فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المرضى بتطييب نفوسهم وتقوية قلوبهم
روى ابن ماجه " في سننه " من حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل فإن ذلك لا يرد شيئا وهو يطيب نفس المريض وفي هذا الحديث نوع شريف جدا من أشرف أنواع العلاج وهو الإرشاد إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به الطبيعة وتنتعش به القوة وينبعث به الحار الغريزي فيتساعد على دفع العلة أو تخفيفها الذي هو غاية تأثير الطبيب .
وتفريح نفس المريض وتطييب قلبه وإدخال ما يسره عليه له تأثير عجيب في شفاء علته وخفتها فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك فتساعد الطبيعة على دفع المؤذي وقد شاهد الناس كثيرا من المرضى تنتعش قواه بعيادة من يحبونه ويعظمونه ورؤيتهم لهم ولطفهم بهم ومكالمتهم إياهم وهذا أحد فوائد عيادة المرضى التي تتعلق بهم فإن فيها أربعة أنواع من الفوائد نوع يرجع إلى المريض ونوع يعود على العائد ونوع يعود على أهل المريض ونوع يعود على العامة .
وقد تقدم في هديه صلى الله عليه وسلم إنه كان يسأل المريض عن شكواه وكيف يجده ويسأله عما يشتهيه ويضع يده على جبهته وربما وضعها بين ثدييه ويدعو له ويصف له ما ينفعه في علته وربما توضأ وصب على المريض من وضوئه وربما كان يقول للمريض لا بأس طهور إن شاء الله وهذا من كمال اللطف وحسن العلاج والتدبير
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الأبدان بما اعتادته من الأدوية والأغذية دون ما لم تعتده
هذا أصل عظيم من أصول العلاج وأنفع شيء فيه وإذا أخطأه الطبيب أضر المريض من حيث يظن أنه ينفعه ولا يعدل عنه إلى ما يجده من الأدوية في كتب الطب إلا طبيب جاهل فإن ملاءمة الأدوية والأغذية للأبدان بحسب استعدادها وقبولها وهؤلاء أهل البوادي والأكارون وغيرهم لا ينجع فيهم شراب اللينوفر والورد الطري ولا المغلي ولا يؤثر في طباعهم شيئا بل عامة أدوية أهل الحضر وأهل الرفاهية لا تجدي علهم والتجربة شاهدة بذلك ومن تأمل ما ذكرناه من العلاج النبوي رآه كله موافقا لعادة العليل وأرضه وما نشأ عليه .
فهذا أصل عظيم من أصول العلاج يجب الاعتناء به وقد صرح به أفاضل أهل الطب حتى قال طبيب العرب بل أطبهم الحارث بن كلدة وكان فيهم كابقراط في قومه الحمية رأس الدواء والمعدة بيت الداء وعودوا كل بدن ما اعتاد . وفي لفظ عنه الأزم دواء والأزم الإمساك عن الأكل يعني به الجوع وهو من أكبر الأدوية في شفاء الأمراض الامتلائية كلها بحيث إنه أفضل في علاجها من المستفرغات إذا لم يخف من كثرة الامتلاء وهيجان الأخلاط وحدتها أو غليانها .
وقوله المعدة بيت الداء . المعدة عضو عصبي مجوف كالقرعة في شكلها مركب من ثلاث طبقات مؤلفة من شظايا دقيقة عصبية تسمى الليف ويحيط بها لحم وليف إحدى الطبقات بالطول والأخرى بالعرض والثالثة بالورب وفم المعدة أكثر عصبا وقعرها أكثر لحما وفي باطنها خمل وهي محصورة في وسط البطن وأميل إلى الجانب الأيمن قليلا خلقت على هذه الصفة لحكمة لطيفة من الخالق الحكيم سبحانه وهي بيت الداء وكانت محلا للهضم الأول وفيها ينضج الغذاء وينحدر منها بعد ذلك إلى الكبد والأمعاء ويتخلف منه فيها فضلات قد عجزت القوة الهاضمة عن تمام هضمها إما لكثرة الغذاء أو لرداءته أو لسوء ترتيب في استعماله أو لمجموع ذلك وهذه الأشياء بعضها مما لا يتخلص الإنسان منه غالبا فتكون المعدة بيت الداء لذلك وكأنه يشير بذلك إلى الحث على تقليل الغذاء ومنع النفس من اتباع الشهوات والتحرز عن الفضلات .
وأما العادة فلأنها كالطبيعة للإنسان ولذلك يقال العادة طبع ثان وهي قوة عظيمة في البدن حتى إن أمرا واحدا إذا قيس إلى أبدان مختلفة العادات كان مختلف النسبة إليها .
وإن كانت تلك الأبدان متفقة في الوجوه الأخرى مثال ذلك أبدان ثلاثة حارة المزاج في سن الشباب
أحدها : عود تناول الأشياء الحارة .
والثاني : عود تناول الأشياء الباردة .
والثالث عود تناول الأشياء المتوسطة .
فإن الأول متى تناول عسلا لم يضر به والثاني : متى تناوله أضر به والثالث يضر به قليلا فالعادة ركن عظيم في حفظ الصحة ومعالجة الأمراض ولذلك جاء العلاج النبوي بإجراء كل بدن على عادته في استعمال الأغذية والأدوية وغير ذلك .
افتراضي
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في تغذية المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية
في " الصحيحين " من حديث عروة عن عائشة أنها كانت إذا مات الميت من أهلها واجتمع لذلك النساء ثم تفرقن إلى أهلهن أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت وصنعت ثريدا ثم صبت التلبينة عليه ثم قالت كلوا منها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن
وفي " السنن " من حديث عائشة أيضا قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم بالبغيض النافع التلبين قالت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى أحد من أهله لم تزل البرمة على النار حتى ينتهي أحد طرفيه . يعني يبرأ أو يموت .
وعنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قيل له إن فلانا وجع لا يطعم الطعام قال عليكم بالتلبينة فحسوه إياها ويقول والذي نفسي بيده إنها تغسل بطن أحدكم كما تغسل إحداكن وجهها من الوسخ
[ التلبين وفوائده ]
التلبين هو الحساء الرقيق الذي هو في قوام اللبن ومنه اشتق اسمه قال الهروي سميت تلبينة لشبهها باللبن لبياضها ورقتها وهذا الغذاء هو النافع للعليل وهو الرقيق النضيح لا الغليظ النيء وإذا شئت أن تعرف فضل التلبينة فاعرف فضل ماء الشعير بل هي ماء الشعير لهم فإنها حساء متخذ من دقيق الشعير بنخالته والفرق بينها وبين ماء الشعير أنه يطبخ صحاحا والتلبينة تطبخ منه مطحونا وهي أنفع منه لخروج خاصية الشعير بالطحن وقد تقدم أن للعادات تأثيرا في الانتفاع بالأدوية والأغذية وكانت عادة القوم أن يتخذوا ماء الشعير منه مطحونا لا صحاحا وهو أكثر تغذية وأقوى فعلا وأعظم جلاء وإنما اتخذه أطباء المدن منه صحاحا ليكون أرق وألطف فلا يثقل على طبيعة المريض وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورخاوتها وثقل ماء الشعير المطحون عليها . والمقصود أن ماء الشعير مطبوخا صحاحا ينفذ سريعا ويجلو جلاء ظاهرا ويغذي غذاء لطيفا . وإذا شرب حارا كان جلاؤه أقوى ونفوذه أسرع وإنماؤه للحرارة الغريزية أكثر وتلميسه لسطوح المعدة أوفق .
[ علة ذهاب التلبينة ببعض الحزن ]
وقوله صلى الله عليه وسلم فيها : مجمة لفؤاد المريض يروى بوجهين . بفتح الميم والجيم وبضم الميم وكسر الجيم والأول أشهر ومعناه أنها مريحة له أي تريحه وتسكنه من الإجمام وهو الراحة . وقوله " تذهب ببعض الحزن " هذا - والله أعلم - لأن الغم والحزن يبردان المزاج ويضعفان الحرارة الغريزية لميل الروح الحامل لها إلى جهة القلب الذي هو منشؤها وهذا الحساء يقوي الحرارة الغريزية بزيادته في مادتها فتزيل أكثر ما عرض له من الغم والحزن .
وقد يقال - وهو أقرب - إنها تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها من جنس خواص الأغذية المفرحة فإن من الأغذية ما يفرح بالخاصية والله أعلم .
وقد يقال إن قوى الحزين تضعف باستيلاء اليبس على أعضائه وعلى معدته خاصة لتقليل الغذاء وهذا الحساء يرطبها ويقويها ويغذيها ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض لكن المريض كثيرا ما يجتمع في معدته خلط مراري أو بلغمي أو صديدي وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة ويسروه ويحدره ويميعه ويعدل كيفيته ويكسر سورته فيريحها ولا سيما لمن عادته الاغتذاء بخبز الشعير وهي عادة أهل المدينة إذ ذاك وكان هو غالب قوتهم وكانت الحنطة عزيزة عندهم . والله أعلم .
افتراضي
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السم الذي أصابه بخيبر من اليهود
ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك : أن امرأة يهودية أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاة مصلية بخيبر فقال ما هذه ؟ قالت هدية وحذرت أن تقول من الصدقة فلا يأكل منها فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وأكل الصحابة ثم
قال أمسكوا ثم قال للمرأة هل سممت هذه الشاة ؟ قالت من أخبرك بهذا ؟ قال هذا العظم لساقها وهو في يده ؟ قالت نعم . قال لم ؟ قالت أردت إن كنت كاذبا أن يستريح منك الناس وإن كنت نبيا لم يضرك قال فاحتجم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة على الكاهل وأمر أصحابه أن يحتجموا فاحتجموا فمات بعضهم
وفي طريق أخرى : واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة حجمه أبو هند بالقرن والشفرة وهو مولى لبني بياضة من الأنصار وبقي بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه فقال ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر حتى كان هذا أوان انقطاع الأبهر مني
فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا قاله موسى بن عقبة .
[ يعالج السم بالاستفراغات وبالأدوية المبطلة لفعل السم ]
معالجة السم تكون بالاستفراغات وبالأدوية التي تعارض فعل السم وتبطله إما بكيفياتها وإما بخواصها فمن عدم الدواء فليبادر إلى الاستفراغ الكلي وأنفعه الحجامة ولا سيما إذا كان البلد حارا والزمان حارا فإن القوة السمية تسري إلى الدم فتنبعث في العروق والمجاري حتى تصل إلى القلب فيكون الهلاك فالدم هو المنفذ الموصل للسم إلى القلب والأعضاء فإذا بادر المسموم وأخرج الدم خرجت معه تلك الكيفية السمية التي خالطته فإن كان استفراغا تاما لم يضره السم بل إما أن يذهب وإما أن يضعف فتقوى عليه الطبيعة فتبطل فعله أو تضعفه .
[ استشهاده صلى الله عليه وسلم بالسم ]
ولما احتجم النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في الكاهل وهو أقرب المواضع التي يمكن فيها الحجامة إلى القلب فخرجت المادة السمية مع الدم لا خروجا كليا بل بقي أثرها مع ضعفه لما يريد الله سبحانه من تكميل مراتب الفضل كلها له فلما أراد الله إكرامه بالشهادة ظهر تأثير ذلك الأثر الكامن من السم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وظهر سر قوله تعالى لأعدائه من اليهود : أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون [ البقرة 87 ] فجاء بلفظ كذبتم بالماضي الذي قد وقع منه وتحقق وجاء بلفظ " تقتلون " بالمستقبل الذي يتوقعونه وينتظرونه والله أعلم .
افتراضي
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السحر
الذي سحرته اليهود به قد أنكر هذا طائفة من الناس وقالوا : لا يجوز هذا عليه وظنوه نقصا وعيبا وليس الأمر كما زعموا بل هو من جنس ما كان يعتريه صلى الله عليه وسلم من الأسقام والأوجاع وهو مرض من الأمراض وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما وقد ثبت في " الصحيحين " عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إن كان ليخيل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتهن وذلك أشد ما يكون من السحر .
قال القاضي عياض : والسحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه صلى الله عليه وسلم كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته وأما كونه يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من صدقه لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا وإنما هذا فيما يجوز طروه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث لسببها ولا فضل من أجلها وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر فغير بعيد أنه يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما كان .
[ علاج السحر ]
والمقصود ذكر هديه في علاج هذا المرض وقد روي عنه فيه نوعان
[ استخراج السحر وإبطاله ]
أحدهما - وهو أبلغهما - استخراجه وإبطاله كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سأل ربه سبحانه في ذلك فدل عليه فاستخرجه من بئر فكان في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر فلما استخرجه ذهب ما به حتى كأنما أنشط من عقال فهذا من أبلغ ما يعالج به المطبوب وهذا بمنزلة إزالة المادة الخبيثة وقلعها من الجسد بالاستفراغ .
[ الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر ]
والنوع الثاني : الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر فإن للسحر تأثيرا في الطبيعة وهيجان أخلاطها وتشويش مزاجها فإذا ظهر أثره في عضو وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو نفع جدا .
وقد ذكر أبو عبيد في كتاب " غريب الحديث " له بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم على رأسه بقرن حين طب قال أبو عبيد : معنى طب أي سحر .
وقد أشكل هذا على من قل علمه وقال ما للحجامة والسحر وما الرابطة بين هذا الداء وهذا الدواء ولو وجد هذا القائل أبقراط أو ابن سينا أو غيرهما قد
نص على هذا العلاج لتلقاه بالقبول والتسليم وقال قد نص عليه من لا يشك في معرفته وفضله .
فاعلم أن مادة السحر الذي أصيب به صلى الله عليه وسلم انتهت إلى رأسه إلى إحدى قواه التي فيه بحيث كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله وهذا تصرف من الساحر في الطبيعة والمادة الدموية بحيث غلبت تلك المادة على البطن المقدم منه فغيرت مزاجه عن طبيعته الأصلية .
والسحر هو مركب من تأثيرات الأرواح الخبيثة وانفعال القوى الطبيعية عنها وهو أشد ما يكون من السحر ولا سيما في الموضع الذي انتهى السحر إليه واستعمال الحجامة على ذلك المكان الذي تضررت أفعاله بالسحر من أنفع المعالجة إذا استعملت على القانون الذي ينبغي .
قال أبقراط الأشياء التي ينبغي أن تستفرغ يجب أن تستفرغ من المواضع التي هي إليها أميل بالأشياء التي تصلح لاستفراغها .
وقالت طائفة من الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصيب بهذا الداء وكان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله ظن أن ذلك عن مادة دموية أو غيرها مالت إلى جهة الدماغ وغلبت على البطن المقدم منه فأزالت مزاجه عن الحالة الطبيعية له وكان استعمال الحجامة إذ ذاك من أبلغ الأدوية وأنفع المعالجة فاحتجم وكان ذلك قبل أن يوحى إليه أن ذلك من السحر فلما جاءه الوحي من الله تعالى وأخبره أنه قد سحر عدل إلى العلاج الحقيقي وهو استخراج السحر وإبطاله فسأل الله سبحانه فدله على مكانه فاستخرجه فقام كأنما أنشط من عقال وكان غاية هذا السحر فيه إنما هو في جسده وظاهر جوارحه لا على عقله وقلبه ولذلك لم يكن يعتقد صحة ما يخيل إليه من إتيان النساء بل يعلم أنه خيال لا حقيقة له ومثل هذا قد يحدث من بعض الأمراض والله أعلم .
فصل [ علاج السحر بالأذكار والآيات ]
ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية بل هي أدويته النافعة بالذات فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها وكلما كانت أقوى وأشد كانت أبلغ في النشرة وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل واحد منهما عدته وسلاحه فأيهما غلب الآخر قهره وكان الحكم له فالقلب إذا كان ممتلئا من الله مغمورا بذكره وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات ورد لا يخل به يطابق فيه قلبه لسانه كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه . وعند السحرة أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسفليات ولهذا فإن غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال وأهل البوادي ومن ضعف حظه من الدين والتوكل والتوحيد ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية والدعوات والتعوذات النبوية .
وبالجملة فسلطان تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلها إلى السفليات قالوا : والمسحور هو الذي يعين على نفسه فإنا نجد قلبه متعلقا بشيء كثير الالتفات إليه فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات والأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لتسلطها عليها بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة وبفراغها من القوة الإلهية وعدم أخذها للعدة التي تحاربها بها فتجدها فارغة لا عدة معها وفيها ميل إلى ما يناسبها فتتسلط عليها ويتمكن تأثيرها فيها بالسحر وغيره والله أعلم .
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الإرشاد إلى معالجة أحذق الطبيبين
ذكر مالك في " موطئه " : عن زيد بن أسلم أن رجلا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابه جرح فاحتقن الجرح الدم وأن الرجل دعا رجلين من بني أنمار فنظرا إليه فزعما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما : " أيكما أطب ؟ فقال أو في الطب خير يا رسول الله ؟ فقال أنزل الدواء الذي أنزل الداء
[ ينبغي الاستعانة في كل علم وصناعة بأحذق من فيها فالأحذق ]
ففي هذا الحديث أنه ينبغي الاستعانة في كل علم وصناعة بأحذق من فيها فالأحذق فإنه إلى الإصابة أقرب .
وهكذا يجب على المستفتي أن يستعين على ما نزل به بالأعلم فالأعلم لأنه أقرب إصابة ممن هو دونه .
وكذلك من خفيت عليه القبلة فإنه يقلد أعلم من يجده وعلى هذا فطر الله عباده كما أن المسافر في البر والبحر إنما سكون نفسه وطمأنينته إلى أحذق الدليلين وأخبرهما وله يقصد وعليه يعتمد فقد اتفقت على هذا الشريعة والفطرة والعقل .
وقوله صلى الله عليه وسلم أنزل الدواء الذي أنزل الداء قد جاء مثله عنه في أحاديث كثيرة فمنها ما رواه عمرو بن دينار عن هلال بن يساف قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مريض يعوده فقال " أرسلوا إلى طبيب " فقال قائل وأنت تقول ذلك يا رسول الله ؟ قال " نعم إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له دواء
وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة يرفعه ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء وقد تقدم هذا الحديث وغيره .
[ معنى أنزل الداء والدواء ]
" واختلف في معنى أنزل الداء والدواء فقالت طائفة إنزاله إعلام العباد به وليس بشيء فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بعموم الإنزال لكل داء ودوائه وأكثر الخلق لا يعلمون ذلك ولهذا قال علمه من علمه وجهله من جهله وقالت طائفة إنزالهما : خلقهما ووضعهما في الأرض كما في الحديث الآخر إن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء وهذا وإن كان أقرب من الذي قبله فلفظة الإنزال أخص من لفظة الخلق والوضع فلا ينبغي إسقاط خصوصية اللفظة بلا موجب . وقالت طائفة إنزالهما بواسطة الملائكة الموكلين بمباشرة الخلق من داء ودواء وغير ذلك فإن الملائكة موكلة بأمر هذا العالم وأمر النوع الإنساني من حين سقوطه في رحم أمه إلى حين موته فإنزال الداء والدواء مع الملائكة وهذا أقرب من الوجهين قبله .
وقالت طائفة إن عامة الأدواء والأدوية هي بواسطة إنزال الغيث من السماء الذي تتولد به الأغذية والأقوات والأدوية والأدواء وآلات ذلك كله وأسبابه ومكملاته وما كان منها من المعادن العلوية فهي تنزل من الجبال وما كان منها من الأودية والأنهار والثمار فداخل في اللفظ على طريق التغليب والاكتفاء عن الفعلين بفعل واحد يتضمنهما وهو معروف من لغة العرب بل وغيرها من الأمم كقول الشاعر
علفتها تبنا وماء باردا
حتى غدت همالة عيناها
وقول الآخر
متقلدا سيفا ورمحا
ورأيت زوجك قد غدا
وقول الآخر
إذا ما الغانيات برزن يوما
وزججن الحواجب والعيونا
وهذا أحسن مما قبله من الوجوه والله أعلم .
[ كما يبتلي الله عباده فإنه ييسر لهم ما يضاده ]
وهذا من تمام حكمة الرب عز وجل وتمام ربوبيته فإنه كما ابتلى عباده بالأدواء أعانهم عليها بما يسره لهم من الأدوية وكما ابتلاهم بالذنوب أعانهم عليها بالتوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفرة وكما ابتلاهم بالأرواح الخبيثة من الشياطين أعانهم عليها بجند من الأرواح الطيبة وهم الملائكة . وكما ابتلاهم بالشهوات أعانهم على قضائها بما يسره لهم شرعا وقدرا من المشتهيات اللذيذة النافعة فما ابتلاهم سبحانه بشيء إلا أعطاهم ما يستعينون به على ذلك البلاء ويدفعونه به ويبقى التفاوت بينهم في العلم بذلك والعلم بطريق حصوله والتوصل إليه وبالله المستعان .
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاستفراغ بالقيء
روى الترمذي في " جامعه " عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال صدق أنا صببت له وضوءه .
قال الترمذي وهذا أصح شيء في الباب .
[ أصول الاستفراغ ]
القيء أحد الاستفراغات الخمسة التي هي أصول الاستفراغ وهي الإسهال والقيء وإخراج الدم وخروج الأبخرة والعرق وقد جاءت بها السنة .
فأما الإسهال فقد مر في حديث خير ما تداويتم به المشي وفي حديث " السنا " .
وأما إخراج الدم فقد تقدم في أحاديث الحجامة .
وأما استفراغ الأبخرة فنذكره عقيب هذا الفصل إن شاء الله .
وأما الاستفراغ بالعرق فلا يكون غالبا بالقصد بل بدفع الطبيعة له إلى ظاهر الجسد فيصادف المسام مفتحة فيخرج منها .
[ أنواع القيء ]
والقيء استفراغ من أعلى المعدة والحقنة من أسفلها والدواء من أعلاها وأسفلها والقيء نوعان نوع بالغلبة والهيجان ونوع بالاستدعاء والطلب . فأما الأول فلا يسوغ حبسه ودفعه إلا إذا أفرط وخيف منه التلف . فيقطع بالأشياء التي تمسكه . وأما الثاني : فأنفعه عند الحاجة إذا روعي زمانه وشروطه التي تذكر .
[ أسباب القيء ]
وأسباب القيء عشرة
أحدها : غلبة المرة الصفراء وطفوها على رأس المعدة فتطلب الصعود .
الثاني : من غلبة بلغم لزج قد تحرك في المعدة واحتاج إلى الخروج .
الثالث أن يكون من ضعف المعدة في ذاتها فلا تهضم الطعام فتقذفه إلى جهة فوق .
الرابع أن يخالطها خلط رديء ينصب إليها فيسيء هضمها ويضعف فعلها .
الخامس أن يكون من زيادة المأكول أو المشروب على القدر الذي تحتمله المعدة فتعجز عن إمساكه فتطلب دفعه وقذفه .
السادس أن يكون من عدم موافقة المأكول والمشروب لها وكراهتها له فتطلب دفعه وقذفه .
السابع أن يحصل فيها ما يثور الطعام بكيفيته وطبيعته فتقذف به .
الثامن القرف وهو موجب غثيان النفس وتهوعها .
[ الأعراض النفسانية من أسباب القيء ]
التاسع من الأعراض النفسانية كالهم الشديد والغم والحزن وغبة اشتغال الطبيعة والقوى الطبيعية به واهتمامها بوروده عن تدبير البدن وإصلاح الغذاء وإنضاجه وهضمه فتقذفه المعدة وقد يكون لأجل تحرك الأخلاط عند تخبط النفس فإن كل واحد من النفس والبدن ينفعل عن صاحبه ويؤثر في كيفيته . العاشر نقل الطبيعة بأن يرى من يتقيأ فيغلبه هو القيء من غير استدعاء فإن الطبيعة نقالة .
[ إخبار أحد الأطباء المصنف بقصتين عن نقل المرض برؤية المريض ]
وأخبرني بعض حذاق الأطباء قال كان لي ابن أخت حذق في الكحل فجلس كحالا فكان إذا فتح عين الرجل ورأى الرمد وكحله رمد هو وتكرر ذلك منه فترك الجلوس . قلت له فما سبب ذلك ؟ قال نقل الطبيعة فإنها نقالة قال وأعرف آخر كان رأى خراجا في موضع من جسم رجل يحكه فحك هو ذلك الموضع فخرجت فيه خراجة . قلت وكل هذا لا بد فيه من استعداد الطبيعة وتكون المادة ساكنة فيها غير متحركة فتتحرك لسبب من هذه الأسباب فهذه أسباب لتحرك المادة لا أنها هي الموجبة لهذا العارض .
فصل [أنفع الأمكنة والأزمنة للقيء والإسهال ]
ولما كانت الأخلاط في البلاد الحارة والأزمنة الحارة ترق وتنجذب إلى فوق كان القيء فيها أنفع . ولما كانت في الأزمنة الباردة والبلاد الباردة تغلظ ويصعب جذبها إلى فوق كان استفراغها بالإسهال أنفع .
[ كيفية إزالة الأخلاط ودفعها ]
وإزالة الأخلاط ودفعها تكون بالجذب والاستفراغ والجذب يكون من أبعد الطرق والاستفراغ من أقربها والفرق بينهما أن المادة إذا كانت عاملة في
الانصباب أو الترقي لم تستقر بعد فهي محتاجة إلى الجذب فإن كانت متصاعدة جذبت من أسفل وإن كانت منصبة جذبت من فوق وأما إذا استقرت في موضعها استفرغت من أقرب الطرق إليها فمتى أضرت المادة بالأعضاء العليا اجتذبت من أسفل ومتى أضرت بالأعضاء السفلى اجتذبت من فوق ومتى استقرت استفرغت من أقرب مكان إليها ولهذا احتجم النبي صلى الله عليه وسلم على كاهله تارة وفي رأسه أخرى وعلى ظهر قدمه تارة فكان يستفرغ مادة الدم المؤذي من أقرب مكان إليه . والله أعلم .
فصل [فوائد القيء ]
والقيء ينقي المعدة ويقويها ويحد البصر ويزيل ثقل الرأس وينفع قروح الكلى والمثانة والأمراض المزمنة كالجذام والاستسقاء والفالج والرعشة وينفع اليرقان .
[ وقت القيء ]
[ضرر الإكثار من القيء ]
[ من يجب عليه اجتنابه ]
وينبغي أن يستعمله الصحيح في الشهر مرتين متواليتين من غير حفظ دور ليتدارك الثاني ما قصر عنه الأول وينقي الفضلات التي انصبت بسببه والإكثار منه يضر المعدة ويجعلها قابلة للفضول ويضر بالأسنان والبصر والسمع وربما صدع عرقا ويجب أن يجتنبه من به ورم في الحلق أو ضعف في الصدر أو دقيق الرقبة أو مستعد لنفث الدم أو عسر الإجابة له .
[ مضار القيء بعد امتلاء المعدة ]
وأما ما يفعله كثير ممن يسيء التدبير وهو أن يمتلئ من الطعام ثم يقذفه ففيه آفات عديدة منها : أنه يعجل الهرم ويوقع في أمراض رديئة ويجعل القيء له عادة . والقيء مع اليبوسة وضعف الأحشاء وهزال المراق . أو ضعف المستقيء خطر ...
[ أفضل أوقاته وكيفيته ]
وأحمد أوقاته الصيف والربيع دون الشتاء والخريف وينبغي عند القيء أن يعصب العينين ويقمط البطن ويغسل الوجه بماء بارد عند الفراغ وأن يشرب عقيبه شراب التفاح مع يسير من مصطكى وماء الورد ينفعه نفعا بينا .
[الفرق بين القيء والاستفراغ ]
والقيء يستفرغ من أعلى المعدة ويجذب من أسفل والإسهال بالعكس قال أبقراط وينبغي أن يكون الاستفراغ في الصيف من فوق أكثر من الاستفراغ بالدواء وفي الشتاء من أسفل .
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في تضمين من طب الناس وهو جاهل بالطب
روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تطبب ولم يعلم منه الطب قبل ذلك فهو ضامن
هذا الحديث يتعلق به ثلاثة أمور أمر لغوي وأمر فقهي وأمر طبي .
[معنى الطب لغة ]
فأما اللغوي فالطب بكسر الطاء في لغة العرب يقال على معان . منها الإصلاح يقال طببته إذا أصلحته . ويقال له طب بالأمور . أي لطف وسياسة . قال الشاعر
وإذا تغير من تميم أمرها
كنت الطبيب لها برأي ثاقب
ومنها : الحذق . قال الجوهري : كل حاذق طبيب عند العرب قال أبو عبيد : أصل الطب : الحذق بالأشياء والمهارة بها . يقال للرجل طب وطبيب إذا كان كذلك وإن كان في غير علاج المريض . وقال غيره رجل طبيب أي حاذق سمي طبيبا لحذقه وفطنته . قال علقمة
فإن تسألوني بالنساء فإنني
خبير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قل ماله
فليس له من ودهن نصيب
وقال عنترة :
إن تغد في دوني القناع فإنني
طب بأخذ الفارس المستلئم
أي إن ترخي عني قناعك وتستري وجهك رغبة عني فإني خبير حاذق بأخذ الفارس الذي قد لبس لأمة حربه . ومنها : العادة يقال ليس ذاك بطبي أي عادتي قال فروة بن مسيك :
فما إن طبنا جبن ولكن
منايانا ودولة آخرينا
وقال أحمد بن الحسين المتنبي :
وما التيه طبي فيهم غير أنني
بغيض إلي الجاهل المتعاقل
ومنها : السحر يقال رجل مطبوب أي مسحور وفي " الصحيح " في حديث عائشة لما سحرت يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس الملكان عند رأسه وعند رجليه فقال أحدهما : ما بال الرجل ؟ قال الآخر مطبوب . قال من طبه ؟ قال فلان اليهودي .
قال أبو عبيد : إنما قالوا للمسحور مطبوب لأنهم كنوا بالطب عن السحر كما كنوا عن اللديغ فقالوا : سليم تفاؤلا بالسلامة وكما كنوا بالمفازة عن الفلاة المهلكة التي لا ماء فيها فقالوا : مفازة تفاؤلا بالفوز من الهلاك . ويقال الطب لنفس الداء . قال ابن أبي الأسلت :
ألا من مبلغ حسا ن عني
أسحر كان طبك أم جنون
وأما قول الحماسي :
فإن كنت مطبوبا فلا زلت هكذا
وإن كنت مسحورا فلا برئ السحر
فإنه أراد بالمطبوب الذي قد سحر وأراد بالمسحور العليل بالمرض . قال الجوهري : ويقال للعليل مسحور . وأنشد البيت . ومعناه إن كان هذا الذي قد عراني منك ومن حبك أسأل الله دوامه ولا أريد زواله سواء كان سحرا أو مرضا .
والطب : مثلث الطاء فالمفتوح الطاء هو العالم بالأمور وكذلك الطبيب يقال له طب أيضا . والطب : بكسر الطاء فعل الطبيب والطب بضم الطاء اسم موضع قاله ابن السيد وأنشد
فقلت هل انهلتم بطب ركابكم
بجائزة الماء التي طاب طينها
وقوله صلى الله عليه وسلم من تطبب ولم يقل من طب لأن لفظ التفعل يدل على تكلف الشيء والدخول فيه بعسر وكلفة وأنه ليس من أهله كتحلم وتشجع وتصبر ونظائرها وكذلك بنوا تكلف على هذا الوزن قال الشاعر
وقيس عيلان ومن تقيسا
[إيجاب الضمان على الطبيب الجاهل ]
وأما الأمر الشرعي فإيجاب الضمان على الطبيب الجاهل فإذا تعاطى علم الطب وعمله ولم يتقدم له به معرفة فقد هجم بجهله على إتلاف الأنفس وأقدم بالتهور على ما لم يعلمه فيكون قد غرر بالعليل فيلزمه الضمان لذلك وهذا إجماع من أهل العلم . قال الخطابي : لا أعلم خلافا في أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامنا والمتعاطي علما أو عملا لا يعرفه متعد فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية وسقط عنه القود لأنه لا يستبد بذلك بدون إذن المريض وجناية المتطبب في قول عامة الفقهاء على عاقلته .
[ أقسام الأطباء من جهة إتلاف الأعضاء وذكر القسم الأول ]
قلت : الأقسام خمسة أحدها : طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده فتولد من فعله المأذون فيه من جهة الشارع ومن جهة من يطبه تلف العضو أو النفس أو ذهاب صفة فهذا لا ضمان عليه اتفاقا فإنها سراية مأذون فيه وهذا كما إذا ختن الصبي في وقت وسنه قابل للختان وأعطى الصنعة حقها فتلف العضو أو الصبي لم يضمن وكذلك إذا بط من عاقل أو غيره ما ينبغي بطه في وقته على الوجه الذي ينبغي فتلف به لم يضمن وهكذا سراية كل مأذون فيه لم يتعد الفاعل في سببها كسراية الحد بالاتفاق .
وسراية القصاص عند الجمهور خلافا لأبي حنيفة في إيجابه الضمان بها وسراية التعزير وضرب الرجل امرأته والمعلم الصبي والمستأجر الدابة خلافا لأبي حنيفة والشافعي في إيجابهما الضمان في ذلك واستثنى الشافعي ضرب الدابة . وقاعدة الباب إجماعا ونزاعا : أن سراية الجناية مضمونة بالاتفاق وسراية الواجب مهدرة بالاتفاق وما بينهما ففيه النزاع .
فأبو حنيفة أوجب ضمانه مطلقا وأحمد ومالك أهدرا ضمانه وفرق الشافعي بين المقدر فأهدر ضمانه وبين غير المقدر فأوجب ضمانه . فأبو حنيفة نظر إلى أن الإذن في الفعل إنما وقع مشروطا بالسلامة وأحمد ومالك نظرا إلى أن الإذن أسقط الضمان والشافعي نظر إلى أن المقدر لا يمكن النقصان منه فهو بمنزلة النص وأما غير المقدر كالتعزيرات والتأديبات فاجتهادية فإذا تلف بها ضمن لأنه في مظنة العدوان .
فصل [ القسم الثاني ]
القسم الثاني : مطبب جاهل باشرت يده من يطبه فتلف به فهذا إن علم المجني عليه أنه جاهل لا علم له وأذن له في طبه لم يضمن ولا تخالف هذه الصورة ظاهر الحديث فإن السياق وقوة الكلام يدل على أنه غر العليل وأوهمه أنه طبيب وليس كذلك وإن ظن المريض أنه طبيب وأذن له في طبه لأجل معرفته ضمن الطبيب ما جنت يده وكذلك إن وصف له دواء يستعمله والعليل يظن أنه وصفه لمعرفته وحذقه فتلف به ضمنه والحديث ظاهر فيه أو صريح .
فصل [ القسم الثالث ]
القسم الثالث طبيب حاذق أذن له وأعطى الصنعة حقها لكنه أخطأت يده وتعدت إلى عضو صحيح فأتلفه مثل أن سبقت يد الخاتن إلى الكمرة فهذا يضمن لأنها جناية خطأ ثم إن كانت الثلث فما زاد فهو على عاقلته فإن لم تكن عاقلة فهل تكون الدية في ماله أو في بيت المال ؟ على قولين هما روايتان عن أحمد . وقيل إن كان الطبيب ذميا ففي ماله وإن كان مسلما ففيه الروايتان فإن لم يكن بيت مال أو تعذر تحميله فهل تسقط الدية أو تجب في مال الجاني ؟ فيه وجهان أشهرهما : سقوطها .
فصل [القسم الرابع ]
القسم الرابع الطبيب الحاذق الماهر بصناعته اجتهد فوصف للمريض دواء فأخطأ في اجتهاده فقتله فهذا يخرج على روايتين إحداهما : أن دية المريض في بيت المال . والثانية أنها على عاقلة الطبيب وقد نص عليهما الإمام أحمد في خطأ الإمام والحاكم .
فصل [ القسم الخامس ]
القسم الخامس طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها فقطع سلعة من رجل أو صبي أو مجنون بغير إذنه أو إذن وليه أو ختن صبيا بغير إذن وليه فتلف فقال أصحابنا : يضمن لأنه تولد من فعل غير مأذون فيه وإن أذن له البالغ أو ولي الصبي والمجنون لم يضمن ويحتمل أن لا يضمن مطلقا لأنه محسن وما على المحسنين من سبيل . وأيضا فإنه إن كان متعديا فلا أثر لإذن الولي في إسقاط الضمان وإن لم يكن متعديا فلا وجه لضمانه . فإن قلت : هو متعد عند عدم الإذن غير متعد عند الإذن قلت : العدوان وعدمه إنما يرجع إلى فعله هو فلا أثر للإذن وعدمه فيه وهذا موضع نظر .
فصل أقسام الأطباء المذكورة سابقا تتناول الطب عملا أو قولا إنسانا أو حيوانا واسم كل منهم
والطبيب في هذا الحديث يتناول من يطب بوصفه وقوله وهو الذي يخص باسم الطبائعي وبمروده وهو الكحال وبمبضعه ومراهمه وهو الجرائحي وبموساه وهو الخاتن وبريشته وهو الفاصد وبمحاجمه ومشرطه وهو الحجام وبخلعه ووصله ورباطه وهو المجبر وبمكواته وناره وهو الكواء وبقربته وهو الحاقن وسواء كان طبه لحيوان بهيم أو إنسان فاسم الطبيب يطلق لغة على هؤلاء كلهم كما تقدم وتخصيص الناس له ببعض أنواع الأطباء عرف حادث كتخصيص لفظ الدابة بما يخصها به كل قوم .
فصل [ ما يراعيه الطبيب الحاذق من الأمور ]
والطبيب الحاذق هو الذي يراعي في علاجه عشرين أمرا :
أحدها : النظر في نوع المرض من أي الأمراض هو ؟
الثاني : النظر في سببه من أي شيء حدث والعلة الفاعلة التي كانت سبب حدوثه ما هي ؟ .
الثالث قوة المريض وهل هي مقاومة للمرض أو أضعف منه ؟ فإن كانت مقاومة للمرض مستظهرة عليه تركها والمرض ولم يحرك بالدواء ساكنا .
الرابع مزاج البدن الطبيعي ما هو ؟
الخامس المزاج الحادث على غير المجرى الطبيعي .
السادس سن المريض .
السابع عادته .
الثامن الوقت الحاضر من فصول السنة وما يليق به .
التاسع بلد المريض وتربته .
العاشر حال الهواء في وقت المرض .
الحادي عشر النظر في الدواء المضاد لتلك العلة .
الثاني عشر النظر في قوة الدواء ودرجته والموازنة بينها وبين قوة المريض .
[ أن يكون قصده إزالة العلة على وجه يأمن معه حدوث أصعب منها ]
الثالث عشر ألا يكون كل قصده إزالة تلك العلة فقط بل إزالتها على وجه يأمن معه حدوث أصعب منها فمتى كان إزالتها لا يأمن معها حدوث علة أخرى أصعب منها أبقاها على حالها وتلطيفها هو الواجب وهذا كمرض أفواه العروق فإنه متى عولج بقطعه وحبسه خيف حدوث ما هو أصعب منه .
[ أن يعالج بالأسهل فالأسهل ]
الرابع عشر أن يعالج بالأسهل فالأسهل فلا ينتقل من العلاج بالغذاء إلى الدواء إلا عند تعذره ولا ينتقل إلى الدواء المركب إلا عند تعذر الدواء البسيط فمن حذق الطبيب علاجه بالأغذية بدل الأدوية وبالأدوية البسيطة بدل المركبة .
الخامس عشر أن ينظر في العلة هل هي مما يمكن علاجها أو لا ؟ فإن لم يمكن علاجها حفظ صناعته وحرمته ولا يحمله الطمع على علاج لا يفيد شيئا . وإن أمكن علاجها نظر هل يمكن زوالها أم لا ؟ فإن علم أنه لا يمكن زوالها نظر هل يمكن تخفيفها وتقليلها أم لا ؟ فإن لم يكن تقليلها ورأى أن غاية الإمكان إيقافها وقطع زيادتها قصد بالعلاج ذلك وأعان القوة وأضعف المادة .
السادس عشر ألا يتعرض للخلط قبل نضجه باستفراغ بل يقصد إنضاجه فإذا تم نضجه بادر إلى استفراغه .
[ أن يكون له خبرة باعتلال القلوب ]
السابع عشر أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان فإن انفعال البدن وطبيعته عن النفس والقلب أمر مشهود والطبيب إذا كان عارفا بأمراض القلب والروح وعلاجهما كان هو الطبيب الكامل والذي لا خبرة له بذلك وإن كان حاذقا في علاج الطبيعة وأحوال البدن نصف طبيب . وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه وتقوية روحه وقواه بالصدقة وفعل الخير والإحسان والإقبال على الله والدار الآخرة فليس بطبيب بل متطبب قاصر . ومن أعظم علاجات المرض فعل الخير والإحسان والذكر والدعاء والتضرع والابتهال إلى الله والتوبة ولهذه الأمور تأثير في دفع العلل وحصول الشفاء أعظم من الأدوية الطبيعية ولكن بحسب استعداد النفس وقبولها وعقيدتها في ذلك ونفعه .
الثامن عشر التلطف بالمريض والرفق به كالتلطف بالصبي .
التاسع عشر أن يستعمل أنواع العلاجات الطبيعية والإلهية والعلاج بالتخييل فإن لحذاق الأطباء في التخييل أمورا عجيبة لا يصل إليها الدواء فالطبيب الحاذق يستعين على المرض بكل معين .
العشرون - وهو ملاك أمر الطبيب - أن يجعل علاجه وتدبيره دائرا على ستة أركان حفظ الصحة الموجودة ورد الصحة المفقودة بحسب الإمكان وإزالة العلة أو تقليلها بحسب الإمكان واحتمال أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما فعلى هذه الأصول الستة مدار العلاج وكل طبيب لا تكون هذه أخيته التي يرجع إليها فليس بطبيب والله أعلم .
فصل [مراعاة الطبيب لأحوال المرض ]
ولما كان للمرض أربعة أحوال ابتداء وصعود وانتهاء وانحطاط تعين على الطبيب مراعاة كل حال من أحوال المرض بما يناسبها ويليق بها ويستعمل في كل حال ما يجب استعماله فيها . فإذا رأى في ابتداء المرض أن الطبيعة محتاجة إلى ما يحرك الفضلات ويستفرغها لنضجها بادر إليه فإن فاته تحريك الطبيعة في ابتداء المرض لعائق منع من ذلك أو لضعف القوة وعدم احتمالها للاستفراغ أو لبرودة الفصل أو لتفريط وقع فينبغي أن يحذر كل الحذر أن يفعل ذلك في صعود المرض لأنه إن فعله تحيرت الطبيعة لاشتغالها بالدواء وتخلت عن تدبير المرض ومقاومته بالكلية ومثاله أن يجيء إلى فارس مشغول بمواقعة عدوه فيشغله عنه بأمر آخر ولكن الواجب في هذه الحال أن يعين الطبيعة على حفظ القوة ما أمكنه .
فإذا انتهى المرض ووقف وسكن أخذ في استفراغه واستئصال أسبابه فإذا أخذ في الانحطاط كان أولى بذلك . ومثال هذا مثال العدو إذا انتهت قوته وفرغ سلاحه كان أخذه سهلا فإذا ولى وأخذ في الهرب كان أسهل أخذا وحدته وشوكته إنما هي في ابتدائه وحال استفراغه وسعة قوته فهكذا الداء والدواء سواء .
فصل [ من حذق الطبيب التدبير بالأسهل ]
ومن حذق الطبيب أنه حيث أمكن التدبير بالأسهل فلا يعدل إلى الأصعب ويتدرج من الأضعف إلى الأقوى إلا أن يخاف فوت القوة حينئذ فيجب أن يبتدئ بالأقوى ولا يقيم في المعالجة على حال واحدة فتألفها الطبيعة ويقل انفعالها عنه ولا تجسر على الأدوية القوية في الفصول القوية وقد تقدم أنه إذا أمكنه العلاج بالغذاء فلا يعالج بالدواء وإذا أشكل عليه المرض أحار هو أم بارد ؟ فلا يقدم حتى يتبين له ولا يجربه بما يخاف عاقبته ولا بأس بتجربته بما لا يضر أثره .
[ما يفعله الطبيب إذا اجتمعت أمراض ]
وإذا اجتمعت أمراض بدأ بما تخصه واحدة من ثلاث خصال
إحداها : أن يكون برء الآخر موقوفا على برئه كالورم والقرحة فإنه يبدأ بالورم .
الثانية أن يكون أحدها سببا للآخر كالسدة والحمى العفنة فإنه يبدأ بإزالة السبب .
الثالثة أن يكون أحدهما أهم من الآخر كالحاد والمزمن فيبدأ بالحاد ومع هذا فلا يغفل عن الآخر .
وإذا اجتمع المرض والعرض بدأ بالمرض إلا أن يكون العرض أقوى كالقولنج فيسكن الوجع أولا ثم يعالج السدة وإذا أمكنه أن يعتاض عن المعالجة بالاستفراغ بالجوع أو الصوم أو النوم لم يستفرغه وكل صحة أراد حفظها حفظها بالمثل أو الشبه وإن أراد نقلها إلى ما هو أفضل منها نقلها بالضد .
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في المنع من التداوي بالمحرمات
روى أبو داود في " سننه " من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بالمحرم .
وذكر البخاري في " صحيحه " عن ابن مسعود : إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم
وفي " السنن " : عن أبي هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث
وفي " صحيح مسلم " عن طارق بن سويد الجعفي أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها فقال إنما أصنعها للدواء فقال إنه ليس بدواء ولكنه داء
وفي " السنن " أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر يجعل في الدواء فقال " إنها داء وليست بالدواء رواه أبو داود والترمذي . وفي " صحيح مسلم " عن طارق بن سويد الحضرمي قال قلت : يا رسول الله إن بأرضنا أعنابا نعتصرها فنشرب منها قال " لا " فراجعته قلت إنا نستشفي للمريض قال إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء
وفي " سنن النسائي أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه عن قتلها
ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من تداوى بالخمر فلا شفاه الله
[ بيان قبح المعالجة بالمحرمات عقلا ]
المعالجة بالمحرمات قبيحة عقلا وشرعا أما الشرع فما ذكرنا من هذه الأحاديث وغيرها وأما العقل فهو أن الله سبحانه إنما حرمه لخبثه فإنه لم يحرم على هذه الأمة طيبا عقوبة لها كما حرمه على بني إسرائيل بقوله فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم [ النساء : 160 ] ; وإنما حرم على هذه الأمة ما حرم لخبثه وتحريمه له حمية لهم وصيانة عن تناوله فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل فإنه وإن أثر في إزالتها لكنه يعقب سقما أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه فيكون المداوى به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب . وأيضا فإن تحريمه يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابسته وهذا ضد مقصود الشارع وأيضا فإنه داء كما نص عليه صاحب الشريعة فلا يجوز أن يتخذ دواء .
وأيضا فإنه يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث لأن الطبيعة تنفعل عن كيفية الدواء انفعالا بينا فإذا كانت كيفيته خبيثة اكتسبت الطبيعة منه خبثا فكيف إذا كان خبيثا في ذاته ولهذا حرم الله سبحانه على عباده الأغذية والأشربة والملابس الخبيثة لما تكسب النفس من هيئة الخبث وصفته .
[التداوي به ذريعة إلى تعاطيه ]
وأيضا فإن في إباحة التداوي به ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة لا سيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها مزيل لأسقامها جالب لشفائها فهذا أحب شيء إليها والشارع سد الذريعة إلى تناوله بكل ممكن ولا ريب أن بين سد الذريعة إلى تناوله وفتح الذريعة إلى تناوله تناقضا و تعارضا .
وأيضا فإن في هذا الدواء المحرم من الأدواء ما يزيد على ما يظن فيه من الشفاء ولنفرض الكلام في أم الخبائث التي ما جعل الله لنا فيها شفاء قط فإنها شديدة المضرة بالدماغ الذي هو مركز العقل عند الأطباء وكثير من الفقهاء والمتكلمين . قال أبقراط في أثناء كلامه في الأمراض الحادة ضرر الخمرة بالرأس شديد . لأنه يسرع الارتفاع إليه . ويرتفع بارتفاعه الأخلاط التي تعلو في البدن وهو كذلك يضر بالذهن .
وقال صاحب " الكامل " : إن خاصية الشراب الإضرار بالدماغ والعصب . وأما غيره من الأدوية المحرمة فنوعان أحدهما : تعافه النفس ولا تنبعث لمساعدته الطبيعة على دفع المرض به كالسموم ولحوم الأفاعي وغيرها من المستقذرات فيبقى كلا على الطبيعة مثقلا لها فيصير حينئذ داء لا دواء .
والثاني : ما لا تعافه النفس كالشراب الذي تستعمله الحوامل مثلا فهذا ضرره أكثر من نفعه والعقل يقضي بتحريم ذلك فالعقل والفطرة مطابق للشرع في ذلك . وها هنا سر لطيف في كون المحرمات لا يستشفى بها فإن شرط الشفاء بالدواء تلقيه بالقبول واعتقاد منفعته وما جعل الله فيه من بركة الشفاء فإن النافع هو المبارك وأنفع الأشياء أبركها والمبارك من الناس أينما كان هو الذي ينتفع به حيث حل ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين مما يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها وبين حسن ظنه بها وتلقي طبعه لها بالقبول بل كلما كان العبد أعظم إيمانا كان أكره لها وأسوأ اعتقادا فيها وطبعه أكره شيء لها فإذا تناولها في هذه الحال كانت داء له لا دواء إلا أن يزول اعتقاد الخبث فيها وسوء الظن والكراهة لها بالمحبة وهذا ينافي الإيمان فلا يتناولها المؤمن قط إلا على وجه داء والله أعلم .
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج القمل الذي في الرأس وإزالته
في " الصحيحين " عن كعب بن عجرة قال كان بي أذى من رأسي فحملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي فقال ما كنت أرى الجهد قد بلغ بك ما أرى وفي رواية فأمره أن يحلق رأسه وأن يطعم فرقا بين ستة أو يهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام
القمل يتولد في الرأس والبدن من شيئين خارج عن البدن وداخل فيه فالخارج الوسخ والدنس المتراكم في سطح الجسد والثاني من خلط رديء عفن تدفعه الطبيعة بين الجلد واللحم فيتعفن بالرطوبة الدموية في البشرة بعد خروجها من المسام فيكون منه القمل وأكثر ما يكون ذلك بعد العلل والأسقام وبسبب الأوساخ وإنما كان في رءوس الصبيان أكثر لكثرة رطوباتهم وتعاطيهم الأسباب التي تولد القمل ولذلك حلق النبي صلى الله عليه وسلم رءوس بني جعفر .
[علاجه بالحلق ثم بالطلي بالأدوية ]
ومن أكبر علاجه حلق الرأس لتنفتح مسام الأبخرة فتتصاعد الأبخرة الرديئة فتضعف مادة الخلط وينبغي أن يطلى الرأس بعد ذلك بالأدوية التي تقتل القمل وتمنع تولده .
[أنواع حلق الرأس ]
وحلق الرأس ثلاثة أنواع أحدها : نسك وقربة . والثاني : بدعة وشرك والثالث حاجة ودواء فالأول الحلق في أحد النسكين الحج أو العمرة . والثاني : حلق الرأس لغير الله سبحانه كما يحلقها المريدون لشيوخهم فيقول أحدهم أنا حلقت رأسي لفلان وأنت حلقته لفلان وهذا بمنزلة أن يقول سجدت لفلان فإن حلق الرأس خضوع وعبودية وذل ولهذا كان من تمام الحج حتى إنه عند الشافعي ركن من أركانه لا يتم إلا به فإنه وضع النواصي بين يدي ربها خضوعا لعظمته وتذللا لعزته وهو من أبلغ أنواع العبودية ولهذا كانت العرب إذا أرادت إذلال الأسير منهم وعتقه حلقوا رأسه وأطلقوه فجاء شيوخ الضلال والمزاحمون للربوبية الذين أساس مشيختهم على الشرك والبدعة فأرادوا من مريديهم أن يتعبدوا لهم فزينوا لهم حلق رءوسهم لهم كما زينوا لهم السجود لهم وسموه بغير اسمه وقالوا : هو وضع الرأس بين يدي الشيخ ولعمر الله إن السجود لله هو وضع الرأس بين يديه سبحانه وزينوا لهم أن ينذروا لهم ويتوبوا لهم ويحلفوا بأسمائهم وهذا هو اتخاذهم أربابا وآلهة من دون الله قال تعالى : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون [ آل عمران 79 - 80 ] .
[ التحذير من الركوع والانحناء لغير الله وكذا القيام على رءوس الأكابر وهم جلوس ]
وأشرف العبودية عبودية الصلاة وقد تقاسمها الشيوخ والمتشبهون بالعلماء والجبابرة فأخذ الشيوخ منها أشرف ما فيها وهو السجود وأخذ المتشبهون بالعلماء منها الركوع فإذا لقي بعضهم بعضا ركع له كما يركع المصلي لربه سواء وأخذ الجبابرة منهم القيام فيقوم الأحرار والعبيد على رءوسهم عبودية لهم وهم جلوس وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمور الثلاثة على التفصيل فتعاطيها . مخالفة صريحة له فنهى عن السجود لغير الله وقال لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد وأنكر على معاذ لما سجد له وقال " مه "
وتحريم هذا معلوم من دينه بالضرورة وتجويز من جوزه لغير الله مراغمة لله ورسوله وهو من أبلغ أنواع العبودية فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر فقد جوز العبودية لغير الله وقد صح أنه قيل له الرجل يلقى أخاه أينحني له ؟ قال " لا " . قيل أيلتزمه ويقبله قال " لا " . قيل أيصافحه ؟ قال " نعم "
[أمره صلى الله عليه وسلم أصحابه إذا صلى جالسا أن يصلوا جلوسا
لئلا يقوموا على رأسه وهو جالس ]
وأيضا : فالانحناء عند التحية سجود ومنه قوله تعالى : وادخلوا الباب سجدا [ البقرة 58 ] أي منحنين وإلا فلا يمكن الدخول على الجباه وصح عنه النهي عن القيام وهو جالس كما تعظم الأعاجم بعضها بعضا حتى منع من ذلك في الصلاة وأمرهم إذا صلى جالسا أن يصلوا جلوسا وهم أصحاء لا عذر لهم لئلا يقوموا على رأسه وهو جالس مع أن قيامهم لله فكيف إذا كان القيام تعظيما وعبودية لغيره سبحانه .
والمقصود أن النفوس الجاهلة الضالة أسقطت عبودية الله سبحانه وأشركت فيها من تعظمه من الخلق فسجدت لغير الله وركعت له وقامت بين يديه قيام الصلاة وحلفت بغيره ونذرت لغيره وحلقت لغيره وذبحت لغيره وطافت لغير بيته وعظمته بالحب والخوف والرجاء والطاعة كما يعظم الخالق بل أشد وسوت من تعبده من المخلوقين برب العالمين وهؤلاء هم المضادون لدعوة الرسل وهم الذين بربهم يعدلون وهم الذين يقولون - وهم في النار مع آلهتهم يختصمون - تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين [ الشعراء 98 ] . وهم الذين قال فيهم ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله [ البقرة 165 ] وهذا كله من الشرك والله لا يغفر أن يشرك به . فهذا فصل معترض في هديه في حلق الرأس ولعله أهم مما قصد الكلام فيه والله الموفق .
يتبع
روى ابن ماجه " في سننه " من حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل فإن ذلك لا يرد شيئا وهو يطيب نفس المريض وفي هذا الحديث نوع شريف جدا من أشرف أنواع العلاج وهو الإرشاد إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به الطبيعة وتنتعش به القوة وينبعث به الحار الغريزي فيتساعد على دفع العلة أو تخفيفها الذي هو غاية تأثير الطبيب .
وتفريح نفس المريض وتطييب قلبه وإدخال ما يسره عليه له تأثير عجيب في شفاء علته وخفتها فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك فتساعد الطبيعة على دفع المؤذي وقد شاهد الناس كثيرا من المرضى تنتعش قواه بعيادة من يحبونه ويعظمونه ورؤيتهم لهم ولطفهم بهم ومكالمتهم إياهم وهذا أحد فوائد عيادة المرضى التي تتعلق بهم فإن فيها أربعة أنواع من الفوائد نوع يرجع إلى المريض ونوع يعود على العائد ونوع يعود على أهل المريض ونوع يعود على العامة .
وقد تقدم في هديه صلى الله عليه وسلم إنه كان يسأل المريض عن شكواه وكيف يجده ويسأله عما يشتهيه ويضع يده على جبهته وربما وضعها بين ثدييه ويدعو له ويصف له ما ينفعه في علته وربما توضأ وصب على المريض من وضوئه وربما كان يقول للمريض لا بأس طهور إن شاء الله وهذا من كمال اللطف وحسن العلاج والتدبير
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الأبدان بما اعتادته من الأدوية والأغذية دون ما لم تعتده
هذا أصل عظيم من أصول العلاج وأنفع شيء فيه وإذا أخطأه الطبيب أضر المريض من حيث يظن أنه ينفعه ولا يعدل عنه إلى ما يجده من الأدوية في كتب الطب إلا طبيب جاهل فإن ملاءمة الأدوية والأغذية للأبدان بحسب استعدادها وقبولها وهؤلاء أهل البوادي والأكارون وغيرهم لا ينجع فيهم شراب اللينوفر والورد الطري ولا المغلي ولا يؤثر في طباعهم شيئا بل عامة أدوية أهل الحضر وأهل الرفاهية لا تجدي علهم والتجربة شاهدة بذلك ومن تأمل ما ذكرناه من العلاج النبوي رآه كله موافقا لعادة العليل وأرضه وما نشأ عليه .
فهذا أصل عظيم من أصول العلاج يجب الاعتناء به وقد صرح به أفاضل أهل الطب حتى قال طبيب العرب بل أطبهم الحارث بن كلدة وكان فيهم كابقراط في قومه الحمية رأس الدواء والمعدة بيت الداء وعودوا كل بدن ما اعتاد . وفي لفظ عنه الأزم دواء والأزم الإمساك عن الأكل يعني به الجوع وهو من أكبر الأدوية في شفاء الأمراض الامتلائية كلها بحيث إنه أفضل في علاجها من المستفرغات إذا لم يخف من كثرة الامتلاء وهيجان الأخلاط وحدتها أو غليانها .
وقوله المعدة بيت الداء . المعدة عضو عصبي مجوف كالقرعة في شكلها مركب من ثلاث طبقات مؤلفة من شظايا دقيقة عصبية تسمى الليف ويحيط بها لحم وليف إحدى الطبقات بالطول والأخرى بالعرض والثالثة بالورب وفم المعدة أكثر عصبا وقعرها أكثر لحما وفي باطنها خمل وهي محصورة في وسط البطن وأميل إلى الجانب الأيمن قليلا خلقت على هذه الصفة لحكمة لطيفة من الخالق الحكيم سبحانه وهي بيت الداء وكانت محلا للهضم الأول وفيها ينضج الغذاء وينحدر منها بعد ذلك إلى الكبد والأمعاء ويتخلف منه فيها فضلات قد عجزت القوة الهاضمة عن تمام هضمها إما لكثرة الغذاء أو لرداءته أو لسوء ترتيب في استعماله أو لمجموع ذلك وهذه الأشياء بعضها مما لا يتخلص الإنسان منه غالبا فتكون المعدة بيت الداء لذلك وكأنه يشير بذلك إلى الحث على تقليل الغذاء ومنع النفس من اتباع الشهوات والتحرز عن الفضلات .
وأما العادة فلأنها كالطبيعة للإنسان ولذلك يقال العادة طبع ثان وهي قوة عظيمة في البدن حتى إن أمرا واحدا إذا قيس إلى أبدان مختلفة العادات كان مختلف النسبة إليها .
وإن كانت تلك الأبدان متفقة في الوجوه الأخرى مثال ذلك أبدان ثلاثة حارة المزاج في سن الشباب
أحدها : عود تناول الأشياء الحارة .
والثاني : عود تناول الأشياء الباردة .
والثالث عود تناول الأشياء المتوسطة .
فإن الأول متى تناول عسلا لم يضر به والثاني : متى تناوله أضر به والثالث يضر به قليلا فالعادة ركن عظيم في حفظ الصحة ومعالجة الأمراض ولذلك جاء العلاج النبوي بإجراء كل بدن على عادته في استعمال الأغذية والأدوية وغير ذلك .
افتراضي
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في تغذية المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية
في " الصحيحين " من حديث عروة عن عائشة أنها كانت إذا مات الميت من أهلها واجتمع لذلك النساء ثم تفرقن إلى أهلهن أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت وصنعت ثريدا ثم صبت التلبينة عليه ثم قالت كلوا منها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن
وفي " السنن " من حديث عائشة أيضا قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم بالبغيض النافع التلبين قالت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى أحد من أهله لم تزل البرمة على النار حتى ينتهي أحد طرفيه . يعني يبرأ أو يموت .
وعنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قيل له إن فلانا وجع لا يطعم الطعام قال عليكم بالتلبينة فحسوه إياها ويقول والذي نفسي بيده إنها تغسل بطن أحدكم كما تغسل إحداكن وجهها من الوسخ
[ التلبين وفوائده ]
التلبين هو الحساء الرقيق الذي هو في قوام اللبن ومنه اشتق اسمه قال الهروي سميت تلبينة لشبهها باللبن لبياضها ورقتها وهذا الغذاء هو النافع للعليل وهو الرقيق النضيح لا الغليظ النيء وإذا شئت أن تعرف فضل التلبينة فاعرف فضل ماء الشعير بل هي ماء الشعير لهم فإنها حساء متخذ من دقيق الشعير بنخالته والفرق بينها وبين ماء الشعير أنه يطبخ صحاحا والتلبينة تطبخ منه مطحونا وهي أنفع منه لخروج خاصية الشعير بالطحن وقد تقدم أن للعادات تأثيرا في الانتفاع بالأدوية والأغذية وكانت عادة القوم أن يتخذوا ماء الشعير منه مطحونا لا صحاحا وهو أكثر تغذية وأقوى فعلا وأعظم جلاء وإنما اتخذه أطباء المدن منه صحاحا ليكون أرق وألطف فلا يثقل على طبيعة المريض وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورخاوتها وثقل ماء الشعير المطحون عليها . والمقصود أن ماء الشعير مطبوخا صحاحا ينفذ سريعا ويجلو جلاء ظاهرا ويغذي غذاء لطيفا . وإذا شرب حارا كان جلاؤه أقوى ونفوذه أسرع وإنماؤه للحرارة الغريزية أكثر وتلميسه لسطوح المعدة أوفق .
[ علة ذهاب التلبينة ببعض الحزن ]
وقوله صلى الله عليه وسلم فيها : مجمة لفؤاد المريض يروى بوجهين . بفتح الميم والجيم وبضم الميم وكسر الجيم والأول أشهر ومعناه أنها مريحة له أي تريحه وتسكنه من الإجمام وهو الراحة . وقوله " تذهب ببعض الحزن " هذا - والله أعلم - لأن الغم والحزن يبردان المزاج ويضعفان الحرارة الغريزية لميل الروح الحامل لها إلى جهة القلب الذي هو منشؤها وهذا الحساء يقوي الحرارة الغريزية بزيادته في مادتها فتزيل أكثر ما عرض له من الغم والحزن .
وقد يقال - وهو أقرب - إنها تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها من جنس خواص الأغذية المفرحة فإن من الأغذية ما يفرح بالخاصية والله أعلم .
وقد يقال إن قوى الحزين تضعف باستيلاء اليبس على أعضائه وعلى معدته خاصة لتقليل الغذاء وهذا الحساء يرطبها ويقويها ويغذيها ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض لكن المريض كثيرا ما يجتمع في معدته خلط مراري أو بلغمي أو صديدي وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة ويسروه ويحدره ويميعه ويعدل كيفيته ويكسر سورته فيريحها ولا سيما لمن عادته الاغتذاء بخبز الشعير وهي عادة أهل المدينة إذ ذاك وكان هو غالب قوتهم وكانت الحنطة عزيزة عندهم . والله أعلم .
افتراضي
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السم الذي أصابه بخيبر من اليهود
ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك : أن امرأة يهودية أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاة مصلية بخيبر فقال ما هذه ؟ قالت هدية وحذرت أن تقول من الصدقة فلا يأكل منها فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وأكل الصحابة ثم
قال أمسكوا ثم قال للمرأة هل سممت هذه الشاة ؟ قالت من أخبرك بهذا ؟ قال هذا العظم لساقها وهو في يده ؟ قالت نعم . قال لم ؟ قالت أردت إن كنت كاذبا أن يستريح منك الناس وإن كنت نبيا لم يضرك قال فاحتجم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة على الكاهل وأمر أصحابه أن يحتجموا فاحتجموا فمات بعضهم
وفي طريق أخرى : واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة حجمه أبو هند بالقرن والشفرة وهو مولى لبني بياضة من الأنصار وبقي بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه فقال ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر حتى كان هذا أوان انقطاع الأبهر مني
فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا قاله موسى بن عقبة .
[ يعالج السم بالاستفراغات وبالأدوية المبطلة لفعل السم ]
معالجة السم تكون بالاستفراغات وبالأدوية التي تعارض فعل السم وتبطله إما بكيفياتها وإما بخواصها فمن عدم الدواء فليبادر إلى الاستفراغ الكلي وأنفعه الحجامة ولا سيما إذا كان البلد حارا والزمان حارا فإن القوة السمية تسري إلى الدم فتنبعث في العروق والمجاري حتى تصل إلى القلب فيكون الهلاك فالدم هو المنفذ الموصل للسم إلى القلب والأعضاء فإذا بادر المسموم وأخرج الدم خرجت معه تلك الكيفية السمية التي خالطته فإن كان استفراغا تاما لم يضره السم بل إما أن يذهب وإما أن يضعف فتقوى عليه الطبيعة فتبطل فعله أو تضعفه .
[ استشهاده صلى الله عليه وسلم بالسم ]
ولما احتجم النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في الكاهل وهو أقرب المواضع التي يمكن فيها الحجامة إلى القلب فخرجت المادة السمية مع الدم لا خروجا كليا بل بقي أثرها مع ضعفه لما يريد الله سبحانه من تكميل مراتب الفضل كلها له فلما أراد الله إكرامه بالشهادة ظهر تأثير ذلك الأثر الكامن من السم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وظهر سر قوله تعالى لأعدائه من اليهود : أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون [ البقرة 87 ] فجاء بلفظ كذبتم بالماضي الذي قد وقع منه وتحقق وجاء بلفظ " تقتلون " بالمستقبل الذي يتوقعونه وينتظرونه والله أعلم .
افتراضي
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السحر
الذي سحرته اليهود به قد أنكر هذا طائفة من الناس وقالوا : لا يجوز هذا عليه وظنوه نقصا وعيبا وليس الأمر كما زعموا بل هو من جنس ما كان يعتريه صلى الله عليه وسلم من الأسقام والأوجاع وهو مرض من الأمراض وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما وقد ثبت في " الصحيحين " عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إن كان ليخيل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتهن وذلك أشد ما يكون من السحر .
قال القاضي عياض : والسحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه صلى الله عليه وسلم كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته وأما كونه يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من صدقه لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا وإنما هذا فيما يجوز طروه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث لسببها ولا فضل من أجلها وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر فغير بعيد أنه يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما كان .
[ علاج السحر ]
والمقصود ذكر هديه في علاج هذا المرض وقد روي عنه فيه نوعان
[ استخراج السحر وإبطاله ]
أحدهما - وهو أبلغهما - استخراجه وإبطاله كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سأل ربه سبحانه في ذلك فدل عليه فاستخرجه من بئر فكان في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر فلما استخرجه ذهب ما به حتى كأنما أنشط من عقال فهذا من أبلغ ما يعالج به المطبوب وهذا بمنزلة إزالة المادة الخبيثة وقلعها من الجسد بالاستفراغ .
[ الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر ]
والنوع الثاني : الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر فإن للسحر تأثيرا في الطبيعة وهيجان أخلاطها وتشويش مزاجها فإذا ظهر أثره في عضو وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو نفع جدا .
وقد ذكر أبو عبيد في كتاب " غريب الحديث " له بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم على رأسه بقرن حين طب قال أبو عبيد : معنى طب أي سحر .
وقد أشكل هذا على من قل علمه وقال ما للحجامة والسحر وما الرابطة بين هذا الداء وهذا الدواء ولو وجد هذا القائل أبقراط أو ابن سينا أو غيرهما قد
نص على هذا العلاج لتلقاه بالقبول والتسليم وقال قد نص عليه من لا يشك في معرفته وفضله .
فاعلم أن مادة السحر الذي أصيب به صلى الله عليه وسلم انتهت إلى رأسه إلى إحدى قواه التي فيه بحيث كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله وهذا تصرف من الساحر في الطبيعة والمادة الدموية بحيث غلبت تلك المادة على البطن المقدم منه فغيرت مزاجه عن طبيعته الأصلية .
والسحر هو مركب من تأثيرات الأرواح الخبيثة وانفعال القوى الطبيعية عنها وهو أشد ما يكون من السحر ولا سيما في الموضع الذي انتهى السحر إليه واستعمال الحجامة على ذلك المكان الذي تضررت أفعاله بالسحر من أنفع المعالجة إذا استعملت على القانون الذي ينبغي .
قال أبقراط الأشياء التي ينبغي أن تستفرغ يجب أن تستفرغ من المواضع التي هي إليها أميل بالأشياء التي تصلح لاستفراغها .
وقالت طائفة من الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصيب بهذا الداء وكان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله ظن أن ذلك عن مادة دموية أو غيرها مالت إلى جهة الدماغ وغلبت على البطن المقدم منه فأزالت مزاجه عن الحالة الطبيعية له وكان استعمال الحجامة إذ ذاك من أبلغ الأدوية وأنفع المعالجة فاحتجم وكان ذلك قبل أن يوحى إليه أن ذلك من السحر فلما جاءه الوحي من الله تعالى وأخبره أنه قد سحر عدل إلى العلاج الحقيقي وهو استخراج السحر وإبطاله فسأل الله سبحانه فدله على مكانه فاستخرجه فقام كأنما أنشط من عقال وكان غاية هذا السحر فيه إنما هو في جسده وظاهر جوارحه لا على عقله وقلبه ولذلك لم يكن يعتقد صحة ما يخيل إليه من إتيان النساء بل يعلم أنه خيال لا حقيقة له ومثل هذا قد يحدث من بعض الأمراض والله أعلم .
فصل [ علاج السحر بالأذكار والآيات ]
ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية بل هي أدويته النافعة بالذات فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها وكلما كانت أقوى وأشد كانت أبلغ في النشرة وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل واحد منهما عدته وسلاحه فأيهما غلب الآخر قهره وكان الحكم له فالقلب إذا كان ممتلئا من الله مغمورا بذكره وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات ورد لا يخل به يطابق فيه قلبه لسانه كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه . وعند السحرة أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسفليات ولهذا فإن غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال وأهل البوادي ومن ضعف حظه من الدين والتوكل والتوحيد ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية والدعوات والتعوذات النبوية .
وبالجملة فسلطان تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلها إلى السفليات قالوا : والمسحور هو الذي يعين على نفسه فإنا نجد قلبه متعلقا بشيء كثير الالتفات إليه فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات والأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لتسلطها عليها بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة وبفراغها من القوة الإلهية وعدم أخذها للعدة التي تحاربها بها فتجدها فارغة لا عدة معها وفيها ميل إلى ما يناسبها فتتسلط عليها ويتمكن تأثيرها فيها بالسحر وغيره والله أعلم .
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الإرشاد إلى معالجة أحذق الطبيبين
ذكر مالك في " موطئه " : عن زيد بن أسلم أن رجلا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابه جرح فاحتقن الجرح الدم وأن الرجل دعا رجلين من بني أنمار فنظرا إليه فزعما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما : " أيكما أطب ؟ فقال أو في الطب خير يا رسول الله ؟ فقال أنزل الدواء الذي أنزل الداء
[ ينبغي الاستعانة في كل علم وصناعة بأحذق من فيها فالأحذق ]
ففي هذا الحديث أنه ينبغي الاستعانة في كل علم وصناعة بأحذق من فيها فالأحذق فإنه إلى الإصابة أقرب .
وهكذا يجب على المستفتي أن يستعين على ما نزل به بالأعلم فالأعلم لأنه أقرب إصابة ممن هو دونه .
وكذلك من خفيت عليه القبلة فإنه يقلد أعلم من يجده وعلى هذا فطر الله عباده كما أن المسافر في البر والبحر إنما سكون نفسه وطمأنينته إلى أحذق الدليلين وأخبرهما وله يقصد وعليه يعتمد فقد اتفقت على هذا الشريعة والفطرة والعقل .
وقوله صلى الله عليه وسلم أنزل الدواء الذي أنزل الداء قد جاء مثله عنه في أحاديث كثيرة فمنها ما رواه عمرو بن دينار عن هلال بن يساف قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مريض يعوده فقال " أرسلوا إلى طبيب " فقال قائل وأنت تقول ذلك يا رسول الله ؟ قال " نعم إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له دواء
وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة يرفعه ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء وقد تقدم هذا الحديث وغيره .
[ معنى أنزل الداء والدواء ]
" واختلف في معنى أنزل الداء والدواء فقالت طائفة إنزاله إعلام العباد به وليس بشيء فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بعموم الإنزال لكل داء ودوائه وأكثر الخلق لا يعلمون ذلك ولهذا قال علمه من علمه وجهله من جهله وقالت طائفة إنزالهما : خلقهما ووضعهما في الأرض كما في الحديث الآخر إن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء وهذا وإن كان أقرب من الذي قبله فلفظة الإنزال أخص من لفظة الخلق والوضع فلا ينبغي إسقاط خصوصية اللفظة بلا موجب . وقالت طائفة إنزالهما بواسطة الملائكة الموكلين بمباشرة الخلق من داء ودواء وغير ذلك فإن الملائكة موكلة بأمر هذا العالم وأمر النوع الإنساني من حين سقوطه في رحم أمه إلى حين موته فإنزال الداء والدواء مع الملائكة وهذا أقرب من الوجهين قبله .
وقالت طائفة إن عامة الأدواء والأدوية هي بواسطة إنزال الغيث من السماء الذي تتولد به الأغذية والأقوات والأدوية والأدواء وآلات ذلك كله وأسبابه ومكملاته وما كان منها من المعادن العلوية فهي تنزل من الجبال وما كان منها من الأودية والأنهار والثمار فداخل في اللفظ على طريق التغليب والاكتفاء عن الفعلين بفعل واحد يتضمنهما وهو معروف من لغة العرب بل وغيرها من الأمم كقول الشاعر
علفتها تبنا وماء باردا
حتى غدت همالة عيناها
وقول الآخر
متقلدا سيفا ورمحا
ورأيت زوجك قد غدا
وقول الآخر
إذا ما الغانيات برزن يوما
وزججن الحواجب والعيونا
وهذا أحسن مما قبله من الوجوه والله أعلم .
[ كما يبتلي الله عباده فإنه ييسر لهم ما يضاده ]
وهذا من تمام حكمة الرب عز وجل وتمام ربوبيته فإنه كما ابتلى عباده بالأدواء أعانهم عليها بما يسره لهم من الأدوية وكما ابتلاهم بالذنوب أعانهم عليها بالتوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفرة وكما ابتلاهم بالأرواح الخبيثة من الشياطين أعانهم عليها بجند من الأرواح الطيبة وهم الملائكة . وكما ابتلاهم بالشهوات أعانهم على قضائها بما يسره لهم شرعا وقدرا من المشتهيات اللذيذة النافعة فما ابتلاهم سبحانه بشيء إلا أعطاهم ما يستعينون به على ذلك البلاء ويدفعونه به ويبقى التفاوت بينهم في العلم بذلك والعلم بطريق حصوله والتوصل إليه وبالله المستعان .
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاستفراغ بالقيء
روى الترمذي في " جامعه " عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال صدق أنا صببت له وضوءه .
قال الترمذي وهذا أصح شيء في الباب .
[ أصول الاستفراغ ]
القيء أحد الاستفراغات الخمسة التي هي أصول الاستفراغ وهي الإسهال والقيء وإخراج الدم وخروج الأبخرة والعرق وقد جاءت بها السنة .
فأما الإسهال فقد مر في حديث خير ما تداويتم به المشي وفي حديث " السنا " .
وأما إخراج الدم فقد تقدم في أحاديث الحجامة .
وأما استفراغ الأبخرة فنذكره عقيب هذا الفصل إن شاء الله .
وأما الاستفراغ بالعرق فلا يكون غالبا بالقصد بل بدفع الطبيعة له إلى ظاهر الجسد فيصادف المسام مفتحة فيخرج منها .
[ أنواع القيء ]
والقيء استفراغ من أعلى المعدة والحقنة من أسفلها والدواء من أعلاها وأسفلها والقيء نوعان نوع بالغلبة والهيجان ونوع بالاستدعاء والطلب . فأما الأول فلا يسوغ حبسه ودفعه إلا إذا أفرط وخيف منه التلف . فيقطع بالأشياء التي تمسكه . وأما الثاني : فأنفعه عند الحاجة إذا روعي زمانه وشروطه التي تذكر .
[ أسباب القيء ]
وأسباب القيء عشرة
أحدها : غلبة المرة الصفراء وطفوها على رأس المعدة فتطلب الصعود .
الثاني : من غلبة بلغم لزج قد تحرك في المعدة واحتاج إلى الخروج .
الثالث أن يكون من ضعف المعدة في ذاتها فلا تهضم الطعام فتقذفه إلى جهة فوق .
الرابع أن يخالطها خلط رديء ينصب إليها فيسيء هضمها ويضعف فعلها .
الخامس أن يكون من زيادة المأكول أو المشروب على القدر الذي تحتمله المعدة فتعجز عن إمساكه فتطلب دفعه وقذفه .
السادس أن يكون من عدم موافقة المأكول والمشروب لها وكراهتها له فتطلب دفعه وقذفه .
السابع أن يحصل فيها ما يثور الطعام بكيفيته وطبيعته فتقذف به .
الثامن القرف وهو موجب غثيان النفس وتهوعها .
[ الأعراض النفسانية من أسباب القيء ]
التاسع من الأعراض النفسانية كالهم الشديد والغم والحزن وغبة اشتغال الطبيعة والقوى الطبيعية به واهتمامها بوروده عن تدبير البدن وإصلاح الغذاء وإنضاجه وهضمه فتقذفه المعدة وقد يكون لأجل تحرك الأخلاط عند تخبط النفس فإن كل واحد من النفس والبدن ينفعل عن صاحبه ويؤثر في كيفيته . العاشر نقل الطبيعة بأن يرى من يتقيأ فيغلبه هو القيء من غير استدعاء فإن الطبيعة نقالة .
[ إخبار أحد الأطباء المصنف بقصتين عن نقل المرض برؤية المريض ]
وأخبرني بعض حذاق الأطباء قال كان لي ابن أخت حذق في الكحل فجلس كحالا فكان إذا فتح عين الرجل ورأى الرمد وكحله رمد هو وتكرر ذلك منه فترك الجلوس . قلت له فما سبب ذلك ؟ قال نقل الطبيعة فإنها نقالة قال وأعرف آخر كان رأى خراجا في موضع من جسم رجل يحكه فحك هو ذلك الموضع فخرجت فيه خراجة . قلت وكل هذا لا بد فيه من استعداد الطبيعة وتكون المادة ساكنة فيها غير متحركة فتتحرك لسبب من هذه الأسباب فهذه أسباب لتحرك المادة لا أنها هي الموجبة لهذا العارض .
فصل [أنفع الأمكنة والأزمنة للقيء والإسهال ]
ولما كانت الأخلاط في البلاد الحارة والأزمنة الحارة ترق وتنجذب إلى فوق كان القيء فيها أنفع . ولما كانت في الأزمنة الباردة والبلاد الباردة تغلظ ويصعب جذبها إلى فوق كان استفراغها بالإسهال أنفع .
[ كيفية إزالة الأخلاط ودفعها ]
وإزالة الأخلاط ودفعها تكون بالجذب والاستفراغ والجذب يكون من أبعد الطرق والاستفراغ من أقربها والفرق بينهما أن المادة إذا كانت عاملة في
الانصباب أو الترقي لم تستقر بعد فهي محتاجة إلى الجذب فإن كانت متصاعدة جذبت من أسفل وإن كانت منصبة جذبت من فوق وأما إذا استقرت في موضعها استفرغت من أقرب الطرق إليها فمتى أضرت المادة بالأعضاء العليا اجتذبت من أسفل ومتى أضرت بالأعضاء السفلى اجتذبت من فوق ومتى استقرت استفرغت من أقرب مكان إليها ولهذا احتجم النبي صلى الله عليه وسلم على كاهله تارة وفي رأسه أخرى وعلى ظهر قدمه تارة فكان يستفرغ مادة الدم المؤذي من أقرب مكان إليه . والله أعلم .
فصل [فوائد القيء ]
والقيء ينقي المعدة ويقويها ويحد البصر ويزيل ثقل الرأس وينفع قروح الكلى والمثانة والأمراض المزمنة كالجذام والاستسقاء والفالج والرعشة وينفع اليرقان .
[ وقت القيء ]
[ضرر الإكثار من القيء ]
[ من يجب عليه اجتنابه ]
وينبغي أن يستعمله الصحيح في الشهر مرتين متواليتين من غير حفظ دور ليتدارك الثاني ما قصر عنه الأول وينقي الفضلات التي انصبت بسببه والإكثار منه يضر المعدة ويجعلها قابلة للفضول ويضر بالأسنان والبصر والسمع وربما صدع عرقا ويجب أن يجتنبه من به ورم في الحلق أو ضعف في الصدر أو دقيق الرقبة أو مستعد لنفث الدم أو عسر الإجابة له .
[ مضار القيء بعد امتلاء المعدة ]
وأما ما يفعله كثير ممن يسيء التدبير وهو أن يمتلئ من الطعام ثم يقذفه ففيه آفات عديدة منها : أنه يعجل الهرم ويوقع في أمراض رديئة ويجعل القيء له عادة . والقيء مع اليبوسة وضعف الأحشاء وهزال المراق . أو ضعف المستقيء خطر ...
[ أفضل أوقاته وكيفيته ]
وأحمد أوقاته الصيف والربيع دون الشتاء والخريف وينبغي عند القيء أن يعصب العينين ويقمط البطن ويغسل الوجه بماء بارد عند الفراغ وأن يشرب عقيبه شراب التفاح مع يسير من مصطكى وماء الورد ينفعه نفعا بينا .
[الفرق بين القيء والاستفراغ ]
والقيء يستفرغ من أعلى المعدة ويجذب من أسفل والإسهال بالعكس قال أبقراط وينبغي أن يكون الاستفراغ في الصيف من فوق أكثر من الاستفراغ بالدواء وفي الشتاء من أسفل .
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في تضمين من طب الناس وهو جاهل بالطب
روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تطبب ولم يعلم منه الطب قبل ذلك فهو ضامن
هذا الحديث يتعلق به ثلاثة أمور أمر لغوي وأمر فقهي وأمر طبي .
[معنى الطب لغة ]
فأما اللغوي فالطب بكسر الطاء في لغة العرب يقال على معان . منها الإصلاح يقال طببته إذا أصلحته . ويقال له طب بالأمور . أي لطف وسياسة . قال الشاعر
وإذا تغير من تميم أمرها
كنت الطبيب لها برأي ثاقب
ومنها : الحذق . قال الجوهري : كل حاذق طبيب عند العرب قال أبو عبيد : أصل الطب : الحذق بالأشياء والمهارة بها . يقال للرجل طب وطبيب إذا كان كذلك وإن كان في غير علاج المريض . وقال غيره رجل طبيب أي حاذق سمي طبيبا لحذقه وفطنته . قال علقمة
فإن تسألوني بالنساء فإنني
خبير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قل ماله
فليس له من ودهن نصيب
وقال عنترة :
إن تغد في دوني القناع فإنني
طب بأخذ الفارس المستلئم
أي إن ترخي عني قناعك وتستري وجهك رغبة عني فإني خبير حاذق بأخذ الفارس الذي قد لبس لأمة حربه . ومنها : العادة يقال ليس ذاك بطبي أي عادتي قال فروة بن مسيك :
فما إن طبنا جبن ولكن
منايانا ودولة آخرينا
وقال أحمد بن الحسين المتنبي :
وما التيه طبي فيهم غير أنني
بغيض إلي الجاهل المتعاقل
ومنها : السحر يقال رجل مطبوب أي مسحور وفي " الصحيح " في حديث عائشة لما سحرت يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس الملكان عند رأسه وعند رجليه فقال أحدهما : ما بال الرجل ؟ قال الآخر مطبوب . قال من طبه ؟ قال فلان اليهودي .
قال أبو عبيد : إنما قالوا للمسحور مطبوب لأنهم كنوا بالطب عن السحر كما كنوا عن اللديغ فقالوا : سليم تفاؤلا بالسلامة وكما كنوا بالمفازة عن الفلاة المهلكة التي لا ماء فيها فقالوا : مفازة تفاؤلا بالفوز من الهلاك . ويقال الطب لنفس الداء . قال ابن أبي الأسلت :
ألا من مبلغ حسا ن عني
أسحر كان طبك أم جنون
وأما قول الحماسي :
فإن كنت مطبوبا فلا زلت هكذا
وإن كنت مسحورا فلا برئ السحر
فإنه أراد بالمطبوب الذي قد سحر وأراد بالمسحور العليل بالمرض . قال الجوهري : ويقال للعليل مسحور . وأنشد البيت . ومعناه إن كان هذا الذي قد عراني منك ومن حبك أسأل الله دوامه ولا أريد زواله سواء كان سحرا أو مرضا .
والطب : مثلث الطاء فالمفتوح الطاء هو العالم بالأمور وكذلك الطبيب يقال له طب أيضا . والطب : بكسر الطاء فعل الطبيب والطب بضم الطاء اسم موضع قاله ابن السيد وأنشد
فقلت هل انهلتم بطب ركابكم
بجائزة الماء التي طاب طينها
وقوله صلى الله عليه وسلم من تطبب ولم يقل من طب لأن لفظ التفعل يدل على تكلف الشيء والدخول فيه بعسر وكلفة وأنه ليس من أهله كتحلم وتشجع وتصبر ونظائرها وكذلك بنوا تكلف على هذا الوزن قال الشاعر
وقيس عيلان ومن تقيسا
[إيجاب الضمان على الطبيب الجاهل ]
وأما الأمر الشرعي فإيجاب الضمان على الطبيب الجاهل فإذا تعاطى علم الطب وعمله ولم يتقدم له به معرفة فقد هجم بجهله على إتلاف الأنفس وأقدم بالتهور على ما لم يعلمه فيكون قد غرر بالعليل فيلزمه الضمان لذلك وهذا إجماع من أهل العلم . قال الخطابي : لا أعلم خلافا في أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامنا والمتعاطي علما أو عملا لا يعرفه متعد فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية وسقط عنه القود لأنه لا يستبد بذلك بدون إذن المريض وجناية المتطبب في قول عامة الفقهاء على عاقلته .
[ أقسام الأطباء من جهة إتلاف الأعضاء وذكر القسم الأول ]
قلت : الأقسام خمسة أحدها : طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده فتولد من فعله المأذون فيه من جهة الشارع ومن جهة من يطبه تلف العضو أو النفس أو ذهاب صفة فهذا لا ضمان عليه اتفاقا فإنها سراية مأذون فيه وهذا كما إذا ختن الصبي في وقت وسنه قابل للختان وأعطى الصنعة حقها فتلف العضو أو الصبي لم يضمن وكذلك إذا بط من عاقل أو غيره ما ينبغي بطه في وقته على الوجه الذي ينبغي فتلف به لم يضمن وهكذا سراية كل مأذون فيه لم يتعد الفاعل في سببها كسراية الحد بالاتفاق .
وسراية القصاص عند الجمهور خلافا لأبي حنيفة في إيجابه الضمان بها وسراية التعزير وضرب الرجل امرأته والمعلم الصبي والمستأجر الدابة خلافا لأبي حنيفة والشافعي في إيجابهما الضمان في ذلك واستثنى الشافعي ضرب الدابة . وقاعدة الباب إجماعا ونزاعا : أن سراية الجناية مضمونة بالاتفاق وسراية الواجب مهدرة بالاتفاق وما بينهما ففيه النزاع .
فأبو حنيفة أوجب ضمانه مطلقا وأحمد ومالك أهدرا ضمانه وفرق الشافعي بين المقدر فأهدر ضمانه وبين غير المقدر فأوجب ضمانه . فأبو حنيفة نظر إلى أن الإذن في الفعل إنما وقع مشروطا بالسلامة وأحمد ومالك نظرا إلى أن الإذن أسقط الضمان والشافعي نظر إلى أن المقدر لا يمكن النقصان منه فهو بمنزلة النص وأما غير المقدر كالتعزيرات والتأديبات فاجتهادية فإذا تلف بها ضمن لأنه في مظنة العدوان .
فصل [ القسم الثاني ]
القسم الثاني : مطبب جاهل باشرت يده من يطبه فتلف به فهذا إن علم المجني عليه أنه جاهل لا علم له وأذن له في طبه لم يضمن ولا تخالف هذه الصورة ظاهر الحديث فإن السياق وقوة الكلام يدل على أنه غر العليل وأوهمه أنه طبيب وليس كذلك وإن ظن المريض أنه طبيب وأذن له في طبه لأجل معرفته ضمن الطبيب ما جنت يده وكذلك إن وصف له دواء يستعمله والعليل يظن أنه وصفه لمعرفته وحذقه فتلف به ضمنه والحديث ظاهر فيه أو صريح .
فصل [ القسم الثالث ]
القسم الثالث طبيب حاذق أذن له وأعطى الصنعة حقها لكنه أخطأت يده وتعدت إلى عضو صحيح فأتلفه مثل أن سبقت يد الخاتن إلى الكمرة فهذا يضمن لأنها جناية خطأ ثم إن كانت الثلث فما زاد فهو على عاقلته فإن لم تكن عاقلة فهل تكون الدية في ماله أو في بيت المال ؟ على قولين هما روايتان عن أحمد . وقيل إن كان الطبيب ذميا ففي ماله وإن كان مسلما ففيه الروايتان فإن لم يكن بيت مال أو تعذر تحميله فهل تسقط الدية أو تجب في مال الجاني ؟ فيه وجهان أشهرهما : سقوطها .
فصل [القسم الرابع ]
القسم الرابع الطبيب الحاذق الماهر بصناعته اجتهد فوصف للمريض دواء فأخطأ في اجتهاده فقتله فهذا يخرج على روايتين إحداهما : أن دية المريض في بيت المال . والثانية أنها على عاقلة الطبيب وقد نص عليهما الإمام أحمد في خطأ الإمام والحاكم .
فصل [ القسم الخامس ]
القسم الخامس طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها فقطع سلعة من رجل أو صبي أو مجنون بغير إذنه أو إذن وليه أو ختن صبيا بغير إذن وليه فتلف فقال أصحابنا : يضمن لأنه تولد من فعل غير مأذون فيه وإن أذن له البالغ أو ولي الصبي والمجنون لم يضمن ويحتمل أن لا يضمن مطلقا لأنه محسن وما على المحسنين من سبيل . وأيضا فإنه إن كان متعديا فلا أثر لإذن الولي في إسقاط الضمان وإن لم يكن متعديا فلا وجه لضمانه . فإن قلت : هو متعد عند عدم الإذن غير متعد عند الإذن قلت : العدوان وعدمه إنما يرجع إلى فعله هو فلا أثر للإذن وعدمه فيه وهذا موضع نظر .
فصل أقسام الأطباء المذكورة سابقا تتناول الطب عملا أو قولا إنسانا أو حيوانا واسم كل منهم
والطبيب في هذا الحديث يتناول من يطب بوصفه وقوله وهو الذي يخص باسم الطبائعي وبمروده وهو الكحال وبمبضعه ومراهمه وهو الجرائحي وبموساه وهو الخاتن وبريشته وهو الفاصد وبمحاجمه ومشرطه وهو الحجام وبخلعه ووصله ورباطه وهو المجبر وبمكواته وناره وهو الكواء وبقربته وهو الحاقن وسواء كان طبه لحيوان بهيم أو إنسان فاسم الطبيب يطلق لغة على هؤلاء كلهم كما تقدم وتخصيص الناس له ببعض أنواع الأطباء عرف حادث كتخصيص لفظ الدابة بما يخصها به كل قوم .
فصل [ ما يراعيه الطبيب الحاذق من الأمور ]
والطبيب الحاذق هو الذي يراعي في علاجه عشرين أمرا :
أحدها : النظر في نوع المرض من أي الأمراض هو ؟
الثاني : النظر في سببه من أي شيء حدث والعلة الفاعلة التي كانت سبب حدوثه ما هي ؟ .
الثالث قوة المريض وهل هي مقاومة للمرض أو أضعف منه ؟ فإن كانت مقاومة للمرض مستظهرة عليه تركها والمرض ولم يحرك بالدواء ساكنا .
الرابع مزاج البدن الطبيعي ما هو ؟
الخامس المزاج الحادث على غير المجرى الطبيعي .
السادس سن المريض .
السابع عادته .
الثامن الوقت الحاضر من فصول السنة وما يليق به .
التاسع بلد المريض وتربته .
العاشر حال الهواء في وقت المرض .
الحادي عشر النظر في الدواء المضاد لتلك العلة .
الثاني عشر النظر في قوة الدواء ودرجته والموازنة بينها وبين قوة المريض .
[ أن يكون قصده إزالة العلة على وجه يأمن معه حدوث أصعب منها ]
الثالث عشر ألا يكون كل قصده إزالة تلك العلة فقط بل إزالتها على وجه يأمن معه حدوث أصعب منها فمتى كان إزالتها لا يأمن معها حدوث علة أخرى أصعب منها أبقاها على حالها وتلطيفها هو الواجب وهذا كمرض أفواه العروق فإنه متى عولج بقطعه وحبسه خيف حدوث ما هو أصعب منه .
[ أن يعالج بالأسهل فالأسهل ]
الرابع عشر أن يعالج بالأسهل فالأسهل فلا ينتقل من العلاج بالغذاء إلى الدواء إلا عند تعذره ولا ينتقل إلى الدواء المركب إلا عند تعذر الدواء البسيط فمن حذق الطبيب علاجه بالأغذية بدل الأدوية وبالأدوية البسيطة بدل المركبة .
الخامس عشر أن ينظر في العلة هل هي مما يمكن علاجها أو لا ؟ فإن لم يمكن علاجها حفظ صناعته وحرمته ولا يحمله الطمع على علاج لا يفيد شيئا . وإن أمكن علاجها نظر هل يمكن زوالها أم لا ؟ فإن علم أنه لا يمكن زوالها نظر هل يمكن تخفيفها وتقليلها أم لا ؟ فإن لم يكن تقليلها ورأى أن غاية الإمكان إيقافها وقطع زيادتها قصد بالعلاج ذلك وأعان القوة وأضعف المادة .
السادس عشر ألا يتعرض للخلط قبل نضجه باستفراغ بل يقصد إنضاجه فإذا تم نضجه بادر إلى استفراغه .
[ أن يكون له خبرة باعتلال القلوب ]
السابع عشر أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان فإن انفعال البدن وطبيعته عن النفس والقلب أمر مشهود والطبيب إذا كان عارفا بأمراض القلب والروح وعلاجهما كان هو الطبيب الكامل والذي لا خبرة له بذلك وإن كان حاذقا في علاج الطبيعة وأحوال البدن نصف طبيب . وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه وتقوية روحه وقواه بالصدقة وفعل الخير والإحسان والإقبال على الله والدار الآخرة فليس بطبيب بل متطبب قاصر . ومن أعظم علاجات المرض فعل الخير والإحسان والذكر والدعاء والتضرع والابتهال إلى الله والتوبة ولهذه الأمور تأثير في دفع العلل وحصول الشفاء أعظم من الأدوية الطبيعية ولكن بحسب استعداد النفس وقبولها وعقيدتها في ذلك ونفعه .
الثامن عشر التلطف بالمريض والرفق به كالتلطف بالصبي .
التاسع عشر أن يستعمل أنواع العلاجات الطبيعية والإلهية والعلاج بالتخييل فإن لحذاق الأطباء في التخييل أمورا عجيبة لا يصل إليها الدواء فالطبيب الحاذق يستعين على المرض بكل معين .
العشرون - وهو ملاك أمر الطبيب - أن يجعل علاجه وتدبيره دائرا على ستة أركان حفظ الصحة الموجودة ورد الصحة المفقودة بحسب الإمكان وإزالة العلة أو تقليلها بحسب الإمكان واحتمال أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما فعلى هذه الأصول الستة مدار العلاج وكل طبيب لا تكون هذه أخيته التي يرجع إليها فليس بطبيب والله أعلم .
فصل [مراعاة الطبيب لأحوال المرض ]
ولما كان للمرض أربعة أحوال ابتداء وصعود وانتهاء وانحطاط تعين على الطبيب مراعاة كل حال من أحوال المرض بما يناسبها ويليق بها ويستعمل في كل حال ما يجب استعماله فيها . فإذا رأى في ابتداء المرض أن الطبيعة محتاجة إلى ما يحرك الفضلات ويستفرغها لنضجها بادر إليه فإن فاته تحريك الطبيعة في ابتداء المرض لعائق منع من ذلك أو لضعف القوة وعدم احتمالها للاستفراغ أو لبرودة الفصل أو لتفريط وقع فينبغي أن يحذر كل الحذر أن يفعل ذلك في صعود المرض لأنه إن فعله تحيرت الطبيعة لاشتغالها بالدواء وتخلت عن تدبير المرض ومقاومته بالكلية ومثاله أن يجيء إلى فارس مشغول بمواقعة عدوه فيشغله عنه بأمر آخر ولكن الواجب في هذه الحال أن يعين الطبيعة على حفظ القوة ما أمكنه .
فإذا انتهى المرض ووقف وسكن أخذ في استفراغه واستئصال أسبابه فإذا أخذ في الانحطاط كان أولى بذلك . ومثال هذا مثال العدو إذا انتهت قوته وفرغ سلاحه كان أخذه سهلا فإذا ولى وأخذ في الهرب كان أسهل أخذا وحدته وشوكته إنما هي في ابتدائه وحال استفراغه وسعة قوته فهكذا الداء والدواء سواء .
فصل [ من حذق الطبيب التدبير بالأسهل ]
ومن حذق الطبيب أنه حيث أمكن التدبير بالأسهل فلا يعدل إلى الأصعب ويتدرج من الأضعف إلى الأقوى إلا أن يخاف فوت القوة حينئذ فيجب أن يبتدئ بالأقوى ولا يقيم في المعالجة على حال واحدة فتألفها الطبيعة ويقل انفعالها عنه ولا تجسر على الأدوية القوية في الفصول القوية وقد تقدم أنه إذا أمكنه العلاج بالغذاء فلا يعالج بالدواء وإذا أشكل عليه المرض أحار هو أم بارد ؟ فلا يقدم حتى يتبين له ولا يجربه بما يخاف عاقبته ولا بأس بتجربته بما لا يضر أثره .
[ما يفعله الطبيب إذا اجتمعت أمراض ]
وإذا اجتمعت أمراض بدأ بما تخصه واحدة من ثلاث خصال
إحداها : أن يكون برء الآخر موقوفا على برئه كالورم والقرحة فإنه يبدأ بالورم .
الثانية أن يكون أحدها سببا للآخر كالسدة والحمى العفنة فإنه يبدأ بإزالة السبب .
الثالثة أن يكون أحدهما أهم من الآخر كالحاد والمزمن فيبدأ بالحاد ومع هذا فلا يغفل عن الآخر .
وإذا اجتمع المرض والعرض بدأ بالمرض إلا أن يكون العرض أقوى كالقولنج فيسكن الوجع أولا ثم يعالج السدة وإذا أمكنه أن يعتاض عن المعالجة بالاستفراغ بالجوع أو الصوم أو النوم لم يستفرغه وكل صحة أراد حفظها حفظها بالمثل أو الشبه وإن أراد نقلها إلى ما هو أفضل منها نقلها بالضد .
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في المنع من التداوي بالمحرمات
روى أبو داود في " سننه " من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بالمحرم .
وذكر البخاري في " صحيحه " عن ابن مسعود : إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم
وفي " السنن " : عن أبي هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث
وفي " صحيح مسلم " عن طارق بن سويد الجعفي أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها فقال إنما أصنعها للدواء فقال إنه ليس بدواء ولكنه داء
وفي " السنن " أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر يجعل في الدواء فقال " إنها داء وليست بالدواء رواه أبو داود والترمذي . وفي " صحيح مسلم " عن طارق بن سويد الحضرمي قال قلت : يا رسول الله إن بأرضنا أعنابا نعتصرها فنشرب منها قال " لا " فراجعته قلت إنا نستشفي للمريض قال إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء
وفي " سنن النسائي أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه عن قتلها
ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من تداوى بالخمر فلا شفاه الله
[ بيان قبح المعالجة بالمحرمات عقلا ]
المعالجة بالمحرمات قبيحة عقلا وشرعا أما الشرع فما ذكرنا من هذه الأحاديث وغيرها وأما العقل فهو أن الله سبحانه إنما حرمه لخبثه فإنه لم يحرم على هذه الأمة طيبا عقوبة لها كما حرمه على بني إسرائيل بقوله فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم [ النساء : 160 ] ; وإنما حرم على هذه الأمة ما حرم لخبثه وتحريمه له حمية لهم وصيانة عن تناوله فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل فإنه وإن أثر في إزالتها لكنه يعقب سقما أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه فيكون المداوى به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب . وأيضا فإن تحريمه يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابسته وهذا ضد مقصود الشارع وأيضا فإنه داء كما نص عليه صاحب الشريعة فلا يجوز أن يتخذ دواء .
وأيضا فإنه يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث لأن الطبيعة تنفعل عن كيفية الدواء انفعالا بينا فإذا كانت كيفيته خبيثة اكتسبت الطبيعة منه خبثا فكيف إذا كان خبيثا في ذاته ولهذا حرم الله سبحانه على عباده الأغذية والأشربة والملابس الخبيثة لما تكسب النفس من هيئة الخبث وصفته .
[التداوي به ذريعة إلى تعاطيه ]
وأيضا فإن في إباحة التداوي به ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة لا سيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها مزيل لأسقامها جالب لشفائها فهذا أحب شيء إليها والشارع سد الذريعة إلى تناوله بكل ممكن ولا ريب أن بين سد الذريعة إلى تناوله وفتح الذريعة إلى تناوله تناقضا و تعارضا .
وأيضا فإن في هذا الدواء المحرم من الأدواء ما يزيد على ما يظن فيه من الشفاء ولنفرض الكلام في أم الخبائث التي ما جعل الله لنا فيها شفاء قط فإنها شديدة المضرة بالدماغ الذي هو مركز العقل عند الأطباء وكثير من الفقهاء والمتكلمين . قال أبقراط في أثناء كلامه في الأمراض الحادة ضرر الخمرة بالرأس شديد . لأنه يسرع الارتفاع إليه . ويرتفع بارتفاعه الأخلاط التي تعلو في البدن وهو كذلك يضر بالذهن .
وقال صاحب " الكامل " : إن خاصية الشراب الإضرار بالدماغ والعصب . وأما غيره من الأدوية المحرمة فنوعان أحدهما : تعافه النفس ولا تنبعث لمساعدته الطبيعة على دفع المرض به كالسموم ولحوم الأفاعي وغيرها من المستقذرات فيبقى كلا على الطبيعة مثقلا لها فيصير حينئذ داء لا دواء .
والثاني : ما لا تعافه النفس كالشراب الذي تستعمله الحوامل مثلا فهذا ضرره أكثر من نفعه والعقل يقضي بتحريم ذلك فالعقل والفطرة مطابق للشرع في ذلك . وها هنا سر لطيف في كون المحرمات لا يستشفى بها فإن شرط الشفاء بالدواء تلقيه بالقبول واعتقاد منفعته وما جعل الله فيه من بركة الشفاء فإن النافع هو المبارك وأنفع الأشياء أبركها والمبارك من الناس أينما كان هو الذي ينتفع به حيث حل ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين مما يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها وبين حسن ظنه بها وتلقي طبعه لها بالقبول بل كلما كان العبد أعظم إيمانا كان أكره لها وأسوأ اعتقادا فيها وطبعه أكره شيء لها فإذا تناولها في هذه الحال كانت داء له لا دواء إلا أن يزول اعتقاد الخبث فيها وسوء الظن والكراهة لها بالمحبة وهذا ينافي الإيمان فلا يتناولها المؤمن قط إلا على وجه داء والله أعلم .
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج القمل الذي في الرأس وإزالته
في " الصحيحين " عن كعب بن عجرة قال كان بي أذى من رأسي فحملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي فقال ما كنت أرى الجهد قد بلغ بك ما أرى وفي رواية فأمره أن يحلق رأسه وأن يطعم فرقا بين ستة أو يهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام
القمل يتولد في الرأس والبدن من شيئين خارج عن البدن وداخل فيه فالخارج الوسخ والدنس المتراكم في سطح الجسد والثاني من خلط رديء عفن تدفعه الطبيعة بين الجلد واللحم فيتعفن بالرطوبة الدموية في البشرة بعد خروجها من المسام فيكون منه القمل وأكثر ما يكون ذلك بعد العلل والأسقام وبسبب الأوساخ وإنما كان في رءوس الصبيان أكثر لكثرة رطوباتهم وتعاطيهم الأسباب التي تولد القمل ولذلك حلق النبي صلى الله عليه وسلم رءوس بني جعفر .
[علاجه بالحلق ثم بالطلي بالأدوية ]
ومن أكبر علاجه حلق الرأس لتنفتح مسام الأبخرة فتتصاعد الأبخرة الرديئة فتضعف مادة الخلط وينبغي أن يطلى الرأس بعد ذلك بالأدوية التي تقتل القمل وتمنع تولده .
[أنواع حلق الرأس ]
وحلق الرأس ثلاثة أنواع أحدها : نسك وقربة . والثاني : بدعة وشرك والثالث حاجة ودواء فالأول الحلق في أحد النسكين الحج أو العمرة . والثاني : حلق الرأس لغير الله سبحانه كما يحلقها المريدون لشيوخهم فيقول أحدهم أنا حلقت رأسي لفلان وأنت حلقته لفلان وهذا بمنزلة أن يقول سجدت لفلان فإن حلق الرأس خضوع وعبودية وذل ولهذا كان من تمام الحج حتى إنه عند الشافعي ركن من أركانه لا يتم إلا به فإنه وضع النواصي بين يدي ربها خضوعا لعظمته وتذللا لعزته وهو من أبلغ أنواع العبودية ولهذا كانت العرب إذا أرادت إذلال الأسير منهم وعتقه حلقوا رأسه وأطلقوه فجاء شيوخ الضلال والمزاحمون للربوبية الذين أساس مشيختهم على الشرك والبدعة فأرادوا من مريديهم أن يتعبدوا لهم فزينوا لهم حلق رءوسهم لهم كما زينوا لهم السجود لهم وسموه بغير اسمه وقالوا : هو وضع الرأس بين يدي الشيخ ولعمر الله إن السجود لله هو وضع الرأس بين يديه سبحانه وزينوا لهم أن ينذروا لهم ويتوبوا لهم ويحلفوا بأسمائهم وهذا هو اتخاذهم أربابا وآلهة من دون الله قال تعالى : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون [ آل عمران 79 - 80 ] .
[ التحذير من الركوع والانحناء لغير الله وكذا القيام على رءوس الأكابر وهم جلوس ]
وأشرف العبودية عبودية الصلاة وقد تقاسمها الشيوخ والمتشبهون بالعلماء والجبابرة فأخذ الشيوخ منها أشرف ما فيها وهو السجود وأخذ المتشبهون بالعلماء منها الركوع فإذا لقي بعضهم بعضا ركع له كما يركع المصلي لربه سواء وأخذ الجبابرة منهم القيام فيقوم الأحرار والعبيد على رءوسهم عبودية لهم وهم جلوس وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمور الثلاثة على التفصيل فتعاطيها . مخالفة صريحة له فنهى عن السجود لغير الله وقال لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد وأنكر على معاذ لما سجد له وقال " مه "
وتحريم هذا معلوم من دينه بالضرورة وتجويز من جوزه لغير الله مراغمة لله ورسوله وهو من أبلغ أنواع العبودية فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر فقد جوز العبودية لغير الله وقد صح أنه قيل له الرجل يلقى أخاه أينحني له ؟ قال " لا " . قيل أيلتزمه ويقبله قال " لا " . قيل أيصافحه ؟ قال " نعم "
[أمره صلى الله عليه وسلم أصحابه إذا صلى جالسا أن يصلوا جلوسا
لئلا يقوموا على رأسه وهو جالس ]
وأيضا : فالانحناء عند التحية سجود ومنه قوله تعالى : وادخلوا الباب سجدا [ البقرة 58 ] أي منحنين وإلا فلا يمكن الدخول على الجباه وصح عنه النهي عن القيام وهو جالس كما تعظم الأعاجم بعضها بعضا حتى منع من ذلك في الصلاة وأمرهم إذا صلى جالسا أن يصلوا جلوسا وهم أصحاء لا عذر لهم لئلا يقوموا على رأسه وهو جالس مع أن قيامهم لله فكيف إذا كان القيام تعظيما وعبودية لغيره سبحانه .
والمقصود أن النفوس الجاهلة الضالة أسقطت عبودية الله سبحانه وأشركت فيها من تعظمه من الخلق فسجدت لغير الله وركعت له وقامت بين يديه قيام الصلاة وحلفت بغيره ونذرت لغيره وحلقت لغيره وذبحت لغيره وطافت لغير بيته وعظمته بالحب والخوف والرجاء والطاعة كما يعظم الخالق بل أشد وسوت من تعبده من المخلوقين برب العالمين وهؤلاء هم المضادون لدعوة الرسل وهم الذين بربهم يعدلون وهم الذين يقولون - وهم في النار مع آلهتهم يختصمون - تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين [ الشعراء 98 ] . وهم الذين قال فيهم ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله [ البقرة 165 ] وهذا كله من الشرك والله لا يغفر أن يشرك به . فهذا فصل معترض في هديه في حلق الرأس ولعله أهم مما قصد الكلام فيه والله الموفق .
يتبع
Comment