يخاف ضياعه أو مريض يخاف من تخلفه عنه أو كان مريضا لا تمكنه البيتوتة سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء والله أعلم .
فصل [ أين لقي صلى الله عليه وسلم عائشة بعد رجوعها من عمرة التنعيم ]
ولم يتعجل صلى الله عليه وسلم في يومين بل تأخر حتى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة وأفاض يوم الثلاثاء بعد الظهر إلى المحصب ، وهو الأبطح ، وهو خيف بني كنانة ، فوجد أبا رافع قد ضرب له فيه قبة هناك وكان على ثقله توفيقا من الله عز وجل دون أن يأمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة ثم نهض إلى مكة ، فطاف للوداع ليلا سحرا ، ولم يرمل في هذا الطواف ، وأخبرته صفية أنها حائض فقال " أحابستنا هي ؟ " فقالوا له إنها قد أفاضت قال " فلتنفر إذا " ورغبت إليه عائشة تلك الليلة أن يعمرها عمرة مفردة فأخبرها أن طوافها بالبيت وبالصفا والمروة قد أجزأ عن حجها وعمرتها ، فأبت إلا أن تعتمر عمرة مفردة فأمر أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم ، ففرغت من عمرتها ليلا ثم وافت المحصب مع أخيها ، فأتيا في جوف الليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فرغتما " ؟ قالت نعم فنادى بالرحيل في أصحابه فارتحل الناس ثم طاف بالبيت قبل صلاة الصبح . هذا لفظ البخاري .
فإن قيل كيف تجمعون بين هذا ، وبين حديث الأسود عنها الذي في " الصحيح " أيضا ؟ قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم نر إلا الحج . . . فذكرت الحديث وفيه فلما كانت ليلة الحصبة قلت يا رسول الله يرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع أنا بحجة ؟ قال أوما كنت طفت ليالي قدمنا مكة ؟ قالت قلت لا . قال " فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم ، فأهلي بعمرة ثم موعدك مكان كذا وكذا " ، قالت عائشة فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مصعد من مكة ، وأنا منهبطة عليها ، أو أنا مصعدة وهو منهبط منها
ففي هذا الحديث أنهما تلاقيا في الطريق وفي الأول أنه انتظرها في منزله فلما جاءت نادى بالرحيل في أصحابه . ثم فيه إشكال آخر وهو قولها : لقيني وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها ، أو بالعكس فإن كان الأول فيكون قد لقيها مصعدا منها راجعا إلى المدينة ، وهي منهبطة عليها للعمرة وهذا ينافي انتظاره لها بالمحصب .
قال أبو محمد ابن حزم : الصواب الذي لا شك فيه أنها كانت مصعدة من مكة ، وهو منهبط لأنها تقدمت إلى العمرة وانتظرها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءت ثم نهض إلى طواف الوداع فلقيها منصرفة إلى المحصب عن مكة ، وهذا لا يصح ، فإنها قالت وهو منهبط منها ، وهذا يقتضي أن يكون بعد المحصب ، والخروج من مكة ، فكيف يقول أبو محمد : إنه نهض إلى طواف الوداع وهو منهبط من مكة ؟ هذا محال .
وأبو محمد ، لم يحج . وحديث القاسم عنها صريح كما تقدم في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم . انتظرها في منزله بعد النفر حتى جاءت فارتحل وأذن في الناس بالرحيل فإن كان حديث الأسود هذا محفوظا ، فصوابه لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مصعدة من مكة ، وهو منهبط إليها ، فإنها طافت وقضت عمرتها ، ثم أصعدت لميعاده فوافته قد أخذ في الهبوط إلى مكة للوداع فارتحل وأذن في الناس بالرحيل ولا وجه لحديث الأسود غير هذا ، وقد جمع بينهما بجمعين آخرين وهما وهم .
أحدهما : أنه طاف للوداع مرتين مرة بعد أن بعثها ، وقبل فراغها ، ومرة بعد فراغها للوداع وهذا مع أنه وهم بين فإنه لا يرفع الإشكال بل يزيده فتأمله .
الثاني : أنه انتقل من المحصب إلى ظهر العقبة خوف المشقة على المسلمين في التحصيب فلقيته وهي منهبطة إلى مكة ، وهو مصعد إلى العقبة ، وهذا أقبح من الأول لأنه صلى الله عليه وسلم لم يخرج من العقبة أصلا ، وإنما خرج من أسفل مكة من الثنية السفلى بالاتفاق . وأيضا : فعلى تقدير ذلك لا يحصل الجمع بين الحديثين .
وذكر أبو محمد ابن حزم أنه رجع بعد خروجه من أسفل مكة إلى المحصب ، وأمر بالرحيل وهذا وهم أيضا ، لم يرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وداعه إلى المحصب ، وإنما مر من فوره إلى المدينة .
وذكر في بعض تآليفه أنه فعل ذلك ليكون كالمحلق على مكة بدائرة في دخوله وخروجه فإنه بات بذي طوى ، ثم دخل من أعلى مكة ، ثم خرج من أسفلها ، ثم رجع إلى المحصب ، ويكون هذا الرجوع من يماني مكة حتى تحصل الدائرة فإنه صلى الله عليه وسلم لما جاء نزل بذي طوى ، ثم أتى مكة من كداء ، ثم نزل به لما فرغ من الطواف ثم لما فرغ من جميع النسك نزل به ثم خرج من أسفل مكة وأخذ من يمينها حتى أتى المحصب ، ويحمل أمره بالرحيل ثانيا على أنه لقي في رجوعه ذلك إلى المحصب قوما لم يرحلوا ، فأمرهم بالرحيل وتوجه من فوره ذلك إلى المدينة .
ولقد شان أبو محمد نفسه وكتابه بهذا الهذيان البارد السمج الذي يضحك منه ولولا التنبيه على أغلاط من غلط عليه صلى الله عليه وسلم لرغبنا عن ذكر مثل هذا الكلام . والذي كأنك تراه من فعله أنه نزل بالمحصب وصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة ثم نهض إلى مكة ، وطاف بها طواف الوداع ليلا ، ثم خرج من أسفلها إلى المدينة ، ولم يرجع إلى المحصب ، ولا دار دائرة ففي " صحيح البخاري " : عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب ، والعشاء ورقد رقدة بالمحصب ثم ركب إلى البيت وطاف به
وفي " الصحيحين " : عن عائشة خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت الحديث ثم قالت حين قضى الله الحج ونفرنا من منى ، فنزلنا بالمحصب فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال له " اخرج بأختك من الحرم ، ثم افرغا من طوافكما ، ثم ائتياني ها هنا بالمحصب " . قالت فقضى الله العمرة وفرغنا من طوافنا في جوف الليل فأتيناه بالمحصب . فقال فرغتما ؟ قلنا : نعم . فأذن في الناس بالرحيل فمر بالبيت فطاف به ثم ارتحل متوجها إلى المدينة
فهذا من أصح حديث على وجه الأرض وأدله على فساد ما ذكره ابن حزم وغيره من تلك التقديرات التي لم يقع شيء منها ، ودليل على أن حديث الأسود غير محفوظ ، وإن كان محفوظا ، فلا وجه له غير ما ذكرنا وبالله التوفيق .
فصل [ هل وقف صلى الله عليه وسلم في الملتزم بعد الوداع ]
وأما المسألة الثانية وهي وقوفه في الملتزم ، فالذي روي عنه أنه فعله يوم الفتح ففي " سنن أبي داود " ، عن عبد الرحمن بن أبي صفوان ، قال لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، انطلقت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج من الكعبة هو وأصحابه وقد استلموا الركن من الباب إلى الحطيم ، ووضعوا خدودهم على البيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطهم .
وروى أبو داود أيضا : من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده قال طفت مع عبد الله فلما حاذى دبر الكعبة قلت ألا تتعوذ ؟ قال
نعوذ بالله من النار ، ثم مضى حتى استلم الحجر ، فقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه هكذا ، وبسطهما بسطا ، وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله
فهذا يحتمل أن يكون في وقت الوداع وأن يكون في غيره ولكن قال مجاهد والشافعي بعده وغيرهما : إنه يستحب أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع ويدعو ، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يلتزم ما بين الركن والباب وكان يقول لا يلتزم ما بينهما أحد يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه والله أعلم .
فصل [ أين صلى صلى الله عليه وسلم الصبح ليلة الوداع ؟]
وأما المسألة الثالثة وهي موضع صلاته صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح صبيحة ليلة الوداع ففي " الصحيحين " : عن أم سلمة ، قالت شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي ، فقال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة . قالت فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ ب والطور وكتاب مسطور فهذا يحتمل أن يكون في الفجر وفي غيرها ، وأن يكون في طواف الوداع وغيره فنظرنا في ذلك فإذا البخاري قد روى في " صحيحه " في هذه القصة أنه صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت صلاة الصبح ، فطوفي على بعيرك والناس يصلون ففعلت ذلك فلم تصل حتى خرجت وهذا محال قطعا أن يكون يوم النحر فهو طواف الوداع بلا ريب فظهر أنه صلى الصبح يومئذ عند البيت وسمعته أم سلمة يقرأ فيها بالطور .
فصل [ ارتحاله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ]
ثم ارتحل صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة ، فلما كان بالروحاء ، لقي ركبا ، فسلم عليهم وقال من القوم ؟ فقالوا : المسلمون قالوا : فمن القوم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفعت امرأة صبيا لها من محفتها ، فقالت يا رسول الله ؟ ألهذا حج ؟ قال نعم ولك أجر
فلما أتى ذا الحليفة ، بات بها ، فلما رأى المدينة ، كبر ثلاث مرات وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دخلها نهارا من طريق المعرس ، وخرج من طريق الشجرة والله أعلم .
فصل في الأوهام
[ وهم ابن حزم في قوله إنه صلى الله عليه وسلم أعلم الناس وقت خروجه أن عمرة في رمضان تعدل حجة ]
فمنها : وهم لأبي محمد ابن حزم في حجة الوداع حيث قال إن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس وقت خروجه أن عمرة في رمضان تعدل حجة وهذا وهم ظاهر فإنه إنما قال ذلك بعد رجوعه إلى المدينة من حجته إذ قال لأم سنان الأنصارية : ما منعك أن تكوني حججت معنا ؟ قالت لم يكن لنا إلا ناضحان فحج أبو ولدي وابني على ناضح وترك لنا ناضحا ننضح عليه . قال فإذا جاء رمضان فاعتمري ، فإن عمرة في رمضان تقضي حجة هكذا رواه مسلم في " صحيحه " .
وكذلك أيضا قال هذا لأم معقل بعد رجوعه إلى المدينة ، كما رواه أبو داود ، من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن جدته أم معقل ، قالت لما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وكان لنا جمل فجعله أبو معقل في سبيل الله فأصابنا مرض فهلك أبو معقل ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من حجه جئته فقال ما منعك أن تخرجي معنا " ؟ فقالت لقد تهيأنا ، فهلك أبو معقل ، وكان لنا جمل وهو الذي نحج عليه فأوصى به أبو معقل في سبيل الله . قال" فهلا خرجت عليه ؟ فإن الحج في سبيل الله فأما إذ فاتتك هذه الحجة معنا فاعتمري في رمضان فإنها كحجة
فصل
ومنها وهم آخر له وهو أن خروجه كان يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة وقد تقدم أنه خرج لخمس وأن خروجه كان يوم السبت .
فصل [ وهم محب الدين الطبري بقوله خرج صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة بعد الصلاة ]
ومنها وهم آخر لبعضهم ذكر الطبري في " حجة الوداع " أنه خرج يوم الجمعة بعد الصلاة . والذي حمله على هذا الوهم القبيح قوله في الحديث خرج لست بقين فظن أن هذا لا يمكن إلا أن يكون الخروج يوم الجمعة إذ تمام الست يوم الأربعاء وأول ذي الحجة كان يوم الخميس بلا ريب وهذا خطأ فاحش فإنه من المعلوم الذي لا ريب فيه أنه صلى الظهر يوم خروجه بالمدينة أربعا ، والعصر بذي الحليفة ركعتين ثبت ذلك في " الصحيحين " .
وحكى الطبري في حجته قولا ثالثا : إن خروجه كان يوم السبت وهو اختيار الواقدي ، وهو القول الذي رجحناه أولا ، لكن الواقدي ، وهم في ذلك ثلاثة أوهام أحدها : أنه زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم خروجه الظهر بذي الحليفة ركعتين الوهم الثاني : أنه أحرم ذلك اليوم عقيب صلاة الظهر وإنما أحرم من الغد بعد أن بات بذي الحليفة الوهم الثالث أن الوقفة كانت يوم السبت وهذا لم يقله غيره وهو وهم بين .
فصل [ وهم القاضي عياض أنه صلى الله عليه وسلم تطيب قبل غسله ثم غسل الطيب عنه لما اغتسل ]
ومنها وهم للقاضي عياض رحمه الله وغيره أنه صلى الله عليه وسلم تطيب هناك قبل غسله ثم غسل الطيب عنه لما اغتسل .
ومنشأ هذا الوهم من سياق ما وقع في " صحيح مسلم " في حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طاف على نسائه بعد ذلك ، ثم أصبح محرما
والذي يرد هذا الوهم قولها : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه وقولها : كأني أنظر إلى وبيص الطيب أي بريقه في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم وفي لفظ وهو يلبي بعد ثلاث من إحرامه وفي لفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم تطيب بأطيب ما يجد ثم أرى وبيص الطيب في رأسه ولحيته بعد ذلك وكل هذه الألفاظ ألفاظ الصحيح
وأما الحديث الذي احتج به فإنه حديث إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، عن أبيه عنها : كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يطوف على نسائه ثم يصبح محرما وهذا ليس فيه ما يمنع الطيب الثاني عند إحرامه .
فصل
[ وهم ابن حزم أنه صلى الله عليه وسلم أحرم قبل الظهر ]
ومنها : وهم آخر لأبي محمد ابن حزم أنه صلى الله عليه وسلم أحرم قبل الظهر وهو وهم ظاهر لم ينقل في شيء من الأحاديث وإنما أهل عقيب صلاة الظهر في موضع مصلاه ثم ركب ناقته واستوت به على البيداء وهو يهل ، وهذا يقينا كان بعد صلاة الظهر والله أعلم .
فصل [ وهم ابن حزم أنه صلى الله عليه وسلم ساق الهدي مع نفسه وكان هدي تطوع]
ومنها وهم آخر له وهو قوله وساق الهدي مع نفسه وكان هدي تطوع وهذا بناء منه على أصله الذي انفرد به عن الأئمة أن القارن لا يلزمه هدي وإنما يلزم المتمتع وقد تقدم بطلان هذا القول .
فصل
ومنها : وهم آخر لمن قال إنه لم يعين في إحرامه نسكا ، بل أطلقه ووهم من قال إنه عين عمرة مفردة كان متمتعا بها ، كما قاله القاضي أبو يعلى ، وصاحب " المغني " وغيرهما ، ووهم من قال إنه عين حجا مفردا مجردا لم يعتمر معه ووهم من قال إنه عين عمرة ثم أدخل عليها الحج ووهم من قال إنه عين حجا مفردا ، ثم أدخل عليه العمرة بعد ذلك وكان من خصائصه وقد تقدم بيان مستند ذلك ووجه الصواب فيه . والله أعلم .
فصل
ومنها : وهم لأحمد بن عبد الله الطبري في " حجة الوداع " له أنهم لما كانوا ببعض الطريق صاد أبو قتادة حمارا وحشيا ولم يكن محرما ، فأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم وهذا إنما كان في عمرة الحديبية ، كما رواه البخاري .
فصل
ومنها : وهم آخر لبعضهم حكاه الطبري عنه صلى الله عليه وسلم أنه دخل مكة يوم الثلاثاء وهو غلط فإنما دخلها يوم الأحد صبح رابعة من ذي الحجة .
فصل
ومنها : وهم من قال إنه صلى الله عليه وسلم حل بعد طوافه وسعيه كما قاله القاضي أبو يعلى وأصحابه وقد بينا أن مستند هذا الوهم وهم معاوية ، أو من روى عنه أنه قصر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص على المروة في حجته .
فصل
ومنها : وهم من زعم أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل الركن اليماني في طوافه وإنما ذلك الحجر الأسود ، وسماه اليماني لأنه يطلق عليه وعلى الآخر اليمانيين . فعبر بعض الرواة عنه باليماني منفردا .
فصل
ومنها : وهم فاحش لأبي محمد ابن حزم أنه رمل في السعي ثلاثة أشواط ومشى أربعة وأعجب من هذا الوهم وهمه في حكاية الاتفاق على هذا القول الذي لم يقله أحد سواه .
فصل
ومنها : وهم من زعم أنه طاف بين الصفا والمروة أربعة عشر شوطا ، وكان ذهابه وإيابه مرة واحدة وقد تقدم بيان بطلانه .
فصل
ومنها : وهم من زعم أنه صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم النحر قبل الوقت ومستند هذا الوهم حديث ابن مسعود ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر يوم النحر قبل ميقاتها وهذا إنما أراد به قبل ميقاتها الذي كانت عادته أن يصليها فيه فعجلها عليه يومئذ ولا بد من هذا التأويل وحديث ابن مسعود ، إنما يدل على هذا ، فإنه في " صحيح البخاري " عنه أنه قال هما صلاتان تحولان عن وقتهما : صلاة المغرب بعدما يأتي الناس المزدلفة والفجر حين يبزغ الفجر وقال في حديث جابر في حجة الوداع فصلى الصبح حين تبين له الصبح بأذان وإقامة
فصل ومنها وهم من وهم في أنه صلى الظهر والعصر يوم عرفة ، والمغرب والعشاء تلك الليلة بأذانين وإقامتين
ووهم من قال صلاهما بإقامتين بلا أذان أصلا ، ووهم من قال جمع بينهما بإقامة واحدة والصحيح أنه صلاهما بأذان واحد وإقامة لكل صلاة .
فصل
ومنها : وهم من زعم أنه خطب بعرفة خطبتين جلس بينهما ، ثم أذن المؤذن فلما فرغ أخذ في الخطبة الثانية فلما فرغ منها ، أقام الصلاة وهذا لم يجئ في شيء من الأحاديث البتة وحديث جابر صريح في أنه لما أكمل خطبته أذن بلال ، وأقام الصلاة فصلى الظهر بعد الخطبة .
فصل
ومنها : وهم لأبي ثور أنه لما صعد أذن المؤذن فلما فرغ قام فخطب وهذا وهم ظاهر فإن الأذان إنما كان بعد الخطبة .
فصل
ومنها : وهم من روى ، أنه قدم أم سلمة ليلة النحر وأمرها أن توافيه صلاة الصبح بمكة وقد تقدم بيانه .
فصل
ومنها : وهم من زعم أنه أخر طواف الزيارة يوم النحر إلى الليل وقد تقدم بيان ذلك وأن الذي أخره إلى الليل إنما هو طواف الوداع ومستند هذا الوهم - والله أعلم - أن عائشة قالت أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه كذلك قال عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه عنها ، فحمل عنها على المعنى ، وقيل أخر طواف الزيارة إلى الليل .
فصل
ومنها : وهم من وهم وقال إنه أفاض مرتين مرة بالنهار ومرة مع نسائه بالليل ومستند هذا الوهم ما رواه عمر بن قيس ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه فزاروا البيت يوم النحر ظهيرة وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه ليلا وهذا غلط والصحيح عن عائشة خلاف هذا : أنه أفاض نهارا إفاضة واحدة وهذه طريقة وخيمة جدا ، سلكها ضعاف أهل العلم المتمسكون بأذيال التقليد والله أعلم .
فصل
ومنها : وهم من زعم أنه طاف للقدوم يوم النحر ثم طاف بعده للزيارة وقد تقدم مستند ذلك وبطلانه .
فصل
ومنها وهم من زعم أنه يومئذ سعى مع هذا الطواف . واحتج بذلك على أن القارن يحتاج إلى سعيين وقد تقدم بطلان ذلك عنه وأنه لم يسع إلا سعيا واحدا ، كما قالت عائشة وجابر رضي الله عنهما .
فصل
ومنها : على القول الراجح وهم من قال إنه صلى الظهر يوم النحر بمكة ، والصحيح أنه صلاها بمنى كما تقدم .
فصل
ومنها : وهم من زعم أنه لم يسرع في وادي محسر حين أفاض من جمع إلى منى ، وأن ذلك إنما هو فعل الأعراب ، ومستند هذا الوهم قول ابن عباس : إنما كان بدء الإيضاع من قبل أهل البادية كانوا يقفون حافتي الناس حتى قد علقوا القعاب والعصي والجعاب فإذا أفاضوا ، تقعقعت تلك فنفروا بالناس ولقد رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن ذفرى ناقته ليمس حاركها وهو يقول يا أيها الناس عليكم السكينة وفي رواية إن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل ، فعليكم بالسكينة فما رأيتها رافعة يديها حتى أتى منى رواه أبو داود " . ولذلك أنكره طاووس والشعبي ، قال الشعبي : حدثني أسامة بن زيد أنه أفاض مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة ، فلم ترفع راحلته رجلها عادية حتى بلغ جمعا . قال وحدثني الفضل بن عباس ، أنه كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع ، فلم ترفع راحلته رجلها عادية حتى رمى الجمرة . وقال عطاء إنما أحدث هؤلاء الإسراع يريدون أن يفوتوا الغبار .
ومنشأ هذا الوهم اشتباه الإيضاع وقت الدفع من عرفة الذي يفعله الأعراب وجفاة الناس بالإيضاع في وادي محسر ، فإن الإيضاع هناك بدعة لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بل نهى عنه والإيضاع في وادي محسر سنة نقلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جابر وعلي بن أبي طالب ، والعباس بن عبد المطلب رضي الله عنهم وفعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان ابن الزبير يوضع أشد الإيضاع وفعلته عائشة وغيرهم من الصحابة والقول في هذا قول من أثبت لا قول من نفى . والله أعلم .
فصل
ومنها وهم طاووس وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفيض كل ليلة من ليالي منى إلى البيت وقال البخاري في " صحيحه " ويذكر عن أبي حسان عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت أيام منى ورواه ابن عرعرة قال دفع إلينا معاذ بن هشام كتابا قال سمعته من أبي ولم يقرأه قال وكان فيه عن أبي حسان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت كل ليلة ما دام بمنى قال وما رأيت أحدا واطأه عليه انتهى . ورواه الثوري في " جامعه " عن ابن طاووس عن أبيه مرسلا ، وهو وهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرجع إلى مكة بعد أن طاف للإفاضة وبقي في منى إلى حين الوداع والله أعلم .
فصل
ومنها وهم من قال إنه ودع مرتين . ووهم من قال إنه جعل مكة دائرة في دخوله وخروجه فبات بذي طوى ، ثم دخل من أعلاها ، ثم خرج من أسفلها ، ثم رجع إلى المحصب عن يمين مكة ، فكملت الدائرة .
فصل
ومنها وهم من زعم أنه انتقل من المحصب إلى ظهر العقبة ، فهذه كلها من الأوهام نبهنا عليها مفصلا ومجملا وبالله التوفيق .
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الهدايا والضحايا والعقيقة
وهي مختصة بالأزواج الثمانية المذكورة في سورة ( الأنعام ) ولم يعرف عنه صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة هدي ولا أضحية ولا عقيقة من غيرها ، وهذا مأخوذ من القرآن من مجموع أربع آيات .
إحداها : قوله تعالى : أحلت لكم بهيمة الأنعام [ المائدة 1 ] .
والثانية قوله تعالى : ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام [ الحج : 28 ] .
والثالثة قوله تعالى : ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ثمانية أزواج [ الأنعام 142 ، 143 ] ثم ذكرها .
الرابعة قوله تعالى : هديا بالغ الكعبة [ المائدة 95 ] .
فدل على أن الذي يبلغ الكعبة من الهدي هو هذه الأزواج الثمانية وهذا استنباط علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
والذبائح التي هي قربة إلى الله وعبادة هي ثلاثة الهدي والأضحية والعقيقة .
فأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنم وأهدى الإبل وأهدى عن نسائه البقر وأهدى في مقامه وفي عمرته وفي حجته وكانت سنته تقليد الغنم دون إشعارها .
وكان إذا بعث بهديه وهو مقيم لم يحرم عليه شيء كان منه حلالا .
وكان إذا أهدى الإبل قلدها وأشعرها ، فيشق صفحة سنامها الأيمن يسيرا حتى يسيل الدم . قال الشافعي : والإشعار في الصفحة اليمنى ، كذلك أشعر النبي صلى الله عليه وسلم .
وكان إذا بعث بهديه أمر رسوله إذا أشرف على عطب شيء منه أن ينحره ثم يصبغ نعله في دمه ثم يجعله على صفحته ولا يأكل منه هو ولا أحد من أهل رفقته ثم يقسم لحمه ومنعه من هذا الأكل سدا للذريعة فإنه لعله ربما قصر في حفظه ليشارف العطب فينحره ويأكل منه فإذا علم أنه لا يأكل منه شيئا ، اجتهد في حفظه .
وشرك بين أصحابه في الهدي كما تقدم البدنة عن سبعة والبقرة كذلك .
وأباح لسائق الهدي ركوبه بالمعروف إذا احتاج إليه حتى يجد ظهرا غيره وقال علي رضي الله عنه يشرب من لبنها ما فضل عن ولدها
وكان هديه صلى الله عليه وسلم نحر الإبل قياما ، مقيدة معقولة اليسرى ، على ثلاث وكان يسمي الله عند نحره ويكبر وكان يذبح نسكه بيده وربما وكل في بعضه كما أمر عليا رضي الله عنه أن يذبح ما بقي من المائة .
وكان إذا ذبح الغنم وضع قدمه على صفاحها ثم سمى ، وكبر وذبح وقد تقدم أنه نحر بمنى وقال إن فجاج مكة كلها منحر وقال ابن عباس : مناحر البدن بمكة ، ولكنها نزهت عن الدماء ومنى من مكة ، وكان ابن عباس ينحر بمكة .
وأباح صلى الله عليه وسلم لأمته أن يأكلوا من هداياهم وضحاياهم ويتزودوا منها ، ونهاهم مرة أن يدخروا منها بعد ثلاث لدافة دفت عليهم ذلك العام من الناس فأحب أن يوسعوا عليهم وذكر أبو داود من حديث جبير بن نفير عن ثوبان قال ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال يا ثوبان أصلح لنا لحم هذه الشاة قال فما زلت أطعمه منها حتى قدم المدينة .
وروى مسلم هذه القصة ولفظه فيها : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له في حجة الوداع أصلح هذا اللحم " قال فأصلحته فلم يزل يأكل منه حتى بلغ المدينة
وكان ربما قسم لحوم الهدي وربما قال من شاء اقتطع فعل هذا ، وفعل هذا ، واستدل بهذا على جواز النهبة في النثار في العرس ونحوه وفرق بينهما بما لا يتبين .
فصل [هديه صلى الله عليه وسلم في ذبح هدي العمرة والقران ]
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم ذبح هدي العمرة عند المروة ، وهدي القران بمنى ، وكذلك كان ابن عمر يفعل ولم ينحر هديه صلى الله عليه وسلم قط إلا بعد أن حل ولم ينحره قبل يوم النحر ولا أحد من الصحابة البتة ولم ينحره أيضا إلا بعد طلوع الشمس وبعد الرمي فهي أربعة أمور مرتبة يوم النحر أولها : الرمي ثم النحر ثم الحلق ثم الطواف وهكذا رتبها صلى الله عليه وسلم ولم يرخص في النحر قبل طلوع الشمس البتة ولا ريب أن ذلك مخالف لهديه فحكمه حكم الأضحية إذا ذبحت قبل طلوع الشمس .
فصل وأما هديه في الأضاحي
[ وقت الذبح ]
فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع الأضحية وكان يضحي بكبشين وكان ينحرهما بعد صلاة العيد وأخبر أن من ذبح قبل الصلاة ، فليس من النسك في شيء وإنما هو لحم قدمه لأهله هذا الذي دلت عليه سنته وهديه لا الاعتبار بوقت الصلاة والخطبة بل بنفس فعلها ، وهذا هو الذي ندين الله به وأمرهم أن يذبحوا الجذع من الضأن والثني مما سواه وهي المسنة .
وروي عنه أنه قال كل أيام التشريق ذبح لكن الحديث منقطع لا يثبت وصله .
وأما نهيه عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فلا يدل على أن أيام الذبح ثلاثة فقط لأن الحديث دليل على نهي الذابح أن يدخر شيئا فوق ثلاثة أيام من يوم ذبحه فلو أخر الذبح إلى اليوم الثالث لجاز له الادخار وقت النهي ما بينه وبين ثلاثة أيام والذين حددوه بالثلاث فهموا من نهيه عن الادخار فوق ثلاث أن أولها من يوم النحر قالوا : وغير جائز أن يكون الذبح مشروعا في وقت يحرم فيه الأكل قالوا : ثم نسخ تجريم الأكل فبقي وقت الذبح بحاله .
فيقال لهم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه إلا عن الادخار فوق ثلاث لم ينه عن التضحية بعد ثلاث فأين أحدهما من الآخر ولا تلازم بين ما نهى عنه وبين اختصاص الذبح بثلاث لوجهين .
أحدهما : أنه يسوغ الذبح في اليوم الثاني والثالث فيجوز له الادخار إلى تمام الثلاث من يوم الذبح ولا يتم لكم الاستدلال حتى يثبت النهي عن الذبح بعد يوم النحر ولا سبيل لكم إلى هذا .
الثاني : أنه لو ذبح في آخر جزء من يوم النحر لساغ له حينئذ الادخار ثلاثة أيام بعده بمقتضى الحديث وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه أيام النحر يوم الأضحى ، وثلاثة أيام بعده وهو مذهب إمام أهل البصرة الحسن ، وإمام أهل مكة عطاء بن أبي رباح ، وإمام أهل الشام الأوزاعي ، وإمام فقهاء أهل الحديث الشافعي رحمه الله واختاره ابن المنذر ، ولأن الثلاثة تختص بكونها أيام منى ، وأيام الرمي وأيام التشريق ويحرم صيامها ، فهي إخوة في هذه الأحكام فكيف تفترق في جواز الذبح بغير نص ولا إجماع . وروي من وجهين مختلفين يشد أحدهما الآخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل منى منحر ، و كل أيام التشريق ذبح روي من حديث جبير بن مطعم وفيه انقطاع ومن حديث أسامة بن زيد ، عن عطاء عن جابر .
قال يعقوب بن سفيان : أسامة بن زيد عند أهل المدينة ثقة مأمون .
وفي هذه المسألة أربعة أقوال هذا أحدها .
والثاني : أن وقت الذبح يوم النحر ويومان بعده وهذا مذهب أحمد ، ومالك ، وأبي حنيفة رحمهم الله قال أحمد هو قول غير واحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وذكره الأثرم عن ابن عمر ، وابن عباس رضي الله عنهم .
الثالث أن وقت النحر يوم واحد وهو قول ابن سيرين ، لأنه اختص بهذه التسمية فدل على اختصاص حكمها به ولو جاز في الثلاثة لقيل لها : أيام النحر كما قيل لها : أيام الرمي وأيام منى ، وأيام التشريق ولأن العيد يضاف إلى النحر وهو يوم واحد كما يقال عيد الفطر .
الرابع قول سعيد بن جبير ، وجابر بن زيد : أنه يوم واحد في الأمصار وثلاثة أيام في منى ، لأنها هناك أيام أعمال المناسك من الرمي والطواف والحلق فكانت أياما للذبح بخلاف أهل الأمصار .
فصل [ مسائل تتعلق بالأضحية ]
ومن هديه صلى الله عليه وسلم أن من أراد التضحية ودخل يوم العشر ، فلا يأخذ من شعره وبشره شيئا ثبت النهي عن ذلك في " صحيح مسلم " . وأما الدارقطني فقال الصحيح عندي أنه موقوف على أم سلمة .
يتبع ...
Comment