كتاب :(( زاد المعاد في هدي خير العباد )) لأبن قيم الجوزية (مفرغ)

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • اخت مسلمة
    محاور
    • Nov 2005
    • 6338

    #31
    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المرضى بتطييب نفوسهم وتقوية قلوبهم
    روى ابن ماجه " في سننه " من حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل فإن ذلك لا يرد شيئا وهو يطيب نفس المريض وفي هذا الحديث نوع شريف جدا من أشرف أنواع العلاج وهو الإرشاد إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به الطبيعة وتنتعش به القوة وينبعث به الحار الغريزي فيتساعد على دفع العلة أو تخفيفها الذي هو غاية تأثير الطبيب .

    وتفريح نفس المريض وتطييب قلبه وإدخال ما يسره عليه له تأثير عجيب في شفاء علته وخفتها فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك فتساعد الطبيعة على دفع المؤذي وقد شاهد الناس كثيرا من المرضى تنتعش قواه بعيادة من يحبونه ويعظمونه ورؤيتهم لهم ولطفهم بهم ومكالمتهم إياهم وهذا أحد فوائد عيادة المرضى التي تتعلق بهم فإن فيها أربعة أنواع من الفوائد نوع يرجع إلى المريض ونوع يعود على العائد ونوع يعود على أهل المريض ونوع يعود على العامة .

    وقد تقدم في هديه صلى الله عليه وسلم إنه كان يسأل المريض عن شكواه وكيف يجده ويسأله عما يشتهيه ويضع يده على جبهته وربما وضعها بين ثدييه ويدعو له ويصف له ما ينفعه في علته وربما توضأ وصب على المريض من وضوئه وربما كان يقول للمريض لا بأس طهور إن شاء الله وهذا من كمال اللطف وحسن العلاج والتدبير



    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الأبدان بما اعتادته من الأدوية والأغذية دون ما لم تعتده
    هذا أصل عظيم من أصول العلاج وأنفع شيء فيه وإذا أخطأه الطبيب أضر المريض من حيث يظن أنه ينفعه ولا يعدل عنه إلى ما يجده من الأدوية في كتب الطب إلا طبيب جاهل فإن ملاءمة الأدوية والأغذية للأبدان بحسب استعدادها وقبولها وهؤلاء أهل البوادي والأكارون وغيرهم لا ينجع فيهم شراب اللينوفر والورد الطري ولا المغلي ولا يؤثر في طباعهم شيئا بل عامة أدوية أهل الحضر وأهل الرفاهية لا تجدي علهم والتجربة شاهدة بذلك ومن تأمل ما ذكرناه من العلاج النبوي رآه كله موافقا لعادة العليل وأرضه وما نشأ عليه .

    فهذا أصل عظيم من أصول العلاج يجب الاعتناء به وقد صرح به أفاضل أهل الطب حتى قال طبيب العرب بل أطبهم الحارث بن كلدة وكان فيهم كابقراط في قومه الحمية رأس الدواء والمعدة بيت الداء وعودوا كل بدن ما اعتاد . وفي لفظ عنه الأزم دواء والأزم الإمساك عن الأكل يعني به الجوع وهو من أكبر الأدوية في شفاء الأمراض الامتلائية كلها بحيث إنه أفضل في علاجها من المستفرغات إذا لم يخف من كثرة الامتلاء وهيجان الأخلاط وحدتها أو غليانها .

    وقوله المعدة بيت الداء . المعدة عضو عصبي مجوف كالقرعة في شكلها مركب من ثلاث طبقات مؤلفة من شظايا دقيقة عصبية تسمى الليف ويحيط بها لحم وليف إحدى الطبقات بالطول والأخرى بالعرض والثالثة بالورب وفم المعدة أكثر عصبا وقعرها أكثر لحما وفي باطنها خمل وهي محصورة في وسط البطن وأميل إلى الجانب الأيمن قليلا خلقت على هذه الصفة لحكمة لطيفة من الخالق الحكيم سبحانه وهي بيت الداء وكانت محلا للهضم الأول وفيها ينضج الغذاء وينحدر منها بعد ذلك إلى الكبد والأمعاء ويتخلف منه فيها فضلات قد عجزت القوة الهاضمة عن تمام هضمها إما لكثرة الغذاء أو لرداءته أو لسوء ترتيب في استعماله أو لمجموع ذلك وهذه الأشياء بعضها مما لا يتخلص الإنسان منه غالبا فتكون المعدة بيت الداء لذلك وكأنه يشير بذلك إلى الحث على تقليل الغذاء ومنع النفس من اتباع الشهوات والتحرز عن الفضلات .

    وأما العادة فلأنها كالطبيعة للإنسان ولذلك يقال العادة طبع ثان وهي قوة عظيمة في البدن حتى إن أمرا واحدا إذا قيس إلى أبدان مختلفة العادات كان مختلف النسبة إليها .

    وإن كانت تلك الأبدان متفقة في الوجوه الأخرى مثال ذلك أبدان ثلاثة حارة المزاج في سن الشباب
    أحدها : عود تناول الأشياء الحارة .
    والثاني : عود تناول الأشياء الباردة .
    والثالث عود تناول الأشياء المتوسطة .
    فإن الأول متى تناول عسلا لم يضر به والثاني : متى تناوله أضر به والثالث يضر به قليلا فالعادة ركن عظيم في حفظ الصحة ومعالجة الأمراض ولذلك جاء العلاج النبوي بإجراء كل بدن على عادته في استعمال الأغذية والأدوية وغير ذلك .

    افتراضي

    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في تغذية المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية
    في " الصحيحين " من حديث عروة عن عائشة أنها كانت إذا مات الميت من أهلها واجتمع لذلك النساء ثم تفرقن إلى أهلهن أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت وصنعت ثريدا ثم صبت التلبينة عليه ثم قالت كلوا منها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن

    وفي " السنن " من حديث عائشة أيضا قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم بالبغيض النافع التلبين قالت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى أحد من أهله لم تزل البرمة على النار حتى ينتهي أحد طرفيه . يعني يبرأ أو يموت .

    وعنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قيل له إن فلانا وجع لا يطعم الطعام قال عليكم بالتلبينة فحسوه إياها ويقول والذي نفسي بيده إنها تغسل بطن أحدكم كما تغسل إحداكن وجهها من الوسخ

    [ التلبين وفوائده ]

    التلبين هو الحساء الرقيق الذي هو في قوام اللبن ومنه اشتق اسمه قال الهروي سميت تلبينة لشبهها باللبن لبياضها ورقتها وهذا الغذاء هو النافع للعليل وهو الرقيق النضيح لا الغليظ النيء وإذا شئت أن تعرف فضل التلبينة فاعرف فضل ماء الشعير بل هي ماء الشعير لهم فإنها حساء متخذ من دقيق الشعير بنخالته والفرق بينها وبين ماء الشعير أنه يطبخ صحاحا والتلبينة تطبخ منه مطحونا وهي أنفع منه لخروج خاصية الشعير بالطحن وقد تقدم أن للعادات تأثيرا في الانتفاع بالأدوية والأغذية وكانت عادة القوم أن يتخذوا ماء الشعير منه مطحونا لا صحاحا وهو أكثر تغذية وأقوى فعلا وأعظم جلاء وإنما اتخذه أطباء المدن منه صحاحا ليكون أرق وألطف فلا يثقل على طبيعة المريض وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورخاوتها وثقل ماء الشعير المطحون عليها . والمقصود أن ماء الشعير مطبوخا صحاحا ينفذ سريعا ويجلو جلاء ظاهرا ويغذي غذاء لطيفا . وإذا شرب حارا كان جلاؤه أقوى ونفوذه أسرع وإنماؤه للحرارة الغريزية أكثر وتلميسه لسطوح المعدة أوفق .

    [ علة ذهاب التلبينة ببعض الحزن ]

    وقوله صلى الله عليه وسلم فيها : مجمة لفؤاد المريض يروى بوجهين . بفتح الميم والجيم وبضم الميم وكسر الجيم والأول أشهر ومعناه أنها مريحة له أي تريحه وتسكنه من الإجمام وهو الراحة . وقوله " تذهب ببعض الحزن " هذا - والله أعلم - لأن الغم والحزن يبردان المزاج ويضعفان الحرارة الغريزية لميل الروح الحامل لها إلى جهة القلب الذي هو منشؤها وهذا الحساء يقوي الحرارة الغريزية بزيادته في مادتها فتزيل أكثر ما عرض له من الغم والحزن .

    وقد يقال - وهو أقرب - إنها تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها من جنس خواص الأغذية المفرحة فإن من الأغذية ما يفرح بالخاصية والله أعلم .

    وقد يقال إن قوى الحزين تضعف باستيلاء اليبس على أعضائه وعلى معدته خاصة لتقليل الغذاء وهذا الحساء يرطبها ويقويها ويغذيها ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض لكن المريض كثيرا ما يجتمع في معدته خلط مراري أو بلغمي أو صديدي وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة ويسروه ويحدره ويميعه ويعدل كيفيته ويكسر سورته فيريحها ولا سيما لمن عادته الاغتذاء بخبز الشعير وهي عادة أهل المدينة إذ ذاك وكان هو غالب قوتهم وكانت الحنطة عزيزة عندهم . والله أعلم .


    افتراضي

    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السم الذي أصابه بخيبر من اليهود
    ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك : أن امرأة يهودية أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاة مصلية بخيبر فقال ما هذه ؟ قالت هدية وحذرت أن تقول من الصدقة فلا يأكل منها فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وأكل الصحابة ثم
    قال أمسكوا ثم قال للمرأة هل سممت هذه الشاة ؟ قالت من أخبرك بهذا ؟ قال هذا العظم لساقها وهو في يده ؟ قالت نعم . قال لم ؟ قالت أردت إن كنت كاذبا أن يستريح منك الناس وإن كنت نبيا لم يضرك قال فاحتجم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة على الكاهل وأمر أصحابه أن يحتجموا فاحتجموا فمات بعضهم

    وفي طريق أخرى : واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة حجمه أبو هند بالقرن والشفرة وهو مولى لبني بياضة من الأنصار وبقي بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه فقال ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر حتى كان هذا أوان انقطاع الأبهر مني

    فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا قاله موسى بن عقبة .

    [ يعالج السم بالاستفراغات وبالأدوية المبطلة لفعل السم ]

    معالجة السم تكون بالاستفراغات وبالأدوية التي تعارض فعل السم وتبطله إما بكيفياتها وإما بخواصها فمن عدم الدواء فليبادر إلى الاستفراغ الكلي وأنفعه الحجامة ولا سيما إذا كان البلد حارا والزمان حارا فإن القوة السمية تسري إلى الدم فتنبعث في العروق والمجاري حتى تصل إلى القلب فيكون الهلاك فالدم هو المنفذ الموصل للسم إلى القلب والأعضاء فإذا بادر المسموم وأخرج الدم خرجت معه تلك الكيفية السمية التي خالطته فإن كان استفراغا تاما لم يضره السم بل إما أن يذهب وإما أن يضعف فتقوى عليه الطبيعة فتبطل فعله أو تضعفه .

    [ استشهاده صلى الله عليه وسلم بالسم ]

    ولما احتجم النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في الكاهل وهو أقرب المواضع التي يمكن فيها الحجامة إلى القلب فخرجت المادة السمية مع الدم لا خروجا كليا بل بقي أثرها مع ضعفه لما يريد الله سبحانه من تكميل مراتب الفضل كلها له فلما أراد الله إكرامه بالشهادة ظهر تأثير ذلك الأثر الكامن من السم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وظهر سر قوله تعالى لأعدائه من اليهود : أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون [ البقرة 87 ] فجاء بلفظ كذبتم بالماضي الذي قد وقع منه وتحقق وجاء بلفظ " تقتلون " بالمستقبل الذي يتوقعونه وينتظرونه والله أعلم .


    افتراضي

    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السحر
    الذي سحرته اليهود به قد أنكر هذا طائفة من الناس وقالوا : لا يجوز هذا عليه وظنوه نقصا وعيبا وليس الأمر كما زعموا بل هو من جنس ما كان يعتريه صلى الله عليه وسلم من الأسقام والأوجاع وهو مرض من الأمراض وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما وقد ثبت في " الصحيحين " عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إن كان ليخيل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتهن وذلك أشد ما يكون من السحر .

    قال القاضي عياض : والسحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه صلى الله عليه وسلم كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته وأما كونه يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من صدقه لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا وإنما هذا فيما يجوز طروه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث لسببها ولا فضل من أجلها وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر فغير بعيد أنه يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما كان .

    [ علاج السحر ]

    والمقصود ذكر هديه في علاج هذا المرض وقد روي عنه فيه نوعان

    [ استخراج السحر وإبطاله ]

    أحدهما - وهو أبلغهما - استخراجه وإبطاله كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سأل ربه سبحانه في ذلك فدل عليه فاستخرجه من بئر فكان في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر فلما استخرجه ذهب ما به حتى كأنما أنشط من عقال فهذا من أبلغ ما يعالج به المطبوب وهذا بمنزلة إزالة المادة الخبيثة وقلعها من الجسد بالاستفراغ .

    [ الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر ]

    والنوع الثاني : الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر فإن للسحر تأثيرا في الطبيعة وهيجان أخلاطها وتشويش مزاجها فإذا ظهر أثره في عضو وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو نفع جدا .

    وقد ذكر أبو عبيد في كتاب " غريب الحديث " له بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم على رأسه بقرن حين طب قال أبو عبيد : معنى طب أي سحر .

    وقد أشكل هذا على من قل علمه وقال ما للحجامة والسحر وما الرابطة بين هذا الداء وهذا الدواء ولو وجد هذا القائل أبقراط أو ابن سينا أو غيرهما قد

    نص على هذا العلاج لتلقاه بالقبول والتسليم وقال قد نص عليه من لا يشك في معرفته وفضله .

    فاعلم أن مادة السحر الذي أصيب به صلى الله عليه وسلم انتهت إلى رأسه إلى إحدى قواه التي فيه بحيث كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله وهذا تصرف من الساحر في الطبيعة والمادة الدموية بحيث غلبت تلك المادة على البطن المقدم منه فغيرت مزاجه عن طبيعته الأصلية .

    والسحر هو مركب من تأثيرات الأرواح الخبيثة وانفعال القوى الطبيعية عنها وهو أشد ما يكون من السحر ولا سيما في الموضع الذي انتهى السحر إليه واستعمال الحجامة على ذلك المكان الذي تضررت أفعاله بالسحر من أنفع المعالجة إذا استعملت على القانون الذي ينبغي .

    قال أبقراط الأشياء التي ينبغي أن تستفرغ يجب أن تستفرغ من المواضع التي هي إليها أميل بالأشياء التي تصلح لاستفراغها .

    وقالت طائفة من الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصيب بهذا الداء وكان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله ظن أن ذلك عن مادة دموية أو غيرها مالت إلى جهة الدماغ وغلبت على البطن المقدم منه فأزالت مزاجه عن الحالة الطبيعية له وكان استعمال الحجامة إذ ذاك من أبلغ الأدوية وأنفع المعالجة فاحتجم وكان ذلك قبل أن يوحى إليه أن ذلك من السحر فلما جاءه الوحي من الله تعالى وأخبره أنه قد سحر عدل إلى العلاج الحقيقي وهو استخراج السحر وإبطاله فسأل الله سبحانه فدله على مكانه فاستخرجه فقام كأنما أنشط من عقال وكان غاية هذا السحر فيه إنما هو في جسده وظاهر جوارحه لا على عقله وقلبه ولذلك لم يكن يعتقد صحة ما يخيل إليه من إتيان النساء بل يعلم أنه خيال لا حقيقة له ومثل هذا قد يحدث من بعض الأمراض والله أعلم .

    فصل [ علاج السحر بالأذكار والآيات ]
    ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية بل هي أدويته النافعة بالذات فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها وكلما كانت أقوى وأشد كانت أبلغ في النشرة وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل واحد منهما عدته وسلاحه فأيهما غلب الآخر قهره وكان الحكم له فالقلب إذا كان ممتلئا من الله مغمورا بذكره وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات ورد لا يخل به يطابق فيه قلبه لسانه كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه . وعند السحرة أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسفليات ولهذا فإن غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال وأهل البوادي ومن ضعف حظه من الدين والتوكل والتوحيد ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية والدعوات والتعوذات النبوية .

    وبالجملة فسلطان تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلها إلى السفليات قالوا : والمسحور هو الذي يعين على نفسه فإنا نجد قلبه متعلقا بشيء كثير الالتفات إليه فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات والأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لتسلطها عليها بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة وبفراغها من القوة الإلهية وعدم أخذها للعدة التي تحاربها بها فتجدها فارغة لا عدة معها وفيها ميل إلى ما يناسبها فتتسلط عليها ويتمكن تأثيرها فيها بالسحر وغيره والله أعلم .



    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الإرشاد إلى معالجة أحذق الطبيبين
    ذكر مالك في " موطئه " : عن زيد بن أسلم أن رجلا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابه جرح فاحتقن الجرح الدم وأن الرجل دعا رجلين من بني أنمار فنظرا إليه فزعما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما : " أيكما أطب ؟ فقال أو في الطب خير يا رسول الله ؟ فقال أنزل الدواء الذي أنزل الداء

    [ ينبغي الاستعانة في كل علم وصناعة بأحذق من فيها فالأحذق ]

    ففي هذا الحديث أنه ينبغي الاستعانة في كل علم وصناعة بأحذق من فيها فالأحذق فإنه إلى الإصابة أقرب .

    وهكذا يجب على المستفتي أن يستعين على ما نزل به بالأعلم فالأعلم لأنه أقرب إصابة ممن هو دونه .

    وكذلك من خفيت عليه القبلة فإنه يقلد أعلم من يجده وعلى هذا فطر الله عباده كما أن المسافر في البر والبحر إنما سكون نفسه وطمأنينته إلى أحذق الدليلين وأخبرهما وله يقصد وعليه يعتمد فقد اتفقت على هذا الشريعة والفطرة والعقل .

    وقوله صلى الله عليه وسلم أنزل الدواء الذي أنزل الداء قد جاء مثله عنه في أحاديث كثيرة فمنها ما رواه عمرو بن دينار عن هلال بن يساف قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مريض يعوده فقال " أرسلوا إلى طبيب " فقال قائل وأنت تقول ذلك يا رسول الله ؟ قال " نعم إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له دواء

    وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة يرفعه ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء وقد تقدم هذا الحديث وغيره .

    [ معنى أنزل الداء والدواء ]

    " واختلف في معنى أنزل الداء والدواء فقالت طائفة إنزاله إعلام العباد به وليس بشيء فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بعموم الإنزال لكل داء ودوائه وأكثر الخلق لا يعلمون ذلك ولهذا قال علمه من علمه وجهله من جهله وقالت طائفة إنزالهما : خلقهما ووضعهما في الأرض كما في الحديث الآخر إن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء وهذا وإن كان أقرب من الذي قبله فلفظة الإنزال أخص من لفظة الخلق والوضع فلا ينبغي إسقاط خصوصية اللفظة بلا موجب . وقالت طائفة إنزالهما بواسطة الملائكة الموكلين بمباشرة الخلق من داء ودواء وغير ذلك فإن الملائكة موكلة بأمر هذا العالم وأمر النوع الإنساني من حين سقوطه في رحم أمه إلى حين موته فإنزال الداء والدواء مع الملائكة وهذا أقرب من الوجهين قبله .

    وقالت طائفة إن عامة الأدواء والأدوية هي بواسطة إنزال الغيث من السماء الذي تتولد به الأغذية والأقوات والأدوية والأدواء وآلات ذلك كله وأسبابه ومكملاته وما كان منها من المعادن العلوية فهي تنزل من الجبال وما كان منها من الأودية والأنهار والثمار فداخل في اللفظ على طريق التغليب والاكتفاء عن الفعلين بفعل واحد يتضمنهما وهو معروف من لغة العرب بل وغيرها من الأمم كقول الشاعر

    علفتها تبنا وماء باردا

    حتى غدت همالة عيناها


    وقول الآخر

    متقلدا سيفا ورمحا

    ورأيت زوجك قد غدا


    وقول الآخر

    إذا ما الغانيات برزن يوما

    وزججن الحواجب والعيونا


    وهذا أحسن مما قبله من الوجوه والله أعلم .

    [ كما يبتلي الله عباده فإنه ييسر لهم ما يضاده ]

    وهذا من تمام حكمة الرب عز وجل وتمام ربوبيته فإنه كما ابتلى عباده بالأدواء أعانهم عليها بما يسره لهم من الأدوية وكما ابتلاهم بالذنوب أعانهم عليها بالتوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفرة وكما ابتلاهم بالأرواح الخبيثة من الشياطين أعانهم عليها بجند من الأرواح الطيبة وهم الملائكة . وكما ابتلاهم بالشهوات أعانهم على قضائها بما يسره لهم شرعا وقدرا من المشتهيات اللذيذة النافعة فما ابتلاهم سبحانه بشيء إلا أعطاهم ما يستعينون به على ذلك البلاء ويدفعونه به ويبقى التفاوت بينهم في العلم بذلك والعلم بطريق حصوله والتوصل إليه وبالله المستعان .



    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاستفراغ بالقيء
    روى الترمذي في " جامعه " عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال صدق أنا صببت له وضوءه .

    قال الترمذي وهذا أصح شيء في الباب .

    [ أصول الاستفراغ ]

    القيء أحد الاستفراغات الخمسة التي هي أصول الاستفراغ وهي الإسهال والقيء وإخراج الدم وخروج الأبخرة والعرق وقد جاءت بها السنة .

    فأما الإسهال فقد مر في حديث خير ما تداويتم به المشي وفي حديث " السنا " .

    وأما إخراج الدم فقد تقدم في أحاديث الحجامة .

    وأما استفراغ الأبخرة فنذكره عقيب هذا الفصل إن شاء الله .

    وأما الاستفراغ بالعرق فلا يكون غالبا بالقصد بل بدفع الطبيعة له إلى ظاهر الجسد فيصادف المسام مفتحة فيخرج منها .

    [ أنواع القيء ]

    والقيء استفراغ من أعلى المعدة والحقنة من أسفلها والدواء من أعلاها وأسفلها والقيء نوعان نوع بالغلبة والهيجان ونوع بالاستدعاء والطلب . فأما الأول فلا يسوغ حبسه ودفعه إلا إذا أفرط وخيف منه التلف . فيقطع بالأشياء التي تمسكه . وأما الثاني : فأنفعه عند الحاجة إذا روعي زمانه وشروطه التي تذكر .

    [ أسباب القيء ]

    وأسباب القيء عشرة
    أحدها : غلبة المرة الصفراء وطفوها على رأس المعدة فتطلب الصعود .
    الثاني : من غلبة بلغم لزج قد تحرك في المعدة واحتاج إلى الخروج .
    الثالث أن يكون من ضعف المعدة في ذاتها فلا تهضم الطعام فتقذفه إلى جهة فوق .
    الرابع أن يخالطها خلط رديء ينصب إليها فيسيء هضمها ويضعف فعلها .
    الخامس أن يكون من زيادة المأكول أو المشروب على القدر الذي تحتمله المعدة فتعجز عن إمساكه فتطلب دفعه وقذفه .
    السادس أن يكون من عدم موافقة المأكول والمشروب لها وكراهتها له فتطلب دفعه وقذفه .
    السابع أن يحصل فيها ما يثور الطعام بكيفيته وطبيعته فتقذف به .
    الثامن القرف وهو موجب غثيان النفس وتهوعها .

    [ الأعراض النفسانية من أسباب القيء ]

    التاسع من الأعراض النفسانية كالهم الشديد والغم والحزن وغبة اشتغال الطبيعة والقوى الطبيعية به واهتمامها بوروده عن تدبير البدن وإصلاح الغذاء وإنضاجه وهضمه فتقذفه المعدة وقد يكون لأجل تحرك الأخلاط عند تخبط النفس فإن كل واحد من النفس والبدن ينفعل عن صاحبه ويؤثر في كيفيته . العاشر نقل الطبيعة بأن يرى من يتقيأ فيغلبه هو القيء من غير استدعاء فإن الطبيعة نقالة .

    [ إخبار أحد الأطباء المصنف بقصتين عن نقل المرض برؤية المريض ]

    وأخبرني بعض حذاق الأطباء قال كان لي ابن أخت حذق في الكحل فجلس كحالا فكان إذا فتح عين الرجل ورأى الرمد وكحله رمد هو وتكرر ذلك منه فترك الجلوس . قلت له فما سبب ذلك ؟ قال نقل الطبيعة فإنها نقالة قال وأعرف آخر كان رأى خراجا في موضع من جسم رجل يحكه فحك هو ذلك الموضع فخرجت فيه خراجة . قلت وكل هذا لا بد فيه من استعداد الطبيعة وتكون المادة ساكنة فيها غير متحركة فتتحرك لسبب من هذه الأسباب فهذه أسباب لتحرك المادة لا أنها هي الموجبة لهذا العارض .

    فصل [أنفع الأمكنة والأزمنة للقيء والإسهال ]
    ولما كانت الأخلاط في البلاد الحارة والأزمنة الحارة ترق وتنجذب إلى فوق كان القيء فيها أنفع . ولما كانت في الأزمنة الباردة والبلاد الباردة تغلظ ويصعب جذبها إلى فوق كان استفراغها بالإسهال أنفع .

    [ كيفية إزالة الأخلاط ودفعها ]

    وإزالة الأخلاط ودفعها تكون بالجذب والاستفراغ والجذب يكون من أبعد الطرق والاستفراغ من أقربها والفرق بينهما أن المادة إذا كانت عاملة في

    الانصباب أو الترقي لم تستقر بعد فهي محتاجة إلى الجذب فإن كانت متصاعدة جذبت من أسفل وإن كانت منصبة جذبت من فوق وأما إذا استقرت في موضعها استفرغت من أقرب الطرق إليها فمتى أضرت المادة بالأعضاء العليا اجتذبت من أسفل ومتى أضرت بالأعضاء السفلى اجتذبت من فوق ومتى استقرت استفرغت من أقرب مكان إليها ولهذا احتجم النبي صلى الله عليه وسلم على كاهله تارة وفي رأسه أخرى وعلى ظهر قدمه تارة فكان يستفرغ مادة الدم المؤذي من أقرب مكان إليه . والله أعلم .

    فصل [فوائد القيء ]
    والقيء ينقي المعدة ويقويها ويحد البصر ويزيل ثقل الرأس وينفع قروح الكلى والمثانة والأمراض المزمنة كالجذام والاستسقاء والفالج والرعشة وينفع اليرقان .

    [ وقت القيء ]

    [ضرر الإكثار من القيء ]

    [ من يجب عليه اجتنابه ]

    وينبغي أن يستعمله الصحيح في الشهر مرتين متواليتين من غير حفظ دور ليتدارك الثاني ما قصر عنه الأول وينقي الفضلات التي انصبت بسببه والإكثار منه يضر المعدة ويجعلها قابلة للفضول ويضر بالأسنان والبصر والسمع وربما صدع عرقا ويجب أن يجتنبه من به ورم في الحلق أو ضعف في الصدر أو دقيق الرقبة أو مستعد لنفث الدم أو عسر الإجابة له .

    [ مضار القيء بعد امتلاء المعدة ]

    وأما ما يفعله كثير ممن يسيء التدبير وهو أن يمتلئ من الطعام ثم يقذفه ففيه آفات عديدة منها : أنه يعجل الهرم ويوقع في أمراض رديئة ويجعل القيء له عادة . والقيء مع اليبوسة وضعف الأحشاء وهزال المراق . أو ضعف المستقيء خطر ...

    [ أفضل أوقاته وكيفيته ]

    وأحمد أوقاته الصيف والربيع دون الشتاء والخريف وينبغي عند القيء أن يعصب العينين ويقمط البطن ويغسل الوجه بماء بارد عند الفراغ وأن يشرب عقيبه شراب التفاح مع يسير من مصطكى وماء الورد ينفعه نفعا بينا .

    [الفرق بين القيء والاستفراغ ]

    والقيء يستفرغ من أعلى المعدة ويجذب من أسفل والإسهال بالعكس قال أبقراط وينبغي أن يكون الاستفراغ في الصيف من فوق أكثر من الاستفراغ بالدواء وفي الشتاء من أسفل .


    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في تضمين من طب الناس وهو جاهل بالطب
    روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تطبب ولم يعلم منه الطب قبل ذلك فهو ضامن

    هذا الحديث يتعلق به ثلاثة أمور أمر لغوي وأمر فقهي وأمر طبي .

    [معنى الطب لغة ]

    فأما اللغوي فالطب بكسر الطاء في لغة العرب يقال على معان . منها الإصلاح يقال طببته إذا أصلحته . ويقال له طب بالأمور . أي لطف وسياسة . قال الشاعر

    وإذا تغير من تميم أمرها

    كنت الطبيب لها برأي ثاقب


    ومنها : الحذق . قال الجوهري : كل حاذق طبيب عند العرب قال أبو عبيد : أصل الطب : الحذق بالأشياء والمهارة بها . يقال للرجل طب وطبيب إذا كان كذلك وإن كان في غير علاج المريض . وقال غيره رجل طبيب أي حاذق سمي طبيبا لحذقه وفطنته . قال علقمة

    فإن تسألوني بالنساء فإنني

    خبير بأدواء النساء طبيب

    إذا شاب رأس المرء أو قل ماله

    فليس له من ودهن نصيب


    وقال عنترة :

    إن تغد في دوني القناع فإنني

    طب بأخذ الفارس المستلئم


    أي إن ترخي عني قناعك وتستري وجهك رغبة عني فإني خبير حاذق بأخذ الفارس الذي قد لبس لأمة حربه . ومنها : العادة يقال ليس ذاك بطبي أي عادتي قال فروة بن مسيك :

    فما إن طبنا جبن ولكن

    منايانا ودولة آخرينا


    وقال أحمد بن الحسين المتنبي :

    وما التيه طبي فيهم غير أنني

    بغيض إلي الجاهل المتعاقل


    ومنها : السحر يقال رجل مطبوب أي مسحور وفي " الصحيح " في حديث عائشة لما سحرت يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس الملكان عند رأسه وعند رجليه فقال أحدهما : ما بال الرجل ؟ قال الآخر مطبوب . قال من طبه ؟ قال فلان اليهودي .

    قال أبو عبيد : إنما قالوا للمسحور مطبوب لأنهم كنوا بالطب عن السحر كما كنوا عن اللديغ فقالوا : سليم تفاؤلا بالسلامة وكما كنوا بالمفازة عن الفلاة المهلكة التي لا ماء فيها فقالوا : مفازة تفاؤلا بالفوز من الهلاك . ويقال الطب لنفس الداء . قال ابن أبي الأسلت :

    ألا من مبلغ حسا ن عني

    أسحر كان طبك أم جنون


    وأما قول الحماسي :

    فإن كنت مطبوبا فلا زلت هكذا

    وإن كنت مسحورا فلا برئ السحر


    فإنه أراد بالمطبوب الذي قد سحر وأراد بالمسحور العليل بالمرض . قال الجوهري : ويقال للعليل مسحور . وأنشد البيت . ومعناه إن كان هذا الذي قد عراني منك ومن حبك أسأل الله دوامه ولا أريد زواله سواء كان سحرا أو مرضا .

    والطب : مثلث الطاء فالمفتوح الطاء هو العالم بالأمور وكذلك الطبيب يقال له طب أيضا . والطب : بكسر الطاء فعل الطبيب والطب بضم الطاء اسم موضع قاله ابن السيد وأنشد

    فقلت هل انهلتم بطب ركابكم

    بجائزة الماء التي طاب طينها


    وقوله صلى الله عليه وسلم من تطبب ولم يقل من طب لأن لفظ التفعل يدل على تكلف الشيء والدخول فيه بعسر وكلفة وأنه ليس من أهله كتحلم وتشجع وتصبر ونظائرها وكذلك بنوا تكلف على هذا الوزن قال الشاعر

    وقيس عيلان ومن تقيسا


    [إيجاب الضمان على الطبيب الجاهل ]

    وأما الأمر الشرعي فإيجاب الضمان على الطبيب الجاهل فإذا تعاطى علم الطب وعمله ولم يتقدم له به معرفة فقد هجم بجهله على إتلاف الأنفس وأقدم بالتهور على ما لم يعلمه فيكون قد غرر بالعليل فيلزمه الضمان لذلك وهذا إجماع من أهل العلم . قال الخطابي : لا أعلم خلافا في أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامنا والمتعاطي علما أو عملا لا يعرفه متعد فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية وسقط عنه القود لأنه لا يستبد بذلك بدون إذن المريض وجناية المتطبب في قول عامة الفقهاء على عاقلته .

    [ أقسام الأطباء من جهة إتلاف الأعضاء وذكر القسم الأول ]

    قلت : الأقسام خمسة أحدها : طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده فتولد من فعله المأذون فيه من جهة الشارع ومن جهة من يطبه تلف العضو أو النفس أو ذهاب صفة فهذا لا ضمان عليه اتفاقا فإنها سراية مأذون فيه وهذا كما إذا ختن الصبي في وقت وسنه قابل للختان وأعطى الصنعة حقها فتلف العضو أو الصبي لم يضمن وكذلك إذا بط من عاقل أو غيره ما ينبغي بطه في وقته على الوجه الذي ينبغي فتلف به لم يضمن وهكذا سراية كل مأذون فيه لم يتعد الفاعل في سببها كسراية الحد بالاتفاق .

    وسراية القصاص عند الجمهور خلافا لأبي حنيفة في إيجابه الضمان بها وسراية التعزير وضرب الرجل امرأته والمعلم الصبي والمستأجر الدابة خلافا لأبي حنيفة والشافعي في إيجابهما الضمان في ذلك واستثنى الشافعي ضرب الدابة . وقاعدة الباب إجماعا ونزاعا : أن سراية الجناية مضمونة بالاتفاق وسراية الواجب مهدرة بالاتفاق وما بينهما ففيه النزاع .

    فأبو حنيفة أوجب ضمانه مطلقا وأحمد ومالك أهدرا ضمانه وفرق الشافعي بين المقدر فأهدر ضمانه وبين غير المقدر فأوجب ضمانه . فأبو حنيفة نظر إلى أن الإذن في الفعل إنما وقع مشروطا بالسلامة وأحمد ومالك نظرا إلى أن الإذن أسقط الضمان والشافعي نظر إلى أن المقدر لا يمكن النقصان منه فهو بمنزلة النص وأما غير المقدر كالتعزيرات والتأديبات فاجتهادية فإذا تلف بها ضمن لأنه في مظنة العدوان .

    فصل [ القسم الثاني ]

    القسم الثاني : مطبب جاهل باشرت يده من يطبه فتلف به فهذا إن علم المجني عليه أنه جاهل لا علم له وأذن له في طبه لم يضمن ولا تخالف هذه الصورة ظاهر الحديث فإن السياق وقوة الكلام يدل على أنه غر العليل وأوهمه أنه طبيب وليس كذلك وإن ظن المريض أنه طبيب وأذن له في طبه لأجل معرفته ضمن الطبيب ما جنت يده وكذلك إن وصف له دواء يستعمله والعليل يظن أنه وصفه لمعرفته وحذقه فتلف به ضمنه والحديث ظاهر فيه أو صريح .

    فصل [ القسم الثالث ]

    القسم الثالث طبيب حاذق أذن له وأعطى الصنعة حقها لكنه أخطأت يده وتعدت إلى عضو صحيح فأتلفه مثل أن سبقت يد الخاتن إلى الكمرة فهذا يضمن لأنها جناية خطأ ثم إن كانت الثلث فما زاد فهو على عاقلته فإن لم تكن عاقلة فهل تكون الدية في ماله أو في بيت المال ؟ على قولين هما روايتان عن أحمد . وقيل إن كان الطبيب ذميا ففي ماله وإن كان مسلما ففيه الروايتان فإن لم يكن بيت مال أو تعذر تحميله فهل تسقط الدية أو تجب في مال الجاني ؟ فيه وجهان أشهرهما : سقوطها .

    فصل [القسم الرابع ]

    القسم الرابع الطبيب الحاذق الماهر بصناعته اجتهد فوصف للمريض دواء فأخطأ في اجتهاده فقتله فهذا يخرج على روايتين إحداهما : أن دية المريض في بيت المال . والثانية أنها على عاقلة الطبيب وقد نص عليهما الإمام أحمد في خطأ الإمام والحاكم .

    فصل [ القسم الخامس ]

    القسم الخامس طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها فقطع سلعة من رجل أو صبي أو مجنون بغير إذنه أو إذن وليه أو ختن صبيا بغير إذن وليه فتلف فقال أصحابنا : يضمن لأنه تولد من فعل غير مأذون فيه وإن أذن له البالغ أو ولي الصبي والمجنون لم يضمن ويحتمل أن لا يضمن مطلقا لأنه محسن وما على المحسنين من سبيل . وأيضا فإنه إن كان متعديا فلا أثر لإذن الولي في إسقاط الضمان وإن لم يكن متعديا فلا وجه لضمانه . فإن قلت : هو متعد عند عدم الإذن غير متعد عند الإذن قلت : العدوان وعدمه إنما يرجع إلى فعله هو فلا أثر للإذن وعدمه فيه وهذا موضع نظر .

    فصل أقسام الأطباء المذكورة سابقا تتناول الطب عملا أو قولا إنسانا أو حيوانا واسم كل منهم
    والطبيب في هذا الحديث يتناول من يطب بوصفه وقوله وهو الذي يخص باسم الطبائعي وبمروده وهو الكحال وبمبضعه ومراهمه وهو الجرائحي وبموساه وهو الخاتن وبريشته وهو الفاصد وبمحاجمه ومشرطه وهو الحجام وبخلعه ووصله ورباطه وهو المجبر وبمكواته وناره وهو الكواء وبقربته وهو الحاقن وسواء كان طبه لحيوان بهيم أو إنسان فاسم الطبيب يطلق لغة على هؤلاء كلهم كما تقدم وتخصيص الناس له ببعض أنواع الأطباء عرف حادث كتخصيص لفظ الدابة بما يخصها به كل قوم .

    فصل [ ما يراعيه الطبيب الحاذق من الأمور ]
    والطبيب الحاذق هو الذي يراعي في علاجه عشرين أمرا :

    أحدها : النظر في نوع المرض من أي الأمراض هو ؟

    الثاني : النظر في سببه من أي شيء حدث والعلة الفاعلة التي كانت سبب حدوثه ما هي ؟ .

    الثالث قوة المريض وهل هي مقاومة للمرض أو أضعف منه ؟ فإن كانت مقاومة للمرض مستظهرة عليه تركها والمرض ولم يحرك بالدواء ساكنا .

    الرابع مزاج البدن الطبيعي ما هو ؟

    الخامس المزاج الحادث على غير المجرى الطبيعي .

    السادس سن المريض .

    السابع عادته .

    الثامن الوقت الحاضر من فصول السنة وما يليق به .

    التاسع بلد المريض وتربته .

    العاشر حال الهواء في وقت المرض .

    الحادي عشر النظر في الدواء المضاد لتلك العلة .

    الثاني عشر النظر في قوة الدواء ودرجته والموازنة بينها وبين قوة المريض .

    [ أن يكون قصده إزالة العلة على وجه يأمن معه حدوث أصعب منها ]

    الثالث عشر ألا يكون كل قصده إزالة تلك العلة فقط بل إزالتها على وجه يأمن معه حدوث أصعب منها فمتى كان إزالتها لا يأمن معها حدوث علة أخرى أصعب منها أبقاها على حالها وتلطيفها هو الواجب وهذا كمرض أفواه العروق فإنه متى عولج بقطعه وحبسه خيف حدوث ما هو أصعب منه .

    [ أن يعالج بالأسهل فالأسهل ]

    الرابع عشر أن يعالج بالأسهل فالأسهل فلا ينتقل من العلاج بالغذاء إلى الدواء إلا عند تعذره ولا ينتقل إلى الدواء المركب إلا عند تعذر الدواء البسيط فمن حذق الطبيب علاجه بالأغذية بدل الأدوية وبالأدوية البسيطة بدل المركبة .

    الخامس عشر أن ينظر في العلة هل هي مما يمكن علاجها أو لا ؟ فإن لم يمكن علاجها حفظ صناعته وحرمته ولا يحمله الطمع على علاج لا يفيد شيئا . وإن أمكن علاجها نظر هل يمكن زوالها أم لا ؟ فإن علم أنه لا يمكن زوالها نظر هل يمكن تخفيفها وتقليلها أم لا ؟ فإن لم يكن تقليلها ورأى أن غاية الإمكان إيقافها وقطع زيادتها قصد بالعلاج ذلك وأعان القوة وأضعف المادة .

    السادس عشر ألا يتعرض للخلط قبل نضجه باستفراغ بل يقصد إنضاجه فإذا تم نضجه بادر إلى استفراغه .

    [ أن يكون له خبرة باعتلال القلوب ]

    السابع عشر أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان فإن انفعال البدن وطبيعته عن النفس والقلب أمر مشهود والطبيب إذا كان عارفا بأمراض القلب والروح وعلاجهما كان هو الطبيب الكامل والذي لا خبرة له بذلك وإن كان حاذقا في علاج الطبيعة وأحوال البدن نصف طبيب . وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه وتقوية روحه وقواه بالصدقة وفعل الخير والإحسان والإقبال على الله والدار الآخرة فليس بطبيب بل متطبب قاصر . ومن أعظم علاجات المرض فعل الخير والإحسان والذكر والدعاء والتضرع والابتهال إلى الله والتوبة ولهذه الأمور تأثير في دفع العلل وحصول الشفاء أعظم من الأدوية الطبيعية ولكن بحسب استعداد النفس وقبولها وعقيدتها في ذلك ونفعه .

    الثامن عشر التلطف بالمريض والرفق به كالتلطف بالصبي .

    التاسع عشر أن يستعمل أنواع العلاجات الطبيعية والإلهية والعلاج بالتخييل فإن لحذاق الأطباء في التخييل أمورا عجيبة لا يصل إليها الدواء فالطبيب الحاذق يستعين على المرض بكل معين .

    العشرون - وهو ملاك أمر الطبيب - أن يجعل علاجه وتدبيره دائرا على ستة أركان حفظ الصحة الموجودة ورد الصحة المفقودة بحسب الإمكان وإزالة العلة أو تقليلها بحسب الإمكان واحتمال أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما فعلى هذه الأصول الستة مدار العلاج وكل طبيب لا تكون هذه أخيته التي يرجع إليها فليس بطبيب والله أعلم .

    فصل [مراعاة الطبيب لأحوال المرض ]
    ولما كان للمرض أربعة أحوال ابتداء وصعود وانتهاء وانحطاط تعين على الطبيب مراعاة كل حال من أحوال المرض بما يناسبها ويليق بها ويستعمل في كل حال ما يجب استعماله فيها . فإذا رأى في ابتداء المرض أن الطبيعة محتاجة إلى ما يحرك الفضلات ويستفرغها لنضجها بادر إليه فإن فاته تحريك الطبيعة في ابتداء المرض لعائق منع من ذلك أو لضعف القوة وعدم احتمالها للاستفراغ أو لبرودة الفصل أو لتفريط وقع فينبغي أن يحذر كل الحذر أن يفعل ذلك في صعود المرض لأنه إن فعله تحيرت الطبيعة لاشتغالها بالدواء وتخلت عن تدبير المرض ومقاومته بالكلية ومثاله أن يجيء إلى فارس مشغول بمواقعة عدوه فيشغله عنه بأمر آخر ولكن الواجب في هذه الحال أن يعين الطبيعة على حفظ القوة ما أمكنه .

    فإذا انتهى المرض ووقف وسكن أخذ في استفراغه واستئصال أسبابه فإذا أخذ في الانحطاط كان أولى بذلك . ومثال هذا مثال العدو إذا انتهت قوته وفرغ سلاحه كان أخذه سهلا فإذا ولى وأخذ في الهرب كان أسهل أخذا وحدته وشوكته إنما هي في ابتدائه وحال استفراغه وسعة قوته فهكذا الداء والدواء سواء .

    فصل [ من حذق الطبيب التدبير بالأسهل ]

    ومن حذق الطبيب أنه حيث أمكن التدبير بالأسهل فلا يعدل إلى الأصعب ويتدرج من الأضعف إلى الأقوى إلا أن يخاف فوت القوة حينئذ فيجب أن يبتدئ بالأقوى ولا يقيم في المعالجة على حال واحدة فتألفها الطبيعة ويقل انفعالها عنه ولا تجسر على الأدوية القوية في الفصول القوية وقد تقدم أنه إذا أمكنه العلاج بالغذاء فلا يعالج بالدواء وإذا أشكل عليه المرض أحار هو أم بارد ؟ فلا يقدم حتى يتبين له ولا يجربه بما يخاف عاقبته ولا بأس بتجربته بما لا يضر أثره .

    [ما يفعله الطبيب إذا اجتمعت أمراض ]

    وإذا اجتمعت أمراض بدأ بما تخصه واحدة من ثلاث خصال

    إحداها : أن يكون برء الآخر موقوفا على برئه كالورم والقرحة فإنه يبدأ بالورم .

    الثانية أن يكون أحدها سببا للآخر كالسدة والحمى العفنة فإنه يبدأ بإزالة السبب .

    الثالثة أن يكون أحدهما أهم من الآخر كالحاد والمزمن فيبدأ بالحاد ومع هذا فلا يغفل عن الآخر .

    وإذا اجتمع المرض والعرض بدأ بالمرض إلا أن يكون العرض أقوى كالقولنج فيسكن الوجع أولا ثم يعالج السدة وإذا أمكنه أن يعتاض عن المعالجة بالاستفراغ بالجوع أو الصوم أو النوم لم يستفرغه وكل صحة أراد حفظها حفظها بالمثل أو الشبه وإن أراد نقلها إلى ما هو أفضل منها نقلها بالضد .



    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في المنع من التداوي بالمحرمات
    روى أبو داود في " سننه " من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بالمحرم .

    وذكر البخاري في " صحيحه " عن ابن مسعود : إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم

    وفي " السنن " : عن أبي هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث

    وفي " صحيح مسلم " عن طارق بن سويد الجعفي أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها فقال إنما أصنعها للدواء فقال إنه ليس بدواء ولكنه داء

    وفي " السنن " أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر يجعل في الدواء فقال " إنها داء وليست بالدواء رواه أبو داود والترمذي . وفي " صحيح مسلم " عن طارق بن سويد الحضرمي قال قلت : يا رسول الله إن بأرضنا أعنابا نعتصرها فنشرب منها قال " لا " فراجعته قلت إنا نستشفي للمريض قال إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء

    وفي " سنن النسائي أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه عن قتلها

    ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من تداوى بالخمر فلا شفاه الله

    [ بيان قبح المعالجة بالمحرمات عقلا ]

    المعالجة بالمحرمات قبيحة عقلا وشرعا أما الشرع فما ذكرنا من هذه الأحاديث وغيرها وأما العقل فهو أن الله سبحانه إنما حرمه لخبثه فإنه لم يحرم على هذه الأمة طيبا عقوبة لها كما حرمه على بني إسرائيل بقوله فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم [ النساء : 160 ] ; وإنما حرم على هذه الأمة ما حرم لخبثه وتحريمه له حمية لهم وصيانة عن تناوله فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل فإنه وإن أثر في إزالتها لكنه يعقب سقما أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه فيكون المداوى به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب . وأيضا فإن تحريمه يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابسته وهذا ضد مقصود الشارع وأيضا فإنه داء كما نص عليه صاحب الشريعة فلا يجوز أن يتخذ دواء .

    وأيضا فإنه يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث لأن الطبيعة تنفعل عن كيفية الدواء انفعالا بينا فإذا كانت كيفيته خبيثة اكتسبت الطبيعة منه خبثا فكيف إذا كان خبيثا في ذاته ولهذا حرم الله سبحانه على عباده الأغذية والأشربة والملابس الخبيثة لما تكسب النفس من هيئة الخبث وصفته .

    [التداوي به ذريعة إلى تعاطيه ]

    وأيضا فإن في إباحة التداوي به ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة لا سيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها مزيل لأسقامها جالب لشفائها فهذا أحب شيء إليها والشارع سد الذريعة إلى تناوله بكل ممكن ولا ريب أن بين سد الذريعة إلى تناوله وفتح الذريعة إلى تناوله تناقضا و تعارضا .

    وأيضا فإن في هذا الدواء المحرم من الأدواء ما يزيد على ما يظن فيه من الشفاء ولنفرض الكلام في أم الخبائث التي ما جعل الله لنا فيها شفاء قط فإنها شديدة المضرة بالدماغ الذي هو مركز العقل عند الأطباء وكثير من الفقهاء والمتكلمين . قال أبقراط في أثناء كلامه في الأمراض الحادة ضرر الخمرة بالرأس شديد . لأنه يسرع الارتفاع إليه . ويرتفع بارتفاعه الأخلاط التي تعلو في البدن وهو كذلك يضر بالذهن .

    وقال صاحب " الكامل " : إن خاصية الشراب الإضرار بالدماغ والعصب . وأما غيره من الأدوية المحرمة فنوعان أحدهما : تعافه النفس ولا تنبعث لمساعدته الطبيعة على دفع المرض به كالسموم ولحوم الأفاعي وغيرها من المستقذرات فيبقى كلا على الطبيعة مثقلا لها فيصير حينئذ داء لا دواء .

    والثاني : ما لا تعافه النفس كالشراب الذي تستعمله الحوامل مثلا فهذا ضرره أكثر من نفعه والعقل يقضي بتحريم ذلك فالعقل والفطرة مطابق للشرع في ذلك . وها هنا سر لطيف في كون المحرمات لا يستشفى بها فإن شرط الشفاء بالدواء تلقيه بالقبول واعتقاد منفعته وما جعل الله فيه من بركة الشفاء فإن النافع هو المبارك وأنفع الأشياء أبركها والمبارك من الناس أينما كان هو الذي ينتفع به حيث حل ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين مما يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها وبين حسن ظنه بها وتلقي طبعه لها بالقبول بل كلما كان العبد أعظم إيمانا كان أكره لها وأسوأ اعتقادا فيها وطبعه أكره شيء لها فإذا تناولها في هذه الحال كانت داء له لا دواء إلا أن يزول اعتقاد الخبث فيها وسوء الظن والكراهة لها بالمحبة وهذا ينافي الإيمان فلا يتناولها المؤمن قط إلا على وجه داء والله أعلم .



    فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج القمل الذي في الرأس وإزالته
    في " الصحيحين " عن كعب بن عجرة قال كان بي أذى من رأسي فحملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي فقال ما كنت أرى الجهد قد بلغ بك ما أرى وفي رواية فأمره أن يحلق رأسه وأن يطعم فرقا بين ستة أو يهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام

    القمل يتولد في الرأس والبدن من شيئين خارج عن البدن وداخل فيه فالخارج الوسخ والدنس المتراكم في سطح الجسد والثاني من خلط رديء عفن تدفعه الطبيعة بين الجلد واللحم فيتعفن بالرطوبة الدموية في البشرة بعد خروجها من المسام فيكون منه القمل وأكثر ما يكون ذلك بعد العلل والأسقام وبسبب الأوساخ وإنما كان في رءوس الصبيان أكثر لكثرة رطوباتهم وتعاطيهم الأسباب التي تولد القمل ولذلك حلق النبي صلى الله عليه وسلم رءوس بني جعفر .

    [علاجه بالحلق ثم بالطلي بالأدوية ]

    ومن أكبر علاجه حلق الرأس لتنفتح مسام الأبخرة فتتصاعد الأبخرة الرديئة فتضعف مادة الخلط وينبغي أن يطلى الرأس بعد ذلك بالأدوية التي تقتل القمل وتمنع تولده .

    [أنواع حلق الرأس ]

    وحلق الرأس ثلاثة أنواع أحدها : نسك وقربة . والثاني : بدعة وشرك والثالث حاجة ودواء فالأول الحلق في أحد النسكين الحج أو العمرة . والثاني : حلق الرأس لغير الله سبحانه كما يحلقها المريدون لشيوخهم فيقول أحدهم أنا حلقت رأسي لفلان وأنت حلقته لفلان وهذا بمنزلة أن يقول سجدت لفلان فإن حلق الرأس خضوع وعبودية وذل ولهذا كان من تمام الحج حتى إنه عند الشافعي ركن من أركانه لا يتم إلا به فإنه وضع النواصي بين يدي ربها خضوعا لعظمته وتذللا لعزته وهو من أبلغ أنواع العبودية ولهذا كانت العرب إذا أرادت إذلال الأسير منهم وعتقه حلقوا رأسه وأطلقوه فجاء شيوخ الضلال والمزاحمون للربوبية الذين أساس مشيختهم على الشرك والبدعة فأرادوا من مريديهم أن يتعبدوا لهم فزينوا لهم حلق رءوسهم لهم كما زينوا لهم السجود لهم وسموه بغير اسمه وقالوا : هو وضع الرأس بين يدي الشيخ ولعمر الله إن السجود لله هو وضع الرأس بين يديه سبحانه وزينوا لهم أن ينذروا لهم ويتوبوا لهم ويحلفوا بأسمائهم وهذا هو اتخاذهم أربابا وآلهة من دون الله قال تعالى : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون [ آل عمران 79 - 80 ] .

    [ التحذير من الركوع والانحناء لغير الله وكذا القيام على رءوس الأكابر وهم جلوس ]

    وأشرف العبودية عبودية الصلاة وقد تقاسمها الشيوخ والمتشبهون بالعلماء والجبابرة فأخذ الشيوخ منها أشرف ما فيها وهو السجود وأخذ المتشبهون بالعلماء منها الركوع فإذا لقي بعضهم بعضا ركع له كما يركع المصلي لربه سواء وأخذ الجبابرة منهم القيام فيقوم الأحرار والعبيد على رءوسهم عبودية لهم وهم جلوس وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمور الثلاثة على التفصيل فتعاطيها . مخالفة صريحة له فنهى عن السجود لغير الله وقال لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد وأنكر على معاذ لما سجد له وقال " مه "

    وتحريم هذا معلوم من دينه بالضرورة وتجويز من جوزه لغير الله مراغمة لله ورسوله وهو من أبلغ أنواع العبودية فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر فقد جوز العبودية لغير الله وقد صح أنه قيل له الرجل يلقى أخاه أينحني له ؟ قال " لا " . قيل أيلتزمه ويقبله قال " لا " . قيل أيصافحه ؟ قال " نعم "

    [أمره صلى الله عليه وسلم أصحابه إذا صلى جالسا أن يصلوا جلوسا
    لئلا يقوموا على رأسه وهو جالس ]

    وأيضا : فالانحناء عند التحية سجود ومنه قوله تعالى : وادخلوا الباب سجدا [ البقرة 58 ] أي منحنين وإلا فلا يمكن الدخول على الجباه وصح عنه النهي عن القيام وهو جالس كما تعظم الأعاجم بعضها بعضا حتى منع من ذلك في الصلاة وأمرهم إذا صلى جالسا أن يصلوا جلوسا وهم أصحاء لا عذر لهم لئلا يقوموا على رأسه وهو جالس مع أن قيامهم لله فكيف إذا كان القيام تعظيما وعبودية لغيره سبحانه .

    والمقصود أن النفوس الجاهلة الضالة أسقطت عبودية الله سبحانه وأشركت فيها من تعظمه من الخلق فسجدت لغير الله وركعت له وقامت بين يديه قيام الصلاة وحلفت بغيره ونذرت لغيره وحلقت لغيره وذبحت لغيره وطافت لغير بيته وعظمته بالحب والخوف والرجاء والطاعة كما يعظم الخالق بل أشد وسوت من تعبده من المخلوقين برب العالمين وهؤلاء هم المضادون لدعوة الرسل وهم الذين بربهم يعدلون وهم الذين يقولون - وهم في النار مع آلهتهم يختصمون - تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين [ الشعراء 98 ] . وهم الذين قال فيهم ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله [ البقرة 165 ] وهذا كله من الشرك والله لا يغفر أن يشرك به . فهذا فصل معترض في هديه في حلق الرأس ولعله أهم مما قصد الكلام فيه والله الموفق .

    يتبع
    أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
    وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

    Comment

    • اخت مسلمة
      محاور
      • Nov 2005
      • 6338

      #32
      فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في العلاج بالأدوية الروحانية الإلهية المفردة والمركبة منها ومن الأدوية الطبيعية
      فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المصاب بالعين
      روى مسلم في " صحيحه " عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين
      وفي " صحيحه " أيضا عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في الرقية من الحمة والعين والنملة وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العين حق
      وفي سنن أبي داود " عن عائشة رضي الله عنها قالت كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين
      وفي " الصحيحين " عن عائشة قالت أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر أن نسترقي من العين

      وذكر الترمذي من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عروة بن عامر عن عبيد بن رفاعة الزرقي أن أسماء بنت عميس قالت يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم ؟ فقال " نعم فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين قال الترمذي : حديث حسن صحيح .

      وروى مالك رحمه الله عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال رأى عامر بن ربيعة سهل بن حنيف يغتسل فقال والله ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة قال فلبط سهل فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عامرا فتغيظ عليه وقال " علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت اغتسل له " فغسل له عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم صب عليه فراح مع الناس

      وروى مالك رحمه الله أيضا عن محمد بن أبي أمامة بن سهل عن أبيه هذا الحديث وقال فيه إن العين حق توضأ له فتوضأ له

      وذكر عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه مرفوعا العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسل أحدكم فليغتسل ووصله صحيح .

      قال الزهري : يؤمر الرجل العائن بقدح فيدخل كفه فيه فيتمضمض ثم يمجه في القدح ويغسل وجهه في القدح ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى في القدح ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى ثم يغسل داخلة إزاره ولا يوضع القدح في الأرض ثم يصب على رأس الرجل الذي تصيبه العين من خلفه صبة واحدة .

      والعين عينان عين إنسية وعين جنية فقد صح عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال استرقوا لها فإن بها النظرة قال الحسين بن مسعود الفراء : وقوله سفعة أي نظرة يعني : من الجن يقول بها عين أصابتها من نظر الجن أنفذ من أسنة الرماح .

      ويذكر عن جابر يرفعه إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر
      وعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الجان ومن عين الإنسان

      [قول من أبطل الإصابة بالعين ]

      فأبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل أمر العين وقالوا : إنما ذلك أوهام لا حقيقة له وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل ومن أغلظهم حجابا وأكثفهم طباعا وأبعدهم معرفة عن الأرواح والنفوس . وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين ولا تنكره وإن اختلفوا في سبب وجهة تأثير العين .

      فقالت طائفة إن العائن إذا تكيفت نفسه بالكيفية الرديئة انبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيتضرر . قالوا : ولا يستنكر هذا كما لا يستنكر انبعاث قوة سمية من الأفعى تتصل بالإنسان فيهلك وهذا أمر قد اشتهر عن نوع من الأفاعي أنها إذا وقع بصرها على الإنسان هلك فكذلك العائن .

      وقالت فرقة أخرى : لا يستبعد أن ينبعث من عين بعض الناس جواهر لطيفة غير مرئية فتتصل بالمعين وتتخلل مسام جسمه فيحصل له الضرر .

      وقالت فرقة أخرى : قد أجرى الله العادة بخلق ما يشاء من الضرر عند مقابلة عين العائن لمن يعينه من غير أن يكون منه قوة ولا سبب ولا تأثير أصلا وهذا مذهب منكري الأسباب والقوى والتأثيرات في العالم وهؤلاء قد سدوا على أنفسهم باب العلل والتأثيرات والأسباب وخالفوا العقلاء أجمعين .

      [الرد على من أنكر الإصابة بالعين ]

      ولا ريب أن الله سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قوى وطبائع مختلفة وجعل في كثير منها خواص وكيفيات مؤثرة ولا يمكن لعاقل إنكار تأثير الأرواح في الأجسام فإنه أمر مشاهد محسوس وأنت ترى الوجه كيف يحمر حمرة شديدة إذا نظر إليه من يحتشمه ويستحي منه ويصفر صفرة شديدة عند نظر من يخافه إليه وقد شاهد الناس من يسقم من النظر وتضعف قواه وهذا كله بواسطة تأثير الأرواح ولشدة ارتباطها بالعين ينسب الفعل إليها وليست هي الفاعلة وإنما التأثير للروح والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها فروح الحاسد مؤذية للمحسود أذى بينا

      ولهذا أمر الله - سبحانه - رسوله أن يستعيذ به من شره وتأثير الحاسد في أذى المحسود أمر لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية وهو أصل الإصابة بالعين فإن النفس الخبيثة الحاسدة تتكيف بكيفية خبيثة وتقابل المحسود فتؤثر فيه بتلك الخاصية وأشبه الأشياء بهذا الأفعى فإن السم كامن فيها بالقوة فإذا قابلت عدوها انبعثت منها قوة غضبية وتكيفت بكيفية خبيثة مؤذية فمنها ما تشتد كيفيتها وتقوى حتى تؤثر في إسقاط الجنين ومنها ما تؤثر في طمس البصر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأبتر وذي الطفيتين من الحيات إنهما يلتمسان البصر ويسقطان الحبل

      [الحاسد أعم من العائن ]

      ومنها ما تؤثر في الإنسان كيفيتها بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك النفس وكيفيتها الخبيثة المؤثرة والتأثير غير موقوف على الاتصالات الجسمية كما يظنه من قل علمه ومعرفته بالطبيعة والشريعة بل التأثير يكون تارة بالاتصال وتارة بالمقابلة وتارة بالرؤية وتارة بتوجه الروح نحو من يؤثر فيه وتارة بالأدعية والرقى والتعوذات وتارة بالوهم والتخيل ونفس العائن لا يتوقف تأثيرها على الرؤية بل قد يكون أعمى فيوصف له الشيء فتؤثر نفسه فيه وإن لم يره وكثير من العائنين يؤثر في المعين بالوصف من غير رؤية وقد قال تعالى لنبيه وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر [ القلم 51 ] . وقال قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد فكل عائن حاسد وليس كل حاسد عائنا فلما كان الحاسد أعم من العائن كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين تصيبه تارة وتخطئه تارة فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه أثرت فيه ولا بد وإن صادفته حذرا شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه وربما ردت السهام على صاحبها وهذا بمثابة الرمي الحسي سواء فهذا من النفوس والأرواح وذاك من الأجسام والأشباح .

      وأصله من إعجاب العائن بالشيء ثم تتبعه كيفية نفسه الخبيثة ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظرة إلى المعين وقد يعين الرجل نفسه وقد يعين بغير إرادته بل بطبعه وهذا أردأ ما يكون من النوع الإنساني وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء إن من عرف بذلك حبسه الإمام وأجرى له ما ينفق عليه إلى الموت وهذا هو الصواب قطعا .



      فصل [علاج المعيون بالتعوذات والرقى ]
      والمقصود العلاج النبوي لهذه العلة وهو أنواع وقد روى أبو داود في " سننه " عن سهل بن حنيف قال مررنا بسيل فدخلت فاغتسلت فيه فخرجت محموما فنمي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " مروا أبا ثابت يتعوذ قال فقلت : يا سيدي والرقى صالحة ؟ فقال لا رقية إلا في نفس أو حمة أو لدغة

      والنفس العين يقال أصابت فلانا نفس أي عين . والنافس العائن . واللدغة - بدال مهملة وغين معجمة - وهي ضربة العقرب ونحوها .

      [عبارات من التعوذات النبوية ]

      فمن التعوذات والرقى الإكثار من قراءة المعوذتين وفاتحة الكتاب وآية الكرسي ومنها التعوذات النبوية .

      نحو أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق

      ونحو أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة

      ونحو أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن

      ومنها : أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون

      ومنها : اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامات من شر ما أنت آخذ بناصيته اللهم أنت تكشف المأثم والمغرم اللهم إنه لا يهزم جندك ولا يخلف وعدك سبحانك وبحمدك

      ومنها : أعوذ بوجه الله العظيم الذي لا شيء أعظم منه وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وأسماء الله الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر كل ذي شر لا أطيق شره ومن شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته إن ربي على صراط مستقيم

      ومنها : اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن لا حول ولا قوة إلا بالله أعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيءعددا اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم

      وإن شاء قال تحصنت بالله الذي لا إله إلا هو إلهي وإله كل شيء واعتصمت بربي ورب كل شيء وتوكلت على الحي الذي لا يموت واستدفعت الشر بلا حول ولا قوة إلا بالله حسبي الله ونعم الوكيل حسبي الرب من العباد حسبي الخالق من المخلوق حسبي الرازق من المرزوق حسبي الذي هو حسبي حسبي الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه حسبي الله وكفى سمع الله لمن دعا ليس وراء الله مرمى حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم

      ومن جرب هذه الدعوات والعوذ عرف مقدار منفعتها وشدة الحاجة إليها وهي تمنع وصول أثر العائن وتدفعه بعد وصوله بحسب قوة إيمان قائلها وقوة نفسه واستعداده وقوة توكله وثبات قلبه فإنها سلاح والسلاح بضاربه .

      فصل [ما يقوله العائن خشية من ضرر عينه ]
      وإذا كان العائن يخشى ضرر عينه وإصابتها للمعين فليدفع شرها بقوله اللهم بارك عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف " ألا بركت " أي قلت اللهم بارك عليه

      ومما يدفع به إصابة العين قول ما شاء الله لا قوة إلا بالله روى هشام بن عروة عن أبيه أنه كان إذا رأى شيئا يعجبه أو دخل حائطا من حيطانه قال ما شاء الله لا قوة إلا بالله .

      [الرقية للمعين ]

      ومنها رقية جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم التي رواها مسلم في " صحيحه " باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك

      [كتابة الآيات ثم شربها ]

      ورأى جماعة من السلف أن تكتب له الآيات من القرآن ثم يشربها . قال مجاهد : لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله ويسقيه المريض ومثله عن أبي قلابة . ويذكر عن ابن عباس : أنه أمر أن يكتب لامرأة تعسر عليها ولادها أثر من القرآن ثم يغسل وتسقى وقال أيوب رأيت أبا قلابة كتب كتابا من القرآن ثم غسله بماء وسقاه رجلا كان به وجع

      فصل [استغسال العائن للمعين ]
      [الرد على من أنكره من الأطباء ]

      ومنها : أن يؤمر العائن بغسل مغابنه وأطرافه وداخلة إزاره وفيه قولان . أحدهما : أنه فرجه . والثاني : أنه طرف إزاره الداخل الذي يلي جسده من الجانب الأيمن ثم يصب على رأس المعين من خلفه بغتة وهذا مما لا يناله علاج الأطباء ولا ينتفع به من أنكره أو سخر منه أو شك فيه أو فعله مجربا لا يعتقد أن ذلك ينفعه .

      [حكمة الاستغسال ]

      وإذا كان في الطبيعة خواص لا تعرف الأطباء عللها ألبتة بل هي عندهم خارجة عن قياس الطبيعة تفعل بالخاصية فما الذي ينكره زنادقتهم وجهلتهم من الخواص الشرعية هذا مع أن في المعالجة بهذا الاستغسال ما تشهد له العقول الصحيحة وتقر لمناسبته فاعلم أن ترياق سم الحية في لحمها وأن علاج تأثير النفس الغضبية في تسكين غضبها وإطفاء ناره بوضع يدك عليه والمسح عليه وتسكين غضبه وذلك بمنزلة رجل معه شعلة من نار وقد أراد أن يقذفك بها فصببت عليها الماء وهي في يده حتى طفئت ولذلك أمر العائن أن يقول اللهم بارك عليه ليدفع تلك الكيفية الخبيثة بالدعاء الذي هو إحسان إلى المعين فإن دواء الشيء بضده . ولما كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد لأنها تطلب النفوذ فلا تجد أرق من المغابن وداخلة الإزار ولا سيما إن كان كناية عن الفرج فإذا غسلت بالماء بطل تأثيرها وعملها وأيضا فهذه المواضع للأرواح الشيطانية بها اختصاص .

      والمقصود أن غسلها بالماء يطفئ تلك النارية ويذهب بتلك السمية .

      وفيه أمر آخر وهو وصول أثر الغسل إلى القلب من أرق المواضع وأسرعها تنفيذا فيطفئ تلك النارية والسمية بالماء فيشفى المعين وهذا كما أن ذوات السموم إذا قتلت بعد لسعها خف أثر اللسعة عن الملسوع ووجد راحة فإن أنفسها تمد أذاها بعد لسعها وتوصله إلى الملسوع . فإذا قتلت خف الألم وهذا مشاهد . وإن كان من أسبابه فرح الملسوع واشتفاء نفسه بقتل عدوه فتقوى الطبيعة على الألم فتدفعه .

      وبالجملة غسل العائن يذهب تلك الكيفية التي ظهرت منه وإنما ينفع غسله عند تكيف نفسه بتلك الكيفية .

      [حكمة صب ماء الاستغسال على المعين ]

      فإن قيل فقد ظهرت مناسبة الغسل فما مناسبة صب ذلك الماء على المعين ؟ قيل هو في غاية المناسبة فإن ذلك الماء ماء طفئ به تلك النارية وأبطل تلك الكيفية الرديئة من الفاعل فكما طفئت به النارية القائمة بالفاعل طفئت به وأبطلت عن المحل المتأثر بعد ملابسته للمؤثر العائن والماء الذي يطفأ به الحديد يدخل في أدوية عدة طبيعية ذكرها الأطباء فهذا الذي طفئ به نارية العائن لا يستنكر أن يدخل في دواء يناسب هذا الداء . وبالجملة فطب الطبائعية وعلاجهم بالنسبة إلى العلاج النبوي كطب الطرقية بالنسبة إلى طبهم بل أقل فإن التفاوت الذي بينهم وبين الأنبياء أعظم وأعظم من التفاوت الذي بينهم وبين الطرقية بما لا يدرك الإنسان مقداره فقد ظهر لك عقد الإخاء الذي بين الحكمة والشرع وعدم مناقضة أحدهما للآخر والله يهدي من يشاء إلى الصواب ويفتح لمن أدام قرع باب التوفيق منه كل باب وله النعمة السابغة والحجة البالغة .

      فصل [ للاحتراز من الإصابة بالعين ستر محاسن من يخاف عليه العين ]
      ومن علاج ذلك أيضا والاحتراز منه ستر محاسن من يخاف عليه العين بما يردها عنه كما ذكر البغوي في كتاب " شرح السنة " : أن عثمان رضي الله عنه رأى صبيا مليحا فقال دسموا نونته لئلا تصيبه العين ثم قال في تفسيره ومعنى : دسموا نونته أي سودوا نونته والنونة النقرة التي تكون في ذقن الصبي الصغير .

      وقال الخطابي في " غريب الحديث " له عن عثمان : إنه رأى صبيا تأخذه العين فقال دسموا نونته فقال أبو عمرو : سألت أحمد بن يحيى عنه فقال أراد بالنونة النقرة التي في ذقنه . والتدسيم التسويد . أراد سودوا ذلك الموضع من ذقنه ليرد العين . قال ومن هذا حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم وعلى رأسه عمامة دسماء أي سوداء . أراد الاستشهاد على اللفظة ومن هذا أخذ الشاعر قوله

      ما كان أحوج ذا الكمال إلى

      عيب يوقيه من العين


      فصل [ذكر رقية ترد العين ]
      ومن الرقى التي ترد العين ما ذكر عن أبي عبد الله الساجي أنه كان في بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فارهة وكان في الرفقة رجل عائن قلما نظر إلى شيء إلا أتلفه فقيل لأبي عبد الله : احفظ ناقتك من العائن فقال ليس له إلى ناقتي سبيل فأخبر العائن بقوله فتحين غيبة أبي عبد الله فجاء إلى رحله فنظر إلى الناقة فاضطربت وسقطت فجاء أبو عبد الله فأخبر أن العائن قد عانها وهي كما ترى فقال دلوني عليه فدل فوقف عليه وقال بسم الله حبس حابس وحجر يابس وشهاب قابس رددت عين العائن عليه وعلى أحب الناس إليه فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير [ الملك 43 ] فخرجت حدقتا العائن وقامت الناقة لا بأس بها .

      فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في العلاج العام لكل شكوى بالرقية الإلهية
      روى أبو داود في " سننه " : من حديث أبي الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من اشتكى منكم شيئا أو اشتكاه أخ له فليقل ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض واغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ بإذن الله .

      وفي " صحيح مسلم " عن أبي سعيد الخدري أن جبريل - عليه السلام - أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد اشتكيت ؟ فقال " نعم " فقال جبريل - عليه السلام - باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك .

      فإن قيل فما تقولون في الحديث الذي رواه أبو داود : لا رقية إلا من عين أو حمة والحمة ذوات السموم كلها .

      [التوفيق بين جواز الرقية لكل شكوى وبين " لا رقية إلا من عين أو حمة "]

      فالجواب أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد به نفي جواز الرقية في غيرها بل المراد به لا رقية أولى وأنفع منها في العين والحمة ويدل عليه سياق الحديث فإن سهل بن حنيف قال له لما أصابته العين أو في الرقى خير ؟ فقال لا رقية إلا في نفس أو حمة ويدل عليه سائر أحاديث الرقى العامة والخاصة وقد روى أبو داود من حديث أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا رقية إلا من عين أو حمة أو دم يرقأ

      وفي " صحيح مسلم " عنه أيضا : رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من العين والحمة والنملة



      فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في رقية اللديغ بالفاتحة
      أخرجا في " الصحيحين " من حديث أبي سعيد الخدري قال ا نطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعلهم أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا : يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه فهل عند أحد منكم من شيء ؟ فقال بعضهم نعم والله إني لأرقي ولكن استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق يتفل عليه ويقرأ الحمد لله رب العالمين فكأنما أنشط من عقال فانطلق يمشي وما به قلبة قال فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه فقال بعضهم اقتسموا فقال الذي رقى : لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك فقال " وما يدريك أنها رقية ؟ " ثم قال قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم سهما

      وقد روى ابن ماجه في " سننه " من حديث علي قال قال رسول الله خير الدواء القرآن

      [فائدة الرقية بالقرآن وبخاصة فاتحة الكتاب ]

      ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواص ومنافع مجربة فما الظن بكلام رب العالمين الذي فضله على كل كلام كفضل الله على خلقه الذي هو الشفاء التام والعصمة النافعة والنور الهادي والرحمة العامة الذي لو أنزل على جبل لتصدع من عظمته وجلالته . قال تعالى : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين [ الإسراء : 82 ] و " من " ها هنا لبيان الجنس لا للتبعيض هذا أصح القولين كقوله تعالى : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما [ الفتح 29 ] وكلهم من الذين آمنوا وعملوا الصالحات فما الظن بفاتحة الكتاب التي لم ينزل في القرآن ولا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها المتضمنة لجميع معاني كتب الله المشتملة على ذكر أصول أسماء الرب - تعالى - ومجامعها و هي الله والرب والرحمن وإثبات المعاد وذكر التوحيدين

      توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية وذكر الافتقار إلى الرب سبحانه في طلب الإعانة وطلب الهداية وتخصيصه سبحانه بذلك وذكر أفضل الدعاء على الإطلاق وأنفعه وأفرضه وما العباد أحوج شيء إليه وهو الهداية إلى صراطه المستقيم المتضمن كمال معرفته وتوحيده وعبادته - بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه والاستقامة عليه إلى الممات ويتضمن ذكر أصناف الخلائق وانقسامهم إلى منعم عليه بمعرفة الحق والعمل به ومحبته وإيثاره ومغضوب عليه بعدوله عن الحق بعد معرفته له وضال بعدم معرفته له .

      وهؤلاء أقسام الخليقة مع تضمنها لإثبات القدر والشرع والأسماء والصفات والمعاد والنبوات وتزكية النفوس وإصلاح القلوب وذكر عدل الله وإحسانه والرد على جميع أهل البدع والباطل كما ذكرنا ذلك في كتابنا الكبير " مدارج السالكين " في شرحها . وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن يستشفى بها من الأدواء ويرقى بها اللديغ .

      وبالجملة فما تضمنته الفاتحة من إخلاص العبودية والثناء على الله وتفويض الأمر كله إليه والاستعانة به والتوكل عليه وسؤاله مجامع النعم كلها وهي الهداية التي تجلب النعم وتدفع النقم من أعظم الأدوية الشافية الكافية .

      [ قراءة المصنف الفاتحة على ماء زمزم وذلك عند سقمه في مكة]

      وقد قيل إن موضع الرقية منها : إياك نعبد وإياك نستعين ولا ريب أن هاتين الكلمتين من أقوى أجزاء هذا الدواء فإن فيهما من عموم التفويض والتوكل والالتجاء والاستعانة والافتقار والطلب والجمع بين أعلى الغايات وهي عبادة الرب وحده وأشرف الوسائل وهي الاستعانة به على عبادته ما ليس في غيرها ولقد مر بي وقت بمكة سقمت فيه وفقدت الطبيب والدواء فكنت أتعالج بها آخذ شربة من ماء زمزم وأقرؤها عليها مرارا ثم أشربه فوجدت بذلك البرء التام ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع فأنتفع بها غاية الانتفاع .

      فصل [نفس الراقي تفعل في نفس المرقي فتدفع عنه المرض بإذن الله ]
      وفي تأثير الرقى بالفاتحة وغيرها في علاج ذوات السموم سر بديع فإن ذوات السموم أثرت بكيفيات نفوسها الخبيثة كما تقدم وسلاحها حماتها التي تلدغ بها وهي لا تلدغ حتى تغضب فإذا غضبت ثار فيها السم فتقذفه بآلتها وقد جعل الله سبحانه لكل داء دواء ولكل شيء ضدا ونفس الراقي تفعل في نفس المرقي فيقع بين نفسيهما فعل وانفعال كما يقع بين الداء والدواء فتقوى نفس الراقي وقوته بالرقية على ذلك الداء فيدفعه بإذن الله ومدار تأثير الأدوية والأدواء على الفعل والانفعال وهو كما يقع بين الداء والدواء الطبيعيين يقع بين الداء والدواء الروحانيين والروحاني والطبيعي وفي النفث والتفل استعانة بتلك الرطوبة والهواء والنفس المباشر للرقية والذكر والدعاء فإن الرقية تخرج من قلب الراقي وفمه فإذا صاحبها شيء من أجزاء باطنه من الريق والهواء والنفس كانت أتم تأثيرا وأقوى فعلا ونفوذا ويحصل بالازدواج بينهما كيفية مؤثرة شبيهة بالكيفية الحادثة عند تركيب الأدوية .

      [النفث له تأثير في دفع المرض ]

      وبالجملة فنفس الراقي تقابل تلك النفوس الخبيثة وتزيد بكيفية نفسه وتستعين بالرقية وبالنفث على إزالة ذلك الأثر وكلما كانت كيفية نفس الراقي أقوى كانت الرقية أتم واستعانته بنفثه كاستعانة تلك النفوس الرديئة بلسعها .

      وفي النفث سر آخر فإنه مما تستعين به الأرواح الطيبة والخبيثة ولهذا تفعله السحرة كما يفعله أهل الإيمان .

      قال تعالى : ومن شر النفاثات في العقد وذلك لأن النفس تتكيف بكيفية الغضب والمحاربة وترسل أنفاسها سهاما لها وتمدها بالنفث والتفل الذي معه شيء من الريق مصاحب لكيفية مؤثرة والسواحر تستعين بالنفث استعانة بينة وإن لم تتصل بجسم المسحور بل تنفث على العقدة وتعقدها وتتكلم بالسحر فيعمل ذلك في المسحور بتوسط الأرواح السفلية الخبيثة فتقابلها الروح الزكية الطيبة بكيفية الدفع والتكلم بالرقية وتستعين بالنفث فأيهما قوي كان الحكم له ومقابلة الأرواح بعضها لبعض ومحاربتها وآلتها من جنس مقابلة الأجسام ومحاربتها وآلتها سواء بل الأصل في المحاربة والتقابل للأرواح والأجسام آلتها وجندها ولكن من غلب عليه الحس لا يشعر بتأثيرات الأرواح وأفعالها وانفعالاتها لاستيلاء سلطان الحس عليه وبعده من عالم الأرواح وأحكامها وأفعالها .

      والمقصود أن الروح إذا كانت قوية وتكيفت بمعاني الفاتحة واستعانت بالنفث والتفل قابلت ذلك الأثر الذي حصل من النفوس الخبيثة فأزالته والله أعلم .


      افتراضي

      فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج لدغة العقرب بالرقية
      روى ابن أبي شيبة في " مسنده " من حديث عبد الله بن مسعود قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إذ سجد فلدغته عقرب في أصبعه فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " لعن الله العقرب ما تدع نبيا ولا غيره قال ثم دعا بإناء فيه ماء وملح فجعل يضع موضع اللدغة في الماء والملح ويقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين حتى سكنت


      [ ما لسورة الإخلاص من الفائدة في علاج اللدغة ]

      ففي هذا الحديث العلاج بالدواء المركب من الأمرين الطبيعي والإلهي فإن في سورة الإخلاص من كمال التوحيد العلمي الاعتقادي وإثبات الأحدية لله المستلزمة نفي كل شركة عنه وإثبات الصمدية المستلزمة لإثبات كل كمال له مع كون الخلائق تصمد إليه في حوائجها أي تقصده الخليقة وتتوجه إليه علويها وسفليها ونفي الوالد والولد والكفء عنه المتضمن لنفي الأصل والفرع والنظير والمماثل مما اختصت به وصارت تعدل ثلث القرآن ففي اسمه الصمد إثبات كل الكمال وفي نفي الكفء التنزيه عن الشبيه والمثال . وفي الأحد نفي كل شريك لذي الجلال وهذه الأصول الثلاثة هي مجامع التوحيد .

      [ ما للمعوذتين من الفائدة في علاج اللدغة ]

      وفي المعوذتين الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلا فإن الاستعاذة من شر ما خلق تعم كل شر يستعاذ منه سواء كان في الأجسام أو الأرواح والاستعاذة من شر الغاسق وهو الليل وآيته وهو القمر إذا غاب تتضمن الاستعاذة من شر ما ينتشر فيه من الأرواح الخبيثة التي كان نور النهار يحول بينها وبين الانتشار فلما أظلم الليل عليها وغاب القمر انتشرت وعاثت .

      والاستعاذة من شر النفاثات في العقد تتضمن الاستعاذة من شر السواحر وسحرهن . والاستعاذة من شر الحاسد تتضمن الاستعاذة من النفوس الخبيثة المؤذية بحسدها ونظرها . والسورة الثانية تتضمن الاستعاذة من شر شياطين الإنس والجن فقد جمعت السورتان الاستعاذة من كل شر ولهما شأن عظيم في الاحتراس والتحصن من الشرور قبل وقوعها ولهذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن عامر بقراءتهما عقب كل صلاة ذكره الترمذي في " جامعه " صلى الله عليه وسلم وفي هذا سر عظيم في استدفاع الشرور من الصلاة إلى الصلاة . وقال ما تعوذ المتعوذون بمثلهما . وقد ذكر أنه صلى الله عليه وسلم سحر في إحدى عشرة عقدة وأن جبريل نزل عليه بهما فجعل كلما قرأ آية منهما انحلت عقدة حتى انحلت العقد كلها وكأنما أنشط من عقال .

      [ الفائدة في الملح في علاج اللدغة ]

      وأما العلاج الطبيعي فيه فإن في الملح نفعا لكثير من السموم ولا سيما لدغة العقرب قال صاحب " القانون " : يضمد به مع بزر الكتان للسع العقرب وذكره غيره أيضا . وفي الملح من القوة الجاذبة المحللة ما يجذب السموم ويحللها ولما كان في لسعها قوة نارية تحتاج إلى تبريد وجذب وإخراج جمع بين الماء المبرد لنار اللسعة والملح الذي فيه جذب وإخراج وهذا أتم ما يكون من العلاج وأيسره وأسهله وفيه تنبيه على أن علاج هذا الداء بالتبريد والجذب والإخراج والله أعلم .

      وقد روى مسلم في " صحيحه " عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة فقال " أما لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك

      واعلم أن الأدوية الطبيعية الإلهية تنفع من الداء بعد حصوله وتمنع من وقوعه وإن وقع لم يقع وقوعا مضرا وإن كان مؤذيا والأدوية الطبيعية إنما تنفع بعد حصول الداء فالتعوذات والأذكار إما أن تمنع وقوع هذه الأسباب وإما أن تحول بينها وبين كمال تأثيرها بحسب كمال التعوذ وقوته وضعفه فالرقى والعوذ تستعمل لحفظ الصحة ولإزالة المرض أما الأول فكما في " الصحيحين " من حديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه قل هو الله أحد والمعوذتين . ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يده من جسده

      وكما في حديث عوذة أبي الدرداء المرفوع اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم وقد تقدم وفيه من قالها أول نهاره لم تصبه مصيبة حتى يمسي ومن قالها آخر نهاره لم تصبه مصيبة حتى يصبح . وكما في " الصحيحين " : من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه وكما في " صحيح مسلم " عن النبي صلى الله عليه وسلم من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك

      وكما في " سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في السفر يقول بالليل " يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما يدب عليك أعوذ بالله من أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكن البلد ومن والد وما ولد وأما الثاني : فكما تقدم من الرقية بالفاتحة والرقية للعقرب وغيرها مما يأتي .

      فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في رقية النملة
      قد تقدم من حديث أنس الذي في " صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم رخص في الرقية من الحمة والعين والنملة

      وفي " سنن أبي داود عن الشفاء بنت عبد الله دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة فقال " ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة

      النملة قروح تخرج في الجنبين وهو داء معروف وسمي نملة لأن صاحبه يحس في مكانه كأن نملة تدب عليه وتعضه وأصنافها ثلاثة قال ابن قتيبة وغيره كان المجوس يزعمون أن ولد الرجل من أخته إذا خط على النملة شفى صاحبها ومنه قول الشاعر

      ولا عيب فينا غير عرف لمعشر

      كرام وأنا لا نخط على النمل


      وروى الخلال أن الشفاء بنت عبد الله كانت ترقي في الجاهلية من النملة فلما هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكانت قد بايعته بمكة قالت يا رسول الله إني كنت أرقي في الجاهلية من النملة وإني أريد أن أعرضها عليك فعرضت عليه فقالت بسم الله ضلت حتى تعود من أفواهها ولا تضر أحدا اللهم اكشف البأس رب الناس قال ترقي بها على عود سبع مرات وتقصد مكانا نظيفا

      [ جواز تعليم النساء الكتابة ]

      وتدلكه على حجر بخل خمر حاذق وتطليه على النملة . وفي الحديث دليل على جواز تعليم النساء الكتابة .


      افتراضي

      فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في رقية الحية
      قد تقدم قوله لا رقية إلا في عين أو حمة الحمة بضم الحاء وفتح الميم وتخفيفها . وفي " سنن ابن ماجه " من حديث عائشة : رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من الحية والعقرب .

      ويذكر عن ابن شهاب الزهري قال لدغ بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حية فقال النبي صلى الله عليه وسلم " هل من راق ؟ " فقالوا : يا رسول الله إن آل حزم كانوا يرقون رقية الحية فلما نهيت عن الرقى تركوها فقال " ادعوا عمارة بن حزم " فدعوه فعرض عليه رقاه فقال " لا بأس بها " فأذن له فيها فرقاه


      فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في رقية القرحة والجرح
      أخرجا في " الصحيحين " عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى الإنسان أو كانت به قرحة أو جرح قال بأصبعه هكذا ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها وقال " بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا

      [ علة استعمال التراب في هذه الرقية ]

      هذا من العلاج الميسر النافع المركب وهي معالجة لطيفة يعالج بها القروح والجراحات الطرية لا سيما عند عدم غيرها من الأدوية إذ كانت موجودة بكل أرض وقد علم أن طبيعة التراب الخالص باردة يابسة مجففة لرطوبات القروح والجراحات التي تمنع الطبيعة من جودة فعلها وسرعة اندمالها لا سيما في البلاد الحارة وأصحاب الأمزجة الحارة فإن القروح والجراحات يتبعها في أكثر الأمر سوء مزاج حار فيجتمع حرارة البلد والمزاج والجراح وطبيعة التراب الخالص باردة يابسة أشد من برودة جميع الأدوية المفردة الباردة فتقابل برودة التراب حرارة المرض لا سيما إن كان التراب قد غسل وجفف ويتبعها أيضا كثرة الرطوبات الرديئة والسيلان والتراب مجفف لها مزيل لشدة يبسه وتجفيفه للرطوبة الرديئة المانعة من برئها ويحصل به - مع ذلك - تعديل مزاج العضو العليل ومتى اعتدل مزاج العضو قويت قواه المدبرة ودفعت عنه الألم بإذن الله .

      [ كيفية استعمال هذه الرقية ]

      ومعنى الحديث أنه يأخذ من ريق نفسه على أصبعه السبابة ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شيء فيمسح به على الجرح ويقول هذا الكلام لما فيه من بركة ذكر اسم الله وتفويض الأمر إليه والتوكل عليه فينضم أحد العلاجين إلى الآخر فيقوى التأثير .

      [ هل المقصود باستعمال التراب تربة جميع الأرض أو أرض المدينة ]

      وهل المراد بقوله " تربة أرضنا " جميع الأرض أو أرض المدينة خاصة ؟ فيه قولان ولا ريب أن من التربة ما تكون فيه خاصية ينفع بخاصيته من أدواء كثيرة ويشفي به أسقاما رديئة .

      قال جالينوس : رأيت بالإسكندرية مطحولين ومستسقين كثيرا يستعملون طين مصر ويطلون به على سوقهم وأفخاذهم وسواعدهم وظهورهم وأضلاعهم فينتفعون به منفعة بينة .

      قال وعلى هذا النحو فقد ينفع هذا الطلاء للأورام العفنة والمترهلة الرخوة قال وإني لأعرف قوما ترهلت أبدانهم كلها من كثرة استفراغ الدم من أسفل انتفعوا بهذا الطين نفعا بينا وقوما آخرين شفوا به أوجاعا مزمنة كانت متمكنة في بعض الأعضاء تمكنا شديدا فبرأت وذهبت أصلا . وقال صاحب الكتاب المسيحي قوة الطين المجلوب من كنوس - وهي جزيرة المصطكى - قوة تجلو وتغسل وتنبت اللحم في القروح وتختم القروح . انتهى .

      وإذا كان هذا في هذه التربات فما الظن بأطيب تربة على وجه الأرض وأبركها وقد خالطت ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقارنت رقيته باسم ربه وتفويض الأمر إليه وقد تقدم أن قوى الرقية وتأثيرها بحسب الراقي وانفعال المرقي عن رقيته وهذا أمر لا ينكره طبيب فاضل عاقل مسلم فإن انتفى أحد الأوصاف فليقل ما شاء .


      افتراضي

      فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الوجع بالرقية
      روى مسلم في " صحيحه " عن عثمان بن أبي العاص أنه شكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده منذ أسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر ففي هذا العلاج من ذكر الله والتفويض إليه والاستعاذة بعزته وقدرته من شر الألم ما يذهب به وتكراره ليكون أنجع وأبلغ كتكرار الدواء لأخراج المادة وفي السبع خاصية لا توجد في غيرها وفي " الصحيحين " : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول " اللهم رب الناس أذهب الباس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما ففي هذه الرقية توسل إلى الله بكمال ربوبيته وكمال رحمته بالشفاء وأنه وحده الشافي وأنه لا شفاء إلا شفاؤه فتضمنت التوسل إليه بتوحيده وإحسانه وربوبيته .



      فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج حر المصيبة وحزنها
      قال تعالى : وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون [ البقرة 155 ] . وفي " المسند " عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا أجاره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها

      [ إذا تحقق العبد بأنه لله وأن مصيره إليه تسلى عن مصيبته ]

      وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عاجلته وآجلته فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته .

      أحدهما : أن العبد وأهله وماله ملك لله عز وجل حقيقة وقد جعله عند العبد عارية فإذا أخذه منه فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير وأيضا فإنه محفوف بعدمين عدم قبله وعدم بعده وملك العبد له متعة معارة في زمن يسير وأيضا فإنه ليس الذي أوجده عن عدمه حتى يكون ملكه حقيقة ولا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده ولا يبقي عليه وجوده فليس له فيه تأثير ولا ملك حقيقي وأيضا فإنه متصرف فيه بالأمر تصرف العبد المأمور المنهي لا تصرف الملاك ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر مالكه الحقيقي .

      والثاني : أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره ويجيء ربه فردا كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة ولكن بالحسنات والسيئات فإذا كانت هذه بداية العبد وما خوله ونهايته فكيف يفرح بموجود أو يأسى على مفقود ففكره في مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الداء ومن علاجه أن يعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه . قال تعالى : ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور [ الحديد 22 ] .

      [ ذكر بعض العلاجات منها النظر إلى ما أبقى الله عليه من النعم ]

      ومن علاجه أن ينظر إلى ما أصيب به فيجد ربه قد أبقى عليه مثله أو أفضل منه وادخر له - إن صبر ورضي - ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما هي .

      [ التأسي بأهل المصائب وذكر قصص في ذلك ]

      ومن علاجه أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب وليعلم أنه في كل واد بنو سعد ولينظر يمنة فهل يرى إلا محنة ؟ ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا حسرة ؟ وأنه لو فتش العالم لم ير فيهم إلا مبتلى إما بفوات محبوب أو حصول مكروه وأن شرور الدنيا أحلام نوم أو كظل زائل إن أضحكت قليلا أبكت كثيرا وإن سرت يوما ساءت دهرا وإن متعت قليلا منعت طويلا وما ملأت دارا خيرة إلا ملأتها عبرة ولا سرته بيوم سرور إلا خبأت له يوم شرور قال ابن مسعود - رضي الله عنه - لكل فرحة ترحة وما ملئ بيت فرحا إلا ملئ ترحا وقال ابن سيرين : ما كان ضحك قط إلا كان من بعده بكاء

      وقالت هند بنت النعمان : لقد رأيتنا ونحن من أعز الناس وأشدهم ملكا ثم لم تغب الشمس حتى رأيتنا ونحن أقل الناس وأنه حق على الله ألا يملأ دارا خيرة إلا ملأها عبرة .

      وسألها رجل أن تحدثه عن أمرها فقالت أصبحنا ذا صباح وما في العرب أحد إلا يرجونا ثم أمسينا وما في العرب أحد إلا يرحمنا

      وبكت أختها حرقة بنت النعمان يوما وهي في عزها فقيل لها : ما يبكيك لعل أحدا آذاك ؟ قالت لا ولكن رأيت غضارة في أهلي وقلما امتلأت دار سرورا إلا امتلأت حزنا .

      قال إسحاق بن طلحة : دخلت عليها يوما فقلت لها : كيف رأيت عبرات الملوك ؟ فقالت ما نحن فيه اليوم خير مما كنا فيه الأمس إنا نجد في الكتب أنه ليس من أهل بيت يعيشون في خيرة إلا سيعقبون بعدها عبرة وأن الدهر لم يظهر لقوم بيوم يحبونه إلا بطن لهم بيوم يكرهونه ثم قالت

      فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا

      إذا نحن فيهم سوقة نتنصف

      فأف لدنيا لا يدوم نعيمها

      تقلب تارات بنا وتصرف



      [ الجزع يضاعف المرض ]

      ومن علاجها أن يعلم أن الجزع لا يردها بل يضاعفها وهو في الحقيقة من تزايد المرض .

      [ فوت ثواب الصبر أعظم من المصيبة ]

      ومن علاجها أن يعلم أن فوت ثواب الصبر والتسليم وهو الصلاة والرحمة والهداية التي ضمنها الله على الصبر والاسترجاع أعظم من المصيبة في الحقيقة .

      [ الجزع يشمت الأعداء ]

      ومن علاجها أن يعلم أن الجزع يشمت عدوه ويسوء صديقه ويغضب ربه ويسر شيطانه ويحبط أجره ويضعف نفسه وإذا صبر واحتسب أنضى شيطانه ورده خاسئا وأرضى ربه وسر صديقه وساء عدوه وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه فهذا هو الثبات والكمال الأعظم لا لطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بالويل والثبور والسخط على المقدور .

      [ لذة الصبر ومنها بيت الحمد ]
      ومن علاجها : أن يعلم أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة أضعاف ما كان يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه ويكفيه من ذلك بيت الحمد الذي يبنى له في الجنة على حمده لربه واسترجاعه فلينظر أي المصيبتين أعظم ؟ : مصيبة العاجلة أو مصيبة فوات بيت الحمد في جنة الخلد . وفي الترمذي مرفوعا : يود ناس يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا لما يرون من ثواب أهل البلاء

      وقال بعض السلف لولا مصائب الدنيا لوردنا القيام مفاليس .

      [ ترويح القلب برجاء الخلف من الله ]

      ومن علاجها : أن يروح قلبه بروح رجاء الخلف من الله فإنه من كل شيء عوض إلا الله فما منه عوض كما قيل

      من كل شيء إذا ضيعته عوض

      وما من الله إن ضيعته عوض


      [ الحظ من المصيبة ما تحدثه له ]

      ومن علاجها : أن يعلم أن حظه من المصيبة ما تحدثه له فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط فحظك منها ما أحدثته لك فاختر خير الحظوظ أو شرها فإن أحدثت له سخطا وكفرا كتب في ديوان الهالكين وإن أحدثت له جزعا وتفريطا في ترك واجب أو فعل محرم كتب في ديوان المفرطين وإن أحدثت له شكاية وعدم صبر كتب في ديوان المغبونين وإن أحدثت له اعتراضا على الله وقدحا في حكمته فقد قرع باب الزندقة أو ولجه وإن أحدثت له صبرا وثباتا لله كتب في ديوان الصابرين وإن أحدثت له الرضى عن الله كتب في ديوان الراضين وإن أحدثت له الحمد والشكر كتب في ديوان الشاكرين وكان تحت لواء الحمد مع الحمادين وإن أحدثت له محبة واشتياقا إلى لقاء ربه كتب في ديوان المحبين المخلصين . وفي مسند " الإمام أحمد " والترمذي من حديث محمود بن لبيد يرفعه إن الله إذا أحب قوما ا بتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط زاد أحمد : ومن جزع فله الجزع

      ومن علاجها : أن يعلم أنه وإن بلغ في الجزع غايته فآخر أمره إلى صبر الاضطرار وهو غير محمود ولا مثاب قال بعض الحكماء العاقل يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم . وفي " الصحيح " مرفوعا : الصبر عند الصدمة الأولى وقال الأشعث بن قيس : إنك إن صبرت إيمانا واحتسابا وإلا سلوت سلو البهائم

      [أنفع الأدوية موافقة الله فيما أحبه ]

      ومن علاجها : أن يعلم أن أنفع الأدوية له موافقة ربه وإلهه فيما أحبه ورضيه له وأن خاصية المحبة وسرها موافقة المحبوب فمن ادعى محبة محبوب ثم سخط ما يحبه وأحب ما يسخطه فقد شهد على نفسه بكذبه وتمقت إلى محبوبه .

      وقال أبو الدرداء : إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به وكان عمران بن حصين يقول في علته أحبه إلي أحبه إليه وكذلك قال أبو العالية . وهذا دواء وعلاج لا يعمل إلا مع المحبين ولا يمكن كل أحد أن يتعالج به .

      [ لذة التمتع بثواب الله أعظم من لذة التمتع بما أصيب به ]
      ومن علاجها : أن يوازن بين أعظم اللذتين والمتعتين وأدومهما : لذة تمتعه بما أصيب به ولذة تمتعه بثواب الله له فإن ظهر له الرجحان فآثر الراجح فليحمد الله على توفيقه وإن آثر المرجوح من كل وجه فليعلم أن مصيبته في عقله وقلبه ودينه أعظم من مصيبته التي أصيب بها في دنياه .

      [ ابتلاء الله العبد لامتحان صبره ]

      ومن علاجها أن يعلم أن الذي ابتلاه بها أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأنه سبحانه لم يرسل إليه البلاء ليهلكه به ولا ليعذبه به ولا ليجتاحه وإنما افتقده به ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه وليسمع تضرعه وابتهاله وليراه طريحا ببابه لائذا بجنابه مكسور القلب بين يديه رافعا قصص الشكوى إليه .

      قال الشيخ عبد القادر : يا بني إن المصيبة ما جاءت لتهلكك وإنما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك يا بني القدر سبع والسبع لا يأكل الميتة .

      والمقصود أن المصيبة كير العبد الذي يسبك به حاصله فإما أن يخرج ذهبا أحمر وإما أن يخرج خبثا كله كما قيل

      سبكناه ونحسبه لجينا

      فأبدى الكير عن خبث الحديد


      فإن لم ينفعه هذا الكير في الدنيا فبين يديه الكير الأعظم فإذا علم العبد أن إدخاله كير الدنيا ومسبكها خير له من ذلك الكير والمسبك وأنه لا بد من أحد الكيرين فليعلم قدر نعمة الله عليه في الكير العاجل .

      [ المصيبة كاسرة لداء الكبر وقسوة القلب ]

      ومن علاجها : أن يعلم أنه لولا محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد - من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب - ما هو سبب هلاكه عاجلا وآجلا فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب تكون حمية له من هذه الأدواء وحفظا لصحة عبوديته واستفراغا للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة منه فسبحان من يرحم ببلائه ويبتلي بنعمائه كما قيل

      قد ينعم بالبلوى وإن عظمت

      ويبتلي الله بعض القوم بالنعم


      فلولا أنه - سبحانه - يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا وبغوا وعتوا والله - سبحانه - إذا أراد بعبد خيرا سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله يستفرغ به من الأدواء المهلكة حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه أهله لأشرف مراتب الدنيا وهي عبوديته وأرفع ثواب الآخرة وهو رؤيته وقربه .

      [ مرارة الدنيا حلاوة الآخرة ]

      ومن علاجها : أن يعلم أن مرارة الدنيا هي بعينها حلاوة الآخرة يقلبها الله سبحانه كذلك وحلاوة الدنيا بعينها مرارة الآخرة ولأن ينتقل من مرارة منقطعة إلى حلاوة دائمة خير له من عكس ذلك فإن خفي عليك هذا فانظر إلى قول الصادق المصدوق حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات

      وفي هذا المقام تفاوتت عقول الخلائق وظهرت حقائق الرجال فأكثرهم آثر الحلاوة المنقطعة على الحلاوة الدائمة التي لا تزول ولم يحتمل مرارة ساعة لحلاوة الأبد ولا ذل ساعة لعز الأبد ولا محنة ساعة لعافية الأبد فإن الحاضر عنده شهادة والمنتظر غيب والإيمان ضعيف وسلطان الشهوة حاكم فتولد من ذلك إيثار العاجلة ورفض الآخرة وهذا حال النظر الواقع على ظواهر الأمور وأوائلها ومبادئها وأما النظر الثاقب الذي يخرق حجب العاجلة ويجاوزه إلى العواقب والغايات فله شأن آخر .

      فادع نفسك إلى ما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته من النعيم المقيم والسعادة الأبدية والفوز الأكبر وما أعد لأهل البطالة والإضاعة من الخزي والعقاب والحسرات الدائمة ثم اختر أي القسمين أليق بك وكل يعمل على شاكلته وكل أحد يصبو إلى ما يناسبه وما هو الأولى به ولا تستطل هذا العلاج فشدة الحاجة إليه من الطبيب والعليل دعت إلى بسطه وبالله التوفيق .



      فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الكرب والهم والغم والحزن
      أخرجا في " الصحيحين " من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض رب العرش الكريم

      وفي " جامع الترمذي " عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر قال " يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث

      وفيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أهمه الأمر رفع طرفه إلى السماء فقال سبحان الله العظيم وإذا اجتهد في الدعاء قال يا حي يا قيوم

      وفي " سنن أبي داود " عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال دعوات المكروب اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت

      وفيها أيضا عن أسماء بنت عميس قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكرب أو في الكرب الله ربي لا أشرك به شيئا وفي رواية أنها تقال سبع مرات .

      وفي " مسند الإمام أحمد " عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال : اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرحا

      وفي الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة ذي النون إذ دعا ربه وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له

      وفي رواية إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه كلمة أخي يونس

      وفي " سنن أبي داود " عن أبي سعيد الخدري قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة فقال يا أبا أمامة مالي أراك في المسجد في غير وقت الصلاة ؟ " فقال هموم لزمتني وديون يا رسول الله فقال " ألا أعلمك كلاما إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همك وقضى دينك ؟ " قال قلت بلى يا رسول الله قال " قل إذا أصبحت وإذا أمسيت اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال قال ففعلت ذلك فأذهب الله عز وجل همي وقضى عني ديني

      وفي " سنن أبي داود " عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب

      وفي " المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة وقد قال تعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة [ البقرة 45 ] .

      وفي " السنن عليكم بالجهاد فإنه باب من أبواب الجنة يدفع الله به عن النفوس الهم والغم

      ويذكر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم من كثرت همومه وغمومه فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله

      وثبت في " الصحيحين " أنها كنز من كنوز الجنة .

      وفي الترمذي : " أنها باب من أبواب الجنة " .

      هذه الأدوية تتضمن خمسة عشر نوعا من الدواء فإن لم تقو على إذهاب داء الهم والغم والحزن فهو داء قد استحكم وتمكنت أسبابه ويحتاج إلى استفراغ كلي . الأول توحيد الربوبية .

      الثاني : توحيد الإلهية .

      الثالث التوحيد العلمي الاعتقادي .

      الرابع تنزيه الرب تعالى عن أن يظلم عبده أو يأخذه بلا سبب من العبد يوجب ذلك .

      الخامس اعتراف العبد بأنه هو الظالم .

      السادس التوسل إلى الرب تعالى بأحب الأشياء وهو أسماؤه وصفاته ومن أجمعها لمعاني الأسماء والصفات الحي القيوم .

      السابع الاستعانة به وحده .

      الثامن إقرار العبد له بالرجاء .

      التاسع تحقيق التوكل عليه والتفويض إليه والاعتراف له بأن ناصيته في يده يصرفه كيف يشاء وأنه ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه .

      العاشر أن يرتع قلبه في رياض القرآن ويجعله لقلبه كالربيع للحيوان وأن يستضيء به في ظلمات الشبهات والشهوات وأن يتسلى به عن كل فائت ويتعزى به عن كل مصيبة ويستشفي به من أدواء صدره فيكون جلاء حزنه وشفاء همه وغمه .

      الحادي عشر الاستغفار .

      الثاني عشر التوبة .

      الثالث عشر الجهاد .

      الرابع عشر الصلاة .

      الخامس عشر البراءة من الحول والقوة وتفويضهما إلى من هما بيده .


      افتراضي

      فصل في بيان جهة تأثير هذه الأدوية في هذه الأمراض
      خلق الله - سبحانه - ابن آدم وأعضاءه وجعل لكل عضو منها كمالا إذا فقده أحس بالألم وجعل لملكها وهو القلب كمالا إذا فقده حضرته أسقامه وآلامه من الهموم والغموم والأحزان .

      فإذا فقدت العين ما خلقت له من قوة الإبصار وفقدت الأذن ما خلقت له من قوة السمع واللسان ما خلق له من قوة الكلام فقدت كمالها .

      [ وظيفة القلب ]

      والقلب خلق لمعرفة فاطره ومحبته وتوحيده والسرور به والابتهاج بحبه والرضى عنه والتوكل عليه والحب فيه والبغض فيه والموالاة فيه والمعاداة فيه ودوام ذكره وأن يكون أحب إليه من كل ما سواه وأرجى عنده من كل ما سواه وأجل في قلبه من كل ما سواه ولا نعيم له ولا سرور ولا لذة بل ولا حياة إلا بذلك وهذا له بمنزلة الغذاء والصحة والحياة فإذا فقد غذاءه وصحته وحياته فالهموم والغموم والأحزان مسارعة من كل صوب إليه ورهن مقيم عليه .

      [ أمراض القلب ]

      ومن أعظم أدوائه الشرك والذنوب والغفلة والاستهانة بمحابه ومراضيه وترك التفويض إليه وقلة الاعتماد عليه والركون إلى ما سواه والسخط بمقدوره والشك في وعده ووعيده .

      [ علاجات أمراض القلب ]

      وإذا تأملت أمراض القلب وجدت هذه الأمور وأمثالها هي أسبابها لا سبب لها سواها فدواؤه الذي لا دواء له سواه ما تضمنته هذه العلاجات النبوية من الأمور المضادة لهذه الأدواء فإن المرض يزال بالضد والصحة تحفظ بالمثل فصحته تحفظ بهذه الأمور النبوية وأمراضه بأضدادها .

      [ فوائد التوحيد فوائد التوبة ]

      فالتوحيد يفتح للعبد باب الخير والسرور واللذة والفرح والابتهاج والتوبة استفراغ للأخلاط والمواد الفاسدة التي هي سبب أسقامه وحمية له من التخليط فهي تغلق عنه باب الشرور فيفتح له باب السعادة والخير بالتوحيد ويغلق باب الشرور بالتوبة والاستغفار . قال بعض المتقدمين من أئمة الطب : من أراد عافية الجسم فليقلل من الطعام والشراب ومن أراد عافية القلب فليترك الآثام .

      وقال ثابت بن قرة : راحة الجسم في قلة الطعام وراحة الروح في قلة الآثام وراحة اللسان في قلة الكلام . والذنوب للقلب بمنزلة السموم إن لم تهلكه أضعفته ولا بد وإذا ضعفت قوته لم يقدر على مقاومة الأمراض قال طبيب القلوب عبد الله بن المبارك .

      رأيت الذنوب تميت القلوب

      وقد يورث الذل إدمانها

      وترك الذنوب حيا ة القلوب

      وخير لنفسك عصيانها


      [ الهوى أكبر أمراض القلب فلا بد من مخالفته ]

      فالهوى أكبر أدوائها ومخالفته أعظم أدويتها والنفس في الأصل خلقت جاهلة ظالمة فهي لجهلها تظن شفاءها في اتباع هواها وإنما فيه تلفها وعطبها ولظلمها لا تقبل من الطبيب الناصح بل تضع الداء موضع الدواء فتعتمده وتضع الدواء موضع الداء فتجتنبه فيتولد من بين إيثارها للداء واجتنابها للدواء أنواع من الأسقام والعلل التي تعيي الأطباء ويتعذر معها الشفاء .

      والمصيبة العظمى أنها تركب ذلك على القدر فتبرئ نفسها وتلوم ربها بلسان الحال دائما ويقوى اللوم حتى يصرح به اللسان .

      [ حديث ابن عباس مشتمل على توحيد الإلهية والربوبية وصفتي العظمة والحلم ]

      وإذا وصل العليل إلى هذه الحال فلا يطمع في برئه إلا أن تتداركه رحمة من ربه فيحييه حياة جديدة ويرزقه طريقة حميدة فلهذا كان حديث ابن عباس في دعاء الكرب مشتملا على توحيد الإلهية والربوبية ووصف الرب سبحانه بالعظمة والحلم وهاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرحمة والإحسان والتجاوز ووصفه بكمال ربوبيته للعالم العلوي والسفلي والعرش الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها والربوبية التامة تستلزم توحيده وأنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له . وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل كمال له وسلب كل نقص وتمثيل عنه . وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه .

      فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه ويقوي نفسه كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي فحصول هذا الشفاء للقلب أولى وأحرى .

      ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي تضمنها دعاء الكرب وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق وخروج القلب منه إلى سعة البهجة والسرور وهذه الأمور إنما يصدق بها من أشرقت فيه أنوارها وباشر قلبه حقائقها .

      [ فوائد صفتي الحي القيوم ]

      " وفي تأثير قوله يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث في دفع هذا الداء مناسبة بديعة فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى : هو اسم الحي القيوم والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والآلام ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم ولا غم ولا حزن ولا شيء من الآفات . ونقصان الحياة تضر بالأفعال وتنافي القيومية فكمال القيومية لكمال الحياة فالحي المطلق التام الحياة لا تفوته صفة الكمال البتة والقيوم لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة فالتوسل بصفة الحياة القيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة ويضر بالأفعال .

      [ توسله صلى الله عليه وسلم بربوبية الله لجبريل وميكائيل وإسرافيل ]

      ونظير هذا توسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه بربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه فإن حياة القلب بالهداية وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الأملاك الثلاثة بالحياة فجبريل موكل بالوحي الذي هو حياة القلوب وميكائيل بالقطر الذي هو حياة الأبدان والحيوان وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إلى أجسادها فالتوسل إليه سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير في حصول المطلوب .

      والمقصود أن لاسم الحي القيوم تأثيرا خاصا في إجابة الدعوات وكشف الكربات وفي " السنن " و " صحيح أبي حاتم " مرفوعا : اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم [ البقرة 163 ] وفاتحة آل عمران الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم

      قال الترمذي : حديث صحيح . وفي " السنن " و " صحيح ابن حبان " أيضا : من حديث أنس أن رجلا دعا فقال اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى

      ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد في الدعاء قال يا حي يا قيوم .

      [ ما في اللهم رحمتك أرجو . . و الله ربي . . ]

      " وفي قوله اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت من تحقيق الرجاء لمن الخير كله بيديه والاعتماد عليه وحده وتفويض الأمر إليه والتضرع إليه أن يتولى إصلاح شأنه ولا يكله إلى نفسه والتوسل إليه بتوحيده مما له تأثير قوي في دفع هذا الداء وكذلك قوله الله ربي لا أشرك به شيئا .

      [ ما في اللهم إني عبدك ابن عبدك من الفوائد ]

      وأما حديث ابن مسعود : اللهم إني عبدك ابن عبدك ففيه من المعارف الإلهية وأسرار العبودية ما لا يتسع له كتاب فإنه يتضمن الاعتراف بعبوديته وعبودية آبائه وأمهاته وأن ناصيته بيده يصرفها كيف يشاء فلا يملك العبد دونه لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا لأن من ناصيته بيد غيره فليس إليه شيء من أمره بل هو عان في قبضته ذليل تحت سلطان قهره .

      [ إثبات القدر والعدل لله في ماض في حكمك . . ]

      وقوله ماض في حكمك عدل في قضاؤك متضمن لأصلين عظيمين عليهما مدار التوحيد .

      أحدهما : إثبات القدر وأن أحكام الرب تعالى نافذة في عبده ماضية فيه لا انفكاك له عنها ولا حيلة له في دفعها .

      [ أسألك بكل اسم هو لك . .]

      والثاني : أنه - سبحانه - عدل في هذه الأحكام غير ظالم لعبده بل لا يخرج فيها عن موجب العدل والإحسان فإن الظلم سببه حاجة الظالم أو جهله أو سفهه فيستحيل صدوره ممن هو بكل شيء عليم ومن هو غني عن كل شيء وكل شيء فقير إليه ومن هو أحكم الحاكمين فلا تخرج ذرة من مقدوراته عن حكمته وحمده كما لم تخرج عن قدرته ومشيئته فحكمته نافذة حيث نفذت مشيئته وقدرته ولهذا قال نبي الله هود صلى الله على نبينا وعليه وسلم وقد خوفه قومه بآلهتهم إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظروني إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم [ هود : 54 - 57 ] أي مع كونه سبحانه آخذا بنواصي خلقه وتصريفهم كما يشاء فهو على صراط مستقيم لا يتصرف فيهم إلا بالعدل والحكمة والإحسان والرحمة . فقوله ماض في حكمك مطابق لقوله ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها وقوله عدل في قضاؤك مطابق لقوله إن ربي على صراط مستقيم ثم توسل إلى ربه بأسمائه التي سمى بها نفسه ما علم العباد منها وما لم يعلموا . ومنها : ما استأثره في علم الغيب عنده فلم يطلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا وهذه الوسيلة أعظم الوسائل وأحبها إلى الله وأقربها تحصيلا للمطلوب . "

      [ أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي . . ]

      ثم سأله أن يجعل القرآن لقلبه كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان وكذلك القرآن ربيع القلوب وأن يجعله شفاء همه وغمه فيكون له بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء ويعيد البدن إلى صحته واعتداله وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع والأصدية وغيرها فأحرى بهذا العلاج إذا صدق العليل في استعماله أن يزيل عنه داءه ويعقبه شفاء تاما وصحة وعافية والله الموفق .

      [ دعوة ذي النون ]

      وأما دعوة ذي النون فإن فيها من كمال التوحيد والتنزيه للرب تعالى واعتراف العبد بظلمه وذنبه ما هو من أبلغ أدوية الكرب والهم والغم وأبلغ الوسائل إلى الله - سبحانه - في قضاء الحوائج فإن التوحيد والتنزيه يتضمنان إثبات كل كمال الله وسلب كل نقص وعيب وتمثيل عنه . والاعتراف بالظلم يتضمن إيمان العبد بالشرع والثواب والعقاب ويوجب انكساره ورجوعه إلى الله واستقالته عثرته والاعتراف بعبوديته وافتقاره إلى ربه فها هنا أربعة أمور قد وقع التوسل بها : التوحيد والتنزيه والعبودية والاعتراف .

      [ اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن . .]

      وأما حديث أبي أمامة اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن فقد تضمن الاستعاذة من ثمانية أشياء كل اثنين منها قرينان مزدوجان فالهم والحزن أخوان والعجز والكسل أخوان والجبن والبخل أخوان وضلع الدين وغلبة الرجال أخوان فإن المكروه المؤلم إذا ورد على القلب فإما أن يكون سببه أمرا ماضيا فيوجب له الحزن وإن كان أمرا متوقعا في المستقبل أوجب الهم وتخلف العبد عن مصالحه وتفويتها عليه إما أن يكون من عدم القدرة وهو العجز أو من عدم الإرادة وهو الكسل وحبس خيره ونفعه عن نفسه وعن بني جنسه إما أن يكون منع نفعه ببدنه فهو الجبن أو بماله فهو البخل وقهر الناس له إما بحق فهو ضلع الدين أو بباطل فهو غلبة الرجال فقد تضمن الحديث الاستعاذة من كل شر وأما تأثير الاستغفار في دفع الهم والغم والضيق فلما اشترك في العلم به أهل الملل وعقلاء كل أمة أن المعاصي والفساد توجب الهم والغم والخوف والحزن وضيق الصدر وأمراض القلب حتى إن أهلها إذا قضوا منها أوطارهم وسئمتها نفوسهم ارتكبوها دفعا لما يجدونه في صدورهم من الضيق والهم والغم كما قال شيخ الفسوق

      وكأس شربت على لذة

      وأخرى تداويت منها بها


      [ التوبة والاستغفار ]

      وإذا كان هذا تأثير الذنوب والآثام في القلوب فلا دواء لها إلا التوبة والاستغفار .

      [ الصلاة وتأثيرها في تفريح القلب ]
      وأما الصلاة فشأنها في تفريح القلب وتقويته وشرحه وابتهاجه ولذته أكبر شأن وفيها من اتصال القلب والروح بالله وقربه والتنعم بذكره والابتهاج بمناجاته والوقوف بين يديه واستعمال جميع البدن وقواه وآلاته في عبوديته وإعطاء كل عضو حظه منها واشتغاله عن التعلق بالخلق وملابستهم ومحاوراتهم وانجذاب قوى قلبه وجوارحه إلى ربه وفاطره وراحته من عدوه حالة الصلاة ما صارت به من أكبر الأدوية والمفرحات والأغذية التي لا تلائم إلا القلوب الصحيحة . وأما القلوب العليلة فهي كالأبدان لا تناسبها إلا الأغذية الفاضلة .

      فالصلاة من أكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة ودفع مفاسد الدنيا والآخرة وهي منهاة عن الإثم ودافعة لأدواء القلوب ومطردة للداء عن الجسد ومنورة للقلب ومبيضة للوجه ومنشطة للجوارح والنفس وجالبة للرزق ودافعة للظلم وناصرة للمظلوم وقامعة لأخلاط الشهوات وحافظة للنعمة ودافعة للنقمة ومنزلة للرحمة وكاشفة للغمة ونافعة من كثير من أوجاع البطن .

      وقد روى ابن ماجه في " سننه " من حديث مجاهد عن أبي هريرة قال رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا نائم أشكو من وجع بطني فقال لي : " يا أبا هريرة أشكمت درد ؟ " قال قلت نعم يا رسول الله قال " قم فصل فإن في الصلاة شفاء

      وقد روي هذا الحديث موقوفا على أبي هريرة وأنه هو الذي قال ذلك لمجاهد وهو أشبه . ومعنى هذه اللفظة بالفارسي أيوجعك بطنك ؟ .

      [ الرد على الأطباء المنكرين لفائدة الصلاة في العلاج ]
      فإن لم ينشرح صدر زنديق الأطباء بهذا العلاج فيخاطب بصناعة الطب ويقال له الصلاة رياضة النفس والبدن جميعا إذ كانت تشتمل على حركات وأوضاع مختلفة من الانتصاب والركوع والسجود والتورك والانتقالات وغيرها من الأوضاع التي يتحرك معها أكثر المفاصل وينغمز معها أكثر الأعضاء الباطنة كالمعدة والأمعاء وسائر آلات النفس والغذاء فما ينكر أن يكون في هذه الحركات تقوية وتحليل للمواد ولا سيما بواسطة قوة النفس وانشراحها في الصلاة فتقوى الطبيعة فيندفع الألم ولكن داء الزندقة والإعراض عما جاءت به الرسل والتعوض عنه بالإلحاد داء ليس له دواء إلا نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى .

      [ تأثير الجهاد في دفع الهم ]
      وأما تأثير الجهاد في دفع الهم والغم فأمر معلوم بالوجدان فإن النفس متى تركت صائل الباطل وصولته واستيلاءه اشتد همها وغمها وكربها وخوفها فإذا جاهدته لله أبدل الله ذلك الهم والحزن فرحا ونشاطا وقوة كما قال تعالى : قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم [ التوبة : 14 15 ] فلا شيء أذهب لجوى القلب وغمه وهمه وحزنه من الجهاد والله المستعان .

      [ تأثير الحوقلة في دفع الهم ]
      وأما تأثير لا حول ولا قوة إلا بالله في دفع هذا الداء فلما فيها من كمال التفويض والتبري من الحول والقوة إلا به وتسليم الأمر كله له وعدم منازعته في شيء منه وعموم ذلك لكل تحول من حال إلى حال في العالم العلوي والسفلي والقوة على ذلك التحول وأن ذلك كله بالله وحده فلا يقوم لهذه الكلمة شيء . وفي بعض الآثار إنه ما ينزل ملك من السماء ولا يصعد إليها إلا بلا حول ولا قوة إلا بالله ولها تأثير عجيب في طرد الشيطان والله المستعان .



      فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الفزع والأرق المانع من النوم
      روى الترمذي في " جامعه " عن بريدة قال شكى خالد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما أنام الليل من الأرق فقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أويت إلى فراشك فقل : اللهم رب السماوات السبع وما أظلت ورب الأرضين وما أقلت ورب الشياطين وما أضلت كن لي جارا من شر خلقك كلهم جميعا أن يفرط علي أحد منهم أو يبغي علي عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك

      وفيه أيضا : عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم من الفزع أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون قال وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه . ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه ولا يخفى مناسبة هذه العوذة لعلاج هذا الداء .



      فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج داء الحريق وإطفائه
      يذكر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم الحريق فكبروا فإن التكبير يطفئه لما كان الحريق سببه النار وهي مادة الشيطان التي خلق منها وكان فيه من الفساد العام ما يناسب الشيطان بمادته وفعله كان للشيطان إعانة عليه وتنفيذ له وكانت النار تطلب بطبعها العلو والفساد وهذان الأمران وهما العلو في الأرض والفساد هما هدي الشيطان وإليهما يدعو وبهما يهلك بني آدم فالنار والشيطان كل منهما يريد العلو في الأرض والفساد وكبرياء الرب - عز وجل - تقمع الشيطان وفعله .

      [ أثر التكبير في إخماد النار مادة الشيطان ]

      ولهذا كان تكبير الله - عز وجل - له أثر في إطفاء الحريق فإن كبرياء الله - عز وجل - لا يقوم لها شيء فإذا كبر المسلم ربه أثر تكبيره في خمود النار وخمود الشيطان التي هي مادته فيطفئ الحريق وقد جربنا نحن وغيرنا هذا فوجدناه كذلك والله أعلم .



      افتراضي

      فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحة
      [ قوام البدن على الحرارة والرطوبة ]

      لما كان اعتدال البدن وصحته وبقاؤه إنما هو بواسطة الرطوبة المقاومة للحرارة فالرطوبة مادته والحرارة تنضجها وتدفع فضلاتها وتصلحها وتلطفها وإلا أفسدت البدن ولم يمكن قيامه وكذلك الرطوبة هي غذاء الحرارة فلولا الرطوبة لأحرقت البدن وأيبسته وأفسدته فقوام كل واحدة منهما بصاحبتها وقوام البدن بهما جميعا وكل منهما مادة للأخرى

      فالحرارة مادة للرطوبة تحفظها وتمنعها من الفساد والاستحالة والرطوبة مادة للحرارة تغذوها وتحملها ومتى مالت إحداهما إلى الزيادة على الأخرى حصل لمزاج البدن الانحراف بحسب ذلك فالحرارة دائما تحلل الرطوبة فيحتاج البدن إلى ما به يخلف عليه ما حللته الحرارة - لضرورة بقائه - وهو الطعام والشراب ومتى زاد على مقدار التحلل ضعفت الحرارة عن تحليل فضلاته فاستحالت مواد رديئة فعاثت في البدن وأفسدت فحصلت الأمراض المتنوعة بحسب تنوع موادها وقبول الأعضاء واستعدادها وهذا كله مستفاد من قوله تعالى : وكلوا واشربوا ولا تسرفوا [ الأعراف 31 ] فأرشد عباده إلى إدخال ما يقيم البدن من الطعام والشراب عوض ما تحلل منه وأن يكون بقدر ما ينتفع به البدن في الكمية والكيفية فمتى جاوز ذلك كان إسرافا وكلاهما مانع من الصحة جالب للمرض أعني عدم الأكل والشرب أو الإسراف فيه .

      فحفظ الصحة كله في هاتين الكلمتين الإلهيتين ولا ريب أن البدن دائما في التحلل والاستخلاف وكلما كثر التحلل ضعفت الحرارة لفناء مادتها فإن كثرة التحلل تفني الرطوبة وهي مادة الحرارة وإذا ضعفت الحرارة ضعف الهضم ولا يزال كذلك حتى تفنى الرطوبة وتنطفئ الحرارة جملة فيستكمل العبد الأجل الذي كتب الله له أن يصل إليه .

      [ غاية علاج الإنسان الاعتدال بين الحرارة والرطوبة ]

      فغاية علاج الإنسان لنفسه ولغيره حراسة البدن إلى أن يصل إلى هذه الحالة لا أنه يستلزم بقاء الحرارة والرطوبة اللتين بقاء الشباب والصحة والقوة بهما فإن هذا مما لم يحصل لبشر في هذه الدار وإنما غاية الطبيب أن يحمي الرطوبة عن مفسداتها من العفونة وغيره ويحمي الحرارة عن مضعفاتها ويعدل بينهما بالعدل في التدبير الذي به قام بدن الإنسان كما أن به قامت السماوات والأرض وسائر المخلوقات إنما قوامها بالعدل ومن تأمل هدي النبي صلى الله عليه وسلم وجده أفضل هدي يمكن حفظ الصحة به فإن حفظها موقوف على حسن تدبير المطعم والمشرب والملبس والمسكن والهواء والنوم واليقظة والحركة والسكون والمنكح والاستفراغ والاحتباس فإذا حصلت هذه على الوجه المعتدل الموافق الملائم للبدن والبلد والسن والعادة كان أقرب إلى دوام الصحة أو غلبتها إلى انقضاء الأجل .

      [ الصحة من أجل النعم وذكر الأخبار في ذلك ]

      ولما كانت الصحة والعافية من أجل نعم الله على عبده وأجزل عطاياه وأوفر منحه بل العافية المطلقة أجل النعم على الإطلاق فحقيق لمن رزق حظا من التوفيق مراعاتها وحفظها وحمايتها عما يضادها وقد روى البخاري في " صحيحه " من حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ

      وفي الترمذي وغيره من حديث عبيد الله بن محصن الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصبح معافى في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا

      وفي الترمذي أيضا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له ألم نصح لك جسمك ونروك من الماء البارد

      ومن ها هنا قال من قال من السلف في قوله تعالى : ثم لتسألن يومئذ عن النعيم [ التكاثر 8 ] قال عن الصحة . وفي " مسند الإمام أحمد " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس يا عباس يا عم رسول الله سل الله العافية في الدنيا والآخرة

      وفيه عن أبي بكر الصديق قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سلوا الله اليقين والمعافاة فما أوتي أحد بعد اليقين خيرا من العافية فجمع بين عافيتي الدين والدنيا ولا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه .

      وفي " سنن النسائي " من حديث أبي هريرة يرفعه سلوا الله العفو والعافية والمعافاة فما أوتي أحد بعد يقين خيرا من معافاة وهذه الثلاثة تتضمن إزالة الشرور الماضية بالعفو والحاضرة بالعافية والمستقبلة بالمعافاة فإنها تتضمن المداومة والاستمرار على العافية .

      وفي الترمذي مرفوعا : ما سئل الله شيئا أحب إليه من العافية

      وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى : عن أبي الدرداء قلت : يا رسول الله لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله يحب معك العافية

      ويذكر عن ابن عباس أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ما أسأل الله بعد الصلوات الخمس ؟ فقال سل الله العافية " فأعاد عليه فقال له في الثالثة سل الله العافية في الدنيا والآخرة

      [هديه صلى الله عليه وسلم في مراعاة أمور الصحة ]

      وإذا كان هذا شأن العافية والصحة فنذكر من هديه صلى الله عليه وسلم في مراعاة هذه الأمور ما يتبين لمن نظر فيه أنه أكمل هدي على الإطلاق ينال به حفظ صحة البدن والقلب وحياة الدنيا والآخرة والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله .



      فصل [هديه صلى الله عليه وسلم في المطعم والمشرب ]
      فأما المطعم والمشرب فلم يكن من عادته صلى الله عليه وسلم حبس النفس على نوع واحد من الأغذية لا يتعداه إلى ما سواه فإن ذلك يضر بالطبيعة جدا وقد يتعذر عليها أحيانا فإن لم يتناول غيره ضعف أو هلك وإن تناول غيره لم تقبله الطبيعة واستضر به فقصرها على نوع واحد دائما - ولو أنه أفضل الأغذية - خطر مضر .

      بل كان يأكل ما جرت عادة أهل بلده بأكله من اللحم والفاكهة والخبز والتمر وغيره مما ذكرناه في هديه في المأكول فعليك بمراجعته هناك .

      [ تعديل الطعام بضده ]

      وإذا كان في أحد الطعامين كيفية تحتاج إلى كسر وتعديل كسرها وعدلها بضدها إن أمكن كتعديل حرارة الرطب بالبطيخ وإن لم يجد ذلك تناوله على حاجة وداعية من النفس من غير إسراف فلا تتضرر به الطبيعة .

      [ ترك ما تعافه النفس ]

      وكان إذا عافت نفسه الطعام لم يأكله ولم يحملها إياه على كره وهذا أصل عظيم في حفظ الصحة فمتى أكل الإنسان ما تعافه نفسه ولا يشتهيه كان تضرره به أكثر من انتفاعه . قال أبو هريرة : ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه ولم يأكل منه ولما قدم إليه الضب المشوي لم يأكل منه فقيل له أهو حرام ؟ قال لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه فراعى عادته وشهوته فلما لم يكن يعتاد أكله بأرضه وكانت نفسه لا تشتهيه أمسك عنه ولم يمنع من أكله من يشتهيه ومن عادته أكله .

      [محبته صلى الله عليه وسلم للذراع ]

      وكان يحب اللحم وأحبه إليه الذراع ومقدم الشاة ولذلك سم فيه وفي " الصحيحين " : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه

      [ أكله صلى الله عليه وسلم للرقبة ]

      وذكر أبو عبيدة وغيره عن ضباعة بنت الزبير أنها ذبحت في بيتها شاة فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أطعمينا من شاتكم فقالت للرسول ما بقي عندنا إلا الرقبة وإني لأستحيي أن أرسل بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع الرسول فأخبره فقال ارجع إليها فقل لها : أرسلي بها فإنها هادية الشاة وأقرب إلى الخير وأبعدها من الأذى

      ولا ريب أن أخف لحم الشاة لحم الرقبة ولحم الذراع والعضد وهو أخف على المعدة وأسرع انهضاما وفي هذا مراعاة الأغذية التي تجمع ثلاثة أوصاف .

      أحدها : كثرة نفعها وتأثيرها في القوى .

      الثاني : خفتها على المعدة وعدم ثقلها عليها .

      الثالث سرعة هضمها وهذا أفضل ما يكون من الغذاء والتغذي باليسير من هذا أنفع من الكثير من غيره .

      [ محبته صلى الله عليه وسلم للحلواء والعسل وبيان أنهما مع اللحم أفضل الأغذية ]

      وكان يحب الحلواء والعسل وهذه الثلاثة - أعني اللحم والعسل والحلواء - من أفضل الأغذية وأنفعها للبدن والكبد والأعضاء وللاغتذاء بها نفع عظيم في حفظ الصحة والقوة ولا ينفر منها إلا من به علة وآفة .

      [ يؤدم صلى الله عليه وسلم خبز الشعير باللحم والبطيخ والتمر والخل وفوائد ذلك ]

      وكان يأكل الخبز مأدوما ما وجد له إداما فتارة يأدمه باللحم ويقول هو سيد طعام أهل الدنيا والآخرة رواه ابن ماجه وغيره . وتارة بالبطيخ وتارة بالتمر فإنه وضع تمرة على كسرة شعير وقال هذا إدام هذه وفي هذا من تدبير الغذاء أن خبز الشعير بارد يابس والتمر حار رطب على أصح القولين فأدم خبز الشعير به من أحسن التدبير لا سيما لمن تلك عادتهم كأهل المدينة وتارة بالخل ويقول نعم الإدام الخل وهذا ثناء عليه بحسب مقتضى الحال الحاضر لا تفضيل له على غيره كما يظن الجهال وسبب الحديث أنه دخل على أهله يوما فقدموا له خبزا فقال هل عندكم من إدام ؟ " قالوا : ما عندنا إلا خل فقال " نعم الإدام الخل

      والمقصود أن أكل الخبز مأدوما من أسباب حفظ الصحة بخلاف الاقتصار على أحدهما وحده . وسمي الأدم أدما : لإصلاحه الخبز وجعله ملائما لحفظ الصحة . ومنه قوله في إباحته للخاطب النظر إنه أحرى أن يؤدم بينهما أي أقرب إلى الالتئام والموافقة فإن الزوج يدخل على بصيرة فلا يندم .

      [ أكله صلى الله عليه وسلم الفاكهة ]

      وكان يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها ولا يحتمي عنها وهذا أيضا من أكبر أسباب حفظ الصحة فإن الله سبحانه بحكمته جعل في كل بلدة من الفاكهة ما ينتفع به أهلها في وقته فيكون تناوله من أسباب صحتهم وعافيتهم ويغني عن كثير من الأدوية وقل من احتمى عن فاكهة بلده خشية السقم إلا وهو من أسقم الناس جسما وأبعدهم من الصحة والقوة .

      وما في تلك الفاكهة من الرطوبات فحرارة الفصل والأرض وحرارة المعدة تنضجها وتدفع شرها إذا لم يسرف في تناولها ولم يحمل منها الطبيعة فوق ما تحتمله ولم يفسد بها الغذاء قبل هضمه ولا أفسدها بشرب الماء عليها وتناول الغذاء بعد التحلي منها فإن القولنج كثيرا ما يحدث عند ذلك فمن أكل منها ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي كانت له دواء نافعا .



      فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في هيئة الجلوس للأكل
      [ عدم الاتكاء عند الأكل ]

      صح عنه أنه قال لا آكل متكئا " وقال " إنما أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد .

      [ عدم الأكل مع الانبطاح ]

      وروى ابن ماجه في سننه " أنه نهى أن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه

      [ تفسير الاتكاء ]

      وقد فسر الاتكاء بالتربع وفسر بالاتكاء على الشيء وهو الاعتماد عليه وفسر بالاتكاء على الجنب . والأنواع الثلاثة من الاتكاء فنوع منها يضر بالآكل وهو الاتكاء على الجنب فإنه يمنع مجرى الطعام الطبيعي عن هيئته ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة ويضغط المعدة فلا يستحكم فتحها للغذاء وأيضا فإنها تميل ولا تبقى منتصبة فلا يصل الغذاء إليها بسهولة .

      وأما النوعان الآخران فمن جلوس الجبابرة المنافي للعبودية ولهذا قال آكل كما يأكل العبد وكان يأكل وهو مقع ويذكر عنه أنه كان يجلس للأكل متوركا على ركبتيه ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى تواضعا لربه عز وجل وأدبا بين يديه واحتراما للطعام وللمؤاكل فهذه الهيئة أنفع هيئات الأكل وأفضلها لأن الأعضاء كلها تكون على وضعها الطبيعي الذي خلقها الله سبحانه عليه مع ما فيها من الهيئة الأدبية وأجود ما اغتذى الإنسان إذا كانت أعضاؤه على وضعها الطبيعي ولا يكون كذلك إلا إذا كان الإنسان منتصبا الانتصاب الطبيعي وأردأ الجلسات للأكل الاتكاء على الجنب لما تقدم من أن المريء وأعضاء الازدراد تضيق عند هذه الهيئة والمعدة لا تبقى على وضعها الطبيعي لأنها تنعصر مما يلي البطن بالأرض ومما يلي الظهر بالحجاب الفاصل بين آلات الغذاء وآلات التنفس .

      وإن كان المراد بالاتكاء الاعتماد على الوسائد والوطاء الذي تحت الجالس فيكون المعنى أني إذا أكلت لم أقعد متكئا على الأوطية والوسائد كفعل الجبابرة ومن يريد الإكثار من الطعام لكني آكل بلغة كما يأكل العبد .

      فصل [ الأكل بالأصابع الثلاث ]
      وكان يأكل بأصابعه الثلاث وهذا أنفع ما يكون من الأكلات فإن الأكل بأصبع أو أصبعين لا يستلذ به الآكل ولا يمريه ولا يشبعه إلا بعد طول ولا تفرح آلات الطعام والمعدة بما ينالها في كل أكلة فتأخذها على إغماض كما يأخذ الرجل حقه حبة أو حبتين أو نحو ذلك فلا يلتذ بأخذه ولا يسر به والأكل بالخمسة والراحة يوجب ازدحام الطعام على آلاته وعلى المعدة وربما انسدت الآلات فمات وتغصب الآلات على دفعه والمعدة على احتماله ولا يجد له لذة ولا استمراء فأنفع الأكل أكله صلى الله عليه وسلم وأكل من اقتدى به بالأصابع الثلاث .

      فصل [ عدم الأكل أو الجمع بين بعض الأطعمة ]
      ومن تدبر أغذيته صلى الله عليه وسلم وما كان يأكله وجده لم يجمع قط بين لبن وسمك ولا بين لبن وحامض ولا بين غذاءين حارين ولا باردين ولا لزجين ولا قابضين ولا مسهلين ولا غليظين ولا مرخيين ولا مستحيلين إلى خلط واحد ولا بين مختلفين كقابض ومسهل وسريع الهضم وبطيئه ولا بين شوي وطبيخ ولا بين طري وقديد ولا بين لبن وبيض ولا بين لحم ولبن ولم يكن يأكل طعاما في وقت شدة حرارته ولا طبيخا بائتا يسخن له بالغد ولا شيئا من الأطعمة العفنة والمالحة كالكوامخ والمخللات والملوحات وكل هذه الأنواع ضار مولد لأنواع من الخروج عن الصحة والاعتدال .

      [ تعديل الطعام بضده ]

      وكان يصلح ضرر بعض الأغذية ببعض إذا وجد إليه سبيلا فيكسر حرارة هذا ببرودة هذا ويبوسة هذا برطوبة هذا كما فعل في القثاء والرطب وكما كان يأكل التمر بالسمن وهو الحيس ويشرب نقيع التمر يلطف به كيموسات الأغذية الشديدة .

      [ الأمر بالعشاء ]

      وكان يأمر بالعشاء ولو بكف من تمر ويقول ترك العشاء مهرمة ذكره الترمذي في " جامعه " وابن ماجه في " سننه " .

      [ عدم النوم على الأكل ]

      وذكر أبو نعيم عنه أنه كان ينهى عن النوم على الأكل ويذكر أنه يقسي القلب ولهذا في وصايا الأطباء لمن أراد حفظ الصحة أن يمشي بعد العشاء خطوات ولو مائة خطوة ولا ينام عقبه فإنه مضر جدا وقال مسلموهم أو يصلي عقيبه ليستقر الغذاء بقعر المعدة فيسهل هضمه ويجود بذلك .

      [ عدم الشرب على الطعام ]

      ولم يكن من هديه أن يشرب على طعامه فيفسده ولا سيما إن كان الماء حارا أو باردا فإنه رديء جدا . قال الشاعر

      لا تكن عند أكل سخن وبرد

      ودخول الحمام تشرب ماء

      فإذا ما اجتنبت ذلك حقا

      لم تخف ما حييت في الجوف داء


      [الأوقات التي ينصح فيها بعدم الشرب ]

      ويكره شرب الماء عقيب الرياضة والتعب وعقيب الجماع وعقيب الطعام وقبله وعقيب أكل الفاكهة وإن كان الشرب عقيب بعضها أسهل من بعض وعقب الحمام وعند الانتباه من النوم فهذا كله مناف لحفظ الصحة ولا اعتبار بالعوائد فإنها طبائع ثوان .

      فصل [ هديه صلى الله عليه وسلم في الشراب ]
      [شربه صلى الله عليه وسلم العسل الممزوج بالماء البارد وفوائده ]

      وأما هديه في الشراب فمن أكمل هدي يحفظ به الصحة فإنه كان يشرب العسل الممزوج بالماء البارد وفي هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدي إلى معرفته إلا أفاضل الأطباء فإن شربه ولعقه على الريق يذيب البلغم ويغسل خمل المعدة ويجلو لزوجتها ويدفع عنها الفضلات ويسخنها باعتدال ويفتح سددها ويفعل مثل ذلك بالكبد والكلى والمثانة وهو أنفع للمعدة من كل حلو دخلها وإنما يضر بالعرض لصاحب الصفراء لحدته وحدة الصفراء فربما هيجها ودفع مضرته لهم بالخل فيعود حينئذ لهم نافعا جدا وشربه أنفع من كثير من الأشربة المتخذة من السكر أو أكثرها ولا سيما لمن لم يعتد هذه الأشربة ولا ألفها طبعه فإنه إذا شربها لا تلائمه ملاءمة العسل ولا قريبا منه والمحكم في ذلك العادة فإنها تهدم أصولا وتبني أصولا .

      وأما الشراب إذا جمع وصفي الحلاوة والبرودة فمن أنفع شيء للبدن ومن أكبر أسباب حفظ الصحة وللأرواح والقوى والكبد والقلب عشق شديد له واستمداد منه وإذا كان فيه الوصفان حصلت به التغذية وتنفيذ الطعام إلى الأعضاء وإيصاله إليها أتم تنفيذ .

      [ منافع الماء البارد ]

      والماء البارد رطب يقمع الحرارة ويحفظ على البدن رطوباته الأصلية ويرد عليه بدل ما تحلل منها ويرقق الغذاء وينفذه في العروق .

      [ هل الماء البارد يغذي البدن ]

      واختلف الأطباء هل يغذي البدن ؟ على قولين فأثبتت طائفة التغذية به بناء على ما يشاهدونه من النمو والزيادة والقوة في البدن به ولا سيما عند شدة الحاجة إليه .

      قالوا : وبين الحيوان والنبات قدر مشترك من وجوه عديدة منها : النمو والاغتذاء والاعتدال وفي النبات قوة حس تناسبه ولهذا كان غذاء النبات بالماء فما ينكر أن يكون للحيوان به نوع غذاء وأن يكون جزءا من غذائه التام .

      قالوا : ونحن لا ننكر أن قوة الغذاء ومعظمه في الطعام وإنما أنكرنا أن لا يكون للماء تغذية البتة . قالوا : وأيضا الطعام إنما يغذي بما فيه من المائية ولولاها لما حصلت به التغذية .

      قالوا : ولأن الماء مادة حياة الحيوان والنبات ولا ريب أن ما كان أقرب إلى مادة الشيء حصلت به التغذية فكيف إذا كانت مادته الأصلية قال الله تعالى : وجعلنا من الماء كل شيء حي [ الأنبياء 30 ] فكيف ننكر حصول التغذية بما هو مادة الحياة على الإطلاق ؟ . قالوا : وقد رأينا العطشان إذا حصل له الري بالماء البارد تراجعت إليه قواه ونشاطه وحركته وصبر عن الطعام وانتفع بالقدر اليسير منه ورأينا العطشان لا ينتفع بالقدر الكثير من الطعام ولا يجد به القوة والاغتذاء ونحن لا ننكر أن الماء ينفذ الغذاء إلى أجزاء البدن وإلى جميع الأعضاء وأنه لا يتم أمر الغذاء إلا به وإنما ننكر على من سلب قوة التغذية عنه البتة ويكاد قوله عندنا يدخل في إنكار الأمور الوجدانية .

      [ من أنكر حصول التغذية بالماء البارد ]

      وأنكرت طائفة أخرى حصول التغذية به واحتجت بأمور يرجع حاصلها إلى عدم الاكتفاء به وأنه لا يقوم مقام الطعام وأنه لا يزيد في نمو الأعضاء ولا يخلف عليها بدل ما حللته الحرارة ونحو ذلك مما لا ينكره أصحاب التغذية فإنهم يجعلون تغذيته بحسب جوهره ولطافته ورقته وتغذية كل شيء بحسبه وقد شوهد الهواء الرطب البارد اللين اللذيذ يغذي بحسبه والرائحة الطيبة تغذي نوعا من الغذاء فتغدية الماء أظهر وأظهر .

      والمقصود أنه إذا كان باردا وخالطه ما يحليه كالعسل أو الزبيب أو التمر أو السكر كان من أنفع ما يدخل البدن وحفظ عليه صحته فلهذا كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البارد الحلو . والماء الفاتر ينفخ ويفعل ضد هذه الأشياء .

      [ منافع الماء البائت ]

      ولما كان الماء البائت أنفع من الذي يشرب وقت استقائه قال النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخل إلى حائط أبي الهيثم بن التيهان هل من ماء بات في شنة ؟ " فأتاه به فشرب منه رواه البخاري ولفظه إن كان عندك ماء بات في شنة وإلا كرعنا .

      والماء البائت بمنزلة العجين الخمير والذي شرب لوقته بمنزلة الفطير وأيضا فإن الأجزاء الترابية والأرضية تفارقه إذا بات وقد ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعذب له الماء ويختار البائت منه . وقالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقى له الماء العذب من بئر السقيا .

      [ الماء الذي في القرب والشنان ألذ من الذي في آنية الفخار والأحجار وغيرهما ]

      والماء الذي في القرب والشنان ألذ من الذي يكون في آنية الفخار والأحجار وغيرهما ولا سيما أسقية الأدم ولهذا التمس النبي صلى الله عليه وسلم ماء بات في شنة دون غيرها من الأواني وفي الماء إذا وضع في الشنان وقرب الأدم خاصة لطيفة لما فيها من المسام المنفتحة التي يرشح منها الماء ولهذا كان الماء في الفخار الذي يرشح ألذ منه وأبرد في الذي لا يرشح فصلاة الله وسلامه على أكمل الخلق وأشرفهم نفسا وأفضلهم هديا في كل شيء لقد دل أمته على أفضل الأمور وأنفعها لهم في القلوب والأبدان والدنيا والآخرة .

      [ معنى الحلو البارد ]

      قالت عائشة كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلو البارد . وهذا يحتمل أن يريد به الماء العذب كمياه العيون والآبار الحلوة فإنه كان يستعذب له الماء . ويحتمل أن يريد به الماء الممزوج بالعسل أو الذي نقع فيه التمر أو الزبيب . وقد يقال - وهو الأظهر - يعمهما جميعا .

      [ معنى الكرع وبيان الاختلاف فيه ]

      وقوله في الحديث الصحيح إن كان عندك ماء بات في شن وإلا كرعنا فيه دليل على جواز الكرع وهو الشرب بالفم من الحوض والمقراة ونحوها وهذه - والله أعلم - واقعة عين دعت الحاجة فيها إلى الكرع بالفم أو قاله مبينا لجوازه فإن من الناس من يكرهه والأطباء تكاد تحرمه ويقولون إنه يضر بالمعدة وقد روي في حديث لا أدري ما حاله عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن نشرب على بطوننا وهو الكرع ونهانا أن نغترف باليد الواحدة وقال لا يلغ أحدكم كما يلغ الكلب ولا يشرب بالليل من إناء حتى يختبره إلا أن يكون مخمرا .

      وحديث البخاري أصح من هذا وإن صح فلا تعارض بينهما إذ لعل الشرب باليد لم يكن يمكن حينئذ فقال وإلا كرعنا والشرب بالفم إنما يضر إذا انكب الشارب على وجهه وبطنه كالذي يشرب من النهر والغدير فأما إذا شرب منتصبا بفمه من حوض مرتفع ونحوه فلا فرق بين أن يشرب بيده أو بفمه .

      فصل [ بيان الاختلاف في جواز الشرب قائما ]
      وكان من هديه الشرب قاعدا هذا كان هديه المعتاد وصح عنه أنه نهى عن الشرب قائما وصح عنه أنه أمر الذي شرب قائما أن يستقيئ وصح عنه أنه شرب قائما . قالت طائفة هذا ناسخ للنهي وقالت طائفة بل مبين أن النهي ليس للتحريم بل للإرشاد وترك الأولى وقالت طائفة لا تعارض بينهما أصلا فإنه إنما شرب قائما للحاجة فإنه جاء إلى زمزم وهم يستقون منها فاستقى فناولوه الدلو فشرب وهو قائم وهذا كان موضع حاجة .

      [ آفات الشرب قائما ]

      وللشرب قائما آفات عديدة منها : أنه لا يحصل به الري التام ولا يستقر في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء وينزل بسرعة وحدة إلى المعدة فيخشى منه أن يبرد حرارتها ويشوشها ويسرع النفوذ إلى أسفل البدن بغير تدريج وكل هذا يضر بالشارب وأما إذا فعله نادرا أو لحاجة لم يضره ولا يعترض بالعوائد على هذا فإن العوائد طبائع ثوان ولها أحكام أخرى وهي بمنزلة الخارج عن القياس عند الفقهاء .

      فصل [ تنفسه صلى الله عليه وسلم في الشرب ثلاثا ]
      وفي " صحيح مسلم " من حديث أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثا ويقول إنه أروى وأمرأ وأبرأ .

      الشراب في لسان الشارع وحملة الشرع هو الماء ومعنى تنفسه في الشراب إبانته القدح عن فيه وتنفسه خارجه ثم يعود إلى الشراب كما جاء مصرحا به في الحديث الآخر إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في القدح ولكن ليبن الإناء عن فيه .

      [فوائد تكرار الشرب ]

      وفي هذا الشرب حكم جمة وفوائد مهمة وقد نبه صلى الله عليه وسلم على مجامعها بقوله إنه أروى وأمرأ وأبرأ فأروى : أشد ريا وأبلغه وأنفعه وأبرأ أفعل من البرء وهو الشفاء أي يبرئ من شدة العطش ودائه لتردده على المعدة الملتهبة دفعات فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه والثالثة ما عجزت الثانية عنه وأيضا فإنه أسلم لحرارة المعدة وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة ونهلة واحدة .

      وأيضا فإنه لا يروي لمصادفته لحرارة العطش لحظة ثم يقلع عنها ولما تكسر سورتها وحدتها وإن انكسرت لم تبطل بالكلية بخلاف كسرها على التمهل والتدريج .

      وأيضا فإنه أسلم عاقبة وآمن غائلة من تناول جميع ما يروي دفعة واحدة فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية بشدة برده وكثرة كميته أو يضعفها فيؤدي ذلك إلى فساد مزاج المعدة والكبد وإلى أمراض رديئة خصوصا في سكان البلاد الحارة كالحجاز واليمن ونحوهما أو في الأزمنة الحارة كشدة الصيف فإن الشرب وهلة واحدة مخوف عليهم جدا فإن الحار الغريزي ضعيف في بواطن أهلها وفي تلك الأزمنة الحارة .

      [ معنى أمرأ ]

      وقوله " وأمرأ هو أفعل من مريء الطعام والشراب في بدنه إذا دخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع . ومنه فكلوه هنيئا مريئا [ النساء 4 ] هنيئا في عاقبته مريئا في مذاقه . وقيل معناه أنه أسرع انحدارا عن المريء لسهولته وخفته عليه بخلاف الكثير فإنه لا يسهل على المريء انحداره .

      [ آفات الشرب نهلة واحدة ]

      ومن آفات الشرب نهلة واحدة أنه يخاف منه الشرق بأن ينسد مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه فيغص به فإذا تنفس رويدا ثم شرب أمن من ذلك .

      [فوائد تكرار الشرب ]

      ومن فوائده أن الشارب إذا شرب أول مرة تصاعد البخار الدخاني الحار الذي كان على القلب والكبد لورود الماء البارد عليه فأخرجته الطبيعة عنها فإذا شرب مرة واحدة اتفق نزول الماء البارد وصعود البخار فيتدافعان ويتعالجان ومن ذلك يحدث الشرق والغصة ولا يتهنأ الشارب بالماء ولا يمرئه ولا يتم ريه . وقد روى عبد الله بن المبارك والبيهقي وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصا ولا يعب عبا فإنه من الكباد .

      [ورود الماء على الكبد جملة واحدة يؤلمها ]

      والكباد - بضم الكاف وتخفيف الباء - هو وجع الكبد وقد علم بالتجربة أن ورود الماء جملة واحدة على الكبد يؤلمها ويضعف حرارتها وسبب ذلك المضادة التي بين حرارتها وبين ما ورد عليها من كيفية المبرود وكميته . ولو ورد بالتدريج شيئا فشيئا لم يضاد حرارتها ولم يضعفها وهذا مثاله صب الماء البارد على القدر وهي تفور لا يضرها صبه قليلا قليلا . وقد روى الترمذي في " جامعه " عنه صلى الله عليه وسلم لا تشربوا نفسا واحدا كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث وسموا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم فرغتم

      [فوائد التسمية ]

      وللتسمية في أول الطعام والشراب وحمد الله في آخره تأثير عجيب في نفعه واستمرائه ودفع مضرته .

      [ كمال الطعام في التسمية والحمد وتكثير الأيدي وأن يكون حلالا ]

      قال الإمام أحمد إذا جمع الطعام أربعا فقد كمل إذا ذكر اسم الله في أوله وحمد الله في آخره وكثرت عليه الأيدي وكان من حل .

      فصل [ تغطية الإناء وإيكاء السقاء ]
      وقد روى مسلم في " صحيحه " من حديث جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول غطوا الإناء وأوكوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا وقع فيه من ذلك الداء . وهذا مما لا تناله علوم الأطباء ومعارفهم وقد عرفه من عرفه عقلاء الناس بالتجربة . قال الليث بن سعد أحد رواة الحديث الأعاجم عندنا يتقون تلك الليلة في السنة في كانون الأول منها .

      وصح عنه أنه أمر بتخمير الإناء ولو أن يعرض عليه عودا . وفي عرض العود عليه من الحكمة أنه لا ينسى تخميره بل يعتاده حتى بالعود وفيه أنه ربما أراد الدبيب أن يسقط فيه فيمر على العود فيكون العود جسرا له يمنعه من السقوط فيه .

      وصح عنه أنه أمر عند إيكاء الإناء بذكر اسم الله فإن ذكر اسم الله عند تخمير الإناء يطرد عنه الشيطان وإيكاؤه يطرد عنه الهوام ولذلك أمر بذكر اسم الله في هذين الموضعين لهذين المعنيين .

      [ النهي عن الشرب من فم السقاء والآداب المترتبة عليه ]

      وروى البخاري في " صحيحه " من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب من في السقاء .

      وفي هذا آداب عديدة منها : أن تردد أنفاس الشارب فيه يكسبه زهومة ورائحة كريهة يعاف لأجلها .

      ومنها : أنه ربما غلب الداخل إلى جوفه من الماء فتضرر به .

      ومنها : أنه ربما كان فيه حيوان لا يشعر به فيؤذيه .

      ومنها : أن الماء ربما كان فيه قذاة أو غيرها لا يراها عند الشرب فتلج جوفه .

      ومنها : أن الشرب كذلك يملأ البطن من الهواء فيضيق عن أخذ حظه من الماء أو يزاحمه أو يؤذيه ولغير ذلك من الحكم .

      [ ضعف حديث الشرب من فم الإداوة ]

      فإن قيل فما تصنعون بما في " جامع الترمذي " : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بإداوة يوم أحد فقال اخنث فم الإداوة ثم شرب منها من فيها ؟ قلنا : نكتفي فيه بقول الترمذي هذا حديث ليس إسناده بصحيح وعبد الله بن عمر العمري يضعف من قبل حفظه ولا أدري سمع من عيسى أو لا انتهى . يريد عيسى بن عبد الله الذي رواه عنه عن رجل من الأنصار .

      فصل [ النهي عن الشرب من ثلمة القدح وبيان مفاسده ]
      وفي " سنن أبي داود " من حديث أبي سعيد الخدري قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من ثلمة القدح وأن ينفخ في الشراب وهذا من الآداب التي تتم بها مصلحة الشارب فإن الشرب من ثلمة القدح فيه عدة مفاسد

      أحدها : أن ما يكون على وجه الماء من قذى أو غيره يجتمع إلى الثلمة بخلاف الجانب الصحيح .

      الثاني : أنه ربما شوش على الشارب ولم يتمكن من حسن الشرب من الثلمة .

      الثالث أن الوسخ والزهومة تجتمع في الثلمة ولا يصل إليها الغسل كما يصل إلى الجانب الصحيح .

      الرابع أن الثلمة محل العيب في القدح وهي أردأ مكان فيه فينبغي تجنبه وقصد الجانب الصحيح فإن الرديء من كل شيء لا خير فيه ورأى بعض السلف رجلا يشتري حاجة رديئة فقال لا تفعل أما علمت أن الله نزع البركة من كل رديء .

      الخامس أنه ربما كان في الثلمة شق أو تحديد يجرح فم الشارب ولغير هذه من المفاسد .

      [ مفاسد النفخ في الشراب ]

      وأما النفخ في الشراب فإنه يكسبه من فم النافخ رائحة كريهة يعاف لأجلها ولا سيما إن كان متغير الفم . وبالجملة فأنفاس النافخ تخالطه ولهذا جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين النهي عن التنفس في الإناء والنفخ فيه في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن ابن عباس رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه .

      [ كان صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشرب ولا يتنفس في الإناء ]

      فإن قيل فما تصنعون بما في " الصحيحين " من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الإناء ثلاثا ؟ قيل نقابله بالقبول والتسليم ولا معارضة بينه وبين الأول فإن معناه أنه كان يتنفس في شربه ثلاثا وذكر الإناء لأنه آلة الشرب وهذا كما جاء في الحديث الصحيح أن إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات في الثدي أي في مدة الرضاع .

      فصل [ شرب اللبن خالصا ومشوبا بالماء ومنافعه ]
      وكان صلى الله عليه وسلم يشرب اللبن خالصا تارة ومشوبا بالماء أخرى .

      وفي شرب اللبن الحلو في تلك البلاد الحارة خالصا ومشوبا نفع عظيم في حفظ الصحة وترطيب البدن وري الكبد ولا سيما اللبن الذي ترعى دوابه الشيح والقيصوم والخزامى وما أشبهها فإن لبنها غذاء مع الأغذية وشراب مع الأشربة ودواء مع الأدوية وفي " جامع الترمذي " عنه صلى الله عليه وسلم إذا أكل أحدكم طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه وإذا سقي لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شيء يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن . قال الترمذي هذا حديث حسن .

      فصل [ الانتباذ في الماء ]
      وثبت في " صحيح مسلم " أنه صلى الله عليه وسلم كان ينبذ له أول الليل ويشربه إذا أصبح يومه ذلك والليلة التيتجيء والغد والليلة الأخرى والغد إلى العصر فإن بقي منه شيء سقاه الخادم أو أمر به فصب . وهذا النبيذ هو ما يطرح فيه تمر يحليه وهو يدخل في الغذاء والشراب وله نفع عظيم في زيادة القوة وحفظ الصحة ولم يكن يشربه بعد ثلاث خوفا من تغيره إلى الإسكار .

      فصل في تدبيره لأمر الملبس
      وكان من أتم الهدي وأنفعه للبدن وأخفه عليه وأيسره لبسا وخلعا وكان أكثر لبسه الأردية والأزر وهي أخف على البدن من غيرها وكان يلبس القميص بل كان أحب الثياب إليه .

      وكان هديه في لبسه لما يلبسه أنفع شيء للبدن فإنه لم يكن يطيل أكمامه ويوسعها بل كانت كم قميصه إلى الرسغ لا يجاوز اليد فتشق على لابسها وتمنعه خفة الحركة والبطش ولا تقصر عن هذه فتبرز للحر والبرد وكان ذيل قميصه وإزاره إلى أنصاف الساقين لم يتجاوز الكعبين فيؤذي الماشي ويؤوده ويجعله كالمقيد ولم يقصر عن عضلة ساقيه فتنكشف ويتأذى بالحر والبرد ولم تكن عمامته بالكبيرة التي تؤذي الرأس حملها ويضعفه ويجعله عرضة للضعف والآفات كما يشاهد من حال أصحابها ولا بالصغيرة التي تقصر عن وقاية الرأس من الحر والبرد بل وسطا بين ذلك وكان يدخلها تحت حنكه وفي ذلك فوائد عديدة فإنها تقي العنق الحر والبرد وهو أثبت لها ولا سيما عند ركوب الخيل والإبل والكر والفر وكثير من الناس اتخذ الكلاليب عوضا عن الحنك ويا بعد ما بينهما في النفع والزينة وأنت إذا تأملت هذه اللبسة وجدتها من أنفع اللبسات وأبلغها في حفظ صحة البدن وقوته وأبعدها من التكلف والمشقة على البدن .

      وكان يلبس الخفاف في السفر دائما أو أغلب أحواله لحاجة الرجلين إلى ما يقيهما من الحر والبرد وفي الحضر أحيانا .

      وكان أحب ألوان الثياب إليه البياض والحبرة وهي البرود المحبرة ولم يكن من هديه لبس الأحمر ولا الأسود ولا المصبغ ولا المصقول . وأما الحلة الحمراء التي لبسها فهي الرداء اليماني الذي فيه سواد وحمرة وبياض كالحلة الخضراء فقد لبس هذه وهذه وقد تقدم تقرير ذلك وتغليط من زعم أنه لبس الأحمر القاني بما فيه كفاية .



      فصل في تدبيره لأمر المسكن
      لما علم صلى الله عليه وسلم أنه على ظهر سير وأن الدنيا مرحلة مسافر ينزل فيها مدة عمره ثم ينتقل عنها إلى الآخرة لم يكن من هديه وهدي أصحابه ومن تبعه الاعتناء بالمساكن وتشييدها وتعليتها وزخرفتها وتوسيعها بل كانت من أحسن منازل المسافر تقي الحر والبرد وتستر عن العيون وتمنع من ولوج الدواب ولا يخاف سقوطها لفرط ثقلها ولا تعشش فيها الهوام لسعتها ولا تعتور عليها الأهوية والرياح المؤذية لارتفاعها وليست تحت الأرض فتؤذي ساكنها ولا في غاية الارتفاع عليها بل وسط وتلك أعدل المساكن وأنفعها وأقلها حرا وبردا ولا تضيق عن ساكنها فينحصر ولا تفضل عنه بغير منفعة ولا فائدة فتأوي الهوام في خلوها ولم يكن فيها كنف تؤذي ساكنها برائحتها .

      بل رائحتها من أطيب الروائح لأنه كان يحب الطيب ولا يزال عنده وريحه هو من أطيب الرائحة وعرقه من أطيب الطيب ولم يكن في الدار كنيف تظهر رائحته ولا ريب أن هذه من أعدل المساكن وأنفعها وأوفقها للبدن وحفظ صحته .

      فصل في تدبيره لأمر النوم واليقظة
      من تدبر نومه ويقظته صلى الله عليه وسلم وجده أعدل نوم وأنفعه للبدن والأعضاء والقوى فإنه كان ينام أول الليل ويستيقظ في أول النصف الثاني فيقوم ويستاك ويتوضأ ويصلي ما كتب الله له فيأخذ البدن والأعضاء والقوى حظها من النوم والراحة وحظها من الرياضة مع وفور الأجر وهذا غاية صلاح القلب والبدن والدنيا والآخرة .

      ولم يكن يأخذ من النوم فوق القدر المحتاج إليه ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج إليه منه وكان يفعله على أكمل الوجوه فينام إذا دعته الحاجة إلى النوم على شقه الأيمن ذاكرا الله حتى تغلبه عيناه غير ممتلئ البدن من الطعام والشراب ولا مباشر بجنبه الأرض ولا متخذ للفرش المرتفعة بل له ضجاع من أدم حشوه ليف وكان يضطجع على الوسادة ويضع يده تحت خده أحيانا .

      [ نوعا النوم ]

      [ النوم الطبيعي ]

      ونحن نذكر فصلا في النوم والنافع منه والضار فنقول

      النوم حالة للبدن يتبعها غور الحرارة الغريزية والقوى إلى باطن البدن لطلب الراحة وهو نوعان طبيعي وغير طبيعي . فالطبيعي إمساك القوى النفسانية عن أفعالها وهي قوى الحس والحركة الإرادية ومتى أمسكت هذه القوى عن تحريك البدن استرخى واجتمعت الرطوبات والأبخرة التي كانت تتحلل وتتفرق بالحركات واليقظة في الدماغ الذي هو مبدأ هذه القوى فيتخدر ويسترخي وذلك النوم الطبيعي .

      [ النوم غير الطبيعي ]

      وأما النوم غير الطبيعي فيكون لعرض أو مرض وذلك بأن تستولي الرطوبات على الدماغ استيلاء لا تقدر اليقظة على تفريقها أو تصعد أبخرة رطبة كثيرة كما يكون عقيب الامتلاء من الطعام والشراب فتثقل الدماغ وترخيه فيتخدر ويقع إمساك القوى النفسانية عن أفعالها فيكون النوم .

      [ فائدتا النوم ]

      وللنوم فائدتان جليلتان إحداهما : سكون الجوارح وراحتها مما يعرض لها من التعب فيريح الحواس من نصب اليقظة ويزيل الإعياء والكلال .

      والثانية هضم الغذاء ونضج الأخلاط لأن الحرارة الغريزية في وقت النوم تغور إلى باطن البدن فتعين على ذلك ولهذا يبرد ظاهره ويحتاج النائم إلى فضل دثار .

      [أنفع كيفيات النوم ]

      وأنفع النوم أن ينام على الشق الأيمن ليستقر الطعام بهذه الهيئة في المعدة استقرارا حسنا فإن المعدة أميل إلى الجانب الأيسر قليلا ثم يتحول إلى الشق الأيسر قليلا ليسرع الهضم بذلك لاستمالة المعدة على الكبد ثم يستقر نومه على الجانب الأيمن ليكون الغذاء أسرع انحدارا عن المعدة فيكون النوم على الجانب الأيمن بداءة نومه ونهايته وكثرة النوم على الجانب الأيسر مضر بالقلب بسبب ميل الأعضاء إليه فتنصب إليه المواد .

      [ أردأ نوعيات النوم ]

      وأردأ النوم النوم على الظهر ولا يضر الاستلقاء عليه للراحة من غير نوم وأردأ منه أن ينام منبطحا على وجهه وفي " المسند " و " سنن ابن ماجه " عن أبي أمامة قال مر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل نائم في المسجد منبطح على وجهه فضربه برجله وقال قم أو اقعد فإنها نومة جهنمية

      قال إبقراط في كتاب " التقدمة " : وأما نوم المريض على بطنه من غير أن يكون عادته في صحته جرت بذلك يدل على اختلاط عقل وعلى ألم في نواحي البطن قال الشراح لكتابه لأنه خالف العادة الجيدة إلى هيئة رديئة من غير سبب ظاهر ولا باطن .

      [ منافع النوم المعتدل ]

      والنوم المعتدل ممكن للقوى الطبيعية من أفعالها مريح للقوة النفسانية مكثر من جوهر حاملها حتى إنه ربما عاد برخائه مانعا من تحلل الأرواح .

      [مفاسد نوم النهار وبخاصة آخره ]

      ونوم النهار رديء يورث الأمراض الرطوبية والنوازل ويفسد اللون ويورث الطحال ويرخي العصب ويكسل ويضعف الشهوة إلا في الصيف وقت الهاجرة وأردؤه نوم أول النهار وأردأ منه النوم آخره بعد العصر ورأى عبد الله بن عباس ابنا له نائما نومة الصبحة فقال له قم أتنام في الساعة التي تقسم فيها الأرزاق ؟

      وقيل نوم النهار ثلاثة خلق وحرق وحمق . فالخلق نومة الهاجرة وهي خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم . والحرق نومة الضحى تشغل عن أمر الدنيا والآخرة . والحمق نومة العصر .

      قال بعض السلف من نام بعد العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلا نفسه . وقال الشاعر

      ألا إن نومات الضحى تورث الفتى

      خبالا ونومات العصير جنون


      [ مفاسد نوم الصبحة ]

      ونوم الصبحة يمنع الرزق لأن ذلك وقت تطلب فيه الخليقة أرزاقها وهو وقت قسمة الأرزاق فنومه حرمان إلا لعارض أو ضرورة وهو مضر جدا بالبدن لإرخائه البدن وإفساده للفضلات التي ينبغي تحليلها بالرياضة فيحدث تكسرا وعيا وضعفا . وإن كان قبل التبرز والحركة والرياضة وإشغال المعدة بشيء فذلك الداء العضال المولد لأنواع من الأدواء .

      [ مفاسد النوم في الشمس أو بعضه في الشمس ]

      والنوم في الشمس يثير الداء الدفين ونوم الإنسان بعضه في الشمس وبعضه في الظل رديء وقد روى أبو داود في " سننه " من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان أحدكم في الشمس فقلص عنه الظل فصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل فليقم

      وفي " سنن ابن ماجه " وغيره من حديث بريدة بن الحصيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقعد الرجل بين الظل والشمس وهذا تنبيه على منع النوم بينهما .

      وفي " الصحيحين " عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت واجعلهن آخر كلامك فإن مت من ليلتك مت على الفطرة .

      وفي " صحيح البخاري " عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى ركعتي الفجر - يعني سنتها - اضطجع على شقه الأيمن

      [ الحكمة من النوم على الجانب الأيمن ]

      وقد قيل إن الحكمة في النوم على الجانب الأيمن أن لا يستغرق النائم في نومه لأن القلب فيه ميل إلى جهة اليسار فإذا نام على جنبه الأيمن طلب القلب مستقره من الجانب الأيسر وذلك يمنع من استقرار النائم واستثقاله في نومه بخلاف قراره في النوم على اليسار فإنه مستقره فيحصل بذلك الدعة التامة فيستغرق الإنسان في نومه ويستثقل فيفوته مصالح دينه ودنياه .

      [فوائد الدعاء قبل النوم ]

      ولما كان النائم بمنزلة الميت والنوم أخو الموت - ولهذا يستحيل على الحي الذي لا يموت وأهل الجنة لا ينامون فيها - كان النائم محتاجا إلى من يحرس نفسه ويحفظها مما يعرض لها من الآفات ويحرس بدنه أيضا من طوارق الآفات وكان ربه وفاطره تعالى هو المتولي لذلك وحده .

      علم النبي صلى الله عليه وسلم النائم أن يقول كلمات التفويض والالتجاء والرغبة والرهبة ليستدعي بها كمال حفظ الله له وحراسته لنفسه وبدنه وأرشده مع ذلك إلى أن يستذكر الإيمان وينام عليه ويجعل التكلم به آخر كلامه فإنه ربما توفاه الله في منامه فإذا كان الإيمان آخر كلامه دخل الجنة فتضمن هذا الهدي في المنام مصالح القلب والبدن والروح في النوم واليقظة والدنيا والآخرة فصلوات الله وسلامه على من نالت به أمته كل خير .

      وقوله أسلمت نفسي إليك أي جعلتها مسلمة لك تسليم العبد المملوك نفسه إلى سيده ومالكه . وتوجيه وجهه إليه يتضمن إقباله بالكلية على ربه وإخلاص القصد والإرادة له وإقراره بالخضوع والذل والانقياد قال تعالى : فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن [ سورة آل عمران الآية 20 ] .

      وذكر الوجه إذ هو أشرف ما في الإنسان ومجمع الحواس وأيضا ففيه معنى التوجه والقصد من قوله

      أستغفر الله ذنبا لست محصيه

      رب العباد إليه الوجه والعمل


      وتفويض الأمر إليه رده إلى الله سبحانه وذلك يوجب سكون القلب وطمأنينته والرضى بما يقضيه ويختاره له مما يحبه ويرضاه والتفويض من أشرف مقامات العبودية ولا علة فيه وهو من مقامات الخاصة خلافا لزاعمي خلاف ذلك .

      وإلجاء الظهر إليه سبحانه يتضمن قوة الاعتماد عليه والثقة به والسكون إليه والتوكل عليه فإن من أسند ظهره إلى ركن وثيق لم يخف السقوط . ولما كان للقلب قوتان قوة الطلب وهي الرغبة وقوة الهرب وهي الرهبة وكان العبد طالبا لمصالحه هاربا من مضاره جمع الأمرين في هذا التفويض والتوجه فقال رغبة ورهبة إليك ثم أثنى على ربه بأنه لا ملجأ للعبد سواه ولا منجا له منه غيره فهو الذي يلجأ إليه العبد لينجيه من نفسه كما في الحديث الآخر أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك فهو سبحانه الذي يعيذ عبده وينجيه من بأسه الذي هو بمشيئته وقدرته فمنه البلاء ومنه الإعانة ومنه ما يطلب النجاة منه وإليه الالتجاء في النجاة فهو الذي يلجأ إليه في أن ينجي مما منه ويستعاذ به مما منه فهو رب كل شيء ولا يكون شيء إلا بمشيئته وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو [ سورة الأنعام الآية 17 ] قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة [ سورة الأحزاب الآية 17 ] ثم ختم الدعاء بالإقرار بالإيمان بكتابه ورسوله الذي هو ملاك النجاة والفوز في الدنيا والآخرة فهذا هديه في نومه .

      لو لم يقل إني رسول لكا

      ن شاهد في هديه ينطق


      فصل [هديه صلى الله عليه وسلم في اليقظة ]
      وأما هديه في يقظته فكان يستيقظ إذا صاح الصارخ وهو الديك فيحمد الله تعالى ويكبره ويهلله ويدعوه ثم يستاك ثم يقوم إلى وضوئه ثم يقف للصلاة بين يدي ربه مناجيا له بكلامه مثنيا عليه راجيا له راغبا راهبا فأي حفظ لصحة القلب والبدن والروح والقوى ولنعيم الدنيا والآخرة فوق هذا .


      افتراضي

      فصل [هديه صلى الله عليه وسلم في الرياضة ]
      وأما تدبير الحركة والسكون وهو الرياضة فنذكر منها فصلا يعلم منه مطابقة هديه في ذلك لأكمل أنواعه وأحمدها وأصوبها فنقول

      [السبب الموجب للرياضة ]

      من المعلوم افتقار البدن في بقائه إلى الغذاء والشراب ولا يصير الغذاء بجملته جزءا من البدن بل لا بد أن يبقى منه عند كل هضم بقية ما إذا كثرت على ممر الزمان اجتمع منها شيء له كمية وكيفية فيضر بكميته بأن يسد ويثقل البدن ويوجب أمراض الاحتباس وإن استفرغ تأذى البدن بالأدوية لأن أكثرها سمية ولا تخلو من إخراج الصالح المنتفع به ويضر بكيفيته بأن يسخن بنفسه أو بالعفن أو يبرد بنفسه أو يضعف الحرارة الغريزية عن إنضاجه .

      [فوائد الرياضة ]

      وسدد الفضلات لا محالة ضارة تركت أو استفرغت والحركة أقوى الأسباب في منع تولدها فإنها تسخن الأعضاء وتسيل فضلاتها فلا تجتمع على طول الزمان وتعود البدن الخفة والنشاط وتجعله قابلا للغذاء وتصلب المفاصل وتقوي الأوتار والرباطات وتؤمن جميع الأمراض المادية وأكثر الأمراض المزاجية إذا استعمل القدر المعتدل منها في وقته وكان باقي التدبير صوابا .

      [وقتها وأنواعها ]

      ووقت الرياضة بعد انحدار الغذاء وكمال الهضم والرياضة المعتدلة هي التي تحمر فيها البشرة وتربو ويتندى بها البدن وأما التي يلزمها سيلان العرق فمفرطة وأي عضو كثرت رياضته قوي وخصوصا على نوع تلك الرياضة بل كل قوة فهذا شأنها فإن من استكثر من الحفظ قويت حافظته ومن استكثر من الفكر قويت قوته المفكرة ولكل عضو رياضة تخصه فللصدر القراءة فليبتدئ فيها من الخفية إلى الجهر بتدريج ورياضة السمع بسمع الأصوات والكلام بالتدريج فينتقل من الأخف إلى الأثقل وكذلك رياضة اللسان في الكلام وكذلك رياضة البصر وكذلك رياضة المشي بالتدريج شيئا فشيئا .

      وأما ركوب الخيل ورمي النشاب والصراع والمسابقة على الأقدام فرياضة للبدن كله وهي قالعة لأمراض مزمنة كالجذام والاستسقاء والقولنج .

      [رياضة النفوس ]

      ورياضة النفوس بالتعلم والتأدب والفرح والسرور والصبر والثبات والإقدام والسماحة وفعل الخير ونحو ذلك مما ترتاض به النفوس ومن أعظم رياضتها : الصبر والحب والشجاعة والإحسان فلا تزال ترتاض بذلك شيئا فشيئا حتى تصير لها هذه الصفات هيئات راسخة وملكات ثابتة .

      وأنت إذا تأملت هديه صلى الله عليه وسلم في ذلك وجدته أكمل هدي حافظ للصحة والقوى ونافع في المعاش والمعاد .

      [فائدة الصلاة ]

      ولا ريب أن الصلاة نفسها فيها من حفظ صحة البدن وإذابة أخلاطه وفضلاته ما هو من أنفع شيء له سوى ما فيها من حفظ صحة الإيمان وسعادة الدنيا والآخرة وكذلك قيام الليل من أنفع أسباب حفظ الصحة ومن أمنع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب كما في " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كل عقدة عليك ليل طويل فارقد فإن هو استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة ثانية فإن صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان

      [فائدة الصوم ]

      وفي الصوم الشرعي من أسباب حفظ الصحة ورياضة البدن والنفس ما لا يدفعه صحيح الفطرة .

      [فائدة الجهاد ]

      وأما الجهاد وما فيه من الحركات الكلية التي هي من أعظم أسباب القوة وحفظ الصحة وصلابة القلب والبدن ودفع فضلاتهما وزوال الهم والغم والحزن فأمر إنما يعرفه من له منه نصيب .

      [رياضات أخرى ]

      وكذلك الحج وفعل المناسك وكذلك المسابقة على الخيل وبالنصال والمشي في الحوائج وإلى الإخوان وقضاء حقوقهم وعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم والمشي إلى المساجد للجمعات والجماعات وحركة الوضوء والاغتسال وغير ذلك .

      وهذا أقل ما فيه الرياضة المعينة على حفظ الصحة ودفع الفضلات وأما ما شرع له من التوصل به إلى خيرات الدنيا والآخرة ودفع شرورهما فأمر وراء ذلك .فعلمت أن هديه فوق كل هدي في طب الأبدان والقلوب وحفظ صحتها ودفع أسقامهما ولا مزيد على ذلك لمن قد أحضر رشده وبالله التوفيق .

      يتبع ..
      أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
      وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

      Comment

      • اخت مسلمة
        محاور
        • Nov 2005
        • 6338

        #33
        فصل هديه [صلى الله عليه وسلم في الجماع ]
        [مقاصد الجماع ]

        وأما الجماع والباه فكان هديه فيه أكمل هدي يحفظ به الصحة وتتم به اللذة وسرور النفس ويحصل به مقاصده التي وضع لأجلها فإن الجماع وضع في الأصل لثلاثة أمور هي مقاصده الأصلية

        أحدها : حفظ النسل ودوام النوع إلى أن تتكامل العدة التي قدر الله بروزها إلى هذا العالم .

        الثاني . إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن .

        الثالث قضاء الوطر ونيل اللذة والتمتع بالنعمة وهذه وحدها هي الفائدة التي في الجنة إذ لا تناسل هناك ولا احتقان يستفرغه الإنزال .

        [ الجماع من أسباب الصحة ]

        وفضلاء الأطباء يرون أن الجماع من أحد أسباب حفظ الصحة . قال جالينوس : الغالب على جوهر المني النار والهواء ومزاجه حار رطب لأن كونه من الدم الصافي الذي تغتذي به الأعضاء الأصلية وإذا ثبت فضل المني فاعلم أنه لا ينبغي إخراجه إلا في طلب النسل أو إخراج المحتقن منه فإنه إذا دام احتقانه أحدث أمراضا رديئة منها : الوسواس والجنون والصرع وغير ذلك وقد يبرئ استعماله من هذه الأمراض كثيرا فإنه إذا طال احتباسه فسد واستحال إلى كيفية سمية توجب أمراضا رديئة كما ذكرنا ولذلك تدفعه الطبيعة بالاحتلام إذا كثر عندها من غير جماع .

        وقال بعض السلف ينبغي للرجل أن يتعاهد من نفسه ثلاثا : أن لا يدع المشي فإن احتاج إليه يوما قدر عليه وينبغي أن لا يدع الأكل فإن أمعاءه تضيق وينبغي أن لا يدع الجماع فإن البئر إذا لم تنزح ذهب ماؤها . وقال محمد بن زكريا : من ترك الجماع مدة طويلة ضعفت قوى أعصابه وانسدت مجاريها وتقلص ذكره .

        قال ورأيت جماعة تركوه لنوع من التقشف فبردت أبدانهم وعسرت حركاتهم ووقعت عليهم كآبة بلا سبب وقلت شهواتهم وهضمهم انتهى .

        [ منافعه ]

        [ محبته له ]

        ومن منافعه غض البصر وكف النفس والقدرة على العفة عن الحرام وتحصيل ذلك للمرأة فهو ينفع نفسه في دنياه وأخراه وينفع المرأة ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يتعاهده ويحبه ويقول حبب إلي من دنياكم : النساء والطيب

        وفي كتاب " الزهد " للإمام أحمد في هذا الحديث زيادة لطيفة وهي أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن

        [الحث على الزواج ]

        وحث على التزويج أمته فقال تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم . وقال ابن عباس : خير هذه الأمة أكثرها نساء

        وقال إني أتزوج النساء وأنام وأقوم وأصوم وأفطر فمن رغب عن سنتي فليس مني .

        وقال يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء .

        ولما تزوج جابر ثيبا قال له هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك

        وروى ابن ماجه في " سننه " : من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر

        وفي " سننه " أيضا من حديث ابن عباس يرفعه قال لم نر للمتحابين مثل النكاح

        وفي " صحيح مسلم " من حديث عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة .

        وكان صلى الله عليه وسلم يحرض أمته على نكاح الأبكار الحسان وذوات الدين وفي " سنن النسائي " عن أبي هريرة قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي النساء خير ؟ قال التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله

        وفي " الصحيحين " عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تنكح المرأة لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك

        [ الحث على نكاح الولود ]

        وكان يحث على نكاح الولود ويكره المرأة التي لا تلد كما في " سنن أبي داود " عن معقل بن يسار أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال وإنها لا تلد أفأتزوجها ؟ قال " لا " ثم أتاه الثانية فنهاه ثم أتاه الثالثة فقال تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم

        وفي الترمذي عنه مرفوعا : أربع من سنن المرسلين : النكاح والسواك والتعطر والحناء روي في " الجامع " بالنون والياء وسمعت أبا الحجاج الحافظ يقول الصواب أنه الختان وسقطت النون من الحاشية وكذلك رواه المحاملي عن شيخ أبي عيسى الترمذي .

        [ أمور تتعلق بما قبل الجماع ]

        ومما ينبغي تقديمه على الجماع ملاعبة المرأة وتقبيلها ومص لسانها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلاعب أهله ويقبلها .

        وروى أبو داود في " سننه " أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل عائشة ويمص لسانها .

        ويذكر عن جابر بن عبد الله قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المواقعة قبل الملاعبة .

        [ الغسل من الجماع ]

        وكان صلى الله عليه وسلم ربما جامع نساءه كلهن بغسل واحد وربما اغتسل عند كل واحدة منهن فروى مسلم في " صحيحه " عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه بغسل واحد

        وروى أبو داود في " سننه " عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه في ليلة فاغتسل عند كل امرأة منهن غسلا فقلت يا رسول الله لو اغتسلت غسلا واحدا فقال هذا أزكى وأطهر وأطيب

        وشرع للمجامع إذا أراد العود قبل الغسل الوضوء بين الجماعين كما روى مسلم في " صحيحه " من حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ

        [ منافع الغسل والوضوء بعد الوطء ]

        وفي الغسل والوضوء بعد الوطء من النشاط وطيب النفس وإخلاف بعض ما تحلل بالجماع وكمال الطهر والنظافة واجتماع الحار الغريزي إلى داخل البدن بعد انتشاره بالجماع وحصول النظافة التي يحبها الله ويبغض خلافها ما هو من أحسن التدبير في الجماع وحفظ الصحة والقوى فيه .

        فصل وقته
        وأنفع الجماع : ما حصل بعد الهضم وعند اعتدال البدن في حره وبرده ويبوسته ورطوبته وخلائه وامتلائه . وضرره عند امتلاء البدن أسهل وأقل من ضرره عند خلوه وكذلك ضرره عند كثرة الرطوبة أقل منه عند اليبوسة وعند حرارته أقل منه عند برودته وإنما ينبغي أن يجامع إذا اشتدت الشهوة وحصل الانتشار التام الذي ليس عن تكلف ولا فكر في صورة ولا نظر متتابع ولا ينبغي أن يستدعي شهوة الجماع ويتكلفها ويحمل نفسه عليها وليبادر إليه إذا هاجت به كثرة المني واشتد شبقه

        [التحذير من جماع العجوز والصغيرة ]

        وليحذر جماع العجوز والصغيرة التي لا يوطأ مثلها والتي لا شهوة لها والمريضة والقبيحة المنظر والبغيضة فوطء هؤلاء يوهن القوى ويضعف الجماع بالخاصية .

        [ جماع الثيب ]

        وغلط من قال من الأطباء إن جماع الثيب أنفع من جماع البكر وأحفظ للصحة وهذا من القياس الفاسد حتى ربما حذر منه بعضهم وهو مخالف لما عليه عقلاء الناس ولما اتفقت عليه الطبيعة والشريعة .

        [ أسباب الترغيب بالبكر ]

        وفي جماع البكر من الخاصية وكمال التعلق بينها وبين مجامعها وامتلاء قلبها من محبته وعدم تقسيم هواها بينه وبين غيره ما ليس للثيب .

        وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر هلا تزوجت بكرا

        وقد جعل الله سبحانه من كمال نساء أهل الجنة من الحور العين أنهن لم يطمثهن أحد قبل من جعلن له من أهل الجنة .

        وقالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم أرأيت لو مررت بشجرة قد أرتع فيها وشجرة لم يرتع فيها ففي أيهما كنت ترتع بعيرك ؟ قال في التي لم يرتع فيها تريد أنه لم يأخذ بكرا غيرها .

        وجماع المرأة المحبوبة في النفس يقل إضعافه للبدن مع كثرة استفراغه للمني وجماع البغيضة يحل البدن ويوهن القوى مع قلة استفراغه وجماع الحائض حرام طبعا وشرعا فإنه مضر جدا والأطباء قاطبة تحذر منه .

        [ أحسن أشكاله ]

        وأحسن أشكال الجماع أن يعلو الرجل المرأة مستفرشا لها بعد الملاعبة والقبلة وبهذا سميت المرأة فراشا كما قال صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وهذا من تمام قوامية الرجل على المرأة كما قال تعالى : الرجال قوامون على النساء [ النساء 34 ] وكما قيل

        إذا رمتها كانت فراشا يقلني

        وعند فراغي خادم يتملق


        وقد قال تعالى : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن [ البقرة 187 ] وأكمل اللباس وأسبغه على هذه الحال فإن فراش الرجل لباس له وكذلك لحاف المرأة لباس لها فهذا الشكل الفاضل مأخوذ من هذه الآية وبه يحسن موقع استعارة اللباس من كل من الزوجين للآخر .

        وفيه وجه آخر وهو أنها تنعطف عليه أحيانا فتكون عليه كاللباس قال الشاعر

        إذا ما الضجيع ثنى جيدها

        تثنت فكانت عليه لباسا


        [ أردأ أشكاله ]

        وأردأ أشكاله أن تعلوه المرأة ويجامعها على ظهره وهو خلاف الشكل الطبيعي الذي طبع الله عليه الرجل والمرأة بل نوع الذكر والأنثى وفيه من المفاسد أن المني يتعسر خروجه كله فربما بقي في العضو منه فيتعفن ويفسد فيضر وأيضا : فربما سال إلى الذكر رطوبات من الفرج وأيضا فإن الرحم لا يتمكن من الاشتمال على الماء واجتماعه فيه وانضمامه عليه لتخليق الولد وأيضا : فإن المرأة مفعول بها طبعا وشرعا وإذا كانت فاعلة خالفت مقتضى الطبع والشرع .

        وكان أهل الكتاب إنما يأتون النساء على جنوبهن على حرف ويقولون هو أيسر للمرأة .

        وكانت قريش والأنصار تشرح النساء على أقفائهن فعابت اليهود عليهم ذلك فأنزل الله عز وجل نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم [ البقرة 223 ] .

        وفي " الصحيحين " عن جابر قال كانت اليهود تقول إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول فأنزل الله عز وجل نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم

        وفي لفظ لمسلم إن شاء مجبية وإن شاء غير مجبية غير أن ذلك في صمام واحد "

        والمجبية المنكبة على وجهها والصمام الواحد الفرج وهو موضع الحرث والولد .



        [تحريم الدبر ]

        وأما الدبر فلم يبح قط على لسان نبي من الأنبياء ومن نسب إلى بعض السلف إباحة وطء الزوجة في دبرها فقد غلط عليه وفي " سنن أبي داود " عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ملعون من أتى المرأة في دبرها .

        وفي لفظ لأحمد وابن ماجه : لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها

        وفي لفظ للترمذي وأحمد من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم

        وفي لفظ للبيهقي من أتى شيئا من الرجال والنساء في الأدبار فقد كفر

        وفي " مصنف وكيع " : حدثني زمعة بن صالح عن ابن طاووس عن أبيه عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن يزيد قال قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن وقال مرة : " في أدبارهن " .

        وفي الترمذي عن علي بن طلق قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تأتوا النساء في أعجازهن فإن الله لا يستحي من الحق

        وفي " الكامل " لابن عدي من حديثه عن المحاملي عن سعيد بن يحيى الأموي قال حدثنا محمد بن حمزة عن زيد بن رفيع عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود يرفعه لا تأتوا النساء في أعجازهن

        وروينا في حديث الحسن بن علي الجوهري عن أبي ذر مرفوعا : من أتى الرجال أو النساء في أدبارهن فقد كفر

        وروى إسماعيل بن عياش عن سهيل بن أبي صالح عن محمد بن المنكدر عن جابر يرفعه استحيوا من الله فإن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في حشوشهن ورواه الدارقطني من هذه الطريق ولفظه إن الله لا يستحيي من الحق لا يحل مأتاك النساء في حشوشهن

        وقال البغوي : حدثنا هدبة حدثنا همام قال سئل قتادة عن الذي يأتي امرأته في دبرها ؟ فقال حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تلك اللوطية الصغرى وقال أحمد في " مسنده " : حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا همام أخبرنا عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فذكره .

        وفي " المسند " أيضا : عن ابن عباس أنزلت هذه الآية نساؤكم حرث لكم في أناس من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه فقال ائتها على كل حال إذا كان في الفرج

        وفي " المسند " أيضا : عن ابن عباس قال جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هلكت فقال وما الذي أهلكك ؟ " قال حولت رحلي البارحة قال فلم يرد عليه شيئا فأوحى الله إلى رسوله نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم أقبل وأدبر واتق الحيضة والدبر

        وفي الترمذي عن ابن عباس مرفوعا : لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في الدبر

        وروينا من حديث أبي علي الحسن بن الحسين بن دوما عن البراء بن عازب يرفعه كفر بالله العظيم عشرة من هذه الأمة : القاتل والساحر والديوث وناكح المرأة في دبرها ومانع الزكاة ومن وجد سعة فمات ولم يحج وشارب الخمر والساعي في الفتن وبائع السلاح من أهل الحرب ومن نكح ذات محرم منه

        وقال عبد الله بن وهب : حدثنا عبد الله بن لهيعة عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ملعون من يأتي النساء في محاشهن يعني : أدبارهن " .

        وفي " مسند الحارث بن أبي أسامة " من حديث أبي هريرة وابن عباس قالا : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته وهي آخر خطبة خطبها بالمدينة حتى لحق بالله عز وجل وعظنا فيها وقال " من نكح امرأة في دبرها أو رجلا أو صبيا حشر يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة يتأذى به الناس حتى يدخل النار وأحبط الله أجره ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا ويدخل في تابوت من نار ويشد عليه مسامير من نار

        قال أبو هريرة : هذا لمن لم يتب .

        وذكر أبو نعيم الأصبهاني من حديث خزيمة بن ثابت يرفعه إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن

        وقال الشافعي : أخبرني عمي محمد بن علي بن شافع . قال أخبرني عبد الله بن علي بن السائب عن عمرو بن أحيحة بن الجلاح عن خزيمة بن ثابت أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن فقال حلال " فلما ولى دعاه فقال " كيف قلت في أي الخربتين أو في أي الخرزتين أو في أي الخصفتين أمن دبرها في قبلها ؟ فنعم أم من دبرها في دبرها فلا إن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن

        قال الربيع فقيل للشافعي فما تقول ؟ فقال عمي ثقة وعبد الله بن علي ثقة وقد أثنى على الأنصاري خيرا يعني عمرو بن الجلاح وخزيمة ممن لا يشك في ثقته فلست أرخص فيه بل أنهى عنه .

        قلت : ومن هاهنا نشأ الغلط على من نقل عنه الإباحة من السلف والأئمة فإنهم أباحوا أن يكون الدبر طريقا إلى الوطء في الفرج فيطأ من الدبر لا في الدبر فاشتبه على السامع " من " ب " في " ولم يظن بينهما فرقا فهذا الذي أباحه السلف والأئمة فغلط عليهم الغالط أقبح الغلط وأفحشه .

        وقد قال تعالى : فأتوهن من حيث أمركم الله قال مجاهد : سألت ابن عباس عن قوله تعالى : فأتوهن من حيث أمركم الله فقال تأتيها من حيث أمرت أن تعتزلها يعني في الحيض . وقال علي بن أبي طلحة عنه يقول في الفرج ولا تعده إلى غيره .

        وقد دلت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين أحدهما : أنه أباح إتيانها في الحرث وهو موضع الولد لا في الحش الذي هو موضع الأذى وموضع الحرث هو المراد من قوله من حيث أمركم الله الآية قال فأتوا حرثكم أنى شئتم وإتيانها في قبلها من دبرها مستفاد من الآية أيضا لأنه قال أنى شئتم أي من أين شئتم من أمام أو من خلف . قال ابن عباس :
        فأتوا حرثكم يعني : الفرج

        [ مفاسد إتيان الدبر ]

        واذا كان الله حرم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض فما الظن بالحش الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل والذريعة القريبة جدا من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان .

        وأيضا : فللمرأة حق على الزوج في الوطء ووطؤها في دبرها يفوت حقها ولا يقضي وطرها ولا يحصل مقصودها . وأيضا : فإن الدبر لم يتهيأ لهذا العمل ولم يخلق له وإنما الذي هيئ له الفرج فالعادلون عنه إلى الدبر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعا . وأيضا : فإن ذلك مضر بالرجل ولهذا ينهى عنه عقلاء الأطباء من الفلاسفة وغيرهم لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن وراحة الرجل منه والوطء في الدبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء ولا يخرج كل المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعي .

        وأيضا : يضر من وجه آخر وهو إحواجه إلى حركات متعبة جدا لمخالفته للطبيعة . وأيضا فإنه محل القذر والنجو فيستقبله الرجل بوجهه ويلابسه .

        وأيضا : فإنه يضر بالمرأة جدا لأنه وارد غريب بعيد عن الطباع منافر لها غاية المنافرة .

        وأيضا : فإنه يحدث الهم والغم والنفرة عن الفاعل والمفعول .

        وأيضا : فإنه يسود الوجه ويظلم الصدر ويطمس نور القلب ويكسو الوجه وحشة تصير عليه كالسيماء يعرفها من له أدنى فراسة .

        وأيضا : فإنه يوجب النفرة والتباغض الشديد والتقاطع بين الفاعل والمفعول ولا بد . وأيضا فإنه يفسد حال الفاعل والمفعول فسادا لا يكاد يرجى بعده صلاح إلا أن يشاء الله بالتوبة النصوح .

        وأيضا : فإنه يذهب بالمحاسن منهما ويكسوهما ضدها كما يذهب بالمودة بينهما ويبدلهما بها تباغضا وتلاعنا .

        وأيضا : فإنه من أكبر أسباب زوال النعم وحلول النقم فإنه يوجب اللعنة والمقت من الله وإعراضه عن فاعله وعدم نظره إليه فأي خير يرجوه بعد هذا وأي شر يأمنه وكيف حياة عبد قد حلت عليه لعنة الله ومقته وأعرض عنه بوجهه ولم ينظر إليه .

        وأيضا : فإنه يذهب بالحياء جملة والحياء هو حياة القلوب فإذا فقدها القلب استحسن القبيح واستقبح الحسن وحينئذ فقد استحكم فساده .

        وأيضا : فإنه يحيل الطباع عما ركبها الله ويخرج الإنسان عن طبعه إلى طبع لم يركب الله عليه شيئا من الحيوان بل هو طبع منكوس وإذا نكس الطبع انتكس القلب والعمل والهدى فيستطيب حينئذ الخبيث من الأعمال والهيئات ويفسد حاله وعمله وكلامه بغير اختياره . وأيضا : فإنه يورث من الوقاحة والجرأة ما لا يورثه سواه .

        وأيضا : فإنه يورث من المهانة والسفال والحقارة ما لا يورثه غيره .

        وأيضا : فإنه يكسو العبد من حلة المقت والبغضاء وازدراء الناس له واحتقارهم إياه واستصغارهم له ما هو مشاهد بالحس فصلاة الله وسلامه على من سعادة الدنيا والآخرة في هديه واتباع ما جاء به وهلاك الدنيا والآخرة في مخالفة هديه وما جاء به .

        فصل [ أنواع الجماع الضار ]
        والجماع الضار نوعان ضار شرعا وضار طبعا . فالضار شرعا : المحرم وهو مراتب بعضها أشد من بعض . والتحريم العارض منه أخف من اللازم كتحريم الإحرام والصيام والاعتكاف وتحريم المظاهر منها قبل التكفير وتحريم وطء الحائض ونحو ذلك ولهذا لا حد في هذا الجماع .

        وأما اللازم فنوعان . نوع لا سبيل إلى حله ألبتة كذوات المحارم فهذا من أضر الجماع وهو يوجب القتل حدا عند طائفة من العلماء كأحمد بن حنبل رحمه الله وغيره وفيه حديث مرفوع ثابت .

        والثاني : ما يمكن أن يكون حلالا كالأجنبية فإن كانت ذات زوج ففي وطئها حقان . حق لله وحق للزوج . فإن كانت مكرهة ففيه ثلاثة حقوق وإن كان لها أهل وأقارب يلحقهم العار بذلك صار فيه أربعة حقوق فإن كانت ذات محرم منه صار فيه خمسة حقوق . فمضرة هذا النوع بحسب درجاته في التحريم .

        وأما الضار طبعا فنوعان أيضا : نوع ضار بكيفيته كما تقدم ونوع ضار بكميته كالإكثار منه فإنه يسقط القوة ويضر بالعصب ويحدث الرعشة والفالج والتشنج ويضعف البصر وسائر القوى ويطفئ الحرارة الغريزية ويوسع المجاري ويجعلها مستعدة للفضلات المؤذية .

        [أنفع أوقاته ]

        وأنفع أوقاته ما كان بعد انهضام الغذاء في المعدة وفي زمان معتدل لا على جوع فإنه يضعف الحار الغريزي ولا على شبع فإنه يوجب أمراضا شديدة ولا على تعب ولا إثر حمام ولا استفراغ ولا انفعال نفساني كالغم والهم والحزن وشدة الفرح . وأجود أوقاته بعد هزيع من الليل إذا صادف انهضام الطعام ثم يغتسل أو يتوضأ وينام عليه وينام عقبه فتراجع إليه قواه وليحذر الحركة والرياضة عقبه فإنها مضرة جدا .



        فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج العشق
        هذا مرض من أمراض القلب مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه وإذا تمكن واستحكم عز على الأطباء دواؤه وأعيا العليل داؤه وإنما حكاه الله سبحانه في كتابه عن طائفتين من الناس من النساء وعشاق الصبيان المردان فحكاه عن امرأة العزيز في شأن يوسف وحكاه عن قوم لوط فقال تعالى إخبارا عنهم لما جاءت الملائكة لوطا : وجاء أهل المدينة يستبشرون قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تخزون قالوا أولم ننهك عن العالمين قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون [ الحجر : 68 :73 ] .

        [ سبب طلاق زيد لزينب ]

        وأما ما زعمه بعض من لم يقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم حق قدره أنه ابتلي به في شأن زينب بنت جحش وأنه رآها فقال سبحان مقلب القلوب وأخذت بقلبه وجعل يقول لزيد بن حارثة : أمسكها حتى أنزل الله عليه وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه [ الأحزاب 37 ] فظن هذا الزاعم أن ذلك في شأن العشق

        وصنف بعضهم كتابا في العشق وذكر فيه عشق الأنبياء وذكر هذه الواقعة وهذا من جهل هذا القائل بالقرآن وبالرسل وتحميله كلام الله ما لا يحتمله ونسبته رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما برأه الله منه فإن زينب بنت جحش كانت تحت زيد بن حارثة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تبناه وكان يدعى زيد بن محمد وكانت زينب فيها شمم وترفع عليه فشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلاقها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عليك زوجك واتق الله وأخفى في نفسه أن يتزوجها إن طلقها زيد وكان يخشى من قالة الناس أنه تزوج امرأة ابنه لأن زيدا كان يدعى ابنه فهذا هو الذي أخفاه في نفسه وهذه هي الخشية من الناس التي وقعت له ولهذا ذكر سبحانه هذه الآية يعدد فيها نعمه عليه لا يعاتبه فيها وأعلمه أنه لا ينبغي له أن يخشى الناس فيما أحل الله له وأن الله أحق أن يخشاه فلا يتحرج ما أحله له لأجل قول الناس ثم أخبره أنه سبحانه زوجه إياها بعد قضاء زيد وطره منها لتقتدي أمته به في ذلك ويتزوج الرجل بامرأة ابنه من التبني لا امرأة ابنه لصلبه ولهذا قال في آية التحريم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم [ النساء 23 ]

        وقال في هذه السورة ما كان محمد أبا أحد من رجالكم [ الأحزاب 40 ] وقال في أولها : وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم [ الأحزاب 4 ] فتأمل هذا الذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفع طعن الطاعنين عنه وبالله التوفيق .

        نعم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب نساءه وكان أحبهن إليه عائشة رضي الله عنها ولم تكن تبلغ محبته لها ولا لأحد سوى ربه نهاية الحب بل صح أنه قال لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا وفي لفظ وإن صاحبكم خليل الرحمن

        فصل [ الإخلاص سبب لدفع العشق]

        وعشق الصور إنما تبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله تعالى المعرضة عنه المتعوضة بغيره عنه فإذا امتلأ القلب من محبة الله والشوق إلى لقائه دفع ذلك عنه مرض عشق الصور ولهذا قال تعالى في حق يوسف كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين [ يوسف 24 ] فدل على أن الإخلاص سبب لدفع العشق وما يترتب عليه من السوء والفحشاء التي هي ثمرته ونتيجته فصرف المسبب صرف لسببه ولهذا قال بعض السلف العشق حركة قلب فارغ يعني فارغا مما سوى معشوقه .

        قال تعالى : وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به [ القصص 11 ] أي فارغا من كل شيء إلا من موسى لفرط محبتها له وتعلق قلبها به .

        [ علة العشق ]

        والعشق مركب من أمرين استحسان للمعشوق وطمع في الوصول إليه فمتى انتفى أحدهما انتفى العشق وقد أعيت علة العشق على كثير من العقلاء وتكلم فيها بعضهم بكلام يرغب عن ذكره إلى الصواب . فنقول قد استقرت حكمة الله - عز وجل - في خلقه وأمره على وقوع التناسب والتآلف بين الأشباه وانجذاب الشيء إلى موافقه ومجانسه بالطبع وهروبه من مخالفه ونفرته عنه بالطبع فسر التمازج والاتصال في العالم العلوي والسفلي إنما هو التناسب والتشاكل والتوافق وسر التباين والانفصال إنما هو بعدم التشاكل والتناسب وعلى ذلك قام الخلق والأمر فالمثل إلى مثله مائل وإليه صائر والضد عن ضده هارب وعنه نافر وقد قال تعالى : هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها [ الأعراف 189 ] فجعل سبحانه علة سكون الرجل إلى امرأته كونها من جنسه وجوهره فعلة السكون المذكور - وهو الحب - كونها منه فدل على أن العلة ليست بحسن الصورة ولا الموافقة في القصد والإرادة ولا في الخلق والهدي وإن كانت هذه أيضا من أسباب السكون والمحبة .

        وقد ثبت في " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وفي " مسند الإمام أحمد " وغيره في سبب هذا الحديث أن امرأة بمكة كانت تضحك الناس فجاءت إلى المدينة فنزلت على امرأة تضحك الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم الأرواح جنود مجندة الحديث .

        وقد استقرت شريعته سبحانه أن حكم الشيء حكم مثله فلا تفرق شريعته بين متماثلين أبدا ولا تجمع بين متضادين ومن ظن خلاف ذلك فإما لقلة علمه بالشريعة وإما لتقصيره في معرفة التماثل والاختلاف وإما لنسبته إلى شريعته ما لم ينزل به سلطانا بل يكون من آراء الرجال فبحكمته وعدله ظهر خلقه وشرعه وبالعدل والميزان قام الخلق والشرع وهو التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين .

        وهذا كما أنه ثابت في الدنيا فهو كذلك يوم القيامة . فال تعالى : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم [ الصافات 22 ] .

        قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبعده الإمام أحمد رحمه الله أزواجهم أشباههم ونظراؤهم

        وقال تعالى : وإذا النفوس زوجت [ التكوير 7 ] أي قرن كل صاحب عمل بشكله ونظيره فقرن بين المتحابين في الله في الجنة وقرن بين المتحابين في طاعة الشيطان في الجحيم فالمرء مع من أحب شاء أو أبى وفي " مستدرك الحاكم " وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحب المرء قوما إلا حشر معهم

        [ أنواع المحبة ]

        والمحبة أنواع متعددة فأفضلها وأجلها : المحبة في الله ولله وهي تستلزم محبة ما أحب الله وتستلزم محبة الله ورسوله .

        ومنها محبة الاتفاق في طريقة أو دين أو مذهب أو نحلة أو قرابة أو صناعة أو مراد ما .

        ومنها : محبة لنيل غرض من المحبوب إما من جاهه أو من ماله أو من تعليمه وإرشاده أو قضاء وطر منه وهذه هي المحبة العرضية التي تزول بزوال موجبها فإن من ودك لأمر ولى عنك عند انقضائه .

        وأما محبة المشاكلة والمناسبة التي بين المحب والمحبوب فمحبة لازمة لا تزول إلا لعارض يزيلها ومحبة العشق من هذا النوع فإنها استحسان روحاني وامتزاج نفساني ولا يعرض في شيء من أنواع المحبة من الوسواس والنحول وشغل البال والتلف ما يعرض من العشق .

        [ سبب كون العشق أحيانا من طرف واحد ]

        فإن قيل فإذا كان سبب العشق ما ذكرتم من الاتصال والتناسب الروحاني فما باله لا يكون دائما من الطرفين بل تجده كثيرا من طرف العاشق وحده فلو كان سببه الاتصال النفسي والامتزاج الروحاني لكانت المحبة مشتركة بينهما .

        فالجواب أن السبب قد يتخلف عنه مسببه لفوات شرط أو لوجود مانع وتخلف المحبة من الجانب الآخر لا بد أن يكون لأحد ثلاثة أسباب

        الأول علة في المحبة وأنها محبة عرضية لا ذاتية ولا يجب الاشتراك في المحبة العرضية بل قد يلزمها نفرة من المحبوب .

        الثاني : مانع يقوم بالمحب يمنع محبة محبوبه له إما في خلقه أو في خلقه أو هديه أو فعله أو هيئته أو غير ذلك .

        الثالث مانع يقوم بالمحبوب يمنع مشاركته للمحب في محبته ولولا ذلك المانع لقام به من المحبة لمحبه مثل ما قام بالآخر فإذا انتفت هذه الموانع وكانت المحبة ذاتية فلا يكون قط إلا من الجانبين ولولا مانع الكبر والحسد والرياسة والمعاداة في الكفار لكانت الرسل أحب إليهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم ولما زال هذا المانع من قلوب أتباعهم كانت محبتهم لهم فوق محبة الأنفس والأهل والمال .

        فصل [ علاج العشق بالزواج بالمعشوق ]

        والمقصود أن العشق لما كان مرضا من الأمراض كان قابلا للعلاج وله أنواع من العلاج فإن كان مما للعاشق سبيل إلى وصل محبوبه شرعا وقدرا فهو علاجه كما ثبت في " الصحيحين " . من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء

        فدل المحب على علاجين أصلي وبدلي . وأمره بالأصلي وهو العلاج الذي وضع لهذا الداء فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره ما وجد إليه سبيلا . وروى ابن ماجه في " سننه " عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لم نر للمتحابين مثل النكاح

        وهذا هو المعنى الذي أشار إليه سبحانه عقيب إحلال النساء حرائرهن وإمائهن عند الحاجة بقوله يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا [ النساء 28 ] . فذكر تخفيفه في هذا الموضع وإخباره عن ضعف الإنسان يدل على ضعفه عن احتمال هذه الشهوة وأنه - سبحانه - خفف عنه أمرها بما أباحه له من أطايب النساء مثنى وثلاث ورباع وأباح له ما شاء مما ملكت يمينه ثم أباح له أن يتزوج بالإماء إن احتاج إلى ذلك علاجا لهذه الشهوة وتخفيفا عن هذا الخلق الضعيف ورحمة به .

        فصل [ ومن علاج العشق إشعار النفس اليأس منه إن كان الوصال

        متعذرا قدرا وشرعا ]

        وإن كان لا سبيل للعاشق إلى وصال معشوقه قدرا أو شرعا أو هو ممتنع عليه من الجهتين وهو الداء العضال فمن علاجه إشعار نفسه اليأس منه فإن النفس متى يئست من الشيء استراحت منه ولم تلتفت إليه فإن لم يزل مرض العشق مع اليأس فقد انحرف الطبع انحرافا شديدا فينتقل إلى علاج آخر وهو علاج عقله بأن يعلم بأن تعلق القلب بما لا مطمع في حصوله نوع من الجنون وصاحبه بمنزلة من يعشق الشمس وروحه متعلقة بالصعود إليها والدوران معها في فلكها وهذا معدود عند جميع العقلاء في زمرة المجانين .

        [ إن كان الوصال متعذرا شرعا فعلاجه إنزاله منزلة المتعذر قدرا وذكر علاجات أخرى ]

        وإن كان الوصال متعذرا شرعا لا قدرا فعلاجه بأن ينزله منزلة المتعذر قدرا إذ ما لم يأذن فيه الله فعلاج العبد ونجاته موقوف على اجتنابه فليشعر نفسه أنه معدوم ممتنع لا سبيل له إليه وأنه بمنزلة سائر المحالات فإن لم تجبه النفس الأمارة فليتركه لأحد أمرين إما خشية وإما فوات محبوب هو أحب إليه وأنفع له وخير له منه وأدوم لذة وسرورا فإن العاقل متى وازن بين نيل محبوب سريع الزوال بفوات محبوب أعظم منه وأدوم وأنفع وألذ أو بالعكس ظهر له التفاوت فلا تبع لذة الأبد التي لا خطر لها بلذة ساعة تنقلب آلاما وحقيقتها أنها أحلام نائم أو خيال لا ثبات له فتذهب اللذة وتبقى التبعة وتزول الشهوة وتبقى الشقوة .

        الثاني : حصول مكروه أشق عليه من فوات هذا المحبوب بل يجتمع له الأمران أعني : فوات ما هو أحب إليه من هذا المحبوب وحصول ما هو أكره إليه من فوات هذا المحبوب فإذا تيقن أن في إعطاء النفس حظها من هذا المحبوب هذين الأمرين هان عليه تركه ورأى أن صبره على قوته أسهل من صبره عليهما بكثير فعقله ودينه ومروءته وإنسانيته تأمره باحتمال الضرر اليسير الذي ينقلب سريعا لذة وسرورا وفرحا لدفع هذين الضررين العظيمين . وجهله وهواه وظلمه وطيشه وخفته يأمره بإيثار هذا المحبوب العاجل بما فيه جالبا عليه ما جلب والمعصوم من عصمه الله .

        فإن لم تقبل نفسه هذا الدواء ولم تطاوعه لهذه المعالجة فلينظر ما تجلب عليه هذه الشهوة من مفاسد عاجلته وما تمنعه من مصالحها فإنها أجلب شيء لمفاسد الدنيا وأعظم شيء تعطيلا لمصالحها فإنها تحول بين العبد وبين رشده الذي هو ملاك أمره وقوام مصالحه .

        فإن لم تقبل نفسه هذا الدواء فليتذكر قبائح المحبوب وما يدعوه إلى النفرة عنه فإنه إن طلبها وتأملها وجدها أضعاف محاسنه التي تدعو إلى حبه وليسأل جيرانه عما خفي عليه منها فإنها المحاسن كما هي داعية الحب والإرادة فالمساوئ داعية البغض والنفرة فليوازن بين الداعيين وليحب أسبقهما وأقربهما منها بابا ولا يكن ممن غره لون جمال على جسم أبرص مجذوم وليجاوز بصره حسن الصورة إلى قبح الفعل وليعبر من حسن المنظر والجسم إلى قبح المخبر والقلب .

        فإن عجزت عنه هذه الأدوية كلها لم يبق له إلا صدق اللجأ إلى من يجيب المضطر إذا دعاه وليطرح نفسه بين يديه على بابه مستغيثا به متضرعا متذللا مستكينا فمتى وفق لذلك فقد قرع باب التوفيق فليعف وليكتم ولا يشبب بذكر المحبوب ولا يفضحه بين الناس ويعرضه للأذى فإنه يكون ظالما معتديا .

        [ بطلان حديث " من عشق فعف ... " ]
        ولا يغتر بالحديث الموضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه سويد بن سعيد عن علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم .

        ورواه عن أبي مسهر أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه الزبير بن بكار عن عبد الملك بن عبد 253 - العزيز بن الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من عشق فعف فمات فهو شهيد وفي رواية من عشق وكتم وعف وصبر غفر الله له وأدخله الجنة

        فإن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن يكون من كلامه فإن الشهادة درجة عالية عند الله مقرونة بدرجة الصديقية ولها أعمال وأحوال هي شرط في حصولها وهي نوعان عامة وخاصة فالخاصة الشهادة في سبيل الله .

        والعامة خمس مذكورة في " الصحيح " ليس العشق واحدا منها . وكيف يكون العشق الذي هو شرك في المحبة وفراغ القلب عن الله وتمليك القلب والروح والحب لغيره تنال به درجة الشهادة هذا من المحال فإن إفساد عشق الصور للقلب فوق كل إفساد بل هو خمر الروح الذي يسكرها ويصدها عن ذكر الله وحبه والتلذذ بمناجاته والأنس به ويوجب عبودية القلب لغيره فإن قلب العاشق متعبد لمعشوقه بل العشق لب العبودية فإنها كمال الذل والحب والخضوع والتعظيم فكيف يكون تعبد القلب لغير الله مما تنال به درجة أفاضل الموحدين وساداتهم وخواص الأولياء فلو كان إسناد هذا الحديث كالشمس كان غلطا ووهما ولا يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظ العشق في حديث صحيح ألبتة .

        ثم إن العشق منه حلال ومنه حرام فكيف يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه يحكم على كل عاشق يكتم ويعف بأنه شهيد فترى من يعشق امرأة غيره أو يعشق المردان والبغايا ينال بعشقه درجة الشهداء وهل هذا إلا خلاف المعلوم من دينه صلى الله عليه وسلم بالضرورة ؟ كيف والعشق مرض من الأمراض التي جعل الله سبحانه لها الأدوية شرعا وقدرا والتداوي منه إما واجب إن كان عشقا حراما وإما مستحب .

        وأنت إذا تأملت الأمراض والآفات التي حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابها بالشهادة وجدتها من الأمراض التي لا علاج لها كالمطعون والمبطون والمجنوب والغريق وموت المرأة يقتلها ولدها في بطنها فإن هذه بلايا من الله لا صنع للعبد فيها ولا علاج لها وليست أسبابها محرمة ولا يترتب عليها من فساد القلب وتعبده لغير الله ما يترتب على العشق فإن لم يكف هذا في إبطال نسبة هذا الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلد أئمة الحديث العالمين به وبعلله فإنه لا يحفظ عن إمام واحد منهم قط أنه شهد له بصحة بل ولا بحسن كيف وقد أنكروا على سويد هذا الحديث ورموه لأجله بالعظائم واستحل بعضهم غزوه لأجله .

        قال أبو أحمد بن عدي في " كامله " : هذا الحديث أحد ما أنكر على سويد وكذلك قال البيهقي : إنه مما أنكر عليه وكذلك قال ابن طاهر في " الذخيرة " وذكره الحاكم في " تاريخ نيسابور " وقال أنا أتعجب من هذا الحديث فإنه لم يحدث به عن غير سويد وهو ثقة وذكره أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب " الموضوعات " وكان أبو بكر الأزرق يرفعه أولا عن سويد فعوتب فيه فأسقط النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا يجاوز به ابن عباس رضي الله عنهما .

        ومن المصائب التي لا تحتمل جعل هذا الحديث من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم . ومن له أدنى إلمام بالحديث وعلله لا يحتمل هذا ألبتة ولا يحتمل أن يكون من حديث الماجشون عن ابن أبي حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا وفي صحته موقوفا على ابن عباس نظر وقد رمى الناس سويد بن سعيد راوي هذا الحديث بالعظائم وأنكره عليه يحيى بن معين وقال هو ساقط كذاب لو كان لي فرس ورمح كنت أغزوه وقال الإمام أحمد : متروك الحديث وقال النسائي : ليس بثقة وقال البخاري : كان قد عمي فيلقن ما ليس من حديثه وقال ابن حبان : يأتي بالمعضلات عن الثقات يجب مجانبة ما روى . انتهى .

        وأحسن ما قيل فيه قول أبي حاتم الرازي : إنه صدوق كثير التدليس ثم قول الدارقطني : هو ثقة غير أنه لما كبر كان ربما قرئ عليه حديث فيه بعض النكارة فيجيزه انتهى .

        وعيب على مسلم إخراج حديثه وهذه حاله ولكن مسلم روى من حديثه ما تابعه عليه غيره ولم ينفرد به ولم يكن منكرا ولا شاذا بخلاف هذا الحديث والله أعلم .

        فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحة بالطيب
        لما كانت الرائحة الطيبة غذاء الروح والروح مطية القوى والقوى تزداد بالطيب وهو ينفع الدماغ والقلب وسائر الأعضاء الباطنية ويفرح القلب ويسر النفس ويبسط الروح وهو أصدق شيء للروح وأشده ملاءمة لها وبينه وبين الروح الطيبة نسبة قريبة . كان أحد المحبوبين من الدنيا إلى أطيب الطيبين صلوات الله عليه وسلامه .

        وفي " صحيح البخاري " أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرد الطيب

        وفي " صحيح مسلم " عنه صلى الله عليه وسلم من عرض عليه ريحان فلا يرده . فإنه طيب الريح خفيف المحمل

        وفي " سنن أبي داود " والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم من عرض عليه طيب فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة

        وفي " مسند البزار " : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله طيب يحب الطيب نظيف يحب النظافة كريم يحب الكرم جواد يحب الجود فنظفوا أفناءكم وساحاتكم ولا تشبهوا باليهود يجمعون الأكب في دورهم الأكب الزبالة .

        وذكر ابن أبي شيبة أنه صلى الله عليه وسلم كان له سكة يتطيب منها

        وصح عنه أنه قال إن لله حقا على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام وإن كان له طيب أن يمس منه

        وفي الطيب من الخاصية أن الملائكة تحبه والشياطين تنفر عنه وأحب شيء إلى الشياطين الرائحة المنتنة الكريهة فالأرواح الطيبة تحب الرائحة الطيبة والأرواح الخبيثة تحب الرائحة الخبيثة وكل روح تميل إلى ما يناسبها فالخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات وهذا وإن كان في النساء والرجال فإنه يتناول الأعمال والأقوال والمطاعم والمشارب والملابس والروائح إما بعموم لفظه أو بعموم معناه .



        فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ صحة العين
        [ حفظ صحة العين بالاكتحال ]

        روى أبو داود في " سننه " عن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة الأنصاري عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالإثمد المروح عند النوم وقال ليتقه الصائم قال أبو عبيد : المروح المطيب بالمسك .

        وفي " سنن ابن ماجه " وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كانت للنبي صلى الله عليه وسلم مكحلة يكتحل منها ثلاثا في كل عين وفي الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اكتحل يجعل في اليمنى ثلاثا يبتدئ بها ويختم بها وفي اليسرى ثنتين

        وقد روى أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم من اكتحل فليوتر فهل الوتر بالنسبة إلى العينين كلتيهما فيكون في هذه ثلاث وفي هذه ثنتان واليمنى أولى بالابتداء والتفضيل أو هو بالنسبة إلى كل عين فيكون في هذه ثلاث وفي هذه ثلاث وهما قولان في مذهب أحمد وغيره .

        [ فوائد الكحل للعين ]

        وفي الكحل حفظ لصحة العين وتقوية للنور الباصر وجلاء لها وتلطيف للمادة الرديئة واستخراج لها مع الزينة في بعض أنواعه وله عند النوم مزيد فضل لاشتمالها على الكحل وسكونها عقيبه عن الحركة المضرة بها وخدمة الطبيعة لها وللإثمد من ذلك خاصية .

        وفي " سنن ابن ماجه " عن سالم عن أبيه يرفعه عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر

        وفي " كتاب أبي نعيم " : فإنه منبتة للشعر مذهبة للقذى مصفاة للبصر

        وفي " سنن ابن ماجه " أيضا : عن ابن عباس - رضي الله عنهما - يرفعه خير أكحالكم الإثمد يجلو البصر وينبت الشعر



        فصل في ذكر شيء من الأدوية والأغذية المفردة التي جاءت على لسانه صلى الله عليه وسلم مرتبة على حروف المعجم
        حرف الهمزة
        إثمد
        هو حجر الكحل الأسود يؤتى به من أصبهان وهو أفضله ويؤتى به من جهة المغرب أيضا وأجوده السريع التفتيت الذي لفتاته بصيص وداخله أملس ليس فيه شيء من الأوساخ .

        ومزاجه بارد يابس ينفع العين ويقويها ويشد أعصابها ويحفظ صحتها ويذهب اللحم الزائد في القروح ويدملها وينقي أوساخها ويجلوها ويذهب الصداع إذا اكتحل به مع العسل المائي الرقيق وإذا دق وخلط ببعض الشحوم الطرية ولطخ على حرق النار لم تعرض فيه خشكريشة ونفع من التنفط الحادث بسببه وهو أجود أكحال العين لا سيما للمشايخ والذين قد ضعفت أبصارهم إذا جعل معه شيء من المسك .

        أترج
        ثبت في " الصحيح " : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب

        في الأترج منافع كثيرة وهو مركب من أربعة أشياء قشر ولحم وحمض وبزر ولكل واحد منها مزاج يخصه فقشره حار يابس ولحمه حار رطب وحمضه بارد يابس وبزره حار يابس .

        [ منافع قشر الأترج ]

        ومن منافع قشره أنه إذا جعل في الثياب منع السوس ورائحته تصلح فساد الهواء والوباء ويطيب النكهة إذا أمسكه في الفم ويحلل الرياح وإذا جعل في الطعام كالأبازير أعان على الهضم . قال صاحب " القانون " : وعصارة قشره تنفع من نهش الأفاعي شربا وقشره ضمادا وحراقة قشره طلاء جيد للبرص . انتهى .

        [ منافع لحم الأترج ]

        وأما لحمه فملطف لحرارة المعدة نافع لأصحاب المرة الصفراء قامع للبخارات الحارة . وقال الغافقي : أكل لحمه ينفع البواسير . انتهى .

        [ منافع حمض الأترج ]

        وأما حمضه فقابض كاسر للصفراء ومسكن للخفقان الحار نافع من اليرقان شربا واكتحالا قاطع للقيء الصفراوي مشه للطعام عاقل للطبيعة نافع من الإسهال الصفراوي وعصارة حمضه يسكن غلمة النساء وينفع طلاء من الكلف ويذهب بالقوباء ويستدل على ذلك من فعله في الحبر إذا وقع في الثياب قلعه وله قوة تلطف وتقطع وتبرد وتطفئ حرارة الكبد وتقوي المعدة وتمنع حدة المرة الصفراء وتزيل الغم العارض منها وتسكن العطش .

        [ منافع بزر الأترج ]

        وأما بزره فله قوة محللة مجففة . وقال ابن ماسويه : خاصية حبه النفع من السموم القاتلة إذا شرب منه وزن مثقال مقشرا بماء فاتر وطلاء مطبوخ . وإن دق ووضع على موضع اللسعة نفع وهو ملين للطبيعة مطيب للنكهة وأكثر هذا الفعل موجود في قشره وقال غيره خاصية حبه النفع من لسعات العقارب إذا شرب منه وزن مثقالين مقشرا بماء فاتر وكذلك إذا دق ووضع على موضع اللدغة . وقال غيره حبه يصلح للسموم كلها وهو نافع من لدغ الهوام كلها .

        [ قصة عن الأترج ]

        وذكر أن بعض الأكاسرة غضب على قوم من الأطباء فأمر بحبسهم وخيرهم أدما لا يزيد لهم عليه فاختاروا الأترج فقيل لهم لم اخترتموه على غيره ؟ فقالوا : لأنه في العاجل ريحان ومنظره مفرح وقشره طيب الرائحة ولحمه فاكهة وحمضه أدم وحبه ترياق وفيه دهن .

        [ تشبيه المؤمن بالأترج ]

        وحقيق بشيء هذه منافعه أن يشبه به خلاصة الوجود وهو المؤمن الذي يقرأ القرآن وكان بعض السلف يحب النظر إليه لما في منظره من التفريح .

        أرز
        فيه حديثان باطلان موضوعان على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما : أنه لو كان رجلا لكان حليما الثاني : كل شيء أخرجته الأرض ففيه داء وشفاء إلا الأرز فإنه شفاء لا داء فيه ذكرناهما تنبيها وتحذيرا من نسبتهما إليه صلى الله عليه وسلم .

        وبعد فهو حار يابس وهو أغذى الحبوب بعد الحنطة وأحمدها خلطا يشد البطن شدا يسيرا ويقوي المعدة ويدبغها ويمكث فيها . وأطباء الهند تزعم أنه أحمد الأغذية وأنفعها إذا طبخ بألبان البقر وله تأثير في خصب البدن وزيادة المني وكثرة التغذية وتصفية اللون .

        أرز
        بفتح الهمزة وسكون الراء وهو الصنوبر ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في قوله مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح تقيمها مرة وتميلها أخرى ومثل المنافق مثل الأرزة لا تزال قائمة على أصلها حتى يكون انجعافها مرة واحدة وحبه حار رطب وفيه إنضاج وتليين وتحليل ولذع يذهب بنقعه في الماء وهو عسر الهضم وفيه تغذية كثيرة وهو جيد للسعال ولتنقية رطوبات الرئة ويزيد في المني ويولد مغصا وترياقه حب الرمان المز .

        إذخر
        ثبت في " الصحيح " عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في مكة : لا يختلى خلاها " فقال له العباس رضي الله عنه إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال " إلا الإذخر

        والإذخر حار في الثانية يابس في الأولى لطيف مفتح للسدد وأفواه العروق يدر البول والطمث ويفتت الحصى ويحلل الأورام الصلبة في المعدة والكبد والكليتين شربا وضمادا وأصله يقوي عمود الأسنان والمعدة ويسكن الغثيان ويعقل البطن .


        حرف الباء
        بطيخ
        روى أبو داود والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأكل البطيخ بالرطب يقول نكسر حر هذا ببرد هذا وبرد هذا بحر هذا

        وفي البطيخ عدة أحاديث لا يصح منها شيء غير هذا الحديث الواحد والمراد به الأخضر وهو بارد رطب وفيه جلاء وهو أسرع انحدارا عن المعدة من القثاء والخيار وهو سريع الاستحالة إلى أي خلط كان صادفه في المعدة وإذا كان آكله محرورا انتفع به جدا وإن كان مبرودا دفع ضرره بيسير من الزنجبيل ونحوه وينبغي أكله قبل الطعام ويتبع به وإلا غثى وقيئ وقال بعض الأطباء إنه قبل الطعام يغسل البطن غسلا ويذهب بالداء أصلا .

        بلح
        روى النسائي وابن ماجه في " سننهما " : من هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلوا البلح بالتمر فإن الشيطان إذا نظر إلى ابن آدم يأكل البلح بالتمر يقول بقي ابن آدم حتى أكل الحديث بالعتيق . وفي رواية كلوا البلح بالتمر فإن الشيطان يحزن إذا رأى ابن آدم يأكله يقول عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق رواه البزار في " مسنده " وهذا لفظه .

        قلت : الباء في الحديث بمعنى : مع أي كلوا هذا مع هذا قال بعض أطباء الإسلام إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأكل البلح بالتمر ولم يأمر بأكل البسر مع التمر لأن البلح بارد يابس والتمر حار رطب ففي كل منهما إصلاح للآخر وليس كذلك البسر مع التمر فإن كل واحد منهما حار وإن كانت حرارة التمر أكثر ولا ينبغي من جهة الطب الجمع بين حارين أو باردين كما تقدم .

        وفي هذا الحديث التنبيه على صحة أصل صناعة الطب ومراعاة التدبير الذي يصلح في دفع كيفيات الأغذية والأدوية بعضها ببعض ومراعاة القانون الطبي الذي تحفظ به الصحة .

        وفي البلح برودة ويبوسة وهو ينفع الفم واللثة والمعدة وهو رديء للصدر والرئة بالخشونة التي فيه بطيء في المعدة يسير التغذية وهو للنخلة كالحصرم لشجرة العنب وهما جميعا يولدان رياحا وقراقر ونفخا ولا سيما إذا شرب عليهما الماء ودفع مضرتهما بالتمر أو بالعسل والزبد .

        بسر
        ثبت في " الصحيح " : أن أبا الهيثم بن التيهان لما ضافه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما جاءهم بعذق - وهو من النخلة كالعنقود من العنب - فقال له " هلا انتقيت لنا من رطبه فقال " أحببت أن تنتقوا من بسره ورطبه .

        البسر حار يابس ويبسه أكثر من حره ينشف الرطوبة ويدبغ المعدة ويحبس البطن وينفع اللثة والفم وأنفعه ما كان هشا وحلوا وكثرة أكله وأكل البلح يحدث السدد في الأحشاء .

        بيض
        ذكر البيهقي في " شعب الإيمان " أثرا مرفوعا : أن نبيا من الأنبياء شكا إلى الله سبحانه الضعف فأمره بأكل البيض . وفي ثبوته نظر ويختار من البيض الحديث على العتيق وبيض الدجاج على سائر بيض الطير وهو معتدل يميل إلى البرودة قليلا .

        قال صاحب " القانون " : ومحه حار رطب يولد دما صحيحا محمودا ويغذي غذاء يسيرا ويسرع الانحدار من المعدة إذا كان رخوا .

        وقال غيره مح البيض مسكن للألم مملس للحلق وقصبة الرئة نافع للحلق والسعال وقروح الرئة والكلى والمثانة مذهب للخشونة لا سيما إذا أخذ بدهن اللوز الحلو ومنضج لما في الصدر ملين له مسهل لخشونة الحلق وبياضه إذا قطر في العين الوارمة ورما حارا برده وسكن الوجع وإذا لطخ به حرق النار أو ما يعرض له لم يدعه يتنفط وإذا لطخ به الوجع منع الاحتراق العارض من الشمس إذا خلط بالكندر ولطخ على الجبهة نفع من النزلة .

        وذكره صاحب " القانون " في الأدوية القلبية ثم قال وهو - وإن لم يكن من الأدوية المطلقة - فإنه مما له مدخل في تقوية القلب جدا أعني الصفرة وهي تجمع ثلاثة معان : سرعة الاستحالة إلى الدم وقلة الفضلة وكون الدم المتولد منه مجانسا للدم الذي يغذو القلب خفيفا مندفعا إليه بسرعة ولذلك هو أوفق ما يتلافى به عادية الأمراض المحللة لجوهر الروح .

        بصل
        روى أبو داود في " سننه " : عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن البصل فقالت إن آخر طعام أكله رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيه بصل

        وثبت عنه في " الصحيحين " أنه منع آكله من دخول المسجد .

        [ منافع البصل ]

        والبصل حار في الثالثة وفيه رطوبة فضلية ينفع من تغير المياه ويدفع ريح السموم ويفتق الشهوة ويقوي المعدة ويهيج الباه ويزيد في المني ويحسن اللون ويقطع البلغم ويجلو المعدة وبزره يذهب البهق ويدلك به حول داء الثعلب فينفع جدا وهو بالملح يقلع الثآليل وإذا شمه من شرب دواء مسهلا منعه من القيء والغثيان وأذهب رائحة ذلك الدواء وإذا استعط بمائه نقى الرأس ويقطر في الأذن لثقل السمع والطنين والقيح والماء الحادث في الأذنين وينفع من الماء النازل في العينين اكتحالا يكتحل ببزره مع العسل لبياض العين والمطبوخ منه كثير الغذاء ينفع من اليرقان والسعال وخشونة الصدر ويدر البول ويلين الطبع وينفع من عضة الكلب غير الكلب إذا نطل عليها ماؤه بملح وسذاب وإذا احتمل فتح أفواه البواسير .

        [ ضرر البصل ]

        وأما ضرره فإنه يورث الشقيقة ويصدع الرأس ويولد أرياحا ويظلم البصر وكثرة أكله تورث النسيان ويفسد العقل ويغير رائحة الفم والنكهة ويؤذي الجليس والملائكة وإماتته طبخا تذهب بهذه المضرات منه .

        وفي السنن أنه صلى الله عليه وسلم أمر آكله وآكل الثوم أن يميتهما طبخا ويذهب رائحته مضغ ورق السذاب عليه.

        باذنجان
        في الحديث الموضوع المختلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم الباذنجان لما أكل له وهذا الكلام مما يستقبح نسبته إلى آحاد العقلاء فضلا عن الأنبياء وبعد فهو نوعان أبيض وأسود وفيه خلاف هل هو بارد أو حار ؟ والصحيح أنه حار وهو مولد للسوداء والبواسير والسدد والسرطان والجذام ويفسد اللون ويسوده ويضر بنتن الفم والأبيض منه المستطيل عار من ذلك .

        حرف التاء
        تمر
        ثبت في " الصحيح " عنه صلى الله عليه وسلم من تصبح بسبع تمرات وفي لفظ من تمر العالية لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر وثبت عنه أنه قال بيت لا تمر فيه جياع أهله وثبت عنه أكل التمر بالزبد وأكل التمر بالخبز وأكله مفردا .

        وهو حار في الثانية وهل هو رطب في الأولى أو يابس فيها ؟ . على قولين . وهو مقو للكبد ملين للطبع يزيد في الباه ولا سيما مع حب الصنوبر ويبرئ من خشونة الحلق ومن لم يعتده كأهل البلاد الباردة فإنه يورث لهم السدد ويؤذي الأسنان ويهيج الصداع ودفع ضرره باللوز والخشخاش وهو من أكثر الثمار تغذية للبدن بما فيه من الجوهر الحار الرطب وأكله على الريق يقتل الدود فإنه مع حرارته فيه قوة ترياقية فإذا أديم استعماله على الريق خفف مادة الدود وأضعفه وقلله أو قتله وهو فاكهة وغذاء ودواء وشراب وحلوى .

        تين
        لما لم يكن التين بأرض الحجاز والمدينة لم يأت له ذكر في السنة فإن أرضه تنافي أرض النخل ولكن قد أقسم الله به في كتابه لكثرة منافعه وفوائده والصحيح أن المقسم به هو التين المعروف .

        وهو حار وفي رطوبته ويبوسته قولان وأجوده الأبيض الناضج القشر يجلو رمل الكلى والمثانة ويؤمن من السموم وهو أغذى من جميع الفواكه وينفع خشونة الحلق والصدر وقصبة الرئة ويغسل الكبد والطحال وينقي الخلط البلغمي من المعدة ويغذو البدن غذاء جيدا إلا أنه يولد القمل إذا أكثر منه جدا .

        ويابسه يغذو وينفع العصب وهو مع الجوز واللوز محمود قال جالينوس : " وإذا أكل مع الجوز والسذاب قبل أخذ السم القاتل نفع وحفظ من الضرر .

        ويذكر عن أبي الدرداء أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم طبق من تين فقال " كلوا وأكل منه وقال " لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة قلت : هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوا منها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس وفي ثبوت هذا نظر .

        واللحم منه أجود ويعطش المحرورين ويسكن العطش الكائن عن البلغم المالح وينفع السعال المزمن ويدر البول ويفتح سدد الكبد والطحال ويوافق الكلى والمثانة ولأكله على الريق منفعة عجيبة في تفتيح مجاري الغذاء وخصوصا باللوز والجوز وأكله مع الأغذية الغليظة رديء جدا والتوت الأبيض قريب منه لكنه أقل تغذية وأضر بالمعدة .

        تلبينة قد تقدم إنها ماء الشعير المطحون وذكرنا منافعها وأنها أنفع لأهل الحجاز من ماء الشعير الصحيح .



        حرف الثاء
        ثلج
        ثبت في " الصحيح " : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد

        [ الداء يداوى بضده ]

        وفي هذا الحديث من الفقه أن الداء يداوى بضده فإن في الخطايا من الحرارة والحريق ما يضاده الثلج والبرد والماء البارد ولا يقال إن الماء الحار أبلغ في إزالة الوسخ لأن في الماء البارد من تصليب الجسم وتقويته ما ليس في الحار والخطايا توجب أثرين التدنيس والإرخاء فالمطلوب مداواتها بما ينظف القلب ويصلبه فذكر الماء البارد والثلج والبرد إشارة إلى هذين الأمرين .

        وبعد فالثلج بارد على الأصح وغلط من قال حار وشبهته تولد الحيوان فيه وهذا لا يدل على حرارته فإنه يتولد في الفواكه الباردة وفي الخل وأما تعطيشه فلتهييجه الحرارة لا لحرارته في نفسه ويضر المعدة والعصب وإذا كان وجع الأسنان من حرارة مفرطة سكنها .

        ثوم
        هو قريب من البصل وفي الحديث من أكلهما فليمتهما طبخا وأهدي إليه طعام فيه ثوم فأرسل به إلى أبي أيوب الأنصاري فقال يا رسول الله تكرهه وترسل به إلي ؟ فقال إني أناجي من لا تناجي

        وبعد فهو حار يابس في الرابعة يسخن تسخينا قويا ويجفف تجفيفا بالغا نافع للمبرودين ولمن مزاجه بلغمي ولمن أشرف على الوقوع في الفالج وهو مجفف للمني مفتح للسدد محلل للرياح الغليظة هاضم للطعام قاطع للعطش مطلق للبطن مدر للبول يقوم في لسع الهوام وجميع الأورام الباردة مقام الترياق وإذا دق وعمل منه ضماد على نهش الحيات أو على لسع العقارب نفعها وجذب السموم منها ويسخن البدن ويزيد في حرارته ويقطع البلغم ويحلل النفخ ويصفي الحلق ويحفظ صحة أكثر الأبدان وينفع من تغير المياه والسعال المزمن ويؤكل نيئا ومطبوخا ومشويا وينفع من وجع الصدر من البرد ويخرج العلق من الحلق وإذا دق مع الخل والملح والعسل ثم وضع على الضرس المتأكل فتته وأسقطه وعلى الضرس الوجع سكن وجعه .

        وإن دق منه مقدار درهمين وأخذ مع ماء العسل أخرج البلغم والدود وإذا طلي بالعسل على البهق نفع .

        [ مضارالثوم ]

        ومن مضاره أنه يصدع ويضر الدماغ والعينين ويضعف البصر والباه ويعطش ويهيج الصفراء ويجيف رائحة الفم ويذهب رائحته أن يمضغ عليه ورق السذاب .

        ثريد
        ثبت في " الصحيحين " عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام

        والثريد وإن كان مركبا فإنه مركب من خبز ولحم فالخبز أفضل الأقوات واللحم سيد الإدام فإذا اجتمعا لم يكن بعدهما غاية .

        [ تنازع الناس في أفضلية اللحم على الخبز ]

        وتنازع الناس أيهما أفضل ؟ والصواب أن الحاجة إلى الخبز أكثر وأعم واللحم أجل وأفضل وهو أشبه بجوهر البدن من كل ما عداه وهو طعام أهل الجنة وقد قال تعالى لمن طلب البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير [ البقرة 62 ] وكثير من السلف على أن الفوم الحنطة وعلى هذا فالآية نص على أن اللحم خير من الحنطة .

        حرف الجيم
        جمار
        قلب النخل ثبت في " الصحيحين " : عن عبد الله بن عمر قال بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس إذ أتي بجمار نخلة فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن من الشجر شجرة مثل الرجل المسلم لا يسقط ورقها الحديث " .

        والجمار بارد يابس في الأولى يختم القروح وينفع من نفث الدم واستطلاق البطن وغلبة المرة الصفراء وثائرة الدم وليس برديء الكيموس ويغذو غذاء يسيرا وهو بطيء الهضم وشجرته كلها منافع ولهذا مثلها النبي صلى الله عليه وسلم بالرجل المسلم لكثرة خيره ومنافعه .

        جبن
        في " السنن " عن عبد الله بن عمر قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم بجبنة في تبوك فدعا بسكين وسمى وقطع رواه أبو داود وأكله الصحابة رضي الله عنهم بالشام والعراق والرطب منه غير المملوح جيد للمعدة هين السلوك في الأعضاء يزيد في اللحم ويلين البطن تليينا معتدلا والمملوح أقل غذاء من الرطب وهو رديء للمعدة مؤذ للأمعاء والعتيق يعقل البطن وكذا المشوي وينفع القروح ويمنع الإسهال .

        وهو بارد رطب فإن استعمل مشويا كان أصلح لمزاجه فإن النار تصلحه وتعدله وتلطف جوهره وتطيب طعمه ورائحته . والعتيق المالح حار يابس وشيه يصلحه أيضا بتلطيف جوهره وكسر حرافته لما تجذبه النار منه من الأجزاء الحارة اليابسة المناسبة لها والمملح منه يهزل ويولد حصاة الكلى والمثانة وهو رديء للمعدة وخلطه بالملطفات أردأ بسبب تنفيذها له إلى المعدة .

        حرف الحاء
        حناء
        قد تقدمت الأحاديث في فضله وذكر منافعه فأغنى عن إعادته .

        حبة السوداء
        ثبت في " الصحيحين " : من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عليكم بهذه الحبة السوداء فإن فيها شفاء من كل داء إلا السام والسام الموت .

        الحبة السوداء هي الشونيز في لغة الفرس وهي الكمون الأسود وتسمى الكمون الهندي قال الحربي عن الحسن إنها الخردل وحكى الهروي أنها الحبة الخضراء ثمرة البطم وكلاهما وهم والصواب أنها الشونيز .

        وهي كثيرة المنافع جدا وقوله " شفاء من كل داء " مثل قوله تعالى : تدمر كل شيء بأمر ربها [ الأحقاف 25 ] أي كل شيء يقبل التدمير ونظائره وهي نافعة من جميع الأمراض الباردة وتدخل في الأمراض الحارة اليابسة بالعرض فتوصل قوى الأدوية الباردة الرطبة إليها بسرعة تنفيذها إذا أخذ يسيرها .

        وقد نص صاحب " القانون " وغيره على الزعفران في قرص الكافور لسرعة تنفيذه وإيصاله قوته وله نظائر يعرفها حذاق الصناعة ولا تستبعد منفعة الحار في أمراض حارة بالخاصية فإنك تجد ذلك في أدوية كثيرة منها : الأنزروت وما يركب معه من أدوية الرمد كالسكر وغيره من المفردات الحارة والرمد ورم حار باتفاق الأطباء وكذلك نفع الكبريت الحار جدا من الجرب .

        والشونيز حار يابس في الثالثة مذهب للنفخ مخرج لحب القرع نافع من البرص وحمى الربع والبلغمية مفتح للسدد ومحلل للرياح مجفف لبلة المعدة ورطوبتها . وإن دق وعجن بالعسل وشرب بالماء الحار أذاب الحصاة التي تكون في الكليتين والمثانة ويدر البول والحيض واللبن إذا أديم شربه أياما وإن سخن بالخل وطلي على البطن قتل حب القرع فإن عجن بماء الحنظل الرطب أو المطبوخ كان فعله في إخراج الدود أقوى ويجلو ويقطع ويحلل ويشفي من الزكام البارد إذا دق وصير في خرقة واشتم دائما أذهبه .

        ودهنه نافع لداء الحية ومن الثآليل والخيلان وإذا شرب منه مثقال بماء نفع من البهر وضيق النفس والضماد به ينفع من الصداع البارد وإذا نقع منه سبع حبات عددا في لبن امرأة وسعط به صاحب اليرقان نفعه نفعا بليغا .

        وإذا طبخ بخل وتمضمض به نفع من وجع الأسنان عن برد وإذا استعط به مسحوقا نفع من ابتداء الماء العارض في العين وإن ضمد به مع الخل قلع البثور والجرب المتقرح وحلل الأورام البلغمية المزمنة والأورام الصلبة وينفع من اللقوة إذا تسعط بدهنه وإذا شرب منه مقدار نصف مثقال إلى مثقال نفع من لسع الرتيلاء وإن سحق ناعما وخلط بدهن الحبة الخضراء وقطر منه في الأذن ثلاث قطرات نفع من البرد العارض فيها والريح والسدد .

        وإن قلي ثم دق ناعما ثم نقع في زيت وقطر في الأنف ثلاث قطرات أو أربع نفع من الزكام العارض معه عطاس كثير .

        وإذا أحرق وخلط بشمع مذاب بدهن السوسن أو دهن الحناء وطلي به القروح الخارجة من الساقين بعد غسلها بالخل نفعها وأزال القروح .

        وإذا سحق بخل وطلي به البرص والبهق الأسود والحزاز الغليظ نفعها وأبرأها .

        وإذا سحق ناعما واستف منه كل يوم درهمين بماء بارد من عضه كلب كلب قبل أن يفرغ من الماء نفعه نفعا بليغا وأمن على نفسه من الهلاك . وإذا استعط بدهنه نفع من الفالج والكزاز وقطع موادهما وإذا دخن به طرد الهوام .

        وإذا أذيب الأنزروت بماء ولطخ على داخل الحلقة ثم ذر عليها الشونيز كان من الذرورات الجيدة العجيبة النفع من البواسير ومنافعه أضعاف ما ذكرنا والشربة منه درهمان وزعم قوم أن الإكثار منه قاتل .

        حرير
        قد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم أباحه للزبير ولعبد الرحمن بن عوف من حكة كانت بهما وتقدم منافعه ومزاجه فلا حاجة إلى إعادته .

        حرف
        قال أبو حنيفة الدينوري : هذا هو الحب الذي يتداوى به وهو الثفاء الذي جاء فيه الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ونباته يقال له الحرف وتسميه العامة الرشاد وقال أبو عبيد : الثفاء هو الحرف .

        قلت : والحديث الذي أشار إليه ما رواه أبو عبيد وغيره من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ماذا في الأمرين من الشفاء ؟ الصبر والثفاء رواه أبو داود في المراسيل .

        وقوته في الحرارة واليبوسة في الدرجة الثالثة وهو يسخن ويلين البطن ويخرج الدود وحب القرع ويحلل أورام الطحال ويحرك شهوة الجماع ويجلو الجرب المتقرح والقوباء .

        وإذا ضمد به مع العسل حلل ورم الطحال وإذا طبخ مع الحناء أخرج الفضول التي في الصدر وشربه ينفع من نهش الهوام ولسعها وإذا دخن به في موضع طرد الهوام عنه ويمسك الشعر المتساقط وإذا خلط بسويق الشعير والخل وتضمد به نفع من عرق النسا وحلل الأورام الحارة في آخرها .

        وإذا تضمد به مع الماء والملح أنضج الدماميل وينفع من الاسترخاء في جميع الأعضاء ويزيد في الباه ويشهي الطعام وينفع الربو وعسر التنفس وغلظ الطحال وينقي الرئة ويدر الطمث وينفع من عرق النسا ووجع حق الورك مما يخرج من الفضول إذا شرب أو احتقن به ويجلو ما في الصدر والرئة من البلغم اللزج .

        وإن شرب منه بعد سحقه وزن خمسة دراهم بالماء الحار أسهل الطبيعة وحلل الرياح ونفع من وجع القولنج البارد السبب وإذا سحق وشرب نفع من البرص .

        وإن لطخ عليه وعلى البهق الأبيض بالخل نفع منهما وينفع من الصداع الحادث من البرد والبلغم وإن قلي وشرب عقل الطبع لا سيما إذا لم يسحق لتحلل لزوجته بالقلي وإذا غسل بمائه الرأس نقاه من الأوساخ والرطوبات اللزجة .

        قال جالينوس : قوته مثل قوة بزر الخردل ولذلك قد يسخن به أوجاع الورك المعروفة بالنسا وأوجاع الرأس وكل واحد من العلل التي تحتاج إلى التسخين كما يسخن بزر الخردل وقد يخلط أيضا في أدوية يسقاها أصحاب الربو من طريق أن الأمر فيه معلوم أنه يقطع الأخلاط الغليظة تقطيعا قويا كما يقطعها بزر الخردل لأنه شبيه به في كل شيء .

        حلبة
        يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بمكة فقال ادعوا له طبيبا فدعي الحارث بن كلدة فنظر إليه فقال ليس عليه بأس فاتخذوا له فريقة وهي الحلبة مع تمر عجوة رطب يطبخان فيحساهما ففعل ذلك فبرئ

        وقوة الحلبة من الحرارة في الدرجة الثانية ومن اليبوسة في الأولى وإذا طبخت بالماء لينت الحلق والصدر والبطن وتسكن السعال والخشونة والربو وعسر النفس وتزيد في الباه وهي جيدة للريح والبلغم والبواسير محدرة الكيموسات المرتبكة في الأمعاء وتحلل البلغم اللزج من الصدر وتنفع من الدبيلات وأمراض الرئة وتستعمل لهذه الأدواء في الأحشاء مع السمن والفانيذ .

        وإذا شربت مع وزن خمسة دراهم فوة أدرت الحيض وإذا طبخت وغسل بها الشعر جعدته وأذهبت الحزاز .

        ودقيقها إذا خلط بالنطرون والخل وضمد به حلل ورم الطحال وقد تجلس المرأة في الماء الذي طبخت فيه الحلبة فتنتفع به من وجع الرحم العارض من ورم فيه .

        وإذا ضمد به الأورام الصلبة القليلة الحرارة نفعتها وحللتها وإذا شرب ماؤها نفع من المغص العارض من الرياح وأزلق الأمعاء .

        وإذا أكلت مطبوخة بالتمر أو العسل أو التين على الريق حللت البلغم اللزج العارض في الصدر والمعدة ونفعت من السعال المتطاول منه . وهي نافعة من الحصر مطلقة للبطن وإذا وضعت على الظفر المتشنج أصلحته ودهنها ينفع إذا خلط بالشمع من الشقاق العارض من البرد ومنافعها أضعاف ما ذكرنا .

        ويذكر عن القاسم بن عبد الرحمن أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استشفوا بالحلبة وقال بعض الأطباء لو علم الناس منافعها لاشتروها بوزنها ذهبا .

        حرف الخاء
        خبز
        ثبت في " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفؤ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة

        وروى أبو داود في " سننه " : من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال كان أحب الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الثريد من الخبز والثريد من الحيس

        وروى أبو داود في " سننه " أيضا من حديث ابن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وددت أن عندي خبزة بيضاء من برة سمراء ملبقة بسمن ولبن " فقام رجل من القوم فاتخذه فجاء به فقال في أي شيء كان هذا السمن ؟ فقال في عكة ضب فقال ارفعه .

        وذكر البيهقي من حديث عائشة رضي الله عنها ترفعه أكرموا الخبز ومن كرامته أن لا ينتظر به الإدام والموقوف أشبه فلا يثبت رفعه ولا رفع ما قبله .

        [ لا يصح حديث في النهي عن قطع الخبز بالسكين ]

        وأما حديث النهي عن قطع الخبز بالسكين فباطل لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما المروي النهي عن قطع اللحم بالسكين ولا يصح أيضا .

        قال مهنا : سألت أحمد عن حديث أبي معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تقطعوا اللحم بالسكين فإن ذلك من فعل الأعاجم فقال ليس بصحيح ولا يعرف هذا وحديث عمرو بن أمية خلاف هذا وحديث المغيرة - يعني بحديث عمرو بن أمية - كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتز من لحم الشاة وبحديث المغيرة أنه لما أضافه أمر بجنب فشوي ثم أخذ الشفرة فجعل يحز

        فصل [ أنواع الخبز وأنفعها ]

        وأحمد أنواع الخبز أجودها اختمارا وعجنا ثم خبز التنور أجود أصنافه وبعده خبز الفرن ثم خبز الملة في المرتبة الثالثة وأجوده ما اتخذ من الحنطة الحديثة .

        وأكثر أنواعه تغذية خبز السميذ وهو أبطؤها هضما لقلة نخالته ويتلوه خبز الحوارى ثم الخشكار .

        [ أفضل أوقات أكله بعد خبزه ]

        وأحمد أوقات أكله في آخر اليوم الذي خبز فيه واللين منه أكثر تليينا وغذاء وترطيبا وأسرع انحدارا واليابس بخلافه . ومزاج الخبز من البر حار في وسط الدرجة الثانية وقريب من الاعتدال في الرطوبة واليبوسة واليبس يغلب على ما جففته النار منه والرطوبة على ضده .

        [ خبز الحنطة ]
        وفي خبز الحنطة خاصية وهو أنه يسمن سريعا وخبز القطائف يولد خلطا غليظا والفتيت نفاخ بطيء الهضم والمعمول باللبن مسدد كثير الغذاء بطيء الانحدار .

        [ خبز الشعير ]
        وخبز الشعير بارد يابس في الأولى وهو أقل غذاء من خبز الحنطة .

        خل
        روى مسلم في " صحيحه " : عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أهله الإدام فقالوا : ما عندنا إلا خل فدعا به وجعل يأكل ويقول نعم الإدام الخل نعم الإدام الخل

        وفي " سنن ابن ماجه " عن أم سعد رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم نعم الإدام الخل اللهم بارك في الخل فإنه كان إدام الأنبياء قبلي ولم يفتقر بيت فيه الخل

        الخل مركب من الحرارة والبرودة أغلب عليه وهو يابس في الثالثة قوي التجفيف يمنع من انصباب المواد ويلطف الطبيعة وخل الخمر ينفع المعدة الملتهبة ويقمع الصفراء ويدفع ضرر الأدوية القتالة ويحلل اللبن والدم إذا جمدا في الجوف وينفع الطحال ويدبغ المعدة ويعقل البطن ويقطع العطش ويمنع الورم حيث يريد أن يحدث ويعين على الهضم ويضاد البلغم ويلطف الأغذية الغليظة ويرق الدم .

        وإذا شرب بالملح نفع من أكل الفطر القتال وإذا احتسي قطع العلق المتعلق بأصل الحنك وإذا تمضمض به مسخنا نفع من وجع الأسنان وقوى اللثة .

        وهو نافع للداحس إذا طلي به والنملة والأورام الحارة وحرق النار وهو مشه للأكل مطيب للمعدة صالح للشباب وفي الصيف لسكان البلاد الحارة .

        خلال
        فيه حديثان لا يثبتان أحدهما : يروى من حديث أبي أيوب الأنصاري يرفعه يا حبذا المتخللون من الطعام إنه ليس شيء أشد على الملك من بقية تبقى في الفم من الطعام وفيه واصل بن السائب قال البخاري والرازي : منكر الحديث وقال النسائي والأزدي متروك الحديث .

        الثاني : يروى من حديث ابن عباس قال عبد الله بن أحمد : سألت أبي عن شيخ روى عنه صالح الوحاظي يقال له محمد بن عبد الملك الأنصاري حدثنا عطاء عن ابن عباس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخلل بالليط والآس وقال إنهما يسقيان عروق الجذام فقال أبي : رأيت محمد بن عبد الملك - وكان أعمى - يضع الحديث ويكذب .

        وبعد فالخلال نافع للثة والأسنان حافظ لصحتها نافع من تغير النكهة وأجوده ما اتخذ من عيدان الأخلة وخشب الزيتون والخلاف والتخلل بالقصب والآس والريحان والباذروج مضر .

        حرف الدال
        دهن
        روى الترمذي في كتاب " الشمائل " من حديث أنس بن مالك رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته ويكثر القناع كأن ثوبه ثوب زيات

        الدهن يسد مسام البدن ويمنع ما يتحلل منه وإذا استعمل بعد الاغتسال بالماء الحار حسن البدن ورطبه وإن دهن به الشعر حسنه وطوله ونفع من الحصبة ودفع أكثر الآفات عنه

        وفي الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : كلوا الزيت وادهنوا به وسيأتي إن شاء الله تعالى .

        والدهن في البلاد الحارة كالحجاز ونحوه من آكد أسباب حفظ الصحة وإصلاح البدن وهو كالضروري لهم وأما البلاد الباردة فلا يحتاج إليه أهلها والإلحاح به في الرأس فيه خطر بالبصر . وأنفع الأدهان البسيطة الزيت ثم السمن ثم الشيرج .

        [ منافع الأدهان المركبة ]

        وأما المركبة فمنها بارد رطب كدهن البنفسج ينفع من الصداع الحار وينوم أصحاب السهر ويرطب الدماغ وينفع من الشقاق وغلبة اليبس والجفاف ويطلى به الجرب والحكة اليابسة فينفعها ويسهل حركة المفاصل ويصلح لأصحاب الأمزجة الحارة في زمن الصيف وفيه حديثان باطلان موضوعان على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما فضل دهن البنفسج على سائر الأدهان كفضلي على سائر الناس .

        والثاني : فضل دهن البنفسج على سائر الأدهان كفضل الإسلام على سائر الأديان .

        ومنها : حار رطب كدهن البان وليس دهن زهره بل دهن يستخرج من حب أبيض أغبر نحو الفستق كثير الدهنية والدسم ينفع من صلابة العصب ويلينه وينفع من البرش والنمش والكلف والبهق ويسهل بلغما غليظا ويلين الأوتار اليابسة ويسخن العصب وقد روي فيه حديث باطل مختلق لا أصل له ادهنوا بالبان فإنه أحظى لكم عند نسائكم

        ومن منافعه أنه يجلو الأسنان ويكسبها بهجة وينقيها من الصدأ ومن مسح به وجهه وأطرافه لم يصبه حصى ولا شقاق وإذا دهن به حقوه ومذاكيره وما والاها نفع من برد الكليتين وتقطير البول .



        حرف الزاي
        زيت
        قال تعالى : يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار [ النور 35 ] .

        وفي الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة .

        وللبيهقي وابن ماجه أيضا : عن ابن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة .

        الزيت حار رطب في الأولى وغلط من قال يابس والزيت بحسب زيتونه فالمعتصر من النضيج أعدله وأجوده ومن الفج فيه برودة ويبوسة ومن الزيتون الأحمر متوسط بين الزيتين ومن الأسود يسخن ويرطب باعتدال وينفع من السموم ويطلق البطن ويخرج الدود والعتيق منه أشد تسخينا وتحليلا وما استخرج منه بالماء فهو أقل حرارة وألطف وأبلغ في النفع وجميع أصنافه ملينة للبشرة وتبطئ الشيب .

        [ منافع ماء الزيتون المالح ]

        وماء الزيتون المالح يمنع من تنفط حرق النار ويشد اللثة وورقه ينفع من الحمرة والنملة والقروح الوسخة والشرى ويمنع العرق ومنافعه أضعاف ما ذكرنا .

        زبد
        روى أبو داود في " سننه " عن ابني بسر السلميين رضي الله عنهما قالا : دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدمنا له زبدا وتمرا وكان يحب الزبد والتمر .

        الزبد حار رطب فيه منافع كثيرة منها الإنضاج والتحليل ويبرئ الأورام التي تكون إلى جانب الأذنين والحالبين وأورام الفم وسائر الأورام التي تعرض في أبدان النساء والصبيان إذا استعمل وحده وإذا لعق منه نفع في نفث الدم الذي يكون من الرئة وأنضج الأورام العارضة فيها .

        وهو ملين للطبيعة والعصب والأورام الصلبة العارضة من المرة السوداء والبلغم نافع من اليبس العارض في البدن وإذا طلي به على منابت أسنان الطفل كان معينا على نباتها وطلوعها وهو نافع من السعال العارض من البرد واليبس ويذهب القوباء والخشونة التي في البدن ويلين الطبيعة ولكنه يضعف شهوة الطعام ويذهب بوخامته الحلو كالعسل والتمر وفي جمعه صلى الله عليه وسلم بين التمر وبينه من الحكمة إصلاح كل منهما بالآخر .

        زبيب
        روي فيه حديثان لا يصحان . أحدهما : نعم الطعام الزبيب يطيب النكهة ويذيب البلغم . والثاني : نعم الطعام الزبيب يذهب النصب ويشد العصب ويطفئ الغضب ويصفي اللون ويطيب النكهة وهذا أيضا لا يصح فيه شيء عن رسول الله .

        [ أجود أنواعه ]

        وبعد فأجود الزبيب ما كبر جسمه وسمن شحمه ولحمه ورق قشره ونزع عجمه وصغر حبه .

        وجرم الزبيب حار رطب في الأولى وحبه بارد يابس وهو كالعنب المتخذ منه الحلو منه حار والحامض قابض بارد والأبيض أشد قبضا من غيره وإذا أكل لحمه وافق قصبة الرئة ونفع من السعال ووجع الكلى والمثانة ويقوي المعدة ويلين البطن .

        والحلو اللحم أكثر غذاء من العنب وأقل غذاء من التين اليابس وله قوة منضجة هاضمة قابضة محللة باعتدال وهو بالجملة يقوي المعدة والكبد والطحال نافع من وجع الحلق والصدر والرئة والكلى والمثانة وأعدله أن يؤكل بغير عجمه .

        وهو يغذي غذاء صالحا ولا يسدد كما يفعل التمر وإذا أكل منه بعجمه كان أكثر نفعا للمعدة والكبد والطحال وإذا لصق لحمه على الأظافير المتحركة أسرع قلعها والحلو منه وما لا عجم له نافع لأصحاب الرطوبات والبلغم وهو يخصب الكبد وينفعها بخاصيته .

        [ نفعه للحفظ ]

        وفيه نفع للحفظ قال الزهري من أحب أن يحفظ الحديث فليأكل الزبيب وكان المنصور يذكر عن جده عبد الله بن عباس عجمه داء ولحمه دواء .

        زنجبيل
        قال تعالى : ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا [ الإنسان 17 ] . وذكر أبو نعيم في كتاب " الطب النبوي " من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال أهدى ملك الروم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جرة زنجبيل فأطعم كل إنسان قطعة وأطعمني قطعة .

        الزنجبيل حار في الثانية رطب في الأولى مسخن معين على هضم الطعام ملين للبطن تليينا معتدلا نافع من سدد الكبد العارضة عن البرد والرطوبة ومن ظلمة البصر الحادثة عن الرطوبة أكلا واكتحالا معين على الجماع وهو محلل للرياح الغليظة الحادثة في الأمعاء والمعدة .

        وبالجملة فهو صالح للكبد والمعدة الباردتي المزاج وإذا أخذ منه مع السكر وزن درهمين بالماء الحار أسهل فضولا لزجة لعابية ويقع في المعجونات التي تحلل البلغم وتذيبه . والمزي منه حار يابس يهيج الجماع ويزيد في المني ويسخن المعدة والكبد ويعين على الاستمراء وينشف البلغم الغالب على البدن ويزيد في الحفظ ويوافق برد الكبد والمعدة ويزيل بلتها الحادثة عن أكل الفاكهة ويطيب النكهة ويدفع به ضرر الأطعمة الغليظة الباردة .

        يتبع ..
        أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
        وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

        Comment

        • اخت مسلمة
          محاور
          • Nov 2005
          • 6338

          #34
          حرف السين
          سنا
          قد تقدم وتقدم سنوت أيضا وفيه سبعة أقوال
          أحدها : أنه العسل .
          الثاني : أنه رب عكة السمن يخرج خططا سوداء على السمن .
          الثالث أنه حب يشبه الكمون وليس بكمون .
          الرابع الكمون الكرماني .
          الخامس أنه الشبت .
          السادس أنه التمر .
          السابع أنه الرازيانج .

          سفرجل
          روى ابن ماجه في " سننه " من حديث إسماعيل بن محمد الطلحي عن نقيب بن حاجب عن أبي سعيد عن عبد الملك الزبيري عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وبيده سفرجلة فقال دونكها يا طلحة فإنها تجم الفؤاد .

          ورواه النسائي من طريق آخر وقال " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في جماعة من أصحابه وبيده سفرجلة يقلبها فلما جلست إليه دحا بها إلي ثم قال دونكها أبا ذر فإنها تشد القلب وتطيب النفس وتذهب بطخاء الصدر .

          وقد روي في السفرجل أحاديث أخر هذا أمثلها ولا تصح .

          والسفرجل بارد يابس ويختلف في ذلك باختلاف طعمه وكله بارد قابض جيد للمعدة والحلو منه أقل برودة ويبسا وأميل إلى الاعتدال والحامض أشد قبضا ويبسا وبرودة وكله يسكن العطش والقيء ويدر البول ويعقل الطبع وينفع من قرحة الأمعاء ونفث الدم والهيضة وينفع من الغثيان ويمنع من تصاعد الأبخرة إذا استعمل بعد الطعام وحراقة أغصانه وورقه المغسولة كالتوتياء في فعلها .

          وهو قبل الطعام يقبض وبعده يلين الطبع ويسرع بانحدار الثفل والإكثار منه مضر بالعصب مولد للقولنج ويطفئ المرة الصفراء المتولدة في المعدة .

          وإن شوي كان أقل لخشونته وأخف وإذا قور وسطه ونزع حبه وجعل فيه العسل وطين جرمه بالعجين وأودع الرماد الحار نفع نفعا حسنا .

          وأجود ما أكل مشويا أو مطبوخا بالعسل وحبه ينفع من خشونة الحلق وقصبة الرئة وكثير من الأمراض ودهنه يمنع العرق ويقوي المعدة والمربى منه يقوي المعدة والكبد ويشد القلب ويطيب النفس .

          ومعنى تجم الفؤاد تريحه . وقيل تفتحه وتوسعه من جمام الماء وهو اتساعه وكثرته والطخاء للقلب مثل الغيم على السماء . قال أبو عبيد الطخاء ثقل وغشي تقول ما في السماء طخاء أي سحاب وظلمة .

          سواك
          في " الصحيحين " عنه صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة .

          وفيهما : أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك .

          وفي " صحيح البخاري " تعليقا عنه صلى الله عليه وسلم السواك مطهرة للفم مرضاة للرب .

          وفي " صحيح مسلم " : أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك .

          والأحاديث فيه كثيرة وصح عنه من حديث أنه استاك عند موته بسواك عبد الرحمن بن أبي بكر وصح عنه أنه قال أكثرت عليكم في السواك .

          وأصلح ما اتخذ السواك من خشب الأراك ونحوه ولا ينبغي أن يؤخذ من شجرة مجهولة فربما كانت سما وينبغي القصد في استعماله فإن بالغ فيه فربما أذهب طلاوة الأسنان وصقالتها وهيأها لقبول الأبخرة المتصاعدة من المعدة والأوساخ ومتى استعمل باعتدال جلا الأسنان وقوى العمود وأطلق اللسان ومنع الحفر وطيب النكهة ونقى الدماغ وشهى الطعام .

          وأجود ما استعمل مبلولا بماء الورد ومن أنفعه أصول الجوز قال صاحب " التيسير " : زعموا أنه إذا استاك به المستاك كل خامس من الأيام نقى الرأس وصفى الحواس وأحد الذهن .

          [منافع السواك ]

          وفي السواك عدة منافع يطيب الفم ويشد اللثة ويقطع البلغم ويجلو البصر ويذهب بالحفر ويصح المعدة ويصفي الصوت ويعين على هضم الطعام ويسهل مجاري الكلام وينشط للقراءة والذكر والصلاة ويطرد النوم ويرضي الرب ويعجب الملائكة ويكثر الحسنات .

          [أوقات استحبابه ]

          ويستحب كل وقت ويتأكد عند الصلاة والوضوء والانتباه من النوم وتغيير رائحة الفم ويستحب للمفطر والصائم في كل وقت لعموم الأحاديث فيه ولحاجة الصائم إليه ولأنه مرضاة للرب ومرضاته مطلوبة في الصوم أشد من طلبها في الفطر ولأنه مطهرة للفم والطهور للصائم من أفضل أعماله .

          [استياك الصائم ]

          وفي " السنن " : عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يستاك وهو صائم وقال البخاري قال ابن عمر : يستاك أول النهار وآخره .

          وأجمع الناس على أن الصائم يتمضمض وجوبا واستحبابا والمضمضة أبلغ من السواك وليس لله غرض في التقرب إليه بالرائحة الكريهة ولا هي من جنس ما شرع التعبد به وإنما ذكر طيب الخلوف عند الله يوم القيامة حثا منه على الصوم لا حثا على إبقاء الرائحة بل الصائم أحوج إلى السواك من المفطر .

          وأيضا فإن رضوان الله أكبر من استطابته لخلوف فم الصائم .

          وأيضا فإن محبته للسواك أعظم من محبته لبقاء خلوف فم الصائم .

          وأيضا فإن السواك لا يمنع طيب الخلوف الذي يزيله السواك عند الله يوم القيامة بل يأتي الصائم يوم القيامة وخلوف فمه أطيب من المسك علامة على صيامه ولو أزاله بالسواك كما أن الجريح يأتي يوم القيامة ولون دم جرحه لون الدم وريحه ريح المسك وهو مأمور بإزالته في الدنيا .

          وأيضا فإن الخلوف لا يزول بالسواك فإن سببه قائم وهو خلو المعدة عن الطعام وإنما يزول أثره وهو المنعقد على الأسنان واللثة .

          وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم علم أمته ما يستحب لهم في الصيام وما يكره لهم ولم يجعل السواك من القسم المكروه وهو يعلم أنهم يفعلونه وقد حضهم عليه بأبلغ ألفاظ العموم والشمول وهم يشاهدونه يستاك وهو صائم مرارا كثيرة تفوت الإحصاء ويعلم أنهم يقتدون به ولم يقل لهم يوما من الدهر لا تستاكوا بعد الزوال وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع والله أعلم .

          سمن
          روى محمد بن جرير الطبري بإسناده من حديث صهيب يرفعه عليكم بألبان البقر فإنها شفاء وسمنها دواء ولحومها داء رواه عن أحمد بن الحسن الترمذي حدثنا محمد بن موسى النسائي حدثنا دفاع بن دغفل السدوسي عن عبد الحميد بن صيفي بن صهيب عن أبيه عن جده ولا يثبت ما في هذا الإسناد .

          والسمن حار رطب في الأولى وفيه جلاء يسير ولطافة وتفشية الأورام الحادثة من الأبدان الناعمة وهو أقوى من الزبد في الإنضاج والتليين وذكر جالينوس أنه أبرأ به الأورام الحادثة في الأذن وفي الأرنبة وإذا دلك به موضع الأسنان نبتت سريعا وإذا خلط مع عسل ولوز مر جلا ما في الصدر والرئة والكيموسات الغليظة اللزجة إلا أنه ضار بالمعدة سيما إذا كان مزاج صاحبها بلغميا .

          [منافع سمن البقر والمعز ]
          وأما سمن البقر والمعز فإنه إذا شرب مع العسل نفع من شرب السم القاتل ومن لدغ الحيات والعقارب وفي " كتاب ابن السني " عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لم يستشف الناس بشيء أفضل من السمن .

          سمك
          روى الإمام أحمد بن حنبل وابن ماجه في " سننه " من حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال .

          [أجود أصنافه ]

          [أصلح أماكنه ]

          أصناف السمك كثيرة وأجوده ما لذ طعمه وطاب ريحه وتوسط مقداره وكان رقيق القشر ولم يكن صلب اللحم ولا يابسه وكان في ماء عذب جار على الحصباء ويغتذي بالنبات لا الأقذار وأصلح أماكنه ما كان في نهر جيد الماء وكان يأوي إلى الأماكن الصخرية ثم الرملية والمياه الجارية العذبة التي لا قذر فيها ولا حمأة الكثيرة الاضطراب والتموج المكشوفة للشمس والرياح .

          [منافع السمك الطري ]

          والسمك البحري فاضل محمود لطيف والطري منه بارد رطب عسر الانهضام يولد بلغما كثيرا إلا البحري وما جرى مجراه فإنه يولد خلطا محمودا وهو يخصب البدن ويزيد في المني ويصلح الأمزجة الحارة .

          [السمك المالح ]

          وأما المالح فأجوده ما كان قريب العهد بالتملح وهو حار يابس وكلما تقادم عهده ازداد حره ويبسه والسلور منه كثير اللزوجة ويسمى الجري واليهود لا تأكله وإذا أكل طريا كان ملينا للبطن وإذا ملح وعتق وأكل صفى قصبة الرئة وجود الصوت وإذا دق ووضع من خارج أخرج السلى والفضول من عمق البدن من طريق أن له قوة جاذبة .

          وماء ملح الجري المالح إذا جلس فيه من كانت به قرحة الأمعاء في ابتداء العلة وافقه بجذبه المواد إلى ظاهر البدن وإذا احتقن به أبرأ من عرق النسا .

          [منافع الطري السمين منه ]

          وأجود ما في السمك ما قرب من مؤخرها والطري السمين منه يخصب البدن لحمه وودكه . وفي " الصحيحين " : من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال بعثنا النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة راكب وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح فأتينا الساحل فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط فألقى لنا البحر حوتا يقال لها : عنبر فأكلنا منه نصف شهر وائتدمنا بودكه حتى ثابت أجسامنا فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه وحمل رجلا على بعيره ونصبه فمر تحته .

          سلق
          روى الترمذي وأبو داود عن أم المنذر قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي رضي الله عنه ولنا دوال معلقة قالت فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل وعلي معه يأكل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مه يا علي فإنك ناقه " قالت فجعلت لهم سلقا وشعيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا علي فأصب من هذا فإنه أوفق لك . قال الترمذي حديث حسن غريب .

          السلق حار يابس في الأولى وقيل رطب فيها وقيل مركب منهما وفيه برودة ملطفة وتحليل . وتفتيح وفي الأسود منه قبض ونفع من داء الثعلب والكلف والحزاز والثآليل إذا طلي بمائه ويقتل القمل ويطلى به القوباء مع العسل ويفتح سدد الكبد والطحال وأسوده يعقل البطن ولا سيما مع العدس وهما رديئان . والأبيض يلين مع العدس ويحقن بمائه للإسهال وينفع من القولنح مع المري والتوابل وهو قليل الغذاء رديء الكيموس يحرق الدم ويصلحه الخل والخردل والإكثار منه يولد القبض .

          حرف الشين
          شونيز
          هو الحبة السوداء وقد تقدم في حرف الحاء .

          شبرم
          روى الترمذي وابن ماجه في " سننهما " : من حديث أسماء بنت عميس قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بماذا كنت تستمشين ؟ " قالت بالشبرم . قال " حار جار

          الشبرم شجر صغير وكبير كقامة الرجل وأرجح له قضبان حمر ملمعة ببياض وفي رءوس قضبانه جمة من ورق وله نور صغار أصفر إلى البياض يسقط ويخلفه مراود صغار فيها حب صغير مثل البطم في قدره أحمر اللون ولها عروق عليها قشور حمر والمستعمل منه قشر عروقه ولبن قضبانه .

          وهو حار يابس في الدرجة الرابعة ويسهل السوداء والكيموسات الغليظة والماء الأصفر والبلغم مكرب مغث والإكثار منه يقتل وينبغي إذا استعمل أن ينقع في اللبن الحليب يوما وليلة ويغير عليها اللبن في اليوم مرتين أو ثلاثا ويخرج ويجفف في الظل ويخلط معه الورود والكثيراء ويشرب بماء العسل أو عصير العنب والشربة منه ما بين أربع دوانق إلى دانقين على حسب القوة قال حنين : أما لبن الشبرم فلا خير فيه ولا أرى شربه البتة فقد قتل به أطباء الطرقات كثيرا من الناس

          شعير
          روى ابن ماجه : من حديث عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ أحدا من أهله الوعك أمر بالحساء من الشعير فصنع ثم أمرهم فحسوا منه ثم يقول " إنه ليرتو فؤاد الحزين ويسرو فؤاد السقيم كما تسروا إحداكن الوسخ بالماء عن وجهها ومعنى يرتوه يشده ويقويه . ويسرو يكشف ويزيل .

          [منافع ماء الشعير المغلي وصفته ]

          وقد تقدم أن هذا هو ماء الشعير المغلي وهو أكثر غذاء من سويقه وهو نافع للسعال وخشونة الحلق صالح لقمع حدة الفضول مدر للبول جلاء لما في المعدة قاطع للعطش مطفئ للحرارة وفيه قوة يجلو بها ويلطف ويحلل .

          وصفته أن يؤخذ من الشعير الجيد المرضوض مقدار ومن الماء الصافي العذب خمسة أمثاله ويلقى في قدر نظيف ويطبخ بنار معتدلة إلى أن يبقى منه خمساه ويصفى ويستعمل منه مقدار الحاجة محلا.

          شواء
          قال الله تعالى في ضيافة خليله إبراهيم عليه السلام لأضيافه فما لبث أن جاء بعجل حنيذ [ هود : 69 ] والحنيذ المشوي على الرضف وهي الحجارة المحماة .

          وفي الترمذي : عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قربت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جنبا مشويا فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ قال الترمذي : حديث صحيح .

          وفيه أيضا : عن عبد الله بن الحارث قال أكلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شواء في المسجد وفيه أيضا : عن المغيرة بن شعبة قال ضفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فأمر بجنب فشوي ثم أخذ الشفرة فجعل يحز لي بها منه قال فجاء بلال يؤذن للصلاة فألقى الشفرة فقال " ما له تربت يداه "

          أنفع الشواء شواء الضأن الحولي ثم العجل اللطيف السمين وهو حار رطب إلى اليبوسة كثير التوليد للسوداء وهو من أغذية الأقوياء والأصحاء والمرتاضين والمطبوخ أنفع وأخف على المعدة وأرطب منه ومن المطجن .

          وأردؤه المشوي في الشمس والمشوي على الجمر خير من المشوي باللهب وهو الحنيذ .

          شحم
          ثبت في " المسند " : عن أنس أن يهوديا أضاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم له خبز شعير وإهالة سنخة والإهالة الشحم المذاب والألية والسنخة المتغيرة

          وثبت في " الصحيح " : عن عبد الله بن مغفل قال دلي جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته وقلت والله لا أعطي أحدا منه شيئا فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ولم يقل شيئا

          أجود الشحم ما كان من حيوان مكتمل وهو حار رطب وهو أقل رطوبة من السمن ولهذا لو أذيب الشحم والسمن كان الشحم أسرع جمودا وهو ينفع من خشونة الحلق ويرخي ويعفن ويدفع ضرره بالليمون المملوح والزنجبيل وشحم المعز أقبض الشحوم وشحم التيوس أشد تحليلا وينفع من قروح الأمعاء وشحم العنز أقوى في ذلك ويحتقن به للسحج والزحير .

          حرف الصاد
          صلاة
          قال الله تعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين [ البقرة 45 ] وقال يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين [ البقرة 153 ] . وقال تعالى : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى [ طه : 132 ] .

          وفي " السنن " : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة

          وقد تقدم ذكر الاستشفاء بالصلاة من عامة الأوجاع قبل استحكامها .

          [منافع الصلاة ]

          والصلاة مجلبة للرزق حافظة للصحة دافعة للأذى مطردة للأدواء مقوية للقلب مبيضة للوجه مفرحة للنفس مذهبة للكسل منشطة للجوارح ممدة للقوى شارحة للصدر مغذية للروح منورة للقلب حافظة للنعمة دافعة للنقمة جالبة للبركة مبعدة من الشيطان مقربة من الرحمن .

          وبالجملة فلها تأثير عجيب في حفظ صحة البدن والقلب وقواهما ودفع المواد الرديئة عنهما وما ابتلي رجلان بعاهة أو داء أو محنة أو بلية إلا كان حظ المصلي منهما أقل وعاقبته أسلم .

          وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا ولا سيما إذا أعطيت حقها من التكميل ظاهرا وباطنا فما استدفعت شرور الدنيا والآخرة ولا استجلبت مصالحهما بمثل الصلاة وسر ذلك أن الصلاة صلة بالله عز وجل وعلى قدر صلة العبد بربه عز وجل تفتح عليه من الخيرات أبوابها وتقطع عنه من الشرور أسبابها وتفيض عليه مواد التوفيق من ربه عز وجل والعافية والصحة والغنيمة والغنى والراحة والنعيم والأفراح والمسرات كلها محضرة لديه ومسارعة إليه .

          صبر
          الصبر نصف الإيمان فإنه ماهية مركبة من صبر وشكر كما قال بعض السلف الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر قال تعالى : إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [ إبراهيم 5 ] والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد وهو ثلاثة أنواع صبر على فرائض الله فلا يضيعها وصبر عن محارمه فلا يرتكبها وصبر على أقضيته وأقداره فلا يتسخطها ومن استكمل هذه المراتب الثلاث استكمل الصبر ولذة الدنيا والآخرة ونعيمها والفوز والظفر فيهما لا يصل إليه أحد إلا على جسر الصبر كما لا يصل أحد إلى الجنة إلا على الصراط قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه خير عيش أدركناه بالصبر وإذا تأملت مراتب الكمال المكتسب في العالم رأيتها كلها منوطة بالصبر وإذا تأملت النقصان الذي يذم صاحبه عليه ويدخل تحت قدرته رأيته كله من عدم الصبر فالشجاعة والعفة والجود والإيثار كله صبر ساعة .

          فالصبر طلسم على كنز العلى

          من حل ذا الطلسم فاز بكنزه


          [أكثر أسقام البدن والقلب من عدم الصبر ]

          وأكثر أسقام البدن والقلب إنما تنشأ عن عدم الصبر فما حفظت صحة القلوب والأبدان والأرواح بمثل الصبر فهو الفاروق الأكبر والترياق الأعظم ولو لم يكن فيه إلا معية الله مع أهله فإن الله مع الصابرين ومحبته لهم فإن الله يحب الصابرين ونصره لأهله فإن النصر مع الصبر وإنه خير لأهله ولئن صبرتم لهو خير للصابرين [ النحل 126 ] وإنه سبب الفلاح يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون [ آل عمران 200 ] .

          صبر
          روى أبو داود في كتاب ( المراسيل من حديث قيس بن رافع القيسي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ماذا في الأمرين من الشفاء ؟ الصبر والثفاء وفي " السنن " لأبي داود : من حديث أم سلمة قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت علي صبرا فقال ماذا يا أم سلمة ؟ " فقلت : إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب قال " إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل ونهى عنه بالنهار .

          [منافع الصبر عامة ]

          الصبر كثير المنافع لا سيما الهندي منه ينقي الفضول الصفراوية التي في الدماغ وأعصاب البصر وإذا طلي على الجبهة والصدغ بدهن الورد نفع من الصداع وينفع من قروح الأنف والفم ويسهل السوداء والماليخوليا .

          [ منافع الصبر الفارسي ]

          والصبر الفارسي يذكي العقل ويمد الفؤاد وينقي الفضول الصفراوية والبلغميه من المعدة إذا شرب منه ملعقتان بماء ويرد الشهوة الباطلة والفاسدة وإذا شرب في البرد خيف أن يسهل دما .

          صوم
          الصوم جنة من أدواء الروح والقلب والبدن منافعه تفوت الإحصاء وله تأثير عجيب في حفظ الصحة وإذابة الفضلات وحبس النفس عن تناول مؤذياتها ولا سيما إذا كان باعتدال وقصد في أفضل أوقاته شرعا وحاجة البدن إليه طبعا .

          ثم إن فيه من إراحة القوى والأعضاء ما يحفظ عليها قواها وفيه خاصية تقتضي إيثاره وهي تفريحه للقلب عاجلا وآجلا وهو أنفع شيء لأصحاب الأمزجة الباردة والرطبة وله تأثير عظيم في حفظ صحتهم .

          وهو يدخل في الأدوية الروحانية والطبيعية وإذا راعى الصائم فيه ما ينبغي مراعاته طبعا وشرعا عظم انتفاع قلبه وبدنه به وحبس عنه المواد الغريبة الفاسدة التي هو مستعد لها وأزال المواد الرديئة الحاصلة بحسب كماله ونقصانه ويحفظ الصائم مما ينبغي أن يتحفظ منه ويعينه على قيامه بمقصود الصوم وسره وعلته الغائية فإن القصد منه أمر آخر وراء ترك الطعام والشراب وباعتبار ذلك الأمر اختص من بين الأعمال بأنه لله سبحانه ولما كان وقاية وجنة بين العبد وبين ما يؤذي قلبه وبدنه عاجلا وآجلا قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون [ البقرة 183 ] فأحد مقصودي الصيام الجنة والوقاية وهي حمية عظيمة النفع والمقصود الآخر اجتماع القلب والهم على الله تعالى وتوفير قوى النفس على محابه وطاعته وقد تقدم الكلام في بعض أسرار الصوم عند ذكر هديه صلى الله عليه وسلم فيه .



          حرف الضاد
          ضب
          ثبت في " الصحيحين " : من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنه لما قدم إليه وامتنع من أكله أحرام هو ؟ فقال لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه . وأكل بين يديه وعلى مائدته وهو ينظر

          وفي " الصحيحين " : من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لا أحله ولا أحرمه

          وهو حار يابس يقوي شهوة الجماع وإذا دق ووضع على موضع الشوكة اجتذبها .

          ضفدع
          قال الإمام أحمد : الضفدع لا يحل في الدواء نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلها يريد الحديث الذي رواه في " مسنده " من حديث عثمان بن عبد الرحمن رضي الله عنه أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه عن قتلها

          قال صاحب القانون : من أكل من دم الضفدع أو جرمه ورم بدنه وكمد لونه وقذف المني حتى يموت ولذلك ترك الأطباء استعماله خوفا من ضرره وهي نوعان مائية وترابية والترابية يقتل أكلها .

          حرف الطاء
          طيب
          ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال حبب إلي من دنياكم : النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة

          وكان صلى الله عليه وسلم يكثر التطيب وتشتد عليه الرائحة الكريهة وتشق عليه والطيب غذاء الروح التي هي مطية القوى تتضاعف وتزيد بالطيب كما تزيد بالغذاء والشراب والدعة والسرور ومعاشرة الأحبة وحدوث الأمور المحبوبة وغيبة من تسر غيبته ويثقل على الروح مشاهدته كالثقلاء والبغضاء فإن معاشرتهم توهن القوى وتجلب الهم والغم وهي للروح بمنزلة الحمى للبدن وبمنزلة الرائحة الكريهة ولهذا كان مما حبب الله سبحانه الصحابة بنهيهم عن التخلق بهذا الخلق في معاشرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتأذيه بذلك فقال إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق [ الأحزاب 53 ] .

          والمقصود أن الطيب كان من أحب الأشياء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وله تأثير في حفظ الصحة ودفع كثير من الآلام وأسبابها بسبب قوة الطبيعة به .

          طين
          ورد في أحاديث موضوعة لا يصح منها شيء مثل حديث من أكل الطين فقد أعان على قتل نفسه ومثل حديث يا حميراء لا تأكلي الطين فإنه يعصم البطن ويصفر اللون ويذهب بهاء الوجه

          وكل حديث في الطين فإنه لا يصح ولا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه رديء مؤذ يسد مجاري العروق وهو بارد يابس قوي التجفيف ويمنع استطلاق البطن ويوجب نفث الدم وقروح الفم .

          طلح
          قال تعالى : وطلح منضود [ الواقعة 29 ] قال أكثر المفسرين هو الموز . والمنضود هو الذي قد نضد بعضه على بعض كالمشط .

          وقيل الطلح الشجر ذو الشوك نضد مكان كل شوكة ثمرة فثمره قد نضد بعضه إلى بعض فهو مثل الموز وهذا القول أصح ويكون من ذكر الموز من السلف أراد التمثيل لا التخصيص والله أعلم .

          وهو حار رطب أجوده النضيج الحلو ينفع من خشونة الصدر والرئة والسعال وقروح الكليتين والمثانة ويدر البول ويزيد في المني ويحرك الشهوة للجماع ويلين البطن ويؤكل قبل الطعام ويضر المعدة ويزيد في الصفراء والبلغم ودفع ضرره بالسكر أو العسل .

          طلع
          قال تعالى : والنخل باسقات لها طلع نضيد [ ق : 10 ] وقال تعالى : ونخل طلعها هضيم [ الشعراء 148 ] .

          طلع النخل ما يبدو من ثمرته في أول ظهوره وقشره يسمى الكفرى والنضيد المنضود الذي قد نضد بعضه على بعض وإنما يقال له نضيد ما دام في كفراه فإذا انفتح فليس بنضيد .

          وأما الهضيم فهو المنضم بعضه إلى بعض فهو كالنضيد أيضا وذلك يكون قبل تشقق الكفرى عنه .

          والطلع نوعان ذكر وأنثى والتلقيح هو أن يؤخذ من الذكر وهو مثل دقيق الحنطة فيجعل في الأنثى وهو التأبير فيكون ذلك بمنزلة اللقاح بين الذكر والأنثى وقد روى مسلم في " صحيحه " : عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في نخل فرأى قوما يلقحون فقال ما يصنع هؤلاء ؟ " قالوا : يأخذون من الذكر فيجعلونه في الأنثى قال " ما أظن ذلك يغني شيئا " فبلغهم فتركوه فلم يصلح فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إنما هو ظن فإن كان يغني شيئا فاصنعوه فإنما أنا بشر مثلكم وإن الظن يخطئ ويصيب ولكن ما قلت لكم عن الله عز وجل . فلن أكذب على الله انتهى .

          طلع النخل ينفع من الباه ويزيد في المباضعة ودقيق طلعه إذا تحملت به المرأة قبل الجماع أعان على الحبل إعانة بالغة وهو في البرودة واليبوسة في الدرجة الثانية يقوي المعدة ويجففها ويسكن ثائرة الدم مع غلظة وبطء هضم .

          ولا يحتمله إلا أصحاب الأمزجة الحارة ومن أكثر منه فإنه ينبغي أن يأخذ عليه شيئا من الجوارشات الحارة وهو يعقل الطبع ويقوي الأحشاء والجمار يجري مجراه وكذلك البلح والبسر والإكثار منه يضر بالمعدة والصدر، وربما أورث القولنج، وإصلاحه بالسمن، أو بما تقدم ذكره.


          افتراضي

          حرف العين
          عنب
          في " الغيلانيات " من حديث حبيب بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل العنب خرطا قال أبو جعفر العقيلي : لا أصل لهذا الحديث قلت وفيه داود بن عبد الجبار أبو سليم الكوفي قال يحيى بن معين : كان يكذب .

          ويذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب العنب والبطيخ .

          وقد ذكر الله سبحانه العنب في ستة مواضع من كتابه في جملة نعمه التي أنعم بها على عباده في هذه الدار وفي الجنة وهو من أفضل الفواكه وأكثرها منافع وهو يؤكل رطبا ويابسا وأخضر ويانعا وهو فاكهة مع الفواكه وقوت مع الأقوات وأدم مع الإدام ودواء مع الأدوية وشراب مع الأشربة وطبعه طبع الحبات الحرارة والرطوبة وجيده الكبار المائي والأبيض أحمد من الأسود إذا تساويا في الحلاوة والمتروك بعد قطفه يومين أو ثلاثة أحمد من المقطوف في يومه فإنه منفخ مطلق للبطن والمعلق حتى يضمر قشره جيد للغذاء مقو للبدن وغذاؤه كغذاء التين والزبيب وإذا ألقي عجم العنب كان أكثر تليينا للطبيعة والإكثار منه مصدع للرأس ودفع مضرته بالرمان المز .

          ومنفعة العنب يسهل الطبع ويسمن ويغذو جيده غذاء حسنا وهو أحد الفواكه الثلاث التي هي ملوك الفواكه هو والرطب والتين .

          عسل
          قد تقدم ذكر منافعه . قال ابن جريج : قال الزهري : عليك بالعسل فإنه جيد للحفظ وأجوده أصفاه وأبيضه وألينه حدة وأصدقه حلاوة وما يؤخذ من الجبال والشجر له فضل على ما يؤخذ من الخلايا وهو بحسب مرعى نحله .

          عجوة
          في " الصحيحين " : من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر

          وفي " سنن النسائي " وابن ماجه : من حديث جابر وأبي سعيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم العجوة من الجنة وهي شفاء من السم والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين

          وقد قيل إن هذا في عجوة المدينة وهي أحد أصناف التمر بها ومن أنفع تمر الحجاز على الإطلاق وهو صنف كريم ملذذ متين للجسم والقوة من ألين التمر وأطيبه وألذه وقد تقدم ذكر التمر وطبعه ومنافعه في حرف التاء والكلام على دفع العجوة للسم والسحر فلا حاجة لإعادته .

          [إباحة ما في البحر لا يختص بالسمك ]

          عنبر
          تقدم في " الصحيحين " من حديث جابر في قصة أبي عبيدة وأكلهم من العنبر شهرا وأنهم تزودوا من لحمه وشائق إلى المدينة وأرسلوا منه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو أحد ما يدل على أن إباحة ما في البحر لا يختص بالسمك وعلى أن ميتته حلال واعترض على ذلك بأن البحر ألقاه حيا ثم جزر عنه الماء فمات وهذا حلال فإن موته بسبب مفارقته للماء وهذا لا يصح فإنهم إنما وجدوه ميتا بالساحل ولم يشاهدوه قد خرج عنه حيا ثم جزر عنه الماء .

          وأيضا : فلو كان حيا لما ألقاه البحر إلى ساحله فإنه من المعلوم أن البحر إنما يقذف إلى ساحله الميت من حيواناته لا الحي منها .

          وأيضا : فلو قدر احتمال ما ذكروه لم يجز أن يكون شرطا في الإباحة فإنه لا يباج الشيء مع الشك في سبب إباحته ولهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم من أكل الصيد إذا وجده الصائد غريقا في الماء للشك في سبب موته هل هو الآلة أم الماء ؟ .

          [طيب العنبر والمفاضلة بينه وبين المسك ]

          وأما العنبر الذي هو أحد أنواع الطيب فهو من أفخر أنواعه بعد المسك وأخطأ من قدمه على المسك وجعله سيد أنواع الطيب وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المسك هو أطيب الطيب وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر الخصائص والمنافع التي خص بها المسك حتى إنه طيب الجنة والكثبان التي هي مقاعد الصديقين هناك من مسك لا من عنبر .

          والذي غر هذا القائل أنه لا يدخله التغير على طول الزمان فهو كالذهب وهذا يدل على أنه أفضل من المسك فإنه بهذه الخاصية الواحدة لا يقاوم ما في المسك من الخواص .

          [أنواع طيب العنبر ]

          وبعد فضروبه كثيرة وألوانه مختلفة فمنه الأبيض والأشهب والأحمر والأصفر والأخضر والأزرق والأسود وذو الألوان وأجوده الأشهب ثم الأزرق ثم الأصفر وأردؤه الأسود . وقد اختلف الناس في عنصره فقالت طائفة هو نبات ينبت في قعر البحر فيبتلعه بعض دوابه فإذا ثملت منه قذفته رجيعا فيقذفه البحر إلى ساحله . وقيل طل ينزل من السماء في جزائر البحر فتلقيه الأمواج إلى الساحل وقيل روث دابة بحرية تشبه البقرة . وقيل بل هو جفاء من جفاء البحر أي زبد .

          وقال صاحب " القانون " : هو فيما يظن ينبع من عين في البحر والذي يقال إنه زبد البحر أو روث دابة بعيد انتهى .

          ومزاجه حار يابس مقو للقلب والدماغ والحواس وأعضاء البدن نافع من الفالج واللقوة والأمراض البلغمية وأوجاع المعدة الباردة والرياح الغليظة ومن السدد إذا شرب أو طلي به من خارج وإذا تبخر به نفع من الزكام والصداع والشقيقة الباردة .

          عود
          العود الهندي نوعان أحدهما : يستعمل في الأدوية وهو الكست ويقال له القسط وسيأتي في حرف القاف . الثاني : يستعمل في الطيب ويقال له الألوة . وقد روى مسلم في " صحيحه " : عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يستجمر بالألوة غير مطراة وبكافور يطرح معها ويقول هكذا كان يستجمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت عنه في صفة نعيم أهل الجنة مجامرهم الألوة والمجامر جمع مجمر وهو ما يتجمر به من عود وغيره وهو أنواع . أجودها : الهندي ثم الصيني ثم القماري ثم المندلي وأجوده الأسود والأزرق الصلب الرزين الدسم وأقله جودة ما خف وطفا على الماء ويقال إنه شجر يقطع ويدفن في الأرض سنة فتأكل الأرض منه ما لا ينفع ويبقى عود الطيب لا تعمل فيه الأرض شيئا يتعفن منه قشره وما لا طيب فيه .

          وهو حار يابس في الثالثة يفتح السدد ويكسر الرياح ويذهب بفضل الرطوبة ويقوي الأحشاء والقلب ويفرحه وينفع الدماغ ويقوي الحواس ويحبس البطن وينفع من سلس البول الحادث عن برد المثانة .

          قال ابن سمجون : العود ضروب كثيرة يجمعها اسم الألوة ويستعمل من داخل وخارج ويتجمر به مفردا ومع غيره وفي الخلط للكافور به عند التجمير معنى طبي وهو إصلاح كل منهما بالآخر وفي التجمر مراعاة جوهر الهواء وإصلاحه فإنه أحد الأشياء الستة الضرورية التي في صلاحها صلاح الأبدان .

          عدس
          قد ورد فيه أحاديث كلها باطلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل شيئا منها كحديث إنه قدس على لسان سبعين نبيا وحديث إنه يرق القلب ويغزر الدمعة وإنه مأكول الصالحين وأرفع شيء جاء فيه وأصحه أنه شهوة اليهود التي قدموها على المن والسلوى وهو قرين الثوم والبصل في الذكر .

          وطبعه طبع المؤنث بارد يابس وفيه قوتان متضادتان . إحداهما : يعقل الطبيعة . والأخرى : يطلقها وقشره حار يابس في الثالثة حريف مطلق للبطن وترياقه في قشره ولهذا كان صحاحه أنفع من مطحونه وأخف على المعدة وأقل ضررا فإن لبه بطيء الهضم لبرودته ويبوسته وهو مولد للسوداء ويضر بالماليخوليا ضررا بينا ويضر بالأعصاب والبصر .

          وهو غليظ الدم وينبغي أن يتجنبه أصحاب السوداء وإكثارهم منه يولد لهم أدواء رديئة كالوسواس والجذام وحمى الربع ويقلل ضرره السلق والإسفاناخ وإكثار الدهن . وأردأ ما أكل بالنمكسود وليتجنب خلط الحلاوة به فإنه يورث سددا كبدية وإدمانه يظلم البصر لشدة تجفيفه ويعسر البول ويوجب الأورام الباردة والرياح الغليظة وأجوده الأبيض السمين السريع النضج .

          وأما ما يظنه الجهال أنه كان سماط الخليل الذي يقدمه لأضيافه فكذب مفترى وإنما حكى الله عنه الضيافة بالشواء وهو العجل الحنيذ .

          [قول ابن المبارك في العدس ]

          وذكر البيهقي عن إسحاق قال سئل ابن المبارك عن الحديث الذي جاء في العدس أنه قدس على لسان سبعين نبيا فقال ولا على لسان نبي واحد وإنه لمؤذ منفخ من حدثكم به ؟ قالوا : سلم بن سالم فقال عمن ؟ قالوا : عنك . قال وعني أيضا ؟ .

          حرف الغين
          غيث
          مذكور في القرآن في عدة مواضع وهو لذيذ الاسم على السمع والمسمى على الروح والبدن تبتهج الأسماع بذكره والقلوب بوروده وماؤه أفضل المياه وألطفها وأنفعها وأعظمها بركة ولا سيما إذا كان من سحاب راعد واجتمع في مستنقعات الجبال وهو أرطب من سائر المياه لأنه لم تطل مدته على الأرض فيكتسب من يبوستها ولم يخالطه جوهر يابس ولذلك يتغير ويتعفن سريعا للطافته وسرعة انفعاله وهل الغيث الربيعي ألطف من الشتوي أو بالعكس ؟ فيه قولان .

          [الترجيح بين الغيث الشتوي والربيعي ]

          قال من رجح الغيث الشتوي حرارة الشمس تكون حينئذ أقل فلا تجتذب من ماء البحر إلا ألطفه والجو صاف وهو خال من الأبخرة الدخانية والغبار المخالط للماء وكل هذا يوجب لطفه وصفاءه وخلوه من مخالط .

          قال من رجح الربيعي الحرارة توجب تحلل الأبخرة الغليظة وتوجب رقة الهواء ولطافته فيخف بذلك الماء وتقل أجزاؤه الأرضية وتصادف وقت حياة النبات والأشجار وطيب الهواء .

          [تبركه صلى الله عليه وسلم بالمطر]

          وذكر الشافعي رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابنا مطر فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه وقال إنه حديث عهد بربه وقد تقدم في هديه في الاستشفاء ذكر استمطاره صلى الله عليه وسلم وتبركه بماء الغيث عند أول مجيئه.

          حرف الفاء
          فاتحة الكتاب
          وأم القرآن والسبع المثاني والشفاء التام والدواء النافع والرقية التامة ومفتاح الغنى والفلاح وحافظة القوة ودافعة الهم والغم والخوف والحزن لمن عرف مقدارها وأعطاها حقها وأحسن تنزيلها على دائه وعرف وجه الاستشفاء والتداوي بها والسر الذي لأجله كانت كذلك .

          ولما وقع بعض الصحابة على ذلك رقى بها اللديغ فبرأ لوقته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وما أدراك أنها رقية

          ومن ساعده التوفيق وأعين بنور البصيرة حتى وقف على أسرار هذه السورة وما اشتملت عليه من التوحيد ومعرفة الذات والأسماء والصفات والأفعال وإثبات الشرع والقدر والمعاد وتجريد توحيد الربوبية والإلهية وكمال التوكل والتفويض إلى من له الأمر كله وله الحمد كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله والافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصل سعادة الدارين وعلم ارتباط معانيها بجلب مصالحهما ودفع مفاسدهما وأن العاقبة المطلقة التامة والنعمة الكاملة منوطة بها موقوفة على التحقق بها أغنته عن كثير من الأدوية والرقى واستفتح بها من الخير أبوابه ودفع بها من الشر أسبابه .

          وهذا أمر يحتاج استحداث فطرة أخرى وعقل آخر وإيمان آخر وتالله لا تجد مقالة فاسدة ولا بدعة باطلة إلا وفاتحة الكتاب متضمنة لردها وإبطالها بأقرب الطرق وأصحها وأوضحها ولا تجد بابا من أبواب المعارف الإلهية وأعمال القلوب وأدويتها من عللها وأسقامها إلا وفي فاتحة الكتاب مفتاحه وموضع الدلالة عليه ولا منزلا من منازل السائرين إلى رب العالمين إلا وبدايته ونهايته فيها .

          ولعمر الله إن شأنها لأعظم من ذلك وهي فوق ذلك . وما تحقق عبد بها واعتصم بها وعقل عمن تكلم بها وأنزلها شفاء تاما وعصمة بالغة ونورا مبينا وفهمها وفهم لوازمها كما ينبغي ووقع في بدعة ولا شرك ولا أصابه مرض من أمراض القلوب إلا لماما غير مستقر .

          هذا وإنها المفتاح الأعظم لكنوز الأرض كما أنها المفتاح لكنوز الجنة ولكن ليس كل واحد يحسن الفتح بهذا المفتاح ولو أن طلاب الكنوز وقفوا على سر هذه السورة وتحققوا بمعانيها وركبوا لهذا المفتاح أسنانا وأحسنوا الفتح به لوصلوا إلى تناول الكنوز من غير معاوق ولا ممانع .

          ولم نقل هذا مجازفة ولا استعارة بل حقيقة ولكن لله تعالى حكمة بالغة في إخفاء هذا السر عن نفوس أكثر العالمين كما له حكمة بالغة في إخفاء كنوز الأرض عنهم والكنوز المحجوبة قد استخدم عليها أرواح خبيثة شيطانية تحول بين الإنس وبينها ولا تقهرها إلا أرواح علوية شريفة غالبة لها بحالها الإيماني معها منه أسلحة لا تقوم لها الشياطين وأكثر نفوس الناس ليست بهذه المثابة فلا يقاوم تلك الأرواح ولا يقهرها ولا ينال من سلبها شيئا فإن من قتل قتيلا فله سلبه .

          فاغية
          هي نور الحناء وهي من أطيب الرياحين وقد روى البيهقي في كتابه " شعب الإيمان " من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه يرفعه سيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية وروى فيه أيضا عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان أحب الرياحين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاغية

          والله أعلم بحال هذين الحديثين فلا نشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا نعلم صحته .

          وهي معتدلة في الحر واليبس فيها بعض القبض وإذا وضعت بين طي ثياب الصوف حفظتها من السوس وتدخل في مراهم الفالج والتمدد ودهنها يحلل الأعضاء ويلين العصب .

          فضة
          ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خاتمه من فضة وفصه منه وكانت قبيعة سيفه فضة ولم يصح عنه في المنع من لباس الفضة والتحلي بها شيء البتة كما صح عنه المنع من الشرب في آنيتها وباب الآنية أضيق من باب اللباس والتحلي ولهذا يباح للنساء لباسا وحلية ما يحرم عليهن استعماله آنية فلا يلزم من تحريم الآنية تحريم اللباس والحلية .

          وفي " السنن " عنه وأما الفضة فالعبوا بها لعبا فالمنع يحتاج إلى دليل يبينه إما نص أو إجماع فإن ثبت أحدهما وإلا ففي القلب من تحريم ذلك على الرجال شيء والنبي صلى الله عليه وسلم أمسك بيده ذهبا وبالأخرى حريرا وقال هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم

          والفضة سر من أسرار الله في الأرض وطلسم الحاجات وإحسان أهل الدنيا بينهم وصاحبها مرموق بالعيون بينهم معظم في النفوس مصدر في المجالس لا تغلق دونه الأبواب ولا تمل مجالسته ولا معاشرته ولا يستثقل مكانه تشير الأصابع إليه وتعقد العيون نطاقها عليه إن قال سمع قوله وإن شفع قبلت شفاعته وإن شهد زكيت شهادته وإن خطب فكفء لا يعاب وإن كان ذا شيبة بيضاء فهي أجمل عليه من حلية الشباب .

          وهي من الأدوية المفرحة النافعة من الهم والغم والحزن وضعف القلب وخفقانه وتدخل في المعاجين الكبار وتجتذب بخاصيتها ما يتولد في القلب من الأخلاط الفاسدة خصوصا إذا أضيفت إلى العسل المصفى والزعفران .

          ومزاجها إلى اليبوسة والبرودة ويتولد عنها من الحرارة والرطوبة ما يتولد والجنان التي أعدها الله عز وجل لأوليائه يوم يلقونه أربع جنتان من ذهب وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما . وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم " الصحيح " من حديث أم سلمة أنه قال الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم

          وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة

          [علة تحريم الفضة ]

          فقيل علة التحريم تضييق النقود فإنها إذا اتخذت أواني فاتت الحكمة التي وضعت لأجلها من قيام مصالح بني آدم وقيل العلة الفخر والخيلاء . وقيل العلة كسر قلوب الفقراء والمساكين إذا رأوها وعاينوها .

          وهذه العلل فيها ما فيها فإن التعليل بتضييق النقود يمنع من التحلي بها وجعلها سبائك ونحوها مما ليس بآنية ولا نقد والفخر والخيلاء حرام بأي شيء كان وكسر قلوب المساكين لا ضابط له فإن قلوبهم تنكسر بالدور الواسعة والحدائق المعجبة والمراكب الفارهة والملابس الفاخرة والأطعمة اللذيذة وغير ذلك من المباحات وكل هذه علل منتقضة إذ توجد العلة ويتخلف معلولها .

          [علة عند المصنف ]

          فالصواب أن العلة - والله أعلم - ما يكسب استعمالها القلب من الهيئة والحالة المنافية للعبودية منافاة ظاهرة ولهذا علل النبي صلى الله عليه وسلم بأنها للكفار في الدنيا إذ ليس لهم نصيب من العبودية التي ينالون بها في الآخرة نعيمها فلا يصلح استعمالها لعبيد الله في الدنيا وإنما يستعملها من خرج عن عبوديته ورضي بالدنيا وعاجلها من الآخرة .

          حرف القاف
          قرآن
          قال الله تعالى : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين [ الإسراء : 82 ] والصحيح أن " من " ها هنا لبيان الجنس لا للتبعيض وقال تعالى : يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور [ يونس 57 ] .

          فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية وأدواء الدنيا والآخرة وما كل أحد يؤهل ولا يوفق للاستشفاء به وإذا أحسن العليل التداوي به ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام واعتقاد جازم واستيفاء شروطه لم يقاومه الداء أبدا .

          وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال لصدعها أو على الأرض لقطعها فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه لمن رزقه الله فهما في كتابه وقد تقدم في أول الكلام على الطب بيان إرشاد القرآن العظيم إلى أصوله ومجامعه التي هي حفظ الصحة والحمية واستفراغ المؤذي والاستدلال بذلك على سائر أفراد هذه الأنواع .

          وأما الأدوية القلبية فإنه يذكرها مفصلة ويذكر أسباب أدوائها وعلاجها . قال أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم [ العنكبوت : 51 ] فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه الله ومن لم يكفه فلا كفاه الله .

          قثاء
          في " السنن " : من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل القثاء بالرطب ورواه الترمذي وغيره القثاء بارد رطب في الدرجة الثانية مطفئ لحرارة المعدة الملتهبة بطيء الفساد فيها نافع من وجع المثانة ورائحته تنفع من الغشي وبزره يدر البول وورقه إذا اتخذ ضمادا نفع من عضة الكلب وهو بطيء الانحدار عن المعدة وبرده مضر ببعضها فينبغي أن يستعمل معه ما يصلحه ويكسر برودته ورطوبته كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أكله بالرطب فإذا أكل بتمر أو زبيب أو عسل عدله .

          قسط وكست
          بمعنى واحد . وفي " الصحيحين " : من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم خير ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري

          وفي " المسند " : من حديث أم قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بهذا العود الهندي فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب

          القسط نوعان أحدهما : الأبيض الذي يقال له البحري . والآخر الهندي وهو أشدهما حرا والأبيض ألينهما ومنافعهما كثيرة جدا .

          وهما حاران يابسان في الثالثة ينشفان البلغم قاطعان للزكام وإذا شربا نفعا من ضعف الكبد والمعدة ومن بردهما ومن حمى الدور والربع وقطعا وجع الجنب ونفعا من السموم وإذا طلي به الوجه معجونا بالماء والعسل قلع الكلف وقال جالينوس : ينفع من الكزاز ووجع الجنبين ويقتل حب القرع .

          [الرد على من أنكر نفعه للمجنوب ]

          وقد خفي على جهال الأطباء نفعه من وجع ذات الجنب فأنكروه ولو ظفر هذا الجاهل بهذا النقل عن جالينوس لنزوله منزلة النص كيف وقد نص كثير من الأطباء المتقدمين على أن القسط يصلح للنوع البلغمي من ذات الجنب ذكره الخطابي عن محمد بن الجهم .

          وقد تقدم أن طب الأطباء بالنسبة إلى طب الأنبياء أقل من نسبة طب الطرقية والعجائز إلى طب الأطباء وأن بين ما يلقى بالوحي وبين ما يلقى بالتجربة والقياس من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق .

          ولو أن هؤلاء الجهال وجدوا دواء منصوصا عن بعض اليهود والنصارى والمشركين من الأطباء لتلقوه بالقبول والتسليم ولم يتوقفوا على تجربته .

          نعم نحن لا ننكر أن للعادة تأثيرا في الانتفاع بالدواء وعدمه فمن اعتاد دواء وغذاء كان أنفع له وأوفق ممن لم يعتده بل ربما لم ينتفع به من لم يعتده .

          وكلام فضلاء الأطباء وإن كان مطلقا فهو بحسب الأمزجة والأزمنة والأماكن والعوائد وإذا كان التقييد بذلك لا يقدح في كلامهم ومعارفهم فكيف يقدح في كلام الصادق المصدوق ولكن نفوس البشر مركبة على الجهل والظلم إلا من أيده الله بروح الإيمان ونور بصيرته بنور الهدى .

          قصب السكر
          جاء في بعض ألفاظ السنة الصحيحة في الحوض ماؤه أحلى من السكر ولا أعرف السكر في الحديث إلا في هذا الموضع .

          والسكر حادث لم يتكلم فيه متقدمو الأطباء ولا كانوا يعرفونه ولا يصفونه في الأشربة وإنما يعرفون العسل ويدخلونه في الأدوية وقصب السكر حار رطب ينفع من السعال ويجلو الرطوبة والمثانة وقصبة الرئة وهو أشد تليينا من السكر وفيه معونة على القيء ويدر البول ويزيد في الباه .

          قال عفان بن مسلم الصفار : من مص قصب السكر بعد طعامه لم يزل يومه أجمع في سرور انتهى .

          وهو ينفع من خشونة الصدر والحلق إذا شوي ويولد رياحا دفعها بأن يقشر ويغسل بماء حار .

          والسكر حار رطب على الأصح وقيل بارد وأجوده الأبيض الشفاف الطبرزد وعتيقه ألطف من جديده وإذا طبخ ونزعت رغوته سكن العطش والسعال وهو يضر المعدة التي تتولد فيها الصفراء لاستحالته إليها ودفع ضرره بماء الليمون أو النارنج أو الرمان اللفان .

          وبعض الناس يفضله على العسل لقلة حرارته ولينه وهذا تحامل منه على العسل فإن منافع العسل أضعاف منافع السكر وقد جعله الله شفاء ودواء وإداما وحلاوة وأين نفع السكر من منافع العسل من تقوية المعدة وتليين الطبع وإحداد البصر وجلاء ظلمته ودفع الخوانيق بالغرغرة به وإبرائه من الفالج واللقوة ومن جميع العلل الباردة التي تحدث في جميع البدن من الرطوبات فيجذبها من قعر البدن ومن جميع البدن وحفظ صحته وتسمينه وتسخينه والزيادة في الباه والتحليل والجلاء وفتح أفواه العروق وتنقية المعى وإحدار الدود ومنع التخم وغيره من العفن والأدم النافع وموافقة من غلب عليه البلغم والمشايخ وأهل الأمزجة الباردة وبالجملة فلا شيء أنفع منه للبدن وفي العلاج وعجز الأدوية وحفظ قواها وتقوية المعدة إلى أضعاف هذه المنافع فأين للسكر مثل هذه المنافع



          حرف الكاف
          كتاب للحمى
          قال المروزي : بلغ أبا عبد الله أني حممت فكتب لي من الحمى رقعة فيها : بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله محمد رسول الله قلنا : يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل اشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك وجبروتك إله الحق آمين .

          [ الاختلاف في حكم التمائم ]

          قال المروزي : وقرأ على أبي عبد الله - وأنا أسمع - أبو المنذر عمرو بن مجمع حدثنا يونس بن حبان قال سألت أبا جعفر محمد بن علي أن أعلق التعويذ فقال

          إن كان من كتاب الله أو كلام عن نبي الله فعلقه واستشف به ما استطعت . قلت أكتب هذه من حمى الربع باسم الله وبالله ومحمد رسول الله إلى آخره ؟ قال أي نعم .

          وذكر أحمد عن عائشة رضي الله عنها وغيرها أنهم سهلوا في ذلك .

          قال حرب ولم يشدد فيه أحمد بن حنبل قال أحمد وكان ابن مسعود يكرهه كراهة شديدة جدا . وقال أحمد وقد سئل عن التمائم تعلق بعد نزول البلاء ؟ قال أرجو أن لا يكون به بأس .

          قال الخلال وحدثنا عبد الله بن أحمد قال رأيت أبي يكتب التعويذ للذي يفزع وللحمى بعد وقوع البلاء .

          كتاب لعسر الولادة
          قال الخلال حدثني عبد الله بن أحمد : قال رأيت أبي يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولادتها في جام أبيض أو شيء نظيف يكتب حديث ابن عباس رضي الله عنه لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ [ الأحقاف 35 ] كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها

          [ النازعات 46 ] .

          قال الخلال أنبأنا أبو بكر المروزي أن أبا عبد الله جاءه رجل فقال يا أبا عبد الله تكتب لامرأة قد عسر عليها ولدها منذ يومين ؟ فقال قل له يجيء بجام واسع وزعفران ورأيته يكتب لغير واحد ويذكر عن عكرمة عن ابن عباس قال

          مر عيسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم على بقرة قد اعترض ولدها في بطنها فقالت يا كلمة الله ادع الله لي أن يخلصني مما أنا فيه فقال

          يا خالق النفس من النفس ويا مخلص النفس من النفس ويا مخرج النفس من النفس خلصها . قال فرمت بولدها فإذا هي قائمة تشمه قال فإذا عسر على المرأة ولدها فاكتبه لها . وكل ما تقدم من الرقى فإن كتابته نافعة .

          [ حكم كتابة بعض القرآن وشربه ]

          ورخص جماعة من السلف في كتابة بعض القرآن وشربه وجعل ذلك من الشفاء الذي جعل الله فيه .

          كتاب آخر لذلك يكتب في إناء نظيف إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت [ الانشقاق 41 ] وتشرب منه الحامل ويرش على بطنها .

          كتاب للرعاف
          كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يكتب على جبهته

          وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر [ هود : 44 ] . وسمعته يقول كتبتها لغير واحد فبرأ فقال ولا يجوز كتابتها بدم الراعف كما يفعله الجهال فإن الدم نجس فلا يجوز أن يكتب به كلام الله تعالى .

          كتاب آخر له خرج موسى عليه السلام برداء فوجد شعيبا فشده بردائه يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب [ الرعد 39 ] .

          كتاب آخر للحزاز يكتب عليه فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت [ البقرة 266 ] بحول الله وقوته . كتاب آخر له عند اصفرار الشمس يكتب عليه يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم [ الحديد 28 ] .

          كتاب آخر للحمى المثلثة يكتب على ثلاث ورقات لطاف

          بسم الله فرت بسم الله مرت بسم الله قلت ويأخذ كل يوم ورقة ويجعلها في فمه ويبتلعها بماء .

          كتاب آخر لعرق النسا : بسم الله الرحمن الرحيم اللهم رب كل شيء ومليك كل شيء وخالق كل شيء أنت خلقتني وأنت خلقت النسا فلا تسلطه علي بأذى ولا تسلطني عليه بقطع واشفني شفاء لا يغادر سقما لا شافي إلا أنت .

          كتاب للعرق الضارب
          روى الترمذي في " جامعه " : من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم من الحمى ومن الأوجاع كلها أن يقولوا : بسم الله الكبير أعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار ومن شر حر النار

          كتاب لوجع الضرس
          يكتب على الخد الذي يلي الوجع بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون [ النحل 78 ] وإن شاء كتب وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم [ الأنعام 13 ] . كتاب للخراج يكتب عليه ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا [ طه : 105 ] .



          كمأة
          ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين أخرجاه في " الصحيحين " .

          قال ابن الأعرابي : الكمأة جمع واحده كمء وهذا خلاف قياس العربية فإن ما بينه وبين واحده التاء فالواحد منه التاء وإذا حذفت كان للجمع . وهل هو جمع أو اسم جمع ؟ على قولين مشهورين قالوا : ولم يخرج عن هذا إلا حرفان كمأة وكمء وجبأة وجبء وقال غير ابن الأعرابي : بل هي على القياس الكمأة للواحد والكمء للكثير وقال غيرهما : الكمأة تكون واحدا وجمعا .

          واحتج أصحاب القول الأول بأنهم قد جمعوا كمئا على أكمؤ قال الشاعر

          ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا

          ولقد نهيتك عن بنات الأوبر


          وهذا يدل على أن " كمئا " مفرد " وكمأة " جمع .

          والكمأة تكون في الأرض من غير أن تزرع وسميت كمأة لاستتارها ومنه كمأ الشهادة إذا سترها وأخفاها والكمأة مخفية تحت الأرض لا ورق لها ولا ساق ومادتها من جوهر أرضي بخاري محتقن في الأرض نحو سطحها يحتقن ببرد الشتاء وتنميه أمطار الربيع فيتولد ويندفع نحو سطح الأرض متجسدا ولذلك يقال لها : جدري الأرض تشبيها بالجدري في صورته ومادته لأن مادته رطوبة دموية فتندفع عند سن الترعرع في الغالب وفي ابتداء استيلاء الحرارة ونماء القوة .

          وهي مما يوجد في الربيع ويؤكل نيئا ومطبوخا وتسميها العرب : نبات الرعد لأنها تكثر بكثرته وتنفطر عنها الأرض وهي من أطعمة أهل البوادي وتكثر بأرض العرب وأجودها ما كانت أرضها رملية قليلة الماء .

          وهي أصناف منها صنف قتال يضرب لونه إلى الحمرة يحدث الاختناق . وهي باردة رطبة في الدرجة الثالثة رديئة للمعدة بطيئة الهضم وإذا أدمنت أورثت القولنج والسكتة والفالج ووجع المعدة وعسر البول والرطبة أقل ضررا من اليابسة ومن أكلها فليدفنها في الطين الرطب ويسلقها بالماء والملح والصعتر ويأكلها بالزيت والتوابل الحارة لأن جوهرها أرضي غليظ وغذاؤها رديء لكن فيها جوهر مائي لطيف يدل على خفتها والاكتحال بها نافع من ظلمة البصر والرمد الحار وقد اعترف فضلاء الأطباء بأن ماءها يجلو العين وممن ذكره المسيحي وصاحب القانون وغيرهما .

          [ معنى " الكمأة من المن " ]

          وقوله صلى الله عليه وسلم الكمأة من المن فيه قولان أحدهما : أن المن الذي أنزل على بني إسرائيل لم يكن هذا الحلو فقط بل أشياء كثيرة من الله عليهم بها من النبات الذي يوجد عفوا من غير صنعة ولا علاج ولا حرث فإن المن مصدر بمعنى المفعول أي " ممنون " به فكل ما رزقه الله العبد عفوا بغير كسب منه ولا علاج فهو من محض وإن كانت سائر نعمه منا منه على عبده فخص منها ما لا كسب له فيه ولا صنع باسم المن فإنه من بلا واسطة العبد وجعل سبحانه قوتهم بالتيه الكمأة وهي تقوم مقام الخبز وجعل أدمهم السلوى وهو يقوم مقام اللحم وجعل حلواهم الطل الذي ينزل على الأشجار يقوم لهم مقام الحلوى فكمل عيشهم .

          وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم الكمأة من المن الذي أنزله الله على بني إسرائيل فجعلها من جملته وفردا من أفراده والترنجبين الذي يسقط على الأشجار نوع من المن ثم غلب استعمال المن عليه عرفا حادثا .

          والقول الثاني : أنه شبه الكمأة بالمن المنزل من السماء لأنه يجمع من غير تعب ولا كلفة ولا زرع بزر ولا سقي .

          [ من أين أتى الضرر الواقع فيها ]

          فإن قلت : فإن كان هذا شأن الكمأة فما بال هذا الضرر فيها ومن أين أتاها ذلك ؟ فاعلم أن الله سبحانه أتقن كل شيء صنعه وأحسن كل شيء خلقه فهو عند مبدأ خلقه بريء من الآفات والعلل تام المنفعة لما هيئ وخلق له وإنما تعرض له الآفات بعد ذلك بأمور أخر من مجاورة أو امتزاج واختلاط أو أسباب أخر تقتضي فساده فلو ترك على خلقته الأصلية من غير تعلق أسباب الفساد به لم يفسد .

          [ قلة البركة والآفات جاءت من كثرة الفساد ]

          ومن له معرفة بأحوال العالم ومبدئه يعرف أن جميع الفساد في جوه ونباته وحيوانه وأحوال أهله حادث بعد خلقه بأسباب اقتضت حدوثه ولم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرسل تحدث لهم من الفساد العام والخاص ما يجلب عليهم من الآلام والأمراض والأسقام والطواعين والقحوط والجدوب وسلب بركات الأرض وثمارها ونباتها وسلب منافعها أو نقصانها أمورا متتابعة يتلو بعضها بعضا فإن لم يتسع علمك لهذا فاكتف بقوله تعالى : ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس [ الروم : 41 ] ونزل هذه الآية على أحوال العالم وطابق بين الواقع وبينها وأنت ترى كيف تحدث الآفات والعلل كل وقت في الثمار والزرع والحيوان وكيف يحدث من تلك الآفات آفات أخر متلازمة بعضها آخذ برقاب بعض وكلما أحدث الناس ظلما وفجورا أحدث لهم ربهم تبارك وتعالى من الآفات والعلل في أغذيتهم وفواكههم وأهويتهم ومياههم وأبدانهم وخلقهم وصورهم وأشكالهم وأخلاقهم من النقص والآفات ما هو موجب أعمالهم وظلمهم وفجورهم .

          ولقد كانت الحبوب من الحنطة وغيرها أكبر مما هي اليوم كما كانت البركة فيها أعظم .

          وقد روى الإمام أحمد بإسناده أنه وجد في خزائن بعض بني أمية صرة فيها حنطة أمثال نوى التمر مكتوب عليها : هذا كان ينبت أيام العدل . وهذه القصة ذكرها في " مسنده " على أثر حديث رواه .

          وأكثر هذه الأمراض والآفات العامة بقية عذاب عذبت به الأمم السالفة ثم بقيت منها بقية مرصدة لمن بقيت عليه بقية من أعمالهم حكما قسطا وقضاء عدلا وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله في الطاعون إنه بقية رجز أو عذاب أرسل على بني إسرائيل

          وكذلك سلط الله سبحانه وتعالى الريح على قوم سبع ليال وثمانية أيام ثم أبقى في العالم منها بقية في تلك الأيام وفي نظيرها عظة وعبرة .

          وقد جعل الله سبحانه أعمال البر والفاجر مقتضيات لآثارها في هذا العالم اقتضاء لا بد منه فجعل منع الإحسان والزكاة والصدقة سببا لمنع الغيث من السماء والقحط والجدب وجعل ظلم المساكين والبخس في المكاييل والموازين وتعدي القوي على الضعيف سببا لجور الملوك والولاة الذين لا يرحمون إن استرحموا ولا يعطفون إن استعطفوا وهم في الحقيقة أعمال الرعايا ظهرت في صور ولاتهم فإن الله سبحانه بحكمته وعدله يظهر للناس أعمالهم في قوالب وصور تناسبها فتارة بقحط وجدب وتارة بعدو وتارة بولاة جائرين وتارة بأمراض عامة وتارة بهموم وآلام وغموم تحضرها نفوسهم لا ينفكون عنها وتارة بمنع بركات السماء والأرض عنهم وتارة بتسليط الشياطين عليهم تؤزهم إلى أسباب العذاب أزا لتحق عليهم الكلمة وليصير كل منهم إلى ما خلق له والعاقل يسير بصيرته بين أقطار العالم فيشاهده وينظر مواقع عدل الله وحكمته وحينئذ يتبين له أن الرسل وأتباعهم خاصة على سبيل النجاة وسائر الخلق على سبيل الهلاك سائرون وإلى دار البوار صائرون والله بالغ أمره لا معقب لحكمه ولا راد لأمره وبالله التوفيق .

          [ معنى " ماؤها شفاء للعين " ]

          وقوله صلى الله عليه وسلم في الكمأة وماؤها شفاء للعين فيه ثلاثة أقوال

          أحدها : أن ماءها يخلط في الأدوية التي يعالج بها العين لا أنه يستعمل وحده ذكره أبو عبيد .

          الثاني : أنه يستعمل بحتا بعد شيها واستقطار مائها لأن النار تلطفه وتنضجه وتذيب فضلاته ورطوبته المؤذية وتبقي المنافع .

          الثالث أن المراد بمائها الماء الذي يحدث به من المطر وهو أول قطر ينزل إلى الأرض فتكون الإضافة إضافة اقتران لا إضافة جزء ذكره ابن الجوزي وهو أبعد الوجوه وأضعفها .

          وقيل إن استعمل ماؤها لتبريد ما في العين فماؤها مجردا شفاء إن كان لغير ذلك فمركب مع غيره .

          وقال الغافقي : ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين إذا عجن به الإثمد واكتحل به ويقوي أجفانها ويزيد الروح الباصرة قوة وحدة ويدفع عنها نزول النوازل .



          كباث
          في " الصحيحين " : من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نجني الكباث فقال " عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه .

          الكباث بفتح الكاف والباء الموحدة المخففة والثاء المثلثة - ثمر الأراك وهو بأرض الحجاز وطبعه حار يابس ومنافعه كمنافع الأراك يقوي المعدة ويجيد الهضم ويجلو البلغم وينفع من أوجاع الظهر وكثير من الأدواء . قال ابن جلجل إذا شرب طحينه أدر البول ونقى المثانة وقال ابن رضوان يقوي المعدة ويمسك الطبيعة .

          كتم
          روى البخاري في " صحيحه " : عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال دخلنا على أم سلمة رضي الله عنها فأخرجت إلينا شعرا من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو مخضوب بالحناء والكتم .

          وفي " السنن الأربعة " : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم .

          وفي " الصحيحين " : عن أنس رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه اختضب بالحناء والكتم .

          وفي " سنن أبي داود " : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل قد خضب بالحناء فقال ما أحسن هذا ؟ فمر آخر قد خضب بالحناء والكتم فقال هذا أحسن من هذا فمر آخر قد خضب بالصفرة فقال هذا أحسن من هذا كله .

          قال الغافقي الكتم نبت ينبت بالسهول ورقه قريب من ورق الزيتون يعلو فوق القامة وله ثمر قدر حب الفلفل في داخله نوى إذا رضخ اسود وإذا استخرجت عصارة ورقه وشرب منها قدر أوقية قيأ قيئا شديدا وينفع عن عضة الكلب وأصله إذا طبخ بالماء كان منه مداد يكتب به .

          وقال الكندي بزر الكتم إذا اكتحل به حلل الماء النازل في العين وأبرأها . وقد ظن بعض الناس أن الكتم هو الوسمة وهي ورق النيل وهذا وهم فإن الوسمة غير الكتم . قال صاحب " الصحاح " : الكتم بالتحريك نبت يخلط بالوسمة يختضب به قيل والوسمة نبات له ورق طويل يضرب لونه إلى الزرقة أكبر من ورق الخلاف يشبه ورق اللوبيا وأكبر منه يؤتى به من الحجاز واليمن .

          [ هل اختضب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ]

          فإن قيل قد ثبت في " الصحيح " عن أنس رضي الله عنه أنه قال لم يختضب النبي صلى الله عليه وسلم .

          قيل قد أجاب أحمد بن حنبل عن هذا وقال قد شهد به غير أنس رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم أنه خضب وليس من شهد بمنزلة من لم يشهد فأحمد أثبت خضاب النبي صلى الله عليه وسلم ومعه جماعة من المحدثين ومالك أنكره .

          فإن قيل فقد ثبت في " صحيح مسلم " النهي عن الخضاب بالسواد في شأن أبي قحافة لما أتي به ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا فقال غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد . والكتم يسود الشعر .

          [ حكم الخضاب بالسواد ]

          فالجواب من وجهين أحدهما : أن النهي عن التسويد البحت فأما إذا أضيف إلى الحناء شيء آخر كالكتم ونحوه فلا بأس به فإن الكتم والحناء يجعل الشعر بين الأحمر والأسود بخلاف الوسمة فإنها تجعله أسود فاحما وهذا أصح الجوابين .

          الجواب الثاني : أن الخضاب بالسواد المنهي عنه خضاب التدليس كخضاب شعر الجارية والمرأة الكبيرة تغر الزوج والسيد بذلك وخضاب الشيخ يغر المرأة بذلك فإنه من الغش والخداع فأما إذا لم يتضمن تدليسا ولا خداعا فقد صح عن الحسن والحسين رضي الله عنهما أنهما كانا يخضبان بالسواد ذكر ذلك ابن جرير عنهما في كتاب " تهذيب الآثار " وذكره عن عثمان بن عفان وعبد الله بن جعفر وسعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر والمغيرة بن شعبة وجرير بن عبد الله وعمرو بن العاص وحكاه عن جماعة من التابعين منهم عمرو بن عثمان وعلي بن عبد الله بن عباس وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن بن الأسود وموسى بن طلحة والزهري وأيوب وإسماعيل بن معدي كرب . وحكاه ابن الجوزي عن محارب بن دثار ويزيد وابن جريج وأبي يوسف وأبي إسحاق وابن أبي ليلى وزياد بن علاقة وغيلان بن جامع ونافع بن جبير وعمرو بن علي المقدمي والقاسم بن سلام .

          كرم
          شجرة العنب وهي الحبلة ويكره تسميتها كرما لما روى مسلم في " صحيحه " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يقولن أحدكم للعنب الكرم . الكرم الرجل المسلم . وفي رواية إنما الكرم قلب المؤمن وفي أخرى : لا تقولوا : الكرم وقولوا : العنب والحبلة .

          [ علة النهي عن تسمية العنب كرما ]

          وفي هذا معنيان

          أحدهما : أن العرب كانت تسمي شجرة العنب الكرم لكثرة منافعها وخيرها فكره النبي صلى الله عليه وسلم تسميتها باسم يهيج النفوس على محبتها ومحبة ما يتخذ منها من المسكر وهو أم الخبائث فكره أن يسمى أصله بأحسن الأسماء وأجمعها للخير .

          والثاني : أنه من باب قوله ليس الشديد بالصرعة . وليس المسكين بالطواف . أي أنكم تسمون شجرة العنب كرما لكثرة منافعه وقلب المؤمن أو الرجل المسلم أولى بهذا الاسم منه فإن المؤمن خير كله ونفع فهو من باب التنبيه والتعريف لما في قلب المؤمن من الخير والجود والإيمان والنور والهدى والتقوى والصفات التي يستحق بها هذا الاسم أكثر من استحقاق الحبلة له .

          وبعد فقوة الحبلة باردة يابسة وورقها وعلائقها وعرموشها مبرد في آخر الدرجة الأولى وإذا دقت وضمد بها من الصداع سكنته ومن الأورام الحارة والتهاب المعدة . وعصارة قضبانه إذا شربت سكنت القيء وعقلت البطن وكذلك إذا مضغت قلوبها الرطبة . وعصارة ورقها تنفع من قروح الأمعاء ونفث الدم وقيئه ووجع المعدة ودمع شجره الذي يحمل على القضبان كالصمغ إذا شرب أخرج الحصاة وإذا لطخ به أبرأ القوب والجرب المتقرح وغيره وينبغي غسل العضو قبل استعمالها بالماء والنطرون وإذا تمسح بها مع الزيت حلق الشعر ورماد قضبانه إذا تضمد به مع الخل ودهن الورد والسذاب نفع من الورم العارض في الطحال وقوة دهن زهرة الكرم قابضة شبيهة بقوة دهن الورد ومنافعها كثيرة قريبة من منافع النخلة .

          كرفس
          روي في حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من أكله ثم نام عليه نام ونكهته طيبة وينام آمنا من وجع الأضراس والأسنان وهذا باطل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن البستاني منه يطيب النكهة جدا وإذا علق أصله في الرقبة نفع من وجع الأسنان .

          وهو حار يابس وقيل رطب مفتح لسداد الكبد والطحال وورقه رطبا ينفع المعدة والكبد الباردة ويدر البول والطمث ويفتت الحصاة وحبه أقوى في ذلك ويهيج الباه وينفع من البخر . قال الرازي وينبغي أن يجتنب أكله إذا خيف من لدغ العقارب .

          كراث
          فيه حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو باطل موضوع من أكل الكراث ثم نام عليه نام آمنا من ريح البواسير واعتزله الملك لنتن نكهته حتى يصبح .

          وهو نوعان نبطي وشامي فالنبطي البقل الذي يوضع على المائدة . والشامي الذي له رءوس وهو حار يابس مصدع وإذا طبخ وأكل أو شرب ماؤه نفع من البواسير الباردة . وإن سحق بزره وعجن بقطران وبخرت به الأضراس التي فيها الدود نثرها وأخرجها ويسكن الوجع العارض فيها وإذا دخنت المقعدة ببزره خفت البواسير هذا كله في الكراث النبطي .

          وفيه مع ذلك فساد الأسنان واللثة ويصدع ويري أحلاما رديئة ويظلم البصر وينتن النكهة، وفيه إدرار للبول والطمث، وتحريك للباه ، وهو بطيئ الهضم .

          حرف اللام
          لحم
          قال الله تعالى : وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون [ الطور 22 ] . وقال ولحم طير مما يشتهون [ الواقعة 21 ] .

          وفي " سنن ابن ماجه " من حديث أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم ومن حديث بريدة يرفعه خير الإدام في الدنيا والآخرة اللحم

          وفي " الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام والثريد الخبز واللحم

          قال الشاعر

          إذا ما الخبز تأدمه بلحم

          فذاك أمانة الله الثريد


          وقال الزهري : أكل اللحم يزيد سبعين قوة . وقال محمد بن واسع : اللحم يزيد في البصر ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كلوا اللحم " فإنه يصفي اللون ويخمص البطن ويحسن الخلق وقال نافع كان ابن عمر إذا كان رمضان لم يفته اللحم وإذا سافر لم يفته اللحم ويذكر عن علي من تركه أربعين ليلة ساء خلقه

          وأما حديث عائشة رضي الله عنها الذي رواه أبو داود مرفوعا : لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه من صنيع الأعاجم وانهسوه فإنه أهنأ وأمرأ " فرده الإمام أحمد بما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قطعه بالسكين في حديثين وقد تقدما .

          واللحم أجناس يختلف باختلاف أصوله وطبائعه فنذكر حكم كل جنس وطبعه ومنفعته ومضرته .

          [ لحم الضأن ]

          لحم الضأن حار في الثانية رطب في الأولى جيده الحولي يولد الدم المحمود القوي لمن جاد هضمه يصلح لأصحاب الأمزجة الباردة والمعتدلة ولأهل الرياضات التامة في المواضع والفصول الباردة نافع لأصحاب المرة السوداء يقوي الذهن والحفظ . ولحم الهرم والعجيف رديء وكذلك لحم النعاج وأجوده لحم الذكر الأسود منه فإنه أخف وألذ وأنفع والخصي أنفع وأجود والأحمر من الحيوان السمين أخف وأجود غذاء والجذع من المعز أقل تغذية ويطفو في المعدة .

          وأفضل اللحم عائذه بالعظم والأيمن أخف وأجود من الأيسر والمقدم أفضل من المؤخر وكان أحب الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمها وكل ما علا منه سوى الرأس كان أخف وأجود مما سفل وأعطى الفرزدق رجلا يشتري له لحما وقال له خذ المقدم وإياك والرأس والبطن فإن الداء فيهما . ولحم العنق جيد لذيذ سريع الهضم خفيف ولحم الذراع أخف اللحم وألذه وألطفه وأبعده من الأذى وأسرعه انهضاما .

          وفي " الصحيحين " : أنه كان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحم الظهر كثير الغذاء يولد دما محمودا . وفي " سنن ابن ماجه " مرفوعا : أطيب اللحم لحم الظهر

          [ لحم المعز ]

          لحم المعز قليل الحرارة يابس وخلطه المتولد منه ليس بفاضل وليس بجيد الهضم ولا محمود الغذاء . ولحم التيس رديء مطلقا شديد اليبس عسر الانهضام مولد للخلط السوداوي . قال الجاحظ : قال لي فاضل من الأطباء يا أبا عثمان إياك ولحم المعز فإنه يورث الغم ويحرك السوداء ويورث النسيان ويفسد الدم وهو والله يخبل الأولاد .

          وقال بعض الأطباء إنما المذموم منه المسن ولا سيما للمسنين ولا رداءة فيه لمن اعتاده . وجالينوس جعل الحولي منه من الأغذية المعتدلة المعدلة للكيموس المحمود وإناثه أنفع من ذكوره .

          وقد روى النسائي في " سننه " عن النبي صلى الله عليه وسلم أحسنوا إلى الماعز وأميطوا عنها الأذى فإنها من دواب الجنة

          وفي ثبوت هذا الحديث نظر . وحكم الأطباء عليه بالمضرة حكم جزئي ليس بكلي عام وهو بحسب المعدة الضعيفة والأمزجة الضعيفة التي لم تعتده واعتادت المأكولات اللطيفة وهؤلاء أهل الرفاهية من أهل المدن وهم القليلون من الناس .

          [ لحم الجدي ]

          لحم الجدي قريب إلى الاعتدال خاصة ما دام رضيعا ولم يكن قريب العهد بالولادة وهو أسرع هضما لما فيه من قوة اللبن ملين للطبع موافق لأكثر الناس في أكثر الأحوال وهو ألطف من لحم الجمل والدم المتولد عنه معتدل .

          [ لحم البقر ]

          لحم البقر بارد يابس عسر الانهضام بطيء الانحدار يولد دما سوداويا لا يصلح إلا لأهل الكد والتعب الشديد ويورث إدمانه الأمراض السوداوية كالبهق والجرب والقوباء والجذام وداء الفيل والسرطان والوسواس وحمى الربع وكثير من الأورام وهذا لمن لم يعتده أو لم يدفع ضرره بالفلفل والثوم والدارصيني والزنجبيل ونحوه وذكره أقل برودة وأنثاه أقل يبسا . ولحم العجل ولا سيما السمين من أعدل الأغذية وأطيبها وألذها وأحمدها وهو حار رطب وإذا انهضم غذى غذاء قويا .

          [ لحم الفرس ]

          لحم الفرس : ثبت في " الصحيح " عن أسماء رضي الله عنها قالت نحرنا فرسا فأكلناه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

          وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أذن في لحوم الخيل ونهى عن لحوم الحمر أخرجاه في " الصحيحين " . ولا يثبت عنه حديث المقدام بن معدي كرب - رضي الله عنه - أنه نهى عنه . قاله أبو داود وغيره من أهل الحديث .

          [ سبب اقتران الخيل مع البغال والحمير في القرآن ]

          واقترانه بالبغال والحمير في القرآن لا يدل على أن حكم لحمه حكم لحومها بوجه من الوجوه كما لا يدل على أن حكمها في السهم في الغنيمة حكم الفرس والله سبحانه يقرن في الذكر بين المتماثلات تارة وبين المختلفات وبين المتضادات وليس في قوله
          لتركبوها [ النحل 8 ] ما يمنع من أكلها كما ليس فيه ما يمنع من غير الركوب من وجوه الانتفاع وإنما نص على أجل منافعها وهو الركوب والحديثان في حلها صحيحان لا معارض لهما وبعد فلحمها حار يابس غليظ سوداوي مضر لا يصلح للأبدان اللطيفة .

          [ لحم الجمل ]

          لحم الجمل فرق ما بين الرافضة وأهل السنة كما أنه أحد الفروق بين اليهود وأهل الإسلام فاليهود والرافضة تذمه ولا تأكله وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام حله وطالما أكله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حضرا وسفرا .

          [ علة الوضوء من أكل لحم الجمل ]

          ولحم الفصيل منه من ألذ اللحوم وأطيبها وأقواها غذاء وهو لمن اعتاده بمنزلة لحم الضأن لا يضرهم البتة ولا يولد لهم داء وإنما ذمه بعض الأطباء بالنسبة إلى أهل الرفاهية من أهل الحضر الذين لم يعتادوه فإن فيه حرارة ويبسا وتوليدا للسوداء وهو عسر الانهضام وفيه قوة غير محمودة لأجلها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء من أكله في حديثين صحيحين لا معارض لهما ولا يصح تأويلهما بغسل اليد لأنه خلاف المعهود من الوضوء في كلامه صلى الله عليه وسلم لتفريقه بينه وبين لحم الغنم فخير بين الوضوء وتركه منها وحتم الوضوء من لحوم الإبل . ولو حمل الوضوء على غسل اليد فقط لحمل على ذلك في قوله من مس فرجه فليتوضأ

          وأيضا : فإن آكلها قد لا يباشر أكلها بيده بأن يوضع في فمه فإن كان وضوءه غسل يده فهو عبث وحمل لكلام الشارع على غير معهوده وعرفه ولا يصح معارضته بحديث كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار لعدة أوجه

          أحدها : أن هذا عام والأمر بالوضوء منها خاص .

          الثاني : أن الجهة مختلفة فالأمر بالوضوء منها بجهة كونها لحم إبل سواء كان نيئا أو مطبوخا أو قديدا ولا تأثير للنار في الوضوء وأما ترك الوضوء مما مست النار ففيه بيان أن مس النار ليس بسبب للوضوء فأين أحدهما من الآخر ؟ هذا فيه إثبات سبب الوضوء وهو كونه لحم إبل وهذا فيه نفي لسبب الوضوء وهو كونه ممسوس النار فلا تعارض بينهما بوجه .

          الثالث أن هذا ليس فيه حكاية لفظ عام عن صاحب الشرع وإنما هو إخبار عن واقعة فعل في أمرين أحدهما متقدم على الآخر كما جاء ذلك مبينا في نفس الحديث أنهم قربوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لحما فأكل ثم حضرت الصلاة فتوضأ فصلى ثم قربوا إليه فأكل ثم صلى ولم يتوضأ فكان آخر الأمرين منه ترك الوضوء مما مست النار هكذا جاء الحديث فاختصره الراوي لمكان الاستدلال فأين في هذا ما يصلح لنسخ الأمر بالوضوء منه حتى لو كان لفظا عاما متأخرا مقاوما لم يصلح للنسخ ووجب تقديم الخاص عليه وهذا في غاية الظهور .

          [ لحم الضب ]

          لحم الضب تقدم الحديث في حله ولحمه حار يابس يقوي شهوة الجماع .

          [ لحم الغزال ]

          لحم الغزال الغزال أصلح الصيد وأحمده لحما وهو حار يابس وقيل معتدل جدا نافع للأبدان المعتدلة الصحيحة وجيده الخشف .

          [ لحم الظبي ]

          لحم الظبي حار يابس في الأولى مجفف للبدن صالح للأبدان الرطبة . قال صاحب " القانون " : وأفضل لحوم الوحش لحم الظبي مع ميله إلى السوداوية .

          [ لحم الأرانب ]

          لحم الأرانب ثبت في " الصحيحين " : عن أنس بن مالك قال أنفجنا أرنبا فسعوا في طلبها فأخذوها فبعث أبو طلحة بوركها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله

          لحم الأرنب معتدل إلى الحرارة واليبوسة وأطيبها وركها وأحمده أكل لحمها مشويا وهو يعقل البطن ويدر البول ويفتت الحصى وأكل رءوسها ينفع من الرعشة .

          [ لحم حمار الوحش ]

          لحم حمار الوحش ثبت في " الصحيحين " : من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض عمره وأنه صاد حمار وحش فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأكله وكانوا محرمين ولم يكن أبو قتادة محرما .

          وفي " سنن ابن ماجه " : عن جابر قال أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش

          [ لحم الوحوش ]

          لحمه حار يابس كثير التغذية مولد دما غليظا سوداويا إلا أن شحمه نافع مع دهن القسط لوجع الظهر والريح الغليظة المرخية للكلى وشحمه جيد للكلف طلاء وبالجملة فلحوم الوحوش كلها تولد دما غليظا سوداويا وأحمده الغزال وبعده الأرنب .

          [ لحوم الأجنة وحكم أكلها ]

          لحوم الأجنة غير محمودة لاحتقان الدم فيها وليست بحرام لقوله صلى الله عليه وسلم ذكاة الجنين ذكاة أمه ومنع أهل العراق من أكله إلا أن يدركه حيا فيذكيه وأولوا الحديث على أن المراد به أن ذكاته كذكاة أمه . قالوا : فهو حجة على التحريم وهذا فاسد فإن أول الحديث أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله نذبح الشاة فنجد في بطنها جنينا أفنأكله ؟ فقال " كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه

          وأيضا : فالقياس يقتضي حله فإنه ما دام حملا فهو جزء من أجزاء الأم فذكاتها ذكاة لجميع أجزائها وهذا هو الذي أشار إليه صاحب الشرع بقوله " ذكاته ذكاة أمه كما تكون ذكاتها ذكاة سائر أجزائها فلو لم تأت عنه السنة الصريحة بأكله لكان القياس الصحيح يقتضي حله .

          [ لحم القديد ]

          لحم القديد في " السنن " من حديث ثوبان رضي الله عنه قال ذبحت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة ونحن مسافرون فقال " أصلح لحمها " فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة

          القديد أنفع من النمكسود ويقوي الأبدان ويحدث حكة ودفع ضرره بالأبازير الباردة الرطبة ويصلح الأمزجة الحارة والنمكسود : حار يابس مجفف جيده من السمين الرطب يضر بالقولنج ودفع مضرته طبخه باللبن والدهن، ويصلح للمزاج الحار الرطب .

          فصل في لحوم الطير
          قال الله تعالى : ولحم طير مما يشتهون [ الواقعة 21 ] .

          وفي " مسند البزار " وغيره مرفوعا إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر مشويا بين يديك

          [ الحرام من الطيور ]

          ومنه حلال ومنه حرام . فالحرام ذو المخلب كالصقر والبازي والشاهين وما يأكل الجيف كالنسر والرخم واللقلق والعقعق والغراب الأبقع والأسود الكبير وما نهي عن قتله كالهدهد والصرد وما أمر بقتله كالحدأة والغراب .

          [ لحم الدجاج ]

          والحلال أصناف كثيرة فمنه الدجاج ففي " الصحيحين " : من حديث أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحم الدجاج

          وهو حار رطب في الأولى خفيف على المعدة سريع الهضم جيد الخلط يزيد في الدماغ والمني ويصفي الصوت ويحسن اللون ويقوي العقل ويولد دما جيدا وهو مائل إلى الرطوبة ويقال إن مداومة أكله تورث النقرس ولا يثبت ذلك .

          [ لحم الديك ]

          ولحم الديك أسخن مزاجا وأقل رطوبة والعتيق منه دواء ينفع القولنج والربو والرياح الغليظة إذا طبخ بماء القرطم والشبث وخصيها محمود الغذاء سريع الانهضام والفراريج سريعة الهضم ملينة للطبع والدم المتولد منها دم لطيف جيد .

          [ لحم الدراج ]

          لحم الدراج حار يابس في الثانية خفيف لطيف سريع الانهضام مولد للدم المعتدل والإكثار منه يحد البصر .

          [ لحم الحجل ]

          لحم الحجل يولد الدم الجيد سريع الانهضام .

          لحم الإوز

          لحم الإوز . حار يابس رديء الغذاء إذا اعتيد وليس بكثير الفضول .

          [ لحم البط ]

          لحم البط حار رطب كثير الفضول عسر الانهضام غير موافق للمعدة .

          [ لحم الحبارى ]

          لحم الحبارى : في " السنن " . من حديث بريه بن عمر بن سفينة عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حبارى

          وهو حار يابس عسر الانهضام نافع لأصحاب الرياضة والتعب .

          [ لحم الكركي ]

          لحم الكركي يابس خفيف وفي حره وبرده خلاف يولد دما سوداويا ويصلح لأصحاب الكد والتعب وينبغي أن يترك بعد ذبحه يوما أو يومين ثم يؤكل .

          [ لحم العصافير والقنابر ]

          لحم العصافير والقنابر روى النسائي في " سننه " : من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقه بغير حقه إلا سأله الله عز وجل عنها . قيل يا رسول الله وما حقه ؟ قال " تذبحه فتأكله ولا تقطع رأسه وترمي به

          وفي " سننه " أيضا : عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله يقول يا رب إن فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني لمنفعة

          ولحمه حار يابس عاقل للطبيعة يزيد في الباه ومرقه يلين الطبع وينفع المفاصل وإذا أكلت أدمغتها بالزنجبيل والبصل هيجت شهوة الجماع وخلطها غير محمود .

          [ لحم الحمام ]

          لحم الحمام حار رطب وحشيه أقل رطوبة وفراخه أرطب خاصية وما ربي في الدور وناهضه أخف لحما وأحمد غذاء ولحم ذكورها شفاء من الاسترخاء والخدر والسكتة والرعشة وكذلك شم رائحة أنفاسها وأكل فراخها معين على النساء وهو جيد للكلى يزيد في الدم وقد روي فيها حديث باطل لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا شكا إليه الوحدة فقال " اتخذ زوجا من الحمام " . وأجود من هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يتبع حمامة فقال شيطان يتبع شيطانة

          وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه في خطبته يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام .

          [ لحم القطا ]

          لحم القطا : يابس يولد السوداء ويحبس الطبع وهو من شر الغذاء إلا أنه ينفع من الاستسقاء .

          [ لحم السمانى ]

          لحم السمانى : حار يابس ينفع المفاصل ويضر بالكبد الحار ودفع مضرته بالخل والكسفرة وينبغي أن يجتنب من لحوم الطير ما كان في الآجام والمواضع العفنة ولحوم الطير كلها أسرع انهضاما من المواشي وأسرعها انهضاما أقلها غذاء وهي الرقاب والأجنحة وأدمغتها أحمد من أدمغة المواشي .

          الجراد في " الصحيحين " : عن عبد الله بن أبي أوفى قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد وفي " المسند " عنه أحلت لنا ميتتان ودمان : الحوت والجراد والكبد والطحال يروى مرفوعا وموقوفا على ابن عمر رضي الله عنه .

          وهو حار يابس قليل الغذاء وإدامة أكله تورث الهزال وإذا تبخر به نفع من تقطير البول وعسره وخصوصا للنساء ويتبخر به للبواسير وسمانه يشوى ويؤكل للسع العقرب وهو ضار لأصحاب الصرع رديء الخلط وفي إباحة ميتته بلا سبب قولان فالجمهور على حله وحرمه مالك ولا خلاف في إباحة ميتته إذا مات بسبب كالكبس والتحريق ونحوه .

          فصل [ ضرر المداومة على اللحم ]

          وينبغي أن لا يداوم على أكل اللحم فإنه يورث الأمراض الدموية والامتلائية والحميات الحادة وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إياكم واللحم فإن له ضراوة كضراوة الخمر ذكره مالك في " الموطأ " عنه . وقال أبقراط لا تجعلوا أجوافكم مقبرة للحيوان.


          افتراضي

          [ اللبن ]
          قال الله تعالى : وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين [ النحل 66 ] وقال في الجنة فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه [ محمد : 15 ] . وفي " السنن " مرفوعا : من أطعمه الله طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وارزقنا خيرا منه ومن سقاه الله لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإني لا أعلم ما يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن

          اللبن وإن كان بسيطا في الحس إلا أنه مركب في أصل الخلقة تركيبا طبيعيا من جواهر ثلاثة الجبنية والسمنية والمائية ، فالجبنية باردة رطبة مغذية للبدن ، والسمنية معتدلة الحرارة والرطوبة ملائمة للبدن الإنساني الصحيح كثيرة المنافع والمائية حارة رطبة مطلقة للطبيعة مرطبة للبدن واللبن على الإطلاق أبرد وأرطب من المعتدل .

          وقيل قوته عند حلبه الحرارة والرطوبة وقيل معتدل في الحرارة والبرودة .

          وأجود ما يكون اللبن حين يحلب ثم لا يزال تنقص جودته على ممر الساعات فيكون حين يحلب أقل برودة وأكثر رطوبة والحامض بالعكس ويختار اللبن بعد الولادة بأربعين يوما وأجوده ما اشتد بياضه وطاب ريحه ولذ طعمه وكان فيه حلاوة يسيرة ودسومة معتدلة واعتدل قوامه في الرقة والغلظ وحلب من حيوان فتي صحيح معتدل اللحم محمود المرعى والمشرب .

          وهو محمود يولد دما جيدا ويرطب البدن اليابس ويغذو غذاء حسنا وينفع من الوسواس والغم والأمراض السوداوية وإذا شرب مع العسل نقى القروح الباطنة من الأخلاط العفنة وشربه مع السكر يحسن اللون جدا والحليب يتدارك ضرر الجماع ويوافق الصدر والرئة جيد لأصحاب السل رديء للرأس والمعدة والكبد والطحال والإكثار منه مضر بالأسنان واللثة ولذلك ينبغي أن يتمضمض بعده بالماء وفي " الصحيحين " : أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبنا ثم دعا بماء فتمضمض وقال إن له دسما

          وهو رديء للمحمومين وأصحاب الصداع مؤذ للدماغ والرأس الضعيف والمداومة عليه تحدث ظلمة البصر والغشاء ووجع المفاصل وسدة الكبد والنفخ في المعدة والأحشاء وإصلاحه بالعسل والزنجبيل المربى ونحوه وهذا كله لمن لم يعتده .

          [ لبن الضأن ]

          لبن الضأن أغلظ الألبان وأرطبها وفيه من الدسومة والزهومة ما ليس في لبن الماعز والبقر يولد فضولا بلغميا ويحدث في الجلد بياضا إذا أدمن استعماله ولذلك ينبغي أن يشاب هذا اللبن بالماء ليكون ما نال البدن منه أقل وتسكينه للعطش أسرع وتبريده أكثر .

          [لبن المعز ]

          لبن المعز لطيف معتدل مطلق للبطن مرطب للبدن اليابس نافع من قروح الحلق والسعال اليابس ونفث الدم .

          واللبن المطلق أنفع المشروبات للبدن الإنساني لما اجتمع فيه من التغذية والدموية ولاعتياده حال الطفولية وموافقته للفطرة الأصلية وفي " الصحيحين " : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي ليلة أسري به بقدح من خمر وقدح من لبن فنظر إليهما ثم أخذ اللبن فقال جبريل الحمد لله الذي هداك للفطرة لو أخذت الخمر غوت أمتك والحامض منه بطيء الاستمراء خام الخلط والمعدة الحارة تهضمه وتنتفع به .

          [ لبن البقر ]

          لبن البقر يغذو البدن ويخصبه ويطلق البطن باعتدال وهو من أعدل الألبان وأفضلها بين لبن الضأن ولبن المعز في الرقة والغلظ والدسم وفي " السنن " : من حديث عبد الله بن مسعود يرفعه عليكم بألبان البقر فإنها ترم من كل الشجر " .

          [ لبن الإبل ]

          لبن الإبل تقدم ذكره في أول الفصل وذكر منافعه فلا حاجة لإعادته .

          لبان
          [ بيان فائدته لطرد النسيان ]

          هو الكندر قد ورد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم بخروا بيوتكم باللبان والصعتر ولا يصح عنه ولكن يروى عن علي أنه قال لرجل شكا إليه النسيان عليك باللبان فإنه يشجع القلب ويذهب بالنسيان ويذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أن شربه مع السكر على الريق جيد للبول والنسيان . ويذكر عن أنس رضي الله عنه أنه شكا إليه رجل النسيان فقال عليك بالكندر وانقعه من الليل فإذا أصبحت فخذ منه شربة على الريق فإنه جيد للنسيان .

          ولهذا سبب طبيعي ظاهر فإن النسيان إذا كان لسوء مزاج بارد رطب يغلب على الدماغ فلا يحفظ ما ينطبع فيه نفع منه اللبان وأما إذا كان النسيان لغلبة شيء عارض أمكن زواله سريعا بالمرطبات . والفرق بينهما أن اليبوسي يتبعه سهر وحفظ الأمور الماضية دون الحالية والرطوبي بالعكس .

          وقد يحدث النسيان أشياء بالخاصية كحجامة نقرة القفا وإدمان أكل الكسفرة الرطبة والتفاح الحامض وكثرة الهم والغم والنظر في الماء الواقف والبول فيه والنظر إلى المصلوب والإكثار من قراءة ألواح القبور والمشي بين جملين مقطورين وإلقاء القمل في الحياض وأكل سؤر الفأر وأكثر هذا معروف بالتجربة .

          والمقصود أن اللبان مسخن في الدرجة الثانية ومجفف في الأولى وفيه قبض يسير وهو كثير المنافع قليل المضار فمن منافعه أن ينفع من قذف الدم ونزفه ووجع المعدة واستطلاق البطن ويهضم الطعام ويطرد الرياح ويجلو قروح العين وينبت اللحم في سائر القروح ويقوي المعدة الضعيفة ويسخنها ويجفف البلغم وينشف رطوبات الصدر ويجلو ظلمة البصر ويمنع القروح الخبيثة من الانتشار وإذا مضغ وحده أو مع الصعتر الفارسي جلب البلغم ونفع من اعتقال اللسان ويزيد في الذهن ويذكيه وإن بخر به ماء نفع من الوباء وطيب رائحة الهواء .


          افتراضي

          حرف الميم
          ماء
          مادة الحياة وسيد الشراب وأحد أركان العالم بل ركنه الأصلي فإن السماوات خلقت من بخاره والأرض من زبده وقد جعل الله منه كل شيء حي .

          وقد اختلف فيه هل يغذو أو ينفذ الغذاء فقط ؟ على قولين وقد تقدما وذكرنا القول الراجح ودليله .

          وهو بارد رطب يقمع الحرارة ويحفظ على البدن رطوباته ويرد عليه بدل ما تحلل منه ويرقق الغذاء وينفذه في العروق .

          [اختبار جودة الماء ]

          وتعتبر جودة الماء من عشرة طرق

          أحدها : من لونه بأن يكون صافيا .

          الثاني : من رائحته بأن لا تكون له رائحة البتة .

          الثالث من طعمه بأن يكون عذب الطعم حلوه كماء النيل والفرات .

          الرابع من وزنه بأن يكون خفيفا رقيق القوام .

          الخامس من مجراه . بأن يكون طيب المجرى والمسلك .

          السادس من منبعه بأن يكون بعيد المنبع .

          السابع من بروزه للشمس والريح بأن لا يكون مختفيا تحت الأرض فلا تتمكن الشمس والريح من قصارته .

          الثامن من حركته بأن يكون سريع الجري والحركة .

          التاسع من كثرته بأن يكون له كثرة يدفع الفضلات المخالطة له .

          العاشر من مصبه بأن يكون آخذا من الشمال إلى الجنوب أو من المغرب إلى المشرق .

          وإذا اعتبرت هذه الأوصاف لم تجدها بكمالها إلا في الأنهار الأربعة النيل والفرات وسيحون وجيحون .

          وفي " الصحيحين " : من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة

          [اختبار خفة الماء ]

          وتعتبر خفة الماء من ثلاثة أوجه أحدها : سرعة قبوله للحر والبرد قال أبقراط : الماء الذي يسخن سريعا ويبرد سريعا أخف المياه . الثاني : بالميزان الثالث أن تبل قطنتان متساويتا الوزن بماءين مختلفين ثم يجففا بالغا ثم توزنا فأيتهما كانت أخف فماؤها كذلك .

          والماء وإن كان في الأصل باردا رطبا فإن قوته تنتقل وتتغير لأسباب عارضة توجب انتقالها فإن الماء المكشوف للشمال المستور عن الجهات الأخر يكون باردا وفيه يبس مكتسب من ريح الشمال وكذلك الحكم على سائر الجهات الأخر .

          والماء الذي ينبع من المعادن يكون على طبيعة ذلك المعدن ويؤثر في البدن تأثيره والماء العذب نافع للمرضى والأصحاء والبارد منه أنفع وألذ ولا ينبغي شربه على الريق ولا عقيب الجماع ولا الانتباه من النوم ولا عقيب الحمام ولا عقيب أكل الفاكهة وقد تقدم .

          وأما على الطعام فلا بأس به إذا اضطر إليه بل يتعين ولا يكثر منه بل يتمصصه مصا فإنه لا يضره البتة بل يقوي المعدة وينهض الشهوة ويزيل العطش .

          والماء الفاتر ينفخ ويفعل ضد ما ذكرناه وبائته أجود من طريه وقد تقدم . والبارد ينفع من داخل أكثر من نفعه من خارج والحار بالعكس وينفع البارد من عفونة الدم وصعود الأبخرة إلى الرأس ويدفع العفونات ويوافق الأمزجة والأسنان والأزمان والأماكن الحارة ويضر على كل حالة تحتاج إلى نضج وتحليل كالزكام والأورام والشديد البرودة منه يؤذي الأسنان والإدمان عليه يحدث انفجار الدم والنزلات وأوجاع الصدر .

          والبارد والحار بإفراط ضاران للعصب ولأكثر الأعضاء لأن أحدهما محلل والآخر مكثف والماء الحار يسكن لذع الأخلاط الحادة ويحلل وينضج ويخرج الفضول ويرطب ويسخن ويفسد الهضم شربه ويطفو بالطعام إلى أعلى المعدة ويرخيها ولا يسرع في تسكين العطش ويذبل البدن ويؤدي إلى أمراض رديئة ويضر في أكثر الأمراض على أنه صالح للشيوخ وأصحاب الصرع والصداع البارد والرمد . وأنفع ما استعمل من خارج .

          [الماء المشمس ]

          ولا يصح في الماء المسخن بالشمس حديث ولا أثر ولا كرهه أحد من قدماء الأطباء ولا عابوه والشديد السخونة يذيب شحم الكلى وقد تقدم الكلام على ماء الأمطار في حرف العين .

          ماء الثلج والبرد

          ثبت في " الصحيحين " : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو في الاستفتاح وغيره اللهم اغسلني من خطاياي بماء الثلج والبرد

          الثلج له في نفسه كيفية حادة دخانية فماؤه كذلك وقد تقدم وجه الحكمة في طلب الغسل من الخطايا بمائه لما يحتاج إليه القلب من التبريد والتصليب والتقوية ويستفاد من هذا أصل طب الأبدان والقلوب ومعالجة أدوائها بضدها .

          وماء البرد ألطف وألذ من ماء الثلج وأما ماء الجمد وهو الجليد فبحسب أصله .

          والثلج يكتسب كيفية الجبال والأرض التي يسقط عليها في الجودة والرداءة وينبغي تجنب شرب الماء المثلوج عقيب الحمام والجماع والرياضة والطعام الحار ولأصحاب السعال ووجع الصدر وضعف الكبد وأصحاب الأمزجة الباردة .

          [ ماء الآبار والقني ]

          مياه الآبار قليلة اللطافة وماء القني المدفونة تحت الأرض ثقيل لأن أحدهما محتقن لا يخلو عن تعفن والآخر محجوب عن الهواء وينبغي ألا يشرب على الفور حتى يصمد للهواء وتأتي عليه ليلة وأردؤه ما كانت مجاريه من رصاص أو كانت بئره معطلة ولا سيما إذا كانت تربتها رديئة فهذا الماء وبيء وخيم .

          ماء زمزم

          سيد المياه وأشرفها وأجلها قدرا وأحبها إلى النفوس وأغلاها ثمنا وأنفسها عند الناس وهو هزمة جبريل وسقيا الله إسماعيل . وثبت في " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر وقد أقام بين الكعبة وأستارها أربعين ما بين يوم وليلة ليس له طعام غيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إنها طعام طعم وزاد غير مسلم بإسناده وشفاء سقم تحسين المصنف لحديث ماء زمزم لما شرب له

          وفي " سنن ابن ماجه " . من حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ماء زمزم لما شرب له وقد ضعف هذا الحديث طائفة بعبد الله بن المؤمل راويه عن محمد بن المنكدر . وقد روينا عن عبد الله بن المبارك أنه لما حج أتى زمزم فقال اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه عن نبيك صلى الله عليه وسلم أنه قال ماء زمزم لما شرب له وإني أشربه لظمإ يوم القيامة وابن أبي الموالي ثقة فالحديث إذا حسن وقد صححه بعضهم وجعله بعضهم موضوعا وكلا القولين فيه مجازفة .

          [ تجريب المصنف له في الاستشفاء ]

          وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورا عجيبة واستشفيت به من عدة أمراض فبرأت بإذن الله وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد قريبا من نصف الشهر أو أكثر ولا يجد جوعا ويطوف مع الناس كأحدهم وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يوما وكان له قوة يجامع بها أهله ويصوم ويطوف مرارا .

          ماء النيل

          أحد أنهار الجنة أصله من وراء جبال القمر في أقصى بلاد الحبشة من أمطار تجتمع هناك وسيول يمد بعضها بعضا فيسوقه الله تعالى إلى الأرض الجرز التي لا نبات لها فيخرج به زرعا تأكل منه الأنعام والأنام ولما كانت الأرض التي يسوقه إليها إبليزا صلبة إن أمطرت مطر العادة لم ترو ولم تتهيأ للنبات وإن أمطرت فوق العادة ضرت المساكن والساكن وعطلت المعايش والمصالح فأمطر البلاد البعيدة ثم ساق تلك الأمطار إلى هذه الأرض في نهر عظيم وجعل سبحانه زيادته في أوقات معلومة على قدر ري البلاد وكفايتها فإذا أروى البلاد وعمها أذن سبحانه بتناقصه وهبوطه لتتم المصلحة بالتمكن من الزرع واجتمع في هذا الماء الأمور العشرة التي تقدم ذكرها وكان من ألطف المياه وأخفها وأعذبها وأحلاها .

          ماء البحر

          ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته وقد جعله الله سبحانه ملحا أجاجا مرا زعاقا لتمام مصالح من هو على وجه الأرض من الآدميين والبهائم فإنه دائم راكد كثير الحيوان وهو يموت فيه كثيرا ولا يقبر فلو كان حلوا لأنتن من إقامته وموت حيواناته فيه وأجاف وكان الهواء المحيط بالعالم يكتسب منه ذلك وينتن ويجيف فيفسد العالم فاقتضت حكمة الرب سبحانه وتعالى أن جعله كالملاحة التي لو ألقي فيه جيف العالم كلها وأنتانه وأمواته لم تغيره شيئا ولا يتغير على مكثه من حين خلق وإلى أن يطوي الله العالم فهذا هو السبب الغائي الموجب لملوحته وأما الفاعلي فكون أرضه سبخة مالحة .

          [فوائد الاغتسال به ]

          [ما يدفع به مضرة الشرب منه ]

          وبعد فالاغتسال به نافع من آفات عديدة في ظاهر الجلد وشربه مضر بداخله وخارجه فإنه يطلق البطن ويهزل ويحدث حكة وجربا ونفخا وعطشا ومن اضطر إلى شربه فله طرق من العلاج يدفع بها مضرته .

          منها : أن يجعل في قدر ويجعل فوق القدر قصبات وعليها صوف جديد منفوش ويوقد تحت القدر حتى يرتفع بخارها إلى الصوف فإذا كثر عصره ولا يزال يفعل ذلك حتى يجتمع له ما يريد فيحصل في الصوف من البخار ما عذب ويبقى في القدر الزعاق .

          ومنها : أن يحفر على شاطئه حفرة واسعة يرشح ماؤه إليها ثم إلى جانبها قريبا منها أخرى ترشح هي إليها ثم ثالثة إلى أن يعذب الماء . وإذا ألجأته الضرورة إلى شرب الماء الكدر فعلاجه أن يلقي فيه نوى المشمش أو قطعة من خشب الساج أو جمرا ملتهبا يطفأ فيه أو طينا أرمنيا أو سويق حنطة فإن كدرته ترسب إلى أسفل .

          مسك
          ثبت في " صحيح مسلم " ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أطيب الطيب المسك .

          وفي " الصحيحين " : عن عائشة رضي الله عنها : كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك .

          المسك ملك أنواع الطيب وأشرفها وأطيبها ، وهو الذي تضرب به الأمثال ويشبه به غيره ولا يشبه بغيره وهو كثبان الجنة وهو حار يابس في الثانية يسر النفس ويقويها ، ويقوي الأعضاء الباطنة جميعها شربا وشما ، والظاهرة إذا وضع عليها . نافع للمشايخ والمبرودين لا سيما زمن الشتاء جيد للغشي والخفقان وضعف القوة بإنعاشه للحرارة الغريزية ويجلو بياض العين وينشف رطوبتها ، ويفش الرياح منها ومن جميع الأعضاء ويبطل عمل السموم وينفع من نهش الأفاعي ، ومنافعه كثيرة جدا ، وهو من أقوى المفرحات .

          مرزنجوش
          ورد فيه حديث لا نعلم صحته عليكم بالمرزنجوش فإنه جيد للخشام . والخشام الزكام .

          وهو حار في الثالثة يابس في الثانية ينفع شمه من الصداع البارد والكائن عن البلغم والسوداء والزكام والرياح الغليظة ويفتح السدد الحادثة في الرأس والمنخرين ويحلل أكثر الأورام الباردة فينفع من أكثر الأورام والأوجاع الباردة الرطبة وإذا احتمل أدر الطمث وأعان على الحبل وإذا دق ورقه اليابس وكمد به أذهب آثار الدم العارض تحت العين وإذا ضمد به مع الخل نفع لسعة العقرب .

          ودهنه نافع لوجع الظهر والركبتين ويذهب بالإعياء ومن أدمن شمه لم ينزل في عينيه الماء وإذا استعط بمائه مع دهن اللوز المر فتح سدد المنخرين ونفع من الريح العارضة فيها ، وفي الرأس .

          ملح
          روى ابن ماجه في " سننه " : من حديث أنس يرفعه سيد إدامكم الملح . وسيد الشيء هو الذي يصلحه ويقوم عليه وغالب الإدام إنما يصلح بالملح وفي " مسند البزار " مرفوعا : سيوشك أن تكونوا في الناس مثل الملح في الطعام ولا يصلح الطعام إلا بالملح .

          وذكر البغوي في " تفسيره " : عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعا : إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض الحديد والنار والماء والملح . والموقوف أشبه .

          الملح يصلح أجسام الناس وأطعمتهم ويصلح كل شيء يخالطه حتى الذهب والفضة وذلك أن فيه قوة تزيد الذهب صفرة والفضة بياضا ، وفيه جلاء وتحليل وإذهاب للرطوبات الغليظة وتنشيف لها ، وتقوية للأبدان ومنع من عفونتها وفسادها ، ونفع من الجرب المتقرح . وإذا اكتحل به قلع اللحم الزائد من العين ومحق الظفرة . والأندراني أبلغ في ذلك ويمنع القروح الخبيثة من الانتشار ويحدر البراز وإذا دلك به بطون أصحاب الاستسقاء نفعهم وينقي الأسنان ويدفع عنها العفونة ويشد اللثة ويقويها ، ومنافعه كثيرة جدا .

          حرف النون
          نخل
          مذكور في القرآن في غير موضع وفي " الصحيحين " عن ابن عمر رضي الله عنهما قال بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتي بجمار نخلة فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن من الشجر شجرة مثلها مثل الرجل المسلم لا يسقط ورقها أخبروني ما هي ؟ فوقع الناس في شجر البوادي فوقع في نفسي أنها النخلة فأردت أن أقول هي النخلة ثم نظرت فإذا أنا أصغر القوم سنا فسكت . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هي النخلة " فذكرت ذلك لعمر فقال لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا .

          [فوائد حديث النخلة ]

          ففي هذا الحديث إلقاء العالم المسائل على أصحابه وتمرينهم واختبار ما عندهم .

          وفيه ضرب الأمثال والتشبيه .

          وفيه ما كان عليه الصحابة من الحياء من أكابرهم وإجلالهم وإمساكهم عن الكلام بين أيديهم .

          وفيه فرح الرجل بإصابة ولده وتوفيقه للصواب .

          وفيه أنه لا يكره للولد أن يجيب بما يعرف بحضرة أبيه وإن لم يعرفه الأب وليس في ذلك إساءة أدب عليه .

          وفيه ما تضمنه تشبيه المسلم بالنخلة من كثرة خيرها ودوام ظلها وطيب ثمرها ووجوده على الدوام .

          وثمرها يؤكل رطبا ويابسا وبلحا ويانعا وهو غذاء ودواء وقوت وحلوى وشراب وفاكهة وجذوعها للبناء والآلات والأواني ويتخذ من خوصها الحصر والمكاتل والأواني والمراوح وغير ذلك ومن ليفها الحبال والحشايا وغيرها ثم آخر شيء نواها علف للإبل ويدخل في الأدوية والأكحال ثم جمال ثمرتها ونباتها وحسن هيئتها وبهجة منظرها وحسن نضد ثمرها وصنعته وبهجته ومسرة النفوس عند رؤيته فرؤيتها مذكرة لفاطرها وخالقها وبديع صنعته وكمال قدرته وتمام حكمته ولا شيء أشبه بها من الرجل المؤمن إذ هو خير كله ونفع ظاهر وباطن .

          وهي الشجرة التي حن جذعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فارقه شوقا إلى قربه وسماع كلامه وهي التي نزلت تحتها مريم لما ولدت عيسى عليه السلام . وقد ورد في حديث في إسناده نظر أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم

          [اختلاف الناس في تفضيلها على الحبلة ]

          وقد اختلف الناس في تفضيلها على الحبلة أو بالعكس على قولين وقد قرن الله بينهما في كتابه في غير موضع وما أقرب أحدهما من صاحبه وإن كان كل واحد منهما في محل سلطانه ومنبته والأرض التي توافقه أفضل وأنفع .

          نرجس
          فيه حديث لا يصح عليكم بشم النرجس فإن في القلب حبة الجنون والجذام والبرص لا يقطعها إلا شم النرجس

          وهو حار يابس في الثانية وأصله يدمل القروح الغائرة إلى العصب وله قوة غسالة جالية جابذة وإذا طبخ وشرب ماؤه أو أكل مسلوقا هيج القيء وجذب الرطوبة من قعر المعدة وإذا طبخ مع الكرسنة والعسل نقى أوساخ القروح وفجر الدبيلات العسرة النضج .

          وزهره معتدل الحرارة لطيف ينفع الزكام البارد وفيه تحليل قوي ويفتح سدد الدماغ والمنخرين وينفع من الصداع الرطب والسوداوي ويصدع الرءوس الحارة والمحرق منه إذا شق بصله صليبا وغرس صار مضاعفا ومن أدمن شمه في الشتاء أمن من البرسام في الصيف وينفع من أوجاع الرأس الكائنة من البلغم والمرة السوداء وفيه من العطرية ما يقوي القلب والدماغ وينفع من كثير من أمراضها . وقال صاحب التيسير : شمه يذهب بصرع الصبيان .

          نورة
          روى ابن ماجه : من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اطلى بدأ بعورته فطلاها بالنورة وسائر جسده أهله وقد ورد فيها عدة أحاديث هذا أمثلها .

          قيل إن أول من دخل الحمام وصنعت له النورة سليمان بن داود وأصلها : كلس جزءان وزرنيخ جزء يخلطان بالماء ويتركان في الشمس أو الحمام بقدر ما تنضج وتشتد زرقته ثم يطلى به ويجلس ساعة ريثما يعمل ولا يمس بماء ثم يغسل ويطلى مكانها بالحناء لإذهاب ناريتها .

          نبق
          ذكر أبو نعيم في كتابه " الطب النبوي " مرفوعا : إن آدم لما أهبط إلى الأرض كان أول شيء أكل من ثمارها النبق

          وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النبق في الحديث المتفق على صحته أنه رأى سدرة المنتهى ليلة أسري به وإذا نبقها مثل قلال هجر

          والنبق ثمر شجر السدر يعقل الطبيعة وينفع من الإسهال ويدبغ المعدة ويسكن الصفراء ويغذو البدن ويشهي الطعام ويولد بلغما وينفع الذرب الصفراوي وهو بطيء الهضم وسويقه يقوي الحشا وهو يصلح الأمزجة الصفراوية وتدفع مضرته بالشهد .

          واختلف فيه هل هو رطب أو يابس ؟ على قولين . والصحيح أن رطبه بارد رطب ويابسه بارد يابس



          حرف الهاء
          هندبا
          ورد فيها ثلاثة أحاديث لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يثبت مثلها بل هي موضوعة أحدها : كلوا الهندباء ولا تنفضوه فإنه ليس يوم من الأيام إلا وقطرات من الجنة تقطر عليه .
          الثاني : من أكل الهندباء ثم نام عليها لم يحل فيه سم ولا سحر .
          الثالث ما من ورقة من ورق الهندباء إلا وعليها قطرة من الجنة .

          وبعد فهي مستحيلة المزاج منقلبة بانقلاب فصول السنة فهي في الشتاء باردة رطبة وفي الصيف حارة يابسة وفي الربيع والخريف معتدلة وفي الغالب أحوالها تميل إلى البرودة واليبس وهي قابضة مبردة جيدة للمعدة وإذا طبخت وأكلت بخل عقلت البطن وخاصة البري منها فهي أجود للمعدة وأشد قبضا وتنفع من ضعفها .

          وإذا تضمد بها سلبت الالتهاب العارض في المعدة وتنفع من النقرس ومن أورام العين الحارة وإذا تضمد بورقها وأصولها نفعت من لسع العقرب وهي تقوي المعدة وتفتح السدد العارضة في الكبد وتنفع من أوجاعها حارها وباردها وتفتح سدد الطحال والعروق والأحشاء وتنقي مجاري الكلى .

          وأنفعها للكبد أمرها وماؤها المعتصر ينفع من اليرقان السددي ولا سيما إذا خلط به ماء الرازيانج الرطب وإذا دق ورقها ووضع على الأورام الحارة بردها وحللها ويجلو ما في المعدة ويطفئ حرارة الدم والصفراء وأصلح ما أكلت غير مغسولة ولا منفوضة لأنها متى غسلت أو نفضت فارقتها قوتها وفيها مع ذلك قوة ترياقية تنفع من جميع السموم .

          وإذا اكتحل بمائها نفع من العشا ويدخل ورقها في الترياق وينفع من لدغ العقرب ويقاوم أكثر السموم وإذا اعتصر ماؤها وصب عليه الزيت خلص من الأدوية القتالة وإذا اعتصر أصلها وشرب ماؤه نفع من لسع الأفاعي ولسع العقرب ولسع الزنبور ولبن أصلها يجلو بياض العين .

          حرف الواو
          ورس
          ذكر الترمذي في " جامعه " : من حديث زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ينعت الزيت والورس من ذات الجنب قال قتادة يلد به ويلد من الجانب الذي يشتكيه .

          وروى ابن ماجه في " سننه " من حديث زيد بن أرقم أيضا قال نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذات الجنب ورسا وقسطا وزيتا يلد به .

          وصح عن أم سلمة رضي الله عنها قالت كانت النفساء تقعد بعد نفاسها أربعين يوما وكانت إحدانا تطلي الورس على وجهها من الكلف .

          قال أبو حنيفة اللغوي الورس يزرع زرعا وليس ببري ولست أعرفه بغير أرض العرب ولا من أرض العرب بغير بلاد اليمن .

          وقوته في الحرارة واليبوسة في أول الدرجة الثانية وأجوده الأحمر اللين في اليد القليل النخالة ينفع من الكلف والحكة والبثور الكائنة في سطح البدن إذا طلي به وله قوة قابضة صابغة وإذا شرب نفع من الوضح ومقدار الشربة منه وزن درهم .

          وهو في مزاجه ومنافعه قريب من منافع القسط البحري وإذا لطخ به على البهق والحكة والبثور والسفعة نفع منها والثوب المصبوغ بالورس يقوي على الباه .

          وسمة
          هي ورق النيل وهي تسود الشعر وقد تقدم قريبا ذكر الخلاف في جواز الصبغ بالسواد ومن فعله .

          حرف الياء
          يقطين
          وهو الدباء والقرع وإن كان اليقطين أعم فإنه في اللغة كل شجر لا تقوم على ساق كالبطيخ والقثاء والخيار قال الله تعالى : وأنبتنا عليه شجرة من يقطين [ الصافات 146 ] .

          [السبب في إطلاق القرآن على اليقطين اسم الشجر ]

          فإن قيل ما لا يقوم على ساق يسمى نجما لا شجرا والشجر ما له ساق قاله أهل اللغة فكيف قال شجرة من يقطين ؟ .

          فالجواب أن الشجر إذا أطلق كان ما له ساق يقوم عليه وإذا قيد بشيء تقيد به فالفرق بين المطلق والمقيد في الأسماء باب مهم عظيم النفع في الفهم ومراتب اللغة .

          واليقطين المذكور في القرآن هو نبات الدباء وثمره يسمى الدباء والقرع وشجرة اليقطين . وقد ثبت في " الصحيحين " : من حديث أنس بن مالك أن خياطا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه قال أنس رضي الله عنه فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرب إليه خبزا من شعير ومرقا فيه دباء وقديد قال أنس فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي الصحفة فلم أزل أحب الدباء من ذلك اليوم .

          وقال أبو طالوت دخلت على أنس بن مالك رضي الله عنه وهو يأكل القرع ويقول يا لك من شجرة ما أحبك إلي لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياك .

          وفي " الغيلانيات " : من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا عائشة إذا طبختم قدرا فأكثروا فيها من الدباء فإنها تشد قلب الحزين .

          اليقطين بارد رطب يغذو غذاء يسيرا وهو سريع الانحدار وإن لم يفسد قبل الهضم تولد منه خلط محمود ومن خاصيته أنه يتولد منه خلط محمود مجانس لما يصحبه فإن أكل بالخردل تولد منه خلط حريف وبالملح خلط مالح ومع القابض قابض وإن طبخ بالسفرجل غذا البدن غذاء جيدا .

          وهو لطيف مائي يغذو غذاء رطبا بلغميا وينفع المحرورين ولا يلائم المبرودين ومن الغالب عليهم البلغم وماؤه يقطع العطش ويذهب الصداع الحار إذا شرب أو غسل به الرأس وهو ملين للبطن كيف استعمل ولا يتداوى المحرورون بمثله ولا أعجل منه نفعا .

          ومن منافعه أنه إذا لطخ بعجين وشوي في الفرن أو التنور واستخرج ماؤه وشرب ببعض الأشربة اللطيفة سكن حرارة الحمى الملتهبة وقطع العطش وغذى غذاء حسنا وإذا شرب بترنجبين وسفرجل مربى أسهل صفراء محضة .

          وإذا طبخ القرع وشرب ماؤه بشيء من عسل وشيء من نطرون أحدر بلغما ومرة معا وإذا دق وعمل منه ضماد على اليافوخ نفع من الأورام الحارة في الدماغ .

          وإذا عصرت جرادته وخلط ماؤها بدهن الورد وقطر منها في الأذن نفعت من الأورام الحارة وجرادته نافعة من أورام العين الحارة ومن النقرس الحار وهو شديد النفع لأصحاب الأمزجة الحارة والمحمومين ومتى صادف في المعدة خلطا رديئا استحال إلى طبيعته وفسد وولد في البدن خلطا رديئا ودفع مضرته بالخل والمري .

          وبالجملة فهو من ألطف الأغذية وأسرعها انفعالا ويذكر عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر من أكله .


          افتراضي

          فصل الوصايا الكلية لحفظ الصحة
          [ محاذر طبية لابن ماسويه ]

          وقد رأيت أن أختم الكلام في هذا الباب بفصل مختصر عظيم النفع في المحاذر والوصايا الكلية النافعة لتتم منفعة الكتاب ورأيت لابن ماسويه فصلا في كتاب " المحاذير " نقلته بلفظه قال من أكل البصل أربعين يوما وكلف فلا يلومن إلا نفسه .

          ومن افتصد فأكل مالحا فأصابه بهق أو جرب فلا يلومن إلا نفسه .

          ومن جمع في معدته البيض والسمك فأصابه فالج أو لقوة فلا يلومن إلا نفسه .

          ومن دخل الحمام وهو ممتلئ فأصابه فالج فلا يلومن إلا نفسه .

          ومن جمع في معدته اللبن والسمك فأصابه جذام أو برص أو نقرس فلا يلومن إلا نفسه .

          ومن جمع في معدته اللبن والنبيذ فأصابه برص أو نقرس فلا يلومن إلا نفسه .

          ومن احتلم فلم يغتسل حتى وطئ أهله فولدت مجنونا أو مخبلا فلا يلومن إلا نفسه .

          ومن أكل بيضا مسلوقا باردا وامتلأ منه فأصابه ربو فلا يلومن إلا نفسه .

          ومن جامع فلم يصبر حتى يفرغ فأصابه حصاة فلا يلومن إلا نفسه .

          ومن نظر في المرآة ليلا فأصابه لقوة أو أصابه داء فلا يلومن إلا نفسه .

          فصل [ محاذر طبية لابن بختيشوع ]

          وقال ابن بختيشوع احذر أن تجمع البيض والسمك فإنهما يورثان القولنج والبواسير ووجع الأضراس .

          وإدامة أكل البيض يولد الكلف في الوجه وأكل الملوحة والسمك المالح والافتصاد بعد الحمام يولد البهق والجرب .

          إدامة أكل كلى الغنم يعقر المثانة . الاغتسال بالماء البارد بعد أكل السمك الطري يولد الفالج .

          وطء المرأة الحائض يولد الجذام الجماع من غير أن يهريق الماء عقيبه يولد الحصاة طول المكث في المخرج يولد الداء الدوي .

          [ وصايا أبقراط ]

          قال أبقراط : الإقلال من الضار خير من الإكثار من النافع . وقال استديموا الصحة بترك التكاسل عن التعب وبترك الامتلاء من الطعام والشراب .

          [وصايا للحارث بن كلدة وغيره]

          وقال بعض الحكماء من أراد الصحة فليجود الغذاء وليأكل على نقاء وليشرب على ظمأ وليقلل من شرب الماء ويتمدد بعد الغداء ويتمش بعد العشاء ولا ينم حتى يعرض نفسه على الخلاء وليحذر دخول الحمام عقيب الامتلاء ومرة في الصيف خير من عشر في الشتاء وأكل القديد اليابس بالليل معين على الفناء ومجامعة العجائز تهرم أعمار الأحياء وتسقم أبدان الأصحاء ويروى هذا عن علي رضي الله عنه ولا يصح عنه وإنما بعضه من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب وكلام غيره .

          وقال الحارث : من سره البقاء - ولا بقاء - فليباكر الغداء وليعجل العشاء وليخفف الرداء وليقلل غشيان النساء .

          وقال الحارث : أربعة أشياء تهدم البدن الجماع على البطنة ودخول الحمام على الامتلاء وأكل القديد وجماع العجوز .

          ولما احتضر الحارث اجتمع إليه الناس فقالوا : مرنا بأمر ننتهي إليه من بعد ك فقال لا تتزوجوا من النساء إلا شابة ولا تأكلوا من الفاكهة إلا في أوان نضجها ولا يتعالجن أحدكم ما احتمل بدنه الداء وعليكم بتنظيف المعدة في كل شهر فإنها مذيبة للبلغم مهلكة للمرة منبتة للحم وإذا تغدى أحدكم فلينم على إثر غدائه ساعة وإذا تعشى فليمش أربعين خطوة .

          [وصايا لطبيب]

          وقال بعض الملوك لطبيبه لعلك لا تبقى لي فصف لي صفة آخذها عنك فقال لا تنكح إلا شابة ولا تأكل من اللحم إلا فتيا ولا تشرب الدواء إلا من علة ولا تأكل الفاكهة إلا في نضجها وأجد مضغ الطعام . وإذا أكلت نهارا فلا بأس أن تنام وإذا أكلت ليلا فلا تنم حتى تمشي ولو خمسين خطوة ولا تأكلن حتى تجوع ولا تتكارهن على الجماع ولا تحبس البول وخذ من الحمام قبل أن يأخذ منك ولا تأكلن طعاما وفي معدتك طعام وإياك أن تأكل ما تعجز أسنانك عن مضغه فتعجز معدتك عن هضمه وعليك في كل أسبوع بقيئة تنقي جسمك ونعم الكنز الدم في جسدك فلا تخرجه إلا عند الحاجة إليه وعليك بدخول الحمام فإنه يخرج من الأطباق ما لا تصل الأدوية إلى إخراجه .

          [وصايا للشافعي]

          وقال الشافعي :

          أربعة تقوي البدن أكل اللحم وشم الطيب وكثرة الغسل من غير جماع ولبس الكتان .

          وأربعة توهن البدن كثرة الجماع وكثرة الهم وكثرة شرب الماء على الريق وكثرة أكل الحامض .

          وأربعة تقوي البصر الجلوس حيال الكعبة والكحل عند النوم والنظر إلى الخضرة وتنظيف المجلس .

          وأربعة توهن البصر النظر إلى القذر وإلى المصلوب وإلى فرج المرأة والقعود مستدبر القبلة .

          وأربعة تزيد في الجماع أكل العصافير والإطريفل والفستق والخروب .

          وأربعة تزيد في العقل ترك الفضول من الكلام والسواك ومجالسة الصالحين ومجالسة العلماء .

          [ محاذر أفلاطون ]

          وقال أفلاطون : خمس يذبن البدن وربما قتلن قصر ذات اليد وفراق الأحبة وتجرع المغايظ ورد النصح وضحك ذوي الجهل بالعقلاء .

          [ محاذر لطبيب المأمون ]

          وقال طبيب المأمون : عليك بخصال من حفظها فهو جدير أن لا يعتل إلا علة الموت لا تأكل طعاما وفي معدتك طعام وإياك أن تأكل طعاما يتعب أضراسك في مضغه فتعجز معدتك عن هضمه وإياك وكثرة الجماع فإنه يطفئ نور الحياة وإياك ومجامعة العجوز فإنه يورث موت الفجأة وإياك والفصد إلا عند الحاجة إليه وعليك بالقيء في الصيف .

          [ وصية لأبقراط ]

          ومن جوامع كلمات أبقراط قوله كل كثير فهو معاد للطبيعة .

          [ وصية لجالينوس ]

          وقيل لجالينوس ما لك لا تمرض ؟ فقال لأني لم أجمع بين طعامين رديئين ولم أدخل طعاما على طعام ولم أحبس في المعدة طعاما تأذيت به .

          فصل [أربعة أشياء تمرض البدن ]

          وأربعة أشياء تمرض الجسم الكلام الكثير والنوم الكثير والأكل الكثير والجماع الكثير .

          [مضار الكلام الكثير ]

          فالكلام الكثير: يقلل مخ الدماغ ويضعفه ويعجل الشيب .

          [مضار النوم الكثير ]

          والنوم الكثير يصفر الوجه ويعمي القلب ويهيج العين ويكسل عن العمل ويولد الرطوبات في البدن .

          [مضار الأكل الكثير ]

          والأكل الكثير يفسد فم المعدة ويضعف الجسم ويولد الرياح الغليظة والأدواء العسرة .

          [مضار الجماع الكثير]

          والجماع الكثير يهد البدن ويضعف القوى ويجفف رطوبات البدن ويرخي العصب ويورث السدد ويعم ضرره جميع البدن ويخص الدماغ لكثرة ما يتحلل به من الروح النفساني وإضعافه أكثر من إضعاف جميع المستفرغات ويستفرغ من جوهر الروح شيئا كثيرا .

          [ أنفع الجماع ]

          وأنفع ما يكون إذا صادف شهوة صادقة من صورة جميلة حديثة السن حلالا مع سن الشبوبية وحرارة المزاج ورطوبته وبعد العهد به وخلاء القلب من الشواغل النفسانية ولم يفرط فيه ولم يقارنه ما ينبغي تركه معه من امتلاء مفرط أو خواء أو استفراغ أو رياضة تامة أو حر مفرط أو برد مفرط فإذا راعى فيه هذه الأمور العشرة انتفع به جدا وأيها فقد فقد حصل له من الضرر بحسبه وإن فقدت كلها أو أكثرها فهو الهلاك المعجل .

          فصل [الحمية ]

          [وصايا جالينوس ]

          والحمية المفرطة في الصحة كالتخليط في المرض والحمية المعتدلة نافعة وقال جالينوس لأصحابه اجتنبوا ثلاثا وعليكم بأربع ولا حاجة بكم إلى طبيب اجتنبوا الغبار والدخان والنتن وعليك بالدسم والطيب والحلوى والحمام ولا تأكلوا فوق شبعكم ولا تتخللوا بالباذروج والريحان ولا تأكلوا الجوز عند المساء ولا ينم من به زكمة على قفاه ولا يأكل من به غم حامضا ولا يسرع المشي من افتصد فإنه مخاطرة الموت ولا يتقيأ من تؤلمه عينه ولا تأكلوا في الصيف لحما كثيرا ولا ينم صاحب الحمى الباردة في الشمس ولا تقربوا الباذنجان العتيق المبزر ومن شرب كل يوم في الشتاء قدحا من ماء حار أمن من الأعلال ومن دلك جسمه في الحمام بقشور الرمان أمن من الجرب والحكة ومن أكل خمس سوسنات مع قليل مصطكا رومي وعود خام ومسك بقي طول عمره لا تضعف معدته ولا تفسد ومن أكل بزر البطيخ مع السكر نظف الحصى من معدته وزالت عنه حرقة البول .

          فصل [ وصايا عامة ]

          أربعة تهدم البدن الهم والحزن والجوع والسهر .

          وأربعة تفرح النظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري والمحبوب والثمار .

          وأربعة تظلم البصر المشي حافيا والتصبح والتمسي بوجه البغيض والثقيل والعدو وكثرة البكاء وكثرة النظر في الخط الدقيق .

          وأربعة تقوي الجسم لبس الثوب الناعم ودخول الحمام المعتدل وأكل الطعام الحلو والدسم وشم الروائح الطيبة .

          وأربعة تيبس الوجه وتذهب ماءه وبهجته وطلاوته الكذب والوقاحة وكثرة السؤال عن غير علم وكثرة الفجور .

          وأربعة تزيد في ماء الوجه وبهجته المروءة والوفاء والكرم والتقوى .

          وأربعة تجلب البغضاء والمقت الكبر والحسد والكذب والنميمة .

          وأربعة تجلب الرزق قيام الليل وكثرة الاستغفار بالأسحار وتعاهد الصدقة والذكر أول النهار وآخره .

          وأربعة تمنع الرزق نوم الصبحة وقلة الصلاة والكسل والخيانة .

          وأربعة تضر بالفهم والذهن إدمان أكل الحامض والفواكه والنوم على القفا والهم والغم .

          وأربعة تزيد في الفهم فراغ القلب وقلة التملي من الطعام والشراب وحسن تدبير الغذاء بالأشياء الحلوة والدسمة وإخراج الفضلات المثقلة للبدن .

          ومما يضر بالعقل إدمان أكل البصل والباقلا والزيتون والباذنجان وكثرة الجماع والوحدة والأفكار والسكر وكثرة الضحك والغم .

          قال بعض أهل النظر قطعت في ثلاث مجالس فلم أجد لذلك علة إلا أني أكثرت من أكل الباذنجان في أحد تلك الأيام ومن الزيتون في الآخر ومن الباقلا في الثالث .

          فصل [ فضل الطب النبوي ]

          قد أتينا على جملة نافعة من أجزاء الطب العلمي والعملي لعل الناظر لا يظفر بكثير منها إلا في هذا الكتاب وأريناك قرب ما بينها وبين الشريعة وأن الطب النبوي نسبة طب الطبائعيين إليه أقل من نسبة طب العجائز إلى طبهم .

          والأمر فوق ما ذكرناه وأعظم مما وصفناه بكثير ولكن فيما ذكرناه تنبيه باليسير على ما وراءه ومن لم يرزقه الله بصيرة على التفصيل فليعلم ما بين القوة المؤيدة بالوحي من عند الله والعلوم التي رزقها الله الأنبياء والعقول والبصائر التي منحهم الله إياها وبين ما عند غيرهم .

          ولعل قائلا يقول ما لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم وما لهذا الباب وذكر قوى الأدوية وقوانين العلاج وتدبير أمر الصحة ؟ .

          وهذا من تقصير هذا القائل في فهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإن هذا وأضعافه وأضعاف أضعافه من فهم بعض ما جاء به وإرشاده إليه ودلالته عليه وحسن الفهم عن الله ورسوله من يمن الله به على من يشاء من عباده .

          فقد أوجدناك أصول الطب الثلاثة في القرآن وكيف تنكر أن تكون شريعة المبعوث بصلاح الدنيا والآخرة مشتملة على صلاح الأبدان كاشتمالها على صلاح القلوب وأنها مرشدة إلى حفظ صحتها ودفع آفاتها بطرق كلية قد وكل تفصيلها إلى العقل الصحيح والفطرة السليمة بطريق القياس والتنبيه والإيماء كما هو في كثير من مسائل فروع الفقه ولا تكن ممن إذا جهل شيئا عاداه .

          ولو رزق العبد تضلعا من كتاب الله وسنة رسوله وفهما تاما في النصوص ولوازمها لاستغنى بذلك عن كل كلام سواه ولاستنبط جميع العلوم الصحيحة منه .

          فمدار العلوم كلها على معرفة الله وأمره وخلقه وذلك مسلم إلى الرسل صلوات الله عليهم وسلامه فهم أعلم الخلق بالله وأمره وخلقه وحكمته في خلقه وأمره .

          وطب أتباعهم أصح وأنفع من طب غيرهم . وطب أتباع خاتمهم وسيدهم وإمامهم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أكمل الطب وأصحه وأنفعه ولا يعرف هذا إلا من عرف طب الناس سواهم وطبهم ثم وازن بينهما فحينئذ يظهر له التفاوت وهم أصح الأمم عقولا وفطرا وأعظمهم علما وأقربهم في كل شيء إلى الحق لأنهم خيرة الله من الأمم كما أن رسولهم خيرته من الرسل . والعلم الذي وهبهم إياه والحلم والحكمة أمر لا يدانيهم فيه غيرهم وقد روى الإمام أحمد في " مسنده " : من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله فظهر أثر كرامتها على الله سبحانه في علومهم وعقولهم وأحلامهم وفطرهم وهم الذين عرضت عليهم علوم الأمم قبلهم وعقولهم وأعمالهم ودرجاتهم فازدادوا بذلك علما وحلما وعقولا إلى ما أفاض الله سبحانه وتعالى عليهم من علمه وحلمه .

          [ غلب على النصارى البلادة وعلى اليهود الهم وعلى المسلمين العقل والشجاعة . . ]

          ولذلك كانت الطبيعة الدموية لهم والصفراوية لليهود والبلغمية للنصارى ولذلك غلب على النصارى البلادة وقلة الفهم والفطنة وغلب على اليهود الحزن والهم والغم والصغار وغلب على المسلمين العقل والشجاعة والفهم والنجدة والفرح والسرور . وهذه أسرار وحقائق إنما يعرف مقدارها من حسن فهمه ولطف ذهنه وغزر علمه وعرف ما عند الناس وبالله التوفيق . بعونه تعالى تم الجزء الرابع من زاد المعاد في هدي خير العباد ويليه الجزء الخامس وأوله فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أقضيته وأحكامه

          يتبع
          أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
          وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

          Comment

          • اخت مسلمة
            محاور
            • Nov 2005
            • 6338

            #35
            فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأقضية والأنكحة والبيوع
            وليس الغرض من ذلك ذكر التشريع العام وإن كانت أقضيته الخاصة تشريعا عاما وإنما الغرض ذكر هديه في الحكومات الجزئية التي فصل بها بين الخصوم وكيف كان هديه في الحكم بين الناس ونذكر مع ذلك قضايا من أحكامه الكلية .




            فصل [ جواز الحبس ]
            ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة قال أحمد وعلي بن المديني : هذا إسناد صحيح .

            وذكر ابن زياد عنه صلى الله عليه وسلم في " أحكامه " : أنه صلى الله عليه وسلم سجن رجلا أعتق شركا له في عبد فوجب عليه استتمام عتقه حتى باع غنيمة له




            فصل في حكمه فيمن قتل عبده
            روى الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة جلدة ونفاه سنة وأمره أن يعتق رقبة ولم يقده به

            وروى الإمام أحمد : من حديث الحسن عن سمرة رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم من قتل عبده قتلناه فإن كان هذا محفوظا وقد سمعه منه الحسن كان قتله تعزيرا إلى الإمام بحسب ما يراه من المصلحة .

            وأمر رجلا بملازمة غريمه كما ذكر أبو داود عن النضر بن شميل عن الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بغريم لي فقال لي : الزمه " ثم قال لي " يا أخا بني سهم ما تريد أن تفعل بأسيرك

            " وروى أبو عبيد أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل القاتل وصبر الصابر قال أبو عبيد : أي بحبسه للموت حتى يموت .

            وذكر عبد الرزاق في " مصنفه " عن علي : يحبس الممسك في السجن حتى يموت



            فصل في حكمه في المحاربين
            حكم بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم كما سملوا عين الرعاء وتركهم حتى ماتوا جوعا وعطشا كما فعلوا بالرعاء .



            فصل في حكمه بين القاتل وولي المقتول
            ثبت في " صحيح مسلم " : عنه صلى الله عليه وسلم أن رجلا ادعى على آخر أنه قتل أخاه فاعترف فقال دونك صاحبك " فلما ولى قال إن قتله فهو مثله فرجع فقال إنما أخذته بأمرك فقال صلى الله عليه وسلم أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك ؟ فقال بلى فخلى سبيله

            وفي قوله " فهو مثله " قولان أحدهما : أن القاتل إذا قيد منه سقط ما عليه فصار هو والمستقيد بمنزلة واحدة وهو لم يقل إنه بمنزلته قبل القتل وإنما قال إن قتله فهو مثله " وهذا يقتضي المماثلة بعد قتله فلا إشكال في الحديث وإنما فيه التعريض لصاحب الحق بترك القود والعفو .

            والثاني : أنه إن كان لم يرد قتل أخيه فقتله به فهو متعد مثله إذ كان القاتل متعديا بالجناية والمقتص متعد بقتل من لم يتعمد القتل ويدل على هذا التأويل ما روى الإمام أحمد في " مسنده " : من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قتل رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعه إلى ولي المقتول فقال القاتل يا رسول الله ما أردت قتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للولي أما إنه إذا كان صادقا ثم قتلته دخلت النار فخلى سبيله

            وفي كتاب ابن حبيب في هذا الحديث زيادة وهي قال النبي صلى الله عليه وسلم عمد يد وخطأ قلب


            فصل في حكمه بالقود على من قتل جارية
            وأنه يفعل به كما فعل ثبت في " الصحيحين " أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين على أوضاح لها أي حلي فأخذ فاعترف فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرض رأسه بين حجرين

            وفي هذا الحديث دليل على قتل الرجل بالمرأة وعلى أن الجاني يفعل به كما فعل وأن القتل غيلة لا يشترط فيه إذن الولي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدفعه إلى أوليائها ولم يقل إن شئتم فاقتلوه وإن شئتم فاعفوا عنه بل قتله حتما وهذا مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ومن قال إنه فعل ذلك لنقض العهد لم يصح فإن ناقض العهد لا ترضخ رأسه بالحجارة بل يقتل بالسيف .

            فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن ضرب امرأة حاملا فطرحها
            في " الصحيحين " أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فقضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة عبد أو وليدة في الجنين وجعل دية المقتولة على عصبة القاتلة هكذا في " الصحيحين " . وفي النسائي فقضى في حملها بغرة وأن تقتل بها وكذلك قال غيره أيضا : إنه قتلها مكانها والصحيح أنه لم يقتلها لما تقدم . وقد روى البخاري في " صحيحه " عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في جنين امرأة من بني لحيان بغرة عبد أو وليدة ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها وفي هذا الحكم أن شبه العمد لا يوجب القود وأن العاقلة تحمل الغرة تبعا للدية وأن العاقلة هم العصبة وأن زوج القاتلة لا يدخل معهم وأن أولادها أيضا ليسوا من العاقلة .

            فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم بالقسامة فيمن لم يعرف قاتله
            ثبت في " الصحيحين " : أنه صلى الله عليه وسلم حكم بها بين الأنصار واليهود وقال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم وقال البخاري : وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم " فقالوا : أمر لم نشهده ولم نره فقال " فتبرئكم يهود بأيمان خمسين " فقالوا : كيف نقبل أيمان قوم كفار ؟ فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده

            وفي لفظ ويقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته إليه واختلف لفظ الأحاديث الصحيحة في محل الدية ففي بعضها أنه صلى الله عليه وسلم وداه من عنده وفي بعضها وداه من إبل الصدقة .

            وفي " سنن أبي داود " : أنه صلى الله عليه وسلم ألقى ديته على اليهود لأنه وجد بينهم

            وفي " مصنف عبد الرزاق " : أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بيهود فأبوا أن يحلفوا فرد القسامة على الأنصار فأبوا أن يحلفوا فجعل عقله على يهود

            [ ما تضمنه هذا الحكم من الأمور ]

            وفي " سنن النسائي " : فجعل عقله على اليهود وأعانهم ببعضها وقد تضمنت هذه الحكومة أمورا :

            دمنها : الحكم بالقسامة وأنها من دين الله وشرعه .

            ومنها : القتل بها لقوله فيدفع برمته إليه وقوله في لفظ آخر وتستحقون دم صاحبكم فظاهر القرآن والسنة القتل بأيمان الزوج الملاعن وأيمان الأولياء في القسامة وهو مذهب أهل المدينة .
            المدينة .

            وأما أهل العراق فلا يقتلون في واحد منهما وأحمد يقتل في القسامة دون اللعان والشافعي عكسه .

            ومنها : أنه يبدأ بأيمان المدعين في القسامة بخلاف غيرها من الدعاوى .

            ومنها : أن أهل الذمة إذا منعوا حقا عليهم انتقض عهدهم لقوله صلى الله عليه وسلم إما أن تدوه وإما أن تأذنوا بحرب

            ومنها : أن المدعى عليه إذا بعد عن مجلس الحكم كتب إليه ولم يشخصه .

            ومنها : جواز العمل والحكم بكتاب القاضي وإن لم يشهد عليه .

            ومنها : القضاء على الغائب .

            ومنها : أنه لا يكتفى في القسامة بأقل من خمسين إذا وجدوا .

            ومنها : الحكم على أهل الذمة بحكم الإسلام وإن لم يتحاكموا إلينا إذا كان الحكم بينهم وبين المسلمين .

            افتراضي

            [ الإشكال في محل الدية ]
            ومنها : - وهو الذي أشكل على كثير من الناس - إعطاؤه الدية من إبل الصدقة وقد ظن بعض الناس أن ذلك من سهم الغارمين وهذا لا يصح فإن غارم أهل الذمة لا يعطى من الزكاة وظن بعضهم أن ذلك مما فضل من الصدقة عن أهلها فللإمام أن يصرفه في المصالح وهذا أقرب من الأول وأقرب منه أنه صلى الله عليه وسلم وداه من عنده واقترض الدية من إبل الصدقة ويدل عليه " فوداه من عنده " وأقرب من هذا كله أن يقال لما تحملها النبي صلى الله عليه وسلم لإصلاح ذات البين بين الطائفتين كان حكمها حكم القضاء على الغارم لما غرمه لإصلاح ذات البين ولعل هذا مراد من قال إنه قضاها من سهم الغارمين وهو صلى الله عليه وسلم لم يأخذ منها لنفسه شيئا فإن الصدقة لا تحل له ولكن جرى إعطاء الدية منها مجرى إعطاء الغارم منها لإصلاح ذات البين . والله أعلم .

            فإن قيل فكيف تصنعون بقوله " فجعل عقله على اليهود " ؟ فيقال هذا مجمل لم يحفظ راويه كيفية جعله عليهم فإنه صلى الله عليه وسلم لما كتب إليهم أن يدوا القتيل أو يأذنوا بحرب كان هذا كالإلزام لهم بالدية ولكن الذي حفظوا أنهم أنكروا أن يكونوا قتلوا وحلفوا على ذلك وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وداه من عنده حفظوا زيادة على ذلك فهم أولى بالتقديم .

            فإن قيل فكيف تصنعون برواية النسائي : أنه قسمها على اليهود وأعانهم ببعضها ؟ قيل هذا ليس بمحفوظ قطعا فإن الدية لا تلزم المدعى عليهم بمجرد دعوى أولياء القتيل بل لا بد من إقرار أو بينة أو أيمان المدعين ولم يوجد هنا شيء من ذلك وقد عرض النبي صلى الله عليه وسلم أيمان القسامة على المدعين فأبوا أن يحلفوا فكيف يلزم اليهود بالدية بمجرد الدعوى .



            فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في أربعة سقطوا في بئر فتعلق بعضهم ببعض فهلكوا
            ذكر الإمام أحمد والبزار وغيرهما أن قوما احتفروا بئرا باليمن فسقط فيها رجل فتعلق بآخر والثاني بالثالث والثالث بالرابع فسقطوا جميعا فماتوا فارتفع أولياؤهم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال اجمعوا من حفر البئر من الناس وقضى للأول بربع الدية لأنه هلك فوقه ثلاثة وللثاني بثلثها لأنه هلك فوقه اثنان وللثالث بنصفها لأنه هلك فوقه واحد وللرابع بالدية تامة فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العام المقبل فقصوا عليه القصة فقال " هو ما قضى بينكم هكذا سياق البزار .

            وسياق أحمد نحوه وقال إنهم أبوا أن يرضوا بقضاء علي فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند مقام إبراهيم عليه السلام فقصوا عليه القصة فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل الدية على قبائل الذين ازدحموا .

            فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن تزوج امرأة أبيه
            روى الإمام أحمد والنسائي وغيرهما : عن البراء رضي الله عنه قال لقيت خالي أبا بردة ومعه الراية فقال أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أقتله وآخذ ماله وذكر ابن أبي خيثمة في " تاريخه " من حديث معاوية بن قرة عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى رجل أعرس بامرأة أبيه فضرب عنقه وخمس ماله

            قال يحيى بن معين : هذا حديث صحيح . وفي " سنن ابن ماجه " من حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من وقع على ذات محرم فاقتلوه

            وذكر الجوزجاني أنه رفع إلى الحجاج رجل اغتصب أخته على نفسها فقال احبسوه وسلوا من هاهنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا عبد الله بن أبي مطرف رضي الله عنه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من تخطى حرم المؤمنين فخطوا وسطه بالسيف

            وقد نص أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد في رجل تزوج امرأة أبيه أو بذات محرم فقال يقتل ويدخل ماله في بيت المال

            وهذا القول هو الصحيح وهو مقتضى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة : حده حد الزاني ثم قال أبو حنيفة إن وطئها بعقد عزر ولا حد عليه وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاؤه أحق وأولى .



            فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم بقتل من اتهم بأم ولده فلما ظهرت براءته أمسك
            عنه روى ابن أبي خيثمة وابن السكن وغيرهما من حديث ثابت عن أنس رضي الله عنه أن ابن عم مارية كان يتهم بها فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه اذهب فإن وجدته عند مارية فاضرب عنقه " فأتاه علي فإذا هو في ركي يتبرد فيها فقال له علي : اخرج فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر فكف عنه علي ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنه مجبوب ما له ذكر

            وفي لفظ آخر أنه وجده في نخلة يجمع تمرا وهو ملفوف بخرقة فلما رأى السيف ارتعد وسقطت الخرقة فإذا هو مجبوب لا ذكر له

            وقد أشكل هذا القضاء على كثير من الناس فطعن بعضهم في الحديث ولكن ليس في إسناده من يتعلق عليه وتأوله بعضهم على أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد حقيقة القتل إنما أراد تخويفه ليزدجر عن مجيئه إليها .

            قال وهذا كما قال سليمان للمرأتين اللتين اختصمتا إليه في الولد " علي بالسكين حتى أشق الولد بينهما " ولم يرد أن يفعل ذلك بل قصد استعلام الأمر من هذا القول ولذلك كان من تراجم الأئمة على هذا الحديث باب الحاكم يوهم خلاف الحق ليتوصل به إلى معرفة الحق فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرف الصحابة براءته وبراءة مارية وعلم أنه إذا عاين السيف كشف عن حقيقة حاله فجاء الأمر كما قدره رسول الله صلى الله عليه وسلم .

            وأحسن من هذا أن يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا رضي الله عنه بقتله تعزيرا لإقدامه وجرأته على خلوته بأم ولده فلما تبين لعلي حقيقة الحال وأنه بريء من الريبة كف عن قتله واستغنى عن القتل بتبيين الحال والتعزير بالقتل ليس بلازم كالحد بل هو تابع للمصلحة دائر معها وجودا وعدما .



            فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم في القتيل يوجد بين قريتين
            روى الإمام أحمد وابن أبي شيبة من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال وجد قتيل بين قريتين فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فذرع ما بينهما فوجد إلى أحدهما أقرب فكأني أنظر إلى شبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقاه على أقربهما

            وفي " مصنف عبد الرزاق " قال عمر بن عبد العزيز : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا في القتيل يوجد بين ظهراني ديار قوم أن الأيمان على المدعى عليهم فإن نكلوا حلف المدعون واستحقوا فإن نكل الفريقان كانت الدية نصفها على المدعى عليهم وبطل النصف إذا لم يحلفوا وقد نص الإمام أحمد في رواية المروزي على القول بمثل رواية أبي سعيد فقال قلت لأبي عبد الله القوم إذا أعطوا الشيء فتبينوا أنه ظلم فيه قوم ؟

            فقال يرد عليهم إن عرف القوم . قلت : فإن لم يعرفوا ؟ قال يفرق على مساكين ذلك الموضع فقلت : فما الحجة في أن يفرق على مساكين ذلك الموضع ؟ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل الدية على أهل المكان يعني القرية التي وجد فيها القتيل فأراه قال كما أن عليهم الدية هكذا يفرق فيهم يعني : إذا ظلم قوم منهم ولم يعرفوا فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد قضى بموجب هذا الحديث وجعل الدية على أهل المكان الذي وجد فيه القتيل واحتج به أحمد وجعل هذا أصلا في تفريق المال الذي ظلم فيه أهل ذلك المكان عليهم إذا لم يعرفوا بأعيانهم .



            وأما الأثر الآخر فمرسل لا تقوم بمثله حجة ولو صح تعين القول بمثله ولم تجز مخالفته ولا يخالف باب الدعاوى ولا باب القسامة فإنه ليس فيهم لوث ظاهر يوجب تقديم المدعين فيقدم المدعى عليهم في اليمين فإذا نكلوا قوي جانب المدعين من وجهين أحدهما : وجود القتيل بين ظهرانيهم .

            والثاني : نكولهم عن براءة ساحتهم باليمين وهذا يقوم مقام اللوث الظاهر فيحلف المدعون ويستحقون فإذا نكل الفريقان كلاهما أورث ذلك شبهة مركبة من نكول كل واحد منهما فلم ينهض ذلك سببا لإيجاب كمال الدية عليهم إذا لم يحلف غرماؤهم ولا إسقاطها عنهم بالكلية حيث لم يحلفوا فجعلت الدية نصفين ووجب نصفها على المدعى عليهم لثبوت الشبهة في حقهم بترك اليمين ولم تجب عليهم بكمالها لأن خصومهم لم يحلفوا فلما كان اللوث متركبا من يمين المدعين ونكول المدعى عليهم ولم يتم سقط ما يقابل أيمان المدعين وهو النصف ووجب ما يقابل نكول المدعى عليهم وهو النصف وهذا من أحسن الأحكام وأعدلها وبالله التوفيق .



            فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم بتأخير القصاص من الجرح حتى يندمل
            ذكر عبد الرزاق في " مصنفه " وغيره من حديث ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجل طعن آخر بقرن في رجله فقال يا رسول الله أقدني فقال حتى تبرأ جراحك " فأبى الرجل إلا أن يستقيده فأقاده النبي صلى الله عليه وسلم فصح المستقاد منه وعرج المستقيد فقال عرجت وبرأ صاحبي فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ألم آمرك أن لا تستقيد حتى تبرأ جراحك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك " ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان به جرح بعد الرجل الذي عرج أن لا يستقاد منه حتى يبرأ جرح صاحبه

            فالجراح على ما بلغ حتى يبرأ فما كان من عرج أو شلل فلا قود فيه وهو عقل ومن استقاد جرحا فأصيب المستقاد منه فعقل ما فضل من ديته على جرح صاحبه له . قلت : الحديث في " مسند الإمام أحمد " من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده متصل أن رجلا طعن بقرن في ركبته فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أقدني . فقال " حتى تبرأ " فقال أقدني . فأقاده ثم جاء إليه فقال يا رسول الله عرجت فقال " قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجتك " ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه

            وفي سنن الدارقطني : عن جابر رضي الله عنه أن رجلا جرح فأراد أن يستقيد فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح

            وقد تضمنت هذه الحكومة أنه لا يجوز الاقتصاص من الجرح حتى يستقر أمره إما باندمال أو بسراية مستقرة وأن سراية الجناية مضمونة بالقود وجواز القصاص في الضربة بالعصا والقرن ونحوهما ولا ناسخ لهذه الحكومة ولا معارض لها والذي نسخ بها تعجيل القصاص قبل الاندمال لا نفس القصاص فتأمله وأن المجني عليه إذا بادر واقتص من الجاني ثم سرت الجناية إلى عضو من أعضائه أو إلى نفسه بعد القصاص فالسراية هدر .

            وأنه يكتفى بالقصاص وحده دون تعزير الجاني وحبسه قال عطاء : الجروح قصاص وليس للإمام أن يضربه ولا يسجنه إنما هو القصاص وما كان ربك نسيا ولو شاء لأمر بالضرب والسجن .

            وقال مالك : يقتص منه بحق الآدمي ويعاقب لجرأته .

            والجمهور يقولون القصاص يغني عن العقوبة الزائدة فهو كالحد إذا أقيم على المحدود لم يحتج معه إلى عقوبة أخرى .



            أنواع المعاصي من حيث العقوبة ]
            والمعاصي ثلاثة أنواع نوع عليه حد مقدر فلا يجمع بينه وبين التعزير .

            ونوع لا حد فيه ولا كفارة فهذا يردع فيه بالتعزير ونوع فيه كفارة ولا حد فيه كالوطء في الإحرام والصيام فهل يجمع فيه بين الكفارة والتعزير ؟

            على قولين للعلماء وهما وجهان لأصحاب أحمد والقصاص يجري مجرى الحد فلا يجمع بينه وبين التعزير .

            فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم بالقصاص في كسر السن
            في " الصحيحين " : من حديث أنس أن ابنة النضر أخت الربيع لطمت جارية فكسرت سنها فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بالقصاص فقالت أم الربيع يا رسول الله أيقتص من فلانة لا والله لا يقتص منها فقال النبي صلى الله عليه وسلم " سبحان الله يا أم الربيع كتاب الله القصاص " فقالت لا والله لا يقتص منها أبدا فعفا القوم وقبلوا الدية . فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره .



            فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم فيمن عض يد رجل فانتزع يده من فيه فسقطت ثنية العاض بإهدارها
            ثبت في " الصحيحين أن رجلا عض يد رجل فنزع يده من فيه فوقعت ثناياه فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال " يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل لا دية لك

            وقد تضمنت هذه الحكومة أن من خلص نفسه من يد ظالم له فتلفت نفس الظالم أو شيء من أطرافه أو ماله بذلك فهو هدر غير مضمون .




            فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم فيمن اطلع في بيت رجل بغير إذنه فحذفه بحصاة أو عود ففقأ عينه فلا شيء عليه
            ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح

            وفي لفظ فيهما : من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا دية له ولا قصاص وفيهما : أن رجلا اطلع من جحر في بعض حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه بمشقص وجعل يختله ليطعنه

            فذهب إلى القول بهذه الحكومة وإلى التي قبلها فقهاء الحديث منهم الإمام أحمد والشافعي ولم يقل بها أبو حنيفة ومالك .



            فصل [ ما يفعل بالحامل إذا قتلت عمدا ]
            وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحامل إذا قتلت عمدا لا تقتل حتى تضع ما في بطنها وحتى تكفل ولدها .

            ذكره ابن ماجه في " سننه " .

            لا يقتل الوالد بالولد وقضى أن لا يقتل الوالد بالولد

            ذكره النسائي وأحمد . وقضى أن المؤمنين تتكافأ دماؤهم ولا يقتل مؤمن بكافر

            وقضى أن من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إما أن يقتلوا أو يأخذوا العقل

            وقضى أن في دية الأصابع من اليدين والرجلين في كل واحدة عشرا من الإبل . وقضى في الأسنان في كل سن بخمس من الإبل وأنها كلها سواء وقضى في المواضح بخمس خمس

            وقضى في العين السادة لمكانها إذا طمست بثلث ديتها وفي اليد الشلاء إذا قطعت بثلث ديتها وفي السن السوداء إذا نزعت بثلث ديتها

            وقضى في الأنف إذا جدع كله بالدية كاملة وإذا جدعت أرنبته بنصف الدية

            وقضى في المأمومة بثلث الدية وفي الجائفة بثلثها وفي المنقلة بخمسة عشر من الإبل وقضى في اللسان بالدية وفي الشفتين بالدية وفي البيضتين بالدية وفي الذكر بالدية وفي الصلب بالدية وفي العينين بالدية وفي إحداهما بنصفها وفي الرجل الواحدة بنصف الدية وفي اليد بنصف الدية وقضى أن الرجل يقتل بالمرأة



            [ دية الخطإ ]

            وقضى أن دية الخطإ على العاقلة مائة من الإبل واختلفت الرواية عنه في أسنانها ففي السنن الأربعة عنه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقة وعشرة بني لبون ذكر

            قال الخطابي : ولا أعلم أحدا من الفقهاء قال بهذا .

            وفيها أيضا من حديث ابن مسعود : أنها أخماس عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن مخاص وعشرون حقة وعشرون جذعة

            [ دية العمد إذا رضيها أهله ]

            وقضى في العمد إذا رضوا بالدية ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة وما صولحوا عليه فهو لهم

            فذهب أحمد وأبو حنيفة إلى القول بحديث ابن مسعود رضي الله عنهما وجعل الشافعي ومالك بدل ابن مخاض ابن لبون وليس في واحد من الحديثين .

            وفرضها النبي صلى الله عليه وسلم على أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة .

            وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم جعلها ثمانمائة دينار أو ثمانمائة آلاف درهم ذكر أهل السنن الأربعة من حديث عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا قتل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفا .

            وثبت عن عمر أنه خطب فقال إن الإبل قد غلت ففرضها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة وترك دية أهل الذمة فلم يرفعها فيما رفع من الدية

            [ دية المعاهد ]

            وقد روى أهل السنن الأربعة عنه صلى الله عليه وسلم دية المعاهد نصف دية الحر

            ولفظ ابن ماجه قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين وهم اليهود والنصارى

            واختلف الفقهاء في ذلك فقال مالك : ديتهم نصف دية المسلمين في الخطإ والعمد وقال الشافعي : ثلثها في الخطإ والعمد .

            وقال أبو حنيفة : بل كدية المسلم في الخطإ والعمد . وقال الإمام أحمد : مثل دية المسلم في العمد . وعنه في الخطإ روايتان إحداهما : نصف الدية وهي ظاهر مذهبه .

            والثانية ثلثها فأخذ مالك بظاهر حديث عمرو بن شعيب وأخذ الشافعي بأن عمر جعل ديته أربعة آلاف وهي ثلث دية المسلم وأخذ أحمد بحديث عمرو إلا أنه في العمد ضعف الدية عقوبة لأجل سقوط القصاص وهكذا عنده من سقط عنه القصاص ضعفت عليه الدية عقوبة نص عليه توقيفا وأخذ أبو حنيفة بما هو أصله من جريان القصاص بينهما فتتساوى ديتهما .



            [ عقل المرأة ]

            وقضى صلى الله عليه وسلم أن عقل المرأة مثل عقل الرجل إلى الثلث من ديتها ذكره النسائي . فتصير على النصف من ديته وقضى بالدية على العاقلة وبرأ منها الزوج وولد المرأة القاتلة



            [ الدية على من قتل المكاتب ]

            وقضى في المكاتب أنه إذا قتل يودى بقدر ما أدى من كتابته دية الحر وما بقي فدية المملوك قلت : يعني قيمته . وقضى بهذا القضاء علي بن أبي طالب وإبراهيم النخعي ويذكر رواية عن أحمد وقال عمر : إذا أدى شطر كتابته كان غريما ولا يرجع رقيقا وبه قضى عبد الملك بن مروان . وقال ابن مسعود إذا أدى الثلث وقال عطاء : إذا أدى ثلاثة أرباع الكتابة فهو غريم والمقصود أن هذا القضاء النبوي لم تجمع الأمة على تركه ولم يعلم نسخه .

            وأما حديث المكاتب عبد ما بقي عليه درهم فلا معارضة بينه وبين هذا القضاء فإنه في الرق بعد ولا تحصل حريته التامة إلا بالأداء .


            فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم على من أقر بالزنى
            ثبت في صحيح البخاري ومسلم أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنى فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم حتى شهد على نفسه أربع مرات فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أبك جنون ؟ " قال لا . قال " أحصنت " ؟ قال نعم فأمر به فرجم في المصلى فلما أذلقته الحجارة فر فأدرك فرجم حتى مات فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرا وصلى عليه

            وفي لفظ لهما : أنه قال له أحق ما بلغني عنك " قال وما بلغك عني قال " بلغني أنك وقعت بجارية بني فلان " فقال نعم قال فشهد على نفسه أربع شهادات ثم دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال " أبك جنون " قال لا قال " أحصنت " قال نعم ثم أمر به فرجم

            وفي لفظ لهما : فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبك جنون " قال لا . قال " أحصنت " ؟ قال نعم . قال اذهبوا به فارجموه

            وفي لفظ للبخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت " قال لا يا رسول الله . قال " أنكتها " لا يكني قال نعم فعند ذلك أمر برجمه

            وفي لفظ لأبي داود : أنه شهد على نفسه أربع مرات كل ذلك يعرض عنه فأقبل في الخامسة قال أنكتها ؟ " قال نعم . قال " حتى غاب ذلك منك في ذلك منها ؟ " قال نعم . قال " كما يغيب الميل في المكحلة والرشاء في البئر ؟ " قال نعم . قال " فهل تدري ما الزنى ؟ " قال نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا . قال " فما تريد بهذا القول ؟ " قال أريد أن تطهرني قال فأمر به فرجم




            وفي " السنن " : أنه لما وجد مس الحجارة قال يا قوم ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي وأخبروني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير قاتلي .

            وفي " صحيح مسلم " : فجاءت الغامدية فقالت يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني وأنه ردها فلما كان من الغد قالت يا رسول الله لم تردني لعلك أن تردني كما رددت ماعزا ؟ فوالله إني لحبلى قال إما لا فاذهبي حتى تلدي " فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت هذا قد ولدته قال " اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه " فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز فقالت هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فانتضح الدم على وجهه فسبها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له " ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت


            افتراضي

            وفي " صحيح البخاري " : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وإقامة الحد عليه

            وفي " الصحيحين " : أن رجلا قال له أنشدك بالله إلا قضيت بيننا بكتاب الله فقام خصمه وكان أفقه منه فقال صدق اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي فقال : قل " قال إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم وإني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم فقال " والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله المائة والخادم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس على امرأة هذا فاسألها فإن اعترفت فارجمها " فاعترفت فرجمها

            وفي " صحيح مسلم " عنه صلى الله عليه وسلم الثيب بالثيب جلد مائة والرجم والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام




            فتضمنت هذه الأقضية رجم الثيب وأنه لا يرجم حتى يقر أربع مرات وأنه إذا أقر دون الأربع لم يلزم بتكميل نصاب الإقرار بل للإمام أن يعرض عنه ويعرض له بعدم تكميل الإقرار .

            وأن إقرار زائل العقل بجنون أو سكر ملغى لا عبرة به وكذلك طلاقه وعتقه وأيمانه ووصيته .

            وجواز إقامة الحد في المصلى وهذا لا يناقض نهيه أن تقام الحدود في المساجد .

            وأن الحر المحصن إذا زنى بجارية فحده الرجم كما لو زنى بحرة . وأن الإمام يستحب له أن يعرض للمقر بأن لا يقر وأنه يجب استفسار المقر في محل الإجمال لأن اليد والفم والعين لما كان استمتاعها زنى استفسر عنه دفعا لاحتماله .

            وأن الإمام له أن يصرح باسم الوطء الخاص به عند الحاجة إليه كالسؤال عن الفعل .

            وأن الحد لا يجب على جاهل بالتحريم لأنه صلى الله عليه وسلم سأله عن حكم الزنى فقال أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من أهله حلالا .

            وأن الحد لا يقام على الحامل وأنها إذا ولدت الصبي أمهلت حتى ترضعه وتفطمه وأن المرأة يحفر لها دون الرجل وأن الإمام لا يجب عليه أن يبدأ بالرجم .

            وأنه لا يجوز سب أهل المعاصي إذا تابوا وأنه يصلى على من قتل في حد الزنى وأن المقر إذا استقال في أثناء الحد وفر ترك ولم يتمم عليه الحد فقيل لأنه رجوع . وقيل لأنه توبة قبل تكميل الحد فلا يقام عليه كما لو تاب قبل الشروع فيه . وهذا اختيار شيخنا .

            وأن الرجل إذا أقر أنه زنى بفلانة لم يقم عليه حد القذف مع حد الزنى . وأن ما قبض من المال بالصلح الباطل باطل يجب رده . وأن الإمام له أن يوكل في استيفاء الحد .




            [ لا يجمع على الثيب الجلد والرجم ]

            وأن الثيب لا يجمع عليه بين الجلد والرجم لأنه صلى الله عليه وسلم " لم يجلد ماعزا ولا الغامدية ولم يأمر أنيسا أن يجلد المرأة التي أرسله إليها وهذا قول الجمهور وحديث عبادة خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة والرجم منسوخ .

            فإن هذا كان في أول الأمر عند نزول حد الزاني ثم رجم ماعزا والغامدية ولم يجلدهما وهذا كان بعد حديث عبادة بلا شك وأما حديث جابر في " السنن " : أن رجلا زنى فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فجلد الحد ثم أقر أنه محصن فأمر به فرجم . فقد قال جابر في الحديث نفسه إنه لم يعلم بإحصانه فجلد ثم علم بإحصانه فرجم . رواه أبو داود .



            [ لا يسقط الجهل بالعقوبة الحد ]
            وفيه أن الجهل بالعقوبة لا يسقط الحد إذا كان عالما بالتحريم فإن ماعزا لم يعلم أن عقوبته القتل ولم يسقط هذا الجهل الحد عنه .

            [ للحاكم أن يحكم بالإقرار في مجلسه دون شاهدين ]

            وفيه أنه يجوز للحاكم أن يحكم بالإقرار في مجلسه وإن لم يسمعه معه شاهدان نص عليه أحمد فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لأنيس فإن اعترفت بحضرة شاهدين فارجمها .

            وأن الحكم إذا كان حقا محضا لله لم يشترط الدعوى به عند الحاكم . وأن الحد إذا وجب على امرأة جاز للإمام أن يبعث إليها من يقيمه عليها ولا يحضرها وترجم النسائي على ذلك صونا للنساء عن مجلس الحكم .

            وأن الإمام والحاكم والمفتي يجوز له الحلف على أن هذا حكم الله عز وجل إذا تحقق ذلك وتيقنه بلا ريب وأنه يجوز التوكيل في إقامة الحدود وفيه نظر فإن هذا استنابة من النبي صلى الله عليه وسلم وتضمن تغريب المرأة كما يغرب الرجل لكن يغرب معها محرمها إن أمكن وإلا فلا وقال مالك : لا تغريب على النساء . لأنهن عورة .
            فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم على أهل الكتاب في الحدود بحكم الإسلام
            ثبت في " الصحيحين " و " المسانيد " : أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تجدون في التوراة في شأن الرجم " ؟ قالوا : نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام : كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا : صدق يا محمد إن فيها الرجم فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما فتضمنت هذه الحكومة أن الإسلام ليس بشرط في الإحصان وأن الذمي يحصن الذمية وإلى هذا ذهب أحمد والشافعي ومن لم يقل بذلك اختلفوا في وجه هذا الحديث فقال مالك في غير " الموطأ " : لم يكن اليهود بأهل ذمة .

            والذي في " صحيح البخاري " : أنهم أهل ذمة ولا شك أن هذا كان بعد العهد الذي وقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم ولم يكونوا إذ ذاك حربا كيف وقد تحاكموا إليه ورضوا بحكمه ؟ وفي بعض طرق الحديث أنهم قالوا : اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف وفي بعض طرقه أنهم دعوه إلى بيت مدراسهم فأتاهم وحكم بينهم فهم كانوا أهل عهد وصلح بلا شك .

            وقالت طائفة أخرى : إنما رجمهما بحكم التوراة . قالوا : وسياق القصة صريح في ذلك وهذا مما لا يجدي عليهم شيئا البتة فإنه حكم بينهم بالحق المحض فيجب اتباعه بكل حال فماذا بعد الحق إلا الضلال .

            وقالت طائفة رجمهما سياسة وهذا من أقبح الأقوال بل رجمهما بحكم الله الذي لا حكم سواه . وتضمنت هذه الحكومة أن أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا لا نحكم بينهم إلا بحكم الإسلام .



            [ قبول شهادة الذميين على بعضهم ]
            وتضمنت قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض لأن الزانيين لم يقرا ولم يشهد عليهما المسلمون فإنهم لم يحضروا زناهما كيف وفي " السنن " في هذه القصة فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود فجاءوا أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة .

            وفي بعض طرق هذا الحديث فجاء أربعة منهم وفي بعضها : فقال لليهود : ائتوني بأربعة منكم



            [ لا يجمع بين الرجم والجلد ]
            وتضمنت الاكتفاء بالرجم وأن لا يجمع بينه وبين الجلد قال ابن عباس : الرجم في كتاب الله لا يغوص عليه إلا غواص وهو قوله تعالى : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب [ المائدة 15 ] واستنبطه غيره من قوله إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا [ المائدة 44 ] . قال الزهري في حديثه فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا كان النبي صلى الله عليه وسلم منهم .



            فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم في الرجل يزني بجارية امرأته
            في " المسند " و " السنن " الأربعة من حديث قتادة عن حبيب بن سالم أن رجلا يقال له عبد الرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته فرفع إلى النعمان بن بشير وهو أمير على الكوفة فقال لأقضين فيك بقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة جلدة وإن لم تكن أحلتها رجمتك بالحجارة فوجدوه أحلتها له فجلده مائة

            قال الترمذي : في إسناد هذا الحديث اضطراب سمعت محمدا يعني البخاري يقول لم يسمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديث إنما رواه عن خالد بن عرفطة وأبو بشر لم يسمعه أيضا من حبيب بن سالم إنما رواه عن خالد بن عرفطة وسألت محمدا عنه ؟ فقال أنا أنفي هذا الحديث .

            وقال النسائي : هو مضطرب وقال أبو حاتم الرازي : خالد بن عرفطة مجهول . وفي " المسند " و " السنن " عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في رجل وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها " وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها

            فاختلف الناس في القول بهذا الحكم فأخذ به أحمد في ظاهر مذهبه فإن الحديث حسن وخالد بن عرفطة قد روى عنه ثقتان قتادة وأبو بشر ولم يعرف فيه قدح والجهالة ترتفع عنه برواية ثقتين والقياس وقواعد الشريعة يقتضي القول بموجب هذه الحكومة فإن إحلال الزوجة شبهة توجب سقوط الحد ولا تسقط التعزير فكانت المائة تعزيرا فإذا لم تكن أحلتها كان زنى لا شبهة فيه ففيه الرجم فأي شيء في هذه الحكومة مما يخالف القياس .



            وأما حديث سلمة بن المحبق فإن صح تعين القول به ولم يعدل عنه ولكن قال النسائي : لا يصح هذا الحديث . قال أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل يقول الذي رواه عن سلمة بن المحبق شيخ لا يعرف ولا يحدث عنه غير الحسن يعني قبيصة بن حريث . وقال البخاري في " التاريخ " : قبيصة بن حريث سمع سلمة بن المحبق في حديثه نظر وقال ابن المنذر : لا يثبت خبر سلمة بن المحبق وقال البيهقي : وقبيصة بن حريث غير معروف وقال الخطابي : هذا حديث منكر وقبيصة غير معروف والحجة لا تقوم بمثله وكان الحسن لا يبالي أن يروي الحديث ممن سمع .

            وطائفة أخرى قبلت الحديث ثم اختلفوا فيه فقالت طائفة هو منسوخ وكان هذا قبل نزول الحدود .

            وقالت طائفة بل وجهه أنه إذا استكرهها فقد أفسدها على سيدتها ولم تبق ممن تصلح لها ولحق بها العار وهذا مثلة معنوية فهي كالمثلة الحسية أو أبلغ منها وهو قد تضمن أمرين إتلافها على سيدتها والمثلة المعنوية بها فيلزمه غرامتها لسيدتها وتعتق عليه وأما إن طاوعته فقد أفسدها على سيدتها فتلزمه قيمتها لها ويملكها لأن القيمة قد استحقت عليه وبمطاوعتها وإرادتها خرجت عن شبهة المثلة .

            قالوا : ولا بعد في تنزيل الإتلاف المعنوي منزلة الإتلاف الحسي إذ كلاهما يحول بين المالك وبين الانتفاع بملكه ولا ريب أن جارية الزوجة إذا صارت موطوءة لزوجها فإنها لا تبقى لسيدتها كما كانت قبل الوطء فهذا الحكم من أحسن الأحكام وهو موافق للقياس الأصولي . وبالجملة فالقول به مبني على قبول الحديث ولا تضر كثرة المخالفين له ولو كانوا أضعاف أضعافهم .



            فصل [ الحكم في اللواط ]
            ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قضى في اللواط بشيء لأن هذا لم تكن تعرفه العرب ولم يرفع إليه صلى الله عليه وسلم ولكن ثبت عنه أنه قال اقتلوا الفاعل والمفعول به رواه أهل السنن الأربعة وإسناده صحيح وقال الترمذي : حديث حسن .

            وحكم به أبو بكر الصديق وكتب به إلى خالد بعد مشاورة الصحابة وكان علي أشدهم في ذلك .

            وقال ابن القصار وشيخنا : أجمعت الصحابة على قتله وإنما اختلفوا في كيفية قتله فقال أبو بكر الصديق : يرمى من شاهق وقال علي رضي الله عنه يهدم عليه حائط

            وقال ابن عباس : يقتلان بالحجارة فهذا اتفاق منهم على قتله وإن اختلفوا في كيفيته وهذا موافق لحكمه صلى الله عليه وسلم فيمن وطئ ذات محرم لأن الوطء في الموضعين لا يباح للواطئ بحال ولهذا جمع بينهما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما فإنه روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوه وروى أيضا عنه من وقع على ذات محرم فاقتلوه وفي حديثه أيضا بالإسناد من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه

            وهذا الحكم على وفق حكم الشارع فإن المحرمات كلما تغلظت تغلظت عقوباتها ووطء من لا يباح بحال أعظم جرما من وطء من يباح في بعض الأحوال فيكون حده أغلظ وقد نص أحمد في إحدى الروايتين عنه أن حكم من أتى بهيمة حكم اللواط سواء فيقتل بكل حال أو يكون حده حد الزاني .

            واختلف السلف في ذلك فقال الحسن حده حد الزاني . وقال أبو سلمة عنه يقتل بكل حال وقال الشعبي والنخعي : يعزر وبه أخذ الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية فإن ابن عباس رضي الله عنه أفتى بذلك وهو راوي الحديث .




            فصل [ الحكم فيمن أقر بالزنى بامرأة معينة ]
            وحكم صلى الله عليه وسلم على من أقر بالزنى بامرأة معينة بحد الزنى دون حد القذف ففي " السنن " : من حديث سهل بن سعد أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأقر عنده أنه زنى بامرأة سماها فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المرأة فسألها عن ذلك فأنكرت أن تكون زنت فجلده الحد وتركها .

            فتضمنت هذه الحكومة أمرين

            أحدهما : وجوب الحد على الرجل وإن كذبته المرأة خلافا لأبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يحد .

            الثاني : أنه لا يجب عليه حد القذف للمرأة . وأما ما رواه أبو داود في " سننه " : من حديث ابن عباس رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات فجلده مائة جلدة وكان بكرا ثم سأله البينة على المرأة فقالت كذب والله يا رسول الله فجلد حد الفرية ثمانين فقال النسائي : هذا حديث منكر . انتهى وفي إسناده القاسم بن فياض الأنباري الصنعاني تكلم فيه غير واحد وقال ابن حبان : بطل الاحتجاج به .



            فصل [ الحكم فى الأمة الزانية ]
            وحكم في الأمة إذا زنت ولم تحصن بالجلد . وأما قوله تعالى في الإماء فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب [ النساء 25 ] فهو نص في أن حدها بعد التزويج نصف حد الحرة من الجلد وأما قبل التزويج فأمر بجلدها .

            وفي هذا الجلد قولان أحدهما : أنه الحد ولكن يختلف الحال قبل التزويج وبعده فإن للسيد إقامته قبله وأما بعده فلا يقيمه إلا الإمام .

            والقول الثاني : أن جلدها قبل الإحصان تعزير لا حد ولا يبطل هذا ما رواه مسلم في " صحيحه " : من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يعيرها ثلاث مرات فإن عادت في الرابعة فليجلدها وليبعها ولو بضفير وفي لفظ فليضربها كتاب الله

            وفي " صحيحه " أيضا : من حديث علي رضي الله عنه أنه قال أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهن ومن لم يحصن فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال " أحسنت

            فإن التعزير يدخل تحته لفظ الحد في لسان الشارع كما في قوله صلى الله عليه وسلم لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى

            وقد ثبت التعزير بالزيادة على العشرة جنسا وقدرا في مواضع عديدة لم يثبت نسخها ولم تجمع الأمة على خلافها .

            وعلى كل حال فلا بد أن يخالف حالها بعد الإحصان حالها قبله وإلا لم يكن للتقييد فائدة فإما أن يقال قبل الإحصان لا حد عليها والسنة الصحيحة تبطل ذلك وإما أن يقال حدها قبل الإحصان حد الحرة وبعده نصفه وهذا باطل قطعا مخالف لقواعد الشرع وأصوله وإما أن يقال جلدها قبل الإحصان تعزير وبعده حد وهذا أقوى وإما أن يقال الافتراق بين الحالتين في إقامة الحد لا في قدره وأنه في إحدى الحالتين للسيد وفي الأخرى للإمام وهذا أقرب ما يقال .

            وقد يقال إن تنصيصه على التنصيف بعد الإحصان لئلا يتوهم متوهم أن بالإحصان يزول التنصيف ويصير حدها حد الحرة كما أن الجلد زال عن البكر بالإحصان وانتقل إلى الرجم فبقي على التنصيف في أكمل حالتيها وهي الإحصان تنبيها على أنه إذا اكتفي به فيها ففيما قبل الإحصان أولى وأحرى والله أعلم .

            [ فيمن لم يحتمل الحد ]

            وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريض زنى ولم يحتمل إقامة الحد بأن يؤخذ له عثكال فيه مائة شمراخ فيضرب بها ضربة واحدة .



            فصل [ متى نزل حد القذف ]
            وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحد القذف لما أنزل الله سبحانه براءة زوجته من السماء فجلد رجلين وامرأة . وهما : حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة . قال أبو جعفر النفيلي : ويقولون المرأة حمنة بنت جحش .

            [ حكم المرتد ]
            [ وحكم فيمن بدل دينه بالقتل ]

            ولم يخص رجلا من امرأة وقتل الصديق امرأة ارتدت بعد إسلامها يقال لها : أم قرفة .




            [حكم شرب الخمر ]
            وحكم في شارب الخمر بضربه بالجريد والنعال وضربه أربعين وتبعه أبو بكر رضي الله عنه على الأربعين

            وفي " مصنف عبد الرزاق " : أنه صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر ثمانين

            وقال ابن عباس رضي الله عنه لم يوقت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا .

            وقال علي رضي الله عنه جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر أربعين وأبو بكر أربعين وكملها عمر ثمانين وكل سنة

            [ حكم من شرب في الرابعة ]

            وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتله في الرابعة أو الخامسة . واختلف الناس في ذلك فقيل هو منسوخ وناسخه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث وقيل هو محكم ولا تعارض بين الخاص والعام ولا سيما إذا لم يعلم تأخر العام . وقيل ناسخه حديث عبد الله حمار فإنه أتي به مرارا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلده ولم يقتله .

            وقيل قتله تعزير بحسب المصلحة فإذا كثر منه ولم ينهه الحد واستهان به فللإمام قتله تعزيرا لا حدا وقد صح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال ائتوني به في الرابعة فعلي أن أقتله لكم وهو أحد رواة الأمر بالقتل عن النبي صلى الله عليه وسلم وهم معاوية وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وقبيصة بن ذؤيب رضي الله عنهم .

            وحديث قبيصة : فيه دلالة على أن القتل ليس بحد أو أنه منسوخ فإنه قال فيه فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب فجلده ثم أتي به فجلده ثم أتي به فجلده ورفع القتل وكانت رخصة . رواه أبو داود .

            فإن قيل فما تصنعون بالحديث المتفق عليه عن علي رضي الله عنه أنه قال ما كنت لأدي من أقمت عليه الحد إلا شارب الخمر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسن فيه شيئا إنما هو شيء قلناه نحن لفظ أبي داود . ولفظهما : فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ولم يسنه

            قيل المراد بذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقدر فيه بقوله تقديرا لا يزاد عليه ولا ينقص كسائر الحدود وإلا فعلي رضي الله عنه قد شهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضرب فيها أربعين .

            وقوله إنما هو شيء قلناه نحن يعني التقدير بثمانين فإن عمر رضي الله عنه جمع الصحابة رضي الله عنهم واستشارهم فأشاروا بثمانين فأمضاها ثم جلد علي في خلافته أربعين وقال هذا أحب إلي

            ومن تأمل الأحاديث رآها تدل على أن الأربعين حد والأربعون الزائدة عليها تعزير اتفق عليه الصحابة رضي الله عنهم والقتل إما منسوخ وإما أنه إلى رأي الإمام بحسب تهالك الناس فيها واستهانتهم بحدها فإذا رأى قتل واحد لينزجر الباقون فله ذلك وقد حلق فيها عمر رضي الله عنه وغرب وهذا من الأحكام المتعلقة بالأئمة وبالله التوفيق .




            فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في السارق
            قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم

            وقضى أنه لا تقطع اليد في أقل من ربع دينار

            وصح عنه أنه قال اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك ذكره الإمام أحمد رحمه الله .

            وقالت عائشة رضي الله عنها : لم تكن تقطع يد السارق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدنى من ثمن المجن ترس أو جحفة وكان كل منهما ذا ثمن

            وصح عنه أنه قال لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده

            فقيل هذا حبل السفينة وبيضة الحديد وقيل بل كل حبل وبيضة وقيل هو إخبار بالواقع أي إنه يسرق هذا فيكون سببا لقطع يده بتدرجه منه إلى ما هو أكبر منه .

            قال الأعمش : كانوا يرون أنه بيض الحديد والحبل كانوا يرون أن منه ما يساوي دراهم . وحكم في امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده بقطع يدها وقال أحمد رحمه الله بهذه الحكومة ولا معارض لها .

            وحكم صلى الله عليه وسلم بإسقاط القطع عن المنتهب والمختلس والخائن والمراد بالخائن خائن الوديعة .



            [ جحد العارية كالسرقة ]
            وأما جاحد العارية فيدخل في اسم السارق شرعا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كلموه في شأن المستعيرة الجاحدة قطعها وقال والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها

            فإدخاله صلى الله عليه وسلم جاحد العارية في اسم السارق كإدخاله سائر أنواع المسكر في اسم الخمر فتأمله وذلك تعريف للأمة بمراد الله من كلامه .

            وأسقط صلى الله عليه وسلم القطع عن سارق الثمر والكثر وحكم أن من أصاب منه شيئا بفمه وهو محتاج فلا شيء عليه ومن خرج منه بشيء فعليه غرامة مثليه والعقوبة ومن سرق منه شيئا في جرينه هو بيدره فعليه القطع إذا بلغ ثمن المجن فهذا قضاؤه الفصل وحكمه العدل .

            وقضى في الشاة التي تؤخذ من مراتعها بثمنها مرتين وضرب نكال وما أخذ من عطنه ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن

            وقضى بقطع سارق رداء صفوان بن أمية وهو نائم عليه في المسجد . فأراد صفوان أن يهبه إياه أو يبيعه منه فقال " هلا كان قبل أن تأتيني به وقطع سارقا سرق ترسا من صفة النساء في المسجد

            ودرأ القطع عن عبد من رقيق الخمس سرق من الخمس . وقال " مال الله سرق بعضه بعضا رواه ابن ماجه .

            ورفع إليه سارق فاعترف ولم يوجد معه متاع فقال له " ما إخاله سرق " ؟ قال بلى فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا فأمر به فقطع

            ورفع إليه آخر فقال ما إخاله سرق " ؟ فقال بلى فقال " اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به " فقطع ثم أتي به النبي صلى الله عليه وسلم فقال له " تب إلى الله " فقال تبت إلى الله فقال تاب الله عليك

            وفي الترمذي عنه أنه قطع سارقا وعلق يده في عنقه قال حديث حسن .




            فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم على من اتهم رجلا بسرقة
            روى أبو داود : عن أزهر بن عبد الله أن قوما سرق لهم متاع فاتهموا ناسا من الحاكة فأتوا النعمان بن بشير صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسهم أياما ثم خلى سبيلهم فأتوه فقالوا : خليت سبيلهم بغير ضرب ولا امتحان فقال ما شئتم إن شئتم أن أضربهم فإن خرج متاعكم فذاك وإلا أخذت من ظهوركم مثل الذي أخذت من ظهورهم . فقالوا : هذا حكمك ؟ فقال حكم الله وحكم رسوله



            فصل [ ما تضمنته الأقضية السابقة في السرقة من الأمور ]
            وقد تضمنت هذه الأقضية أمورا :

            أحدها : أنه لا يقطع في أقل من ثلاثة دراهم أو ربع دينار .

            [ جواز لعن أصحاب الكبائر بأنواعهم دون أعيانهم ]

            الثاني : جواز لعن أصحاب الكبائر بأنواعهم دون أعيانهم كما لعن السارق ولعن آكل الربا وموكله ولعن شارب الخمر وعاصرها ولعن من عمل عمل قوم لوط ونهى عن لعن عبد الله حمار وقد شرب الخمر

            ولا تعارض بين الأمرين فإن الوصف الذي علق عليه اللعن مقتض .

            وأما المعين فقد يقوم به ما يمنع لحوق اللعن به من حسنات ماحية أو توبة أو مصائب مكفرة أو عفو من الله عنه فتلعن الأنواع دون الأعيان .

            الثالث الإشارة إلى سد الذرائع فإنه أخبر أن سرقة الحبل والبيضة لا تدعه حتى تقطع يده .

            الرابع قطع جاحد العارية وهو سارق شرعا كما تقدم .



            [ مضاعفة الغرم ]

            الخامس أن من سرق مالا قطع فيه ضوعف عليه الغرم وقد نص عليه الإمام أحمد رحمه الله فقال كل من سقط عنه القطع ضوعف عليه الغرم وقد تقدم الحكم النبوي به في صورتين سرقة الثمار المعلقة والشاة من المرتع . السادس اجتماع التعزير مع الغرم وفي ذلك الجمع بين العقوبتين مالية وبدنية .

            [ اعتبار الحرز في إقامة الحد ]
            السابع اعتبار الحرز فإنه صلى الله عليه وسلم أسقط القطع عن سارق الثمار من الشجرة وأوجبه على سارقه من الجرين وعند أبي حنيفة أن هذا لنقصان ماليته لإسراع الفساد إليه وجعل هذا أصلا في كل ما نقصت ماليته بإسراع الفساد إليه .
            وقول الجمهور أصح فإنه صلى الله عليه وسلم جعل له ثلاثة أحوال

            حالة لا شيء فيها وهو ما إذا أكل منه بفيه .

            وحالة يغرم مثليه ويضرب من غير قطع وهو ما إذا أخذه من شجره وأخرجه .

            وحالة يقطع فيها وهو ما إذا سرقه من بيدره سواء كان قد انتهى جفافه أو لم ينته فالعبرة للمكان والحرز لا ليبسه ورطوبته ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم أسقط القطع عن سارق الشاة من مرعاها وأوجبه على سارقها من عطنها فإنه حرزها .

            [ إثبات العقوبات المالية ]
            الثامن إثبات العقوبات المالية وفيه عدة سنن ثابتة لا معارض لها وقد عمل بها الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم وأكثر من عمل بها عمر رضي الله عنه .

            التاسع أن الإنسان حرز لثيابه ولفراشه الذي هو نائم عليه أين كان سواء كان في المسجد أو في غيره .

            العاشر أن المسجد حرز لما يعتاد وضعه فيه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قطع من سرق منه ترسا وعلى هذا فيقطع من سرق من حصيره وقناديله وبسطه وهو أحد القولين في مذهب أحمد وغيره . ومن لم يقطعه قال له فيها حق فإن لم يكن فيها حق قطع كالذمي .




            [ المطالبة في المسروق شرط في القطع ]
            الحادي عشر أن المطالبة في المسروق شرط في القطع فلو وهبه إياه أو باعه قبل رفعه إلى الإمام سقط عنه القطع كما صرح به النبي صلى الله عليه وسلم وقال هلا كان قبل أن تأتيني به

            [ لا تسقط الحدود بعد رفعها للإمام ]
            الثاني عشر أن ذلك لا يسقط القطع بعد رفعه إلى الإمام وكذلك كل حد بلغ الإمام وثبت عنده لا يجوز إسقاطه وفي " السنن " : عنه إذا بلغت الحدود الإمام فلعن الله الشافع والمشفع

            الثالث عشر أن من سرق من شيء له فيه حق لم يقطع . لا يقطع إلا الإقرار مرتين أو لشهادة شاهدين

            الرابع عشر أنه لا يقطع إلا بالإقرار مرتين أو بشهادة شاهدين لأن السارق أقر عنده مرة فقال ما إخالك سرقت ؟ فقال بلى فقطعه حينئذ ولم يقطعه حتى أعاد عليه مرتين التعريض للسارق بعدم الإقرار

            الخامس عشر التعريض للسارق بعدم الإقرار وبالرجوع عنه وليس هذا حكم كل سارق بل من السراق من يقر بالعقوبة والتهديد كما سيأتي إن شاء الله تعالى .



            [ الحسم بعد القطع ]

            السادس عشر أنه يجب على الإمام حسمه بعد القطع لئلا يتلف . وفي قوله " احسموه " دليل على أن مؤنة الحسم ليست على السارق .

            السابع عشر تعليق يد السارق في عنقه تنكيلا له وبه ليراه غيره .

            الثامن عشر ضرب المتهم إذا ظهر منه أمارات الريبة وقد عاقب النبي صلى الله عليه وسلم في تهمة وحبس في تهمة .

            التاسع عشر وجوب تخلية المتهم إذا لم يظهر عنده شيء مما اتهم به وأن المتهم إذا رضي بضرب المتهم فإن خرج ماله عنده وإلا ضرب هو مثل ضرب من اتهمه إن أجيب إلى ذلك وهذا كله مع أمارات الريبة كما قضى به النعمان بن بشير رضي الله عنه وأخبر أنه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم . العشرون ثبوت القصاص في الضربة بالسوط والعصا ونحوهما .




            فصل [ من تكرر منه الحد في السرقة ]
            وقد روى عنه أبو داود : أنه أمر بقتل سارق فقالوا : إنما سرق فقال " اقطعوه " ثم جيء به ثانيا فأمر بقتله فقالوا : إنما سرق فقال " اقطعوه " ثم جيء به في الثالثة فأمر بقتله فقالوا : إنما سرق فقال " اقطعوه " ثم جيء به رابعة فقال " اقتلوه " فقالوا : إنما سرق فقال " اقطعوه " فأتي به في الخامسة فأمر بقتله فقتلوه

            فاختلف الناس في هذه الحكومة فالنسائي وغيره لا يصححون هذا الحديث . قال النسائي : هذا حديث منكر ومصعب بن ثابت ليس بالقوي وغيره يحسنه ويقول هذا حكم خاص بذلك الرجل وحده لما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المصلحة في قتله وطائفة ثالثة تقبله وتقول به وأن السارق إذا سرق خمس مرات قتل في الخامسة وممن ذهب إلى هذا المذهب أبو مصعب من المالكية . وفي هذه الحكومة الإتيان على أطراف السارق الأربعة .

            وقد روى عبد الرزاق في " مصنفه " : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بعبد سرق فأتي به أربع مرات فتركه ثم أتي به الخامسة فقطع يده ثم السادسة فقطع رجله ثم السابعة فقطع يده ثم الثامنة فقطع رجله . واختلف الصحابة ومن بعدهم هل يؤتى على أطرافه كلها أم لا ؟ على قولين .

            فقال الشافعي ومالك وأحمد في إحدى روايتيه يؤتى عليها كلها وقال أبو حنيفة وأحمد في رواية ثانية لا يقطع منه أكثر من يد ورجل وعلى هذا القول فهل المحذور تعطيل منفعة الجنس أو ذهاب عضوين من شق ؟ فيه وجهان يظهر أثرهما فيما لو كان أقطع اليد اليمنى فقط أو أقطع الرجل اليسرى فقط فإن قلنا : يؤتى على أطرافه لم يؤثر ذلك وإن قلنا : لا يؤتى عليها قطعت رجله اليسرى في الصورة الأولى ويده اليمنى في الثانية على العلتين وإن كان أقطع اليد اليسرى مع الرجل اليمنى لم يقطع على العلتين وإن كان أقطع اليد اليسرى فقط لم تقطع يمناه على العلتين وفيه نظر فتأمل .

            وهل قطع رجله اليسرى يبتني على العلتين ؟ فإن عللنا بذهاب منفعة الجنس قطعت رجله وإن عللنا بذهاب عضوين من شق لم تقطع .

            وإن كان أقطع اليدين فقط وعللنا بذهاب منفعة الجنس قطعت رجله اليسرى وإن عللنا بذهاب عضوين من شق لم تقطع هذا طرد هذه القاعدة .

            وقال صاحب " المحرر " فيه تقطع يمنى يديه على الروايتين وفرق بينها وبين مسألة مقطوع اليدين والذي يقال في الفرق إنه إذا كان أقطع الرجلين فهو كالمقعد وإذا قطعت إحدى يديه انتفع بالأخرى في الأكل والشرب والوضوء والاستجمار وغيره وإذا كان أقطع اليدين لم ينتفع إلا برجليه فإذا ذهبت إحداهما لم يمكنه الانتفاع بالرجل الواحدة بلا يد ومن الفرق أن اليد الواحدة تنفع مع عدم منفعة المشي والرجل الواحدة لا تنفع مع عدم منفعة البطش .




            فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم فيمن سبه من مسلم أو ذمي أو معاهد
            ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قضى بإهدار دم أم ولد الأعمى لما قتلها مولاها على السب

            وقتل جماعة من اليهود على سبه وأذاه وأمن الناس يوم الفتح إلا نفرا ممن كان يؤذيه ويهجوه وهم أربعة رجال وامرأتان

            وقال من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله وأهدر دمه ودم أبي رافع .

            وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لأبي برزة الأسلمي وقد أراد قتل من سبه ليس هذا لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم

            فهذا قضاؤه صلى الله عليه وسلم وقضاء خلفائه من بعده ولا مخالف لهم من الصحابة وقد أعاذهم الله من مخالفة هذا الحكم .

            وقد روى أبو داود في " سننه " : عن علي رضي الله عنه أن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم دمها

            وذكر أصحاب السير والمغازي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال هجت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقال " من لي بها " ؟ فقال رجل من قومها : أنا فنهض فقتلها فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال " لا ينتطح فيها عنزان

            وفي ذلك بضعة عشر حديثا ما بين صحاح وحسان ومشاهير وهو إجماع الصحابة . وقد ذكر حرب في " مسائله " : عن مجاهد قال أتي عمر رضي الله عنه برجل سب النبي صلى الله عليه وسلم فقتله ثم قال عمر رضي الله عنه من سب الله ورسوله أو سب أحدا من الأنبياء فاقتلوه

            ثم قال مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما : أيما مسلم سب الله ورسوله أو سب أحدا من الأنبياء فقد كذب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ردة يستتاب فإن رجع وإلا قتل وأيما معاهد عاند فسب الله أو سب أحدا من الأنبياء أو جهر به فقد نقض العهد فاقتلوه

            وذكر أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه مر به راهب فقيل له هذا يسب النبي صلى الله عليه وسلم فقال ابن عمر رضي الله عنه لو سمعته لقتلته إنا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا والآثار عن الصحابة بذلك كثيرة وحكى غير واحد من الأئمة الإجماع على قتله .

            قال شيخنا : وهو محمول على إجماع الصدر الأول من الصحابة والتابعين . والمقصود إنما هو ذكر حكم النبي صلى الله عليه وسلم وقضائه فيمن سبه .

            [ له صلى الله عليه وسلم العفو عمن سبه في حياته ]
            وأما تركه صلى الله عليه وسلم قتل من قدح في عدله بقوله " اعدل فإنك لم تعدل " وفي حكمه بقوله " أن كان ابن عمتك " وفي قصده بقوله " إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله " أو في خلوته بقوله " يقولون إنك تنهى عن الغي وتستخلي به وغير ذلك فذلك أن الحق له فله أن يستوفيه . وله أن يتركه وليس لأمته ترك استيفاء حقه صلى الله عليه وسلم .

            وأيضا فإن هذا كان في أول الأمر حيث كان صلى الله عليه وسلم مأمورا بالعفو والصفح .

            وأيضا فإنه كان يعفو عن حقه لمصلحة التأليف وجمع الكلمة ولئلا ينفر الناس عنه ولئلا يتحدثوا أنه يقتل أصحابه وكل هذا يختص بحياته صلى الله عليه وسلم .

            يتبع ...
            أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
            وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

            Comment

            • اخت مسلمة
              محاور
              • Nov 2005
              • 6338

              #36
              فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن سمه
              ثبت في " الصحيحين " : أن يهودية سمته في شاة فأكل منها لقمة ثم لفظها وأكل معه بشر بن البراء فعفا عنها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها هكذا في " الصحيحين " .

              وعند أبي داود أنه أمر بقتلها فقيل إنه عفا عنها في حقه فلما مات بشر بن البراء قتلها به .

              وفيه دليل على أن من قدم لغيره طعاما مسموما يعلم به دون آكله فمات به أقيد منه .




              فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الساحر
              في الترمذي . عنه صلى الله عليه وسلم حد الساحر ضربة بالسيف

              والصحيح أنه موقوف على جندب بن عبد الله . وصح عن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقتله وصح عن حفصة رضي الله عنها أنها قتلت مدبرة سحرتها فأنكر عليها عثمان إذ فعلته دون أمره

              وروي عن عائشة رضي الله عنها أيضا أنها قتلت مدبرة سحرتها وروي أنها باعتها ذكره ابن المنذر وغيره .

              وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل من سحره من اليهود فأخذ بهذا الشافعي وأبو حنيفة رحمهما الله وأما مالك وأحمد رحمهما الله فإنهما يقتلانه ولكن منصوص أحمد رحمه الله أن ساحر أهل الذمة لا يقتل واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل لبيد بن الأعصم اليهودي حين سحره ومن قال بقتل ساحرهم يجيب عن هذا بأنه لم يقر ولم يقم عليه بينة وبأنه خشي صلى الله عليه وسلم أن يثير على الناس شرا بترك إخراج السحر من البئر فكيف لو قتله .




              فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في أول غنيمة كانت في الإسلام وأول قتيل
              لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش ومن معه سرية إلى نخلة ترصد عيرا لقريش وأعطاه كتابا مختوما وأمره أن لا يقرأه إلا بعد يومين فقتلوا عمرو بن الحضرمي وأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وكان ذلك في الشهر الحرام فعنفهم المشركون ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنيمة والأسيرين حتى أنزل الله سبحانه وتعالى : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله [ البقرة 217 ] فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسيرين وبعثت إليه قريش في فدائهما فقال لا حتى يقدم صاحبانا - يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان - فإنا نخشاكم عليهما فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم فلما قدما فاداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثمان والحكم وقسم الغنيمة .

              وذكر ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم رد الغنيمة وودى القتيل . والمعروف في السير خلاف هذا .

              [ إجازة الشهادة على الوصية المختومة ]
              وفي هذه القصة من الفقه إجازة الشهادة على الوصية المختومة وهو قول مالك وكثير من السلف ويدل عليه حديث ابن عمر رضي الله عنهما في " الصحيحين " : ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده .

              [ عدم معرفة حامل الكتاب بمضمونه ]

              وفيها : أنه لا يشترط في كتاب الإمام والحاكم البينة ولا أن يقرأه الإمام والحاكم على الحامل له وكل هذا لا أصل له في كتاب ولا سنة وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع كتبه مع رسله ويسيرها إلى من يكتب إليه ولا يقرؤها على حاملها ولا يقيم عليها شاهدين وهذا معلوم بالضرورة من هديه وسنته .



              فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الجاسوس
              ثبت أن حاطب بن أبي بلتعة لما جس عليه سأله عمر رضي الله عنه ضرب عنقه فلم يمكنه وقال " ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم

              وقد تقدم حكم المسألة مستوفى .

              واختلف الفقهاء في ذلك فقال سحنون إذا كاتب المسلم أهل الحرب قتل ولم يستتب وماله لورثته وقال غيره من أصحاب مالك رحمه الله يجلد جلدا وجيعا ويطال حبسه وينفى من موضع يقرب من الكفار .

              وقال ابن القاسم : يقتل ولا يعرف لهذا توبة وهو كالزنديق .

              وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله لا يقتل والفريقان احتجوا بقصة حاطب وقد تقدم ذكر وجه احتجاجهم ووافق ابن عقيل من أصحاب أحمد مالكا وأصحابه .




              فصل في حكمه في الأسرى
              ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الأسرى أنه قتل بعضهم ومن على بعضهم وفادى بعضهم بمال وبعضهم بأسرى من المسلمين واسترق بعضهم ولكن المعروف أنه لم يسترق رجلا بالغا .

              فقتل يوم بدر من الأسرى عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث . وقتل من يهود جماعة كثيرين من الأسرى وفادى أسرى بدر بالمال بأربعة آلاف إلى أربعمائة وفادى بعضهم على تعليم جماعة من المسلمين الكتابة ومن على أبي عزة الشاعر يوم بدر وقال في أسارى بدر : لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له

              وفدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين

              وفدى رجالا من المسلمين بامرأة من السبي استوهبها من سلمة بن الأكوع

              ومن على ثمامة بن أثال

              وأطلق يوم فتح مكة جماعة من قريش فكان يقال لهم الطلقاء . وهذه أحكام لم ينسخ منها شيء بل يخير الإمام فيها بحسب المصلحة

              واسترق من أهل الكتاب وغيرهم فسبايا أوطاس وبني المصطلق لم يكونوا كتابيين وإنما كانوا عبدة أوثان من العرب .

              واسترق الصحابة من سبي بني حنيفة ولم يكونوا كتابيين .

              قال ابن عباس رضي الله عنهما : خير رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأسرى بين الفداء والمن والقتل والاستعباد يفعل ما شاء وهذا هو الحق الذي لا قول سواه .




              فصل [ حكمه صلى الله عليه وسلم في اليهود ]
              وحكم في اليهود بعدة قضايا فعاهدهم أول مقدمه المدينة ثم حاربه بنو قينقاع فظفر بهم ومن عليهم ثم حاربه بنو النضير فظفر بهم وأجلاهم ثم حاربه بنو قريظة فظفر بهم وقتلهم ثم حاربه أهل خيبر فظفر بهم وأقرهم في أرض خيبر ما شاء سوى من قتل منهم .

              ولما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتغنم أموالهم أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا حكم الله عز وجل من فوق سبع سموات

              وتضمن هذا الحكم أن ناقضي العهد يسري نقضهم إلى نسائهم وذريتهم إذا كان نقضهم بالحرب ويعودون أهل حرب وهذا عين حكم الله عز وجل .




              فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في فتح خيبر
              حكم يومئذ بإقرار يهود فيها على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع وحكم بقتل ابني أبي الحقيق لما نقضوا الصلح بينهم وبينه على أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئا من أموالهم فكتموا وغيبوا وحكم بعقوبة المتهم بتغييب المال حتى أقر به وقد تقدم ذلك مستوفى في غزوة خيبر .

              وكانت لأهل الحديبية خاصة ولم يغب عنها إلا جابر بن عبد الله فقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمه .



              فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في فتح مكة
              حكم بأن من أغلق بابه أو دخل دار أبي سفيان أو دخل المسجد أو وضع السلاح فهو آمن وحكم بقتل نفر ستة منهم مقيس بن صبابة وابن خطل ومغنيتان كانتا تغنيان بهجائه وحكم بأنه لا يجهز على جريح ولا يتبع مدبر ولا يقتل أسير ذكره أبو عبيد في " الأموال " . وحكم لخزاعة أن يبذلوا سيوفهم في بني بكر إلى صلاة العصر ثم قال لهم يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل



              فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في قسمة الغنائم
              [ الفارس والراجل ]
              حكم صلى الله عليه وسلم أن للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم هذا حكمه الثابت عنه في مغازيه كلها وبه أخذ جمهور الفقهاء . السلب وحكم أن السلب للقاتل .

              الخمس وأما حكمه بإخراج الخمس فقال ابن إسحاق : كانت الخيل يوم بني قريظة ستة وثلاثين فرسا وكان أول فيء وقعت فيه السهمان وأخرج منه الخمس ومضت به السنة ووافقه على ذلك القاضي إسماعيل بن إسحاق فقال إسماعيل وأحسب أن بعضهم قال ترك أمر الخمس بعد ذلك ولم يأت في ذلك من الحديث ما فيه بيان شاف وإنما جاء ذكر الخمس يقينا في غنائم حنين .

              وقال الواقدي : أول خمس خمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام نزلوا على حكمه فصالحهم على أن له أموالهم ولهم النساء والذرية وخمس أموالهم .

              وقال عبادة بن الصامت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فلما هزم الله العدو تبعتهم طائفة يقتلونهم وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة استولت على العسكر والغنيمة فلما رجع الذين طلبوهم قالوا : لنا النفل نحن طلبنا العدو وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم نحن أحق به لأنا أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ينال العدو غرته وقال الذين استولوا على العسكر هو لنا نحن حويناه . فأنزل الله عز وجل يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول [ الأنفال 1 ] . فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بواء قبل أن ينزل واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه [ الأنفال 41 ] .




              [ العلة في قسم أموال بني النضير في المهاجرين ]
              وقال القاضي إسماعيل إنما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموال بني النضير بين المهاجرين وثلاثة من الأنصار : سهل بن حنيف وأبي دجانة والحارث بن الصمة لأن المهاجرين حين قدموا المدينة شاطرهم الأنصار ثمارهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئتم قسمت أموال بني النضير بينكم وبينهم وأقمتم على مواساتهم في ثماركم وإن شئتم أعطيناها للمهاجرين دونكم وقطعتم عنهم ما كنتم تعطونهم من ثماركم فقالوا : بل تعطيهم دوننا ونمسك ثمارنا فأعطاها رسول الله المهاجرين فاستغنوا بما أخذوا واستغنى الأنصار بما رجع إليهم من ثمارهم وهؤلاء الثلاثة من الأنصار شكوا حاجة

              [ من ضرب له سهم ولم يحضر ]
              وكان طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد رضي الله عنهما بالشام لم يشهدا بدرا فقسم لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم سهميهما فقالا : وأجورنا يا رسول الله ؟ فقال " وأجوركما " . وذكر ابن هشام وابن حبيب أن أبا لبابة والحارث بن حاطب وعاصم بن عدي خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فردهم وأمر أبا لبابة على المدينة وابن أم مكتوم على الصلاة وأسهم لهم

              والحارث بن الصمة كسر بالروحاء فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه

              قال ابن هشام : وخوات بن جبير ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه . ولم يختلف أحد أن عثمان بن عفان رضي الله عنه تخلف على امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب له بسهمه فقال وأجري يا رسول الله ؟ قال وأجرك قال ابن حبيب وهذا خاص للنبي صلى الله عليه وسلم وأجمع المسلمون أن لا يقسم لغائب .

              قلت وقد قال أحمد ومالك وجماعة من السلف والخلف إن الإمام إذا بعث أحدا في مصالح الجيش فله سهمه .

              قال ابن حبيب ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يسهم للنساء والصبيان والعبيد ولكن كان يحذيهم من الغنيمة




              فصل [ ما يعدل البعير من الغنم والبقر ]
              وعدل في قسمة الإبل والغنم كل عشرة منها ببعير فهذا في التقويم وقسمة المال المشترك . وأما في الهدي فقد قال جابر نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة . فهذا في الحديبية .

              وأما في حجة الوداع فقال جابر أيضا : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة وكلاهما في الصحيح . وفي " السنن " من حديث ابن عباس أن رجلا : أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن علي بدنة وأنا موسر بها ولا أجدها فأشتريها فأمره أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن .




              فصل [هل السلب من الخمس ]
              حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالسلب كله للقاتل ولم يخمسه ولم يجعله من الخمس بل من أصل الغنيمة وهذا حكمه وقضاؤه .

              قال البخاري في " صحيحه " : السلب للقاتل إنما هو من غير الخمس وحكم به بشهادة واحد وحكم به بعد القتل فهذه أربعة أحكام تضمنها حكمه صلى الله عليه وسلم بالسلب لمن قتل قتيلا .

              وقال مالك وأصحابه السلب لا يكون إلا من الخمس وحكمه حكم النفل قال مالك : ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك ولا فعله في غير يوم حنين ولا فعله أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما .

              قال ابن المواز : ولم يعط غير البراء بن مالك سلب قتيله وخمسه . قال أصحابه قال الله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه فجعل أربعة أخماس الغنيمة لمن غنمها فلا يجوز أن يؤخذ شيء مما جعله الله لهم بالاحتمال . وأيضا فلو كانت هذه الآية إنما هي في غير الأسلاب لم يؤخر النبي صلى الله عليه وسلم حكمها إلى حنين وقد نزلت في قصة بدر وأيضا إنما قال من قتل قتيلا فله سلبه بعد أن برد القتال .

              ولو كان أمرا متقدما لعلمه أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد أكابر أصحابه وهو لم يطلبه حتى سمع منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك .

              قالوا : وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم أعطاه إياه بشهادة واحد بلا يمين فلو كان من رأس الغنيمة لم يخرج حق مغنم إلا بما تخرج به الأملاك من البينات أو شاهد ويمين .

              قالوا : وأيضا فلو وجب للقاتل ولم يجد بينة لكان يوقف كاللقطة ولا يقسم وهو إذا لم تكن بينة يقسم فخرج من معنى الملك ودل على أنه إلى اجتهاد الإمام يجعله من الخمس الذي يجعل في غيره هذا مجموع ما احتج به لهذا القول .

              قال الآخرون قد قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله قبل حنين بستة أعوام فذكر البخاري في " صحيحه " : أن معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء الأنصاريين ضربا أبا جهل بن هشام يوم بدر بسيفيهما حتى قتلاه فانصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال أيكما قتله ؟ فقال كل واحد منهما : أنا قتلته فقال هل مسحتما سيفيكما ؟ قالا : لا فنظر إلى السيفين فقال كلاكما قتله وسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح وهذا يدل على أن كون السلب للقاتل أمر مقرر معلوم من أول الأمر وإنما تجدد يوم حنين الإعلام العام والمناداة به لا شرعيته .




              وأما قول ابن المواز : إن أبا بكر و عمر لم يفعلاه فجوابه من وجهين أحدهما : أن هذا شهادة على النفي فلا تسمع الثاني : أنه يجوز أن يكون ترك المناداة بذلك على عهدهما اكتفاء بما تقرر وثبت من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضائه وحتى لو صح عنهما ترك ذلك تركا صحيحا لا احتمال فيه لم يقدم على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

              وأما قوله ولم يعط غير البراء بن مالك سلب قتيله فقد أعطى السلب لسلمة بن الأكوع ولمعاذ بن عمرو ولأبي طلحة الأنصاري قتل عشرين يوم حنين فأخذ أسلابهم وهذه كلها وقائع صحيحة معظمها في الصحيح فالشهادة على النفي لا تكاد تسلم من النقض .

              وأما قوله " وخمسه " فهذا لم يحفظ به أثر البتة بل المحفوظ خلافه ففي " سنن أبي داود " : عن خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخمس السلب

              وأما قوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه فهذا عام والحكم بالسلب للقاتل خاص ويجوز تخصيص عموم الكتاب بالسنة ونظائره معلومة ولا يمكن دفعها .

              وقوله " لا يجعل شيء من الغنيمة لغير أهلها بالاحتمال " جوابه من وجهين أحدهما : أنا لم نجعل السلب لغير الغانمين . الثاني : إنما جعلناه للقاتل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بالاحتمال ولم يؤخر النبي صلى الله عليه وسلم حكم الآية إلى يوم حنين كما ذكرتم بل قد حكم بذلك يوم بدر ولا يمنع كونه قاله بعد القتال من استحقاقه بالقتل .

              وأما كون أبي قتادة لم يطلبه حتى سمع منادي النبي صلى الله عليه وسلم يقوله فلا يدل على أنه لم يكن متقررا معلوما وإنما سكت عنه أبو قتادة لأنه لم يكن يأخذه بمجرد دعواه فلما شهد له به شاهد أعطاه .

              والصحيح أنه يكتفى في هذا بالشاهد الواحد ولا يحتاج إلى شاهد آخر ولا يمين كما جاءت به السنة الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها وقد تقدم هذا في موضعه .

              وأما قوله " إنه لو كان للقاتل لوقف ولم يقسم كاللقطة " فجوابه أنه للغانمين وإنما للقاتل حق التقديم فإذا لم تعلم عين القاتل اشترك فيه الغانمون فإنه حقهم ولم يظهر مستحق التقديم منهم فاشتركوا فيه .



              فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيما حازه المشركون من أموال المسلمين ثم ظهر عليه المسلمون أو أسلم عليه المشركون
              في " البخاري " : أن فرسا لابن عمر رضي الله عنه ذهب وأخذه العدو فظهر عليه المسلمون فرد عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبق له عبد فلحق بالروم فظهر عليه المسلمون فرده عليه خالد في زمن أبي بكر رضي الله عنه .

              وفي " سنن أبي داود " : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي رد عليه الغلام وفي " المدونة " و " الواضحة أن رجلا من المسلمين وجد بعيرا له في المغانم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن وجدته لم يقسم فخذه وإن وجدته قد قسم فأنت أحق به بالثمن إن أردته

              وصح عنه أن المهاجرين طلبوا منه دورهم يوم الفتح بمكة فلم يرد على أحد داره . وقيل له أين تنزل غدا من دارك بمكة ؟ فقال وهل ترك لنا عقيل منزلا وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وثب عقيل على رباع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فحازها كلها وحوى عليها ثم أسلم وهي في يده وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من أسلم على شيء فهو له وكان عقيل ورث أبا طالب ولم يرثه علي لتقدم إسلامه على موت أبيه ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ميراث من عبد المطلب فإن أباه عبد الله مات وأبوه عبد المطلب حي ثم مات عبد المطلب فورثه أولاده وهم أعمام النبي صلى الله عليه وسلم ومات أكثر أولاده ولم يعقبوا فحاز أبو طالب رباعه ثم مات فاستولى عليها عقيل دون علي لاختلاف الدين ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم فاستولى عقيل على داره فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهل ترك لنا عقيل منزلا

              وكان المشركون يعمدون إلى من هاجر من المسلمين ولحق بالمدينة فيستولون على داره وعقاره فمضت السنة أن الكفار المحاربين إذا أسلموا لم يضمنوا ما أتلفوه على المسلمين من نفس أو مال ولم يردوا عليهم أموالهم التي غصبوها عليهم بل من أسلم على شيء فهو له هذا حكمه وقضاؤه صلى الله عليه وسلم .



              فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيما كان يهدى إليه
              كان أصحابه رضي الله عنهم يهدون إليه الطعام وغيره فيقبل منهم ويكافئهم أضعافها . وكانت الملوك تهدي إليه فيقبل هداياهم ويقسمها بين أصحابه ويأخذ منها لنفسه ما يختاره فيكون كالصفي الذي له من المغنم .

              وفي " صحيح البخاري " : أن النبي صلى الله عليه وسلم أهديت إليه أقبية ديباج مزررة بالذهب فقسمها في ناس من أصحابه وعزل منها واحدا لمخرمة بن نوفل فجاء ومعه المسور ابنه فقام على الباب فقال ادعه لي فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته فتلقاه به فاستقبله وقال يا أبا المسور خبأت هذا لك

              وأهدى له المقوقس مارية أم ولده وسيرين التي وهبها لحسان وبغلة شهباء وحمارا .

              وأهدى له النجاشي هدية فقبلها منه وبعث إليه هدية عوضها وأخبر أنه مات قبل أن تصل إليه وأنها ترجع فكان الأمر كما قال .

              وأهدى له فروة بن نفاثة الجذامي بغلة بيضاء ركبها يوم حنين ذكره مسلم .

              وذكر البخاري : أن ملك أيلة أهدى له بغلة بيضاء فكساه رسول الله صلى الله عليه وسلم بردة وكتب له ببحرهم .

              وأهدى له أبو سفيان هدية فقبلها .

              وذكر أبو عبيد : أن عامر بن مالك ملاعب الأسنة أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم فرسا فرده وقال إنا لا نقبل هدية مشرك وكذلك قال لعياض المجاشعي إنا لا نقبل زبد المشركين يعني : رفدهم .
              إنا لا نقبل هدية مشرك
              وكذلك قال لعياض المجاشعي إنا لا نقبل زبد المشركين يعني : رفدهم .

              قال أبو عبيد : وإنما قبل هدية أبي سفيان لأنها كانت في مدة الهدنة بينه وبين أهل مكة وكذلك المقوقس صاحب الإسكندرية إنما قبل هديته لأنه أكرم حاطب بن أبي بلتعة رسوله إليه وأقر بنبوته ولم يؤيسه من إسلامه ولم يقبل صلى الله عليه وسلم هدية مشرك محارب له قط .
              يتبع
              أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
              وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

              Comment

              • اخت مسلمة
                محاور
                • Nov 2005
                • 6338

                #37
                فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في قسمة الأموال
                الأموال التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسمها ثلاثة الزكاة والغنائم والفيء .

                فأما الزكاة والغنائم فقد تقدم حكمهما وبينا أنه لم يكن يستوعب الأصناف الثمانية وأنه كان ربما وضعها في واحد .

                [الحكم في الفيء ]
                وأما حكمه في الفيء فثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قسم يوم حنين في المؤلفة قلوبهم من الفيء ولم يعط الأنصار شيئا فعتبوا عليه فقال لهم ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتنطلقون برسول الله صلى الله عليه وسلم تقودونه إلى رحالكم فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به وقد تقدم ذكر القصة وفوائدها في موضعها .

                والقصة هنا أن الله سبحانه أباح لرسوله من الحكم في مال الفيء ما لم يبحه لغيره وفي " الصحيح " عنه صلى الله عليه وسلم إني لأعطي أقواما وأدع غيرهم والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي وفي " الصحيح " عنه إني لأعطي أقواما أخاف ظلعهم وجزعهم وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير منهم عمرو بن تغلب

                قال عمرو بن تغلب فما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم .

                وفي " الصحيح أن عليا بعث إليه بذهيبة من اليمن فقسمها أرباعا فأعطى الأقرع بن حابس وأعطى زيد الخير وأعطى علقمة بن علاثة وعيينة بن حصن فقام إليه رجل غائر العينين ناتئ الجبهة كث اللحية محلوق الرأس فقال يا رسول الله اتق الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله ؟ الحديث .




                [سهم ذوي القربى ]
                وفي " السنن " : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع سهم ذي القربى في بني هاشم وفي بني المطلب وترك بني نوفل وبني عبد شمس فانطلق جبير بن مطعم وعثمان بن عفان إليه فقالا : يا رسول الله لا ننكر فضل بني هاشم لموضعهم منك فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام إنما نحن وهم شيء واحد وشبك بين أصابعه

                وذكر بعض الناس أن هذا الحكم خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وأن سهم ذوي القربى يصرف بعده في بني عبد شمس وبني نوفل كما يصرف في بني هاشم وبني المطلب قال لأن عبد شمس وهاشم ا والمطلب ونوفلا إخوة وهم أولاد عبد مناف . ويقال إن عبد شمس وهاشما توأمان .

                والصواب استمرار هذا الحكم النبوي وأن سهم ذوي القربى لبني هاشم وبني المطلب حيث خصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وقول هذا القائل إن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم باطل فإنه بين مواضع الخمس الذي جعله الله لذوي القربى فلا يتعدى به تلك المواضع ولا يقصر عنها ولكن لم يكن يقسمه بينهم على السواء بين أغنيائهم وفقرائهم ولا كان يقسمه قسمة الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين بل كان يصرفه فيهم بحسب المصلحة والحاجة فيزوج منه عزبهم ويقضي منه عن غارمهم ويعطي منه فقيرهم كفايته .

                وفي " سنن أبي داود " : عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال ولاني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الخمس فوضعته مواضعه حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياة أبي بكر رضي الله عنه وحياة عمر رضي الله عنه .

                وقد استدل به على أنه كان يصرف في مصارفه الخمسة ولا يقوى هذا الاستدلال إذ غاية ما فيه أنه صرفه في مصارفه التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرفه فيها ولم يعدها إلى سواها فأين تعميم الأصناف الخمسة به ؟ والذي يدل عليه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحكامه أنه كان يجعل مصارف الخمس كمصارف الزكاة ولا يخرج بها عن الأصناف المذكورة لا أنه يقسمه بينهم كقسمة الميراث ومن تأمل سيرته وهديه حق التأمل لم يشك في ذلك .

                وفي " الصحيحين " : عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ينفق منها على أهله نفقة سنة وفي لفظ " يحبس لأهله قوت سنتهم ويجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله .

                وفي " السنن " : عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال كان رسول الله رضي الله عنه إذا أتاه الفيء قسمه من يومه فأعطى الآهل حظين وأعطى العزب حظا . فهذا تفضيل منه للآهل بحسب المصلحة والحاجة وإن لم تكن زوجه من ذوي القربى .




                [هل كان الفيء ملكا له صلى الله عليه وسلم]
                وقد اختلف الفقهاء في الفيء هل كان ملكا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتصرف فيه كيف يشاء أو لم يكن ملكا له ؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره .

                والذي تدل عليه سنته وهديه أنه كان يتصرف فيه بالأمر فيضعه حيث أمره الله ويقسمه على من أمر بقسمته عليهم فلم يكن يتصرف فيه تصرف المالك بشهوته وإرادته يعطي من أحب ويمنع من أحب وإنما كان يتصرف فيه تصرف العبد المأمور ينفذ ما أمره به سيده ومولاه فيعطي من أمر بإعطائه ويمنع من أمر بمنعه . وقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا فقال والله إني لا أعطي أحدا ولا أمنعه إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت فكان عطاؤه ومنعه وقسمه بمجرد الأمر فإن الله سبحانه خيره بين أن يكون عبدا رسولا وبين أن يكون ملكا رسولا فاختار أن يكون عبدا رسولا .

                [الفرق بين العبد الرسول وبين الملك الرسول]
                والفرق بينهما أن العبد الرسول لا يتصرف إلا بأمر سيده ومرسله والملك الرسول له أن يعطي من يشاء ويمنع من يشاء كما قال تعالى للملك الرسول سليمان : هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب [ ص : 39 ] . أي أعط من شئت وامنع من شئت لا نحاسبك وهذه المرتبة هي التي عرضت على نبينا صلى الله عليه وسلم فرغب عنها إلى ما هو أعلى منها وهي مرتبة العبودية المحضة التي تصرف صاحبها فيها مقصور على أمر السيد في كل دقيق وجليل .

                والمقصود أن تصرفه في الفيء بهذه المثابة فهو ملك يخالف حكم غيره من المالكين ولهذا كان ينفق مما أفاء الله عليه مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب على نفسه وأهله نفقة سنتهم ويجعل الباقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عز وجل وهذا النوع من الأموال هو السهم الذي وقع بعده فيه من النزاع ما وقع إلى اليوم .




                [مصارف الفيء ]
                فأما الزكوات والغنائم وقسمة المواريث فإنها معينة لأهلها لا يشركهم غيرهم فيها فلم يشكل على ولاة الأمر بعده من أمرها ما أشكل عليهم من الفيء ولم يقع فيها من النزاع ما وقع فيه ولولا إشكال أمره عليهم لما طلبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثها من تركته وظنت أنه يورث عنه ما كان ملكا له كسائر المالكين وخفي عليها رضي الله عنها حقيقة الملك الذي ليس مما يورث عنه بل هو صدقة بعده ولما علم ذلك خليفته الراشد البار الصديق ومن بعده من الخلفاء الراشدين لم يجعلوا ما خلفه من الفيء ميراثا يقسم بين ورثته بل دفعوه إلى علي والعباس يعملان فيه عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تنازعا فيه وترافعا إلى أبي بكر الصديق وعمر ولم يقسم أحد منهما ذلك ميراثا ولا مكنا منه عباسا وعلي ا .

                وقد قال الله تعالى : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم إلى قوله والذين جاءوا من بعدهم إلى آخر الآية [ الحشر 7 - 10 ] .
                فأخبر سبحانه أن ما أفاء على رسوله بجملته لمن ذكر في هذه الآيات ولم يخص منه خمسه بالمذكورين بل عمم وأطلق واستوعب . ويصرف على المصارف الخاصة وهم أهل الخمس ثم على المصارف العامة وهم المهاجرون والأنصار وأتباعهم إلى يوم الدين .

                فالذي عمل به هو وخلفاؤه الراشدون هو المراد من هذه الآيات ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما رواه أحمد رحمه الله وغيره عنه ما أحد أحق بهذا المال من أحد وما أنا أحق به من أحد والله ما من المسلمين أحد إلا وله في هذا المال نصيب إلا عبد مملوك ولكنا على منازلنا من كتاب الله وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فالرجل وبلاؤه في الإسلام والرجل وقدمه في الإسلام والرجل وغناؤه في الإسلام والرجل وحاجته ووالله لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو يرعى مكانه

                فهؤلاء المسمون في آية الفيء هم المسمون في آية الخمس ولم يدخل المهاجرون والأنصار وأتباعهم في آية الخمس لأنهم المستحقون لجملة الفيء وأهل الخمس لهم استحقاقان استحقاق خاص من الخمس واستحقاق عام من جملة الفيء فإنهم داخلون في النصيبين .

                وكما أن قسمته من جملة الفيء بين من جعل له ليس قسمة الأملاك التي يشترك فيها المالكون كقسمة المواريث والوصايا والأملاك المطلقة بل بحسب الحاجة والنفع والغناء في الإسلام والبلاء فيه فكذلك قسمة الخمس في أهله فإن مخرجهما واحد في كتاب الله والتنصيص على الأصناف الخمسة يفيد تحقيق إدخالهم وأنهم لا يخرجون من

                أهل الفيء بحال وأن الخمس لا يعدوهم إلى غيرهم كأصناف الزكاة لا تعدوهم إلى غيرهم كما أن الفيء العام في آية الحشر للمذكورين فيها لا يتعداهم إلى غيرهم ولهذا أفتى أئمة الإسلام كمالك والإمام أحمد وغيرهما أن الرافضة لا حق لهم في الفيء لأنهم ليسوا من المهاجرين ولا من الأنصار ولا من الذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان وهذا مذهب أهل المدينة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وعليه يدل القرآن وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين .


                [هل تقسم الزكاة والفيء على الأصناف كلها ]
                وقد اختلف الناس في آية الزكاة وآية الخمس فقال الشافعي : تجب قسمة الزكاة والخمس على الأصناف كلها ويعطي من كل صنف من يطلق عليه اسم الجمع .

                وقال مالك رحمه الله وأهل المدينة : بل يعطي في الأصناف المذكورة فيهما ولا يعدوهم إلى غيرهم ولا تجب قسمة الزكاة ولا الفيء في جميعهم .

                وقال الإمام أحمد وأبو حنيفة : بقول مالك رحمهم الله في آية الزكاة وبقول الشافعي رحمه الله في آية الخمس .

                ومن تأمل النصوص وعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه وجده يدل على قول أهل المدينة فإن الله سبحانه جعل أهل الخمس هم أهل الفيء وعينهم اهتماما بشأنهم وتقديما لهم ولما كانت الغنائم خاصة بأهلها لا يشركهم فيها سواهم نص على خمسها لأهل الخمس ولما كان الفيء لا يختص بأحد دون أحد جعل جملته لهم وللمهاجرين والأنصار وتابعيهم فسوى بين الخمس وبين الفيء في المصرف وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف سهم الله وسهمه في مصالح الإسلام وأربعة أخماس الخمس في أهلها مقدما للأهم فالأهم والأحوج فالأحوج فيزوج منه عزابهم ويقضي منه ديونهم ويعين ذا الحاجة منهم ويعطي عزبهم حظا ومتزوجهم حظين ولم يكن هو ولا أحد من خلفائه يجمعون اليتامى والمساكين وأبناء السبيل وذوي القربى ويقسمون أربعة أخماس الفيء بينهم على السوية ولا على التفضيل كما لم يكونوا يفعلون ذلك في الزكاة فهذا هديه وسيرته وهو فصل الخطاب ومحض الصواب .


                فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الوفاء بالعهد لعدوه وفي رسلهم أن لا يقتلوا ولا يحبسوا وفي النبذ إلى من عاهده على سواء إذا خاف منه نقض العهد
                ثبت عنه أنه قال لرسولي مسيلمة الكذاب لما قالا : نقول إنه رسول الله لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما

                وثبت عنه أنه قال لأبي رافع وقد أرسلته إليه قريش فأراد المقام عنده وأنه لا يرجع إليهم فقال إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد ولكن ارجع إلى قومك فإن كان في نفسك الذي فيها الآن فارجع

                وثبت عنه أنه رد إليهم أبا جندل للعهد الذي كان بينه وبينهم أن يرد إليهم من جاءه منهم مسلما ولم يرد النساء وجاءت سبيعة الأسلمية مسلمة فخرج زوجها في طلبها فأنزل الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار الآية [ الممتحنة 10 ] فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يخرجها إلا الرغبة في الإسلام وأنها لم تخرج لحدث أحدثته في قومها ولا بغضا لزوجها فحلفت فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجها مهرها ولم يردها عليه . فهذا حكمه الموافق لحكم الله ولم يجئ شيء ينسخه البتة . ومن زعم أنه منسوخ فليس بيده إلا الدعوى المجردة وقد تقدم بيان ذلك في قصة الحديبية .

                وقال تعالى : وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين [ الأنفال 58 ] .

                وقال صلى الله عليه وسلم من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدا ولا يشدنه حتى يمضي أمده أو ينبذ إليهم على سواء قال الترمذي : حديث حسن صحيح .

                ولما أسرت قريش حذيفة بن اليمان وأباه أطلقوهما وعاهدوهما أن لا يقاتلاهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا خارجين إلى بدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم



                فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الأمان الصادر من الرجال والنساء
                ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم

                وثبت عنه أنه أجار رجلين أجارتهما أم هانئ ابنة عمه وثبت عنه أنه أجار أبا العاص بن الربيع لما أجارته ابنته زينب ثم قال يجير على المسلمين أدناهم وفي حديث آخر يجير على المسلمين أدناهم ويرد عليهم أقصاهم

                فهذه أربع قضايا كلية أحدها : تكافؤ دمائهم وهو يمنع قتل مسلمهم بكافرهم .

                والثانية أنه يسعى بذمتهم أدناهم وهو يوجب قبول أمان المرأة والعبد .

                وقال ابن الماجشون . لا يجوز الأمان إلا لوالي الجيش أو والي السرية . قال ابن شعبان وهذا خلاف قول الناس كلهم .

                والثالثة أن المسلمين يد على من سواهم وهذا يمنع من تولية الكفار شيئا من الولايات فإن للوالي يدا على المولى عليه .

                والرابعة أنه يرد عليهم أقصاهم وهذا يوجب أن السرية إذا غنمت غنيمة بقوة جيش الإسلام كانت لهم وللقاصي من الجيش إذ بقوته غنموها وأن ما صار في بيت المال من الفيء كان لقاصيهم ودانيهم وإن كان سبب أخذه دانيهم فهذه الأحكام وغيرها مستفادة من كلماته الأربعة صلوات الله وسلامه عليه .




                فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الجزية ومقدارها وممن تقبل
                [الأمر بأخذ الجزية ]

                قد تقدم أن أول ما بعث الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وسلم الدعوة إليه بغير قتال ولا جزية فأقام على ذلك بضع عشرة سنة بمكة ثم أذن له في القتال لما هاجر من غير فرض له ثم أمره بقتال من قاتله والكف عمن لم يقاتله ثم لما نزلت ( براءة ) سنة ثمان أمره بقتال جميع من لم يسلم من العرب : من قاتله أو كف عن قتاله إلا من عاهده ولم ينقصه من عهده شيئا فأمره أن يفي له بعهده ولم يأمره بأخذ الجزية من المشركين وحارب اليهود مرارا ولم يؤمر بأخذ الجزية منهم .

                ثم أمره بقتال أهل الكتاب كلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية فامتثل أمر ربه فقاتلهم فأسلم بعضهم وأعطى بعضهم الجزية واستمر بعضهم على محاربته فأخذها صلى الله عليه وسلم من أهل نجران وأيلة وهم من نصارى العرب ومن أهل دومة الجندل وأكثرهم عرب وأخذها من المجوس ومن أهل الكتاب باليمن وكانوا يهودا .




                [ هل تقبل الجزية من غير اليهود والنصارى والمجوس وهل تقبل من العرب ]
                ولم يأخذها من مشركي العرب فقال أحمد والشافعي : لا تؤخذ إلا من الطوائف الثلاث التي أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم وهم اليهود والنصارى والمجوس . ومن عداهم فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل .

                وقالت طائفة في الأمم كلها إذا بذلوا الجزية قبلت منهم أهل الكتابين بالقرآن والمجوس بالسنة ومن عداهم ملحق بهم لأن المجوس أهل شرك لا كتاب لهم فأخذها منهم دليل على أخذها من جميع المشركين وإنما لم يأخذها صلى الله عليه وسلم من عبدة الأوثان من العرب لأنهم أسلموا كلهم قبل نزول آية الجزية فإنها نزلت بعد تبوك وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرغ من قتال العرب واستوثقت كلها له بالإسلام ولهذا لم يأخذها من اليهود الذين حاربوه لأنها لم تكن نزلت بعد فلما نزلت أخذها من نصارى العرب ومن المجوس ولو بقي حينئذ أحد من عبدة الأوثان بذلها لقبلها منه كما قبلها من عبدة الصلبان والنيران ولا فرق ولا تأثير لتغليظ كفر بعض الطوائف على بعض ثم إن كفر عبدة الأوثان ليس أغلظ من كفر المجوس وأي فرق بين عبدة الأوثان والنيران بل كفر المجوس أغلظ وعباد الأوثان كانوا يقرون بتوحيد الربوبية وأنه لا خالق إلا الله وأنهم إنما يعبدون آلهتهم لتقربهم إلى الله سبحانه وتعالى ولم يكونوا يقرون بصانعين للعالم أحدهما : خالق للخير والآخر للشر كما تقوله المجوس ولم يكونوا يستحلون نكاح الأمهات والبنات والأخوات وكانوا على بقايا من دين إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه .

                وأما المجوس فلم يكونوا على كتاب أصلا ولا دانوا بدين أحد من الأنبياء لا في عقائدهم ولا في شرائعهم والأثر الذي فيه أنه كان لهم كتاب فرفع ورفعت شريعتهم لما وقع ملكهم على ابنته لا يصح البتة ولو صح لم يكونوا بذلك من أهل الكتاب فإن كتابهم رفع وشريعتهم بطلت فلم يبقوا على شيء منها .

                ومعلوم أن العرب كانوا على دين إبراهيم عليه السلام وكان له صحف وشريعة وليس تغيير عبدة الأوثان لدين إبراهيم عليه السلام وشريعته بأعظم من تغيير المجوس لدين نبيهم وكتابهم لو صح فإنه لا يعرف عنهم التمسك بشيء من شرائع الأنبياء عليهم الصلوات والسلام بخلاف العرب فكيف يجعل المجوس الذين دينهم أقبح الأديان أحسن حالا من مشركي العرب وهذا القول أصح في الدليل كما ترى .

                وفرقت طائفة ثالثة بين العرب وغيرهم فقالوا : تؤخذ من كل كافر إلا مشركي العرب . ورابعة فرقت بين قريش وغيرهم وهذا لا معنى له فإن قريشا لم يبق فيهم كافر يحتاج إلى قتاله وأخذ الجزية منه البتة وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل هجر وإلى المنذر بن ساوى وإلى ملوك الطوائف يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية ولم يفرق بين عربي وغيره .



                [مقدار الجزية ]
                وأما حكمه في قدرها فإنه بعث معاذا إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو قيمته معافر وهي ثياب معروفة باليمن . ثم زاد فيها عمر رضي الله عنه فجعلها أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعين درهما على أهل الورق في كل سنة فرسول الله صلى الله عليه وسلم علم ضعف أهل اليمن وعمر رضي الله عنه علم غنى أهل الشام وقوتهم .



                فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الهدنة وما ينقضها
                [مصالحته أهل مكة ]
                ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صالح أهل مكة على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين ودخل حلفاؤهم من بني بكر معهم وحلفاؤه من خزاعة معه فعدت حلفاء قريش على حلفائه فغدروا بهم فرضيت قريش ولم تنكره فجعلهم بذلك ناقضين للعهد واستباح غزوهم من غير نبذ عهدهم إليهم لأنهم صاروا محاربين له ناقضين لعهده برضاهم وإقرارهم لحلفائهم على الغدر بحلفائه وألحق ردأهم في ذلك بمباشرهم .

                [ مصالحته اليهود ]
                وثبت عنه أنه صالح اليهود وعاهدهم لما قدم المدينة فغدروا به ونقضوا عهده مرارا وكل ذلك يحاربهم ويظفر بهم وآخر ما صالح يهود خيبر على أن الأرض له ويقرهم فيها عمالا له ما شاء وكان هذا الحكم منه فيهم حجة على جواز صلح الإمام لعدوه ما شاء من المدة فيكون العقد جائزا له فسخه متى شاء وهذا هو الصواب وهو موجب حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ناسخ له .




                فصل [ما كان في صلحه لأهل مكة من دخول بعضهم في عهده صلى الله عليه وسلم]
                وكان في صلحه لأهل مكة أن من أحب أن يدخل في عهد محمد ، وعقده دخل ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل وأن من جاءهم من عنده لا يردونه إليه ومن جاءه منهم رده إليهم وأنه يدخل العام القابل إلى مكة فيخلونها له ثلاثا ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح وقد تقدم ذكر هذه القصة وفقهها في موضعه .



                ذكر أقضيته وأحكامه صلى الله عليه وسلم في النكاح وتوابعه
                فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الثيب والبكر يزوجهما أبوهما
                [إذن البكر والثيب ]
                ثبت عنه في " الصحيحين " : أن خنساء بنت خدام زوجها أبوها وهي كارهة وكانت ثيبا فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها

                وفي " السنن " : من حديث ابن عباس : أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم . وهذه غير خنساء فهما قضيتان قضى في إحداهما بتخيير الثيب وقضى في الأخرى بتخيير البكر .

                وثبت عنه في " الصحيح " أنه قال لا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا : يا رسول الله وكيف إذنها ؟ قال أن تسكت .

                وفي " صحيح مسلم " : البكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها وموجب هذا الحكم أنه لا تجبر البكر البالغ على النكاح ولا تزوج إلا برضاها وهذا قول جمهور السلف ومذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه وهو القول الذي ندين الله به ولا نعتقد سواه وهو الموافق لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره ونهيه وقواعد شريعته ومصالح أمته .

                [موافقة الإذن لحكمه صلى الله عليه وسلم]

                أما موافقته لحكمه فإنه حكم بتخيير البكر الكارهة وليس رواية هذا الحديث مرسلة بعلة فيه فإنه قد روي مسندا ومرسلا فإن قلنا بقول الفقهاء إن الاتصال زيادة ومن وصله مقدم على من أرسله فظاهر وهذا تصرفهم في غالب الأحاديث فما بال هذا خرج عن حكم أمثاله وإن حكمنا بالإرسال كقول كثير من المحدثين فهذا مرسل قوي قد عضدته الآثار الصحيحة الصريحة والقياس وقواعد الشرع كما سنذكره فيتعين القول به .

                [موافقة الإذن لأمره صلى الله عليه وسلم]

                وأما موافقة هذا القول لأمره فإن قال " والبكر تستأذن وهذا أمر مؤكد لأنه ورد بصيغة الخبر الدال على تحقق المخبر به وثبوته ولزومه والأصل في أوامره صلى الله عليه وسلم أن تكون للوجوب ما لم يقم إجماع على خلافه .

                [موافقة الإذن لنهيه صلى الله عليه وسلم]

                وأما موافقته لنهيه فلقوله لا تنكح البكر حتى تستأذن فأمر ونهى وحكم بالتخيير وهذا إثبات للحكم بأبلغ الطرق .

                [موافقة الإذن لقواعد الشرع ]

                وأما موافقته لقواعد شرعه فإن البكر البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرف أبوها في أقل شيء من مالها إلا برضاها ولا يجبرها على إخراج اليسير منه بدون رضاها فكيف يجوز أن يرقها ويخرج بضعها منها بغير رضاها إلى من يريده هو وهي من أكره الناس فيه أبغض شيء إليها ؟ ومع هذا فينكحها إياه قهرا بغير رضاها إلى من يريده ويجعلها أسيرة عنده كما قال النبي اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم أي أسرى ومعلوم أن إخراج مالها كله بغير رضاها أسهل عليها من تزويجها بمن لا تختاره بغير رضاها ولقد أبطل من قال إنها إذا عينت كفئا تحبه وعين أبوها كفئا فالعبرة بتعيينه ولو كان بغيضا إليها قبيح الخلقة .




                [ موافقة الإذن لمصالح الأمة ]
                وأما موافقته لمصالح الأمة فلا يخفى مصلحة البنت في تزويجها بمن تختاره وترضاه وحصول مقاصد النكاح لها به وحصول ضد ذلك بمن تبغضه وتنفر عنه فلو لم تأت السنة الصريحة بهذا القول لكان القياس الصحيح وقواعد الشريعة لا تقتضي غيره وبالله التوفيق .

                [ الحجة على من استمسك بحديث " الأيم أحق بنفسها من وليها " في إجبار البكر ]

                فإن قيل فقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرق بين البكر والثيب وقال ولا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن وقال الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر يستأذنها أبوها فجعل الأيم أحق بنفسها من وليها فعلم أن ولي البكر أحق بها من نفسها وإلا لم يكن لتخصيص الأيم بذلك معنى .

                وأيضا فإنه فرق بينهما في صفة الإذن فجعل إذن الثيب النطق وإذن البكر الصمت وهذا كله يدل على عدم اعتبار رضاها وأنها لا حق لها مع أبيها .

                فالجواب أنه ليس في ذلك ما يدل على جواز تزويجها بغير رضاها مع بلوغها وعقلها ورشدها وأن يزوجها بأبغض الخلق إليها إذا كان كفئا والأحاديث التي احتججتم بها صريحة في إبطال هذا القول وليس معكم أقوى من قوله الأيم أحق بنفسها من وليها هذا إنما يدل بطريق المفهوم ومنازعوكم ينازعونكم في كونه حجة ولو سلم أنه حجة فلا يجوز تقديمه على المنطوق الصريح وهذا أيضا إنما يدل إذا قلت : إن للمفهوم عموما والصواب أنه لا عموم له إذ دلالته ترجع إلى أن التخصيص بالمذكور لا بد له من فائدة وهي نفي الحكم عما عداه ومعلوم أن انقسام ما عداه إلى ثابت الحكم ومنتفيه فائدة وأن إثبات حكم آخر للمسكوت عنه فائدة وإن لم يكن ضد حكم المنطوق وأن تفصيله فائدة كيف وهذا مفهوم مخالف للقياس الصريح بل قياس الأولى كما تقدم ويخالف النصوص المذكورة .

                وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم والبكر يستأذنها أبوها عقيب قوله الأيم أحق بنفسها من وليها قطعا لتوهم هذا القول وأن البكر تزوج بغير رضاها ولا إذنها فلا حق لها في نفسها البتة فوصل إحدى الجملتين بالأخرى دفعا لهذا التوهم . ومن المعلوم أنه لا يلزم من كون الثيب أحق بنفسها من وليها أن لا يكون للبكر في نفسها حق البتة .

                [ مناط الإجبار ]
                وقد اختلف الفقهاء في مناط الإجبار على ستة أقوال


                أحدها : أنه يجبر بالبكارة وهو قول الشافعي ومالك وأحمد في رواية .

                الثاني : أنه يجبر بالصغر وهو قول أبي حنيفة وأحمد في الرواية الثانية .

                الثالث أنه يجبر بهما معا وهو الرواية الثالثة عن أحمد .

                الرابع أنه يجبر بأيهما وجد وهو الرواية الرابعة عنه .

                الخامس أنه يجبر بالإيلاد فتجبر الثيب البالغ حكاه القاضي إسماعيل عن الحسن البصري قال وهو خلاف الإجماع . قال وله وجه حسن من الفقه فيا ليت شعري ما هذا الوجه الأسود المظلم ؟

                السادس أنه يجبر من يكون في عياله ولا يخفى عليك الراجح من هذه المذاهب .



                فصل [ إذن البكر الصمات وإذن الثيب الكلام ]
                وقضى صلى الله عليه وسلم بأن إذن البكر الصمات وإذن الثيب الكلام فإن نطقت البكر بالإذن بالكلام فهو آكد وقال ابن حزم : لا يصح أن تزوج إلا بالصمات وهذا هو اللائق بظاهريته .




                فصل [ جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ ]
                وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اليتيمة تستأمر فى نفسها ولا يتم بعد احتلام فدل ذلك على جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ وهذا مذهب عائشة رضي الله عنها وعليه يدل القرآن والسنة وبه قال أحمد وأبو حنيفة وغيرهما .

                قال تعالى ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن [ النساء 127 ] . قالت عائشة رضي الله عنها : هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في نكاحها ولا يقسط لها سنة صداقها فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن سنة صداقهن

                وفي السنن الأربعة عنه صلى الله عليه وسلم اليتيمة تستأمر في نفسها فإن صمتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها




                فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في النكاح بلا ولي
                في " السنن " عنه من حديث عائشة رضي الله عنها : أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له قال الترمذي حديث حسن . وفي السنن الأربعة عنه لا نكاح إلا بولي

                وفيها عنه لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها



                فصل [ إذا زوج المرأة الوليان فهي للأول منهما ]
                وحكم أن المرأة إذا زوجها الوليان فهي للأول منهما وأن الرجل إذا باع للرجلين فالبيع للأول منهما .




                فصل في قضائه في نكاح التفويض
                ثبت عنه أنه قضى في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها حتى مات أن لها مهر مثلها ولا وكس ولا شطط ولها الميراث وعليها العدة أربعة أشهر وعشرا

                وفي " سنن أبي داود " عنه أنه قال لرجل أترضى أن أزوجك فلانة ؟ قال نعم وقال للمرأة أترضين أن أزوجك فلانا ؟ قالت نعم فزوج أحدهما صاحبه فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا فلما كان عند موته عوضها من صداقها سهما له بخيبر

                وقد تضمنت هذه الأحكام جواز النكاح من غير تسمية صداق وجواز الدخول قبل التسمية واستقرار مهر المثل بالموت وإن لم يدخل بها ووجوب عدة الوفاة بالموت وإن لم يدخل بها الزوج وبهذا أخذ ابن مسعود وفقهاء العراق وعلماء الحديث منهم أحمد والشافعي في أحد قوليه .

                وقال علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت رضي الله عنهما : لا صداق لها وبه أخذ أهل المدينة ومالك والشافعي في قوله الآخر .

                وتضمنت جواز تولي الرجل طرفي العقد كوكيل من الطرفين أو ولي فيهما أو ولي وكله الزوج أو زوج وكله الولي ويكفي أن يقول زوجت فلانا فلانة مقتصرا على ذلك أو تزوجت فلانة إذا كان هو الزوج وهذا ظاهر مذهب أحمد . وعنه رواية ثانية لا يجوز ذلك إلا للولي المجبر كمن زوج أمته أو ابنته المجبرة بعبده المجبر ووجه هذه الرواية أنه لا يعتبر رضى واحد من الطرفين .

                وفي مذهبه قول ثالث أنه يجوز ذلك إلا للزوج خاصة فإنه لا يصح منه تولي الطرفين لتضاد أحكام الطرفين فيه .




                فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن تزوج امرأة فوجدها في الحبل
                في " السنن " و " المصنف " : عن سعيد بن المسيب عن بصرة بن أكثم قال تزوجت امرأة بكرا في سترها فدخلت عليها فإذا هي حبلى فقال النبي صلى الله عليه وسلم لها الصداق بما استحللت من فرجها والولد عبد لك وإذا ولدت فاجلدوها وفرق بينهما .

                وقد تضمن هذا الحكم بطلان نكاح الحامل من زنى وهو قول
                أهل المدينة والإمام أحمد وجمهور الفقهاء ووجوب المهر المسمى في النكاح الفاسد وهذا هو الصحيح من الأقوال الثلاثة . والثاني : يجب مهر المثل وهو قول الشافعي رحمه الله . والثالث يجب أقل الأمرين .

                وتضمنت وجوب الحد بالحبل وإن لم تقم بينة ولا اعتراف والحبل من أقوى البينات وهذا مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأهل المدينة وأحمد في إحدى الروايتين عنه .

                وأما حكمه بكون الولد عبدا للزوج فقد قيل إنه لما كان ولد زنى لا أب له وقد غرته من نفسها وغرم صداقها أخدمه ولدها وجعله له بمنزلة العبد لا أنه أرقه فإنه انعقد حرا تبعا لحرية أمه وهذا محتمل ويحتمل أن يكون أرقه عقوبة لأمه على زناها وتغريرها للزوج ويكون هذا خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبذلك الولد لا يتعدى الحكم إلى غيره ويحتمل أن يكون هذا منسوخا .

                وقد قيل إنه كان في أول الإسلام يسترق الحر في الدين وعليه حمل بيعه صلى الله عليه وسلم ليسترق في دينه . والله أعلم .



                فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الشروط في النكاح
                في " الصحيحين " : عنه صلى الله عليه وسلم إن أحق الشروط أن توفوا ما استحللتم به الفروج وفيهما عنه لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح فإنما لها ما قدر لها وفيهما : أنه نهى أن تشترط المرأة طلاق أختها

                وفي " مسند أحمد " : عنه لا يحل أن تنكح امرأة بطلاق أخرى فتضمن هذا الحكم وجوب الوفاء بالشروط التي شرطت في العقد إذا لم تتضمن تغييرا لحكم الله ورسوله .

                وقد اتفق على وجوب الوفاء بتعجيل المهر أو تأجيله والضمين والرهن به ونحو ذلك وعلى عدم الوفاء باشتراط ترك الوطء والإنفاق والخلو عن المهر ونحو ذلك .

                واختلف في شرط الإقامة في بلد الزوجة وشرط دار الزوجة وأن لا يتسرى عليها ولا يتزوج عليها فأوجب أحمد وغيره الوفاء به ومتى لم يف به فلها الفسخ عند أحمد .

                واختلف في اشتراط البكارة والنسب والجمال والسلامة من العيوب التي لا يفسخ بها النكاح وهل يؤثر عدمها في فسخه ؟ على ثلاثة أقوال . ثالثها : الفسخ عند عدم النسب خاصة .

                [ بطلان اشتراط المرأة طلاق أختها ]
                وتضمن حكمه صلى الله عليه وسلم بطلان اشتراط المرأة طلاق أختها وأنه لا يجب الوفاء به فإن قيل فما الفرق بين هذا وبين اشتراطها أن لا يتزوج عليها حتى صححتم هذا وأبطلتم شرط طلاق الضرة ؟ قيل الفرق بينهما أن في اشتراط طلاق الزوجة من الإضرار بها وكسر قلبها وخراب بيتها وشماتة أعدائها ما ليس في اشتراط عدم نكاحها ونكاح غيرها وقد فرق النص بينهما فقياس أحدهما على الآخر فاسد .



                فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في نكاح الشغار والمحلل والمتعة ونكاح المحرم ونكاح الزانية
                [ النهي عن نكاح الشغار ]
                أما الشغار فصح النهي عنه من حديث ابن عمر وأبي هريرة ومعاوية .

                وفي " صحيح مسلم " : عن ابن عمر مرفوعا لا شغار في الإسلام وفي حديث ابن عمر والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق

                وفي حديث أبي هريرة والشغار أن يقول الرجل للرجل : زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي أو زوجني أختك وأزوجك أختي وفي حديث معاوية أن العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته وأنكحه عبد الرحمن ابنته وكانا جعلا صداقا فكتب معاوية رضي الله عنه إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما وقال هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم

                فاختلف الفقهاء في ذلك فقال الإمام أحمد : الشغار الباطل أن يزوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ولا مهر بينهما على حديث ابن عمر فإن سموا مع ذلك مهرا صح العقد بالمسمى عنده . وقال الخرقي لا يصح ولو سموا مهرا على حديث معاوية .

                وقال أبو البركات ابن تيمية وغيره من أصحاب أحمد إن سموا مهرا وقالوا : مع ذلك بضع كل واحدة مهر الأخرى لم يصح وإن لم يقولوا ذلك صح .

                [ علة النهي عنه ]

                واختلف في علة النهي فقيل هي جعل كل واحد من العقدين شرطا في الآخر وقيل العلة التشريك في البضع وجعل بضع كل واحدة مهرا للأخرى وهي لا تنتفع به فلم يرجع إليها المهر بل عاد المهر إلى الولي وهو ملكه لبضع زوجته بتمليكه لبضع موليته وهذا ظلم لكل واحدة من المرأتين وإخلاء لنكاحهما عن مهر تنتفع به وهذا هو الموافق للغة العرب فإنهم يقولون بلد شاغر من أمير ودار شاغرة من أهلها : إذا خلت وشغر الكلب إذا رفع رجله وأخلى مكانها . فإذا سموا مهرا مع ذلك زال المحذور ولم يبق إلا اشتراط كل واحد على الآخر شرطا لا يؤثر في فساد العقد فهذا منصوص أحمد .

                وأما من فرق فقال إن قالوا مع التسمية إن بضع كل واحدة مهر للأخرى فسد لأنها لم يرجع إليها مهرها وصار بضعها لغير المستحق وإن لم يقولوا ذلك صح والذي يجيء على أصله أنهم متى عقدوا على ذلك وإن لم يقولوه بألسنتهم أنه لا يصح لأن القصود في العقود معتبرة والمشروط عرفا كالمشروط لفظا فيبطل العقد بشرط ذلك والتواطؤ عليه ونيته فإن سمى لكل واحدة مهر مثلها صح وبهذا تظهر حكمة النهي واتفاق الأحاديث في هذا الباب .




                فصل [ نكاح التحليل ]
                وأما نكاح المحلل ففي " المسند " والترمذي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح .

                وفي " المسند " : من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : لعن الله المحلل والمحلل له وإسناده حسن . وفيه عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .

                وفي " سنن ابن ماجه " : من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بالتيس المستعار ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له فهؤلاء الأربعة من سادات الصحابة رضي الله عنهم وقد شهدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلعنه أصحاب التحليل وهم المحلل والمحلل له وهذا إما خبر عن الله فهو خبر صدق وإما دعاء فهو دعاء مستجاب قطعا وهذا يفيد أنه من الكبائر الملعون فاعلها ولا فرق عند أهل المدينة وأهل الحديث وفقهائهم بين اشتراط ذلك بالقول أو بالتواطؤ والقصد فإن القصود في العقود عندهم معتبرة والأعمال بالنيات والشرط المتواطأ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان كالملفوظ عندهم والألفاظ لا تراد لعينها بل للدلالة على المعاني فإذ ظهرت المعاني والمقاصد فلا عبرة بالألفاظ لأنها وسائل وقد تحققت غاياتها فترتبت عليها أحكامها .




                فصل [ النهي عن نكاح المتعة ]
                وأما نكاح المتعة فثبت عنه أنه أحلها عام الفتح وثبت عنه أنه نهى عنها عام الفتح واختلف هل نهى عنها يوم خيبر ؟ على قولين والصحيح أن النهي إنما كان عام الفتح وأن النهي يوم خيبر إنما كان عن الحمر الأهلية وإنما قال علي لابن عباس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن متعة النساء ونهى عن الحمر الأهلية محتجا عليه في المسألتين فظن بعض الرواة أن التقييد بيوم خيبر راجع إلى الفصلين فرواه بالمعنى ثم أفرد بعضهم أحد الفصلين وقيده بيوم خيبر وقد تقدم بيان المسألة في غزاة الفتح .

                وظاهر كلام ابن مسعود إباحتها فإن في " الصحيحين " : عنه كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساء فقلنا : يا رسول الله ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبد الله يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [ المائدة 87 ] ولكن في " الصحيحين " : عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم متعة النساء

                وهذا التحريم إنما كان بعد الإباحة وإلا لزم منه النسخ مرتين ولم يحتج به على علي ابن عباس رضي الله عنهم ولكن النظر هل هو تحريم بتات أو تحريم مثل تحريم الميتة والدم وتحريم نكاح الأمة فيباح عند الضرورة وخوف العنت ؟ هذا هو الذي لحظه ابن عباس وأفتى بحلها للضرورة فلما توسع الناس فيها ولم يقتصروا على موضع الضرورة أمسك عن فتياه ورجع عنها .

                يتبع
                أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
                وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

                Comment

                • اخت مسلمة
                  محاور
                  • Nov 2005
                  • 6338

                  #38
                  فصل نكاح المحرم في حج أو عمرة
                  وأما نكاح المحرم فثبت عنه في " صحيح مسلم " من رواية عثمان بن عفان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينكح المحرم ولا ينكح

                  [هل تزوج ميمونة وهو محرم ]

                  واختلف عنه صلى الله عليه وسلم هل تزوج ميمونة حلالا أو حراما ؟ فقال ابن عباس : تزوجها محرما وقال أبو رافع تزوجها حلالا وكنت الرسول بينهما .

                  وقول أبي رافع أرجح لعدة أوجه

                  أحدها : أنه إذ ذاك كان رجلا بالغا وابن عباس لم يكن حينئذ ممن بلغ الحلم بل كان له نحو العشر سنين فأبو رافع إذ ذاك كان أحفظ منه .

                  الثاني : أنه كان الرسول بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينها وعلى يده دار الحديث فهو أعلم به منه بلا شك وقد أشار بنفسه إلى هذا إشارة متحقق له ومتيقن ولم ينقله عن غيره بل باشره بنفسه .

                  الثالث أن ابن عباس لم يكن معه في تلك العمرة فإنها كانت عمرة القضية
                  وكان ابن عباس إذ ذاك من المستضعفين الذين عذرهم الله من الولدان وإنما سمع القصة من غير حضور منه لها .

                  الرابع أنه صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة بدأ بالطواف بالبيت ثم سعى بين الصفا والمروة وحلق ثم حل . ومن المعلوم أنه لم يتزوج بها في طريقه ولا بدأ بالتزويج بها قبل الطواف بالبيت ولا تزوج في حال طوافه هذا من المعلوم أنه لم يقع فصح قول أبي رافع يقينا .

                  الخامس أن الصحابة رضي الله عنهم غلطوا ابن عباس ولم يغلطوا أبا رافع .

                  السادس أن قول أبي رافع موافق لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح المحرم وقول ابن عباس يخالفه وهو مستلزم لأحد أمرين إما لنسخه وإما لتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بجواز النكاح محرما وكلا الأمرين مخالف للأصل ليس عليه دليل فلا يقبل .

                  السابع أن ابن أختها يزيد بن الأصم شهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالا قال وكانت خالتي وخالة ابن عباس . ذكره مسلم .



                  فصل [ تحريم نكاح الزانية ]
                  وأما نكاح الزانية فقد صرح الله سبحانه وتعالى بتحريمه في سورة النور وأخبر أن من نكحها فهو إما زان أو مشرك فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحانه ويعتقد وجوبه عليه أولا فإن لم يلتزمه ولم يعتقده فهو مشرك . وإن التزمه واعتقد وجوبه وخالفه فهو زان ثم صرح بتحريمه فقال وحرم ذلك على المؤمنين [ النور 3 ]

                  ولا يخفى أن دعوى نسخ الآية بقوله وأنكحوا الأيامى منكم [ النور 34 ] من أضعف ما يقال وأضعف منه حمل النكاح على الزنى إذ يصير معنى الآية الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك وكلام الله ينبغي أن يصان عن مثل هذا .

                  [ الرد على من حمل معنى الزانية في الآية على بغي مشركة ]

                  وكذلك حمل الآية على امرأة بغي مشركة في غاية البعد عن لفظها وسياقها كيف وهو سبحانه إنما أباح نكاح الحرائر والإماء بشرط الإحصان وهو العفة فقال فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان [ النساء 25 ] فإنما أباح نكاحها في هذه الحالة دون غيرها وليس هذا من باب دلالة المفهوم فإن الأبضاع في الأصل على التحريم فيقتصر في إباحتها على ما ورد به الشرع وما عداه فعلى أصل التحريم .

                  وأيضا فإنه سبحانه قال الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات [ النور 26 ] والخبيثات الزواني . وهذا يقتضي أن من تزوج بهن فهو خبيث مثلهن . وأيضا . فمن أقبح القبائح أن يكون الرجل زوج بغي وقبح هذا مستقر في فطر الخلق وهو عندهم غاية المسبة .

                  وأيضا : فإن البغي لا يؤمن أن تفسد على الرجل فراشه وتعلق عليه أولادا من غيره والتحريم يثبت بدون هذا .

                  وأيضا : فإن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين الرجل وبين المرأة التي وجدها حبلى من الزنى .

                  وأيضا فإن مرثد بن أبي مرثد الغنوي استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج عناق وكانت بغيا فقرأ عليه رسول الله آية النور وقال لا تنكحها .





                  فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن أسلم على أكثر من أربع نسوة أو على أختين
                  في الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اختر منهن أربعا . وفي طريق أخرى : وفارق سائرهن .

                  وأسلم فيروز الديلمي وتحته أختان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اختر أيتهما شئت .

                  فتضمن هذا الحكم صحة نكاح الكفار وأنه له أن يختار من شاء من السوابق واللواحق لأنه جعل الخيرة إليه وهذا قول الجمهور .

                  وقال أبو حنيفة إن تزوجهن في عقد واحد فسد نكاح الجميع وإن تزوجهن مترتبات ثبت نكاح الأربع وفسد نكاح من بعدهن ولا تخيير .




                  فصل [ إذا تزوج العبد بغير إذن مواليه فهو عاهر ]
                  وحكم صلى الله عليه وسلم أن العبد إذا تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر قال الترمذي حديث حسن .





                  فصل [ منعه صلى الله عليه وسلم عليا أن يجمع بين فاطمة وبنت أبي جهل ]
                  واستأذنه بنو هشام بن المغيرة أن يزوجوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابنة أبي جهل فلم يأذن في ذلك وقال إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها إني أخاف أن تفتن فاطمة في دينها وإني لست أحرم حلالا ولا أحل حراما ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في مكان واحد أبدا .

                  وفي لفظ فذكر صهرا له فأثنى عليه وقال حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي .

                  [ إذا شرط الرجل لزوجته أن لا يتزوج عليها لزمه الوفاء ]
                  فتضمن هذا الحكم أمورا :

                  أحدها : أن الرجل إذا شرط لزوجته أن لا يتزوج عليها لزمه الوفاء بالشرط ومتى تزوج عليها فلها الفسخ ووجه تضمن الحديث لذلك أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن ذلك يؤذي فاطمة ويريبها وأنه يؤذيه صلى الله عليه وسلم ويريبه ومعلوم قطعا أنه صلى الله عليه وسلم إنما زوجه فاطمة رضي الله عنها على أن لا يؤذيها ولا يريبها ولا يؤذي أباها صلى الله عليه وسلم ولا يريبه وإن لم يكن هذا مشترطا في صلب العقد فإنه من المعلوم بالضرورة أنه إنما دخل عليه وفي ذكره صلى الله عليه وسلم صهره الآخر وثناءه عليه بأنه حدثه فصدقه ووعده فوفى له تعريض بعلي رضي الله عنه وتهييج له على الاقتداء به وهذا يشعر بأنه جرى منه وعد له بأنه لا يريبها ولا يؤذيها فهيجه على الوفاء له كما وفى له صهره الآخر .



                  [ المشروط عرفا كالمشروط لفظا ]

                  فيؤخذ من هذا أن المشروط عرفا كالمشروط لفظا وأن عدمه يملك الفسخ لمشترطه فلو فرض من عادة قوم أنهم لا يخرجون نساءهم من ديارهم ولا يمكنون أزواجهم من ذلك البتة واستمرت عادتهم بذلك كان كالمشروط لفظا وهو مطرد على قواعد
                  أهل المدينة وقواعد أحمد رحمه الله أن الشرط العرفي كاللفظي سواء ولهذا أوجبوا الأجرة على من دفع ثوبه إلى غسال أو قصار أو عجينه إلى خباز أو طعامه إلى طباخ يعملون بالأجرة أو دخل الحمام أو استخدم من يغسله ممن عادته يغسل بالأجرة ونحو ذلك ولم يشرط لهم أجرة أنه يلزمه أجرة المثل . وعلى هذا فلو فرض أن المرأة من بيت لا يتزوج الرجل على نسائهم ضرة ولا يمكنونه من ذلك وعادتهم مستمرة بذلك كان كالمشروط لفظا .

                  وكذلك لو كانت ممن يعلم أنها لا تمكن إدخال الضرة عليها عادة لشرفها وحسبها وجلالتها كان ترك التزوج عليها كالمشروط لفظا سواء .

                  وعلى هذا فسيدة نساء العالمين وابنة سيد ولد آدم أجمعين أحق النساء بهذا فلو شرطه علي في صلب العقد كان تأكيدا لا تأسيسا .

                  وفي منع علي من الجمع بين فاطمة رضي الله عنها وبين بنت أبي جهل حكمة بديعة وهي أن المرأة مع زوجها في درجته تبع له فإن كانت في نفسها ذات درجة عالية وزوجها كذلك كانت في درجة عالية بنفسها وبزوجها وهذا شأن فاطمة وعلي رضي الله عنهما ولم يكن الله عز وجل ليجعل ابنة أبي جهل مع فاطمة رضي الله عنها في درجة واحدة لا بنفسها ولا تبعا وبينهما من الفرق ما بينهما فلم يكن نكاحها على سيدة نساء العالمين مستحسنا لا شرعا ولا قدرا وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في مكان واحد أبدا فهذا إما أن يتناول درجة الآخر بلفظه أو إشارته .




                  فصل فيما حكم الله سبحانه بتحريمه من النساء على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم
                  [ تحريم الأمهات ]
                  حرم الأمهات وهن كل من بينك وبينه إيلاد من جهة الأمومة أو الأبوة كأمهاته وأمهات آبائه وأجداده من جهة الرجال والنساء وإن علون .

                  [ تحريم البنات ]
                  وحرم البنات وهن كل من انتسب إليه بإيلاد كبنات صلبه وبنات بناته وأبنائهن وإن سفلن .

                  [ تحريم الأخوات والعمات ]
                  وحرم الأخوات من كل جهة وحرم العمات وهن أخوات آبائه وإن علون من كل جهة .

                  [ التفصيل في عمة العم ]

                  وأما عمة العم فإن كان العم لأب فهي عمة أبيه وإن كان لأم فعمته أجنبية منه فلا تدخل في العمات وأما عمة الأم فهي داخلة في عماته كما دخلت عمة أبيه في عماته .

                  [ تحريم الخالات ]
                  [ التفصيل في خالة العمة وعمة الخالة ]

                  وحرم الخالات وهن أخوات أمهاته وأمهات آبائه وإن علون وأما خالة العمة فإن كانت العمة لأب فخالتها أجنبية وإن كانت لأم فخالتها حرام لأنها خالة وأما عمة الخالة فإن كانت الخالة لأم فعمتها أجنبية وإن كانت لأب فعمتها حرام لأنها عمة الأم .

                  [ تحريم بنات الأخ وبنات الأخت ]
                  وحرم بنات الأخ وبنات الأخت فيعم الأخ والأخت من كل جهة وبناتهما وإن نزلت درجتهن .




                  [ التفصيل في تحريم الرضاعة ]
                  وحرم الأم من الرضاعة فيدخل فيه أمهاتها من قبل الآباء والأمهات وإن علون وإذا صارت المرضعة أمه صار صاحب اللبن - وهو الزوج أو السيد إن كانت جارية - أباه وآباؤه أجداده فنبه بالمرضعة صاحبة اللبن التي هي مودع فيها للأب على كونه أبا بطريق الأولى لأن اللبن له وبوطئه ثاب ولهذا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم لبن الفحل فثبت بالنص وإيمائه انتشار حرمة الرضاع إلى أم المرتضع وأبيه من الرضاعة وأنه قد صار ابنا لهما وصارا أبوين له فلزم من ذلك أن يكون إخوتهما وأخواتهما خالات له وعمات وأبناؤهما وبناتهما إخوة له وأخوات فنبه بقوله وأخواتكم من الرضاعة [ النساء 22 ] على انتشار حرمة الرضاع إلى إخوتهما وأخواتهما كما انتشرت منهما إلى أولادهما فكما صاروا إخوة وأخوات للمرتضع فأخوالهما وخالاتهما أخوال وخالات له وأعمام وعمات له الأول بطريق النص والآخر بتنبيهه كما أن الانتشار إلى الأم بطريق النص وإلى الأب بطريق تنبيهه .

                  وهذه طريقة عجيبة مطردة في القرآن لا يقع عليها إلا كل غائص على معانيه ووجوه دلالاته ومن هنا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ولكن الدلالة دلالتان خفية وجلية فجمعهما للأمة ليتم البيان ويزول الالتباس ويقع على الدلالة الجلية الظاهرة من قصر فهمه عن الخفية .

                  [ تحريم أمهات الزوجات ]
                  وحرم أمهات النساء فدخل في ذلك أم المرأة وإن علت من نسب أو رضاع دخل بالمرأة أو لم يدخل بها لصدق الاسم على هؤلاء كلهن .

                  [ تحريم بنات الزوجات ]
                  وحرم الربائب اللاتي في حجور الأزواج وهن بنات نسائهم المدخول بهن فتناول بذلك بناتهن وبنات بناتهن وبنات أبنائهن فإنهن داخلات في اسم الربائب وقيد التحريم بقيدين أحدهما : كونهن في حجور الأزواج . والثاني : الدخول بأمهاتهن . فإذا لم يوجد الدخول لم يثبت التحريم وسواء حصلت الفرقة بموت أو طلاق هذا مقتضى النص .

                  وذهب زيد بن ثابت ومن وافقه وأحمد في رواية عنه إلى أن موت الأم في تحريم الربيبة كالدخول بها لأنه يكمل الصداق ويوجب العدة والتوارث فصار كالدخول والجمهور أبوا ذلك وقالوا : الميتة غير مدخول بها فلا تحرم ابنتها والله تعالى قيد التحريم بالدخول وصرح بنفيه عند عدم الدخول .

                  وأما كونها في حجره فلما كان الغالب ذلك ذكره لا تقييدا للتحريم به بل هو بمنزلة قوله ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق [ الإسراء : 31 ] ولما كان من شأن بنت المرأة أن تكون عند أمها فهي في حجر الزوج وقوعا وجوازا فكأنه قال اللاتي من شأنهن أن يكن في حجوركم ففي ذكر هذا فائدة شريفة وهي جواز جعلها في حجره وأنه لا يجب عليه إبعادها عنه وتجنب مؤاكلتها والسفر والخلوة بها فأفاد هذا الوصف عدم الامتناع من ذلك .

                  ولما خفي هذا على بعض أهل الظاهر شرط في تحريم الربيبة أن تكون في حجر الزوج وقيد تحريمها بالدخول بأمها وأطلق تحريم أم المرأة ولم يقيده بالدخول فقال جمهور العلماء من الصحابة ومن بعدهم إن الأم تحرم بمجرد العقد على البنت دخل بها أو لم يدخل ولا تحرم البنت إلا بالدخول بالأم وقالوا : أبهموا ما أبهم الله . وذهبت طائفة إلى أن قوله اللاتي دخلتم بهن وصف لنسائكم الأولى والثانية وأنه لا تحرم الأم إلا بالدخول بالبنت وهذا يرده نظم الكلام وحيلولة المعطوف بين الصفة والموصوف وامتناع جعل الصفة للمضاف إليه دون المضاف إلا عند البيان فإذا قلت : مررت بغلام زيد العاقل فهو صفة للغلام لا لزيد إلا عند زوال اللبس كقولك : مررت بغلام هند الكاتبة ويرده أيضا جعله صفة واحدة لموصوفين مختلفي الحكم والتعلق والعامل وهذا لا يعرف في اللغة التي نزل بها القرآن .

                  وأيضا فإن الموصوف الذي يلي الصفة أولى بها لجواره والجار أحق بصقبه ما لم تدع ضرورة إلى نقلها عنه أو تخطيها إياه إلى الأبعد .

                  [ وجه دخول بنت جاريته في التحريم ]

                  فإن قيل فمن أين أدخلتم ربيبته التي هي بنت جاريته التي دخل بها وليست من نسائه ؟ . قلنا : السرية قد تدخل في جملة نسائه كما دخلت في قوله نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم [ البقرة 223 ] ودخلت في قوله أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم [ البقرة 187 ] ودخلت في قوله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء [ النساء 22 ]



                  [ دخول أم الجارية المدخول بها في التحريم ]
                  فإن قيل فيلزمكم على هذا إدخالها في قوله وأمهات نسائكم [ النساء 23 ] فتحرم عليه أم جاريته ؟ .

                  قلنا : نعم وكذلك نقول إذا وطئ أمته حرمت عليه أمها وابنتها .

                  فإن قيل فأنتم قد قررتم أنه لا يشترط الدخول بالبنت في تحريم أمها فكيف تشترطونه ها هنا ؟ .

                  قلنا : لتصير من نسائه فإن الزوجة صارت من نسائه بمجرد العقد وأما المملوكة فلا تصير من نسائه حتى يطأها فإذا وطئها صارت من نسائه فحرمت عليه أمها وابنتها .

                  [ وجه عدم دخول الجواري في الظهار والإيلاء ]

                  فإن قيل فكيف أدخلتم السرية في نسائه في آية التحريم ولم تدخلوها في نسائه في آية الظهار والإيلاء ؟ .

                  قيل السياق والواقع يأبى ذلك فإن الظهار كان عندهم طلاقا وإنما محله الأزواج لا الإماء فنقله الله سبحانه من الطلاق إلى التحريم الذي تزيله الكفارة ونقل حكمه وأبقى محله وأما الإيلاء فصريح في أن محله الزوجات لقوله تعالى : للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم [ البقرة 226 - 227 ]




                  [ تحريم حلائل الأبناء ]
                  وحرم سبحانه حلائل الأبناء وهن موطوآت الأبناء بنكاح أو ملك يمين فإنها حليلة بمعنى محللة ويدخل في ذلك ابن صلبه وابن ابنه وابن ابنته ويخرج بذلك ابن التبني وهذا التقييد قصد به إخراجه .

                  [ الاختلاف في حلائل الأبناء من الرضاع ]

                  وأما حليلة ابنه من الرضاع فإن الأئمة الأربعة ومن قال بقولهم يدخلونها في قوله وحلائل أبنائكم [ النساء 23 ] ولا يخرجونها بقوله الذين من أصلابكم [ النساء 23 ] ويحتجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم حرموا من الرضاع ما تحرمون من النسب قالوا : وهذه الحليلة تحرم إذا كانت لابن النسب فتحرم إذا كانت لابن الرضاع . قالوا : والتقييد لإخراج ابن التبني لا غير وحرموا من الرضاع بالصهر نظير ما يحرم بالنسب . ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا : لا تحرم حليلة ابنه من الرضاعة لأنه ليس من صلبه والتقييد كما يخرج حليلة ابن التبني يخرج حليلة ابن الرضاع سواء ولا فرق بينهما . قالوا : وأما قوله صلى الله عليه وسلم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب فهو من أكبر أدلتنا وعمدتنا في المسألة فإن تحريم حلائل الآباء والأبناء إنما هو بالصهر لا بالنسب والنبي صلى الله عليه وسلم قد قصر تحريم الرضاع على نظيره من النسب لا على شقيقه من الصهر فيجب الاقتصار بالتحريم على مورد النص .

                  قالوا : والتحريم بالرضاع فرع على تحريم النسب لا على تحريم المصاهرة فتحريم المصاهرة أصل قائم بذاته والله سبحانه لم ينص في كتابه على تحريم الرضاع إلا من جهة النسب ولم ينبه على التحريم به من جهة الصهر البتة لا بنص ولا إيماء ولا إشارة والنبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يحرم به ما يحرم من النسب وفي ذلك إرشاد وإشارة إلى أنه لا يحرم به ما يحرم بالصهر ولولا أنه أراد الاقتصار على ذلك لقال " حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب والصهر " .

                  قالوا : وأيضا فالرضاع مشبه بالنسب ولهذا أخذ منه بعض أحكامه وهو الحرمة والمحرمية فقط دون التوارث والإنفاق وسائر أحكام النسب فهو نسب ضعيف فأخذ بحسب ضعفه بعض أحكام النسب ولم يقو على سائر أحكام النسب وهو ألصق به من المصاهرة فكيف يقوى على أخذ أحكام المصاهرة مع قصوره عن أحكام مشبهة وشقيقة ؟

                  وأما المصاهرة والرضاع فإنه لا نسب بينهما ولا شبهة نسب ولا بعضية ولا اتصال . قالوا : ولو كان تحريم الصهرية ثابتا لبينه الله ورسوله بيانا شافيا يقيم الحجة ويقطع العذر فمن الله البيان وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم والانقياد فهذا منتهى النظر في هذه المسألة فمن ظفر فيها بحجة فليرشد إليها وليدل عليها فإنا لها منقادون وبها معتصمون والله الموفق للصواب .




                  فصل [ تحريم نكاح من نكحهن الآباء ]
                  وحرم سبحانه وتعالى نكاح من نكحهن الآباء وهذا يتناول منكوحاتهم بملك اليمين أو عقد نكاح ويتناول آباء الآباء وآباء الأمهات وإن علون والاستثناء بقوله إلا ما قد سلف من مضمون جملة النهي وهو التحريم المستلزم للتأثيم والعقوبة فاستثنى منه ما سلف قبل إقامة الحجة بالرسول والكتاب .




                  فصل [ تحريم الجمع بين الأختين والاختلاف في الجمع بين الأختين من ملك اليمين ]
                  وحرم سبحانه الجمع بين الأختين وهذا يتناول الجمع بينهما في عقد النكاح وملك اليمين كسائر محرمات الآية وهذا قول جمهور الصحابة ومن بعدهم وهو الصواب وتوقفت طائفة في تحريمه بملك اليمين لمعارضة هذا العموم بعموم قوله سبحانه والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين [ المؤمنون 5 ، 6 ] و [ المعارج 29 30 ] ولهذا قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أحلتهما آية وحرمتهما آية

                  وقال الإمام أحمد في رواية عنه لا أقول هو حرام ولكن ننهى عنه فمن أصحابه من جعل القول بإباحته رواية عنه . والصحيح أنه لم يبحه ولكن تأدب مع الصحابة أن يطلق لفظ الحرام على أمر توقف فيه عثمان بل قال ننهى عنه . والذين جزموا بتحريمه رجحوا آية التحريم من وجوه .

                  [ أدلة من رجح تحريم الجمع بين الأختين من ملك اليمين ]

                  أحدها : أن سائر ما ذكر فيها من المحرمات عام في النكاح وملك اليمين فما بال هذا وحده حتى يخرج منها فإن كانت آية الإباحة مقتضية لحل الجمع بالملك فلتكن مقتضية لحل أم موطوءته بالملك ولموطوءة أبيه وابنه بالملك إذ لا فرق بينهما البتة ولا يعلم بهذا قائل .

                  الثاني : أن آية الإباحة بملك اليمين مخصوصة قطعا بصور عديدة لا يختلف فيها اثنان كأمه وابنته وأخته وعمته وخالته من الرضاعة بل كأخته وعمته من النسب عند من لا يرى عتقهن بالملك كمالك والشافعي ولم يكن عموم قوله أو ما ملكت أيمانكم معارضا لعموم تحريمهن بالعقد والملك فهذا حكم الأختين سواء .

                  الثالث أن حل الملك ليس فيه أكثر من بيان جهة الحل وسببه ولا تعرض فيه لشروط الحل ولا لموانعه وآية التحريم فيها بيان موانع الحل من النسب والرضاع والصهر وغيره فلا تعارض بينهما البتة وإلا كان كل موضع ذكر فيه شرط الحل وموانعه معارضا لمقتضى الحل وهذا باطل قطعا بل هو بيان لما سكت عنه دليل الحل من الشروط والموانع .

                  الرابع أنه لو جاز الجمع بين الأختين المملوكتين في الوطء جاز الجمع بين الأم وابنتها المملوكتين فإن نص التحريم شامل للصورتين شمولا واحدا وأن إباحة المملوكات إن عمت الأختين عمت الأم وابنتها .

                  الخامس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين ولا ريب أن جمع الماء كما يكون بعقد النكاح يكون بملك اليمين والإيمان يمنع منه .




                  فصل [ تحريم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها ]
                  وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها وهذا التحريم مأخوذ من تحريم الجمع بين الأختين لكن بطريق خفي وما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرمه الله ولكن هو مستنبط من دلالة الكتاب .

                  [ حرص الصحابة على استنباط الأحاديث من القرآن ]

                  وكان الصحابة رضي الله عنهم أحرص شيء على استنباط أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن ومن ألزم نفسه ذلك وقرع بابه ووجه قلبه إليه واعتنى به بفطرة سليمة وقلب ذكي رأى السنة كلها تفصيلا للقرآن وتبيينا لدلالته وبيانا لمراد الله منه وهذا أعلى مراتب العلم فمن ظفر به فليحمد الله ومن فاته فلا يلومن إلا نفسه وهمته وعجزه .

                  واستفيد من تحريم الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها أن كل امرأتين بينهما قرابة لو كان أحدهما ذكرا حرم على الآخر فإنه يحرم الجمع بينهما ولا يستثنى من هذا صورة واحدة فإن لم يكن بينهما قرابة لم يحرم الجمع بينهما وهل يكره ؟ على قولين وهذا كالجمع بين امرأة رجل وابنته من غيرها .

                  [ تحريم نكاح امرأة يحرم وطؤها بملك اليمين إلا إماء أهل الكتاب ]
                  واستفيد من عموم تحريمه سبحانه المحرمات المذكورة أن كل امرأة حرم نكاحها حرم وطؤها بملك اليمين إلا إماء أهل الكتاب فإن نكاحهن حرام عند الأكثرين ووطؤهن بملك اليمين جائز وسوى أبو حنيفة بينهما فأباح نكاحهن كما يباح وطؤهن بالملك .

                  والجمهور احتجوا عليه بأن الله سبحانه وتعالى إنما أباح نكاح الإماء بوصف الإيمان . فقال تعالى : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم [ النساء 25 ] . وقال تعالى : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن [ البقرة 221 ] . خص ذلك بحرائر أهل الكتاب بقي الإماء على قضية التحريم وقد فهم عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة إدخال الكتابيات في هذه الآية فقال لا أعلم شركا أعظم من أن تقول إن المسيح إلهها

                  وأيضا فالأصل في الأبضاع الحرمة وإنما أبيح نكاح الإماء المؤمنات فمن عداهن على أصل التحريم وليس تحريمهن مستفادا من المفهوم .

                  واستفيد من سياق الآية ومدلولها أن كل امرأة حرمت حرمت ابنتها إلا العمة والخالة وحليلة الابن وحليلة الأب وأم الزوجة وأن كل الأقارب حرام إلا الأربعة المذكورات في سورة الأحزاب وهن بنات الأعمام والعمات وبنات الأخوال والخالات .



                  فصل [ الإشكال الوارد في استثناء ملك اليمين من تحريم المتزوجات ]
                  ومما حرمه النص نكاح المزوجات وهن المحصنات واستثنى من ذلك ملك اليمين فأشكل هذا الاستثناء على كثير من الناس فإن الأمة المزوجة يحرم وطؤها على مالكها فأين محل الاستثناء ؟ .

                  [ شرح لمعنى الاستثناء المنقطع وضوابطه والرد على من قال بأن الآية من هذا النوع ]

                  فقالت طائفة هو منقطع أي لكن ما ملكت أيمانكم ورد هذا لفظا ومعنى أما اللفظ فإن الانقطاع إنما يقع حيث يقع التفريغ وبابه غير الإيجاب من النفي والنهي والاستفهام فليس الموضع موضع انقطاع وأما المعنى : فإن المنقطع لا بد فيه من رابط بينه وبين المستثنى منه بحيث يخرج ما توهم دخوله فيه بوجه ما فإنك إذا قلت : ما بالدار من أحد دل على انتفاء من بها بدوابهم وأمتعتهم فإذا قلت : إلا حمارا أو إلا الأثافي ونحو ذلك أزلت توهم دخول المستثنى في حكم المستثنى منه . وأبين من هذا قوله تعالى : لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما [ مريم : 62 ] فاستثناء السلام أزال توهم نفي السماع العام فإن عدم سماع اللغو يجوز أن يكون لعدم سماع كلام ما وأن يكون مع سماع غيره وليس في تحريم نكاح المزوجة ما يوهم تحريم وطء الإماء بملك اليمين حتى يخرجه .

                  [ من قال بأن ملك الرجل الأمة المزوجة طلاق لها ]

                  وقالت طائفة بل الاستثناء على بابه ومتى ملك الرجل الأمة المزوجة كان ملكه طلاقا لها وحل له وطؤها وهي مسألة بيع الأمة هل يكون طلاقا لها أم لا ؟ فيه مذهبان للصحابة فابن عباس رضي الله عنه يراه طلاقا ويحتج له بالآية وغيره يأبى ذلك ويقول كما يجامع الملك السابق للنكاح اللاحق اتفاقا ولا يتنافيان كذلك الملك اللاحق لا ينافي النكاح السابق قالوا : وقد خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة لما بيعت ولو انفسخ نكاحها لم يخيرها . قالوا : وهذا حجة على ابن عباس رضي الله عنه فإنه هو راوي الحديث والأخذ برواية الصحابي لا برأيه .




                  [ من قال إن كان المشتري امرأة لم ينفسخ النكاح ]

                  وقالت طائفة ثالثة إن كان المشتري امرأة لم ينفسخ النكاح لأنها لم تملك الاستمتاع ببضع الزوجة وإن كان رجلا انفسخ لأنه يملك الاستمتاع به وملك اليمين أقوى من ملك النكاح وهذا الملك يبطل النكاح دون العكس قالوا : وعلى هذا فلا إشكال في حديث بريرة .

                  وأجاب الأولون عن هذا بأن المرأة وإن لم تملك الاستمتاع ببضع أمتها فهي تملك المعاوضة عليه وتزويجها وأخذ مهرها وذلك كملك الرجل وإن لم تستمتع بالبضع .

                  وقالت فرقة أخرى : الآية خاصة بالمسبيات فإن المسبية إذا سبيت حل وطؤها لسابيها بعد الاستبراء وإن كانت مزوجة وهذا قول الشافعي وأحد الوجهين لأصحاب أحمد وهو الصحيح كما روى مسلم في " صحيحه " عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا إلى أوطاس فلقي عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا سبايا وكأن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله عز وجل في ذلك والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم [ النساء 24 ] أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن .

                  فتضمن هذا الحكم إباحة وطء المسبية وإن كان لها زوج من الكفار وهذا يدل على انفساخ نكاحه وزوال عصمة بضع امرأته وهذا هو الصواب لأنه قد استولى على محل حقه وعلى رقبة زوجته وصار سابيها أحق بها منه فكيف يحرم بضعها عليه فهذا القول لا يعارضه نص ولا قياس .

                  [ الرد على من قال بأن وطأها إنما يباح إذا سبيت وحدها ]

                  والذين قالوا من أصحاب أحمد وغيرهم إن وطأها إنما يباح إذا سبيت وحدها . قالوا : لأن الزوج يكون بقاؤه مجهولا والمجهول كالمعدوم فيجوز وطؤها بعد الاستبراء فإذا كان الزوج معها لم يجز وطؤها مع بقائه فأورد عليهم ما لو سبيت وحدها وتيقنا بقاء زوجها في دار الحرب فإنهم يجوزون وطأها فأجابوا بما لا يجدي شيئا وقالوا : الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب فيقال لهم الأعم الأغلب بقاء أزواج المسبيات إذا سبين منفردات وموتهم كلهم نادر جدا ثم يقال . إذا صارت رقبة زوجها وأملاكه ملكا للسابي وزالت العصمة عن سائر أملاكه وعن رقبته فما الموجب لثبوت العصمة في فرج امرأته خاصة وقد صارت هي وهو وأملاكهما للسابي ؟ .




                  [ جواز وطء الوثنيات بملك اليمين ]
                  ودل هذا القضاء النبوي على جواز وطء الإماء الوثنيات بملك اليمين فإن سبايا أوطاس لم يكن كتابيات ولم يشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم في وطئهن إسلامهن ولم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع مع أنهم حديثو عهد بالإسلام حتى خفي عليهم حكم هذه المسألة وحصول الإسلام من جميع السبايا وكانوا عدة آلاف بحيث لم يتخلف منهم عن الإسلام جارية واحدة مما يعلم أنه في غاية البعد فإنهن لم يكرهن على الإسلام ولم يكن لهن من البصيرة والرغبة والمحبة في الإسلام ما يقتضي مبادرتهن إليه جميعا فمقتضى السنة وعمل الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده جواز وطء المملوكات على أي دين كن وهذا مذهب طاووس وغيره وقواه صاحب " المغني " فيه ورجح أدلته وبالله التوفيق .

                  ومما يدل على عدم اشتراط إسلامهن ما روى الترمذي في " جامعه " عن عرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن فجعل للتحريم غاية واحدة وهي وضع الحمل ولو كان متوقفا على الإسلام لكان بيانه أهم من بيان الاستبراء .

                  وفي " السنن " و " المسند " عنه لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها ولم يقل حتى تسلم ولأحمد من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحن شيئا من السبايا حتى تحيض ولم يقل وتسلم .

                  وفي " السنن " عنه أنه قال في سبايا أوطاس : لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة واحدة ولم يقل وتسلم فلم يجئ عنه اشتراط إسلام المسبية في موضع واحد البتة .


                  افتراضي

                  فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر
                  قال ابن عباس رضي الله عنهما : رد رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ابنته على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول ولم يحدث شيئا رواه أحمد وأبو داود والترمذي . وفي لفظ بعد ست سنين ولم يحدث نكاحا قال الترمذي ليس بإسناده بأس وفي لفظ وكان إسلامها قبل إسلامه بست سنين ولم يحدث شهادة ولا صداقا

                  وقال ابن عباس رضي الله عنهما أسلمت امرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجت فجاء زوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني كنت أسلمت وعلمت بإسلامي فانتزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوجها الآخر وردها على زوجها الأول رواه أبو داود .

                  وقال أيضا : إن رجلا جاء مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاءت امرأته مسلمة بعده فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها أسلمت معي فردها عليه قال الترمذي حديث صحيح .

                  وقال مالك إن أم حكيم بنت الحارث بن هشام أسلمت يوم الفتح بمكة وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام حتى قدم اليمن فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن فدعته إلى الإسلام فأسلم فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحا وما عليه رداء حتى بايعه فثبتا على نكاحهما ذلك قال ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبينه إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها ذكره مالك رحمه الله في " الموطأ " فتضمن هذا الحكم أن الزوجين إذا أسلما معا فهما على نكاحهما ولا يسأل عن كيفية وقوعه قبل الإسلام هل وقع صحيحا أم لا ؟ ما لم يكن المبطل قائما كما إذا أسلما وقد نكحها وهي في عدة من غيره أو تحريما مجمعا عليه أو مؤبدا كما إذا كانت محرما له بنسب أو رضاع أو كانت مما لا يجوز له الجمع بينها وبين من معه كالأختين والخمس وما فوقهن فهذه ثلاث صور أحكامها مختلفة .

                  فإذا أسلما وبينها وبينه محرمية من نسب أو رضاع أو صهر أو كانت أخت الزوجة أو عمتها أو خالتها أو من يحرم الجمع بينها وبينها فرق بينهما بإجماع الأمة لكن إن كان التحريم لأجل الجمع خير بين إمساك أيتهما شاء وإن كانت بنته من زنى فرق بينهما أيضا عند الجمهور وإن كان يعتقد ثبوت النسب بالزنى فرق بينهما اتفاقا وإن أسلم أحدهما وهي في عدة من مسلم متقدمة على عقده فرق بينهما اتفاقا وإن كانت العدة من كافر فإن اعتبرنا دوام المفسد أو الإجماع عليه لم يفرق بينهما لأن عدة الكافر لا تدوم ولا تمنع النكاح عند من يبطل أنكحة الكفار ويجعل حكمها حكم الزنى .

                  وإن أسلم أحدهما وهي حبلى من زنى قبل العقد فقولان مبنيان على اعتبار قيام المفسد أو كونه مجمعا عليه .

                  وإن أسلما وقد عقداه بلا ولي أو بلا شهود أو في عدة وقد انقضت أو على أخت وقد ماتت أو على خامسة كذلك أقرا عليه وكذلك إن قهر حربي حربية واعتقداه نكاحا ثم أسلما أقرا عليه .




                  [إذا أسلم أحد الزوجين قبل الآخر لم ينفسخ النكاح بإسلامه ]
                  وتضمن أن أحد الزوجين إذا أسلم قبل الآخر لم ينفسخ النكاح بإسلامه فرقت الهجرة بينهما أو لم تفرق فإنه لا يعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جدد نكاح زوجين سبق أحدهما الآخر بإسلامه قط ولم يزل الصحابة يسلم الرجل قبل امرأته وامرأته قبله ولم يعرف عن أحد منهم البتة أنه تلفظ بإسلامه هو وامرأته وتساوقا فيه حرفا بحرف هذا مما يعلم أنه لم يقع البتة وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم ابنته
                  زينب على أبي العاص بن الربيع وهو إنما أسلم زمن الحديبية وهي أسلمت من أول البعثة فبين إسلامهما أكثر من ثماني عشرة سنة .

                  وأما قوله في الحديث كان بين إسلامها وإسلامه ست سنين فوهم إنما أراد بين هجرتها وإسلامه .

                  فإن قيل وعلى ذلك فالعدة تنقضي في هذه المدة فكيف لم يجدد نكاحها ؟ قيل تحريم المسلمات على المشركين إنما نزل بعد صلح الحديبية لا قبل ذلك فلم ينفسخ النكاح في تلك المدة لعدم شرعية هذا الحكم فيها ولما نزل تحريمهن على المشركين أسلم أبو العاصي فردت عليه .

                  [لا دليل لمن قال بمراعاة زمن العدة ]

                  وأما مراعاة زمن العدة فلا دليل عليه من نص ولا إجماع . وقد ذكر حماد بن سلمة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال في الزوجين الكافرين يسلم أحدهما : هو أملك ببضعها ما دامت في دار هجرتها .

                  ذكر سفيان بن عيينة عن مطرف بن طريف عن الشعبي عن علي هو أحق بها ما لم يخرج من مصرها .

                  وذكر ابن أبي شيبة عن معتمر بن سليمان عن معمر عن الزهري إن أسلمت ولم يسلم زوجها فهما على نكاحهما إلا أن يفرق بينهما سلطان .

                  ولا يعرف اعتبار العدة في شيء من الأحاديث ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل المرأة هل انقضت عدتها أم لا ولا ريب أن الإسلام لو كان بمجرده فرقة لم تكن فرقة رجعية بل بائنة فلا أثر للعدة في بقاء النكاح وإنما أثرها في منع نكاحها للغير فلو كان الإسلام قد نجز الفرقة بينهما لم يكن أحق بها في العدة ولكن الذي دل عليه حكمه صلى الله عليه وسلم أن النكاح موقوف فإن أسلم قبل انقضاء عدتها فهي زوجته وإن انقضت عدتها فلها أن تنكح من شاءت وإن أحبت انتظرته فإن أسلم كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد النكاح .

                  ولا نعلم أحدا جدد للإسلام نكاحه البتة بل كان الواقع أحد أمرين إما افتراقهما ونكاحها غيره وإما بقاؤها عليه وإن تأخر إسلامها أو إسلامه وإما تنجيز الفرقة أو مراعاة العدة فلا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بواحدة منهما مع كثرة من أسلم في عهده من الرجال وأزواجهن وقرب إسلام أحد الزوجين من الآخر وبعده منه ولولا إقراره صلى الله عليه وسلم الزوجين على نكاحهما وإن تأخر إسلام أحدهما عن الآخر بعد صلح الحديبية وزمن الفتح لقلنا بتعجيل الفرقة بالإسلام من غير اعتبار عدة لقوله تعالى : لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وقوله ولا تمسكوا بعصم الكوافر [ الممتحنة 10 ] وأن الإسلام سبب الفرقة وكل ما كان سببا للفرقة تعقبه الفرقة كالرضاع والخلع والطلاق وهذا اختيار الخلال وأبي بكر صاحبه وابن المنذر وابن حزم وهو مذهب الحسن وطاووس وعكرمة وقتادة والحكم .

                  قال ابن حزم وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجابر بن عبد الله وابن عباس وبه قال حماد بن زيد والحكم بن عتيبة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز وعدي بن عدي الكندي والشعبي وغيرهم . قلت : وهو أحد الروايتين عن أحمد ولكن الذي أنزل عليه قوله تعالى :ولا تمسكوا بعصم الكوافر وقولهلا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن لم يحكم بتعجيل الفرقة فروى مالك في " موطئه " عن ابن شهاب قال كان بين إسلام صفوان بن أمية وبين إسلام امرأته بنت الوليد بن المغيرة نحو من شهر أسلمت يوم الفتح وبقي صفوان حتى شهد حنينا والطائف وهو كافر ثم أسلم ولم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح . وقال ابن عبد البر وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده .
                  وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز وعدي بن عدي الكندي والشعبي وغيرهم . قلت : وهو أحد الروايتين عن أحمد ولكن الذي أنزل عليه قوله تعالى : ولا تمسكوا بعصم الكوافر وقوله لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن لم يحكم بتعجيل الفرقة فروى مالك في " موطئه " عن ابن شهاب قال كان بين إسلام صفوان بن أمية وبين إسلام امرأته بنت الوليد بن المغيرة نحو من شهر أسلمت يوم الفتح وبقي صفوان حتى شهد حنينا والطائف وهو كافر ثم أسلم ولم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح . وقال ابن عبد البر : وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده .

                  وقال ابن شهاب : أسلمت أم حكيم يوم الفتح وهرب زوجها عكرمة حتى أتى اليمن فدعته إلى الإسلام فأسلم وقدم فبايع النبي صلى الله عليه وسلم فبقيا على نكاحهما .

                  ومن المعلوم يقينا أن أبا سفيان بن حرب خرج فأسلم عام الفتح قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة ولم تسلم هند امرأته حتى فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فبقيا على نكاحهما وأسلم حكيم بن حزام قبل امرأته وخرج أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية عام الفتح فلقيا النبي صلى الله عليه وسلم بالأبواء فأسلما قبل منكوحتيهما فبقيا على نكاحهما ولم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق بين أحد ممن أسلم وبين امرأته .




                  [ بطلان من أجاب بتجديد نكاح من أسلم ]
                  وجواب من أجاب بتجديد نكاح من أسلم في غاية البطلان ومن القول على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا علم واتفاق الزوجين في التلفظ بكلمة الإسلام معا في لحظة واحدة معلوم الانتفاء .

                  [الرد على من يقف الفرقة على انقضاء العدة ]

                  ويلي هذا القول مذهب من يقف الفرقة على انقضاء العدة مع ما فيه إذ فيه آثار وإن كانت منقطعة ولو صحت لم يجز القول بغيرها . قال ابن شبرمة كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم الرجل قبل المرأة والمرأة قبل الرجل فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة فهي امرأته وإن أسلم بعد العدة فلا نكاح بينهما وقد تقدم قول الترمذي في أول الفصل وما حكاه ابن حزم عن عمر رضي الله عنه فما أدري من أين حكاه ؟ والمعروف عنه خلافه فإنه ثبت عنه من طريق حماد بن سلمة عن أيوب وقتادة كلاهما عن ابن سيرين عن عبد الله بن يزيد الخطمي أن نصرانيا أسلمت امرأته فخيرها عمر بن الخطاب رضي الله عنه إن شاءت فارقته وإن شاءت أقامت عليه . ومعلوم بالضرورة أنه إنما خيرها بين انتظاره إلى أن يسلم فتكون زوجته كما هي أو تفارقه وكذلك صح عنه أن نصرانيا أسلمت امرأته فقال عمر رضي الله عنه إن أسلم فهي امرأته وإن لم يسلم فرق بينهما فلم يسلم ففرق بينهما

                  وكذلك قال لعبادة بن النعمان التغلبي وقد أسلمت امرأته إما أن تسلم وإلا نزعتها منك فأبى فنزعها منه . فهذه الآثار صريحة في خلاف ما حكاه أبو محمد ابن حزم عنه وهو حكاها وجعلها روايات أخر وإنما تمسك أبو محمد بآثار فيها أن عمر وابن عباس وجابرا فرقوا بين الرجل وبين امرأته بالإسلام وهي آثار مجملة ليست بصريحة في تعجيل التفرقة ولو صحت فقد صح عن عمر ما حكيناه وعن علي ما تقدم وبالله التوفيق .



                  فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في العزل
                  ثبت في " الصحيحين " : عن أبي سعيد قال أصبنا سبيا فكنا نعزل فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " وإنكم لتفعلون ؟ " قالها ثلاثا . " ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة

                  وفي السنن عنه أن رجلا قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي جارية وأنا أعزل عنها وأنا أكره أن تحمل وأنا أريد ما يريد الرجال وإن اليهود تحدث أن العزل الموءودة الصغرى قال " كذبت يهود لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه

                  وفي " الصحيحين " : عن جابر قال كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل

                  وفي " صحيح مسلم " عنه كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا

                  وفي " صحيح مسلم " أيضا : عنه قال سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن عندي جارية وأنا أعزل عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن ذلك لا يمنع شيئا أراده الله " قال فجاء الرجل فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الجارية التي كنت ذكرتها لك حملت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنا عبد الله ورسوله

                  وفي " صحيح مسلم " أيضا : عن أسامة بن زيد أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أعزل عن امرأتي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " لم تفعل ذلك ؟ " فقال الرجل أشفق على ولدها أو قال على أولادها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو كان ضارا ضر فارس والروم

                  وفي " مسند أحمد " و " سنن ابن ماجه " من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها

                  وقال أبو داود : سمعت أبا عبد الله ذكر حديث ابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن الزهري عن المحرر بن أبي هريرة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها فقال ما أنكره .

                  فهذه الأحاديث صريحة في جواز العزل وقد رويت الرخصة فيه عن عشرة من الصحابة علي وسعد بن أبي وقاص وأبي أيوب وزيد بن ثابت وجابر وابن عباس والحسن بن علي وخباب بن الأرت وأبي سعيد الخدري وابن مسعود رضي الله عنهم . قال ابن حزم : وجاءت الإباحة للعزل صحيحة عن جابر وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وزيد بن ثابت وابن مسعود رضي الله عنهم وهذا هو الصحيح .




                  [من قال بتحريمه من جوزه بإذن الحرة ]

                  وحرمه جماعة منهم أبو محمد ابن حزم وغيره .

                  وفرقت طائفة بين أن تأذن له الحرة فيباح أو لا تأذن فيحرم وإن كانت زوجته أمة أبيح بإذن سيدها ولم يبح بدون إذنه وهذا منصوص أحمد ومن أصحابه من قال لا يباح بحال ومنهم من قال يباح بكل حال . ومنهم من قال يباح بإذن الزوجة حرة كانت أو أمة ولا يباح بدون إذنها حرة كانت أو أمة .

                  [ما احتج به المبيحون ]

                  [رد المحرمين على المبيحين ]

                  فمن أباحه مطلقا احتج بما ذكرنا من الأحاديث وبأن حق المرأة في ذوق العسيلة لا في الإنزال ومن حرمه مطلقا احتج بما رواه مسلم في " صحيحه " من حديث عائشة رضي الله عنها عن جدامة بنت وهب أخت عكاشة قال حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم - في أناس فسألوه عن العزل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ذلك الوأد الخفي " وهي وإذا الموءودة سئلت قالوا : وهذا ناسخ لأخبار الإباحة فإنه ناقل عن الأصل وأحاديث الإباحة على وفق البراءة الأصلية وأحكام الشرع ناقلة عن البراءة الأصلية . قالوا : وقول جابر رضي الله عنه كنا نعزل والقرآن ينزل فلو كان شيئا ينهى عنه لنهى عنه القرآن

                  فيقال قد نهى عنه من أنزل عليه القرآن بقوله إنه الموءودة الصغرى والوأد كله حرام . قالوا : وقد فهم الحسن البصري النهي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه لما ذكر العزل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا عليكم ألا تفعلوا ذاكم فإنما هو القدر قال ابن عون : فحدثت به الحسن فقال والله لكأن هذا زجر . قالوا : ولأن فيه قطع النسل المطلوب من النكاح وسوء العشرة وقطع اللذة عند استدعاء الطبيعة لها .

                  قالوا : ولهذا كان ابن عمر رضي الله عنه لا يعزل وقال لو علمت أن أحدا من ولدي يعزل لنكلته وكان علي يكره العزل ذكره شعبة عن عاصم عن زر عنه . وصح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال في العزل هو الموءودة الصغرى . وصح عن أبي أمامة أنه سئل عنه فقال ما كنت أرى مسلما يفعله وقال نافع عن ابن عمر ضرب عمر على العزل بعض بنيه

                  وقال يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال كان عمر وعثمان ينهيان عن العزل






                  يتبع
                  أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
                  وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

                  Comment

                  • اخت مسلمة
                    محاور
                    • Nov 2005
                    • 6338

                    #39
                    [التوفيق بين الأحاديث المظنون بها التعارض ]

                    وليس في هذا ما يعارض أحاديث الإباحة مع صراحتها وصحتها أما حديث جدامة بنت وهب فإنه وإن كان رواه مسلم فإن الأحاديث الكثيرة على خلافه وقد قال أبو داود : حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان حدثنا يحيى أن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان حدثه أن رفاعة حدثه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلا قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي جارية وأنا أعزل عنها وأنا أكره أن تحمل وأنا أريد ما يريد الرجال وإن اليهود تحدث أن العزل الموءودة الصغرى قال " كذبت يهود لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه

                    وحسبك بهذا الإسناد صحة فكلهم ثقات حفاظ وقد أعله بعضهم بأنه مضطرب فإنه اختلف فيه على يحيى بن أبي كثير فقيل عنه عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر بن عبد الله ومن هذه الطريق أخرجه الترمذي والنسائي .

                    وقيل فيه عن أبي مطيع بن رفاعة وقيل عن أبي رفاعة وقيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة وهذا لا يقدح في الحديث فإنه قد يكون عند يحيى عن محمد بن عبد الرحمن عن جابر وعنده عن ابن ثوبان عن أبي سلمة عن أبي هريرة وعنده عن ابن ثوبان عن رفاعة عن أبي سعيد . ويبقى الاختلاف في اسم أبي رفاعة هل هو أبو رافع أو ابن رفاعة أو أبو مطيع ؟ وهذا لا يضر مع العلم بحال رفاعة .

                    ولا ريب أن أحاديث جابر صريحة صحيحة في جواز العزل وقد قال الشافعي رحمه الله ونحن نروي عن عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم رخصوا في ذلك ولم يروا به بأسا . قال البيهقي : وقد روينا الرخصة فيه عن سعد بن أبي وقاص وأبي أيوب الأنصاري وزيد بن ثابت وابن عباس وغيرهم وهو مذهب مالك والشافعي وأهل الكوفة وجمهور أهل العلم .

                    [قول من حمله على التنزيه ورد بعضهم عليه ]

                    وقد أجيب عن حديث جدامة بأنه على طريق التنزيه وضعفته طائفة وقالوا : كيف يصح أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كذب اليهود في ذلك ثم يخبر به كخبرهم ؟ هذا من المحال البين وردت عليه طائفة أخرى وقالوا : حديث تكذيبهم فيه اضطراب وحديث جدامة في " الصحيح " .

                    [من جعل التكذيب لمنع الحمل]

                    وجمعت طائفة أخرى بين الحديثين وقالت إن اليهود كانت تقول إن العزل لا يكون معه حمل أصلا فكذبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لو أراد الله أن يخلقه لما استطعت أن تصرفه وقوله إنه الوأد الخفي " فإنه وإن لم يمنع الحمل بالكلية كترك الوطء فهو مؤثر في تقليله .




                    [من قال بأن حديث التحريم ناسخ والرد عليه ]

                    وقالت طائفة أخرى : الحديثان صحيحان ولكن حديث التحريم ناسخ وهذه طريقة أبي محمد ابن حزم وغيره . قالوا : لأنه ناقل عن الأصل والأحكام كانت قبل التحريم على الإباحة ودعوى هؤلاء تحتاج إلى تاريخ محقق يبين تأخر أحد الحديثين عن الآخر وأنى لهم به وقد اتفق عمر وعلي رضي الله عنهما على أنها لا تكون موءودة حتى تمر عليها التارات السبع فروى القاضي أبو يعلى وغيره بإسناده عن عبيد بن رفاعة عن أبيه قال جلس إلى عمر علي والزبير وسعد رضي الله عنهم في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذاكروا العزل فقالوا : لا بأس به فقال رجل إنهم يزعمون أنها الموءودة الصغرى فقال علي رضي الله عنه لا تكون موءودة حتى تمر عليها التارات السبع حتى تكون من سلالة من طين ثم تكون نطفة ثم تكون علقة ثم تكون مضغة ثم تكون عظاما ثم تكون لحما ثم تكون خلقا آخر فقال عمر رضي الله عنه صدقت أطال الله بقاءك وبهذا احتج من احتج على جواز الدعاء للرجل بطول البقاء .

                    [ ذكر من جوزه بإذن الحرة ]

                    وأما من جوزه بإذن الحرة فقال للمرأة حق في الولد كما للرجل حق فيه ولهذا كانت أحق بحضانته قالوا : ولم يعتبر إذن السرية فيه لأنها لا حق لها في القسم ولهذا لا تطالبه بالفيئة . ولو كان لها حق في الوطء لطولب المؤلي منها بالفيئة .

                    قالوا : وأما زوجته الرقيقة فله أن يعزل عنها بغير إذنها صيانة لولده عن الرق ولكن يعتبر إذن سيدها لأن له حقا في الولد فاعتبر إذنه في العزل كالحرة ولأن بدل البضع يحصل للسيد كما يحصل للحرة فكان إذنه في العزل كإذن الحرة .

                    قال أحمد رحمه الله في رواية أبي طالب في الأمة إذا نكحها : يستأذن أهلها يعني في العزل لأنهم يريدون الولد والمرأة لها حق تريد الولد وملك يمينه لا يستأذنها .

                    وقال في رواية صالح وابن منصور وحنبل وأبي الحارث والفضل ابن زياد والمروذي : يعزل عن الحرة بإذنها والأمة بغير إذنها يعني أمته وقال في رواية ابن هانئ إذا عزل عنها لزمه الولد قد يكون الولد مع العزل . وقد قال بعض من قال ما لي ولد إلا من العزل . وقال في رواية المروذي : في العزل عن أم الولد إن شاء فإن قالت لا يحل لك ؟ ليس لها ذلك .



                    فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الغيل وهو وطء المرضعة
                    ثبت عنه في " صحيح مسلم " : أنه قال لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم

                    وفي " سنن أبي داود " عنه من حديث أسماء بنت يزيد : لا تقتلوا أولادكم سرا فوالذي نفسي بيده إنه ليدرك الفارس فيدعثره

                    قال قلت : ما يعني ؟ قالت الغيلة يأتي الرجل امرأته وهي ترضع .

                    قلت : أما الحديث الأول فهو حديث جدامة بنت وهب وقد تضمن أمرين لكل منهما معارض فصدره هو الذي تقدم لقد هممت أن أنهى عن الغيلة وقد عارضه حديث أسماء وعجزه ثم سألوه عن العزل فقال ذلك الوأد الخفي وقد عارضه حديث أبي سعيد كذبت يهود وقد يقال إن قوله لا تقتلوا أولادكم سرا نهي أن يتسبب إلى ذلك فإنه شبه الغيل بقتل الولد وليس بقتل حقيقة وإلا كان من الكبائر وكان قرين الإشراك بالله ولا ريب أن وطء المراضع مما تعم به البلوى ويتعذر على الرجل الصبر عن امرأته مدة الرضاع ولو كان وطؤهن حراما لكان معلوما من الدين وكان بيانه من أهم الأمور ولم تهمله الأمة وخير القرون ولا يصرح أحد منهم بتحريمه فعلم أن حديث أسماء على وجه الإرشاد والاحتياط للولد وأن لا يعرضه لفساد اللبن بالحمل الطارئ عليه ولهذا كان عادة العرب أن يسترضعوا لأولادهم غير أمهاتهم والمنع منه غايته أن يكون من باب سد الذرائع التي قد تفضي إلى الإضرار بالولد وقاعدة باب سد الذرائع إذا عارضه مصلحة راجحة قدمت عليه كما تقدم بيانه مرارا والله أعلم .



                    فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في قسم الابتداء والدوام بين الزوجات
                    ثبت في " الصحيحين " : عن أنس رضي الله عنه أنه قال من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعا وقسم وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ثم قسم . قال أبو قلابة : ولو شئت لقلت إن أنسا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

                    وهذا الذي قاله أبو قلابة قد جاء مصرحا به عن أنس كما رواه البزار في " مسنده " من طريق أيوب السختياني عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للبكر سبعا وللثيب ثلاثا

                    وروى الثوري عن أيوب وخالد الحذاء كلاهما عن أبي قلابة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا تزوج البكر أقام عندها سبعا وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا

                    وفي " صحيح مسلم " : عن أم سلمة رضي الله عنها لما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها أقام عندها ثلاثا ثم قال " إنه ليس بك على أهلك هوان إن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لنسائي وله في لفظ " لما أراد أن يخرج أخذت بثوبه فقال إن شئت زدتك وحاسبتك به للبكر سبع وللثيب ثلاث

                    وفي " السنن " : عن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ويقول اللهم إن هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك يعني القلب .

                    وفي " الصحيحين " : أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه

                    وفي " الصحيحين أن سودة وهبت يومها لعائشة رضي الله عنها وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة

                    وفي " السنن " : عن عائشة رضي الله عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها .

                    وفي " صحيح مسلم " : إنهن كن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها .

                    وفي " الصحيحين " : عن عائشة رضي الله عنها في قوله وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا أنزلت في المرأة تكون عند الرجل فتطول صحبتها فيريد طلاقها فتقول لا تطلقني وأمسكني وأنت في حل من النفقة علي والقسم لي فذلك قوله فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير

                    وقضى خليفته الراشد وابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه إذا تزوج الحرة على الأمة قسم للأمة ليلة وللحرة ليلتين . وقضاء خلفائه وإن لم يكن مساويا لقضائه فهو كقضائه في وجوبه على الأمة وقد احتج الإمام أحمد بهذا القضاء عن علي رضي الله عنه وقد ضعفه أبو محمد ابن حزم بالمنهال بن عمرو وبابن أبي ليلى ولم يصنع شيئا فإنهما ثقتان حافظان جليلان ولم يزل الناس يحتجون بابن أبي ليلى على شيء ما في حفظه يتقى منه ما خالف فيه الأثبات وما تفرد به عن الناس وإلا فهو غير مدفوع عن الأمانة والصدق فتضمن هذا القضاء أمورا .



                    [ وجوب قسم الابتداء ]
                    منها وجوب قسم الابتداء وهو أنه إذا تزوج بكرا على ثيب أقام عندها سبعا ثم سوى بينهما وإن كانت ثيبا خيرها بين أن يقيم عندها سبعا ثم يقضيها للبواقي وبين أن يقيم عندها ثلاثا ولا يحاسبها هذا قول الجمهور وخالف فيه إمام أهل الرأي وإمام أهل الظاهر وقالوا : لا حق للجديدة غير ما تستحقه التي عنده فيجب عليه التسوية بينهما .

                    [إذا اختارت الثيب السبع قضاهن للبواقي ]

                    ومنها . أن الثيب إذا اختارت السبع قضاهن للبواقي واحتسب عليها بالثلاث ولو اختارت الثلاث لم يحتسب عليها بها وعلى هذا من سومح بثلاث دون ما فوقها ففعل أكثر منها دخلت الثلاث في الذي لم يسامح به بحيث لو ترتب عليه إثم أثم على الجميع وهذا كما رخص النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثا . فلو أقام أبدا ذم على الإقامة كلها .

                    [ لا تجب التسوية بين النساء في المحبة والاختلاف في الوطء ]

                    ومنها : أنه لا تجب التسوية بين النساء في المحبة فإنها لا تملك وكانت عائشة رضي الله عنها أحب نسائه إليه . وأخذ من هذا أنه لا تجب التسوية بينهن في الوطء لأنه موقوف على المحبة والميل وهي بيد مقلب القلوب .

                    وفي هذا تفصيل وهو أنه إن تركه لعدم الداعي إليه وعدم الانتشار فهو معذور وإن تركه مع الداعي إليه ولكن داعيه إلى الضرة أقوى فهذا مما يدخل تحت قدرته وملكه فإن أدى الواجب عليه منه لم يبق لها حق ولم يلزمه التسوية وإن ترك الواجب منه فلها المطالبة به .




                    الإقراع بين نسائه في السفر وأنه لا يقضي للبواقي إذا قدم ]
                    ومنها : إذا أراد السفر لم يجز له أن يسافر بإحداهن إلا بقرعة .

                    ومنها : أنه لا يقضي للبواقي إذا قدم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقضي للبواقي .

                    وفي هذا ثلاثة مذاهب .

                    أحدها : أنه لا يقضي سواء أقرع أو لم يقرع وبه قال أبو حنيفة ومالك .

                    والثاني : أنه يقضي للبواقي أقرع أو لم يقرع وهذا مذهب أهل الظاهر .

                    والثالث أنه إن أقرع لم يقض وإن لم يقرع قضى وهذا قول أحمد والشافعي .

                    [للمرأة أن تهب ليلتها لضرتها ]

                    ومنها : أن للمرأة أن تهب ليلتها لضرتها فلا يجوز له جعلها لغير الموهوبة وإن وهبتها للزوج فله جعلها لمن شاء منهن والفرق بينهما أن الليلة حق للمرأة فإذا أسقطتها وجعلتها لضرتها تعينت لها وإذا جعلتها للزوج جعلها لمن شاء من نسائه فإذا اتفق أن تكون ليلة الواهبة تلي ليلة الموهوبة قسم لها ليلتين متواليتين وإن كانت لا تليها فهل له نقلها إلى مجاورتها فيجعل الليلتين متجاورتين ؟ على قولين للفقهاء وهما في مذهب أحمد والشافعي .

                    ومنها : أن الرجل له أن يدخل على نسائه كلهن في يوم إحداهن ولكن لا يطؤها في غير نوبتها .

                    ومنها : أن لنسائه كلهن أن يجتمعن في بيت صاحبة النوبة يتحدثن إلى أن يجيء وقت النوم فتؤوب كل واحدة إلى منزلها .

                    إن رضيت الزوجة بالإقامة عند الزوج ولا حق لها في القسم والوطء والنفقة
                    فليس لها المطالبة بعد ذلك ]
                    ومنها : أن الرجل إذا قضى وطرا من امرأته وكرهتها نفسه أو عجز عن حقوقها فله أن يطلقها وله أن يخيرها إن شاءت أقامت عنده ولا حق لها في القسم والوطء والنفقة أو في بعض ذلك بحسب ما يصطلحان عليه فإذا رضيت بذلك لزم وليس لها المطالبة به بعد الرضى .

                    هذا موجب السنة ومقتضاها وهو الصواب الذي لا يسوغ غيره وقول من قال إن حقها يتجدد فلها الرجوع في ذلك متى شاءت فاسد فإن هذا خرج مخرج المعاوضة وقد سماه الله تعالى صلحا فيلزم كما يلزم ما صالح عليه من الحقوق والأموال ولو مكنت من طلب حقها بعد ذلك لكان فيه تأخير الضرر إلى أكمل حالتيه ولم يكن صلحا بل كان من أقرب أسباب المعاداة والشريعة منزهة عن ذلك ومن علامات المنافق أنه إذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر والقضاء النبوي يرد هذا .

                    [الأمة المزوجة على النصف من الحرة ]

                    ومنها : أن الأمة المزوجة على النصف من الحرة كما قضى به أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ولا يعرف له في الصحابة مخالف وهو قول جمهور الفقهاء إلا رواية عن مالك أنهما سواء وبها قال أهل الظاهر وقول الجمهور هو الذي يقتضيه العدل فإن الله سبحانه لم يسو بين الحرة والأمة لا في الطلاق ولا في العدة ولا في الحد ولا في الملك ولا في الميراث ولا في الحج ولا في مدة الكون عند الزوج ليلا ونهارا ولا في أصل النكاح بل جعل نكاحها بمنزلة الضرورة ولا في عدد المنكوحات فإن العبد لا يتزوج أكثر من اثنتين هذا قول الجمهور وروى الإمام أحمد بإسناده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يتزوج العبد ثنتين ويطلق ثنتين وتعتد امرأته حيضتين واحتج به أحمد ورواه أبو بكر عبد العزيز عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال يحل للعبد من النساء إلا ثنتان .

                    وروى الإمام أحمد بإسناده عن محمد بن سيرين قال سأل عمر رضي الله عنه الناس كم يتزوج العبد ؟ فقال عبد الرحمن ثنتين وطلاقه ثنتين . فهذا عمر وعلي وعبد الرحمن رضي الله عنهم ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة مع انتشار هذا القول وظهوره وموافقته للقياس .



                    فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم في تحريم وطء المرأة الحبلى من غير الواطئ
                    ثبت في " صحيح مسلم " : من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بامرأة مجح على باب فسطاط فقال " لعله يريد أن يلم بها " . فقالوا : نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له

                    [الاختلاف في نكاح الحامل من زنى]

                    قال أبو محمد ابن حزم : لا يصح في تحريم وطء الحامل خبر غير هذا . انتهى وقد روى أهل " السنن " من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبايا أوطاس : " لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة

                    وفي الترمذي وغيره من حديث رويفع بن ثابت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه ولد غيره قال الترمذي : حديث حسن . ..

                    وفيه عن العرباض بن سارية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن

                    وقوله صلى الله عليه وسلم كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له كان شيخنا يقول في معناه كيف يجعله عبدا موروثا عنه ويستخدمه استخدام العبيد وهو ولده لأن وطأه زاد في خلقه ؟ قال الإمام أحمد : الوطء يزيد في سمعه وبصره . قال فيمن اشترى جارية حاملا من غيره فوطئها قبل وضعها فإن الولد لا يلحق بالمشتري ولا يتبعه لكن يعتقه لأنه قد شرك فيه لأن الماء يزيد في الولد وقد روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة مجح على باب فسطاط فقال " لعله يريد أن يلم بها وذكر الحديث . يعني : أنه إن استلحقه وشركه في ميراثه لم يحل له لأنه ليس بولده وإن أخذه مملوكا يستخدمه لم يحل له لأنه قد شرك فيه لكون الماء يزيد في الولد .

                    وفي هذا دلالة ظاهرة على تحريم نكاح الحامل سواء كان حملها من زوج أو سيد أو شبهة أو زنى وهذا لا خلاف فيه إلا فيما إذا كان الحمل من زنى ففي صحة العقد قولان أحدهما : بطلانه وهو مذهب أحمد ومالك والثاني : صحته وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ثم اختلفا فمنع أبو حنيفة من الوطء حتى تنقضي العدة وكرهه الشافعي وقال أصحابه لا يحرم .



                    فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الرجل يعتق أمته ويجعل عتقها صداقها
                    ثبت عنه في " الصحيح " : أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها . قيل لأنس ما أصدقها ؟ قال أصدقها نفسها وذهب إلى جواز ذلك علي بن أبي طالب وفعله أنس بن مالك وهو مذهب أعلم التابعين وسيدهم سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن والحسن البصري والزهري وأحمد وإسحاق .

                    وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يصح حتى يستأنف نكاحها بإذنها فإن أبت ذلك فعليها قيمتها .

                    وعنه رواية ثالثة أنه يوكل رجلا يزوجه إياها .

                    والصحيح هو القول الأول الموافق للسنة وأقوال الصحابة والقياس فإنه كان يملك رقبتها فأزال ملكه عن رقبتها وأبقى ملك المنفعة بعقد النكاح فهو أولى بالجواز مما لو أعتقها واستثنى خدمتها وقد تقدم تقرير ذلك في غزاة خيبر .




                    فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم في صحة النكاح الموقوف على الإجازة
                    [ تخيير الكارهة ]

                    في " السنن " : عن ابن عباس رضي الله عنهما أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم

                    [ تخيير الصغير ]

                    [ تخيير اليتيمة عند البلوغ ]

                    وقد نص الإمام أحمد على القول بمقتضى هذا فقال في رواية صالح في صغير زوجه عمه قال إن رضي به في وقت من الأوقات جاز وإن لم يرض فسخ ونقل عنه ابنه عبد الله إذا زوجت اليتيمة فإذا بلغت فلها الخيار وكذلك نقل ابن منصور عنه حكي له قول سفيان في يتيمة زوجت ودخل بها الزوج ثم حاضت عند الزوج بعد قال تخير فإن اختارت نفسها لم يقع التزويج وهي أحق بنفسها وإن قالت اخترت زوجي ؟ فليشهدوا على نكاحهما . قال أحمد جيد .

                    [ تخيير السيد بزواج عبده ]

                    وقال في رواية حنبل في العبد إذا تزوج بغير إذن سيده ثم علم السيد بذلك فإن شاء يطلق عليه فالطلاق بيد السيد وإذا أذن له في التزويج فالطلاق بيد العبد ومعنى قوله يطلق أي يبطل العقد ويمنع تنفيذه وإجازته هكذا أوله القاضي وهو خلاف ظاهر النص وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك على تفصيل في مذهبه والقياس يقتضي صحة هذا القول فإن الإذن إذا جاز أن يتقدم القبول والإيجاب جاز أن يتراخى عنه .

                    وأيضا فإنه كما يجوز وقفه على الفسخ يجوز وقفه على الإجازة كالوصية ولأن المعتبر هو التراضي وحصوله في ثاني الحال كحصوله في الأول ولأن إثبات الخيار في عقد البيع هو وقف للعقد في الحقيقة على إجازة من له الخيار ورده وبالله التوفيق .




                    فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الكفاءة في النكاح
                    قال الله تعالى : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [ الحجرات 13 ] . وقال تعالى . إنما المؤمنون إخوة [ الحجرات 10 ] . وقال والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض [ التوبة 71 ] وقال تعالى : فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض [ آل عمران 195 ] .

                    وقال صلى الله عليه وسلم لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود . ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب

                    وقال صلى الله عليه وسلم إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء إن أوليائي المتقون حيث كانوا وأين كانوا

                    وفي الترمذي : عنه صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير قالوا : يا رسول الله وإن كان فيه ؟ فقال إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ثلاث مرات .

                    وقال النبي صلى الله عليه وسلم لبني بياضة أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه وكان حجاما

                    وزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش القرشية من زيد بن حارثة مولاه وزوج فاطمة بنت قيس الفهرية القرشية من أسامة ابنه وتزوج بلال بن رباح بأخت عبد الرحمن بن عوف وقد قال الله تعالى : والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات [ النور 26 ] وقد قال تعالى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء [ النساء 3 ]



                    [ لم يعتبر القرآن والسنة في الكفاءة إلا الدين ]
                    فالذي يقتضيه حكمه صلى الله عليه وسلم اعتبار الدين في الكفاءة أصلا وكمالا فلا تزوج مسلمة بكافر ولا عفيفة بفاجر ولم يعتبر القرآن والسنة في الكفاءة أمرا وراء ذلك فإنه حرم على المسلمة نكاح الزاني الخبيث ولم يعتبر نسبا ولا صناعة ولا غنى ولا حرية فجوز للعبد القن نكاح الحرة النسيبة الغنية إذا كان عفيفا مسلما وجوز لغير القرشيين نكاح القرشيات ولغير الهاشميين نكاح الهاشميات وللفقراء نكاح الموسرات .

                    [ مذهب مالك ]

                    وقد تنازع الفقهاء في أوصاف الكفاءة فقال مالك في ظاهر مذهبه إنها الدين وفي رواية عنه إنها ثلاثة الدين والحرية والسلامة من العيوب .

                    [ مذهب أبي حنيفة ]

                    وقال أبو حنيفة : هي النسب والدين .

                    [ مذهب أحمد ]

                    وقال أحمد في رواية عنه هي الدين والنسب خاصة . وفي رواية أخرى : هي خمسة الدين والنسب والحرية والصناعة والمال . وإذا اعتبر فيها النسب فعنه فيه روايتان . إحداهما : أن العرب بعضهم لبعض أكفاء . الثانية أن قريشا لا يكافئهم إلا قرشي وبنو هاشم لا يكافئهم إلا هاشمي .

                    [ مذهب أصحاب الشافعي ]

                    وقال أصحاب الشافعي : يعتبر فيها الدين والنسب والحرية والصناعة والسلامة من العيوب المنفرة .

                    ولهم في اليسار ثلاثة أوجه اعتباره فيها وإلغاؤه واعتباره في أهل المدن دون أهل البوادي فالعجمي ليس عندهم كفئا للعربي ولا غير القرشي للقرشية ولا غير الهاشمي للهاشمية ولا غير المنتسبة إلى العلماء والصلحاء المشهورين كفئا لمن ليس منتسبا إليهما ولا العبد كفئا للحرة ولا العتيق كفئا لحرة الأصل ولا من مس الرق أحد آبائه كفئا لمن لم يمسها رق ولا أحدا من آبائها وفي تأثير رق الأمهات وجهان ولا من به عيب مثبت للفسخ كفئا للسليمة منه فإن لم يثبت الفسخ وكان منفرا كالعمى والقطع وتشويه الخلقة فوجهان . واختار الروياني أن صاحبه ليس بكفء ولا الحجام والحائك والحارس كفئا لبنت التاجر والخياط ونحوهما ولا المحترف لبنت العالم ولا الفاسق كفئا للعفيفة ولا المبتدع للسنية ولكن الكفاءة عند الجمهور هي حق للمرأة والأولياء .



                    [ لمن حق الكفاءة ]
                    ثم اختلفوا فقال أصحاب الشافعي : هي لمن له ولاية في الحال . وقال أحمد في رواية حق لجميع الأولياء قريبهم وبعيدهم فمن لم يرض منهم فله الفسخ . وقال أحمد في رواية ثالثة إنها حق الله فلا يصح رضاهم بإسقاطه ولكن على هذه الرواية لا تعتبر الحرية ولا اليسار ولا الصناعة ولا النسب إنما يعتبر الدين فقط فإنه لم يقل أحمد ولا أحد من العلماء إن نكاح الفقير للموسرة باطل وإن رضيت ولا يقول هو ولا أحد : إن نكاح الهاشمية لغير الهاشمي والقرشية لغير القرشي باطل وإنما نبهنا على هذا لأن كثيرا من أصحابنا يحكون الخلاف في الكفاءة هل هي حق لله أو للآدمي ؟ ويطلقون مع قولهم إن الكفاءة هي الخصال المذكورة وفي هذا من التساهل وعدم التحقيق ما فيه .




                    فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في ثبوت الخيار للمعتقة تحت العبد
                    ثبت في " الصحيحين " و " السنن " : أن بريرة كاتبت أهلها وجاءت تسأل النبي صلى الله عليه وسلم في كتابتها فقالت عائشة رضي الله عنها : إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت فذكرت ذلك لأهلها فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : اشتريها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق ثم خطب الناس فقال " ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق " ثم خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن تبقى على نكاح زوجها وبين أن تفسخه فاختارت نفسها فقال لها : " إنه زوجك وأبو ولدك " فقالت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم تأمرني بذلك ؟ قال " لا إنما أنا شافع قالت فلا حاجة لي فيه وقال لها إذ خيرها : إن قربك فلا خيار لك " وأمرها أن تعتد وتصدق عليها بلحم فأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم وقال " هو عليها صدقة ولنا هدية




                    [ جواز مكاتبة المرأة وبيع المكاتب وإن لم يعجزه سيده ]
                    وكان في قصة بريرة من الفقه جواز مكاتبة المرأة وجواز بيع المكاتب وإن لم يعجزه سيده وهذا مذهب أحمد المشهور عنه وعليه أكثر نصوصه . وقال في رواية أبي طالب لا يطأ مكاتبته ألا ترى أنه لا يقدر أن يبيعها . وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي . والنبي صلى الله عليه وسلم أقر عائشة رضي الله عنها على شرائها وأهلها على بيعها ولم يسأل أعجزت أم لا ومجيئها تستعين في كتابتها لا يستلزم عجزها وليس في بيع المكاتب محذور فإن بيعه لا يبطل كتابته فإنه يبقى عند المشتري كما كان عند البائع إن أدى إليه عتق وإن عجز عن الأداء فله أن يعيده إلى الرق كما كان عند بائعه فلو لم تأت السنة بجواز بيعه لكان القياس يقتضيه .

                    وقد ادعى غير واحد الإجماع القديم على جواز بيع المكاتب . قالوا : لأن قصة بريرة وردت بنقل الكافة ولم يبق بالمدينة من لم يعرف ذلك لأنها صفقة جرت بين أم المؤمنين وبين بعض الصحابة رضي الله عنهم وهم موالي بريرة ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في أمر بيعها خطبة في غير وقت الخطبة ولا يكون شيء أشهر من هذا ثم كان من مشي زوجها خلفها باكيا في أزقة المدينة ما زاد الأمر شهرة عند النساء والصبيان قالوا : فظهر يقينا أنه إجماع من الصحابة إذ لا يظن بصاحب أنه يخالف من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا الأمر الظاهر المستفيض . قالوا : ولا يمكن أن توجدوا عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم المنع من بيع المكاتب إلا رواية شاذة عن ابن عباس لا يعرف لها إسناد .

                    [ مستمسك من منع بيع المكاتب ]

                    واعتذر من منع بيعه بعذرين

                    أحدهما : أن بريرة كانت قد عجزت وهذا عذر أصحاب الشافعي .

                    والثاني : أن البيع ورد على مال الكتابة لا على رقبتها وهذا عذر أصحاب مالك .




                    [ الرد على من ادعى عجز بريرة عن تأدية المكاتب عليه ]

                    وهذان العذران أحوج إلى أن يعتذر عنهما من الحديث ولا يصح واحد منهما أما الأول فلا ريب أن هذه القصة كانت بالمدينة وقد شهدها العباس وابنه عبد الله وكانت الكتابة تسع سنين في كل سنة أوقية ولم تكن بعد أدت شيئا ولا خلاف أن العباس وابنه إنما سكنا المدينة بعد فتح مكة ولم يعش النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلا عامين وبعض الثالث فأين العجز وحلول النجوم ؟

                    وأيضا فإن بريرة لم تقل عجزت ولا قالت لها عائشة أعجزت ؟ ولا اعترف أهلها بعجزها ولا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعجزها ولا وصفها به ولا أخبر عنها البتة فمن أين لكم هذا العجز الذي تعجزون عن إثباته ؟

                    وأيضا فإنها إنما قالت لعائشة : كاتبت أهلي على تسع أواق في كل سنة أوقية وإني أحب أن تعينيني ولم تقل لم أؤد لهم شيئا ولا مضت علي نجوم عدة عجزت عن الأداء فيها ولا قالت عجزني أهلي .

                    وأيضا فإنهم لو عجزوها لعادت في الرق ولم تكن حينئذ لتسعى في كتابتها وتستعين بعائشة على أمر قد بطل .

                    فإن قيل الذي يدل على عجزها قول عائشة إن أحب أهلك أن أشتريك وأعتقك ويكون ولاؤك لي فعلت . وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : " اشتريها فأعتقيها " وهذا يدل على إنشاء عتق من عائشة رضي الله عنها وعتق المكاتب بالأداء لا بإنشاء من السيد . قيل هذا هو الذي أوجب لهم القول ببطلان الكتابة . قالوا : ومن المعلوم أنها لا تبطل إلا بعجز المكاتب أو تعجيزه نفسه وحينئذ فيعود في الرق فإنما ورد البيع على رقيق لا على مكاتب . وجواب هذا : أن ترتيب العتق على الشراء لا يدل على إنشائه فإنه ترتيب للمسبب على سببه ولا سيما فإن عائشة لما أرادت أن تعجل كتابتها جملة واحدة كان هذا سببا في إعتاقها وقد قلتم أنتم إن قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه


                    [ الرد على من قال إن البيع ورد على مال الكتابة لا على رقبتها ]

                    إن هذا من ترتيب المسبب على سببه وأنه بنفس الشراء يعتق عليه لا يحتاج إلى إنشاء عتق . وأما العذر الثاني : فأمره أظهر وسياق القصة يبطله فإن أم المؤمنين اشترتها فأعتقتها وكان ولاؤها لها وهذا مما لا ريب فيه ولم تشتر المال والمال كان تسع أواق منجمة فعدتها لهم جملة واحدة ولم تتعرض للمال الذي في ذمتها ولا كان غرضها بوجه ما ولا كان لعائشة غرض في شراء الدراهم المؤجلة بعددها حالة .

                    [ لا يجوز اشتراط ما يخالف حكم الله ]

                    وفي القصة جواز المعاملة بالنقود عددا إذا لم يختلف مقدارها وفيها أنه لا يجوز لأحد من المتعاقدين أن يشترط على الآخر شرطا يخالف حكم الله ورسوله وهذا معنى قوله " ليس في كتاب الله " أي ليس في حكم الله جوازه وليس المراد أنه ليس في القرآن ذكره وإباحته ويدل عليه قوله كتاب الله أحق وشرط الله أوثق



                    [ هل يصح العقد الذي فيه شرط فاسد ]
                    وقد استدل به من صحح العقد الذي شرط فيه شرط فاسد ولم يبطل العقد به وهذا فيه نزاع وتفصيل يظهر الصواب منه في تبيين معنى الحديث فإنه قد أشكل على الناس قوله " اشترطي لهم الولاء فإن الولاء لمن أعتق " فأذن لها في هذا الاشتراط وأخبر أنه لا يفيد . والشافعي طعن في هذه اللفظة وقال إن هشام بن عروة انفرد بها وخالفه غيره فردها الشافعي ولم يثبتها ولكن أصحاب " الصحيحين " وغيرهم أخرجوها ولم يطعنوا فيها ولم يعللها أحد سوى الشافعي فيما نعلم .

                    [ معنى اللام في " اشترطي لهم ]

                    ثم اختلفوا في معناها فقالت طائفة اللام ليست على بابها بل هي بمعنى " على " كقوله إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها [ الإسراء : 7 ] أي فعليها كما قال تعالى : من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها [ فصلت 46 ] .

                    وردت طائفة هذا الاعتذار بخلافه لسياق القصة ولموضوع الحرف وليس نظير الآية فإنها قد فرقت بين ما للنفس وبين ما عليها بخلاف قوله اشترطي لهم

                    وقالت طائفة بل اللام على بابها ولكن في الكلام محذوف تقديره اشترطي لهم أو لا تشترطي فإن الاشتراط لا يفيد شيئا لمخالفته لكتاب الله .

                    ورد غيرهم هذا الاعتذار لاستلزامه إضمار ما لا دليل عليه والعلم به من نوع علم الغيب .

                    [ من قال بأن الأمر أمر تهديد ]

                    وقالت طائفة أخرى : بل هذا أمر تهديد لا إباحة كقوله تعالى : اعملوا ما شئتم [ فصلت 40 ] وهذا في البطلان من جنس ما قبله وأظهر فسادا فما لعائشة وما للتهديد هنا ؟ وأين في السياق ما يقتضي التهديد لها ؟ نعم هم أحق بالتهديد لا أم المؤمنين .



                    فصل [ ما في إنما الولاء لمن أعتق من العموم ]
                    وفي قوله صلى الله عليه وسلم " إنما الولاء لمن أعتق " من العموم ما يقتضي ثبوته لمن أعتق سائبة أو في زكاة أو كفارة أو عتق واجب وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات وقال في الرواية الأخرى : لا ولاء عليه وقال في الثالثة يرد ولاؤه في عتق مثله ويحتج بعمومه أحمد ومن وافقه في أن المسلم إذا أعتق عبدا ذميا ثم مات العتيق ورثه بالولاء وهذا العموم أخص من قوله لا يرث المسلم الكافر فيخصصه أو يقيده وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة لا يرثه بالولاء إلا أن يموت العبد مسلما ولهم أن يقولوا : إن عموم قوله " الولاء لمن أعتق " مخصوص بقوله لا يرث المسلم الكافر




                    فصل [ تخيير الأمة المزوجة إذا أعتقت وزوجها عبد ]
                    وفي القصة من الفقه تخيير الأمة المزوجة إذا أعتقت وزوجها عبد وقد اختلفت الرواية في زوج بريرة هل كان عبدا أو حرا ؟

                    فقال القاسم عن عائشة رضي الله عنها : كان عبدا ولو كان حرا لم يخيرها وقال عروة عنها : كان حرا . وقال ابن عباس : كان عبدا أسود يقال له مغيث عبدا لبني فلان كأني أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة وكل هذا في الصحيح .

                    وفي " سنن أبي داود " عن عروة عن عائشة كان عبدا لآل أبي أحمد فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها : إن قربك فلا خيار لك

                    وفي " مسند أحمد " عن عائشة رضي الله عنها : أن بريرة كانت تحت عبد فلما أعتقتها قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم اختاري فإن شئت أن تمكثي تحت هذا العبد وإن شئت أن تفارقيه

                    وقد روى في " الصحيح " : أنه كان حرا . وأصح الروايات وأكثرها : أنه كان عبدا وهذا الخبر رواه عن عائشة رضي الله عنها ثلاثة الأسود وعروة والقاسم أما الأسود فلم يختلف عنه عن عائشة أنه كان حرا وأما عروة فعنه روايتان صحيحتان متعارضتان إحداهما : أنه كان حرا والثانية أنه كان عبدا وأما عبد الرحمن بن القاسم فعنه روايتان صحيحتان إحداهما : أنه كان حرا والثانية الشك . قال داود بن مقاتل ولم تختلف الرواية عن ابن عباس أنه كان عبدا .



                    [اختلاف العلماء في تخيير الأمة إذا أعتقت وزوجها حر ]

                    [ مآخذ تحقيق المناط في إثبات الخيار للمعتقة ]

                    واتفق الفقهاء على تخيير الأمة إذا أعتقت وزوجها عبد واختلفوا إذا كان حرا فقال الشافعي ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه لا تخيير وقال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الثانية تخير . وليست الروايتان مبنيتين على كون زوجها عبدا أو حرا بل على تحقيق المناط في إثبات الخيار لها وفيه ثلاثة مآخذ للفقهاء

                    أحدها : زوال الكفاءة وهو المعبر عنه بقولهم كملت تحت ناقص

                    الثاني : أن عتقها أوجب للزوج ملك طلقة ثالثة عليها لم تكن مملوكة له بالعقد وهذا مأخذ أصحاب أبي حنيفة وبنوا على أصلهم أن الطلاق معتبر بالنساء لا بالرجال .

                    الثالث ملكها نفسها ونحن نبين ما في هذه .

                    [ الرد على المأخذ الأول وهو كمالها تحت ناقص ]

                    المأخذ الأول وهو كمالها تحت ناقص فهذا يرجع إلى أن الكفاءة معتبرة في الدوام كما هي معتبرة في الابتداء فإذا زالت خيرت المرأة كما تخير إذا بان الزوج غير كفء لها وهذا ضعيف من وجهين

                    أحدهما : أن شروط النكاح لا يعتبر دوامها واستمرارها وكذلك توابعه المقارنة لعقده لا يشترط أن تكون توابع في الدوام فإن رضى الزوجة غير المجبرة شرط في الابتداء دون الدوام وكذلك الولي والشاهدان وكذلك مانع الإحرام والعدة والزنى عند من يمنع نكاح الزانية إنما يمنع ابتداء العقد دون استدامته فلا يلزم من اشتراط الكفاءة ابتداء اشتراط استمرارها ودوامها .

                    الثاني : أنه لو زالت الكفاءة في أثناء النكاح بفسق الزوج أو حدوث عيب موجب للفسخ لم يثبت الخيار على ظاهر المذهب وهو اختيار قدماء الأصحاب ومذهب مالك .

                    وأثبت القاضي الخيار بالعيب الحادث ويلزمه إثباته بحدوث فسق الزوج وقال الشافعي إن حدث بالزوج ثبت الخيار وإن حدث بالزوجة فعلى قولين .

                    [الرد على المأخذ الثاني وهو أن عتقها أوجب للزوج عليها ملك طلقة ثالثة ]

                    وأما المأخذ الثاني وهو أن عتقها أوجب للزوج عليها ملك طلقة ثالثة فمأخذ ضعيف جدا فأي مناسبة بين ثبوت طلقة ثالثة وبين ثبوت الخيار لها ؟ وهل نصب الشارع ملك الطلقة الثالثة سببا لملك الفسخ وما يتوهم - من أنها كانت تبين منه باثنتين فصارت لا تبين إلا بثلاث وهو زيادة إمساك وحبس لم يقتضه العقد - فاسد فإنه يملك ألا يفارقها البتة ويمسكها حتى يفرق الموت بينهما والنكاح عقد على مدة العمر فهو يملك استدامة إمساكها وعتقها لا يسلبه هذا الملك فكيف يسلبه إياه ملكه عليها طلقة ثالثة وهذا لو كان الطلاق معتبرا بالنساء فكيف والصحيح أنه معتبر بمن هو بيده وإليه ومشروع في جانبه .

                    [ ترجيح المصنف للمأخذ الثالث وهو ملكها نفسها ]

                    وأما المأخذ الثالث وهو ملكها نفسها فهو أرجح المآخذ وأقربها إلى أصول الشرع وأبعدها من التناقض وسر هذا المأخذ أن السيد عقد عليها بحكم الملك حيث كان مالكا لرقبتها ومنافعها والعتق يقتضي تمليك الرقبة والمنافع للمعتق وهذا مقصود العتق وحكمته فإذا ملكت رقبتها ملكت بضعها ومنافعها ومن جملتها منافع البضع فلا يملك عليها إلا باختيارها فخيرها الشارع بين أن تقيم مع زوجها وبين أن تفسخ نكاحه إذ قد ملكت منافع بضعها وقد جاء في بعض طرق حديث بريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال لها : ملكت نفسك فاختاري

                    فإن قيل هذا ينتقض بما لو زوجها ثم باعها فإن المشتري قد ملك رقبتها وبضعها ومنافعه ولا تسلطونه على فسخ النكاح . قلنا : لا يرد هذا نقضا فإن البائع نقل إلى المشتري ما كان مملوكا له فصار المشتري خليفته وهو لما زوجها أخرج منفعة البضع عن ملكه إلى الزوج ثم نقلها إلى المشتري مسلوبة منفعة البضع فصار كما لو آجر عبده مدة ثم باعه .

                    فإن قيل فهب أن هذا يستقيم لكم فيما إذا باعها فهلا قلتم ذلك إذا أعتقها وأنها ملكت نفسها مسلوبة منفعة البضع كما لو آجرها ثم أعتقها ولهذا ينتقض عليكم هذا المأخذ ؟ .

                    قيل الفرق بينهما : أن العتق في تمليك العتيق رقبته ومنافعه أقوى من البيع ولهذا ينفذ فيما لم يعتقه ويسري في حصة الشريك بخلاف البيع فالعتق إسقاط ما كان السيد يملكه من عتيقه وجعله له محررا وذلك يقتضي إسقاط ملك نفسه ومنافعها كلها .

                    وإذا كان العتق يسري في ملك الغير المحض الذي لا حق له فيه البتة فكيف لا يسري إلى ملكه الذي تعلق به حق الزوج فإذا سرى إلى نصيب الشريك الذي حق للمعتق فيه فسريانه إلى ملك الذي يتعلق به حق الزوج أولى وأحرى فهذا محض العدل والقياس الصحيح .

                    فإن قيل فهذا فيه إبطال حق الزوج من هذه المنفعة بخلاف الشريك فإنه يرجع إلى القيمة .

                    قيل الزوج قد استوفى المنفعة بالوطء فطريان ما يزيل دوامها لا يسقط له حقا كما لو طرأ ما يفسده أو يفسخه برضاع أو حدوث عيب أو زوال كفاءة عند من يفسخ به .


                    [إشكالان على تخيير المعتقة إذا كانت متزوجة بحر ]

                    فإن قيل فما تقولون فيما رواه النسائي من حديث ابن موهب عن القاسم بن محمد قال كان لعائشة رضي الله عنها غلام وجارية قالت فأردت أن أعتقهما فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابدئي بالغلام قبل الجارية ولولا أن التخيير يمنع إذا كان الزوج حرا لم يكن للبداءة بعتق الغلام فائدة فإذا بدأت به عتقت تحت حر فلا يكون لها اختيار .

                    وفي " سنن النسائي " أيضا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيما أمة كانت تحت عبد فعتقت فهي بالخيار ما لم يطأها زوجها

                    قيل أما الحديث الأول فقال أبو جعفر العقيلي وقد رواه هذا خبر لا يعرف إلا بعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب وهو ضعيف .

                    وقال ابن حزم هو خبر لا يصح . ثم لما صح لم يكن فيه حجة لأنه ليس فيه أنهما كانا زوجين بل قال كان لها عبد وجارية . ثم لو كانا زوجين لم يكن في أمره لها بعتق العبد أولا ما يسقط خيار المعتقة تحت الحر وليس في الخبر أنه أمرها بالابتداء بالزوج لهذا المعنى بل الظاهر أنه أمرها بأن تبتدئ بالذكر لفضل عتقه على الأنثى وأن عتق أنثيين يقوم مقام عتق ذكر كما في الحديث الصحيح مبينا . وأما الحديث الثاني : فضعف لأنه من رواية الفضل بن حسن بن عمرو بن أمية الضمري وهو مجهول . فإذا تقرر هذا وظهر حكم الشرع في إثبات الخيار لها فقد روى الإمام أحمد بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أعتقت الأمة فهي بالخيار ما لم يطأها إن شاءت فارقته وإن وطئها فلا خيار لها ولا تستطيع فراقه ويستفاد من هذا قضيتان



                    [خيار المعتقة على التراخي ]

                    إحداهما : أن خيارها على التراخي ما لم تمكنه من وطئها وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد . والشافعي ثلاثة أقوال . هذا أحدها . والثاني : أنه على الفور والثالث أنه إلى ثلاثة أيام .

                    [ التمكين من الوطء يسقط ]

                    الثانية أنها إذا مكنته من نفسها فوطئها سقط خيارها وهذا إذا علمت بالعتق وثبوت الخيار به فلو جهلتهما لم يسقط خيارها بالتمكين من الوطء .

                    وعن أحمد رواية ثانية أنها لا تعذر بجهلها بملك الفسخ بل إذا علمت بالعتق ومكنته من وطئها سقط خيارها ولو لم تعلم أن لها الفسخ والرواية الأولى أصح فإن عتق الزوج قبل أن تختار - وقلنا : إنه لا خيار للمعتقة تحت حر - بطل خيارها لمساواة الزوج لها وحصول الكفاءة قبل الفسخ .

                    قال الشافعي في أحد قوليه - وليس هو المنصور عند أصحابه لها الفسخ لتقدم ملك الخيار على العتق فلا يبطله والأول أقيس لزوال سبب الفسخ بالعتق وكما لو زال العيب في البيع والنكاح قبل الفسخ به وكما لو زال الإعسار في زمن ملك الزوجة الفسخ به . وإذا قلنا : العلة ملكها نفسها فلا أثر لذلك فإن طلقها طلاقا رجعيا فعتقت في عدتها فاختارت الفسخ بطلت الرجعة وإن اختارت المقام معه صح وسقط اختيارها للفسخ لأن الرجعية كالزوجة .

                    وقال الشافعي وبعض أصحاب أحمد : لا يسقط خيارها إذا رضيت بالمقام دون الرجعة ولها أن تختار نفسها بعد الارتجاع ولا يصح اختيارها في زمن الطلاق فإن الاختيار في زمن هي فيه صائرة إلى بينونة ممتنع .

                    فإذا راجعها صح حينئذ أن تختاره وتقيم معه لأنها صارت زوجة وعمل الاختيار عمله وترتب أثره عليه .

                    ونظير هذا إذا ارتد زوج الأمة بعد الدخول ثم عتقت في زمن الردة فعلى القول الأول لها الخيار قبل إسلامه فإن اختارته ثم أسلم سقط ملكها للفسخ وعلى قول الشافعي : لا يصح لها خيار قبل إسلامه لأن العقد صائر إلى البطلان . فإذا أسلم صح خيارها .

                    فإن قيل فما تقولون إذا طلقها قبل أن تفسخ هل يقع الطلاق أم لا ؟ .

                    قيل نعم يقع لأنها زوجة وقال بعض أصحاب أحمد وغيرهم يوقف الطلاق فإن فسخت تبينا أنه لم يقع وإن اختارت زوجها تبينا وقوعه . فإن قيل فما حكم المهر إذا اختارت الفسخ ؟ .

                    قيل إما أن تفسخ قبل الدخول أو بعده . فإن فسخت بعده لم يسقط المهر وهو لسيدها سواء فسخت أو أقامت وإن فسخت قبله ففيه قولان هما روايتان عن أحمد . إحداهما : لا مهر لأن الفرقة من جهتها والثانية يجب نصفه ويكون لسيدها لا لها .

                    فإن قيل فما تقولون في المعتق نصفها هل لها خيار ؟ قيل فيها قولان وهما روايتان عن أحمد فإن قلنا : لا خيار لها كزوج مدبرة له لا يملك غيرها وقيمتها مائة فعقد على مائتين مهرا ثم مات عتقت ولم تملك الفسخ قبل الدخول لأنها لو ملكت سقط المهر أو انتصف فلم تخرج من الثلث فيرق بعضها فيمتنع الفسخ قبل الدخول بخلاف ما إذا لم تملكه فإنها تخرج من الثلث فيعتق جميعها .




                    فصل في قوله صلى الله عليه وسلم لو راجعته فقالت أتأمرني ؟ فقال لا إنما أنا شافع فقالت لا حاجة لي فيه فيه ثلاث قضايا .

                    [ الأمر يقتضي الوجوب ]

                    إحداها : أن أمره على الوجوب ولهذا فرق بين أمره وشفاعته ولا ريب أن امتثال شفاعته من أعظم المستحبات .

                    [لا يحرم عصيان شفاعته صلى الله عليه وسلم]

                    الثانية أنه صلى الله عليه وسلم لم يغضب على بريرة ولم ينكر عليها إذ لم تقبل شفاعته لأن الشفاعة في إسقاط المشفوع عنده حقه وذلك إليه إن شاء أسقطه وإن شاء أبقاه فلذلك لا يحرم عصيان شفاعته صلى الله عليه وسلم ويحرم عصيان أمره .

                    [ معنى المراجعة في لسان الشارع ]
                    الثالثة أن اسم المراجعة في لسان الشارع قد يكون مع زوال عقد النكاح بالكلية فيكون ابتداء عقد وقد يكون مع تشعثه فيكون إمساكا وقد سمى سبحانه ابتداء النكاح للمطلق ثلاثا بعد الزوج الثاني مراجعة فقال فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا [ البقرة 230 ] أي إن طلقها الثاني فلا جناح عليها وعلى الأول أن يتراجعا نكاحا مستأنفا .




                    فصل [ما يستنبط من أكله صلى الله عليه وسلم من اللحم الذي تصدق به على بريرة ]
                    وفي أكله صلى الله عليه وسلم من اللحم الذي تصدق به على بريرة وقال هو عليها صدقة ولنا هدية دليل على جواز أكل الغني وبني هاشم وكل من تحرم عليه الصدقة مما يهديه إليه الفقير من الصدقة لاختلاف جهة المأكول ولأنه قد بلغ محله وكذلك يجوز له أن يشتريه منه بماله .

                    هذا إذا لم تكن صدقة نفسه فإن كانت صدقته لم يجز له أن يشتريها ولا يهبها ولا يقبلها هدية .

                    كما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه عن شراء صدقته وقال لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم




                    فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم في الصداق بما قل وكثر
                    وقضائه بصحة النكاح على ما مع الزوج من القرآن
                    ثبت في " صحيح مسلم " : عن عائشة رضي الله عنها : كان صداق النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا فذلك خمسمائة .

                    وقال عمر رضي الله عنه ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئا من نسائه ولا أنكح شيئا من بناته على أكثر من ثنتي عشرة أوقية . قال الترمذي حديث حسن صحيح . انتهى .

                    والأوقية أربعون درهما .

                    وفي " صحيح البخاري " : من حديث سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل تزوج ولو بخاتم من حديد .

                    وفي " سنن أبي داود " : من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أعطى في صداق ملء كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل .

                    وفي الترمذي أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم رضيت من نفسك ومالك بنعلين ؟ قالت نعم فأجازه . قال الترمذي حديث حسن صحيح .

                    وفي " مسند الإمام أحمد " : من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة .

                    وفي " الصحيحين " : أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت طويلا فقال رجل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل عندك من شيء تصدقها إياه ؟ قال ما عندي إلا إزاري هذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنك إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك فالتمس شيئا " قال لا أجد شيئا قال " فالتمس ولو خاتما من حديد " فالتمس فلم يجد شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل معك شيء من القرآن ؟ قال نعم سورة كذا وسورة كذا لسور سماها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد زوجتكها بما معك من القرآن .

                    وفي النسائي أن أبا طلحة خطب أم سليم فقالت والله يا أبا طلحة ما مثلك يرد ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك فإن تسلم فذاك مهري وما أسالك غيره فأسلم فكان ذلك مهرها . قال ثابت فما سمعنا بامرأة قط كانت أكرم مهرا من أم سليم فدخل بها فولدت له .



                    فتضمن هذا الحديث أن الصداق لا يتقدر أقله وأن قبضة السويق وخاتم الحديد والنعلين يصح تسميتها مهرا وتحل بها الزوجة .

                    وتضمن أن المغالاة في المهر مكروهة في النكاح وأنها من قلة بركته وعسره .

                    وتضمن أن المرأة إذا رضيت بعلم الزوج وحفظه للقرآن أو بعضه من مهرها جاز ذلك وكان ما يحصل لها من انتفاعها بالقرآن والعلم هو صداقها كما إذا جعل السيد عتقها صداقها وكان انتفاعها بحريتها وملكها لرقبتها هو صداقها وهذا هو الذي اختارته أم سليم من انتفاعها بإسلام أبي طلحة وبذلها نفسها له إن أسلم وهذا أحب إليها من المال الذي يبذله الزوج فإن الصداق شرع في الأصل حقا للمرأة تنتفع به فإذا رضيت بالعلم والدين وإسلام الزوج وقراءته للقرآن كان هذا من أفضل المهور وأنفعها وأجلها فما خلا العقد عن مهر وأين الحكم بتقدير المهر بثلاثة دراهم أو عشرة من النص ؟

                    والقياس إلى الحكم بصحة كون المهر ما ذكرنا نصا وقياسا وليس هذا مستويا بين هذه المرأة وبين الموهوبة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وهي خالصة له من دون المؤمنين فإن تلك وهبت نفسها هبة مجردة عن ولي وصداق بخلاف ما نحن فيه فإنه نكاح بولي وصداق وإن كان غير مالي فإن المرأة جعلته عوضا عن المال لما يرجع إليها من نفعه ولم تهب نفسها للزوج هبة مجردة كهبة شيء من مالها بخلاف الموهوبة التي خص الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم هذا مقتضى هذه الأحاديث .

                    وقد خالف في بعضه من قال لا يكون الصداق إلا مالا ولا تكون منافع أخرى ولا علمه ولا تعليمه صداقا كقول أبي حنيفة وأحمد في رواية عنه . ومن قال لا يكون أقل من ثلاثة دراهم كمالك وعشرة دراهم كأبي حنيفة وفيه أقوال أخر شاذة لا دليل عليها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب .

                    ومن ادعى في هذه الأحاديث التي ذكرناها اختصاصها بالنبي صلى الله عليه وسلم أو أنها منسوخة أو أن عمل أهل المدينة على خلافها فدعوى لا يقوم عليها دليل . والأصل يردها وقد زوج سيد أهل المدينة من التابعين سعيد بن المسيب ابنته على درهمين ولم ينكر عليه أحد بل عد ذلك في مناقبه وفضائله وقد تزوج عبد الرحمن بن عوف على صداق خمسة دراهم وأقره النبي صلى الله عليه وسلم ولا سبيل إلى إثبات المقادير إلا من جهة صاحب الشرع .

                    فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم وخلفائه في أحد الزوجين
                    يجد بصاحبه برصا أو جنونا أو جذاما أو يكون الزوج عنينا
                    في " مسند أحمد " : من حديث يزيد بن كعب بن عجرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بني غفار فلما دخل عليها ووضع ثوبه وقعد على الفراش أبصر بكشحها بياضا فاماز عن الفراش ثم قال خذي عليك ثيابك " ولم يأخذ مما آتاها شيئا

                    وفي " الموطأ " : عن عمر أنه قال أيما امرأة غر بها رجل بها جنون أو جذام أو برص فلها المهر بما أصاب منها وصداق الرجل على من غره

                    وفي لفظ آخر قضى عمر في البرصاء والجذماء والمجنونة إذا دخل بها فرق بينهما والصداق لها بمسيسه إياها وهو له على وليها

                    وفي " سنن أبي داود " : من حديث عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما : طلق عبد يزيد أبو ركانة زوجته أم ركانة ونكح امرأة من مزينة فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها ففرق بيني وبينه فأخذت النبي صلى الله عليه وسلم حمية فذكر الحديث . وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال له " طلقها " ففعل ثم قال " راجع امرأتك أم ركانة " فقال إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله قال " قد علمت ارجعها " وتلا : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [ الطلاق 1 ] .

                    ولا علة لهذا الحديث إلا رواية ابن جريج له عن بعض بني أبي رافع وهو مجهول ولكن هو تابعي وابن جريج من الأئمة الثقات العدول ورواية العدل عن غيره تعديل له ما لم يعلم فيه جرح ولم يكن الكذب ظاهرا في التابعين ولا سيما التابعين من أهل المدينة ولا سيما موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سيما مثل هذه السنة التي تشتد حاجة الناس إليها لا يظن بابن جريج أنه حملها عن كذاب ولا عن غير ثقة عنده ولم يبين حاله .




                    [ التفريق بالعنة ]
                    وجاء التفريق بالعنة عن عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وسمرة بن جندب ومعاوية بن أبي سفيان والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة والمغيرة بن شعبة لكن عمر وابن مسعود والمغيرة أجلوه سنة وعثمان ومعاوية وسمرة لم يؤجلوه والحارث بن عبد الله أجله عشرة أشهر .

                    [ التفريق بالعقم ]
                    وذكر سعيد بن منصور حدثنا هشيم أنبأنا عبد الله بن عوف عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث رجلا على بعض السعاية فتزوج امرأة وكان عقيما فقال له عمر أعلمتها أنك عقيم ؟ . قال لا قال فانطلق فأعلمها ثم خيرها .

                    [ التفريق بالجنون اختلاف الفقهاء فيما سبق ]
                    وأجل مجنونا سنة فإن أفاق وإلا فرق بينه وبين امرأته . فاختلف الفقهاء في ذلك فقال داود وابن حزم ومن وافقهما : لا يفسخ النكاح بعيب البتة وقال أبو حنيفة لا يفسخ إلا بالجب والعنة خاصة .

                    وقال الشافعي ومالك يفسخ بالجنون والبرص والجذام والقرن والجب والعنة خاصة وزاد الإمام أحمد عليهما : أن تكون المرأة فتقاء منخرقة ما بين السبيلين ولأصحابه في نتن الفرج والفم وانخراق مخرجي البول والمني في الفرج والقروح السيالة فيه والبواسير والناصور والاستحاضة واستطلاق البول والنجو والخصي وهو قطع البيضتين والسل وهو سل البيضتين والوجء وهو رضهما وكون أحدهما خنثى مشكلا والعيب الذي بصاحبه مثله من العيوب السبعة والعيب الحادث بعد العقد وجهان .

                    وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى رد المرأة بكل عيب ترد به الجارية في البيع وأكثرهم لا يعرف هذا الوجه ولا مظنته ولا من قاله . وممن حكاه أبو عاصم العباداني في كتاب طبقات أصحاب الشافعي وهذا القول هو القياس أو قول ابن حزم ومن وافقه .

                    وأما الاقتصار على عيبين أو ستة أو سبعة أو ثمانية دون ما هو أولى منها أو مساو لها فلا وجه له فالعمى والخرس والطرش وكونها مقطوعة اليدين أو الرجلين أو إحداهما أو كون الرجل كذلك من أعظم المنفرات والسكوت عنه من أقبح التدليس والغش وهو مناف للدين والإطلاق إنما ينصرف إلى السلامة فهو كالمشروط عرفا وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمن تزوج امرأة وهو لا يولد له أخبرها أنك عقيم وخيرها فماذا يقول رضي الله عنه في العيوب التي هذا عندها كمال لا نقص ؟

                    والقياس أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار وهو أولى من البيع كما أن الشروط المشترطة في النكاح أولى بالوفاء من شروط البيع وما ألزم الله ورسوله مغرورا قط ولا مغبونا بما غر به وغبن به ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدله وحكمته وما اشتمل عليه من المصالح لم يخف عليه رجحان هذا القول وقربه من قواعد الشريعة .

                    وقد روى يحيى بن سعيد الأنصاري عن ابن المسيب قال قال عمر أيما امرأة زوجت وبها جنون أو جذام أو برص فدخل بها ثم اطلع على ذلك فلها مهرها بمسيسه إياها وعلى الولي الصداق بما دلس كما غره

                    ورد هذا بأن ابن المسيب لم يسمع من عمر من باب الهذيان البارد المخالف لإجماع أهل الحديث قاطبة قال الإمام أحمد : إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن عمر فمن يقبل وأئمة الإسلام وجمهورهم يحتجون بقول سعيد بن المسيب : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف بروايته عن عمر رضي الله عنه وكان عبد الله بن عمر يرسل إلى سعيد يسأله عن قضايا عمر فيفتي بها ولم يطعن أحد قط من أهل عصره ولا من بعدهم ممن له في الإسلام قول معتبر في رواية سعيد بن المسيب عن عمر ولا عبرة بغيرهم .

                    وروى الشعبي عن علي : أيما امرأة نكحت وبها برص أو جنون أو جذام أو قرن فزوجها بالخيار ما لم يمسها إن شاء أمسك وإن شاء طلق وإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها

                    وقال وكيع : عن سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عمر قال إذا تزوجها برصاء أو عمياء فدخل بها فلها الصداق ويرجع به على من غره

                    وهذا يدل على أن عمر لم يذكر تلك العيوب المتقدمة على وجه الاختصاص والحصر دون ما عداها وكذلك حكم قاضي الإسلام حقا الذي يضرب المثل بعلمه ودينه وحكمه شريح قال عبد الرزاق : عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين خاصم رجل إلى شريح فقال إن هؤلاء قالوا لي : إنا نزوجك بأحسن الناس فجاءوني بامرأة عمشاء فقال شريح إن كان دلس لك بعيب لم يجز فتأمل هذا القضاء وقوله إن كان دلس لك بعيب كيف يقتضي أن كل عيب دلست به المرأة فللزوج الرد به ؟ وقال الزهري يرد النكاح من كل داء عضال .

                    يتبع
                    أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
                    وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

                    Comment

                    • اخت مسلمة
                      محاور
                      • Nov 2005
                      • 6338

                      #40
                      [ ترجيح المصنف الرد بكل عيب ]

                      ومن تأمل فتاوى الصحابة والسلف علم أنهم لم يخصوا الرد بعيب دون عيب إلا رواية رويت عن عمر رضي الله عنه لا ترد النساء إلا من العيوب الأربعة : الجنون والجذام والبرص والداء في الفرج وهذه الرواية لا نعلم لها إسنادا أكثر من أصبغ عن ابن وهب عن عمر وعلي . روي عن ابن عباس ذلك بإسناد متصل ذكره سفيان عن عمرو بن دينار عنه . هذا كله إذا أطلق الزوج وأما إذا اشترط السلامة أو شرط الجمال فبانت شوهاء أو شرطها شابة حديثة السن فبانت عجوزا شمطاء أو شرطها بيضاء فبانت سوداء أو بكرا فبانت ثيبا فله الفسخ في ذلك كله . فإن كان قبل الدخول فلا مهر لها وإن كان بعده فلها المهر وهو غرم على وليها إن كان غره وإن كانت هي الغارة سقط مهرها أو رجع عليها به إن كانت قبضته ونص على هذا أحمد في إحدى الروايتين عنه وهو أقيسهما وأولاهما بأصوله فيما إذا كان الزوج هو المشترط .

                      وقال أصحابه إذا شرطت فيه صفة فبان بخلافها فلا خيار لها إلا في شرط الحرية إذا بان عبدا فلها الخيار وفي شرط النسب إذا بان بخلافه وجهان والذي يقتضيه مذهبه وقواعده أنه لا فرق بين اشتراطه واشتراطها بل إثبات الخيار لها إذا فات ما اشترطته أولى لأنها لا تتمكن من المفارقة بالطلاق فإذا جاز له الفسخ مع تمكنه من الفراق بغيره فلأن يجوز لها الفسخ مع عدم تمكنها أولى وإذا جاز لها الفسخ إذا ظهر الزوج ذا صناعة دنيئة لا تشينه في دينه ولا في عرضه وإنما تمنع كمال لذتها واستمتاعها به فإذا شرطته شابا جميلا صحيحا فبان شيخا مشوها أعمى أطرش أخرس أسود فكيف تلزم به وتمنع من الفسخ ؟ هذا في غاية الامتناع والتناقض والبعد عن القياس وقواعد الشرع وبالله التوفيق .




                      وكيف يمكن أحد الزوجين من الفسخ بقدر العدسة من البرص ولا يمكن منه بالجرب المستحكم المتمكن وهو أشد إعداء من ذلك البرص اليسير وكذلك غيره من أنواع الداء العضال ؟ .

                      وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حرم على البائع كتمان عيب سلعته وحرم على من علمه أن يكتمه من المشتري فكيف بالعيوب في النكاح وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس حين استشارته في نكاح معاوية أو أبي الجهم أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه فعلم أن بيان العيب في النكاح أولى وأوجب فكيف يكون كتمانه وتدليسه والغش الحرام به سببا للزومه وجعل ذا العيب غلا لازما في عنق صاحبه مع شدة نفرته عنه ولا سيما مع شرط السلامة منه وشرط خلافه وهذا مما يعلم يقينا أن تصرفات الشريعة وقواعدها وأحكامها تأباه والله أعلم .

                      وقد ذهب أبو محمد ابن حزم إلى أن الزوج إذا شرط السلامة من العيوب فوجد أي عيب كان فالنكاح باطل من أصله غير منعقد ولا خيار له فيه ولا إجازة ولا نفقة ولا ميراث . قال لأن التي أدخلت عليه غير التي تزوج إذ السالمة غير المعيبة بلا شك فإذا لم يتزوجها فلا زوجية بينهما .




                      فصل في حكم النبي صلى الله عليه وسلم في خدمة المرأة لزوجها
                      قال ابن حبيب في " الواضحة " : حكم النبي صلى الله عليه وسلم بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبين زوجته فاطمة رضي الله عنها حين اشتكيا إليه الخدمة فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة خدمة البيت وحكم على علي بالخدمة الظاهرة ثم قال ابن حبيب والخدمة الباطنة العجين والطبخ والفرش وكنس البيت واستقاء الماء وعمل البيت كله .

                      وفي " الصحيحين " : أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يديها من الرحى وتسأله خادما فلم تجده فذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته . قال علي فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبنا نقوم فقال مكانكما " فجاء فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على بطني فقال " ألا أدلكما على ما هو خير لكما مما سألتما إذا أخذتما مضاجعكما فسبحا الله ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين فهو خير لكما من خادم " . قال علي فما تركتها بعد قيل ولا ليلة صفين ؟ قال ولا ليلة صفين

                      وصح عن أسماء أنها قالت كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله وكان له فرس وكنت أسوسه وكنت أحتش له وأقوم عليه

                      وصح عنها أنها كانت تعلف فرسه وتسقي الماء وتخرز الدلو وتعجن وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ .

                      فاختلف الفقهاء في ذلك فأوجب طائفة من السلف والخلف خدمتها له في مصالح البيت وقال أبو ثور : عليها أن تخدم زوجها في كل شيء ومنعت طائفة وجوب خدمته عليها في شيء وممن ذهب إلى ذلك مالك والشافعي وأبو حنيفة وأهل الظاهر قالوا : لأن عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام وبذل المنافع قالوا : والأحاديث المذكورة إنما تدل على التطوع ومكارم الأخلاق فأين الوجوب منها ؟ .


                      افتراضي

                      [ هل الحكمان حاكمان أو وكيلان ؟]
                      وقد اختلف السلف والخلف في الحكمين هل هما حاكمان أو وكيلان ؟ على قولين

                      أحدهما : أنهما وكيلان وهو قول أبي حنيفة والشافعي في قول وأحمد في رواية .

                      والثاني : أنهما حاكمان وهذا قول أهل المدينة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى والشافعي في القول الآخر وهذا هو الصحيح .

                      [ أدلة المصنف في ترجيح كون الحكمين حاكمين ]

                      والعجب كل العجب ممن يقول هما وكيلان لا حاكمان والله تعالى قد نصبهما حكمين وجعل نصبهما إلى غير الزوجين ولو كانا وكيلين لقال فليبعث وكيلا من أهله ولتبعث وكيلا من أهلها .

                      وأيضا فلو كانا وكيلين لم يختصا بأن يكونا من الأهل .

                      وأيضا فإنه جعل الحكم إليهما فقال إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما والوكيلان لا إرادة لهما إنما يتصرفان بإرادة موكليهما .

                      وأيضا فإن الوكيل لا يسمى حكما في لغة القرآن ولا في لسان الشارع ولا في العرف العام ولا الخاص .

                      وأيضا فالحكم من له ولاية الحكم والإلزام وليس للوكيل شيء من ذلك .

                      وأيضا فإن الحكم أبلغ من حاكم لأنه صفة مشبهة باسم الفاعل دالة على الثبوت ولا خلاف بين أهل العربية في ذلك فإذا كان اسم الحاكم لا يصدق على الوكيل المحض فكيف بما هو أبلغ منه .

                      وأيضا فإنه سبحانه خاطب بذلك غير الزوجين وكيف يصح أن يوكل عن الرجل والمرأة غيرهما وهذا يحوج إلى تقدير الآية هكذا : وإن خفتم شقاق بينهما فمروهما أن يوكلا وكيلين وكيلا من أهله ووكيلا من أهلها ومعلوم بعد لفظ الآية ومعناها عن هذا التقدير وأنها لا تدل عليه بوجه بل هي دالة على خلافه وهذا بحمد الله واضح .

                      وبعث عثمان بن عفان عبد الله بن عباس ومعاوية حكمين بين عقيل بن أبي طالب وامرأته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقيل لهما : إن رأيتما أن تفرقا فرقتما

                      وصح عن علي بن أبي طالب أنه قال للحكمين بين الزوجين عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما فهذا عثمان وعلي وابن عباس ومعاوية جعلوا الحكم إلى الحكمين ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف وإنما يعرف الخلاف بين التابعين فمن بعدهم والله أعلم .

                      وإذا قلنا : إنهما وكيلان فهل يجبر الزوجان على توكيل الزوج في الفرقة بعوض وغيره وتوكيل الزوجة في بذل العوض أو لا يجبران ؟ على روايتين فإن قلنا : يجبران فلم يوكلا جعل الحاكم ذلك إلى الحكمين بغير رضى الزوجين وإن قلنا : إنهما حكمان لم يحتج إلى رضى الزوجين .

                      وعلى هذا النزاع ينبني ما لو غاب الزوجان أو أحدهما فإن قيل إنهما وكيلان لم ينقطع نظر الحكمين وإن قيل حكمان انقطع نظرهما لعدم الحكم على الغائب وقيل يبقى نظرهما على القولين لأنهما يتطرفان لحظهما فهما كالناظرين . وإن جن الزوجان انقطع نظر الحكمين إن قيل إنهما وكيلان لأنهما فرع الموكلين ولم ينقطع إن قيل إنهما حكمان لأن الحاكم يلي على المجنون . وقيل ينقطع أيضا لأنهما منصوبان عنهما فكأنهما وكيلان ولا ريب أنهما حكمان فيهما شائبة الوكالة ووكيلان منصوبان للحكم فمن العلماء من رجح جانب الحكم ومنهم من رجح جانب الوكالة ومنهم من اعتبر الأمرين .




                      حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخلع
                      في " صحيح البخاري " : عن ابن عباس رضي الله عنه أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تردين عليه حديقته ؟ " قالت نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اقبل الحديقة وطلقها تطليقة

                      وفي " سنن النسائي " عن الربيع بنت معوذ أن ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي فأتى أخوها يشتكيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فقال " خذ الذي لها عليك وخل سبيلها " قال نعم فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها .

                      وفي " سنن أبي داود " : عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس اختلعت من زوجها فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد حيضة .

                      وفي " سنن الدارقطني " في هذه القصة فقال النبي صلى الله عليه وسلم أتردين عليه حديقته التي أعطاك " ؟ قالت نعم وزيادة فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أما الزيادة فلا ولكن حديقته " قالت نعم فأخذ ماله وخلى سبيلها فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال قد قبلت قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الدارقطني إسناده صحيح .

                      فتضمن هذا الحكم النبوي عدة أحكام



                      [ جواز الخلع ]

                      أحدها : جواز الخلع كما دل عليه القرآن قال تعالى : ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به [ البقرة 229 ] ومنع الخلع طائفة شاذة من الناس خالفت النص والإجماع .

                      [ حصول البينونة بالخلع ]

                      وفي الآية دليل على جوازه مطلقا بإذن السلطان وغيره ومنعه طائفة بدون إذنه والأئمة الأربعة والجمهور على خلافه .

                      وفي الآية دليل على حصول البينونة به لأنه سبحانه سماه فدية ولو كان رجعيا كما قاله بعض الناس لم يحصل للمرأة الافتداء من الزوج بما بذلته له ودل قوله سبحانه فلا جناح عليهما فيما افتدت به على جوازه بما قل وكثر وأن له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها .

                      وقد ذكر عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل أن الربيع بنت معوذ بن عفراء حدثته أنها اختلعت من زوجها بكل شيء تملكه فخوصم في ذلك إلى عثمان بن عفان فأجازه وأمره أن يأخذ عقاص رأسها فما دونه .

                      وذكر أيضا عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع أن ابن عمر جاءته مولاة لامرأته اختلعت من كل شيء لها وكل ثوب لها حتى نقبتها . ورفعت إلى عمر بن الخطاب امرأة نشزت عن زوجهما فقال ا خلعها ولو من قرطها ذكره حماد بن سلمة عن أيوب عن كثير بن أبي كثير عنه . وذكر عبد الرزاق عن معمر عن ليث عن الحكم بن عتيبة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لا يأخذ منها فوق ما أعطاها . وقال طاووس لا يحل أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها وقال عطاء إن أخذ زيادة على صداقها فالزيادة مردودة إليها .

                      وقال الزهري لا يحل له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها .

                      وقال ميمون بن مهران إن أخذ منها أكثر مما أعطاها لم يسرح بإحسان .

                      وقال الأوزاعي كانت القضاة لا تجيز أن يأخذ منها شيئا إلا ما ساق إليها .

                      والذين جوزوه احتجوا بظاهر القرآن وآثار الصحابة والذين منعوه احتجوا بحديث أبي الزبير أن ثابت بن قيس بن شماس لما أراد خلع امرأته قال النبي صلى الله عليه وسلم أتردين عليه حديقته " ؟ قالت نعم وزيادة فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما الزيادة فلا . قال الدارقطني سمعه أبو الزبير من غير واحد وإسناده صحيح .

                      قالوا : والآثار من الصحابة مختلفة فمنهم من روي عنه تحريم الزيادة ومنهم من روي عنه إباحتها ومنهم من روي عنه كراهتها كما روى وكيع عن أبي حنيفة عن عمار بن عمران الهمداني عن أبيه عن علي رضي الله عنه أنه كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها والإمام أحمد أخذ بهذا القول ونص على الكراهة وأبو بكر من أصحابه حرم الزيادة وقال ترد عليها . وقد ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال قال لي عطاء أتت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أبغض زوجي وأحب فراقه قال فتردين عليه حديقته التي أصدقك " ؟ قالت نعم وزيادة من مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما الزيادة من مالك فلا ولكن الحديقة " قالت نعم فقضى بذلك على الزوج وهذا وإن كان مرسلا فحديث أبي الزبير مقو له وقد رواه ابن جريج عنهما .



                      فصل حكم الرجعة من الخلع في العدة
                      وفي تسميته سبحانه الخلع فدية دليل على أن فيه معنى المعاوضة ولهذا اعتبر فيه رضى الزوجين فإذا تقايلا الخلع ورد عليها ما أخذ منها وارتجعها في العدة فهل لهما ذلك ؟ منعه الأئمة الأربعة وغيرهم وقالوا : قد بانت منه بنفس الخلع وذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال في المختلعة إن شاء أن يراجعها فليرد عليها ما أخذ منها في العدة وليشهد على رجعتها قال معمر وكان الزهري يقول مثل ذلك . قال قتادة : وكان الحسن يقول لا يراجعها إلا بخطبة . ولقول سعيد بن المسيب والزهري وجه دقيق من الفقه لطيف المأخذ تتلقاه قواعد الفقه وأصوله بالقبول ولا نكارة فيه غير أن العمل على خلافه فإن المرأة ما دامت في العدة فهي في حبسه ويلحقها صريح طلاقه المنجز عند طائفة من العلماء فإذا تقايلا عقد الخلع وتراجعا إلى ما كانا عليه بتراضيهما لم تمنع قواعد الشرع ذلك وهذا بخلاف ما بعد العدة فإنها قد صارت منه أجنبية محضة فهو خاطب من الخطاب ويدل على هذا أن له أن يتزوجها في عدتها منه بخلاف غيره .




                      فصل [ ما يستنبط من أمره صلى الله عليه وسلم المختلعة أن تعتد بحيضة واحدة ]
                      وفي أمره صلى الله عليه وسلم المختلعة . أن تعتد بحيضة واحدة دليل على حكمين أحدهما : أنه لا يجب عليها ثلاث حيض بل تكفيها حيضة واحدة وهذا كما أنه صريح السنة فهو مذهب أمير المؤمنين عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر بن الخطاب والربيع بنت معوذ وعمها وهو من كبار الصحابة لا يعرف لهم مخالف منهم كما رواه الليث بن سعد عن نافع مولى ابن عمر أنه سمع الربيع بنت معوذ بن عفراء وهي تخبر عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنها اختلعت من زوجها على عهد عثمان بن عفان فجاء عمها إلى عثمان بن عفان فقال له إن ابنة معوذ اختلعت من زوجها اليوم أفتنتقل ؟ فقال عثمان لتنتقل ولا ميراث بينهما ولا عدة عليها إلا أنها لا تنكح حتى تحيض حيضة خشية أن يكون بها حبل فقال عبد الله بن عمر : فعثمان خيرنا وأعلمنا وذهب إلى هذا المذهب إسحاق بن راهويه والإمام أحمد في رواية عنه اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية .

                      قال من نصر هذا القول هو مقتضى قواعد الشريعة فإن العدة إنما جعلت ثلاث حيض ليطول زمن الرجعة فيتروى الزوج ويتمكن من الرجعة في مدة العدة فإذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل وذلك يكفي فيه . قالوا : ولا ينتقض هذا علينا بالمطلقة ثلاثا فإن باب الطلاق جعل حكم العدة فيه واحدا بائنة ورجعية .




                      [ الخلع فسخ ]
                      قالوا : وهذا دليل على أن الخلع فسخ وليس بطلاق وهو مذهب ابن عباس وعثمان وابن عمر والربيع وعمها ولا يصح عن صحابي أنه طلاق البتة فروى الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد عن سفيان عن عمرو عن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهم أنه قال الخلع تفريق وليس بطلاق

                      وذكر عبد الرزاق عن سفيان عن عمرو عن طاووس أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله عن رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه أينكحها ؟ قال ابن عباس : نعم ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها و الخلع بين ذلك

                      فإن قيل كيف تقولون إنه لا مخالف لمن ذكرتم من الصحابة وقد روى حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن جمهان أن أم بكرة الأسلمية كانت تحت عبد الله بن أسيد واختلعت منه فندما فارتفعا إلى عثمان بن عفان فأجاز ذلك وقال هي واحدة إلا أن تكون سمت شيئا فهو على ما سمت

                      وذكر ابن أبي شيبة : حدثنا علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى عن طلحة بن مصرف عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود قال لا تكون تطليقة بائنة إلا في فدية أو إيلاء

                      وروي عن علي بن أبي طالب فهؤلاء ثلاثة من أجلاء الصحابة رضي الله عنهم . قيل لا يصح هذا عن واحد منهم أما أثر عثمان رضي الله عنه فطعن فيه الإمام أحمد والبيهقي وغيرهما قال شيخنا : وكيف يصح عن عثمان وهو لا يرى فيه عدة وإنما يرى الاستبراء فيه بحيضة ؟ فلو كان عنده طلاقا لأوجب فيه العدة وجمهان الراوي لهذه القصة عن عثمان لا نعرفه بأكثر من أنه مولى الأسلميين .




                      [ الدليل على أن الخلع ليس بطلاق ]
                      وأما أثر علي بن أبي طالب فقال أبو محمد ابن حزم رويناه من طريق لا يصح عن علي رضي الله عنه . وأمثلها : أثر ابن مسعود على سوء حفظ ابن أبي ليلى ثم غايته إن كان محفوظا أن يدل على أن الطلقة في الخلع تقع بائنة لا أن الخلع يكون طلاقا بائنا وبين الأمرين فرق ظاهر .

                      والذي يدل على أنه ليس بطلاق أن الله سبحانه وتعالى رتب على الطلاق بعد الدخول الذي لم يستوف عدده ثلاثة أحكام كلها منتفية عن الخلع

                      أحدها : أن الزوج أحق بالرجعة فيه .

                      الثاني : أنه محسوب من الثلاث فلا تحل بعد استيفاء العدد إلا بعد زوج وإصابة .

                      الثالث أن العدة فيه ثلاثة قروء .

                      وقد ثبت بالنص والإجماع أنه لا رجعة في الخلع وثبت بالسنة وأقوال الصحابة أن العدة فيه حيضة واحدة وثبت بالنص جوازه بعد طلقتين ووقوع ثالثة بعده وهذا ظاهر جدا في كونه ليس بطلاق فإنه سبحانه قال الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به [ البقرة 229 ] وهذا وإن لم يختص بالمطلقة تطليقتين فإنه يتناولها وغيرهما ولا يجوز أن يعود الضمير إلى من لم يذكر ويخلى منه المذكور بل إما أن يختص بالسابق أو يتناوله وغيره .

                      ثم قال فإن طلقها فلا تحل له من بعد وهذا يتناول من طلقت بعد فدية وطلقتين قطعا لأنها هي المذكورة فلا بد من دخولها تحت اللفظ وهكذا فهم ترجمان القرآن الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلمه الله تأويل القرآن وهي دعوة مستجابة بلا شك .

                      وإذا كانت أحكام الفدية غير أحكام الطلاق دل على أنها من غير جنسه فهذا مقتضى النص والقياس وأقوال الصحابة ثم من نظر إلى حقائق العقود ومقاصدها دون ألفاظها يعد الخلع فسخا بأي لفظ كان حتى بلفظ الطلاق وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد وهو اختيار شيخنا . قال وهذا ظاهر كلام أحمد وكلام ابن عباس وأصحابه . قال ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول ما أجازه المال فليس بطلاق .

                      قال عبد الله بن أحمد رأيت أبي كان يذهب إلى قول ابن عباس . وقال عمرو عن طاووس عن ابن عباس الخلع تفريق وليس بطلاق وقال ابن جريج عن ابن طاووس كان أبي لا يرى الفداء طلاقا ويخيره .

                      ومن اعتبر الألفاظ ووقف معها واعتبرها في أحكام العقود جعله بلفظ الطلاق طلاقا وقواعد الفقه وأصوله تشهد أن المرعي في العقود حقائقها ومعانيها لا صورها وألفاظها وبالله التوفيق .

                      ومما يدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ثابت بن قيس أن يطلق امرأته في الخلع تطليقة ومع هذا أمرها أن تعتد بحيضة وهذا صريح في أنه فسخ ولو وقع بلفظ الطلاق .

                      وأيضا فإنه سبحانه علق عليه أحكام الفدية بكونه فدية ومعلوم أن الفدية لا تختص بلفظ ولم يعين الله سبحانه لها لفظا معينا وطلاق الفداء طلاق مقيد ولا يدخل تحت أحكام الطلاق المطلق كما لا يدخل تحتها في ثبوت الرجعة والاعتداد بثلاثة قروء بالسنة الثابتة وبالله التوفيق .



                      ذكر أحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطلاق
                      ذكر حكمه صلى الله عليه وسلم في طلاق الهازل وزائل العقل والمكره والتطليق في نفسه
                      في " السنن " : من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة . وفيها : عنه من حديث ابن عباس " : إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه . وفيها : عنه صلى الله عليه وسلم لا طلاق ولا عتاق في إغلاق . وصح عنه أنه قال للمقر بالزنى : أبك جنون ؟ . وثبت عنه أنه أمر به أن يستنكه .

                      وذكر البخاري في " صحيحه " : عن علي أنه قال لعمر ألم تعلم أن القلم رفع عن ثلاث عن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يدرك وعن النائم حتى يستيقظ . وفي " الصحيح " عنه صلى الله عليه وسلم إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل به .



                      [ النية والقصد عفو غير لازم إن لم ينطق بها اللسان ]

                      فتضمنت هذه السنن أن ما لم ينطق به اللسان من طلاق أو عتاق أو يمين أو نذر ونحو ذلك عفو غير لازم بالنية والقصد وهذا قول الجمهور وفي المسألة قولان آخران .

                      أحدهما : التوقف فيها قال عبد الرزاق عن معمر سئل ابن سيرين عمن طلق في نفسه فقال أليس قد علم الله ما في نفسك ؟ قال بلى قال فلا أقول فيها شيئا .

                      والثاني : وقوعه إذا جزم عليه وهذا رواية أشهب عن مالك وروي عن الزهري وحجة هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات وأن من كفر في نفسه فهو كفر وقوله تعالى : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله [ البقرة 248 ] وأن المصر على المعصية فاسق مؤاخذ وإن لم يفعلها وبأن أعمال القلوب في الثواب والعقاب كأعمال الجوارح ولهذا يثاب على الحب والبغض والموالاة والمعاداة في الله وعلى التوكل والرضى والعزم على الطاعة ويعاقب على الكبر والحسد والعجب والشك والرياء وظن السوء بالأبرياء .

                      ولا حجة في شيء من هذا على وقوع الطلاق والعتاق بمجرد النية من غير تلفظ أما حديث الأعمال بالنيات فهو حجة عليهم لأنه أخبر فيه أن العمل مع النية هو المعتبر لا النية وحدها وأما من اعتقد الكفر بقلبه أو شك فهو كافر لزوال الإيمان الذي هو عقد القلب مع الإقرار فإذا زال العقد الجازم كان نفس زواله كفرا فإن الإيمان أمر وجودي ثابت قائم بالقلب فما لم يقم بالقلب حصل ضده وهو الكفر وهذا كالعلم والجهل إذا فقد العلم حصل الجهل وكذلك كل نقيضين زال أحدهما خلفه الآخر .

                      وأما الآية فليس فيها أن المحاسبة بما يخفيه العبد إلزامه بأحكامه بالشرع وإنما فيها محاسبته بما يبديه أو يخفيه ثم هو مغفور له أو معذب فأين هذا من وقوع الطلاق بالنية . وأما أن المصر على المعصية فاسق مؤاخذ فهذا إنما هو فيمن عمل المعصية ثم أصر عليها فهنا عمل اتصل به العزم على معاودته فهذا هو المصر وأما من عزم على المعصية ولم يعملها فهو بين أمرين إما أن لا تكتب عليه وإما أن تكتب له حسنة إذا تركها لله عز وجل . وإما الثواب والعقاب على أعمال القلوب فحق والقرآن والسنة مملوءان به ولكن وقوع الطلاق والعتاق بالنية من غير تلفظ أمر خارج عن الثواب والعقاب ولا تلازم بين الأمرين فإن ما يعاقب عليه من أعمال القلوب هو معاص قلبية يستحق العقوبة عليها كما يستحقه على المعاصي البدنية إذ هي منافية لعبودية القلب فإن الكبر والعجب والرياء وظن السوء محرمات على القلب وهي أمور اختيارية يمكن اجتنابها فيستحق العقوبة على فعلها وهي أسماء لمعان مسمياتها قائمة بالقلب .

                      وأما العتاق والطلاق فاسمان لمسميين قائمين باللسان أو ما ناب عنه من إشارة أو كتابة وليسا اسمين لما في القلب مجردا عن النطق .




                      [ كلام الهازل بالطلاق والنكاح والرجعة معتبر ]
                      وتضمنت أن المكلف إذا هزل بالطلاق أو النكاح أو الرجعة لزمه ما هزل به فدل ذلك على أن كلام الهازل معتبر وإن لم يعتبر كلام النائم والناسي وزائل العقل والمكره والفرق بينهما أن الهازل قاصد للفظ غير مريد لحكمه وذلك ليس إليه فإنما إلى المكلف الأسباب وأما ترتب مسبباتها وأحكامها فهو إلى الشارع قصده المكلف أو لم يقصده والعبرة بقصده السبب اختيارا في حال عقله وتكليفه فإذا قصده رتب الشارع عليه حكمه جد به أو هزل وهذا بخلاف النائم والمبرسم والمجنون والسكران وزائل العقل فإنهم ليس لهم قصد صحيح وليسوا مكلفين فألفاظهم لغو بمنزلة ألفاظ الطفل الذي لا يعقل معناها ولا يقصده .

                      وسر المسألة الفرق بين من قصد اللفظ وهو عالم به ولم يرد حكمه وبين من لم يقصد اللفظ ولم يعلم معناه فالمراتب التي اعتبرها الشارع أربعة

                      إحداها : أن لا يقصد الحكم ولا يتلفظ به .

                      الثانية . أن لا يقصد اللفظ ولا حكمه .

                      الثالثة أن يقصد اللفظ دون حكمه .



                      [ ما يباح للمكره وما لا يباح ]

                      الرابعة أن يقصد اللفظ والحكم فالأوليان لغو والآخرتان معتبرتان . هذا الذي استفيد من مجموع نصوصه وأحكامه وعلى هذا فكلام المكره كله لغو لا عبرة به وقد دل القرآن على أن من أكره على التكلم بكلمة الكفر لا يكفر ومن أكره على الإسلام لا يصير به مسلما ودلت السنة على أن الله سبحانه تجاوز عن المكره فلم يؤاخذه بما أكره عليه وهذا يراد به كلامه قطعا وأما أفعاله ففيها تفصيل فما أبيح منها بالإكراه فهو متجاوز عنه كالأكل في نهار رمضان والعمل في الصلاة ولبس المخيط في الإحرام ونحو ذلك وما لا يباح بالإكراه فهو مؤاخذ به كقتل المعصوم وإتلاف ماله وما اختلف فيه كشرب الخمر والزنى والسرقة هل يحد به أو لا ؟ فالاختلاف هل يباح ذلك بالإكراه أو لا ؟ فمن لم يبحه حده به ومن أباحه بالإكراه لم يحده وفيه قولان للعلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد .

                      [ عدم وقوع الطلاق بلفظ لم يقصد به الطلاق ]
                      والفرق بين الأقوال والأفعال في الإكراه أن الأفعال إذا وقعت لم ترتفع مفسدتها بل مفسدتها معها بخلاف الأقوال فإنها يمكن إلغاؤها . وجعلها بمنزلة أقوال النائم والمجنون فمفسدة الفعل الذي لا يباح بالإكراه ثابتة بخلاف مفسدة القول فإنها إنما تثبت إذا كان قائله عالما به مختارا له . وقد روى وكيع عن ابن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن خيثمة عن عبد الرحمن قال قالت امرأة لزوجها : سمني فسماها الظبية فقالت ما قلت شيئا قال فهات ما أسميك به قالت سمني خلية طالقا قال أنت خلية طالق فأتت عمر بن الخطاب فقالت إن زوجي طلقني فجاء زوجها فقص عليه القصة فأوجع عمر رأسها وقال لزوجها : خذ بيدها وأوجع رأسها

                      فهذا الحكم من أمير المؤمنين بعدم الوقوع لما لم يقصد الزوج اللفظ الذي يقع به الطلاق بل قصد لفظا لا يريد به الطلاق فهو كما لو قال لأمته أو غلامه إنها حرة وأراد أنها ليست بفاجرة أو قال لامرأته أنت مسرحة أو سرحتك ومراده تسريح الشعر ونحو ذلك فهذا لا يقع عتقه ولا طلاقه بينه وبين الله تعالى وإن قامت قرينة أو تصادقا في الحكم لم يقع به .



                      [الحلف بالطلاق ]
                      فإن قيل فهذا من أي الأقسام ؟ فإنكم جعلتم المراتب أربعة ومعلوم أن هذا ليس بمكره ولا زائل العقل ولا هازل ولا قاصد لحكم اللفظ ؟ قيل هذا متكلم باللفظ مريد به أحد معنييه فلزم حكم ما أراده بلفظه دون ما لم يرده فلا يلزم بما لم يرده باللفظ إذا كان صالحا لما أراده وقد استحلف النبي صلى الله عليه وسلم ركانة لما طلق امرأته البتة فقال ما أردت ؟ قال واحدة قال آلله قال آلله قال هو ما أردت فقبل منه نيته في اللفظ المحتمل . وقد قال مالك : إذا قال أنت طالق البتة وهو يريد أن يحلف على شيء ثم بدا له فترك اليمين فليست طالقا لأنه لم يرد أن يطلقها وبهذا أفتى الليث بن سعد والإمام أحمد حتى إن أحمد في رواية عنه يقبل منه ذلك في الحكم .

                      وهذه المسألة لها ثلاث صور

                      إحداها : أن يرجع عن يمينه ولم يكن التنجيز مراده فهذه لا تطلق عليه في الحال ولا يكون حالفا .

                      الثانية أن يكون مقصوده اليمين لا التنجيز فيقول أنت طالق ومقصوده إن كلمت زيدا .

                      الثالثة أن يكون مقصوده اليمين من أول كلامه ثم يرجع عن اليمين في أثناء الكلام ويجعل الطلاق منجزا فهذا لا يقع به لأنه لم ينو به الإيقاع وإنما نوى به التعليق فكان قاصرا عن وقوع المنجز فإذا نوى التنجيز بعد ذلك لم يكن قد أتى في التنجيز بغير النية المجردة وهذا قول أصحاب أحمد . وقد قال تعالى : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم [ البقرة 225 ]

                      [ اللغو في اليمين ]

                      واللغو نوعان أحدهما : أن يحلف على الشيء يظنه كما حلف عليه فيتبين بخلافه . والثاني : أن تجري اليمين على لسانه من غير قصد للحلف كلا والله وبلى والله في أثناء كلامه وكلاهما رفع الله المؤاخذة به لعدم قصد الحالف إلى عقد اليمين وحقيقتها وهذا تشريع منه سبحانه لعباده ألا يرتبوا الأحكام على الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها حقائقها ومعانيها وهذا غير الهازل حقيقة وحكما .




                      [ لا يقع طلاق المكره وإقراره ]
                      وقد أفتى الصحابة بعدم وقوع طلاق المكره وإقراره فصح عن عمر أنه قال ليس الرجل بأمين على نفسه إذا أوجعته أو ضربته أو أوثقته وصح عنه أن رجلا تدلى بحبل ليشتار عسلا فأتت امرأته فقالت لأقطعن الحبل أو لتطلقني فناشدها الله فأبت فطلقها فأتى عمر فذكر له ذلك فقال له ارجع إلى امرأتك فإن هذا ليس بطلاق . وكان علي لا يجيز طلاق المكره وقال ثابت الأعرج : سألت ابن عمر وابن الزبير عن طلاق المكره فقالا جميعا : ليس بشيء .

                      فإن قيل فما تصنعون بما رواه الغازي بن جبلة عن صفوان بن عمران الأصم عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا جلست امرأته على صدره وجعلت السكين على حلقه وقالت له طلقني أو لأذبحنك فناشدها فأبت فطلقها ثلاثا فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لا قيلولة في الطلاق رواه سعيد بن منصور في " سننه " .

                      وروى عطاء بن عجلان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله

                      وروى سعيد بن منصور : حدثنا فرج بن فضالة حدثني عمرو بن شراحيل المعافري أن امرأة استلت سيفا فوضعته على بطن زوجها وقالت والله لأنفذنك أو لتطلقني فطلقها ثلاثا فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فأمضى طلاقها . وقال علي كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه

                      قيل أما خبر الغازي بن جبلة ففيه ثلاث علل . إحداها : ضعف صفوان بن عمرو والثانية لين الغازي بن جبلة والثالثة تدليس بقية الراوي عنه ومثل هذا لا يحتج به . قال أبو محمد ابن حزم : وهذا خبر في غاية السقوط .

                      وأما حديث ابن عباس : كل الطلاق جائز فهو من رواية عطاء بن عجلان وضعفه مشهور وقد رمي بالكذب . قال أبو محمد ابن حزم : وهذا الخبر شر من الأول .

                      وأما أثر عمر فالصحيح عنه خلافه كما تقدم ولا يعلم معاصرة المعافري لعمر وفرج بن فضالة فيه ضعف .

                      وأما أثر علي فالذي رواه عنه الناس أنه كان لا يجيز طلاق المكره وروى عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان لا يجيز طلاق المكره . فإن صح عنه ما ذكرتم فهو عام مخصوص بهذا .




                      فصل [ طلاق السكران ]
                      وأما طلاق السكران فقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون [ النساء 43 ] فجعل سبحانه قول السكران غير معتبر لأنه لا يعلم ما يقول وصح عنه أنه أمر بالمقر بالزنى أن يستنكه ليعتبر قوله الذي أقر به أو يلغى .

                      وفي " صحيح البخاري " في قصة حمزة لما عقر بعيري علي فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فوقف عليه يلومه فصعد فيه النظر وصوبه وهو سكران ثم قال هل أنتم إلا عبيد لأبي فنكص النبي صلى الله عليه وسلم على عقبيه . وهذا القول لو قاله غير سكران لكان ردة وكفرا ولم يؤاخذ بذلك حمزة .

                      وصح عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال ليس لمجنون ولا سكران طلاق رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبان بن عثمان عن أبيه .

                      وقال عطاء طلاق السكران لا يجوز وقال ابن طاووس عن أبيه طلاق السكران لا يجوز وقال القاسم بن محمد : لا يجوز طلاقه .

                      وصح عن عمر بن عبد العزيز أنه أتي بسكران طلق فاستحلفه بالله الذي لا إله إلا هو لقد طلقها وهو لا يعقل فحلف فرد إليه امرأته وضربه الحد .

                      وهو مذهب يحيى بن سعيد الأنصاري وحميد بن عبد الرحمن وربيعة والليث بن سعد وعبد الله بن الحسن وإسحاق بن راهويه وأبي ثور والشافعي في أحد قوليه واختاره المزني وغيره من الشافعية ومذهب أحمد في إحدى الروايات عنه وهي التي استقر عليها مذهبه وصرح برجوعه إليها فقال في رواية أبي طالب الذي لا يأمر بالطلاق إنما أتى خصلة واحدة والذي يأمر بالطلاق فقد أتى خصلتين حرمها عليه وأحلها لغيره فهذا خير من هذا وأنا أتقي جميعا . وقال في رواية الميموني : قد كنت أقول إن طلاق السكران يجوز حتى تبينته فغلب علي أنه لا يجوز طلاقه لأنه لو أقر لم يلزمه ولو باع لم يجز بيعه قال وألزمه الجناية وما كان من غير ذلك فلا يلزمه . قال أبو بكر عبد العزيز وبهذا أقول وهذا مذهب أهل الظاهر كلهم واختاره من الحنفية أبو جعفر الطحاوي وأبو الحسن الكرخي .




                      [ حجج من أوقع طلاق السكران ]
                      والذين أوقعوه لهم سبعة مآخذ

                      أحدها : أنه مكلف ولهذا يؤاخذ بجناياته .

                      والثاني : أن إيقاع الطلاق عقوبة له .

                      والثالث أن ترتب الطلاق على التطليق من باب ربط الأحكام بأسبابها فلا يؤثر فيه السكر .

                      والرابع أن الصحابة أقاموه مقام الصاحي في كلامه فإنهم قالوا : إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد المفتري ثمانون . والخامس حديث لا قيلولة في الطلاق وقد تقدم .

                      السادس حديث كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه وقد تقدم .

                      والسابع أن الصحابة أوقعوا عليه الطلاق فرواه أبو عبيد عن عمر ومعاوية ورواه غيره عن ابن عباس . قال أبو عبيد : حدثنا يزيد بن هارون عن جرير بن حازم عن الزبير بن الحارث عن أبي لبيد أن رجلا طلق امرأته وهو سكران فرفع إلى عمر بن الخطاب وشهد عليه أربع نسوة ففرق عمر بينهما .

                      قال وحدثنا ابن أبي مريم عن نافع بن يزيد عن جعفر بن ربيعة عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن معاوية أجاز طلاق السكران . هذا جميع ما احتجوا به وليس في شيء منه حجة أصلا .




                      [ الرد على حجج من أوقع طلاق السكران ]
                      فأما المأخذ الأول وهو أنه مكلف فباطل إذ الإجماع منعقد على أن شرط التكليف العقل ومن لا يعقل ما يقول فليس بمكلف .

                      وأيضا فلو كان مكلفا لوجب أن يقع طلاقه إذا كان مكرها على شربها أو غير عالم بأنها خمر وهم لا يقولون به .

                      وأما خطابه فيجب حمله على الذي يعقل الخطاب أو على الصاحي وأنه نهي عن السكر إذا أراد الصلاة وأما من لا يعقل فلا يؤمر ولا ينهى .

                      وأما إلزامه بجناياته فمحل نزاع لا محل وفاق فقال عثمان البتي : لا يلزمه عقد ولا بيع ولا حد إلا حد الخمر فقط وهذا إحدى الروايتين عن أحمد أنه كالمجنون في كل فعل يعتبر له العقل . والذين اعتبروا أفعاله دون أقواله فرقوا بفرقين أحدهما : أن إسقاط أفعاله ذريعة إلى تعطيل القصاص إذ كل من أراد قتل غيره أو الزنى أو السرقة أو الحراب سكر وفعل ذلك فيقام عليه الحد إذا أتى جرما واحدا فإذا تضاعف جرمه بالسكر كيف يسقط عنه الحد ؟ هذا مما تأباه قواعد الشريعة وأصولها وقال أحمد منكرا على من قال ذلك وبعض من يرى طلاق السكران ليس بجائز يزعم أن السكران لو جنى جناية أو أتى حدا أو ترك الصيام أو الصلاة كان بمنزلة المبرسم والمجنون هذا كلام سوء .

                      والفرق الثاني : أن إلغاء أقواله لا يتضمن مفسدة لأن القول المجرد من غير العاقل لا مفسدة فيه بخلاف الأفعال فإن مفاسدها لا يمكن إلغاؤها إذا وقعت فإلغاء أفعاله ضرر محض وفساد منتشر بخلاف أقواله فإن صح هذان الفرقان بطل الإلحاق وإن لم يصحا كانت التسوية بين أقواله وأفعاله متعينة .

                      وأما المأخذ الثاني - وهو أن إيقاع الطلاق به عقوبة له - ففي غاية الضعف فإن الحد يكفيه عقوبة وقد حصل رضى الله سبحانه من هذه العقوبة بالحد ولا عهد لنا في الشريعة بالعقوبة بالطلاق والتفريق بين الزوجين .

                      وأما المأخذ الثالث أن إيقاع الطلاق به من ربط الأحكام بالأسباب ففي غاية الفساد والسقوط فإن هذا يوجب إيقاع الطلاق ممن سكر مكرها أو جاهلا بأنها خمر وبالمجنون والمبرسم بل وبالنائم ثم يقال وهل ثبت لكم أن طلاق السكران سبب حتى يربط الحكم به وهل النزاع إلا في ذلك ؟ .

                      وأما المأخذ الرابع وهو أن الصحابة جعلوه كالصاحي في قولهم إذا شرب سكر وإذا سكر هذى . فهو خبر لا يصح البتة . قال أبو محمد ابن حزم وهو خبر مكذوب قد نزه الله عليا وعبد الرحمن بن عوف منه وفيه من المناقضة ما يدل على بطلانه فإن فيه إيجاب الحد على من هذى والهاذي لا حد عليه .

                      وأما المأخذ الخامس وهو حديث لا قيلولة في الطلاق فخبر لا يصح ولو صح لوجب حمله على طلاق مكلف يعقل دون من لا يعقل ولهذا لم يدخل فيه طلاق المجنون والمبرسم والصبي .

                      وأما المأخذ السادس وهو خبر كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه فمثله سواء لا يصح ولو صح لكان في المكلف وجواب ثالث أن السكران الذي لا يعقل إما معتوه وإما ملحق به وقد ادعت طائفة أنه معتوه . قالوا : المعتوه في اللغة الذي لا عقل له ولا يدري ما يتكلم به .

                      وأما المأخذ السابع وهو أن الصحابة أوقعوا عليه الطلاق فالصحابة مختلفون في ذلك فصح عن عثمان ما حكيناه عنه .

                      وأما أثر ابن عباس فلا يصح عنه لأنه من طريقين في أحدهما الحجاج بن أرطاة وفي الثانية إبراهيم بن أبي يحيى وأما ابن عمر ومعاوية فقد خالفهما عثمان بن عفان .



                      فصل [ طلاق الإغلاق ]
                      وأما طلاق الإغلاق فقد قال الإمام أحمد في رواية حنبل وحديث عائشة رضي الله عنها : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا طلاق ولا عتاق في إغلاق يعني الغضب هذا نص أحمد حكاه عنه الخلال وأبو بكر في " الشافي " و " زاد المسافر " . فهذا تفسير أحمد .

                      وقال أبو داود في " سننه " : أظنه الغضب وترجم عليه " باب الطلاق على غلط " . وفسره أبو عبيد وغيره بأنه الإكراه وفسره غيرهما : بالجنون وقيل هو نهي عن إيقاع الطلقات الثلاث دفعة واحدة فيغلق عليه الطلاق حتى لا يبقى منه شيء كغلق الرهن حكاه أبو عبيد الهروي .

                      قال شيخنا وحقيقة الإغلاق أن يغلق على الرجل قلبه فلا يقصد الكلام أو لا يعلم به كأنه انغلق عليه قصده وإرادته . قلت : قال أبو العباس المبرد : الغلق ضيق الصدر وقلة الصبر بحيث لا يجد مخلصا قال شيخنا : ويدخل في ذلك طلاق المكره والمجنون ومن زال عقله بسكر أو غضب وكل من لا قصد له ولا معرفة له بما قال .

                      والغضب على ثلاثة أقسام . أحدها : ما يزيل العقل فلا يشعر صاحبه بما قال وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع .

                      والثاني : ما يكون في مباديه بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصده فهذا يقع طلاقه .

                      الثالث أن يستحكم ويشتد به فلا يزيل عقله بالكلية ولكن يحول بينه وبين نيته بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال فهذا محل نظر وعدم الوقوع في هذه الحالة قوي متجه .



                      حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطلاق قبل النكاح
                      في " السنن " : من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا طلاق له فيما لا يملك قال الترمذي : هذا حديث حسن وهو أحسن شيء في هذا الباب وسألت محمد بن إسماعيل فقلت : أي شيء أصح في الطلاق قبل النكاح ؟ فقال حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .

                      وروى أبو داود : لا بيع إلا فيما يملك ولا وفاء نذر إلا فيما يملك وفي " سنن ابن ماجه " : عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا طلاق قبل النكاح ولا عتق قبل ملك

                      وقال وكيع : حدثنا ابن أبي ذئب عن محمد بن المنكدر وعطاء بن أبي رباح كلاهما عن جابر بن عبد الله يرفعه لا طلاق قبل نكاح

                      وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال سمعت عطاء يقول قال ابن عباس رضي الله عنه لا طلاق إلا من بعد نكاح

                      قال ابن جريج : بلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول إن طلق ما لم ينكح فهو جائز فقال ابن عباس : أخطأ في هذا إن الله تعالى يقول : إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن [ الأحزاب 49 ] ولم يقل إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن .

                      وذكر أبو عبيد : عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سئل عن رجل قال إن تزوجت فلانة فهي طالق فقال علي ليس طلاق إلا من بعد ملك

                      وثبت عنه رضي الله عنه أنه قال لا طلاق إلا من بعد نكاح وإن سماها وهذا قول عائشة وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأصحابهم وداود وأصحابه وجمهور أهل الحديث .

                      ومن حجة هذا القول أن القائل إن تزوجت فلانة فهي طالق مطلق لأجنبية وذلك محال فإنها حين الطلاق المعلق أجنبية والمتجدد هو نكاحها والنكاح لا يكون طلاقا فعلم أنها لو طلقت فإنما يكون ذلك استنادا إلى الطلاق المتقدم معلقا وهي إذ ذاك أجنبية وتجدد الصفة لا يجعله متكلما بالطلاق عند وجودها فإنه عند وجودها مختار للنكاح غير مريد للطلاق فلا يصح كما لو قال لأجنبية إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلت وهي زوجته لم تطلق بغير خلاف .




                      [ الفرق بين تعليق الطلاق وتعليق العتق ]
                      فإن قيل فما الفرق بين تعليق الطلاق وتعليق العتق ؟ فإنه لو قال إن ملكت فلانا فهو حر صح التعليق وعتق بالملك ؟ .

                      قيل في تعليق العتق قولان وهما روايتان عن أحمد كما عنه روايتان في تعليق الطلاق والصحيح من مذهبه الذي عليه أكثر نصوصه وعليه أصحابه صحة تعليق العتق دون الطلاق والفرق بينهما أن العتق له قوة وسراية ولا يعتمد نفوذ الملك فإنه ينفذ في ملك الغير ويصح أن يكون الملك سببا لزواله بالعتق عقلا وشرعا كما يزول ملكه بالعتق عن ذي رحمه المحرم بشرائه وكما لو اشترى عبدا ليعتقه في كفارة أو نذر أو اشتراه بشرط العتق وكل هذا يشرع فيه جعل الملك سببا للعتق فإنه قربة محبوبة لله تعالى فشرع الله سبحانه التوسل إليه بكل وسيلة مفضية إلى محبوبه وليس كذلك الطلاق فإنه بغيض إلى الله وهو أبغض الحلال إليه ولم يجعل ملك البضع بالنكاح سببا لإزالته البتة وفرق ثان أن تعليق العتق بالملك من باب نذر القرب والطاعات والتبرر كقوله لئن آتاني الله من فضله لأتصدقن بكذا وكذا فإذا وجد الشرط لزمه ما علقه به من الطاعة المقصودة فهذا لون وتعليق الطلاق على الملك لون آخر .

                      حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم
                      في تحريم طلاق الحائض والنفساء والموطوءة في طهرها
                      وتحريم إيقاع الثلاث جملة
                      في " الصحيحين " أن ابن عمر رضي الله عنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء يطلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء .

                      ولمسلم مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا .

                      وفي لفظ إن شاء طلقها طاهرا قبل أن يمس فذلك الطلاق للعدة كما أمره الله تعالى . وفي لفظ للبخاري مره فليراجعها ثم ليطلقها في قبل عدتها .

                      وفي لفظ لأحمد وأبي داود والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما : قال طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرها شيئا وقال إذا طهرت فليطلق أو ليمسك .

                      وقال ابن عمر رضي الله عنه قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن " [ الطلاق 1 ] .




                      [ أنواع الطلاق من حيث الحل والحرمة ]
                      فتضمن هذا الحكم أن الطلاق على أربعه أوجه وجهان حلال ووجهان حرام .

                      فالحلالان أن يطلق امرأته طاهرا من غير جماع أو يطلقها حاملا مستبينا حملها .

                      والحرامان أن يطلقها وهي حائض أو يطلقها في طهر جامعها فيه هذا في طلاق المدخول بها .

                      وأما من لم يدخل بها فيجوز طلاقها حائضا وطاهرا كما قال تعالى : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة [ البقرة 236 ] . وقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها [ الأحزاب 49 ] وقد دل على هذا قوله تعالى : فطلقوهن لعدتهن [ الطلاق ا ] وهذه لا عدة لها ونبه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء ولولا هاتان الآيتان اللتان فيهما إباحة الطلاق قبل الدخول لمنع من طلاق من لا عدة له عليها .

                      وفي " سنن النسائي " وغيره من حديث محمود بن لبيد قال أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان فقال أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم حتى قام رجل فقال يا رسول الله أفلا أقتله .

                      وفي " الصحيحين " : عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا سئل عن الطلاق قال أما أنت إن طلقت امرأتك مرة أو مرتين " فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك وعصيت الله فيما أمرك من طلاق امرأتك فتضمنت هذه النصوص أن المطلقة نوعان مدخول بها وغير مدخول بها وكلاهما لا يجوز تطليقها ثلاثا مجموعة ويجوز تطليق غير المدخول بها طاهرا وحائضا . وأما المدخول بها فإن كانت حائضا أو نفساء حرم طلاقها وإن كانت طاهرا فإن كانت مستبينة الحمل جاز طلاقها بعد الوطء وقبله وإن كانت حائلا لم يجز طلاقها بعد الوطء في طهر الإصابة ويجوز قبله . هذا الذي شرعه الله على لسان رسوله من الطلاق وأجمع المسلمون على وقوع الطلاق الذي أذن الله فيه وأباحه إذا كان من مكلف مختار عالم بمدلول اللفظ قاصد له .




                      [الاختلاف في وقوع المحرم من الطلاق ]
                      واختلفوا في وقوع المحرم من ذلك وفيه مسألتان .

                      المسألة الأولى : الطلاق في الحيض أو في الطهر الذي واقعها فيه .

                      المسألة الثانية في جمع الثلاث ونحن نذكر المسألتين تحريرا وتقريرا كما ذكرناهما تصويرا ونذكر حجج الفريقين ومنتهى أقدام الطائفتين مع العلم بأن المقلد المتعصب لا يترك من قلده ولو جاءته كل آية وأن طالب الدليل لا يأتم بسواه ولا يحكم إلا إياه ولكل من الناس مورد لا يتعداه وسبيل لا يتخطاه ولقد عذر من حمل ما انتهت إليه قواه وسعى إلى حيث انتهت إليه خطاه .

                      [هل يقع الطلاق في الحيض أو في الطهر الذي واقعها فيه ]

                      فأما المسألة الأولى فإن الخلاف في وقوع الطلاق المحرم لم يزل ثابتا بين السلف والخلف وقد وهم من ادعى الإجماع على وقوعه وقال بمبلغ علمه وخفي عليه من الخلاف ما اطلع عليه غيره وقد قال الإمام أحمد : من ادعى الإجماع فهو كاذب وما يدريه لعل الناس اختلفوا .

                      كيف والخلاف بين الناس في هذه المسألة معلوم الثبوت عن المتقدمين والمتأخرين ؟ قال محمد بن عبد السلام الخشني : حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال في رجل طلق امرأته وهي حائض . قال ابن عمر لا يعتد بذلك ذكره أبو محمد بن حزم في " المحلى " بإسناده إليه .

                      وقال عبد الرزاق في " مصنفه " : عن ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه أنه قال كان لا يرى طلاقا ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة وكان يقول وجه الطلاق أن يطلقها طاهرا من غير جماع وإذا استبان حملها

                      وقال الخشني حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا همام بن يحيى عن قتادة عن خلاس بن عمرو أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض قال لا يعتد بها قال أبو محمد بن حزم : والعجب من جرأة من ادعى الإجماع على خلاف هذا وهو لا يجد فيما يوافق قوله في إمضاء الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه كلمة عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم غير رواية عن ابن عمر قد عارضها ما هو أحسن منا عن ابن عمر وروايتين ساقطتين عن عثمان وزيد بن ثابت رضي الله عنهما . إحداهما : رويناها من طريق ابن وهب عن ابن سمعان عن رجل أخبره أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يقضي في المرأة التي يطلقها زوجها وهي حائض أنها لا تعتد بحيضتها تلك وتعتد بعدها بثلاثة قروء .

                      قلت : وابن سمعان هو عبد الله بن زياد بن سمعان الكذاب وقد رواه عن مجهول لا يعرف . قال أبو محمد : والأخرى من طريق عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن قيس بن سعد مولى أبي علقمة عن رجل سماه عن زيد بن ثابت أنه قال فيمن طلق امرأته وهي حائض يلزمه الطلاق وتعتد بثلاث حيض سوى تلك الحيضة

                      قال أبو محمد بل نحن أسعد بدعوى الإجماع ها هنا لو استجزنا ما يستجيزون ونعوذ بالله من ذلك وذلك أنه لا خلاف بين أحد من أهل العلم قاطبة ومن جملتهم جميع المخالفين لنا في ذلك أن الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه بدعة نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم مخالفة لأمره فإذا كان لا شك في هذا عندهم فكيف يستجيزون الحكم بتجويز البدعة التي يقرون أنها بدعة وضلالة أليس بحكم المشاهدة مجيز البدعة مخالفا لإجماع القائلين بأنها بدعة ؟ قال أبو محمد : وحتى لو لم يبلغنا الخلاف لكان القاطع على جميع أهل الإسلام بما لا يقين عنده ولا بلغه عن جميعهم كاذبا على جميعهم .



                      [أدلة المانعين من وقوع الطلاق المحرم ]
                      قال المانعون من وقوع الطلاق المحرم لا يزال النكاح المتيقن إلا بيقين مثله من كتاب أو سنة أو إجماع متيقن . فإذا أوجدتمونا واحدا من هذه الثلاثة رفعنا حكم النكاح لا سبيل إلى رفعه بغير ذلك . قالوا : وكيف والأدلة المتكاثرة تدل على عدم وقوعه فإن هذا الطلاق لم يشرعه الله تعالى البتة ولا أذن فيه فليس في شرعه فكيف يقال بنفوذه وصحته ؟ .

                      قالوا : وإنما يقع من الطلاق المحرم ما ملكه الله تعالى للمطلق ولهذا لا يقع به الرابعة لأنه لم يملكها إياه ومن المعلوم أنه لم يملكه الطلاق المحرم ولا أذن له فيه فلا يصح ولا يقع .

                      قالوا : ولو وكل وكيلا أن يطلق امرأته طلاقا جائزا فطلق طلاقا محرما لم يقع لأنه غير مأذون له فيه فكيف كان إذن المخلوق معتبرا في صحة إيقاع الطلاق دون إذن الشارع ومن المعلوم أن المكلف إنما يتصرف بالإذن فما لم يأذن به الله ورسوله لا يكون محلا للتصرف البتة .

                      قالوا : وأيضا فالشارع قد حجر على الزوج أن يطلق في حال الحيض أو بعد الوطء في الطهر فلو صح طلاقه لم يكن لحجر الشارع معنى وكان حجر القاضي على من منعه التصرف أقوى من حجر الشارع حيث يبطل التصرف بحجره .

                      قالوا : وبهذا أبطلنا البيع وقت النداء يوم الجمعة لأنه بيع حجر الشارع على بائعه هذا الوقت فلا يجوز تنفيذه وتصحيحه .

                      قالوا : ولأنه طلاق محرم منهي عنه فالنهي يقتضي فساد المنهي عنه فلو صححناه لكان لا فرق بين المنهي عنه والمأذون فيه من جهة الصحة والفساد . قالوا : وأيضا فالشارع إنما نهى عنه وحرمه لأنه يبغضه ولا يحب وقوعه بل وقوعه مكروه إليه فحرمه لئلا يقع ما يبغضه ويكرهه وفي تصحيحه وتنفيذه ضد هذا المقصود .

                      قالوا : وإذا كان النكاح المنهي عنه لا يصح لأجل النهي فما الفرق بينه وبين الطلاق وكيف أبطلتم ما نهى الله عنه من النكاح وصححتم ما حرمه ونهى عنه من الطلاق والنهي يقتضي البطلان في الموضعين ؟ .

                      قالوا : ويكفينا من هذا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم العام الذي لا تخصيص فيه برد ما خالف أمره وإبطاله وإلغاءه كما في " الصحيح " عنه من حديث عائشة رضي الله عنها : كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد وفي رواية من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد

                      وهذا صريح أن هذا الطلاق المحرم الذي ليس عليه أمره صلى الله عليه وسلم مردود باطل فكيف يقال إنه صحيح لازم نافذ ؟ فأين هذا من الحكم برده ؟ .

                      قالوا : وأيضا فإنه طلاق لم يشرعه الله أبدا وكان مردودا باطلا كطلاق الأجنبية ولا ينفعكم الفرق بأن الأجنبية ليست محلا للطلاق بخلاف الزوجة فإن هذه الزوجة ليست محلا للطلاق المحرم ولا هو مما ملكه الشارع إياه .

                      قالوا : وأيضا فإن الله سبحانه إنما أمر بالتسريح بإحسان ولا أشر من التسريح الذي حرمه الله ورسوله وموجب عقد النكاح أحد أمرين إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان والتسريح المحرم أمر ثالث غيرهما فلا عبرة به البتة .

                      قالوا : وقد قال الله تعالى : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم المبين عن الله مراده من كلامه أن الطلاق المشروع المأذون فيه هو الطلاق في زمن الطهر الذي لم يجامع فيه أو بعد استبانة الحمل وما عداهما فليس بطلاق للعدة في حق المدخول بها فلا يكون طلاقا فكيف تحرم المرأة به ؟ .

                      قالوا : وقد قال تعالى : الطلاق مرتان [ البقرة 269 ] ومعلوم أنه إنما أراد الطلاق المأذون فيه وهو الطلاق للعدة فدل على أن ما عداه ليس من الطلاق فإنه حصر الطلاق المشروع المأذون فيه الذي يملك به الرجعة في مرتين فلا يكون ما عداه طلاقا . قالوا : ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يقولون إنهم لا طاقة لهم بالفتوى في الطلاق المحرم كما روى ابن وهب عن جرير بن حازم عن الأعمش أن ابن مسعود رضي الله عنه قال من طلق كما أمره الله فقد بين الله له ومن خالف فإنا لا نطيق خلافه ولو وقع طلاق المخالف لم يكن الإفتاء به غير مطاق لهم ولم يكن للتفريق معنى إذ كان النوعان واقعين نافذين

                      وقال ابن مسعود رضي الله عنه أيضا : من أتى الأمر على وجهه فقد بين الله له وإلا فوالله ما لنا طاقة بكل ما تحدثون

                      وقال بعض الصحابة وقد سئل عن الطلاق الثلاث مجموعة من طلق كما أمر فقد بين له ومن لبس تركناه وتلبيسه

                      قالوا : ويكفي من ذلك كله ما رواه أبو داود بالسند الصحيح الثابت حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الرزاق حدثنا ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر قال أبو الزبير وأنا أسمع كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضا ؟ فقال طلق ابن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض قال عبد الله فردها علي ولم يرها شيئا وقال إذا طهرت فليطلق أو ليمسك قال ابن عمر وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن

                      قالوا : وهذا إسناد في غاية الصحة فإن أبا الزبير غير مرفوع عن الحفظ والثقة وإنما يخشى من تدليسه فإذا قال سمعت أو حدثني زال محذور التدليس وزالت العلة المتوهمة وأكثر أهل الحديث يحتجون به إذا قال " عن " ولم يصرح بالسماع ومسلم يصحح ذلك من حديثه فأما إذا صرح بالسماع فقد زال الإشكال وصح الحديث وقامت الحجة . قالوا : ولا نعلم في خبر أبي الزبير هذا ما يوجب رده وإنما رده من رده استبعادا واعتقادا أنه خلاف الأحاديث الصحيحة ونحن نحكي كلام من رده ونبين أنه ليس فيه ما يوجب الرد .

                      قال أبو داود : والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير .

                      وقال الشافعي : ونافع أثبت عن ابن عمر من أبي الزبير والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به إذا خالفه .

                      وقال الخطابي : حديث يونس بن جبير أثبت من هذا يعني قوله مره فليراجعها " وقوله " أرأيت إن عجز واستحمق " ؟ قال فمه

                      قال ابن عبد البر : وهذا لم ينقله عنه أحد غير أبي الزبير وقد رواه عنه جماعة أجلة فلم يقل ذلك أحد منهم وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله فكيف بخلاف من هو أثبت منه .

                      وقال بعض أهل الحديث لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا .

                      فهذا جملة ما رد به خبر أبي الزبير وهو عند التأمل لا يوجب رده ولا بطلانه .

                      [الرد على من ضعف حديث أبي الزبير ]

                      أما قول أبي داود الأحاديث كلها على خلافه فليس بأيديكم سوى تقليد أبي داود وأنتم لا ترضون ذلك وتزعمون أن الحجة من جانبكم فدعوا التقليد وأخبرونا أين في الأحاديث الصحيحة ما يخالف حديث أبي الزبير ؟ فهل فيها حديث واحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتسب عليه تلك الطلقة وأمره أن يعتد بها فإن كان ذلك فنعم والله هذا خلاف صريح لحديث أبي الزبير ولا تجدون إلى ذلك سبيلا وغاية ما بأيديكم مره فليراجعها والرجعة تستلزم وقوع الطلاق .

                      وقول ابن عمر . وقد سئل أتعتد بتلك التطليقة ؟ فقال " أرأيت إن عجز واستحمق " وقول نافع أو من دونه " فحسبت من طلاقها وليس وراء ذلك حرف واحد يدل على وقوعها والاعتداد بها ولا ريب في صحة هذه الألفاظ ولا مطعن فيها وإنما الشأن كل الشأن في معارضتها لقوله فردها علي ولم يرها شيئا وتقديمها عليه ومعارضتها لتلك الأدلة المتقدمة التي سقناها وعند الموازنة يظهر التفاوت وعدم المقاومة ونحن نذكر ما في كلمة كلمة منها .



                      [معنى المراجعة في كلام الله ورسوله ]
                      أما قوله مره فليراجعها فالمراجعة على ثلاث معان .

                      أحدها : ابتداء النكاح كقوله تعالى : فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله [ البقرة 230 ] ولا خلاف بين أحد من أهل العلم بالقرآن أن المطلق ها هنا : هو الزوج الثاني وأن التراجع بينها وبين الزوج الأول وذلك نكاح مبتدأ .

                      وثانيهما : الرد الحسي إلى الحالة التي كان عليها أولا كقوله لأبي النعمان بن بشير لما نحل ابنه غلاما خصه به دون ولده رده فهذا رد ما لم تصح فيه الهبة الجائزة التي سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جورا وأخبر أنها لا تصلح وأنها خلاف العدل كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى .

                      ومن هذا قوله لمن فرق بين جارية وولدها في البيع فنهاه عن ذلك ورد البيع وليس هذا الرد مستلزما لصحة البيع فإنه بيع باطل بل هو رد شيئين إلى حالة اجتماعهما كما كانا وهكذا الأمر بمراجعة ابن عمر امرأته ارتجاع ورد إلى حالة الاجتماع كما كانا قبل الطلاق وليس في ذلك ما يقتضي وقوع الطلاق في الحيض البتة .

                      وأما قوله أرأيت إن عجز واستحمق فيا سبحان الله أين البيان في هذا اللفظ بأن تلك الطلقة حسبها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والأحكام لا تؤخذ بمثل هذا ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حسبها عليه واعتد عليه بها لم يعدل عن الجواب بفعله وشرعه إلى : أرأيت وكان ابن عمر أكره ما إليه " أرأيت " فكيف يعدل للسائل عن صريح السنة إلى لفظة " أرأيت " الدالة على نوع من الرأي سببه عجز المطلق وحمقه عن إيقاع الطلاق على الوجه الذي أذن الله له فيه والأظهر فيما هذه صفته أنه لا يعتد به وأنه ساقط من فعل فاعله لأنه ليس في دين الله تعالى حكم نافذ سببه العجز والحمق عن امتثال الأمر إلا أن يكون فعلا لا يمكن رده بخلاف العقود المحرمة التي من عقدها على الوجه المحرم فقد عجز واستحمق وحينئذ فيقال هذا أدل على الرد منه على الصحة واللزوم فإنه عقد عاجز أحمق على خلاف أمر الله ورسوله فيكون مردودا باطلا فهذا الرأي والقياس أدل على بطلان طلاق من عجز واستحمق منه على صحته واعتباره .

                      وأما قوله فحسبت من طلاقها . ففعل مبني لما لم يسم فاعله فإذا سمي فاعله ظهر وتبين هل في حسبانه حجة أو لا ؟ وليس في حسبان الفاعل المجهول دليل البتة . وسواء كان القائل " فحسبت " ابن عمر أو نافعا أو من دونه وليس فيه بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي حسبها حتى تلزم الحجة به وتحرم مخالفته فقد تبين أن سائر الأحاديث لا تخالف حديث أبي الزبير وأنه صريح في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرها شيئا وسائر الأحاديث مجملة لا بيان فيها .




                      [رد الموقعين للطلاق على المانعين ]

                      قال الموقعون لقد ارتقيتم أيها المانعون مرتقى صعبا وأبطلتم أكثر طلاق المطلقين فإن غالبه طلاق بدعي وجاهرتم بخلاف الأئمة ولم تتحاشوا خلاف الجمهور وشذذتم بهذا القول الذي أفتى جمهور الصحابة ومن بعدهم بخلافه والقرآن والسنن تدل على بطلانه . قال تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره وهذا يعم كل طلاق وكذلك قوله والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [ البقرة 228 ] ولم يفرق وكذلك قوله تعالى : الطلاق مرتان وقوله وللمطلقات متاع [ البقرة 241 ] وهذه مطلقة وهي عمومات لا يجوز تخصيصها إلا بنص أو إجماع .

                      قالوا : وحديث ابن عمر دليل على وقوع الطلاق المحرم من وجوه . أحدها : الأمر بالمراجعة وهي لم شعث النكاح وإنما شعثه وقوع الطلاق .

                      الثاني : قول ابن عمر فراجعتها وحسبت لها التطليقة التي طلقها وكيف يظن بابن عمر أنه يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحسبها من طلاقها ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرها شيئا .

                      الثالث قول ابن عمر لما قيل له أيحتسب بتلك التطليقة ؟ قال أرأيت إن عجز واستحمق أي عجزه وحمقه لا يكون عذرا له في عدم احتسابه بها .

                      الرابع أن ابن عمر قال وما يمنعني أن أعتد بها وهذا إنكار منه لعدم الاعتداد بها وهذا يبطل تلك اللفظة التي رواها عنه أبو الزبير إذ كيف يقول ابن عمر : وما يمنعني أن أعتد بها ؟ وهو يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ردها عليه ولم يرها شيئا .

                      الخامس أن مذهب ابن عمر الاعتداد بالطلاق في الحيض وهو صاحب القصة وأعلم الناس بها وأشدهم اتباعا للسنن وتحرجا من مخالفتها . قالوا : وقد روى ابن وهب في " جامعه " حدثنا ابن أبي ذئب أن نافعا أخبرهم عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال " مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء وهي واحدة هذا لفظ حديثه .

                      قالوا : وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال أرسلنا إلى نافع وهو يترجل في دار الندوة ذاهبا إلى المدينة ونحن مع عطاء هل حسبت تطليقة عبد الله بن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال نعم

                      قالوا : وروى حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من طلق في بدعة ألزمناه بدعته رواه عبد الباقي بن قانع عن زكريا الساجي حدثنا إسماعيل بن أمية الذارع حدثنا حماد فذكره .

                      قالوا : وقد تقدم مذهب عثمان بن عفان وزيد بن ثابت في فتواهما بالوقوع .

                      قالوا : وتحريمه لا يمنع ترتب أثره وحكمه عليه كالظهار فإنه منكر من القول وزور وهو محرم بلا شك وترتب أثره عليه وهو تحريم الزوجة إلى أن يكفر فهكذا الطلاق البدعي محرم ويترتب عليه أثره إلى أن يراجع ولا فرق بينهما .

                      قالوا : وهذا ابن عمر يقول للمطلق ثلاثا : حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك فأوقع عليه الطلاق الذي عصى به المطلق ربه عز وجل .

                      قالوا : وكذلك القذف محرم وترتب عليه أثره من الحد ورد الشهادة وغيرهما .

                      قالوا : والفرق بين النكاح المحرم والطلاق المحرم أن النكاح عقد يتضمن حل الزوجة وملك بضعها فلا يكون إلا على الوجه المأذون فيه شرعا فإن الأبضاع في الأصل على التحريم ولا يباح منها إلا ما أباحه الشارع بخلاف الطلاق فإنه إسقاط لحقه وإزالة لملكه وذلك لا يتوقف على كون السبب المزيل مأذونا فيه شرعا كما يزول ملكه عن العين بالإتلاف المحرم وبالإقرار الكاذب وبالتبرع المحرم كهبتها لمن يعلم أنه يستعين بها على المعاصي والآثام .

                      قالوا : والإيمان أصل العقود وأجلها وأشرفها يزول بالكلام المحرم إذا كان كفرا فكيف لا يزول عقد النكاح بالطلاق المحرم الذي وضع لإزالته .

                      قالوا : ولو لم يكن معنا في المسألة إلا طلاق الهازل فإنه يقع مع تحريمه لأنه لا يحل له الهزل بآيات الله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ما بال أقوام يتخذون آيات الله هزوا : طلقتك راجعتك طلقتك راجعتك فإذا وقع طلاق الهازل مع تحريمه فطلاق الجاد أولى أن يقع مع تحريمه .

                      قالوا : وفرق آخر بين النكاح المحرم والطلاق المحرم أن النكاح نعمة فلا تستباح بالمحرمات وإزالته وخروج البضع عن ملكه نقمة فيجوز أن يكون سببها محرما .

                      قالوا : وأيضا فإن الفروج يحتاط لها والاحتياط يقتضي وقوع الطلاق وتجديد الرجعة والعقد .

                      قالوا : وقد عهدنا النكاح لا يدخل فيه إلا بالتشديد والتأكيد من الإيجاب والقبول والولي والشاهدين ورضى الزوجة المعتبر رضاها ويخرج منه بأيسر شيء فلا يحتاج الخروج منه إلى شيء من ذلك بل يدخل فيه بالعزيمة ويخرج منه بالشبهة فأين أحدهما من الآخر حتى يقاس عليه .

                      قالوا : ولو لم يكن بأيدينا إلا قول حملة الشرع كلهم قديما وحديثا : طلق امرأته وهي حائض والطلاق نوعان طلاق سنة وطلاق بدعة وقول ابن عباس رضي الله عنه الطلاق على أربعة أوجه : وجهان حلال ووجهان حرام فهذا الإطلاق والتقسيم دليل على أنه عندهم طلاق حقيقة وشمول اسم الطلاق له كشموله للطلاق الحلال ولو كان لفظا مجردا لغوا لم يكن له حقيقة ولا قيل طلق امرأته فإن هذا اللفظ إذا كان لغوا كان وجوده كعدمه ومثل هذا لا يقال فيه طلق ولا يقسم الطلاق - وهو غير واقع - إليه وإلى الواقع فإن الألفاظ اللاغية التي ليس لها معان ثابتة لا تكون هي ومعانيها قسما من الحقيقة الثابتة لفظا فهذا أقصى ما تمسك به الموقعون وربما ادعى بعضهم الإجماع لعدم علمه بالنزاع .



                      [رد المانعين على الموقعين ]

                      قال المانعون من الوقوع الكلام معكم في ثلاث مقامات بها يستبين الحق في المسألة .

                      المقام الأول بطلان ما زعمتم من الإجماع وأنه لا سبيل لكم إلى إثباته البتة بل العلم بانتفائه معلوم .

                      المقام الثاني أن فتوى الجمهور بالقول لا يدل على صحته وقول الجمهور ليس بحجة .

                      المقام الثالث أن الطلاق المحرم لا يدخل تحت نصوص الطلاق المطلقة التي رتب الشارع عليها أحكام الطلاق فإن ثبتت لنا هذه المقامات الثلاث كنا أسعد بالصواب منكم في المسألة .

                      فنقول أما المقام الأول فقد تقدم من حكاية النزاع ما يعلم معه بطلان دعوى الإجماع كيف ولو لم يعلم ذلك لم يكن لكم سبيل إلى إثبات الإجماع الذي تقوم به الحجة وتنقطع معه المعذرة وتحرم معه المخالفة فإن الإجماع الذي يوجب ذلك هو الإجماع القطعي المعلوم .

                      وأما المقام الثاني : وهو أن الجمهور على هذا القول فأوجدونا في الأدلة الشرعية أن قول الجمهور حجة مضافة إلى كتاب الله وسنة رسوله وإجماع أمته .

                      ومن تأمل مذاهب العلماء قديما وحديثا من عهد الصحابة وإلى الآن واستقرأ أحوالهم وجدهم مجمعين على تسويغ خلاف الجمهور ووجد لكل منهم أقوالا عديدة انفرد بها عن الجمهور ولا يستثنى من ذلك أحد قط ولكن مستقل ومستكثر فمن شئتم سميتموه من الأئمة تتبعوا ما له من الأقوال التي خالف فيها الجمهور ولو تتبعنا ذلك وعددناه لطال الكتاب به جدا ونحن نحيلكم على الكتب المتضمنة لمذاهب العلماء واختلافهم ومن له معرفة بمذاهبهم وطرائقهم يأخذ إجماعهم على ذلك من اختلافهم ولكن هذا في المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد ولا تدفعها السنة الصحيحة الصريحة وأما ما كان هذا سبيله فإنهم كالمتفقين على إنكاره ورده وهذا هو المعلوم من مذاهبهم في الموضعين .

                      وأما المقام الثالث وهو دعواكم دخول الطلاق المحرم تحت نصوص الطلاق وشمولها للنوعين إلى آخر كلامكم فنسألكم ما تقولون فيمن ادعى دخول أنواع البيع المحرم والنكاح المحرم تحت نصوص البيع والنكاح وقال شمول الاسم للصحيح من ذلك والفاسد سواء بل وكذلك سائر العقود المحرمة إذا ادعى دخولها تحت ألفاظ العقود الشرعية وكذلك العبادات المحرمة المنهي عنها إذا ادعى دخولها تحت الألفاظ الشرعية وحكم لها بالصحة لشمول الاسم لها هل تكون دعواه صحيحة أو باطلة ؟

                      فإن قلتم صحيحة ولا سبيل لكم إلى ذلك كان قولا معلوم الفساد بالضرورة من الدين وإن قلتم دعواه باطلة تركتم قولكم ورجعتم إلى ما قلناه وإن قلتم تقبل في موضع وترد في موضع قيل لكم ففرقوا بفرقان صحيح مطرد منعكس معكم به برهان من الله بين ما يدخل من العقود المحرمة تحت ألفاظ النصوص فيثبت له حكم الصحة وبين ما لا يدخل تحتها فيثبت له حكم البطلان وإن عجزتم عن ذلك فاعلموا أنه ليس بأيديكم سوى الدعوى التي يحسن كل أحد مقابلتها بمثلها أو الاعتماد على من يحتج لقوله لا بقوله وإذا كشف الغطاء عما قررتموه في هذه الطريق وجد عين محل النزاع فقد جعلتموه مقدمة في الدليل وذلك عين المصادرة على المطلوب فهل وقع النزاع إلا في دخول الطلاق المحرم المنهي عنه تحت قوله وللمطلقات متاع وتحت قوله والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وأمثال ذلك وهل سلم لكم منازعوكم قط ذلك حتى تجعلوه مقدمة لدليلكم ؟ .

                      قالوا : وأما استدلالكم بحديث ابن عمر فهو إلى أن يكون حجة عليكم أقرب منه إلى أن يكون حجة لكم من وجوه

                      أحدها : صريح قوله فردها علي ولم يرها شيئا وقد تقدم بيان صحته . قالوا : فهذا الصريح الصحيح ليس بأيديكم ما يقاومه في الموضعين بل جميع تلك الألفاظ إما صحيحة غير صريحة وإما صريحة غير صحيحة كما ستقفون عليه .

                      الثاني : أنه قد صح عن ابن عمر رضي الله عنه بإسناد كالشمس من رواية عبيد الله عن نافع عنه في الرجل يطلق امرأته وهي حائض قال لا يعتد بذلك وقد تقدم .

                      الثالث أنه لو كان صريحا في الاعتداد به لما عدل به إلى مجرد الرأي . وقوله للسائل أرأيت ؟

                      الرابع أن الألفاظ قد اضطربت عن ابن عمر في ذلك اضطرابا شديدا وكلها صحيحة عنه وهذا يدل على أنه لم يكن عنده نص صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقوع تلك الطلقة والاعتداد بها وإذا تعارضت تلك الألفاظ نظرنا إلى مذهب ابن عمر وفتواه فوجدناه صريحا في عدم الوقوع ووجدنا أحد ألفاظ حديثه صريحا في ذلك فقد اجتمع صريح روايته وفتواه على عدم الاعتداد وخالف في ذلك ألفاظ مجملة مضطربة كما تقدم بيانه .

                      وأما قول ابن عمر رضي الله عنه وما لي لا أعتد بها وقوله أرأيت إن عجز واستحمق فغاية هذا أن يكون رواية صريحة عنه بالوقوع ويكون عنه روايتان .

                      وقولكم . كيف يفتي بالوقوع وهو يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ردها عليه ولم يعتد عليه بها ؟ فليس هذا بأول حديث خالفه راويه وله بغيره من الأحاديث التي خالفها راويها أسوة حسنة في تقديم رواية الصحابي ومن بعده على رأيه .

                      وقد روى ابن عباس حديث بريرة وأن بيع الأمة ليس بطلاقها وأفتى بخلافه فأخذ الناس بروايته وتركوا رأيه وهذا هو الصواب فإن الرواية معصومة عن معصوم والرأي بخلافها كيف وأصرح الروايتين عنه موافقته لما رواه من عدم الوقوع على أن في هذا فقها دقيقا إنما يعرفه من له غور على أقوال الصحابة ومذاهبهم وفهمهم عن الله ورسوله واحتياطهم للأمة ولعلك تراه قريبا عند الكلام على حكمه صلى الله عليه وسلم في إيقاع الطلاق الثلاث جملة .




                      وأما قوله في حديث ابن وهب عن ابن أبي ذئب في آخره وهي واحدة فلعمر الله لو كانت هذه اللفظة من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قدمنا عليها شيئا ولصرنا إليها بأول وهلة ولكن لا ندري أقالها ابن وهب من عنده أم ابن أبي ذئب أم نافع فلا يجوز أن يضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يتيقن أنه من كلامه ويشهد به عليه وترتب عليه الأحكام ويقال هذا من عند الله بالوهم والاحتمال والظاهر أنها من قول من دون ابن عمر رضي الله عنه ومراده بها أن ابن عمر إنما طلقها طلقة واحدة ولم يكن ذلك منه ثلاثا أي طلق ابن عمر رضي الله عنه امرأته واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره .

                      وأما حديث ابن جريج عن عطاء عن نافع أن تطليقة عبد الله حسبت عليه فهذا غايته أن يكون من كلام نافع ولا يعرف من الذي حسبها أهو عبد الله نفسه أو أبوه عمر أو رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ولا يجوز أن يشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوهم والحسبان وكيف يعارض صريح قوله ولم يرها شيئا بهذا المجمل ؟ والله يشهد - وكفى بالله شهيدا - أنا لو تيقنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي حسبها عليه لم نتعد ذلك ولم نذهب إلى سواه .

                      وأما حديث أنس من طلق في بدعة ألزمناه بدعته فحديث باطل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نشهد بالله أنه حديث باطل عليه ولم يروه أحد من الثقات من أصحاب حماد بن زيد وإنما هو من حديث إسماعيل بن أمية الذارع الكذاب الذي يذرع ويفصل ثم الراوي له عنه عبد الباقي بن قانع وقد ضعفه البرقاني وغيره وكان قد اختلط في آخر عمره وقال الدارقطني : يخطئ كثيرا ومثل هذا إذا تفرد بحديث لم يكن حديثه حجة .

                      وأما إفتاء عثمان بن عفان وزيد بن ثابت رضي الله عنهما بالوقوع فلو صح ذلك ولا يصح أبدا فإن أثر عثمان فيه كذاب عن مجهول لا يعرف عينه ولا حاله فإنه من رواية ابن سمعان عن رجل وأثر زيد فيه مجهول عن مجهول قيس بن سعد عن رجل سماه عن زيد فيالله العجب أين هاتان الروايتان من رواية عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن عبيد الله حافظ الأمة عن نافع عن ابن عمر أنه قال لا يعتد بها . فلو كان هذا الأثر من قبلكم لصلتم به وجلتم .

                      وأما قولكم إن تحريمه لا يمنع ترتب أثره عليه كالظهار فيقال أولا : هذا قياس يدفعه ما ذكرناه من النص وسائر تلك الأدلة التي هي أرجح منه ثم يقال ثانيا : هذا معارض بمثله سواء معارضة القلب بأن يقال تحريمه يمنع ترتب أثره عليه كالنكاح ويقال ثالثا : ليس للظهار جهتان جهة حل وجهة حرمة بل كله حرام فإنه منكر من القول وزور فلا يمكن أن ينقسم إلى حلال جائز وحرام باطل بل هو بمنزلة القذف من الأجنبي والردة فإذا وجد لم يوجد إلا مع مفسدته فلا يتصور أن يقال منه حلال صحيح وحرام باطل بخلاف النكاح والطلاق والبيع فالظهار نظير الأفعال المحرمة التي إذا وقعت قارنتها مفاسدها فترتبت عليها أحكامها وإلحاق الطلاق بالنكاح والبيع والإجارة والعقود المنقسمة إلى حلال وحرام وصحيح وباطل أولى .

                      وأما قولكم إن النكاح عقد يملك به البضع والطلاق عقد يخرج به فنعم . من أين لكم برهان من الله ورسوله بالفرق بين العقدين في اعتبار حكم أحدهما والإلزام به وتنفيذه وإلغاء الآخر وإبطاله ؟ .

                      وأما زوال ملكه عن العين بالإتلاف المحرم فذلك ملك قد زال حسا ولم يبق له محل . وأما زواله بالإقرار الكاذب فأبعد . وأبعد فإنا صدقناه ظاهرا في إقراره وأزلنا ملكه بالإقرار المصدق فيه وإن كان كاذبا . وأما زوال الإيمان بالكلام الذي هو كفر فقد تقدم جوابه وأنه ليس في الكفر حلال وحرام .




                      وأما طلاق الهازل فإنما وقع لأنه صادف محلا وهو طهر لم يجامع فيه فنفذ وكونه هزل به إرادة منه أن لا يترتب أثره عليه وذلك ليس إليه بل إلى الشارع فهو قد أتى بالسبب التام وأراد ألا يكون سببه فلم ينفعه ذلك بخلاف من طلق في غير زمن الطلاق فإنه لم يأت بالسبب الذي نصبه الله سبحانه مفضيا إلى وقوع الطلاق وإنما أتى بسبب من عنده وجعله هو مفضيا إلى حكمه وذلك ليس إليه .

                      وأما قولكم إن النكاح نعمة فلا يكون سببه إلا طاعة بخلاف الطلاق فإنه من باب إزالة النعم فيجوز أن يكون سببه معصية فيقال قد يكون الطلاق من أكبر النعم التي يفك بها المطلق الغل من عنقه والقيد من رجله فليس كل طلاق نقمة بل من تمام نعمة الله على عباده أن مكنهم من المفارقة بالطلاق إذا أراد أحدهم استبدال زوج مكان زوج والتخلص ممن لا يحبها ولا يلائمها فلم ير للمتحابين مثل النكاح ولا للمتباغضين مثل الطلاق ثم كيف يكون نقمة والله تعالى يقول لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن [ البقرة 236 ] ويقول يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [ الطلاق 1 ] ؟ .

                      وأما قولكم إن الفروج يحتاط لها فنعم وهكذا قلنا سواء فإنا احتطنا وأبقينا الزوجين على يقين النكاح حتى يأتي ما يزيله بيقين فإذا أخطأنا فخطؤنا في جهة واحدة وإن أصبنا فصوابنا في جهتين جهة الزوج الأول وجهة الثاني وأنتم ترتكبون أمرين تحريم الفرج على من كان حلالا له بيقين وإحلاله لغيره فإن كان خطأ فهو خطأ من جهتين فتبين أنا أولى بالاحتياط منكم وقد قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب في طلاق السكران نظير هذا الاحتياط سواء فقال الذي لا يأمر بالطلاق إنما أتى خصلة واحدة والذي يأمر بالطلاق أتى خصلتين حرمها عليه وأحلها لغيره فهذا خير من هذا .

                      وأما قولكم إن النكاح يدخل فيه بالعزيمة والاحتياط ويخرج منه بأدنى شيء قلنا : ولكن لا يخرج منه إلا بما نصبه الله سببا يخرج به منه وأذن فيه وأما ما ينصبه المؤمن عنده ويجعله هو سببا للخروج منه فكلا . فهذا منتهى أقدام الطائفتين في هذه المسألة الضيقة المعترك الوعرة المسلك التي يتجاذب أعنة أدلتها الفرسان وتتضاءل لدى صولتها شجاعة الشجعان وإنما نبهنا على مأخذها وأدلتها ليعلم الغر الذي بضاعته من العلم مزجاة أن هناك شيئا آخر وراء ما عنده وأنه إذا كان ممن قصر في العلم باعه فضعف خلف الدليل وتقاصر عن جنى ثماره ذراعه فليعذر من شمر عن ساق عزمه وحام حول آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحكيمها والتحاكم إليها بكل همة وإن كان غير عاذر لمنازعه في قصوره ورغبته عن هذا الشأن البعيد فليعذر منازعه في رغبته عما ارتضاه لنفسه من محض التقليد ولينظر مع نفسه أيهما هو المعذور وأي السعيين أحق بأن يكون هو السعي المشكور والله المستعان وعليه التكلان وهو الموفق للصواب الفاتح لمن أم بابه طالبا لمرضاته من الخير كل باب .




                      فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن طلق ثلاثا بكلمة واحدة
                      قد تقدم حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام مغضبا ثم قال " أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ؟ " وإسناده على شرط مسلم فإن ابن وهب قد رواه عن مخرمة بن بكير بن الأشج عن أبيه قال سمعت محمود بن لبيد فذكره ومخرمة ثقة بلا شك وقد احتج مسلم في " صحيحه " بحديثه عن أبيه .

                      والذين أعلوه قالوا : لم يسمع منه وإنما هو كتاب . . قال أبو طالب سألت أحمد بن حنبل عن مخرمة بن بكير ؟ فقال هو ثقة ولم يسمع من أبيه إنما هو كتاب مخرمة فنظر فيه كل شيء يقول بلغني عن سليمان بن يسار فهو من كتاب مخرمة .

                      وقال أبو بكر بن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين يقول مخرمة بن بكير وقع إليه كتاب أبيه ولم يسمعه . وقال في رواية عباس الدوري : هو ضعيف وحديثه عن أبيه كتاب ولم يسمعه منه وقال أبو داود : لم يسمع من أبيه إلا حديثا واحدا حديث الوتر وقال سعيد بن أبي مريم عن خاله موسى بن سلمة أتيت مخرمة فقلت : حدثك أبوك ؟ قال لم أدرك أبي ولكن هذه كتبه .

                      والجواب عن هذا من وجهين . أحدهما : أن كتاب أبيه كان عنده محفوظا مضبوطا فلا فرق في قيام الحجة بالحديث بين ما حدثه به أو رآه في كتابه بل الأخذ عن النسخة أحوط إذا تيقن الراوي أنها نسخة الشيخ بعينها وهذه طريقة الصحابة والسلف وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث كتبه إلى الملوك وتقوم عليهم بها الحجة وكتب كتبه إلى عماله في بلاد الإسلام فعملوا بها واحتجوا بها ودفع الصديق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الزكاة إلى أنس بن مالك فحمله وعملت به الأمة وكذلك كتابه إلى عمرو بن حزم في الصدقات الذي كان عند آل عمرو ولم يزل السلف والخلف يحتجون بكتاب بعضهم إلى بعض ويقول المكتوب إليه كتب إلي فلان أن فلانا أخبره ولو بطل الاحتجاج بالكتب لم يبق بأيدي الأمة إلا أيسر اليسير فإن الاعتماد إنما هو على النسخ لا على الحفظ والحفظ خوان والنسخة لا تخون ولا يحفظ في زمن من الأزمان المتقدمة أن أحدا من أهل العلم رد الاحتجاج بالكتاب وقال لم يشافهني به الكاتب فلا أقبله بل كلهم مجمعون على قبول الكتاب والعمل به إذا صح عنده أنه كتابه .

                      الجواب الثاني : أن قول من قال لم يسمع من أبيه معارض بقول من قال سمع منه ومعه زيادة علم وإثبات قال عبد الرحمن بن أبي حاتم : سئل أبي عن مخرمة بن بكير ؟ فقال صالح الحديث . قال وقال ابن أبي أويس وجدت في ظهر كتاب مالك سألت مخرمة عما يحدث به عن أبيه سمعها من أبيه ؟ فحلف لي : ورب هذه البنية - يعني المسجد - سمعت من أبي . وقال علي بن المديني : سمعت معن بن عيسى يقول مخرمة سمع من أبيه وعرض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار وقال علي ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان لعله سمع منه الشيء اليسير ولم أجد أحدا بالمدينة يخبرني عن مخرمة بن بكير أنه كان يقول في شيء من حديثه سمعت أبي ومخرمة ثقة . انتهى .

                      ويكفي أن مالكا أخذ كتابه فنظر فيه واحتج به في " موطئه " وكان يقول حدثني مخرمة وكان رجلا صالحا . وقال أبو حاتم سألت إسماعيل بن أبي أويس قلت : هذا الذي يقول مالك بن أنس : حدثني الثقة من هو ؟ قال مخرمة بن بكير . وقيل لأحمد بن صالح المصري كان مخرمة من ثقات الرجال ؟ قال نعم وقال ابن عدي عن ابن وهب ومعن بن عيسى عن مخرمة أحاديث حسان مستقيمة وأرجو أنه لا بأس به .

                      وفي " صحيح مسلم " قول ابن عمر للمطلق ثلاثا : " حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك وهذا تفسير منه للطلاق المأمور به وتفسير الصحابي حجة. وقال الحاكم : هو عندنا مرفوع .

                      ومن تأمل القرآن حق التأمل تبين له ذلك وعرف أن الطلاق المشروع بعد الدخول هو الطلاق الذي يملك به الرجعة ولم يشرع الله سبحانه إيقاع الثلاث جملة واحدة البتة قال تعالى : الطلاق مرتان ولا تعقل العرب في لغتها وقوع المرتين إلا متعاقبتين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمده ثلاثا وثلاثين وكبره أربعا وثلاثين ونظائره فإنه لا يعقل من ذلك إلا تسبيح وتكبير وتحميد متوال يتلو بعضه بعضا فلو قال سبحان الله ثلاثا وثلاثين والحمد لله ثلاثا وثلاثين والله أكبر أربعا وثلاثين بهذا اللفظ لكان ثلاث مرات فقط . وأصرح من هذا قوله سبحانه والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله [ النور 6 ] فلو قال أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين كانت مرة وكذلك قوله ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين [ النور 8 ] فلو قالت أشهد بالله أربع شهادات إنه لمن الكاذبين كانت واحدة وأصرح من ذلك قوله تعالى : سنعذبهم مرتين [ التوبة 101 ] فهذا مرة بعد مرة ولا ينتقض هذا بقوله تعالى : نؤتها أجرها مرتين [ الأحزاب 31 ] وقوله صلى الله عليه وسلم ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين فإن المرتين هنا هما الضعفان وهما المثلان وهما مثلان في القدر كقوله تعالى : يضاعف لها العذاب ضعفين [ الأحزاب 30 ] وقوله فآتت أكلها ضعفين [ البقرة 265 ] أي ضعفي ما يعذب به غيرها وضعفي ما كانت تؤتي ومن هذا قول أنس انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين أي شقتين وفرقتين كما قال في اللفظ الآخر انشق القمر فلقتين

                      وهذا أمر معلوم قطعا أنه إنما انشق القمر مرة واحدة والفرق معلوم بين ما يكون مرتين في الزمان وبين ما يكون مثلين وجزأين ومرتين في المضاعفة . فالثاني : يتصور فيه اجتماع المرتين في آن واحد والأول لا يتصور فيه ذلك .

                      ومما يدل على أن الله لم يشرع الثلاث جملة أنه قال تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء إلى أن قال وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا [ البقرة 228 ] فهذا يدل على أن كل طلاق بعد الدخول فالمطلق أحق فيه بالرجعة سوى الثالثة المذكورة بعد هذا وكذلك قوله تعالى : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن إلى قوله فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف فهذا هو الطلاق المشروع وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أقسام الطلاق كلها في القرآن وذكر أحكامها فذكر الطلاق قبل الدخول وأنه لا عدة فيه وذكر الطلقة الثالثة وأنها تحرم الزوجة على المطلق حتى تنكح زوجا غيره وذكر طلاق الفداء الذي هو الخلع وسماه فدية ولم يحسبه من الثلاث كما تقدم وذكر الطلاق الرجعي الذي المطلق أحق فيه بالرجعة وهو ما عدا هذه الأقسام الثلاثة .

                      وبهذا احتج أحمد والشافعي وغيرهما على أنه ليس في الشرع طلقة واحدة بعد الدخول بغير عوض بائنة وأنه إذا قال لها : أنت طالق طلقة بائنة كانت رجعية ويلغو وصفها بالبينونة وأنه لا يملك إبانتها إلا بعوض . وأما أبو حنيفة فقال تبين بذلك لأن الرجعة حق له وقد أسقطها والجمهور يقولون وإن كانت الرجعة حقا له لكن نفقة الرجعية وكسوتها حق عليه فلا يملك إسقاطه إلا باختيارها وبذلها العوض أو سؤالها أن تفتدي نفسها منه بغير عوض في أحد القولين وهو جواز الخلع بغير عوض .

                      وأما إسقاط حقها من الكسوة والنفقة بغير سؤالها ولا بذلها العوض فخلاف النص والقياس .

                      قالوا : وأيضا فالله سبحانه شرع الطلاق على أكمل الوجوه وأنفعها للرجل والمرأة فإنهم كانوا يطلقون في الجاهلية بغير عدد فيطلق أحدهم المرأة كلما شاء ويراجعها وهذا وإن كان فيه رفق بالرجل ففيه إضرار بالمرأة فنسخ سبحانه ذلك بثلاث وقصر الزوج عليها وجعله أحق بالرجعة ما لم تنقض عدتها فإذا استوفى العدد الذي ملكه حرمت عليه فكان في هذا رفق بالرجل إذ لم تحرم عليه بأول طلقة وبالمرأة حيث لم يجعل إليه أكثر من ثلاث فهذا شرعه وحكمته وحدوده التي حدها لعباده فلو حرمت عليه بأول طلقة يطلقها كان خلاف شرعه وحكمته وهو لم يملك إيقاع الثلاث جملة بل إنما ملك واحدة فالزائد عليها غير مأذون له فيه .

                      قالوا : وهذا كما أنه لم يملك إبانتها بطلقة واحدة إذ هو خلاف ما شرعه لم يملك إبانتها بثلاث مجموعة إذ هو خلاف شرعه .

                      ونكتة المسألة أن الله لم يجعل للأمة طلاقا بائنا قط إلا في موضعين . أحدهما : طلاق غير المدخول بها . والثاني : الطلقة الثالثة وما عداه من الطلاق فقد جعل للزوج فيه الرجعة هذا مقتضى الكتاب كما تقدم تقريره وهذا قول الجمهور منهم الإمام أحمد والشافعي وأهل الظاهر قالوا : لا يملك إبانتها بدون الثلاث إلا في الخلع .

                      ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال فيما إذا قال أنت طالق طلقة لا رجعة فيها . أحدها : أنها ثلاث قاله ابن الماجشون لأنه قطع حقه من الرجعة وهي لا تنقطع إلا بثلاث فجاءت الثلاث ضرورة . الثاني : أنها واحدة بائنة كما قال هذا قول ابن القاسم لأنه يملك إبانتها بطلقة بعوض فملكها بدونه والخلع عنده طلاق . الثالث أنها واحدة رجعية وهذا قول ابن وهب وهو الذي يقتضيه الكتاب والسنة والقياس وعليه الأكثرون .



                      فصل [هل يقع الطلاق ثلاثا فيمن قاله بكلمة واحدة ]
                      وأما المسألة الثانية وهي وقوع الثلاث بكلمة واحدة فاختلف الناس فيها على أربعة مذاهب

                      أحدها : أنها تقع وهذا قول الأئمة الأربعة وجمهور التابعين وكثير من الصحابة رضي الله عنهم .

                      الثاني : أنها لا تقع بل ترد لأنها بدعة محرمة والبدعة مردودة لقوله صلى الله عليه وسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وهذا المذهب حكاه أبو محمد ابن حزم وحكي للإمام أحمد فأنكره وقال هو قول الرافضة .

                      الثالث أنه يقع به واحدة رجعية وهذا ثابت عن ابن عباس ذكره أبو داود عنه . قال الإمام أحمد : وهذا مذهب ابن إسحاق يقول خالف السنة فيرد إلى السنة انتهى وهو قول طاووس وعكرمة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية .

                      الرابع أنه يفرق بين المدخول بها وغيرها فتقع الثلاث بالمدخول بها ويقع بغيرها واحدة وهذا قول جماعة من أصحاب ابن عباس وهو مذهب إسحاق بن راهويه فيما حكاه عنه محمد بن نصر المروزي في كتاب " اختلاف العلماء " .

                      [حجج من لم يعتدها شيئا ]

                      فأما من لم يوقعها جملة فاحتجوا بأنه طلاق بدعة محرم والبدعة مردودة وقد اعترف أبو محمد ابن حزم بأنها لو كانت بدعة محرمة لوجب أن ترد وتبطل ولكنه اختار مذهب الشافعي أن جمع الثلاث جائز غير محرم وستأتي حجة هذا القول .

                      [حجج من جعلها واحدة ]

                      وأما من جعلها واحدة فاحتج بالنص والقياس فأما النص فما رواه معمر وابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر ؟ قال نعم رواه مسلم في " صحيحه " .

                      وفي لفظ ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر ترد إلى واحدة ؟ قال نعم

                      وقال أبو داود : حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الرزاق أن ابن جريج قال أخبرني بعض بني أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عكرمة عن ابن عباس قال طلق عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - أم ركانة ونكح امرأة من مزينة فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها ففرق بيني وبينه فأخذت النبي صلى الله عليه وسلم حمية فدعا بركانة وإخوته ثم قال لجلسائه " ألا ترون أن فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد وفلانا منه كذا وكذا ؟ قالوا : نعم قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد يزيد " طلقها " ففعل ثم قال " راجع امرأتك أم ركانة وإخوته " فقال إنى طلقتها ثلاثا يا رسول الله قال قد علمت راجعها وتلا : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن

                      وقال الإمام أحمد : حدثنا سعد بن إبراهيم قال حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس قال طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا قال فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم " كيف طلقتها " : فقال طلقتها ثلاثا فقال " في مجلس واحد ؟ " قال نعم قال " فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت ؟ قال فراجعها فكان ابن عباس يرى أنما الطلاق عند كل طهر .

                      قالوا : وأما القياس فقد تقدم أن جمع الثلاث محرم وبدعة والبدعة مردودة لأنها ليست على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : وسائر ما تقدم في بيان التحريم يدل على عدم وقوعها جملة . قالوا : ولو لم يكن معنا إلا قوله تعالى : فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله [ النور 6 ] وقوله ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله [ النور 8 ] قالوا : وكذلك كل ما يعتبر له التكرار من حلف أو إقرار أو شهادة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم فلو قالوا : نحلف بالله خمسين يمينا : إن فلانا قتله كانت يمينا واحدة . قالوا : وكذلك الإقرار بالزنى كما في الحديث أن بعض الصحابة قال لماعز إن أقررت أربعا رجمك رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا لا يعقل أن تكون الأربع فيه مجموعة بفم واحد .



                      [حجج من فرق بين المدخول بها وغيرها ]

                      وأما الذين فرقوا بين المدخول بها وغيرها فلهم حجتان

                      إحداهما : ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن طاووس أن رجلا يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال له أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر ؟ فلما رأى عمر الناس قد تتايعوا فيها قال أجيزوهن عليهم

                      الحجة الثانية أنها تبين بقوله أنت طالق فيصادفها ذكر الثلاث وهي بائن فتلغو ورأى هؤلاء أن إلزام عمر بالثلاث هو في حق المدخول بها وحديث أبي الصهباء في غير المدخول بها . قالوا : ففي هذا التفريق موافقة المنقول من الجانبين وموافقة القياس وقال بكل قول من هذه الأقوال جماعة من أهل الفتوى كما حكاه أبو محمد ابن حزم وغيره ولكن عدم الوقوع جملة هو مذهب الإمامية وحكوه عن جماعة من أهل البيت .

                      [حجج من أوقعها ثلاثا ]

                      قال الموقعون للثلاث الكلام معكم في مقامين

                      أحدهما : تحريم جمع الثلاث .
                      والثاني : وقوعها جملة ولو كانت محرمة . ونحن نتكلم معكم في المقامين فأما الأول

                      فقد قال الشافعي وأبو ثور وأحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه وجماعة من أهل الظاهر إن جمع الثلاث سنة واحتجوا عليه بقوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره [ البقرة 236 ] ولم يفرق بين أن تكون الثلاث مجموعة أو مفرقة ولا يجوز أن نفرق بين ما جمع الله بينه كما لا نجمع بين ما فرق الله بينه . وقال تعالى : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن [ البقرة 227 ] ولم يفرق وقال لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن الآية ولم يفرق وقال وللمطلقات متاع بالمعروف [ البقرة 241 ] وقال يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن [ الأحزاب 49 ] ولم يفرق .

                      قالوا : وفي " الصحيحين " أن عويمرا العجلاني طلق امرأته ثلاثا بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأمره بطلاقها

                      قالوا : فلو كان جمع الثلاث معصية لما أقر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يخلو طلاقها أن يكون قد وقع وهي امرأته أو حين حرمت عليه باللعان . فإن كان الأول فالحجة منه ظاهرة وإن كان الثاني فلا شك أنه طلقها وهو يظنها امرأته فلو كان حراما لبينها له رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كانت قد حرمت عليه . قالوا : وفي " صحيح البخاري " من حديث القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فطلقت فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أتحل للأول ؟ قال " لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول فلم ينكر صلى الله عليه وسلم ذلك وهذا يدل على إباحة جمع الثلاث وعلى وقوعها إذ لو لم تقع لم يوقف رجوعها إلى الأول على ذوق الثاني عسيلتها .

                      قالوا : وفي " الصحيحين " من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن أن فاطمة بنت قيس أخبرته أن زوجها أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا ثم انطلق إلى اليمن فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة أم المؤمنين فقالوا : إن أبا حفص طلق امرأته ثلاثا فهل لها من نفقة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليس لها نفقة وعليها العدة

                      وفي " صحيح مسلم " في هذه القصة قالت فاطمة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " كم طلقك " ؟ قلت : ثلاثا فقال " صدق ليس لك نفقة

                      وفي لفظ له قالت يا رسول الله إن زوجي طلقني ثلاثا وإني أخاف أن يقتحم علي

                      وفي لفظ له عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المطلقة ثلاثا : " ليس لها سكنى ولا نفقة

                      قالوا : وقد روى عبد الرزاق في " مصنفه " عن يحيى بن العلاء عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت عن داود بن عبادة بن الصامت قال طلق جدي امرأة له ألف تطليقة فانطلق أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ما اتقى الله جدك أما ثلاث فله وأما تسعمائة وسبعة وتسعون فعدوان وظلم إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له

                      ورواه بعضهم عن صدقة بن أبي عمران عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده قال طلق بعض آبائي امرأته فانطلق بنوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إن أبانا طلق أمنا ألفا فهل له من مخرج ؟ فقال إن أباكم لم يتق الله فيجعل له مخرجا بانت منه بثلاث على غير السنة وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم في عنقه

                      قالوا : وروى محمد بن شاذان عن معلى بن منصور عن شعيب بن زريق أن عطاء الخراساني حدثهم عن الحسن قال حدثنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض ثم أراد أن يتبعها بطلقتين أخريين عند القرأين الباقيين فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله أخطأت السنة . .. وذكر الحديث وفيه فقلت : يا رسول الله لو كنت طلقتها ثلاثا أكان لي أن أجمعها قال " لا كانت تبين وتكون معصية

                      قالوا : وقد روى أبو داود في " سننه " : عن نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ركانة أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما أردت إلا واحدة " ؟ فقال ركانة والله ما أردت إلا واحدة فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلقها الثانية في زمن عمر والثالثة في زمن عثمان

                      وفي " جامع الترمذي " : عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده أنه طلق امرأته البتة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أردت بها ؟ قال واحدة قال " آلله " قال آلله قال " هو على ما أردت قال الترمذي لا نعرفه إلا من هذا الوجه وسألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث ؟ فقال فيه اضطراب .

                      ووجه الاستدلال بالحديث أنه صلى الله عليه وسلم أحلفه أنه أراد بالبتة واحدة فدل على أنه لو أراد بها أكثر لوقع ما أراده ولو لم يفترق الحال لم يحلفه . قالوا : وهذا أصح من حديث ابن جريج عن بعض بني أبي رافع عن عكرمة عن ابن عباس أنه طلقها ثلاثا . قال أبو داود : لأنهم ولد الرجل وأهله أعلم به أن ركانة إنما طلقها البتة .

                      قالوا : وابن جريج إنما رواه عن بعض بني أبي رافع . فإن كان عبيد الله فهو ثقة معروف وإن كان غيره من إخوته فمجهول العدالة لا تقوم به حجة .

                      قالوا : وأما طريق الإمام أحمد ففيها ابن إسحاق والكلام فيه معروف وقد حكى الخطابي أن الإمام أحمد كان يضعف طرق هذا الحديث كلها .

                      قالوا : وأصح ما معكم حديث أبي الصهباء عن ابن عباس وقد قال البيهقي : هذا الحديث أحد ما اختلف فيه البخاري ومسلم فأخرجه مسلم وتركه البخاري وأظنه تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس ثم ساق الروايات عنه بوقوع الثلاث ثم قال فهذه رواية سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعكرمة وعمرو بن دينار ومالك بن الحارث ومحمد بن إياس بن البكير قال ورويناه عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري كلهم عن ابن عباس أنه أجاز الثلاث وأمضاهن .

                      وقال ابن المنذر : فغير جائز أن يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ثم يفتي بخلافه .

                      وقال الشافعي : فإن كان معنى قول ابن عباس : إن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة يعني أنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم فالذي يشبه - والله أعلم - أن يكون ابن عباس قد علم أنه كان شيئا فنسخ .

                      قال البيهقي : ورواية عكرمة عن ابن عباس فيها تأكيد لصحة هذا التأويل - يريد البيهقي - ما رواه أبو داود والنسائي من حديث عكرمة في قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء الآية . .. وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك فقال الطلاق مرتان

                      قالوا : فيحتمل أن الثلاث كانت تجعل واحدة من هذا الوقت بمعنى أن الزوج كان يتمكن من المراجعة بعدها كما يتمكن من المراجعة بعد الواحدة ثم نسخ ذلك .

                      وقال ابن سريج يمكن أن يكون ذلك إنما جاء في نوع خاص من الطلاق الثلاث وهو أن يفرق بين الألفاظ كأن يقول أنت طالق أنت طالق أنت طالق وكان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر رضي الله عنه الناس على صدقهم وسلامتهم لم يكن فيهم الخب والخداع فكانوا يصدقون أنهم أرادوا به التأكيد ولا يريدون به الثلاث فلما رأى عمر رضي الله عنه في زمانه أمورا ظهرت وأحوالا تغيرت منع من حمل اللفظ على التكرار وألزمهم الثلاث .

                      وقالت طائفة معنى الحديث أن الناس كانت عادتهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيقاع الواحدة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها ثم اعتادوا الطلاق الثلاث جملة وتتايعوا فيه ومعنى الحديث على هذا : كان الطلاق الذي يوقعه المطلق الآن ثلاثا يوقعه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر واحدة فهو إخبار عن الواقع لا عن المشروع .

                      وقالت طائفة ليس في الحديث بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يجعل الثلاث واحدة ولا أنه أعلم بذلك فأقر عليه ولا حجة إلا فيما قاله أو فعله أو علم به فأقر عليه ولا يعلم صحة واحدة من هذه الأمور في حديث أبي الصهباء .

                      قالوا : وإذا اختلفت علينا الأحاديث نظرنا إلى ما عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم أعلم بسنته فنظرنا فإذا الثابت عن عمر بن الخطاب الذي لا يثبت عنه غيره ما رواه عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل حدثنا زيد بن وهب أنه رواه إلى عمر بن الخطاب رجل طلق امرأته ألفا فقال له عمر أطلقت امرأتك ؟ فقال إنما كنت ألعب فعلاه عمر بالدرة وقال إنما يكفيك من ذلك ثلاث

                      وروى وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت قال جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال إني طلقت امرأتي ألفا فقال له علي بانت منك بثلاث واقسم سائرهن بين نسائك

                      وروى وكيع أيضا عن جعفر بن برقان عن معاوية بن أبي يحيى قال جاء رجل إلى عثمان بن عفان فقال طلقت امرأتي ألفا فقال بانت منك بثلاث

                      وروى عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير قال قال رجل لابن عباس طلقت امرأتي ألفا فقال له ابن عباس : ثلاث تحرمها عليك وبقيتها عليك وزر اتخذت آيات الله هزوا

                      وروى عبد الرزاق أيضا عن معمر عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال جاء رجل إلى ابن مسعود فقال إني طلقت امرأتي تسعا وتسعين فقال له ابن مسعود : ثلاث تبينها منك وسائرهن عدوان

                      وذكر أبو داود في " سننه " عن محمد بن إياس أن ابن عباس وأبا هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص سئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثا فكلهم قال لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره

                      قالوا : فهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تسمعون قد أوقعوا الثلاث جملة ولو لم يكن فيهم إلا عمر المحدث الملهم وحده لكفى فإنه لا يظن به تغيير ما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم من الطلاق الرجعي فيجعله محرما وذلك يتضمن تحريم فرج المرأة على من لم تحرم عليه وإباحته لمن لا تحل له ولو فعل ذلك عمر لما أقره عليه الصحابة فضلا عن أن يوافقوه ولو كان عند ابن عباس حجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الثلاث واحدة لم يخالفها . ويفتي بغيرها موافقة لعمر وقد علم مخالفته له في العول وحجب الأم بالاثنين من الإخوة والأخوات وغير ذلك .

                      قالوا : ونحن في هذه المسألة تبع لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم أعلم بسنته وشرعه ولو كان مستقرا من شريعته أن الثلاث واحدة وتوفي والأمر على ذلك لم يخف عليهم ويعلمه من بعدهم ولم يحرموا الصواب فيه ويوفق له من بعدهم ويروي حبر الأمة وفقيهها خبر كون الثلاث واحدة ويخالفه

                      يتبع
                      أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
                      وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

                      Comment

                      • اخت مسلمة
                        محاور
                        • Nov 2005
                        • 6338

                        #41
                        [حجج المانعين من وقوع الثلاث ]

                        قال المانعون من وقوع الثلاث التحاكم في هذه المسألة وغيرها إلى من أقسم الله سبحانه وتعالى أصدق قسم وأبره أنا لا نؤمن حتى نحكمه فيما شجر بيننا ثم نرضى بحكمه ولا يلحقنا فيه حرج ونسلم له تسليما لا إلى غيره كائنا من كان اللهم إلا أن تجمع أمته إجماعا متيقنا لا نشك فيه على حكم فهو الحق الذي لا يجوز خلافه ويأبى الله أن تجتمع الأمة على خلاف سنة ثابتة عنه أبدا ونحن قد أوجدناكم من الأدلة ما تثبت المسألة به بل وبدونه ونحن نناظركم فيما طعنتم به في تلك الأدلة وفيما عارضتمونا به على أنا لا نحكم على أنفسنا إلا نصا عن الله أو نصا ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماعا متيقنا لا شك فيه وما عدا هذا فعرضة لنزاع وغايته أن يكون سائغ الاتباع لا لازمه فلتكن هذه المقدمة سلفا لنا عندكم وقد قال تعالى : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول [ النساء 59 ] فقد تنازعنا نحن وأنتم في هذه المسألة فلا سبيل إلى ردها إلى غير الله ورسوله البتة وسيأتي أننا أحق بالصحابة وأسعد بهم فيها فنقول

                        أما منعكم لتحريم جمع الثلاث فلا ريب أنها مسألة نزاع ولكن الأدلة الدالة على التحريم حجة عليكم .

                        أما قولكم إن القرآن دل على جواز الجمع فدعوى غير مقبولة بل باطلة وغاية ما تمسكتم به إطلاق القرآن للفظ الطلاق وذلك لا يعم جائزه ومحرمه كما لا يدخل تحته طلاق الحائض وطلاق الموطوءة في طهرها وما مثلكم في ذلك إلا كمثل من عارض السنة الصحيحة في تحريم الطلاق المحرم بهذه الإطلاقات سواء ومعلوم أن القرآن لم يدل على جواز كل طلاق حتى تحملوه ما لا يطيقه وإنما دل على أحكام الطلاق والمبين عن الله عز وجل بين حلاله وحرامه ولا ريب أنا أسعد بظاهر القرآن كما بينا في صدر الاستدلال وأنه سبحانه لم يشرع قط طلاقا بائنا بغير عوض لمدخول بها إلا أن يكون آخر العدد وهذا كتاب الله بيننا وبينكم وغاية ما تمسكتم به ألفاظ مطلقة قيدتها السنة وبينت شروطها وأحكامها .

                        وأما استدلالكم بأن الملاعن طلق امرأته ثلاثا بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أصحه من حديث وما أبعده من استدلالكم على جواز الطلاق الثلاث بكلمة واحدة في نكاح يقصد بقاؤه ودوامه ثم المستدل بهذا إن كان ممن يقول إن الفرقة وقعت عقيب لعان الزوج وحده كما يقوله الشافعي أو عقيب لعانهما وإن لم يفرق الحاكم كما يقوله أحمد في إحدى الروايات عنه فالاستدلال به باطل لأن الطلاق الثلاث حينئذ لغو لم يفد شيئا وإن كان ممن يوقف الفرقة على تفريق الحاكم لم يصح الاستدلال به أيضا لأن هذا النكاح لم يبق سبيل إلى بقائه ودوامه بل هو واجب الإزالة ومؤبد التحريم فالطلاق الثلاث مؤكد لمقصود اللعان ومقرر له فإن غايته أن يحرمها عليه حتى تنكح زوجا غيره وفرقة اللعان تحرمها عليه على الأبد ولا يلزم من نفوذ الطلاق في نكاح قد صار مستحق التحريم على التأبيد نفوذه في نكاح قائم مطلوب البقاء والدوام ولهذا لو طلقها في هذا الحال وهي حائض أو نفساء أو في طهر جامعها فيه لم يكن عاصيا لأن هذا النكاح مطلوب الإزالة مؤبد التحريم ومن العجب أنكم متمسكون بتقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الطلاق المذكور ولا تتمسكون بإنكاره وغضبه للطلاق الثلاث من غير الملاعن وتسميته لعبا بكتاب الله كما تقدم فكم بين هذا الإقرار وهذا الإنكار ؟ ونحن بحمد الله قائلون بالأمرين مقرون لما أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم منكرون لما أنكره .

                        وأما استدلالكم بحديث عائشة رضي الله عنها أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تحل للأول ؟ قال " لا حتى تذوق العسيلة فهذا لا ننازعكم فيه نعم هو حجة على من اكتفى بمجرد عقد الثاني ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد بل الحديث حجة لنا فإنه لا يقال فعل ذلك ثلاثا وقال ثلاثا إلا من فعل وقال مرة بعد مرة هذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم كما يقال قذفه ثلاثا وشتمه ثلاثا وسلم عليه ثلاثا .

                        قالوا : وأما استدلالكم بحديث فاطمة بنت قيس فمن العجب العجاب فإنكم خالفتموه فيما هو صريح فيه لا يقبل تأويلا صحيحا وهو سقوط النفقة والكسوة للبائن مع صحته وصراحته وعدم ما يعارضه مقاوما له وتمسكتم به فيما هو مجمل بل بيانه في نفس الحديث مما يبطل تعلقكم به فإن قوله طلقها ثلاثا ليس بصريح في جمعها بل كما تقدم كيف وفي " الصحيح " في خبرها نفسه من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها .

                        وفي لفظ في " الصحيح " : أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات وهو سند صحيح متصل مثل الشمس فكيف ساغ لكم تركه إلى التمسك بلفظ مجمل وهو أيضا حجة عليكم كما تقدم ؟ .

                        قالوا : وأما استدلالكم بحديث عبادة بن الصامت الذي رواه عبد الرزاق فخبر في غاية السقوط لأن في طريقه يحيى بن العلاء عن عبيد الله بن الوليد الوضافي عن إبراهيم بن عبيد الله - ضعيف عن هالك عن مجهول ثم الذي يدل على كذبه وبطلانه أنه لم يعرف في شيء من الآثار صحيحها ولا سقيمها ولا متصلها ولا منقطعها أن والد عبادة بن الصامت أدرك الإسلام فكيف بجده فهذا محال بلا شك وأما حديث عبد الله بن عمر فأصله صحيح بلا شك لكن هذه الزيادة والوصلة التي فيه فقلت يا رسول الله لو طلقتها ثلاثا أكانت تحل لي ؟ إنما جاءت من رواية شعيب بن زريق وهو الشامي وبعضهم يقلبه فيقول زريق بن شعيب وكيفما كان فهو ضعيف ولو صح لم يكن فيه حجة لأن قوله لو طلقتها ثلاثا بمنزلة قوله لو سلمت ثلاثا أو أقررت ثلاثا أو نحوه مما لا يعقل جمعه .

                        وأما حديث نافع بن عجير الذي رواه أبو داود أن ركانة طلق امرأته البتة فأحلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أراد إلا واحدة فمن العجب تقديم نافع بن عجير المجهول الذي لا يعرف حاله البتة ولا يدرى من هو ولا ما هو على ابن جريج ومعمر وعبد الله بن طاووس في قصة أبي الصهباء وقد شهد إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري بأن فيه اضطرابا هكذا قال الترمذي في " الجامع " وذكر عنه في موضع آخر أنه مضطرب . فتارة يقول طلقها ثلاثا وتارة يقول واحدة وتارة يقول البتة . وقال الإمام أحمد وطرقه كلها ضعيفة وضعفه أيضا البخاري حكاه المنذري عنه .

                        ثم كيف يقدم هذا الحديث المضطرب المجهول رواية على حديث عبد الرزاق عن ابن جريج لجهالة بعض بني أبي رافع هذا وأولاده تابعيون وإن كان عبيد الله أشهرهم وليس فيهم متهم بالكذب وقد روى عنه ابن جريج ومن يقبل رواية المجهول أو يقول رواية العدل عنه تعديل له فهذا حجة عنده فأما أن يضعفه ويقدم عليه رواية من هو مثله في الجهالة أو أشد فكلا فغاية الأمر أن تتساقط روايتا هذين المجهولين ويعدل إلى غيرهما وإذا فعلنا ذلك نظرنا في حديث سعد بن إبراهيم فوجدناه صحيح الإسناد وقد زالت علة تدليس محمد بن إسحاق بقوله حدثني داود بن الحصين وقد احتج أحمد بإسناده في مواضع وقد صحح هو وغيره بهذا الإسناد بعينه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول ولم يحدث شيئا .

                        وأما داود بن الحصين عن عكرمة فلم تزل الأئمة تحتج به وقد احتجوا به في حديث العرايا فيما شك فيه ولم يجزم به من تقديرها بخمسة أوسق أو دونها مع كونها على خلاف الأحاديث التي نهى فيها عن بيع الرطب بالتمر فما ذنبه في هذا الحديث سوى رواية ما لا يقولون به وإن قدحتم في عكرمة - ولعلكم فاعلون - جاءكم ما لا قبل لكم به من التناقض فيما احتججتم به أنتم وأئمة الحديث من روايته وارتضاء البخاري لإدخال حديثه في " صحيحه " .


                        فصل
                        وأما تلك المسالك الوعرة التي سلكتموها في حديث أبي الصهباء فلا يصح شيء منها

                        أما المسلك الأول وهو انفراد مسلم بروايته وإعراض البخاري عنه فتلك شكاة ظاهر عنك عارها وما ضر ذلك الحديث انفراد مسلم به شيئا ثم هل تقبلون أنتم أو أحد مثل هذا في كل حديث ينفرد به مسلم عن البخاري وهل قال البخاري قط إن كل حديث لم أدخله في كتابي فهو باطل أو ليس بحجة أو ضعيف وكم قد احتج البخاري بأحاديث خارج الصحيح ليس لها ذكر في " صحيحه " وكم صحح من حديث خارج عن صحيحه فأما مخالفة سائر الروايات له عن ابن عباس فلا ريب أن عن ابن عباس روايتين صحيحتين بلا شك إحداهما : توافق هذا الحديث والأخرى : تخالفه فإن أسقطنا رواية برواية سلم الحديث على أنه بحمد الله سالم .

                        ولو اتفقت الروايات عنه على مخالفته فله أسوة أمثاله وليس بأول حديث خالفه راويه فنسألكم هل الأخذ بما رواه الصحابي عندكم أو بما رآه ؟ فإن قلتم الأخذ بروايته وهو قول جمهوركم بل جمهور الأمة على هذا كفيتمونا مئونة الجواب . وإن قلتم الأخذ برأيه أريناكم من تناقضكم ما لا حيلة لكم في دفعه ولا سيما عن ابن عباس نفسه فإنه روى حديث بريرة وتخييرها ولم يكن بيعها طلاقا ورأى خلافه وأن بيع الأمة طلاقها فأخذتم - وأصبتم - بروايته وتركتم رأيه فهلا فعلتم ذلك فيما نحن فيه وقلتم الرواية معصومة وقول الصحابي غير معصوم ومخالفته لما رواه يحتمل احتمالات عديدة من نسيان أو تأويل أو اعتقاد معارض راجح في ظنه أو اعتقاد أنه منسوخ أو مخصوص أو غير ذلك من الاحتمالات فكيف يسوغ ترك روايته مع قيام هذه الاحتمالات ؟ وهل هذا إلا ترك معلوم لمظنون بل مجهول ؟ قالوا : وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه حديث التسبيع من ولوغ الكلب وأفتى بخلافه فأخذتم بروايته وتركتم فتواه . ولو تتبعنا ما أخذتم فيه برواية الصحابي دون فتواه لطال .

                        قالوا : وأما دعواكم نسخ الحديث فموقوفة على ثبوت معارض مقاوم متراخ فأين هذا ؟

                        وأما حديث عكرمة عن ابن عباس في نسخ المراجعة بعد الطلاق الثلاث فلو صح لم يكن فيه حجة فإنه إنما فيه أن الرجل كان يطلق امرأته ويراجعها بغير عدد فنسخ ذلك وقصر على ثلاث فيها تنقطع الرجعة فأين في ذلك الإلزام بالثلاث بفم واحد ثم كيف يستمر المنسوخ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر لا تعلم به الأمة وهو من أهم الأمور المتعلقة بحل الفروج ثم كيف يقول عمر إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة وهل للأمة أناة في المنسوخ بوجه ما ؟ ثم كيف يعارض الحديث الصحيح بهذا الذي فيه علي بن الحسين بن واقد وضعفه معلوم ؟ .

                        وأما حملكم الحديث على قول المطلق أنت طالق أنت طالق أنت طالق ومقصوده التأكيد بما بعد الأول فسياق الحديث من أوله إلى آخره يرده فإن هذا الذي أولتم الحديث عليه لا يتغير بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يختلف على عهده وعهد خلفائه وهلم جرا إلى آخر الدهر ومن ينويه في قصد التأكيد لا يفرق بين بر وفاجر وصادق وكاذب بل يرده إلى نيته وكذلك من لا يقبله في الحكم لا يقبله مطلقا برا كان أو فاجرا .

                        وأيضا فإن قوله إن الناس قد استعجلوا وتتايعوا في شيء كانت لهم فيه أناة فلو أنا أمضيناه عليهم إخبار من عمر بأن الناس قد استعجلوا ما جعلهم الله في فسحة منه وشرعه متراخيا بعضه عن بعض رحمة بهم ورفقا وأناة لهم لئلا يندم مطلق فيذهب حبيبه من يديه من أول وهلة فيعز عليه تداركه فجعل له أناة ومهلة يستعتبه فيها ويرضيه ويزول ما أحدثه العتب الداعي إلى الفراق ويراجع كل منهما الذي عليه بالمعروف فاستعجلوا فيما جعل لهم فيه أناة ومهلة وأوقعوه بفم واحد فرأى عمر رضي الله عنه أنه يلزمهم ما التزموه عقوبة لهم فإذا علم المطلق أن زوجته وسكنه تحرم عليه من أول مرة بجمعه الثلاث كف عنها ورجع إلى الطلاق المشروع المأذون فيه وكان هذا من تأديب عمر لرعيته لما أكثروا من الطلاق الثلاث كما سيأتي مزيد تقريره عند الاعتذار عن عمر رضي الله عنه في إلزامه بالثلاث هذا وجه الحديث الذي لا وجه له غيره فأين هذا من تأويلكم المستكره المستبعد الذي لا توافقه ألفاظ الحديث بل تنبو عنه وتنافره .

                        وأما قول من قال إن معناه كان وقوع الطلاق الثلاث الآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة فإن حقيقة هذا التأويل كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلقون واحدة وعلى عهد عمر صاروا يطلقون ثلاثا والتأويل إذا وصل إلى هذا الحد كان من باب الإلغاز والتحريف لا من باب بيان المراد ولا يصح ذلك بوجه ما فإن الناس ما زالوا يطلقون واحدة وثلاثا وقد طلق رجال نساءهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا فمنهم من ردها إلى واحدة كما في حديث عكرمة عن ابن عباس ومنهم من أنكر عليه وغضب وجعله متلاعبا بكتاب الله ولم يعرف ما حكم به عليهم وفيهم من أقره لتأكيد التحريم الذي أوجبه اللعان ومنهم من ألزمه بالثلاث لكون ما أتى به من الطلاق آخر الثلاث فلا يصح أن يقال إن الناس ما زالوا يطلقون واحدة إلى أثناء خلافة عمر فطلقوا ثلاثا ولا يصح أن يقال إنهم قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة فنمضيه عليهم ولا يلائم هذا الكلام الفرق بين عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين عهده بوجه ما فإنه ماض منكم على عهده وبعد عهده .

                        ثم إن في بعض ألفاظ الحديث الصحيحة ألم تعلم أنه من طلق ثلاثا جعلت واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                        وفي لفظ أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر فقال ابن عباس : بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر فلما رأى الناس - يعني عمر - قد تتايعوا فيها قال أجيزوهن عليهم هذا لفظ الحديث وهو بأصح إسناد وهو لا يحتمل ما ذكرتم من التأويل بوجه ما ولكن هذا كله عمل من جعل الأدلة تبعا للمذهب فاعتقد ثم استدل . وأما من جعل المذهب تبعا للدليل واستدل ثم اعتقد لم يمكنه هذا العمل .

                        وأما قول من قال ليس في الحديث بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو الذي يجعل ذلك ولا أنه علم به وأقره عليه فجوابه أن يقال سبحانك هذا بهتان عظيم أن يستمر هذا الجعل الحرام المتضمن لتغيير شرع الله ودينه وإباحة الفرج لمن هو عليه حرام وتحريمه على من هو عليه حلال على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه خير الخلق وهم يفعلونه ولا يعلمونه ولا يعلمه هو والوحي ينزل عليه وهو يقرهم عليه فهب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلمه وكان الصحابة يعلمونه ويبدلون دينه وشرعه والله يعلم ذلك ولا يوحيه إلى رسوله ولا يعلمه به ثم يتوفى الله رسوله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك فيستمر هذا الضلال العظيم والخطأ المبين عندكم مدة خلافة الصديق كلها يعمل به ولا يغير إلى أن فارق الصديق الدنيا واستمر الخطأ والضلال المركب صدرا من خلافة عمر حتى رأى بعد ذلك برأيه أن يلزم الناس بالصواب فهل في الجهل بالصحابة وما كانوا عليه في عهد نبيهم وخلفائه أقبح من هذا وتالله لو كان جعل الثلاث واحدة خطأ محضا لكان أسهل من هذا الخطأ الذي ارتكبتموه والتأويل الذي تأولتموه ولو تركتم المسألة بهيئتها لكان أقوى لشأنها من هذه الأدلة والأجوبة .

                        قالوا : وليس التحاكم في هذه المسألة إلى مقلد متعصب ولا هياب للجمهور ولا مستوحش من التفرد إذا كان الصواب في جانبه وإنما التحاكم فيها إلى راسخ في العلم قد طال منه باعه ورحب بنيله ذراعه وفرق بين الشبهة والدليل وتلقى الأحكام من نفس مشكاة الرسول وعرف المراتب وقام فيها بالواجب وباشر قلبه أسرار الشريعة وحكمها الباهرة وما تضمنته من المصالح الباطنة والظاهرة وخاض في مثل هذه المضايق لججها واستوفى من الجانبين حججها والله المستعان وعليه التكلان .

                        قالوا : وأما قولكم إذا اختلفت علينا الأحاديث نظرنا فيما عليه الصحابة رضي الله عنهم فنعم والله وحيهلا بيرك الإسلام وعصابة الإيمان .

                        فلا تطلب لي الأعواض بعدهم

                        فإن قلبي لا يرضى بغيرهم


                        ولكن لا يليق بكم أن تدعونا إلى شيء وتكونوا أول نافر عنه ومخالف له فقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر من مائة ألف عين كلهم قد رآه وسمع منه فهل صح لكم عن هؤلاء كلهم أو عشرهم أو عشر عشرهم أو عشر عشر عشرهم القول بلزوم الثلاث بفم واحد ؟ هذا ولو جهدتم كل الجهد لم تطيقوا نقله عن عشرين نفسا منهم أبدا مع اختلاف عنهم في ذلك فقد صح عن ابن عباس القولان وصح عن ابن مسعود القول باللزوم وصح عنه التوقف ولو كاثرناكم بالصحابة الذين كان الثلاث على عهدهم واحدة لكانوا أضعاف من نقل عنه خلاف ذلك ونحن نكاثركم بكل صحابي مات إلى صدر من خلافة عمر ويكفينا مقدمهم وخيرهم وأفضلهم ومن كان معه من الصحابة على عهده بل لو شئنا لقلنا ولصدقنا : إن هذا كان إجماعا قديما لم يختلف فيه على عهد الصديق اثنان ولكن لا ينقرض عصر المجمعين حتى حدث الاختلاف فلم يستقر الإجماع الأول حتى صار الصحابة على قولين واستمر الخلاف بين الأمة في ذلك إلى اليوم ثم نقول لم يخالف عمر إجماع من تقدمه بل رأى إلزامهم بالثلاث عقوبة لهم لما علموا أنه حرام وتتايعوا فيه ولا ريب أن هذا سائغ للأئمة أن يلزموا الناس بما ضيقوا به على أنفسهم ولم يقبلوا فيه رخصة الله عز وجل وتسهيله بل اختاروا الشدة والعسر فكيف بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكمال نظره للأمة وتأديبه لهم ولكن العقوبة تختلف باختلاف الأزمنة والأشخاص والتمكن من العلم بتحريم الفعل المعاقب عليه وخفائه وأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لم يقل لهم إن هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما هو رأي رآه مصلحة للأمة يكفهم به عن التسارع إلى إيقاع الثلاث ولهذا قال فلو أنا أمضيناه عليهم وفي لفظ آخر " فأجيزوهن عليهم أفلا يرى أن هذا رأي منه رآه للمصلحة لا إخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما علم رضي الله عنه أن تلك الأناة والرخصة نعمة من الله على المطلق ورحمة به وإحسان إليه وأنه قابلها بضدها ولم يقبل رخصة الله وما جعله له من الأناة عاقبه بأن حال بينه وبينها وألزمه ما ألزمه من الشدة والاستعجال وهذا موافق لقواعد الشريعة بل هو موافق لحكمة الله في خلقه قدرا وشرعا فإن الناس إذا تعدوا حدوده ولم يقفوا عندها ضيق عليهم ما جعله لمن اتقاه من المخرج وقد أشار إلى هذا المعنى بعينه من قال من الصحابة للمطلق ثلاثا : إنك لو اتقيت الله لجعل لك مخرجا كما قاله ابن مسعود وابن عباس .

                        فهذا نظر أمير المؤمنين ومن معه من الصحابة لا أنه رضي الله عنه غير أحكام الله وجعل حلالها حراما فهذا غاية التوفيق بين النصوص وفعل أمير المؤمنين ومن معه وأنتم لم يمكنكم ذلك إلا بإلغاء أحد الجانبين فهذا نهاية أقدام الفريقين في هذا المقام الضنك والمعترك الصعب وبالله التوفيق .

                        حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في
                        العبد يطلق زوجته تطليقتين ثم يعتق بعد ذلك
                        هل تحل له بدون زوج وإصابة ؟
                        روى أهل السنن من حديث أبي الحسن مولى بني نوفل أنه استفتى ابن عباس في مملوك كانت تحته مملوكة فطلقها تطليقتين ثم عتقا بعد ذلك هل يصلح له أن يخطبها ؟ قال نعم قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                        وفي لفظ قال ابن عباس بقيت لك واحدة قضى به رسول الله .

                        قال الإمام أحمد عن عبد الرزاق أن ابن المبارك قال لمعمر من أبو حسن هذا ؟ لقد تحمل صخرة عظيمة انتهى . قال المنذري وأبو حسن هذا قد ذكر بخير وصلاح وقد وثقه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان غير أن الراوي عنه عمر بن معتب وقد قال علي بن المديني هو منكر الحديث وقال النسائي ليس بالقوي .

                        وإذا عتق العبد والزوجة في حباله ملك تمام الثلاث وإن عتق وقد طلقها اثنتين ففيها أربعة أقوال للفقهاء

                        أحدها : أنها لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره حرة كانت أو أمة وهذا قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين بناء على أن الطلاق بالرجال وأن العبد إنما يملك طلقتين ولو كانت زوجته حرة .

                        والثاني : أن له أن يعقد عليها عقدا مستأنفا من غير اشتراط زوج وإصابة كما دل عليه حديث عمر بن معتب هذا وهذا إحدى الروايتين عن أحمد وهو قول ابن عباس وأحد الوجهين للشافعية ولهذا القول فقه دقيق فإنها إنما حرمتها عليه التطليقتان لنقصه بالرق فإذا عتق وهي في العدة زال النقص ووجد سبب ملك الثلاث وآثار النكاح باقية فملك عليها تمام الثلاث وله رجعتها وإن عتق بعد انقضاء عدتها بانت منه وحلت له بدون زوج وإصابة فليس هذا القول ببعيد في القياس .

                        والثالث أن له أن يرتجعها في عدتها وأن ينكحها بعدها بدون زوج وإصابة ولو لم يعتق وهذا مذهب أهل الظاهر جميعهم فإن عندهم أن العبد والحر في الطلاق سواء .

                        وذكر سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عبدا له طلق امرأته تطليقتين فأمره ابن عباس أن يراجعها فأبى فقال ابن عباس هي لك فاستحلها بملك اليمين .

                        والقول الرابع أن زوجته إن كانت حرة ملك عليها تمام الثلاث وإن كانت أمة حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره وهذا قول أبي حنيفة .

                        وهذا موضع اختلف فيه السلف والخلف على أربعة أقوال

                        أحدها : أن طلاق العبد والحر سواء وهذا مذهب أهل الظاهر جميعهم حكاه عنهم أبو محمد ابن حزم واحتجوا بعموم النصوص الواردة في الطلاق وإطلاقها وعدم تفريقها بين حر وعبد ولم تجمع الأمة على التفريق فقد صح عن ابن عباس أنه أفتى غلاما له برجعة زوجته بعد طلقتين وكانت أمة . وفي هذا النقل عن ابن عباس نظر فإن عبد الرزاق روى عن ابن جريج عن عمرو بن دينار أن أبا معبد أخبره أن عبدا كان لابن عباس وكانت له امرأة جارية لابن عباس فطلقها فبتها فقال له ابن عباس لا طلاق لك فارجعها .

                        قال عبد الرزاق حدثنا معمر عن سماك بن الفضل أن العبد سأل ابن عمر رضي الله عنهما فقال لا ترجع إليها وإن ضرب رأسك .



                        فمأخذ هذه الفتوى أن طلاق العبد بيد سيده كما أن نكاحه بيده كما روى عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري عن عبد الكريم الجزري عن عطاء عن ابن عباس قال ليس طلاق العبد ولا فرقته بشيء

                        وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في الأمة والعبد سيدهما يجمع بينهما ويفرق و هذا قول أبي الشعثاء وقال الشعبي : أهل المدينة لا يرون للعبد طلاقا إلا بإذن سيده فهذا مأخذ ابن عباس لا أنه يرى طلاق العبد ثلاثا إذا كانت تحته أمة وما علمنا أحدا من الصحابة قال بذلك .

                        والقول الثاني : أن أي الزوجين رق كان الطلاق بسبب رقه اثنتين كما روى حماد بن سلمة عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال الحر يطلق الأمة تطليقتين وتعتد بحيضتين والعبد يطلق الحرة تطليقتين وتعتد ثلاث حيض وإلى هذا ذهب عثمان البتي .

                        والقول الثالث أن الطلاق بالرجال فيملك الحر ثلاثا . وإن كانت زوجته أمة والعبد ثنتين وإن كانت زوجته حرة وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في ظاهر كلامه هذا قول زيد بن ثابت وعائشة وأم سلمة أمي المؤمنين وعثمان بن عفان وعبد الله بن عباس وهذا مذهب القاسم وسالم وأبي سلمة وعمر بن عبد العزيز ويحيى بن سعيد وربيعة وأبي الزناد وسليمان بن يسار وعمرو بن شعيب وابن المسيب وعطاء .

                        والقول الرابع أن الطلاق بالنساء كالعدة كما روى شعبة عن أشعث بن سوار عن الشعبي عن مسروق عن ابن مسعود . السنة الطلاق والعدة بالنساء

                        وروى عبد الرزاق : عن محمد بن يحيى وغير واحد عن عيسى عن الشعبي عن اثني عشر من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : الطلاق والعدة بالمرأة هذا لفظه وهذا قول الحسن وابن سيرين وقتادة وإبراهيم والشعبي وعكرمة ومجاهد والثوري والحسن بن حي وأبي حنيفة وأصحابه .

                        فإن قيل فما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة ؟ قيل قد قال أبو داود : حدثنا محمد بن مسعود حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن مظاهر بن أسلم عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان

                        وروى زكريا بن يحيى الساجي حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي حدثنا عمر بن شبيب المسلي حدثنا عبد الله بن عيسى عن عطية عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان

                        وقال عبد الرزاق : حدثنا ابن جريج قال كتب إلي عبد الله بن زياد بن سمعان أن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري أخبره عن نافع عن أم سلمة أم المؤمنين أن غلاما لها طلق امرأة له حرة تطليقتين فاستفتت أم سلمة النبي صلى الله عليه وسلم فقال حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره وقد تقدم حديث عمر بن معتب عن أبي حسن عن ابن عباس رضي الله عنه ولا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذه الآثار الأربعة على عجرها وبجرها .

                        أما الأول فقال أبو داود : هو حديث مجهول وقال الترمذي حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث انتهى . وقال أبو القاسم ابن عساكر في " أطرافه " بعد ذكر هذا الحديث روى أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه أنه كان جالسا عند أبيه فأتاه رسول الأمير فأخبره أنه سأل القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله عن ذلك فقالا هذا وقالا له إن هذا ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن عمل به المسلمون . قال الحافظ فدل على أن الحديث المرفوع غير محفوظ . وقال أبو عاصم النبيل : مظاهر بن أسلم ضعيف وقال يحيى بن معين : ليس بشيء مع أنه لا يعرف وقال أبو حاتم الرازي : منكر الحديث . وقال البيهقي : لو كان ثابتا لقلنا به إلا أنا لا نثبت حديثا يرويه من نجهل عدالته .

                        وأما الأثر الثاني : ففيه عمر بن شبيب المسلي ضعيف وفيه عطية وهو ضعيف أيضا .

                        وأما الأثر الثالث ففيه ابن سمعان الكذاب وعبد الله بن عبد الرحمن مجهول .

                        وأما الأثر الرابع ففيه عمر بن معتب وقد تقدم الكلام فيه .

                        والذي سلم في المسألة الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم والقياس .

                        أما الآثار فهي متعارضة كما تقدم فليس بعضها أولى من بعض بقي القياس وتجاذبه طرفان طرف المطلق وطرف المطلقة . فمن راعى طرف المطلق قال هو الذي يملك الطلاق وهو بيده فيتنصف برقه كما يتنصف نصاب المنكوحات برقه ومن راعى طرف المطلقة قال الطلاق يقع عليها وتلزمها العدة والتحريم وتوابعها فتنصف برقها كالعدة ومن نصف برقها كالعدة ومن نصف برق أي الزوجين كان راعى الأمرين وأعمل الشبهين ومن كمله وجعله ثلاثا رأى أن الآثار لم تثبت والمنقول عن الصحابة متعارض والقياس كذلك فلم يتعلق بشيء من ذلك وتمسك بإطلاق النصوص الدالة على أن الطلاق الرجعي طلقتان ولم يفرق الله بين حر وعبد ولا بين حرة وأمة وما كان ربك نسيا

                        قالوا : والحكمة التي لأجلها جعل الطلاق الرجعي اثنتين في الحر والعبد سواء قالوا : وقد قال مالك : إن له أن ينكح أربعا كالحر لأن حاجته إلى ذلك كحاجة الحر وقال الشافعي وأحمد أجله في الإيلاء كأجل الحر لأن ضرر الزوجة في الصورتين سواء .

                        وقال أبو حنيفة إن طلاقه وطلاق الحر سواء إذا كانت امرأتاهما حرتين إعمالا لإطلاق نصوص الطلاق وعمومها للحر والعبد .

                        وقال أحمد بن حنبل والناس معه صيامه في الكفارات كلها وصيام الحر سواء وحده في السرقة والشراب وحد الحر سواء . قالوا : ولو كانت هذه الآثار أو بعضها ثابتا لما سبقتمونا إليه ولا غلبتمونا عليه ولو اتفقت آثار الصحابة لم نعدها إلى غيرها فإن الحق لا يعدوهم وبالله التوفيق .

                        حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الطلاق بيد الزوج لا بيد غيره
                        قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن [ الأحزاب 49 ] وقال وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف [ البقرة 231 ] فجعل الطلاق لمن نكح لأن له الإمساك وهو الرجعة وروى ابن ماجه في " سننه " : من حديث ابن عباس قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله سيدي زوجني أمته وهو يريد أن يفرق بيني وبينها . قال فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فقال يا أيها الناس ما بال أحدكم يزوج عبده أمته ثم يريد أن يفرق بينهما إنما الطلاق لمن أخذ بالساق

                        وقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقول طلاق العبد بيد سيده إن طلق جاز وإن فرق فهي واحدة إذا كانا له جميعا فإن كان العبد له والأمة لغيره طلق السيد أيضا إن شاء

                        وروى الثوري عن عبد الكريم الجزري عن عطاء عنه ليس طلاق العبد ولا فرقته بشيء

                        وذكر عبد الرزاق حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير سمع جابرا يقول في الأمة والعبد سيدهما يجمع بينهما ويفرق

                        وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع وحديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدم وإن كان في إسناده ما فيه فالقرآن يعضده وعليه عمل الناس .



                        حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم
                        فيمن طلق دون الثلاث ثم راجعها بعد زوج أنها على بقية الطلاق
                        ذكر ابن المبارك عن عثمان بن مقسم أنه أخبره أنه سمع نبيه بن وهب يحدث عن رجل من قومه عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في المرأة يطلقها زوجها دون الثلاث ثم يرتجعها بعد زوج أنها على ما بقي من الطلاق .

                        وهذا الأثر وإن كان فيه ضعيف ومجهول فعليه أكابر الصحابة كما ذكر عبد الرزاق في " مصنفه " عن مالك وابن عيينة عن الزهري عن ابن المسيب وحميد بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وسليمان بن يسار كلهم يقول سمعت أبا هريرة يقول سمعت عمر بن الخطاب يقول أيما امرأة طلقها زوجها تطليقة أو تطليقتين ثم تركها حتى تنكح زوجا غيره فيموت عنها أو يطلقها ثم ينكحها زوجها الأول فإنها عنده على ما بقي من طلاقها .

                        وعن علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعمران بن حصين رضي الله عنهم مثله .

                        قال الإمام أحمد هذا قول الأكابر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .

                        وقال ابن مسعود وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم تعود على الثلاث قال ابن عباس رضي الله عنهما : نكاح جديد وطلاق جديد .

                        وذهب إلى القول الأول أهل الحديث فيهم أحمد والشافعي ومالك وذهب إلى الثاني أبو حنيفة هذا إذا أصابها الثاني فإن لم يصبها فهي على ما بقي من طلاقها عند الجميع وقال النخعي لم أسمع فيها اختلافا ولو ثبت الحديث لكان فصل النزاع في المسألة ولو اتفقت آثار الصحابة لكانت فصلا أيضا .

                        وأما فقه المسألة فمتجاذب فإن الزوج الثاني إذا هدمت إصابته الثلاث وأعادتها إلى الأول بطلاق جديد فما دونها أولى وأصحاب القول الأول يقولون لما كانت إصابة الثاني شرطا في حل المطلقة ثلاثا للأول لم يكن بد من هدمها وإعادتها على طلاق جديد وأما من طلقت دون الثلاث فلم تصادف إصابة الثاني فيها تحريما يزيله ولا هي شرط في الحل للأول فلم تهدم شيئا فوجودها كعدمها بالنسبة إلى الأول وإحلالها له فعادت على ما بقي كما لو لم يصبها فإن إصابته لا أثر لها البتة ولا نكاحه وطلاقه معلق بها بوجه ما ولا تأثير لها فيه .

                        حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المطلقة ثلاثا
                        لا تحل للأول حتى يطأها الزوج
                        الثاني ثبت في " الصحيحين " : عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي وإن ما معه مثل الهدبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة . لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك .

                        وفي " سنن النسائي " : عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العسيلة الجماع ولو لم ينزل .

                        وفيها عن ابن عمر قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها الرجل فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها قبل أن يدخل بها ؟ قال لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر .

                        فتضمن هذا الحكم أمورا :

                        أحدها : أنه لا يقبل قول المرأة على الرجل أنه لا يقدر على جماعها .

                        الثاني : أن إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول خلافا لمن اكتفى بمجرد العقد فإن قوله مردود بالسنة التي لا مرد لها .

                        الثالث أنه لا يشترط الإنزال بل يكفي مجرد الجماع الذي هو ذوق العسيلة .

                        الرابع أنه صلى الله عليه وسلم لم يجعل مجرد العقد المقصود الذي هو نكاح رغبة كافيا ولا اتصال الخلوة به وإغلاق الأبواب وإرخاء الستور حتى يتصل به الوطء وهذا يدل على أنه لا يكفي مجرد عقد التحليل الذي لا غرض للزوج والزوجة فيه سوى صورة العقد وإحلالها للأول بطريق الأولى فإنه إذا كان عقد الرغبة المقصود للدوام غير كاف حتى يوجد فيه الوطء فكيف يكفي عقد تيس مستعار ليحلها لا رغبة له في إمساكها وإنما هو عارية كحمار العشريين المستعار للضراب ؟ .



                        حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرأة تقيم شاهدا واحدا على طلاق زوجها والزوج منكر
                        ذكر ابن وضاح عن ابن أبي مريم عن عمرو بن أبي سلمة عن زهير بن محمد عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا ادعت المرأة طلاق زوجها فجاءت على ذلك بشاهد واحد عدل استحلف زوجها فإن حلف بطلت عنه شهادة الشاهد وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر وجاز طلاقه فتضمن هذا الحكم أربعة أمور

                        أحدها : أنه لا يكتفى بشهادة الشاهد الواحد في الطلاق ولا مع يمين المرأة قال الإمام أحمد الشاهد واليمين إنما يكون في الأموال خاصة لا يقع في حد ولا نكاح ولا طلاق ولا إعتاق ولا سرقة ولا قتل . وقد نص في رواية أخرى عنه على أن العبد إذا ادعى أن سيده أعتقه وأتى بشاهد حلف مع شاهده وصار حرا واختاره الخرقي ونص أحمد في شريكين في عبد ادعى كل واحد منهما أن شريكه أعتق حقه منه وكانا معسرين عدلين فللعبد أن يحلف مع كل واحد منهما ويصير حرا ويحلف مع أحدهما ويصير نصفه حرا ولكن لا يعرف عنه أن الطلاق يثبت بشاهد ويمين .

                        وقد دل حديث عمرو بن شعيب هذا على أنه يثبت بشاهد ونكول الزوج وهو الصواب إن شاء الله تعالى فإن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا يعرف من أئمة الإسلام إلا من احتج به وبنى عليه وإن خالفه في بعض المواضع وزهير بن محمد الراوي عن ابن جريج ثقة محتج به في " الصحيحين " وعمرو بن أبي سلمة هو أبو حفص التنيسي محتج به في " الصحيحين " أيضا فمن احتج بحديث عمرو بن شعيب . فهذا من أصح حديثه . الثاني : أن الزوج يستحلف في دعوى الطلاق إذا لم تقم المرأة به بينة لكن إنما استحلفه مع قوة جانب الدعوى بالشاهد .

                        الثالث أنه يحكم في الطلاق بشاهد ونكول المدعى عليه وأحمد في إحدى الروايتين عنه يحكم بوقوعه بمجرد النكول من غير شاهد فإذا ادعت المرأة على زوجها الطلاق وأحلفناه لها في إحدى الروايتين فنكل قضي عليه فإذا أقامت شاهدا واحدا ولم يحلف الزوج على عدم دعواها فالقضاء بالنكول عليه في هذه الصورة أقوى .

                        وظاهر الحديث أنه لا يحكم على الزوج بالنكول إلا إذا أقامت المرأة شاهدا واحدا كما هو إحدى الروايتين عن مالك وأنه لا يحكم عليه بمجرد دعواها مع نكوله لكن من يقضي عليه به يقول النكول إما إقرار وإما بينة وكلاهما يحكم به ولكن ينتقض هذا عليه بالنكول في دعوى القصاص ويجاب بأن النكول بدل استغني به فيما يباح بالبدل وهو الأموال وحقوقها دون النكاح وتوابعه .

                        الرابع أن النكول بمنزلة البينة فلما أقامت شاهدا واحدا وهو شطر البينة كان النكول قائما مقام تمامها .

                        ونحن نذكر مذاهب الناس في هذه المسألة فقال أبو القاسم بن الجلاب في " تفريعه " : وإذا ادعت المرأة الطلاق على زوجها لم يحلف بدعواها فإن أقامت على ذلك شاهدا واحدا لم تحلف مع شاهدها ولم يثبت الطلاق على زوجها وهذا الذي قاله لا يعلم فيه نزاع بين الأئمة الأربعة . قال ولكن يحلف لها زوجها فإن حلف برئ من دعواها .

                        قلت هذا فيه قولان للفقهاء وهما روايتان عن الإمام أحمد

                        إحداهما : أنه يحلف لدعواها وهو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة . والثانية لا يحلف . فإن قلنا : لا يحلف فلا إشكال . وإن قلنا : يحلف فنكل عن اليمين فهل يقضى عليه بطلاق زوجته بالنكول ؟ فيه روايتان عن مالك إحداهما : أنها تطلق عليه بالشاهد والنكول عملا بهذا الحديث وهذا اختيار أشهب هذا فيه غاية القوة لأن الشاهد والنكول سببان من جهتين مختلفتين فقوي جانب المدعي بهما فحكم له فهذا مقتضى الأثر والقياس .

                        والرواية الثانية عنه أن الزوج إذا نكل عن اليمين حبس فإن طال حبسه ترك . واختلفت الرواية عن الإمام أحمد هل يقضى بالنكول في دعوى المرأة الطلاق ؟ على روايتين . ولا أثر عنده لإقامة الشاهد الواحد بل إذا ادعت عليه الطلاق ففيه روايتان في استحلافه فإن قلنا : لا يستحلف لم يكن لدعواها أثر وإن قلنا : يستحلف فأبى فهل يحكم عليه بالطلاق ؟ فيه روايتان وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في القضاء بالنكول وهل هو إقرار أو بدل أو قائم مقام البينة في موضعه من هذا الكتاب ؟ .


                        افتراضي

                        حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخيير أزواجه بين المقام معه وبين مفارقتهن له
                        ثبت في " الصحيحين " عن عائشة رضي الله عنها قالت لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي فقال إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك . قالت وقد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه ثم قرأ يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما [ الأحزاب 28 ] فقلت في هذا أستأمر أبوي ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة . قالت عائشة ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت فلم يكن ذلك طلاقا

                        قال ربيعة وابن شهاب : فاختارت واحدة منهن نفسها فذهبت وكانت البتة . قال ابن شهاب : وكانت بدوية . قال عمرو بن شعيب : وهي ابنة الضحاك العامرية رجعت إلى أهلها وقال ابن حبيب قد كان دخل بها . انتهى .

                        وقيل لم يدخل بها وكانت تلتقط بعد ذلك البعر وتقول أنا الشقية .

                        واختلف الناس في هذا التخيير في موضعين . أحدهما : في أي شيء كان ؟ والثاني : في حكمه فأما الأول فالذي عليه الجمهور أنه كان بين المقام معه والفراق وذكر عبد الرزاق في " مصنفه " عن الحسن أن الله تعالى إنما خيرهن بين الدنيا والآخرة ولم يخيرهن في الطلاق وسياق القرآن وقول عائشة رضي الله عنه يرد قوله ولا ريب أنه سبحانه خيرهن بين الله ورسوله والدار الآخرة وبين الحياة الدنيا وزينتها وجعل موجب اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة المقام مع رسوله وموجب اختيارهن الدنيا وزينتها أن يمتعهن ويسرحهن سراحا جميلا وهو الطلاق بلا شك ولا نزاع .

                        [ كان التخيير بين المقام معه والفراق ]

                        وأما اختلافهم في حكمه ففي موضعين . أحدهما : في حكم اختيار الزوج والثاني : في حكم اختيار النفس فأما الأول فالذي عليه معظم أصحاب النبي ونساؤه كلهن ومعظم الأمة أن من اختارت زوجها لم تطلق ولا يكون التخيير بمجرده طلاقا صح ذلك عن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة . قالت عائشة خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه فلم نعده طلاقا وعن أم سلمة وقريبة أختها وعبد الرحمن بن أبي بكر

                        وصح عن علي وزيد بن ثابت وجماعة من الصحابة أنها إن اختارت زوجها فهي طلقة رجعية وهو قول الحسن ورواية عن أحمد رواها عنه إسحاق بن منصور قال إن اختارت زوجها فواحدة يملك الرجعة وإن اختارت نفسها فثلاث قال أبو بكر انفرد بهذا إسحاق بن منصور والعمل على ما رواه الجماعة .

                        قال صاحب " المغني " : ووجه هذه الرواية أن التخيير كناية نوى بها الطلاق فوقع بمجردها كسائر كناياته وهذا هو الذي صرحت به عائشة رضي الله عنها والحق معها بإنكاره ورده فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اختاره أزواجه لم يقل وقع بكن طلقة ولم يراجعهن وهي أعلم الأمة بشأن التخيير وقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لم يكن ذلك طلاقا وفي لفظ لم نعده طلاقا وفي لفظ خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفكان طلاقا ؟ .

                        والذي لحظه من قال إنها طلقة رجعية أن التخيير تمليك ولا تملك المرأة نفسها إلا وقد طلقت فالتمليك مستلزم لوقوع الطلاق وهذا مبني على مقدمتين . إحداهما : أن التخيير تمليك . والثانية أن التمليك يستلزم وقوع الطلاق وكلا المقدمتين ممنوعة فليس التخيير بتمليك ولو كان تمليكا لم يستلزم وقوع الطلاق قبل إيقاع من ملكه فإن غاية أمره أن تملكه الزوجة كما كان الزوج يملكه فلا يقع بدون إيقاع من ملكه ولو صح ما ذكروه لكان بائنا لأن الرجعية لا تملك نفسها .


                        افتراضي

                        [هل التخيير يستلزم الطلاق ]
                        وقد اختلف الفقهاء في التخيير هل هو تمليك أو توكيل أو بعضه تمليك وبعضه توكيل أو هو تطليق منجز أو لغو لا أثر له البتة ؟ على مذاهب خمسة .

                        التفريق هو مذهب أحمد ومالك . قال أبو الخطاب في " رءوس المسائل " : هو تمليك يقف على القبول وقال صاحب " المغني " فيه إذا قال أمرك بيدك أو اختاري فقالت قبلت لم يقع شيء لأن " أمرك بيدك " توكيل فقولها في جوابه قبلت ينصرف إلى قبول الوكالة فلم يقع شيء كما لو قال لأجنبية أمر امرأتي بيدك فقالت قبلت وقوله اختاري : في معناه وكذلك إن قالت أخذت أمري دخل عليهما أحمد في رواية إبراهيم بن هانئ إذا قال لامرأته أمرك بيدك فقالت قبلت ليس بشيء حتى يتبين وقال إذا قالت أخذت أمري ليس بشيء قال وإذا قال لامرأته اختاري فقالت قبلت نفسي أو اخترت نفسي كان أبين . انتهى . وفرق مالك بين " اختاري " وبين " أمرك بيدك " فجعل " أمرك بيدك " تمليكا و " اختاري " تخييرا لا تمليكا . قال أصحابه وهو توكيل .

                        وللشافعي قولان
                        أحدهما : أنه تمليك وهو الصحيح عند أصحابه .
                        والثاني : أنه توكيل وهو القديم .

                        وقالت الحنفية تمليك .

                        وقال الحسن وجماعة من الصحابة هو تطليق تقع به واحدة منجزة وله رجعتها وهي رواية ابن منصور عن أحمد .

                        وقال أهل الظاهر وجماعة من الصحابة لا يقع به طلاق سواء اختارت نفسها أو اختارت زوجها ولا أثر للتخيير في وقوع الطلاق . ونحن نذكر مآخذ هذه الأقوال على وجه الإشارة إليها .



                        [حجج من قال بأن التخيير تمليك ]

                        قال أصحاب التمليك لما كان البضع يعود إليها بعد ما كان للزوج كان هذا حقيقة التمليك .

                        قالوا : وأيضا فالتوكيل يستلزم أهلية الوكيل لمباشرة ما وكل فيه والمرأة ليست بأهل لإيقاع الطلاق ولهذا لو وكل امرأة في طلاق زوجته لم يصح في أحد القولين لأنها لا تباشر الطلاق والذين صححوه قالوا : كما يصح أن يوكل رجلا في طلاق امرأته يصح أن يوكل امرأة في طلاقها .

                        [حجج من قال بأنه توكيل ]

                        قالوا : وأيضا فالتوكيل لا يعقل معناه ها هنا فإن الوكيل هو الذي يتصرف لموكله لا لنفسه والمرأة ها هنا إنما تتصرف لنفسها ولحظها وهذا ينافي تصرف الوكيل . قال أصحاب التوكيل واللفظ لصاحب " المغني " : وقولهم إنه توكيل لا يصح فإن الطلاق لا يصح تمليكه ولا ينتقل عن الزوج وإنما ينوب فيه غيره عنه فإذا استناب غيره فيه كان توكيلا لا غير .

                        قالوا : ولو كان تمليكا لكان مقتضاه انتقال الملك إليها في بضعها وهو محال فإنه لم يخرج عنها ولهذا لو وطئت بشبهة كان المهر لها لا للزوج ولو ملك البضع لملك عوضه كمن ملك منفعة عين كان عوض تلك المنفعة له .

                        قالوا : وأيضا فلو كان تمليكا لكانت المرأة مالكة للطلاق وحينئذ يجب أن لا يبقى الزوج مالكا لاستحالة كون الشيء الواحد بجميع أجزائه ملكا لمالكين في زمن واحد والزوج مالك للطلاق بعد التخيير فلا تكون هي مالكة له بخلاف ما إذا قلنا : هو توكيل واستنابة كان الزوج مالكا وهي نائبة ووكيلة عنه .

                        قالوا : وأيضا فلو قال لها : طلقي نفسك ثم حلف أن لا يطلق فطلقت نفسها حنث فدل على أنها نائبة عنه وأنه هو المطلق .

                        قالوا : وأيضا فقولكم إنه تمليك إما أن تريدوا به أنه ملكها نفسها أو أنه ملكها أن تطلق فإن أردتم الأول لزمكم أن يقع الطلاق بمجرد قولها : قبلت لأنه أتى بما يقتضي خروج بضعها عن ملكه واتصل به القبول وإن أردتم الثاني فهو معنى التوكيل . وإن غيرت العبارة .




                        [حجج المفرقين بين بعض صور التخيير وبعض ]

                        قال المفرقون بين بعض صوره وبعض - وهم أصحاب مالك - إذا قال لها : أمرك بيدك أو جعلت أمرك إليك أو ملكتك أمرك فذاك تمليك . وإذا قال اختاري فهو تخيير قالوا : والفرق بينهما حقيقة وحكما . أما الحقيقة فلأن " اختاري " لم يتضمن أكثر من تخييرها لم يملكها نفسها وإنما خيرها بين أمرين بخلاف قوله أمرك بيدك فإنه لا يكون بيدها إلا وهي مالكته وأما الحكم فلأنه إذا قال لها : أمرك بيدك وقال أردت به واحدة فالقول قوله مع يمينه وإذا قال اختاري فطلقت نفسها ثلاثا وقعت ولو قال أردت واحدة إلا أن تكون غير مدخول بها فالقول قوله في إرادته الواحدة . قالوا : لأن التخيير يقتضي أن لها أن تختار نفسها ولا يحصل لها ذلك إلا بالبينونة فإن كانت مدخولا بها لم تبن إلا بالثلاث وإن لم تكن مدخولا بها بانت بالواحدة وهذا بخلاف أمرك بيدك فإنه لا يقتضي تخييرها بين نفسها وبين زوجها بل تمليكها أمرها وهو أعم من تمليكها الإبانة بثلاث أو بواحدة تنقضي بها عدتها فإن أراد بها أحد محتمليه قبل قوله وهذا بعينه يرد عليهم في " اختاري " فإنه أعم من أن تختار البينونة بثلاث أو بواحدة تنقضي بها عدتها بل " أمرك بيدك " أصرح في تمليك الثلاث من " اختاري " لأنه مضاف ومضاف إليه فيعم جميع أمرها . بخلاف " اختاري " فإنه مطلق لا عموم له فمن أين يستفاد منه الثلاث ؟ وهذا منصوص الإمام أحمد فإنه قال في اختاري : إنه لا تملك به المرأة أكثر من طلقة واحدة إلا بنية الزوج ونص في " أمرك بيدك وطلاقك بيدك ووكلتك في الطلاق " : على أنها تملك به الثلاث . وعنه رواية أخرى : أنها لا تملكها إلا بنيته .

                        [حجة من جعله تطليقا منجزا ]

                        وأما من جعله تطليقا منجزا فقد تقدم وجه قوله وضعفه .



                        [حجج من جعله لغوا ]

                        وأما من جعله لغوا فلهم مأخذان أحدهما : أن الطلاق لم يجعله الله بيد النساء إنما جعله بيد الرجال ولا يتغير شرع الله باختيار العبد فليس له أن يختار نقل الطلاق إلى من لم يجعل الله إليه الطلاق البتة .

                        قال أبو عبيد القاسم بن سلام : حدثنا أبو بكر بن عياش حدثنا حبيب بن أبي ثابت أن رجلا قال لامرأة له إن أدخلت هذا العدل إلى هذا البيت فأمر صاحبتك بيدك فأدخلته ثم قالت هي طالق فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأبانها منه فمروا بعبد الله بن مسعود فأخبروه فذهب بهم إلى عمر فقال يا أمير المؤمنين إن الله تبارك وتعالى جعل الرجال قوامين على النساء ولم يجعل النساء قوامات على الرجال فقال له عمر فما ترى ؟ قال أراها امرأته . قال وأنا أرى ذلك فجعلها واحدة

                        قلت : يحتمل أنه جعلها واحدة بقول الزوج فأمر صاحبتك بيدك ويكون كناية في الطلاق ويحتمل أنه جعلها واحدة بقول ضرتها : هي طالق ولم يجعل للضرة إبانتها لئلا تكون هي القوامة على الزوج فليس في هذا دليل لما ذهبت إليه هذه الفرقة بل هو حجة عليها .

                        وقال أبو عبيد : حدثنا عبد الغفار - بن داود عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن رميثة الفارسية كانت تحت محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر فملكها أمرها فقالت أنت طالق ثلاث مرات فقال عثمان بن عفان : أخطأت لا طلاق لها لأن المرأة لا تطلق

                        وهذا أيضا لا يدل لهذه الفرقة لأنه إنما لم يوقع الطلاق لأنها أضافته إلى غير محله وهو الزوج وهو لم يقل أنا منك طالق وهذا نظير ما رواه عبد الرزاق حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أن مجاهدا أخبره أن رجلا جاء إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال ملكت امرأتي أمرها فطلقتني ثلاثا فقال ابن عباس : خطأ الله نوأها إنما الطلاق لك عليها وليس لها عليك

                        قال الأثرم : سألت أبا عبد الله عن الرجل يقول لامرأته أمرك بيدك ؟ فقال قال عثمان وعلي رضي الله عنهما : القضاء ما قضت قلت : فإن قالت قد طلقت نفسي ثلاثا قال القضاء ما قضت . قلت : فإن قالت طلقتك ثلاثا قال المرأة لا تطلق واحتج بحديث ابن عباس رضي الله عنهما : خطأ الله نوأها

                        ورواه عن وكيع عن شعبة عن الحكم عن ابن عباس رضي الله عنه في رجل جعل أمر امرأته في يدها فقالت قد طلقتك ثلاثا قال ابن عباس : خطأ الله نوأها أفلا طلقت نفسها قال أحمد صحف أبو مطر فقال " خطأ الله فوها " ولكن روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال سألت عبد الله بن طاووس كيف كان أبوك يقول في رجل ملك امرأته أمرها أتملك أن تطلق نفسها أم لا ؟ قال كان يقول ليس إلى النساء طلاق فقلت له فكيف كان أبوك يقول في رجل ملك رجلا أمر امرأته أيملك الرجل أن يطلقها ؟ قال لا

                        فهذا صريح من مذهب طاووس أنه لا يطلق إلا الزوج وأن تمليك الزوجة أمرها لغو وكذلك توكيله غيره في الطلاق . قال أبو محمد بن حزم : وهذا قول أبي سليمان وجميع أصحابنا .

                        الحجة الثانية لهؤلاء أن الله سبحانه إنما جعل أمر الطلاق إلى الزوج دون النساء لأنهن ناقصات عقل ودين والغالب عليهن السفه وتذهب بهن الشهوة والميل إلى الرجال كل مذهب فلو جعل أمر الطلاق إليهن لم يستقم للرجال معهن أمر وكان في ذلك ضرر عظيم بأزواجهن فاقتضت حكمته ورحمته أنه لم يجعل بأيديهن شيئا من أمر الفراق وجعله إلى الأزواج .

                        فلو جاز للأزواج نقل ذلك إليهن لناقض حكمة الله ورحمته ونظره للأزواج . قالوا : والحديث إنما دل على التخيير فقط فإن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة كما وقع كن أزواجه بحالهن وإن اخترن أنفسهن متعهن وطلقهن هو بنفسه وهو السراح الجميل لا أن اختيارهن لأنفسهن يكون هو نفس الطلاق وهذا في غاية الظهور كما ترى .

                        قال هؤلاء والآثار عن الصحابة في ذلك مختلفة اختلافا شديدا فصح عن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت في رجل جعل أمر امرأته بيدها فطلقت نفسها ثلاثا أنها طلقة واحدة رجعية وصح عن عثمان رضي الله عنه . أن القضاء ما قضت ورواه سعيد بن منصور عن ابن عمر وغيره عن ابن الزبير . وصح عن علي وزيد وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنها إن اختارت نفسها فواحدة بائنة وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية

                        وصح عن بعض الصحابة أنها إن اختارت نفسها فثلاث بكل حال وروي عن ابن مسعود فيمن جعل أمر امرأته بيد آخر فطلقها فليس بشيء

                        قال أبو محمد بن حزم : وقد تقصينا من روينا عنه من الصحابة أنه يقع به الطلاق فلم يكونوا بين من صح عنه ومن لم يصح عنه إلا سبعة ثم اختلفوا وليس قول بعضهم أولى من قول بعض ولا أثر في شيء منها إلا ما رويناه من طريق النسائي أخبرنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد قال قلت لأيوب السختياني هل علمت أحدا قال في " أمرك بيدك " : إنها ثلاث غير الحسن ؟ قال لا اللهم غفرا إلا ما حدثني به قتادة عن كثير مولى ابن سمرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث . قال أيوب فلقيت كثيرا مولى ابن سمرة فسألته فلم يعرفه فرجعت إلى قتادة فأخبرته فقال نسي . قال أبو محمد كثير مولى ابن سمرة مجهول ولو كان مشهورا بالثقة والحفظ لما خالفنا هذا الخبر وقد أوقفه بعض رواته على أبي هريرة . انتهى .

                        وقال المروذي سألت أبا عبد الله ما تقول في امرأة خيرت فاختارت نفسها ؟ قال قال فيها خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها واحدة ولها الرجعة عمر وابن مسعود وابن عمر وعائشة وذكر آخر قال غير المروذي هو زيد بن ثابت .

                        قال أبو محمد ومن خير امرأته فاختارت نفسها أو اختارت الطلاق أو اختارت زوجها أو لم تختر شيئا فكل ذلك لا شيء وكل ذلك سواء ولا تطلق بذلك ولا تحرم عليه ولا لشيء من ذلك حكم ولو كرر التخيير وكررت هي اختيار نفسها أو اختيار الطلاق ألف مرة وكذلك إن ملكها نفسها أو جعل أمرها بيدها . ولا فرق .




                        ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذ لم يأت في القرآن ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قول الرجل لامرأته أمرك بيدك أو قد ملكتك أمرك أو اختاري يوجب أن يكون طلاقا أو أن لها أن تطلق نفسها أو تختار طلاقا فلا يجوز أن يحرم على الرجل فرج أباحه الله تعالى له ورسوله صلى الله عليه وسلم بأقوال لم يوجبها الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا في غاية البيان . انتهى كلامه .

                        قالوا : واضطراب أقوال الموقعين وتناقضها ومعارضة بعضها لبعض يدل على فساد أصلها ولو كان الأصل صحيحا لاطردت فروعه ولم تتناقض ولم تختلف ونحن نشير إلى طرف من اختلافهم .

                        فاختلفوا : هل يقع الطلاق بمجرد التخيير أو لا يقع حتى تختار نفسها ؟ على قولين تقدم حكايتهما ثم اختلف الذين لا يوقعونه بمجرد قوله أمرك بيدك : هل يختص اختيارها بالمجلس أو يكون في يدها ما لم يفسخ أو يطأ ؟ على قولين . أحدهما أنه يتقيد بالمجلس وهذا قول أبي حنيفة والشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنه . الثاني : أنه في يدها أبدا حتى يفسخ أو يطأ وهذا قول أحمد وابن المنذر وأبي ثور . والرواية الثانية عن مالك . ثم قال بعض أصحابه وذلك ما لم تطل حتى يتبين أنها تركته وذلك بأن يتعدى شهرين ثم اختلفوا هل عليها يمين أنها تركت أم لا ؟ على قولين .

                        ثم اختلفوا إذا رجع الزوج فيما جعل إليها فقال أحمد وإسحاق والأوزاعي والشعبي ومجاهد وعطاء له ذلك ويبطل خيارها . وقال مالك وأبو حنيفة والثوري والزهري : ليس له الرجوع وللشافعية خلاف مبني على أنه توكيل فيملك الموكل الرجوع أو تمليك فلا يملكه قال بعض أصحاب التمليك ولا يمتنع الرجوع . وإن قلنا إنه تمليك لأنه لم يتصل به القبول فجاز الرجوع فيه كالهبة والبيع .

                        واختلفوا : فيما يلزم من اختيارها نفسها . فقال أحمد والشافعي واحدة رجعية وهو قول ابن عمر وابن مسعود وابن عباس واختاره أبو عبيد وإسحاق . وعن علي واحدة بائنة وهو قول أبي حنيفة وعن زيد بن ثابت ثلاث وهو قول الليث وقال مالك : إن كانت مدخولا بها فثلاث وإن كانت غير مدخول بها قبل منه دعوى الواحدة .

                        واختلفوا : هل يفتقر قوله أمرك بيدك إلى نية أم لا ؟ فقال أحمد والشافعي وأبو حنيفة يفتقر إلى نية وقال مالك لا يفتقر إلى نية واختلفوا : هل يفتقر وقوع الطلاق إلى نية المرأة إذا قالت اخترت نفسي أو فسخت نكاحك ؟ فقال أبو حنيفة لا يفتقر وقوع الطلاق إلى نيتها إذا نوى الزوج . وقال أحمد والشافعي : لا بد من نيتها إذا اختارت بالكناية ثم قال أصحاب مالك إن قالت اخترت نفسي أو قبلت نفسي لزم الطلاق ولو قالت لم أرده وإن قالت . قبلت أمري سئلت عما أرادت ؟ فإن أرادت الطلاق كان طلاقا وإن لم ترده لم يكن طلاقا . ثم قال مالك إذا قال لها : أمرك بيدك وقال قصدت طلقة واحدة فالقول قوله مع يمينه وإن لم تكن له نية فله أن يوقع ما شاء . وإذا قال اختاري وقال أردت واحدة فاختارت نفسها طلقت ثلاثا ولا يقبل قوله .

                        ثم ها هنا فروع كثيرة مضطربة غاية الاضطراب لا دليل عليها من كتاب ولا سنة ولا إجماع والزوجة زوجته حتى يقوم دليل على زوال عصمته عنها .

                        قالوا : ولم يجعل الله إلى النساء شيئا من النكاح ولا من الطلاق وإنما جعل ذلك إلى الرجال وقد جعل الله سبحانه الرجال قوامين على النساء إن شاءوا أمسكوا وإن شاءوا طلقوا فلا يجوز للرجل أن يجعل المرأة قوامة عليه إن شاءت أمسكت وإن شاءت طلقت . قالوا : ولو أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء لم نتعد إجماعهم ولكن اختلفوا فطلبنا الحجة لأقوالهم من غيرها فلم نجد الحجة تقوم إلا على هذا القول . وإن كان من روي عنه قد روي عنه خلافه أيضا وقد أبطل من ادعى الإجماع في ذلك فالنزاع ثابت بين الصحابة والتابعين كما حكيناه والحجة لا تقوم بالخلاف فهذا ابن عباس وعثمان بن عفان قد قالا : إن تمليك الرجل لامرأته أمرها ليس بشيء وابن مسعود يقول فيمن جعل أمر امرأته بيد آخر فطلقها : ليس بشيء وطاووس يقول فيمن ملك امرأته أمرها : ليس إلى النساء طلاق ويقول فيمن ملك رجلا أمر امرأته أيملك الرجل أن يطلقها ؟ قال لا

                        قلت : أما المنقول عن طاووس فصحيح صريح لا مطعن فيه سندا وصراحة . وأما المنقول عن ابن مسعود فمختلف فنقل عنه موافقة علي وزيد في الوقوع كما رواه ابن أبي ليلى عن الشعبي : أن أمرك بيدك واختاري سواء في قول علي وابن مسعود وزيد ونقل عنه فيمن قال لامرأته أمر فلانة بيدك إن أدخلت هذا العدل البيت ففعلت أنها امرأته ولم يطلقها عليه .

                        وأما المنقول عن ابن عباس وعثمان فإنما هو فيما إذا أضافت المرأة الطلاق إلى الزوج وقالت أنت طالق .

                        وأحمد ومالك يقولان ذلك مع قولهما بوقوع الطلاق إذا اختارت نفسها أو طلقت نفسها فلا يعرف عن أحد من الصحابة إلغاء التخيير والتمليك البتة إلا هذه الرواية عن ابن مسعود وقد روي عنه خلافها والثابت عن الصحابة اعتبار ذلك ووقوع الطلاق به وإن اختلفوا فيما تملك به المرأة كما تقدم والقول بأن ذلك لا أثر له لا يعرف عن أحد من الصحابة البتة وإنما وهم أبو محمد في المنقول عن ابن عباس وعثمان ولكن هذا مذهب طاووس وقد نقل عن عطاء ما يدل على ذلك فروى عبد الرزاق عن ابن جريج قلت لعطاء رجل قال لامرأته أمرك بيدك بعد يوم أو يومين قال ليس هذا بشيء . قلت : فأرسل إليها رجلا أن أمرها بيدها يوما أو ساعة قال ما أدري ما هذا ؟ ما أظن هذا شيئا . قلت لعطاء أملكت عائشة حفصة حين ملكها المنذر أمرها قال عطاء لا إنما عرضت عليها أتطلقها أم لا ولم تملكها أمرها


                        ولولا هيبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدلنا عن هذا القول ولكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم القدوة وإن اختلفوا في حكم التخيير ففي ضمن اختلافهم اتفاقهم على اعتبار التخيير وعدم إلغائه ولا مفسدة في ذلك والمفسدة التي ذكرتموها في كون الطلاق بيد المرأة إنما تكون لو كان ذلك بيدها استقلالا فأما إذا كان الزوج هو المستقل بها فقد تكون المصلحة له في تفويضها إلى المرأة ليصير حاله معها على بينة إن أحبته أقامت معه وإن كرهته فارقته فهذا مصلحة له ولها وليس في هذا ما يقتضي تغيير شرع الله وحكمته ولا فرق بين توكيل المرأة في طلاق نفسها وتوكيل الأجنبي ولا معنى لمنع توكيل الأجنبي في الطلاق كما يصح توكيله في النكاح والخلع .

                        وقد جعل الله سبحانه للحكمين النظر في حال الزوجين عند الشقاق إن رأيا التفريق فرقا وإن رأيا الجمع جمعا وهو طلاق أو فسخ من غير الزوج إما برضاه إن قيل هما وكيلان أو بغير رضاه إن قيل هما حكمان وقد جعل للحاكم أن يطلق على الزوج في مواضع بطريق النيابة عنه فإذا وكل الزوج من يطلق عنه أو يخالع لم يكن في هذا تغيير لحكم الله ولا مخالفة لدينه فإن الزوج هو الذي يطلق إما بنفسه أو بوكيله وقد يكون أتم نظرا للرجل من نفسه وأعلم بمصلحته فيفوض إليه ما هو أعلم بوجه المصلحة فيه منه وإذا جاز التوكيل في العتق والنكاح والخلع والإبراء وسائر الحقوق من المطالبة بها وإثباتها واستيفائها والمخاصمة فيها فما الذي حرم التوكيل في الطلاق ؟ نعم الوكيل يقوم مقام الموكل فيما يملكه من الطلاق وما لا يملكه وما يحل له منه وما يحرم عليه ففي الحقيقة لم يطلق إلا الزوج إما بنفسه أو بوكيله .


                        افتراضي

                        حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم
                        الذي بينه عن ربه تبارك وتعالى فيمن حرم أمته أو زوجته أو متاعه
                        قال تعالى : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [ التحريم 1 ] ثبت في " الصحيحين " أنه صلى الله عليه وسلم شرب عسلا من بيت زينب بنت جحش فاحتالت عليه عائشة وحفصة حتى قال لن أعود له . وفي لفظ وقد حلفت .

                        وفي " سنن النسائي " : عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها فأنزل الله عز وجل يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك .

                        وفي " صحيح مسلم " : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها وقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة .

                        وفي " جامع الترمذي " : عن عائشة رضي الله عنها قالت آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم فجعل الحرام حلالا وجعل في اليمين كفارة .

                        هكذا رواه مسلمة بن علقمة عن داود عن الشعبي عن مسروق عن عائشة ورواه علي بن مسهر وغيره عن الشعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وهو أصح انتهى كلام أبي عيسى .

                        وقولها : جعل الحرام حلالا أي جعل الشيء الذي حرمه وهو العسل أو الجارية حلالا بعد تحريمه إياه .

                        وقال الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن هبيرة عن قبيصة بن ذؤيب قال سألت زيد بن ثابت وابن عمر رضي الله عنهم عمن قال لامرأته أنت علي حرام فقالا جميعا : كفارة يمين .

                        وقال عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال في التحريم هي يمين يكفرها .

                        قال ابن حزم وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وعائشة أم المؤمنين . وقال الحجاج بن منهال حدثنا جرير بن حازم قال سألت نافعا مولى ابن عمر رضي الله عنه عن الحرام أطلاق هو ؟ قال لا أوليس قد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريته فأمره الله عز وجل أن يكفر عن يمينه ولم يحرمها عليه .

                        وقال عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير وأيوب السختياني كلاهما عن عكرمة أن عمر بن الخطاب قال هي يمين يعني التحريم .

                        وقال إسماعيل بن إسحاق حدثنا المقدمي حدثنا حماد بن زيد عن صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال الحرام يمين .



                        [ مذاهب الناس في تحريم الرجل أمته أو زوجته أو متاعه ]
                        وفي " صحيح البخاري " : عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول إذا حرم امرأته ليس بشيء وقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة فقيل هذا رواية أخرى عن ابن عباس . وقيل إنما أراد أنه ليس بطلاق وفيه كفارة يمين ولهذا احتج بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الثاني أظهر وهذه المسألة فيها عشرون مذهبا للناس ونحن نذكرها ونذكر وجوهها ومآخذها والراجح منها بعون الله تعالى وتوفيقه .

                        أحدها : أن التحريم لغو لا شيء فيه لا في الزوجة ولا في غيرها لا طلاق ولا إيلاء ولا يمين ولا ظهار روى وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن مسروق : ما أبالي حرمت امرأتي أو قصعة من ثريد

                        وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن صالح بن مسلم عن الشعبي أنه قال في تحريم المرأة لهي أهون علي من نعلي

                        وذكر عن ابن جريج أخبرني عبد الكريم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال ما أبالي حرمتها يعني امرأته أو حرمت ماء النهر .

                        وقال قتادة : سأل رجل حميد بن عبد الرحمن الحميري عن ذلك ؟ فقال قال الله تعالى : فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب [ ألم نشرح 7 ] وأنت رجل تلعب فاذهب فالعب هذا قول أهل الظاهر كلهم .

                        [ من قال بأن التحريم في الزوجة طلاق ثلاث ]

                        المذهب الثاني : أن التحريم في الزوجة طلاق ثلاث . قال ابن حزم قاله علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن عمر وهو قول الحسن ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وروي عن الحكم بن عتيبة . قلت : الثابت عن زيد بن ثابت وابن عمر ما رواه هو من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي هبيرة عن قبيصة أنه سأل زيد بن ثابت وابن عمر عمن قال لامرأته . أنت علي حرام فقالا جميعا : كفارة يمين ولم يصح عنهما خلاف ذلك وأما علي فقد روى أبو محمد ابن حزم من طريق يحيى القطان حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال يقول رجال في الحرام هي حرام حتى تنكح زوجا غيره ولا والله ما قال ذلك علي وإنما قال علي : ما أنا بمحلها ولا بمحرمها عليك إن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر

                        وأما الحسن فقد روى أبو محمد من طريق قتادة عنه أنه قال كل حلال علي حرام فهو يمين ولعل أبا محمد غلط على علي وزيد وابن عمر من مسألة الخلية والبرية والبتة فإن أحمد حكى عنهم أنها ثلاث .

                        وقال هو عن علي وابن عمر صحيح فوهم أبو محمد وحكاه في : أنت علي حرام وهو وهم ظاهر فإنهم فرقوا بين التحريم فأفتوا فيه بأنه يمين وبين الخلية فأفتوا فيها بالثلاث ولا أعلم أحدا قال إنه ثلاث بكل حال .

                        المذهب الثالث أنه ثلاث في حق المدخول بها لا يقبل منه غير ذلك وإن كانت غير مدخول بها وقع ما نواه من واحدة واثنتين وثلاث فإن أطلق فواحدة وإن قال لم أرد طلاقا فإن كان قد تقدم كلام يجوز صرفه إليه قبل منه وإن كان ابتداء لم يقبل وإن حرم أمته أو طعامه أو متاعه فليس بشيء وهذا مذهب مالك .

                        المذهب الرابع أنه إن نوى الطلاق كان طلاقا ثم إن نوى به الثلاث فثلاث وإن نوى دونها فواحدة بائنة وإن نوى يمينا فهو يمين فيها كفارة وإن لم ينو شيئا فهو إيلاء فيه حكم الإيلاء . فإن نوى الكذب صدق في الفتيا ولم يكن شيئا ويكون في القضاء إيلاء وإن صادف غير الزوجة الأمة والطعام وغيره فهو يمين فيه كفارتها وهذا مذهب أبي حنيفة .

                        المذهب الخامس أنه إن نوى به الطلاق كان طلاقا ويقع ما نواه فإن أطلق وقعت واحدة وإن نوى الظهار كان ظهارا وإن نوى اليمين كان يمينا وإن نوى تحريم عينها من غير طلاق ولا ظهار فعليه كفارة يمين وإن لم ينو شيئا ففيه قولان . أحدهما : لا يلزمه شيء .

                        والثاني : يلزمه كفارة يمين . وإن صادف جارية فنوى عتقها وقع العتق وإن نوى تحريمها لزمه بنفس اللفظ كفارة يمين وإن نوى الظهار منها لم يصح ولم يلزمه شيء وقيل بل يلزمه كفارة يمين وإن لم ينو شيئا ففيه قولان أحدهما : لا يلزمه شيء . والثاني : عليه كفارة يمين . وإن صادف غير الزوجة والأمة لم يحرم ولم يلزمه به شيء وهذا مذهب الشافعي .

                        المذهب السادس أنه ظهار بإطلاقه نواه أو لم ينوه إلا أن يصرفه بالنية إلى الطلاق أو اليمين فينصرف إلى ما نواه هذا ظاهر مذهب أحمد .

                        وعنه رواية ثانية أنه بإطلاقه يمين إلا أن يصرفه بالنية إلى الظهار أو الطلاق فينصرف إلى ما نواه وعنه رواية أخرى ثالثة أنه ظهار بكل حال ولو نوى غيره وفيه رواية رابعة حكاها أبو الحسين في " فروعه " أنه طلاق بائن . ولو وصله بقوله أعني به الطلاق فعنه فيه روايتان . إحداهما : أنه طلاق فعلى هذا هل تلزمه الثلاث أو واحدة ؟ على روايتين والثانية أنه ظهار أيضا كما لو قال أنت علي كظهر أمي : أعني به الطلاق هذا تلخيص مذهبه .

                        المذهب السابع أنه إن نوى به ثلاثا فهي ثلاث وإن نوى به واحدة فهي واحدة بائنة وإن نوى به يمينا فهي يمين وإن لم ينو شيئا فهي كذبة لا شيء فيها وهذا مذهب سفيان الثوري حكاه عنه أبو محمد ابن حزم .

                        المذهب الثامن أنه طلقة واحدة بائنة بكل حال وهذا مذهب حماد بن أبي سليمان .

                        المذهب التاسع أنه إن نوى ثلاثا فثلاث وإن نوى واحدة أو لم ينو شيئا فواحدة بائنة وهذا مذهب إبراهيم النخعي حكاه عنه أبو محمد ابن حزم .

                        المذهب العاشر أنه طلقة رجعية حكاه ابن الصباغ وصاحبه أبو بكر الشاشي عن الزهري عن عمر بن الخطاب .

                        المذهب الحادي عشر أنها حرمت عليه بذلك فقط ولم يذكر هؤلاء ظهارا ولا طلاقا ولا يمينا بل ألزموه موجب تحريمه . قال ابن حزم صح هذا عن علي بن أبي طالب ورجال من الصحابة لم يسموا وعن أبي هريرة .

                        وصح عن الحسن وخلاس بن عمرو وجابر بن زيد وقتادة أنهم أمروه باجتنابها فقط . المذهب الثاني عشر التوقف في ذلك لا يحرمها المفتي على الزوج ولا يحللها له كما رواه الشعبي عن علي أنه قال ما أنا بمحلها ولا محرمها عليك إن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر

                        المذهب الثالث عشر الفرق بين أن يوقع التحريم منجزا أو معلقا تعليقا مقصودا وبين أن يخرجه مخرج اليمين فالأول ظهار بكل حال ولو نوى به الطلاق ولو وصله بقوله أعني به الطلاق .

                        والثاني : يمين يلزمه به كفارة يمين فإذا قال أنت علي حرام أو إذا دخل رمضان فأنت علي حرام فظهار وإذا قال إن سافرت أو إن أكلت هذا الطعام أو كلمت فلانا فامرأتي علي حرام فيمين مكفرة وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية فهذه أصول المذاهب في هذه المسألة وتتفرع إلى أكثر من عشرين مذهبا .

                        فصل

                        فأما من قال التحريم كله لغو لا شيء فيه فاحتجوا بأن الله سبحانه لم يجعل للعبد تحريما ولا تحليلا وإنما جعل له تعاطي الأسباب التي تحل بها العين وتحرم كالطلاق والنكاح والبيع والعتق وأما مجرد قوله حرمت كذا وهو علي حرام فليس إليه . قال تعالى : ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب [ النحل 116 ] وقال تعالى : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك [ التحريم 1 ] فإذا كان سبحانه لم يجعل لرسوله أن يحرم ما أحل الله له فكيف يجعل لغيره التحريم ؟ .

                        قالوا : وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد وهذا التحريم كذلك فيكون ردا باطلا .

                        قالوا : ولأنه لا فرق بين تحريم الحلال وتحليل الحرام وكما أن هذا الثاني لغو لا أثر له فكذلك الأول .

                        قالوا : ولا فرق بين قوله لامرأته أنت علي حرام وبين قوله لطعامه هو علي حرام .

                        قالوا : وقوله . أنت علي حرام إما أن يريد به إنشاء تحريمها أو الإخبار عنها بأنها حرام وإنشاء تحريم محال فإنه ليس إليه إنما هو إلى من أحل الحلال وحرم الحرام وشرع الأحكام وإن أراد الإخبار فهو كذب فهو إما خبر كاذب أو إنشاء باطل وكلاهما لغو من القول .

                        قالوا : ونظرنا فيما سوى هذا القول فرأيناها أقوالا مضطربة متعارضة يرد بعضها بعضا فلم نحرم الزوجة بشيء منها بغير برهان من الله ورسوله فنكون قد ارتكبنا أمرين تحريمها على الأول وإحلالها لغيره والأصل بقاء النكاح حتى تجمع الأمة أو يأتي برهان من الله ورسوله على زواله فيتعين القول به فهذا حجة هذا الفريق



                        فصل

                        وأما من قال إنه ثلاث بكل حال إن ثبت هذا عنه فيحتج له بأن التحريم جعل كناية في الطلاق وأعلى أنواعه تحريم الثلاث فيحمل على أعلى أنواعه احتياطا للأبضاع .

                        وأيضا فإنا تيقنا التحريم بذلك وشككنا : هل هو تحريم تزيله الكفارة كالظهار أو يزيله تجديد العقد كالخلع أو لا يزيله إلا زوج وإصابة كتحريم الثلاث ؟ وهذا متيقن وما دونه مشكوك فيه فلا يحل بالشك .

                        قالوا : ولأن الصحابة أفتوا في الخلية والبرية بأنها ثلاث . قال أحمد : هو عن علي وابن عمر صحيح ومعلوم أن غاية الخلية والبرية أن تصير إلى التحريم فإذا صرح بالغاية فهي أولى أن تكون ثلاثا ولأن المحرم لا يسبق إلى وهمه تحريم امرأته بدون الثلاث فكأن هذا اللفظ صار حقيقة عرفية في إيقاع الثلاث .

                        وأيضا فالواحدة لا تحرم إلا بعوض أو قبل الدخول أو عند تقييدها بكونها بائنة عند من يراه فالتحريم بها مقيد فإذا أطلق التحريم ولم يقيد انصرف إلى التحريم المطلق الذي يثبت قبل الدخول أو بعده وبعوض وغيره وهو الثلاث .

                        فصل

                        وأما من جعله ثلاثا في حق المدخول بها وواحدة بائنة في حق غيرها فحجته أن المدخول بها لا يحرمها إلا الثلاث وغير المدخول بها تحرمها الواحدة فالزائدة عليها ليست من لوازم التحريم فأورد على هؤلاء أن المدخول بها يملك الزوج إبانتها بواحدة بائنة فأجابوا بما لا يجدي عليهم شيئا وهو أن الإبانة بالواحدة الموصوفة بأنها بائنة إبانة مقيدة بخلاف التحريم فإن الإبانة به مطلقة ولا يكون ذلك إلا بالثلاث وهذا القدر لا يخلصهم من هذا الإلزام فإن إبانة التحريم أعظم تقييدا من قوله أنت طالق طلقة بائنة فإن غاية البائنة أن تحرمها وهذا قد صرح بالتحريم فهو أولى بالإبانة من قوله أنت طالق طلقة بائنة .

                        فصل

                        وأما من جعلها واحدة بائنة في حق المدخول بها وغيرها فمأخذ هذا القول أنها لا تفيد عددا بوضعها وإنما تقتضي بينونة يحصل بها التحريم وهو يملك إبانتها بعد الدخول بها بواحدة بدون عوض كما إذا قال أنت طالق طلقة بائنة فإن الرجعة حق له فإذا أسقطها سقطت ولأنه إذا ملك إبانتها بعوض يأخذه منها ملك الإبانة بدونه فإنه محسن بتركه ولأن العوض مستحق له لا عليه فإذا أسقطه وأبانها فله ذلك .

                        فصل

                        وأما من قال إنها واحدة رجعية فمأخذه أن التحريم يفيد مطلق انقطاع الملك وهو يصدق بالمتيقن منه وهو الواحدة وما زاد عليها فلا تعرض في اللفظ له فلا يسوغ إثباته بغير موجب وإذا أمكن إعمال اللفظ في الواحدة فقد وفى بموجبه فالزيادة عليه لا موجب لها .

                        قالوا : وهذا ظاهر جدا على أصل من يجعل الرجعية محرمة وحينئذ فنقول التحريم أعم من تحريم رجعية أو تحريم بائن فالدال على الأعم لا يدل على الأخص وإن شئت قلت : الأعم لا يستلزم الأخص أو ليس الأخص من لوازم الأعم أو الأعم لا ينتج الأخص .




                        فصل

                        وأما من قال يسأل عما أراد من ظهار أو طلاق رجعي أو محرم أو يمين فيكون ما أراد من ذلك فمأخذه أن اللفظ لم يوضع لإيقاع الطلاق خاصة بل هو محتمل للطلاق والظهار والإيلاء فإذا صرف إلى بعضها بالنية فقد استعمله فيما هو صالح له وصرفه إليه بنيته فينصرف إلى ما أراده ولا يتجاوز به ولا يقصر عنه وكذلك لو نوى عتق أمته بذلك عتقت وكذلك لو نوى الإيلاء من الزوجة واليمين من الأمة لزمه ما نواه قالوا : وأما إذا نوى تحريم عينها لزمه بنفس اللفظ كفارة يمين اتباعا لظاهر القرآن وحديث ابن عباس الذي رواه مسلم في " صحيحه " : إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها وتلا : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وهذا يشبه ما قاله مجاهد في الظهار إنه يلزمه بمجرد التكلم به كفارة الظهار وهو في الحقيقة قول الشافعي رحمه الله فإنه يوجب الكفارة إذا لم يطلق عقيبه على الفور .

                        قالوا : ولأن اللفظ يحتمل الإنشاء والإخبار فإن أراد الإخبار فقد استعمله فيما هو صالح له فيقبل منه . وإن أراد الإنشاء سئل عن السبب الذي حرمها به . فإن قال أردت ثلاثا أو واحدة أو اثنتين قبل منه لصلاحية اللفظ له واقترانه بنيته وإن نوى الظهار كان كذلك لأنه صرح بموجب الظهار لأن قوله أنت علي كظهر أمي موجبه التحريم فإذا نوى ذلك بلفظ التحريم كان ظهارا واحتماله للطلاق بالنية لا يزيد على احتماله للظهار بها وإن أراد تحريمها مطلقا فهو يمين مكفرة لأنه امتناع منها بالتحريم فهو كامتناعه منها باليمين .



                        فصل

                        وأما من قال إنه ظهار إلا أن ينوي به طلاقا فمأخذ قوله أن اللفظ موضوع للتحريم فهو منكر من القول وزور فإن العبد ليس إليه التحريم والتحليل وإنما إليه إنشاء الأسباب التي يرتب عليها ذلك فإذا حرم ما أحل الله له فقد قال المنكر والزور فيكون كقوله أنت علي كظهر أمي بل هذا أولى أن يكون ظهارا لأنه إذا شبهها بمن تحرم عليه دل على التحريم باللزوم فإذا صرح بتحريمها فقد صرح بموجب التشبيه في لفظ الظهار فهو أولى أن يكون ظهارا .

                        قالوا : وإنما جعلناه طلاقا بالنية فصرفناه إليه بها لأنه يصلح كناية في الطلاق فينصرف إليه بالنية بخلاف إطلاقه فإنه ينصرف إلى الظهار فإذا نوى به اليمين كان يمينا إذ من أصل أرباب هذا القول أن تحريم الطعام ونحوه يمين مكفرة فإذا نوى بتحريم الزوجة اليمين نوى ما يصلح له اللفظ فقبل منه .



                        فصل

                        وأما من قال إنه ظهار وإن نوى به الطلاق أو وصله بقوله أعني به الطلاق فمأخذ قوله ما ذكرنا من تقرير كونه ظهارا ولا يخرج عن كونه ظهارا بنية الطلاق كما لو قال أنت علي كظهر أمي ونوى به الطلاق أو قال أعني به الطلاق فإنه لا يخرج بذلك عن الظهار ويصير طلاقا عند الأكثرين إلا على قول شاذ لا يلتفت إليه لموافقته ما كان الأمر عليه في الجاهلية من جعل الظهار طلاقا ونسخ الإسلام لذلك وإبطاله فإذا نوى به الطلاق فقد نوى ما أبطله الله ورسوله مما كان عليه أهل الجاهلية عند إطلاق لفظ الظهار طلاقا وقد نوى ما لا يحتمله شرعا فلا تؤثر نيته في تغيير ما استقر عليه حكم الله الذي حكم به بين عباده ثم جرى أحمد وأصحابه على أصله من التسوية بين إيقاع ذلك والحلف به كالطلاق والعتاق وفرق شيخ الإسلام بين البابين على أصله في التفريق بين الإيقاع والحلف كما فرق الشافعي وأحمد رحمهما الله ومن وافقهما بين البابين في النذر بين أن يحلف به فيكون يمينا مكفرة وبين أن ينجزه أو يعلقه بشرط يقصد وقوعه فيكون نذرا لازم الوفاء كما سيأتي تقريره في الأيمان إن شاء الله تعالى .

                        قال فيلزمهم على هذا أن يفرقوا بين إنشاء التحريم وبين الحلف فيكون في الحلف به حالفا يلزمه كفارة يمين وفي تنجيزه أو تعليقه بشرط مقصود مظاهرا يلزمه كفارة الظهار وهذا مقتضى المنقول عن ابن عباس رضي الله عنهما فإنه مرة جعله ظهارا ومرة جعله يمينا .




                        فصل

                        وأما من قال إنه يمين مكفرة بكل حال فمأخذ قوله أن تحريم الحلال من الطعام والشراب واللباس يمين تكفر بالنص والمعنى وآثار الصحابة فإن الله سبحانه قال يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [ التحريم 1و2 ]

                        ولا بد أن يكون تحريم الحلال داخلا تحت هذا الفرض لأنه سببه وتخصيص محل السبب من جملة العام ممتنع قطعا إذ هو المقصود بالبيان أولا فلو خص لخلا سبب الحكم عن البيان وهو ممتنع وهذا الاستدلال في غاية القوة فسألت عنه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فقال نعم التحريم يمين كبرى في الزوجة كفارتها كفارة الظهار ويمين صغرى فيما عداها كفارتها كفارة اليمين بالله .

                        قال وهذا معنى قول ابن عباس وغيره من الصحابة ومن بعدهم إن التحريم يمين تكفر فهذا تحرير المذاهب في هذه المسألة نقلا وتقريرها استدلالا ولا يخفى - على من آثر العلم والإنصاف وجانب التعصب ونصرة ما بني عليه من الأقوال - الراجح من المرجوح وبالله المستعان .




                        فصل [ الاختلاف في تحريم غير الزوجة ]

                        وقد تبين بما ذكرنا أن من حرم شيئا غير الزوجة من الطعام والشراب واللباس أو أمته لم يحرم عليه بذلك وعليه كفارة يمين وفي هذا خلاف في ثلاثة مواضع .

                        أحدها : أنه لا يحرم وهذا قول الجمهور وقال أبو حنيفة : يحرم تحريما مقيدا تزيله الكفارة كما إذا ظاهر من امرأته فإنه لا يحل له وطؤها حتى يكفر ولأن الله سبحانه سمى الكفارة في ذلك تحلة وهي ما يوجب الحل فدل على ثبوت التحريم قبلها ولأنه سبحانه قال لنبيه صلى الله عليه وسلم لم تحرم ما أحل الله لك ولأنه تحريم لما أبيح له فيحرم بتحريمه كما لو حرم زوجته .

                        ومنازعوه يقولون إنما سميت الكفارة تحلة من الحل الذي هو ضد العقد لا من الحل الذي هو مقابل التحريم فهي تحل اليمين بعد عقدها وأما قوله لم تحرم ما أحل الله لك فالمراد تحريم الأمة أو العسل ومنع نفسه منه وذلك يسمى تحريما فهو تحريم بالقول لا إثبات للتحريم شرعا .

                        وأما قياسه على تحريم الزوجة بالظهار أو بقوله أنت علي حرام فلو صح هذا القياس لوجب تقديم التكفير على الحنث قياسا على الظهار إذ كان في معناه وعندهم لا يجوز التكفير إلا بعد الحنث فعلى قولهم يلزم أحد أمرين ولا بد إما أن يفعله حراما وقد فرض الله تحلة اليمين فيلزم كون المحرم مفروضا أو من ضرورة المفروض لأنه لا يصل إلى التحلة إلا بفعل المحلوف عليه أو أنه لا سبيل له إلى فعله حلالا لأنه لا يجوز تقديم الكفارة فيستفيد بها الحل وإقدامه عليه وهو حرام ممتنع هذا ما قيل في المسألة من الجانبين .

                        وبعد فلها غور وفيها دقة وغموض فإن من حرم شيئا فهو بمنزلة من حلف بالله على تركه ولو حلف على تركه لم يجز له هتك حرمة المحلوف به بفعله إلا بالتزام الكفارة فإذا التزمها جاز له الإقدام على فعل المحلوف عليه فلو عزم على ترك الكفارة فإن الشارع لا يبيح له الإقدام على فعل ما حلف عليه ويأذن له فيه وإنما يأذن له فيه ويبيحه إذا التزم ما فرض الله من الكفارة فيكون إذنه له فيه وإباحته بعد امتناعه منه بالحلف أو التحريم رخصة من الله له ونعمة منه عليه بسبب التزامه لحكمه الذي فرض له من الكفارة فإذا لم يلتزمه بقي المنع الذي عقده على نفسه إصرا عليه فإن الله إنما رفع الآصار عمن اتقاه والتزم حكمه وقد كانت اليمين في شرع من قبلنا يتحتم الوفاء بها ولا يجوز الحنث فوسع الله على هذه الأمة وجوز لها الحنث بشرط الكفارة فإذا لم يكفر لا قبل ولا بعد لم يوسع له في الحنث فهذا معنى قوله إنه يحرم حتى يكفر .

                        وليس هذا من مفردات أبي حنيفة بل هو أحد القولين في مذهب أحمد يوضحه أن هذا التحريم والحلف قد تعلق به منعان منع من نفسه لفعله ومنع من الشارع للحنث بدون الكفارة فلو لم يحرمه تحريمه أو يمينه لم يكن لمنعه نفسه ولا لمنع الشارع له أثر بل كان غاية الأمر أن الشارع أوجب في ذمته بهذا المنع صدقة أو عتقا أو صوما لا يتوقف عليه حل المحلوف عليه ولا تحريمه البتة بل هو قبل المنع وبعده على السواء من غير فرق فلا يكون للكفارة أثر البتة لا في المنع منه ولا في الإذن وهذا لا يخفى فساده .

                        وأما إلزامه بالإقدام عليه مع تحريمه حيث لا يجوز تقديم الكفارة فجوابه أنه إنما يجوز له الإقدام عند عزمه على التكفير فعزمه على التكفير منع من بقاء تحريمه عليه وإنما يكون التحريم ثابتا إذا لم يلتزم الكفارة ومع التزامها لا يستمر التحريم .

                        فصل

                        الثاني : أن يلزمه كفارة بالتحريم وهو بمنزلة اليمين وهذا قول من سميناه من الصحابة وقول فقهاء الرأي والحديث إلا الشافعي ومالكا فإنهما قالا : لا كفارة عليه بذلك .

                        والذين أوجبوا الكفارة أسعد بالنص من الذين أسقطوها فإن الله سبحانه ذكر تحلة الأيمان عقب قوله لم تحرم ما أحل الله لك وهذا صريح في أن تحريم الحلال قد فرض فيه تحلة الأيمان إما مختصا به وإما شاملا له ولغيره فلا يجوز أن يخلى سبب الكفارة المذكورة في السياق عن حكم الكفارة ويعلق بغيره وهذا ظاهر الامتناع .

                        وأيضا فإن المنع من فعله بالتحريم كالمنع منه باليمين بل أقوى فإن اليمين إن تضمن هتك حرمة اسمه سبحانه فالتحريم تضمن هتك حرمة شرعه وأمره فإنه إذا شرع الشيء حلالا فحرمه المكلف كان تحريمه هتكا لحرمة ما شرعه ونحن نقول لم يتضمن الحنث في اليمين هتك حرمة الاسم ولا التحريم هتك حرمة الشرع كما يقوله من يقول من الفقهاء وهو تعليل فاسد جدا فإن الحنث إما جائز وإما واجب أو مستحب وما جوز الله لأحد البتة أن يهتك حرمة اسمه وقد شرع لعباده الحنث مع الكفارة وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا حلف على يمين ورأى غيرها خيرا كفر عن يمينه وأتى المحلوف عليه ومعلوم أن هتك حرمة اسمه تبارك وتعالى لم يبح في شريعة قط وإنما الكفارة كما سماها الله تعالى تحلة وهي تفعلة من الحل فهي تحل ما عقد به اليمين ليس إلا وهذا العقد كما يكون باليمين يكون بالتحريم وظهر سر قوله تعالى : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم عقيب قوله لم تحرم ما أحل الله لك

                        فصل [ الحكم في تحريم الأمة ]

                        الثالث أنه لا فرق بين التحريم في غير الزوجة بين الأمة وغيرها عند الجمهور إلا الشافعي وحده أوجب في تحريم الأمة خاصة كفارة يمين إذ التحريم له تأثير في الأبضاع عنده دون غيرها .

                        وأيضا فإن سبب نزول الآية تحريم الجارية فلا يخرج محل السبب عن الحكم ويتعلق بغيره ومنازعوه يقولون النص علق فرض تحلة اليمين بتحريم الحلال وهو أعم من تحريم الأمة وغيرها فتجب الكفارة حيث وجد سببها وقد تقدم تقريره .

                        حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الرجل لامرأته الحقي بأهلك
                        ثبت في " صحيح البخاري " : أن ابنة الجون لما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودنا منها قالت أعوذ بالله منك فقال عذت بعظيم الحقي بأهلك .

                        وثبت في " الصحيحين " : أن كعب بن مالك رضي الله عنه لما أتاه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن يعتزل امرأته قال لها : الحقي بأهلك


                        افتراضي

                        فاختلف الناس فى هذا فقالت طائفة ليس هذا بطلاق ولا يقع به الطلاق نواه أو لم ينوه وهذا قول أهل الظاهر . قالوا : والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عقد على ابنة الجون وإنما أرسل إليها ليخطبها .

                        قالوا : ويدل على ذلك ما في " صحيح البخاري " : من حديث حمزة بن أبي أسيد عن أبيه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أتي بالجونية فأنزلت في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل في نخل ومعها دابتها فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هبي لي نفسك " فقالت وهل تهب الملكة نفسها للسوقة فأهوى ليضع يده عليها لتسكن فقالت أعوذ بالله منك فقال " قد عذت بمعاذ ثم خرج فقال " يا أبا أسيد اكسها رازقيين وألحقها بأهلها

                        وفي " صحيح مسلم " : عن سهل بن سعد قال ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من العرب فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها فأرسل إليها فقدمت فنزلت في أجم بني ساعدة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءها دخل عليها فإذا امرأة منكسة رأسها فلما كلمها قالت أعوذ بالله منك قال " قد أعذتك مني " فقالوا لها : أتدرين من هذا ؟ قالت لا قالوا : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءك ليخطبك قالت أنا كنت أشقى من ذلك

                        قالوا : وهذه كلها أخبار عن قصة واحدة في امرأة واحدة في مقام واحد وهي صريحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن تزوجها بعد وإنما دخل عليها ليخطبها .

                        وقال الجمهور - منهم الأئمة الأربعة وغيرهم - بل هذا من ألفاظ الطلاق إذا نوى به الطلاق وقد ثبت في " صحيح البخاري " : أن أبانا إسماعيل بن إبراهيم طلق به امرأته لما قال لها إبراهيم : مريه فليغير عتبة بابه " فقال لها : أنت العتبة وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك وحديث عائشة كالصريح في أنه صلى الله عليه وسلم كان عقد عليها فإنها قالت لما أدخلت عليه فهذا دخول الزوج بأهله ويؤكده قولها : ودنا منها . وأما حديث أبي أسيد فغاية ما فيه قوله هبي لي نفسك وهذا لا يدل على أنه لم يتقدم نكاحه لها وجاز أن يكون هذا استدعاء منه صلى الله عليه وسلم للدخول لا للعقد . وأما حديث سهل بن سعد فهو أصرحها في أنه لم يكن وجد عقد فإن فيه أنه صلى الله عليه وسلم لما جاء إليها قالوا : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليخطبك والظاهر أنها هي الجونية لأن سهلا قال في حديثه فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها فأرسل إليها .

                        فالقصة واحدة دارت على عائشة رضي الله عنها وأبي أسيد وسهل وكل منهم رواها وألفاظهم فيها متقاربة ويبقى التعارض بين قوله جاء ليخطبك وبين قوله فلما دخل عليها ودنا منها : فإما أن يكون أحد اللفظين وهما أو الدخول ليس دخول الرجل على امرأته بل الدخول العام وهذا محتمل .

                        وحديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة إسماعيل صريح ولم يزل هذا اللفظ من الألفاظ التي يطلق بها في الجاهلية والإسلام ولم يغيره النبي صلى الله عليه وسلم بل أقرهم عليه وقد أوقع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الطلاق وهم القدوة بأنت حرام وأمرك بيدك واختاري . ووهبتك لأهلك وأنت خلية وقد خلوت مني وأنت برية وقد أبرأتك وأنت مبرأة وحبلك على غاربك وأنت الحرج .

                        فقال علي وابن عمر : الخلية ثلاث وقال عمر : واحدة وهو أحق بها وفرق معاوية بين رجل وامرأته قال لها : إن خرجت فأنت خلية وقال علي وابن عمر

                        رضي الله عنهما وزيد في البرية إنها ثلاث .

                        وقال عمر رضي الله عنه هي واحدة وهو أحق بها وقال علي في الحرج هي ثلاث وقال عمر : واحدة وقد تقدم ذكر أقوالهم في أمرك بيدك وأنت حرام .

                        والله سبحانه ذكر الطلاق ولم يعين له لفظا فعلم أنه رد الناس إلى ما يتعارفونه طلاقا فأي لفظ جرى عرفهم به وقع به الطلاق مع النية .

                        والألفاظ لا تراد لعينها بل للدلالة على مقاصد لافظها فإذا تكلم بلفظ دال على معنى وقصد به ذلك المعنى ترتب عليه حكمه ولهذا يقع الطلاق من العجمي والتركي والهندي بألسنتهم بل لو طلق أحدهم بصريح الطلاق بالعربية ولم يفهم معناه لم يقع به شيء قطعا فإنه تكلم بما لا يفهم معناه ولا قصده وقد دل حديث كعب بن مالك على أن الطلاق لا يقع بهذا اللفظ وأمثاله إلا بالنية .

                        يتبع
                        أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
                        وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

                        Comment

                        • اخت مسلمة
                          محاور
                          • Nov 2005
                          • 6338

                          #42
                          [ ترجيح المصنف بأن جميع الألفاظ صريحها وكنايتها لا تقع إلا بالنية ]
                          والصواب أن ذلك جار في سائر الألفاظ صريحها وكنايتها ولا فرق بين ألفاظ العتق والطلاق فلو قال غلامي غلام حر لا يأتي الفواحش أو أمتي أمة حرة لا تبغي الفجور ولم يخطر بباله العتق ولا نواه لم يعتق بذلك قطعا وكذلك لو كانت معه امرأته في طريق فافترقا فقيل له أين امرأتك ؟ فقال فارقتها أو سرح شعرها وقال سرحتها ولم يرد طلاقا لم تطلق . كذلك إذا ضربها الطلق وقال لغيره إخبارا عنها بذلك إنها طالق لم تطلق بذلك وكذلك إذا كانت المرأة في وثاق فأطلقت منه فقال لها : أنت طالق وأراد من الوثاق .

                          هذا كله مذهب مالك وأحمد في بعض هذه الصور وبعضها نظير ما نص عليه ولا يقع الطلاق به حتى ينويه ويأتي بلفظ دال عليه فلو انفرد أحد الأمرين عن الآخر لم يقع الطلاق ولا العتاق وتقسيم الألفاظ إلى صريح وكناية وإن كان تقسيما صحيحا في أصل الوضع لكن يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة فليس حكما ثابتا للفظ لذاته فرب لفظ صريح عند قوم كناية عند آخرين أو صريح في زمان أو مكان كناية في غير ذلك الزمان والمكان والواقع شاهد بذلك فهذا لفظ السراح لا يكاد أحد يستعمله في الطلاق لا صريحا ولا كناية فلا يسوغ أن يقال إن من تكلم به لزمه طلاق امرأته نواه أو لم ينوه ويدعي أنه ثبت له عرف الشرع والاستعمال فإن هذه دعوى باطلة شرعا واستعمالا أما الاستعمال فلا يكاد أحد يطلق به البتة وأما الشرع فقد استعمله في غير الطلاق كقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا [ الأحزاب 49 ] فهذا السراح غير الطلاق قطعا وكذلك الفراق استعمله الشرع في غير الطلاق كقوله تعالى : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن إلى قوله فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف [ الطلاق 2 ] فالإمساك هنا : الرجعة والمفارقة ترك الرجعة لا إنشاء طلقة ثانية هذا مما لا خلاف فيه البتة فلا يجوز أن يقال إن من تكلم به طلقت زوجته فهم معناه أو لم يفهم وكلاهما في البطلان سواء وبالله التوفيق .


                          حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهار
                          وبيان ما أنزل الله فيه ومعنى العود الموجب للكفارة
                          قال تعالى : الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم [ المجادلة 2 - 4 ] .

                          ثبت في السنن و المسانيد أن أوس بن الصامت ظاهر من زوجته خولة بنت مالك بن ثعلبة وهي التي جادلت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتكت إلى الله وسمع الله شكواها من فوق سبع سماوات فقالت يا رسول الله إن أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة مرغوب في فلما خلا سني ونثرت له بطني جعلني كأمه عنده فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عندي في أمرك شيء فقالت اللهم إني أشكو إليك وروي أنها قالت إن لي صبية صغارا إن ضمهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا فنزل القرآن

                          وقالت عائشة الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت خولة بنت ثعلبة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في كسر البيت يخفى علي بعض كلامها فأنزل الله عز وجل قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير [ المجادلة 1 ] . فقال النبي صلى الله عليه وسلم ليعتق رقبة قالت لا يجد قال فيصوم شهرين متتابعين قالت يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام قال فليطعم ستين مسكينا قالت ما عنده من شيء يتصدق به قالت فأتي ساعتئذ بعرق من تمر قلت : يا رسول الله فإني أعينه بعرق آخر قال أحسنت فأطعمي عنه ستين مسكينا وارجعي إلى ابن عمك

                          وفي السنن أن سلمة بن صخر البياضي ظاهر من امرأته مدة شهر رمضان ثم واقعها ليلة قبل انسلاخه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أنت بذاك يا سلمة قال قلت : أنا بذاك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين وأنا صابر لأمر الله فاحكم في بما أراك الله قال حرر رقبة قلت والذي بعثك بالحق نبيا ما أملك رقبة غيرها وضربت صفحة رقبتي قال فصم شهرين متتابعين قال وهل أصبت الذي أصبت إلا في الصيام قال فأطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا قلت : والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين ما لنا طعام قال فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر وكل أنت وعيالك بقيتها قال فرحت إلى قومي فقلت وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة وحسن الرأي وقد أمر لي بصدقتكم

                          وفي جامع الترمذي عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم قد ظاهر من امرأته فوقع عليها فقال يا رسول الله إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر قال وما حملك على ذلك يرحمك الله قال رأيت خلخالها في ضوء القمر قال فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله قال هذا حديث حسن غريب صحيح .

                          وفيه أيضا : عن سلمة بن صخر عن النبي صلى الله عليه وسلم في المظاهر يواقع قبل أن يكفر فقال كفارة واحدة وقال حسن غريب انتهى وفيه انقطاع بين سليمان بن يسار وسلمة بن صخر .

                          وفي مسند البزار عن إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنه قال أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني ظاهرت من امرأتي ثم وقعت عليها قبل أن أكفر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم يقل الله من قبل أن يتماسا ؟ فقال أعجبتني فقال أمسك عنها حتى تكفر قال البزار : لا نعلمه يروى بإسناد أحسن من هذا على أن إسماعيل بن مسلم قد تكلم فيه وروى عنه جماعة كثيرة من أهل العلم . فتضمنت هذه الأحكام أمورا .

                          [ إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من كون الظهار طلاقا وكذا إن نوى به الطلاق ]

                          أحدها : إبطال ما كانوا عليه في الجاهلية وفي صدر الإسلام من كون الظهار طلاقا ولو صرح بنيته له فقال أنت علي كظهر أمي أعني به الطلاق لم يكن طلاقا وكان ظهارا وهذا بالاتفاق إلا ما عساه من خلاف شاذ وقد نص عليه أحمد والشافعي وغيرهما .

                          قال الشافعي : ولو ظاهر يريد طلاقا كان ظهارا أو طلق يريد ظهارا كان طلاقا هذا لفظه فلا يجوز أن ينسب إلى مذهبه خلاف هذا ونص أحمد : على أنه إذا قال أنت علي كظهر أمي أعني به الطلاق أنه ظهار ولا تطلق به وهذا لأن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فنسخ فلم يجز أن يعاد إلى الحكم المنسوخ .

                          وأيضا فأوس بن الصامت إنما نوى به الطلاق على ما كان عليه وأجرى عليه حكم الظهار دون الطلاق .

                          وأيضا فإنه صريح في حكمه فلم يجز جعله كناية في الحكم الذي أبطله عز وجل بشرعه وقضاء الله أحق وحكم الله أوجب .


                          [ حرمة الظهار ]
                          ومنها أن الظهار حرام لا يجوز الإقدام عليه لأنه كما أخبر الله عنه منكر من القول وزور وكلاهما حرام والفرق بين جهة كونه منكرا وجهة كونه زورا أن قوله أنت علي كظهر أمي يتضمن إخباره عنها بذلك وإنشاءه تحريمها فهو يتضمن إخبارا وإنشاء فهو خبر زور وإنشاء منكر فإن الزور هو الباطل خلاف الحق الثابت والمنكر خلاف المعروف وختم سبحانه الآية بقوله تعالى : وإن الله لعفو غفور وفيه إشعار بقيام سبب الإثم الذي لولا عفو الله ومغفرته لآخذ به .

                          ومنها : أن الكفارة لا تجب بنفس الظهار وإنما تجب بالعود وهذا قول الجمهور وروى الثوري عن ابن أبي نجيح عن طاووس قال إذا تكلم بالظهار فقد لزمه وهذه رواية ابن أبي نجيح عنه وروى معمر عن طاووس عن أبيه في قوله تعالى : ثم يعودون لما قالوا قال جعلها عليه كظهر أمه ثم يعود فيطؤها فتحرير رقبة .

                          وحكى الناس عن مجاهد : أنه تجب الكفارة بنفس الظهار وحكاه ابن حزم عن الثوري وعثمان البتي وهؤلاء لم يخف عليهم أن العود شرط في الكفارة ولكن العود عندهم هو العود إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من التظاهر كقوله تعالى في جزاء الصيد ومن عاد فينتقم الله منه [ المائدة 95 ] أي عاد إلى الاصطياد بعد نزول تحريمه ولهذا قال عفا الله عما سلف [ المائدة 95 ] قالوا : ولأن الكفارة إنما وجبت في مقابلة ما تكلم به من المنكر والزور وهو الظهار دون الوطء أو العزم عليه قالوا : ولأن الله سبحانه لما حرم الظهار ونهى عنه كان العود هو فعل المنهي عنه كما قال تعالى : عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا [ الإسراء : 8 ] أي إن عدتم إلى الذنب عدنا إلى العقوبة ؟ فالعود هنا نفس فعل المنهي عنه .

                          قالوا : ولأن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فنقل حكمه من الطلاق إلى الظهار ورتب عليه التكفير وتحريم الزوجة حتى يكفر وهذا يقتضي أن يكون حكمه معتبرا بلفظه كالطلاق .

                          ونازعهم الجمهور في ذلك وقالوا : إن العود أمر وراء مجرد لفظ الظهار ولا يصح حمل الآية على العود إليه في الإسلام لثلاثة أوجه .

                          أحدها : أن هذه الآية بيان لحكم من يظاهر في الإسلام ولهذا أتى فيها بلفظ الفعل مستقبلا فقال يظاهرون وإذا كان هذا بيانا لحكم ظهار الإسلام فهو عندكم نفس العود فكيف يقول بعده ثم يعودون وأن معنى هذا العود غير الظهار عندكم ؟ .

                          الثاني : أنه لو كان العود ما ذكرتم وكان المضارع بمعنى الماضي كان تقديره والذين ظاهروا من نسائهم ثم عادوا في الإسلام ولما وجبت الكفارة إلا على من تظاهر في الجاهلية ثم عاد في الإسلام فمن أين توجبونها على من ابتدأ الظهار في الإسلام غير عائد ؟ فإن هنا أمرين ظهار سابق وعود إليه وذلك يبطل حكم الظهار الآن بالكلية إلا أن تجعلوا " يظاهرون " لفرقة ويعودون لفرقة ولفظ المضارع نائبا عن لفظ الماضي وذلك مخالف للنظم ومخرج عن الفصاحة .

                          الثالث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أوس بن الصامت وسلمة بن صخر بالكفارة ولم يسألهما : هل تظاهرا في الجاهلية أم لا ؟ فإن قلتم ولم يسألهما عن العود الذي تجعلونه شرطا ولو كان شرطا لسألهما عنه .

                          قيل أما من يجعل العود نفس الإمساك بعد الظهار زمنا يمكن وقوع الطلاق فيه فهذا جار على قوله وهو نفس حجته ومن جعل العود هو الوطء والعزم قال سياق القصة بين في أن المتظاهرين كان قصدهم الوطء وإنما أمسكوا له وسيأتي تقرير ذلك إن شاء الله تعالى .

                          وأما كون الظهار منكرا من القول وزورا فنعم هو كذلك ولكن الله عز وجل إنما أوجب الكفارة في هذا المنكر والزور بأمرين به وبالعود كما أن حكم الإيلاء إنما يترتب عليه وعلى الوطء لا على أحدهما .

                          فصل

                          وقال الجمهور لا تجب الكفارة إلا بالعود بعد الظهار ثم اختلفوا في معنى العود هل هو إعادة لفظ الظهار بعينه أو أمر وراءه ؟ على قولين فقال أهل الظاهر كلهم هو إعادة لفظ الظهار ولم يحكوا هذا عن أحد من السلف البتة وهو قول لم يسبقوا إليه وإن كانت هذه الشكاة لا يكاد مذهب من المذاهب يخلو عنها .

                          قالوا : فلم يوجب الله سبحانه الكفارة إلا بالظهار المعاد لا المبتدأ . قالوا : والاستدلال بالآية من ثلاثة وجوه

                          أحدها : أن العرب لا يعقل في لغاتها العود إلى الشيء إلا فعل مثله مرة ثانية قالوا : وهذا كتاب الله وكلام رسوله وكلام العرب بيننا وبينكم . قال تعالى : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه [ الأنعام 28 ] فهذا نظير الآية سواء في أنه عدى فعل العود باللام وهو إتيانهم مرة ثانية بمثل ما أتوا به أولا وقال تعالى : وإن عدتم عدنا [ الإسراء : 8 ] أي إن كررتم الذنب كررنا العقوبة ومنه قوله تعالى : ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه [ المجادلة 8 ] وهذا في سورة الظهار نفسها وهو يبين المراد من العود فيه فإنه نظيره فعلا وإرادة والعهد قريب بذكره .

                          قالوا : وأيضا فالذي قالوه هو لفظ الظهار فالعود إلى القول هو الإتيان به مرة ثانية لا تعقل العرب غير هذا . قالوا : وأيضا فما عدا تكرار اللفظ إما إمساك وإما عزم وإما فعل وليس واحد منها بقول فلا يكون الإتيان به عودا لا لفظا ولا معنى ولأن العزم والوطء والإمساك ليس ظهارا فيكون الإتيان بها عودا إلى الظهار .

                          قالوا : ولو أريد بالعود الرجوع في الشيء الذي منع منه نفسه كما يقال عاد في الهبة لقال ثم يعودون فيما قالوا كما في الحديث العائد في هبته كالعائد في قيئه

                          واحتج أبو محمد بن حزم بحديث عائشة رضي الله عنها أن أوس بن الصامت كان به لمم فكان إذا اشتد به لممه ظاهر من زوجته فأنزل الله عز وجل فيه كفارة الظهار . فقال هذا يقتضي التكرار ولا بد قال ولا يصح في الظهار إلا هذا الخبر وحده .

                          قال وأما تشنيعكم علينا بأن هذا القول لم يقل به أحد من الصحابة فأرونا من الصحابة من قال إن العود هو الوطء أو العزم أو الإمساك أو هو العود إلى الظهار في الجاهلية ولو عن رجل واحد من الصحابة فلا تكونون أسعد بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منا أبدا .

                          فصل

                          ونازعهم الجمهور في ذلك وقالوا : ليس معنى العود إعادة اللفظ الأول لأن ذلك لو كان هو العود لقال ثم يعيدون ما قالوا لأنه يقال أعاد كلامه بعينه وأما عاد فإنما هو في الأفعال كما يقال عاد في فعله وفي هبته فهذا استعماله ب " في " . ويقال عاد إلى عمله وإلى ولايته وإلى حاله وإلى إحسانه وإساءته ونحو ذلك وعاد له أيضا .

                          وأما القول فإنما يقال أعاده كما قال ضماد بن ثعلبة للنبي صلى الله عليه وسلم أعد علي كلماتك وكما قال أبو سعيد " أعدها علي يا رسول الله وهذا ليس بلازم فإنه يقال أعاد مقالته وعاد لمقالته وفي الحديث فعاد لمقالته بمعنى أعادها سواء وأفسد من هذا رد من رد عليهم بأن إعادة القول محال كإعادة أمس .

                          قال لأنه لا يتهيأ اجتماع زمانين وهذا في غاية الفساد فإن إعادة القول من جنس إعادة الفعل وهي الإتيان بمثل الأول لا بعينه والعجب من متعصب يقول لا يعتد بخلاف الظاهرية ويبحث معهم بمثل هذه البحوث ويرد عليهم بمثل هذا الرد وكذلك رد من رد عليهم بمثل العائد في هبته فإنه ليس نظير الآية وإنما نظيرها ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ومع هذا فهذه الآية تبين المراد من آية الظهار فإن عودهم لما نهوا عنه هو رجوعهم إلى نفس المنهي عنه وهو النجوى وليس المراد به إعادة تلك النجوى بعينها بل رجوعهم إلى المنهي عنه وكذلك قوله تعالى في الظهار يعودون لما قالوا أي لقولهم . فهو مصدر بمعنى المفعول وهو تحريم الزوجة بتشبيهها بالمحرمة فالعود إلى المحرم هو العود إليه وهو فعله فهذا مأخذ من قال إنه الوطء .

                          ونكتة المسألة أن القول في معنى المقول والمقول هو التحريم والعود له هو العود إليه وهو استباحته عائدا إليه بعد تحريمه وهذا جار على قواعد اللغة العربية واستعمالها وهذا الذي عليه جمهور السلف والخلف كما قال قتادة وطاووس والحسن والزهري ومالك وغيرهم ولا يعرف عن أحد من السلف أنه فسر الآية بإعادة اللفظ البتة لا من الصحابة ولا من التابعين ولا من بعدهم وها هنا أمر خفي على من جعله إعادة اللفظ وهو أن العود إلى الفعل يستلزم مفارقة الحال التي هو عليها الآن وعوده إلى الحال التي كان عليها أولا كما قال تعالى : وإن عدتم عدنا [ الإسراء 8 ] ألا ترى أن عودهم مفارقة ما هم عليه من الإحسان وعودهم إلى الإساءة وكقول الشاعر

                          وإن عاد للإحسان فالعود أحمد

                          والحال التي هو عليها الآن التحريم بالظهار والتي كان عليها إباحة الوطء بالنكاح الموجب للحل فعود المظاهر عود إلى حل كان عليه قبل الظهار وذلك هو الموجب للكفارة فتأمله فالعود يقتضي أمرا يعود إليه بعد مفارقته وظهر سر الفرق بين العود في الهبة وبين العود لما قال المظاهر فإن الهبة بمعنى الموهوب وهو عين يتضمن عوده فيه إدخاله في ملكه وتصرفه فيه كما كان أولا بخلاف المظاهر فإنه بالتحريم قد خرج عن الزوجية وبالعود قد طلب الرجوع إلى الحال التي كان عليها معها قبل التحريم فكان الأليق أن يقال عاد لكذا يعني : عاد إليه .

                          وفي الهبة عاد إليها وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أوس بن الصامت وسلمة بن صخر بكفارة الظهار ولم يتلفظا به مرتين فإنهما لم يخبرا بذلك عن أنفسهما ولا أخبر به أزواجهما عنهما ولا أحد من الصحابة ولا سألهما النبي صلى الله عليه وسلم هل قلتما ذلك مرة أو مرتين ؟ ومثل هذا لو كان شرطا لما أهمل بيانه .

                          وسر المسألة أن العود يتضمن أمرين أمرا يعود إليه وأمرا يعود عنه ولا بد منهما فالذي يعود عنه يتضمن نقضه وإبطاله والذي يعود إليه يتضمن إيثاره وإرادته فعود المظاهر يقتضي نقض الظهار وإبطاله وإيثار ضده وإرادته وهذا عين فهم السلف من الآية فبعضهم يقول إن العود هو الإصابة وبعضهم يقول الوطء وبعضهم يقول اللمس وبعضهم يقول العزم .

                          وأما قولكم إنه إنما أوجب الكفارة في الظهار المعاد إن أردتم به المعاد لفظه فدعوى بحسب ما فهمتموه وإن أردتم به الظهار المعاد فيه لما قال المظاهر لم يستلزم ذلك إعادة اللفظ الأول .

                          وأما حديث عائشة رضي الله عنها في ظهار أوس بن الصامت فما أصحه وما أبعد دلالته على مذهبكم .



                          فصل من قال بأن العود هو إمساكها زمنا يتسع لقوله أنت طالق

                          ثم الذين جعلوا العود أمرا غير إعادة اللفظ اختلفوا فيه هل هو مجرد إمساكها بعد الظهار أو أمر غيره ؟ على قولين.

                          فقالت طائفة هو إمساكها زمنا يتسع لقوله أنت طالق فمتى لم يصل الطلاق بالظهار لزمته الكفارة وهو قول الشافعي .

                          قال منازعوه وهو في المعنى قول مجاهد والثوري فإن هذا النفس الواحد لا يخرج الظهار عن كونه موجب الكفارة ففي الحقيقة لم يوجب الكفارة إلا لفظ الظهار وزمن قوله أنت طالق لا تأثير له في الحكم إيجابا ولا نفيا فتعليق الإيجاب به ممتنع ولا تسمى تلك اللحظة والنفس الواحد من الأنفاس عودا لا في لغة العرب ولا في عرف الشارع وأي شيء في هذا الجزء اليسير جدا من الزمان من معنى العود أو حقيقته ؟ . قالوا : وهذا ليس بأقوى من قول من قال هو إعادة اللفظ بعينه فإن ذلك قول معقول يفهم منه العود لغة وحقيقة وأما هذا الجزء من الزمان فلا يفهم من الإنسان فيه العود البتة . قالوا : ونحن نطالبكم بما طالبتم به الظاهرية من قال هذا القول قبل الشافعي ؟

                          قالوا : والله سبحانه أوجب الكفارة بالعود بحرف " ثم " الدالة على التراخي عن الظهار فلا بد أن يكون بين العود وبين الظهار مدة متراخية وهذا ممتنع عندكم وبمجرد انقضاء قوله أنت علي كظهر أمي صار عائدا ما لم يصله بقوله أنت طالق فأين التراخي والمهلة بين العود والظهار ؟ والشافعي لم ينقل هذا عن أحد من الصحابة والتابعين وإنما أخبر أنه أولى المعاني بالآية فقال الذي عقلت مما سمعت في يعودون لما قالوا أنه إذا أتت على المظاهر مدة بعد القول بالظهار لم يحرمها بالطلاق الذي يحرم به وجبت عليه الكفارة كأنهم يذهبون إلى أنه إذا أمسك ما حرم على نفسه أنه حلال فقد عاد لما قال فخالفه فأحل ما حرم ولا أعلم له معنى أولى به من هذا . انتهى .



                          فصل [ من قال بأن العود هو العزم على الوطء ]

                          والذين جعلوه أمرا وراء الإمساك اختلفوا فيه فقال مالك في إحدى الروايات الأربع عنه وأبو عبيد : هو العزم على الوطء وهذا قول القاضي أبي يعلى وأصحابه وأنكره الإمام أحمد وقال مالك يقول إذا أجمع لزمته الكفارة فكيف يكون هذا لو طلقها بعد ما يجمع أكان عليه كفارة إلا أن يكون يذهب إلى قول طاووس إذا تكلم بالظهار لزمه مثل الطلاق ؟ .

                          [ من قال بأنه العزم على الإمساك أو العزم على الإمساك والوطء معا ]

                          ثم اختلف أرباب هذا القول فيما لو مات أحدهما أو طلق بعد العزم وقبل الوطء هل تستقر عليه الكفارة ؟ فقال مالك وأبو الخطاب تستقر الكفارة . وقال القاضي وعامة أصحابه لا تستقر وعن مالك رواية ثانية أنه العزم على الإمساك وحده ورواية " الموطأ " خلاف هذا كله أنه العزم على الإمساك والوطء معا .

                          [ من قال إنه الوطء نفسه ]

                          وعنه رواية رابعة أنه الوطء نفسه وهذا قول أبي حنيفة وأحمد . وقد قال أحمد في قوله تعالى : ثم يعودون لما قالوا قال الغشيان إذا أراد أن يغشى كفر وليس هذا باختلاف رواية بل مذهبه الذي لا يعرف عنه غيره أنه الوطء ويلزمه إخراجها قبله عند العزم عليه .

                          [ حجج من قال إنه العزم ]

                          واحتج أرباب هذا القول بأن الله سبحانه قال في الكفارة من قبل أن يتماسا فأوجب الكفارة بعد العود وقبل التماس وهذا صريح في أن العود غير التماس وأن ما يحرم قبل الكفارة لا يجوز كونه متقدما عليها . قالوا : ولأنه قصد بالظهار تحريمها والعزم على وطئها عود فيما قصده . قالوا : ولأن الظهار تحريم فإذا أراد استباحتها فقد رجع في ذلك التحريم فكان عائدا .

                          [ حجج من قال إنه الوطء ]

                          قال الذين جعلوه الوطء لا ريب أن العود فعل ضد قوله كما تقدم تقريره والعائد فيما نهي عنه وإليه وله : هو فاعله لا مريده كما قال تعالى : ثم يعودون لما نهوا عنه فهذا فعل المنهي عنه نفسه لا إرادته ولا يلزم أرباب هذا القول ما ألزمهم به أصحاب العزم فإن قولهم إن العود يتقدم التكفير والوطء متأخر عنه فهم يقولون إن قوله تعالى : ثم يعودون لما قالوا أي يريدون العود كما قال تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله وكقوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم [ المائدة 6 ] ونظائره مما يطلق الفعل فيه على إرادته لوقوعه بها . قالوا : وهذا أولى من تفسير العود بنفس اللفظ الأول وبالإمساك نفسا واحدا بعد الظهار وبتكرار لفظ الظهار وبالعزم المجرد لو طلق بعده فإن هذه الأقوال كلها قد تبين ضعفها فأقرب الأقوال إلى دلالة اللفظ وقواعد الشريعة وأقوال المفسرين هو هذا . وبالله التوفيق .



                          فصل [ من عجز عن الكفارة لم تسقط عنه ]

                          ومنها : أن من عجز عن الكفارة لم تسقط عنه فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعان أوس بن الصامت بعرق من تمر وأعانته امرأته بمثله حتى كفر وأمر سلمة بن صخر أن يأخذ صدقة قومه فيكفر بها عن نفسه ولو سقطت بالعجز لما أمرهما بإخراجها بل تبقى في ذمته دينا عليه وهذا قول الشافعي وأحد الروايتين عن أحمد .

                          وذهبت طائفة إلى سقوطها بالعجز كما تسقط الواجبات بعجزه عنها وعن إبدالها . وذهبت طائفة أن كفارة رمضان لا تبقى في ذمته بل تسقط وغيرها من الكفارات لا تسقط وهذا الذي صححه أبو البركات ابن تيمية .

                          واحتج من أسقطها بأنها لو وجبت مع العجز لما صرفت إليه فإن الرجل لا يكون مصرفا لكفارته كما لا يكون مصرفا لزكاته وأرباب القول الأول يقولون إذا عجز عنها وكفر الغير عنه جاز أن يصرفها إليه كما صرف النبي صلى الله عليه وسلم كفارة من جامع في رمضان إليه وإلى أهله وكما أباح لسلمة بن صخر أن يأكل هو وأهله من كفارته التي أخرجها عنه من صدقة قومه وهذا مذهب أحمد رواية واحدة عنه في كفارة من وطئ أهله في رمضان وعنه في سائر الكفارات روايتان . والسنة تدل على أنه إذا أعسر بالكفارة وكفر عنه غيره جاز صرف كفارته إليه وإلى أهله .

                          فإن قيل فهل يجوز له إذا كان فقيرا له عيال وعليه زكاة يحتاج إليها أن يصرفها إلى نفسه وعياله ؟ قيل لا يجوز ذلك لعدم الإخراج المستحق عليه ولكن للإمام أو الساعي أن يدفع زكاته إليه بعد قبضها منه في أصح الروايتين عن أحمد . فإن قيل فهل له أن يسقطها عنه ؟ قيل لا نص عليه والفرق بينهما واضح . فإن قيل فإذا أذن السيد لعبده في التكفير بالعتق فهل له أن يعتق نفسه ؟ قيل اختلفت الرواية فيما إذا أذن له في التكفير بالمال هل له أن ينتقل عن الصيام إليه ؟ على روايتين إحداهما : أنه ليس له ذلك وفرضه الصيام والثانية له الانتقال إليه ولا يلزمه لأن المنع لحق السيد وقد أذن فيه فإذا قلنا : له ذلك فهل له العتق ؟ اختلفت الرواية فيه عن أحمد فعنه في ذلك روايتان ووجه المنع أنه ليس من أهل الولاء والعتق يعتمد الولاء واختار أبو بكر وغيره أن له الإعتاق فعلى هذا هل له عتق نفسه ؟ فيه قولان في المذهب ووجه الجواز إطلاق الإذن ووجه المنع أن الإذن في الإعتاق ينصرف إلى إعتاق غيره كما لو أذن له في الصدقة انصرف الإذن إلى الصدقة على غيره .


                          فصل [ لا يجوز وطء المظاهر منها قبل التكفير ]
                          ومنها : أنه لا يجوز وطء المظاهر منها قبل التكفير وقد اختلف ها هنا في موضعين . أحدهما : هل له مباشرتها دون الفرج قبل التكفير أم لا ؟ والثاني : أنه إذا كانت كفارته الإطعام فهل له الوطء قبله أم لا ؟ وفي المسألتين قولان للفقهاء وهما روايتان عن أحمد وقولان للشافعي .

                          ووجه منع الاستمتاع بغير الوطء ظاهر قوله تعالى : من قبل أن يتماسا ولأنه شبهها بمن يحرم وطؤها ودواعيه ووجه الجواز أن التماس كناية عن الجماع ولا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه فإن الحائض يحرم جماعها دون دواعيه والصائم يحرم منه الوطء دون دواعيه والمسبية يحرم وطؤها دون دواعيه

                          وهذا قول أبي حنيفة .

                          وأما المسألة الثانية وهي وطؤها قبل التكفير إذا كان بالإطعام فوجه الجواز أن الله سبحانه قيد التكفير بكونه قبل المسيس في العتق والصيام وأطلقه في الإطعام ولكل منهما حكمة فلو أراد التقييد في الإطعام لذكره كما ذكره في العتق والصيام وهو سبحانه لم يقيد هذا ويطلق هذا عبثا بل لفائدة مقصودة ولا فائدة إلا تقييد ما قيده وإطلاق ما أطلقه . ووجه المنع استفادة حكم ما أطلقه مما قيده إما بيانا على الصحيح وإما قياسا قد ألغي فيه الفارق بين الصورتين وهو سبحانه لا يفرق بين المتماثلين وقد ذكر من قبل أن يتماسا مرتين فلو أعاده ثالثا لطال به الكلام ونبه بذكره مرتين على تكرر حكمه في الكفارات ولو ذكره في آخر الكلام مرة واحدة لأوهم اختصاصه بالكفارة الأخيرة ولو ذكره في أول مرة لأوهم اختصاصه بالأولى وإعادته في كل كفارة تطويل وكان أفصح الكلام وأبلغه وأوجزه ما وقع . وأيضا فإنه نبه بالتكفير قبل المسيس بالصوم مع تطاول زمنه وشدة الحاجة إلى مسيس الزوجة على أن اشتراط تقدمه في الإطعام الذي لا يطول زمنه أولى .



                          فصل [ هل يبطل المس تتابع الصيام ؟]
                          ومنها : أنه سبحانه أمر بالصيام قبل المسيس وذلك يعم المسيس ليلا ونهارا ولا خلاف بين الأئمة في تحريم وطئها في زمن الصوم ليلا ونهارا وإنما اختلفوا هل يبطل التتابع به ؟ فيه قولان . أحدهما : يبطل وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه والثاني : لا يبطل وهو قول الشافعي وأحمد في رواية أخرى عنه .

                          والذين أبطلوا التتابع معهم ظاهر القرآن فإنه سبحانه أمر بشهرين متتابعين قبل المسيس ولم يوجد ولأن ذلك يتضمن النهي عن المسيس قبل إكمال الصيام وتحريمه وهو يوجب عدم الاعتداد بالصوم لأنه عمل ليس عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون ردا .

                          وسر المسألة أنه سبحانه أوجب أمرين أحدهما : تتابع الشهرين والثاني: وقوع صيامهما قبل التماس فلا يكون قد أتى بما أمر به إلا بمجموع الأمرين . فصل لا يشترط في إطعام المساكين التمليك ولا إطعامهم جملة أو متفرقين ومنها : أنه سبحانه وتعالى أطلق إطعام المساكين ولم يقيده بقدر ولا تتابع وذلك يقتضي أنه لو أطعمهم فغداهم وعشاهم من غير تمليك حب أو تمر جاز وكان ممتثلا لأمر الله وهذا قول الجمهور ومالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه وسواء أطعمهم جملة أو متفرقين .

                          فصل [ لا بد من إطعام ستين مسكينا مختلفين ]

                          ومنها : أنه لا بد من استيفاء عدد الستين فلو أطعم واحدا ستين يوما لم يجزه إلا عن واحد هذا قول الجمهور مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه . والثانية أن الواجب إطعام ستين مسكينا ولو لواحد وهو مذهب أبي حنيفة . والثالثة إن وجد غيره لم يجز وإلا أجزأه وهو ظاهر مذهبه وهي أصح الأقوال .

                          فصل [ لا تدفع الكفارة إلا إلى المساكين ويدخل فيهم الفقراء ]

                          ومنها : أنه لا يجزئه دفع الكفارة إلا إلى المساكين ويدخل فيهم الفقراء كما يدخل المساكين في لفظ الفقراء عند الإطلاق وعمم أصحابنا وغيرهم الحكم في كل من يأخذ من الزكاة لحاجته وهم أربعة الفقراء والمساكين وابن السبيل والغارم لمصلحته والمكاتب . وظاهر القرآن اختصاصها بالمساكين فلا يتعداهم .


                          افتراضي

                          فصل [ ترجيح المصنف اشتراط الإيمان في الرقبة ]

                          ومنها : أن الله سبحانه أطلق الرقبة ها هنا ولم يقيدها بالإيمان وقيدها في كفارة القتل بالإيمان فاختلف الفقهاء في اشتراط الإيمان في غير كفارة القتل على قولين فشرطه الشافعي ومالك وأحمد في ظاهر مذهبه ولم يشترطه أبو حنيفة ولا أهل الظاهر والذين لم يشترطوا الإيمان قالوا :

                          لو كان شرطا لبينه الله سبحانه كما بينه في كفارة القتل بل يطلق ما أطلقه ويقيد ما قيده فيعمل بالمطلق والمقيد . وزادت الحنفية أن اشتراط الإيمان زيادة على النص وهو نسخ والقرآن لا ينسخ إلا بالقرآن أو خبر متواتر .

                          قال الآخرون واللفظ للشافعي شرط الله سبحانه في رقبة القتل مؤمنة كما شرط العدل في الشهادة وأطلق الشهود في مواضع فاستدللنا به على أن ما أطلق من الشهادات على مثل معنى ما شرط وإنما رد الله أموال المسلمين على المسلمين لا على المشركين وفرض الله الصدقات فلم تجز إلا للمؤمنين فكذلك ما فرض من الرقاب لا يجوز إلا لمؤمن فاستدل الشافعي بأن لسان العرب يقتضي حمل المطلق على المقيد إذا كان من جنسه فحمل عرف الشرع على مقتضى لسانهم .

                          وها هنا أمران
                          أحدهما : أن حمل المطلق على المقيد بيان لا قياس .
                          الثاني : أنه إنما يحمل عليه بشرطين أحدهما : اتحاد الحكم . والثاني : أن لا يكون للمطلق إلا أصل واحد . فإن كان بين أصلين مختلفين لم يحمل إطلاقه على أحدهما إلا بدليل يعينه .

                          قال الشافعي : ولو نذر رقبة مطلقة لم يجزه إلا مؤمنة وهذا بناء على هذا الأصل وأن النذر محمول على واجب الشرع وواجب العتق لا يتأدى إلا بعتق المسلم . ومما يدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن استفتى في عتق رقبة منذورة ائتني بها فسألها أين الله ؟ فقالت في السماء فقال من أنا ؟ قالت أنت رسول الله فقال أعتقها فإنها مؤمنة قال الشافعي : فلما وصفت الإيمان أمر بعتقها انتهى .

                          وهذا ظاهر جدا أن العتق المأمور به شرعا لا يجزئ إلا في رقبة مؤمنة وإلا لم يكن للتعليل بالإيمان فائدة فإن الأعم متى كان علة للحكم كان الأخص عديم التأثير .

                          وأيضا فإن المقصود من إعتاق المسلم تفريغه لعبادة ربه وتخليصه من عبودية المخلوق إلى عبودية الخالق ولا ريب أن هذا أمر مقصود للشارع محبوب له فلا يجوز إلغاؤه وكيف يستوي عند الله ورسوله تفريغ العبد لعبادته وحده وتفريغه لعبادة الصليب أو الشمس والقمر والنار وقد بين سبحانه اشتراط الإيمان في كفارة القتل وأحال ما سكت عنه على بيانه كما بين اشتراط العدالة في الشاهدين وأحال ما أطلقه وسكت عنه على ما بينه وكذلك غالب مطلقات كلامه سبحانه ومقيداته لمن تأملها وهي أكثر من أن تذكر فمنها : قوله تعالى فيمن أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما [ النساء 114 ] وفي موضع آخر بل مواضع يعلق الأجر بنفس العمل اكتفاء بالشرط المذكور في موضعه وكذلك قوله تعالى : فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه [ الأنبياء 94 ] وفي موضع يعلق الجزاء بنفس الأعمال الصالحة اكتفاء بما علم من شرط الإيمان وهذا غالب في نصوص الوعد والوعيد .




                          فصل [ لو أعتق نصفي رقبتين لم يكن معتقا لرقبة ]
                          ومنها : أنه لو أعتق نصفي رقبتين لم يكن معتقا لرقبة وفي هذا ثلاثة أقوال للناس وهي روايات عن أحمد ثانيها الإجزاء وثالثها وهو أصحها : أنه إن تكملت الحرية في الرقبتين أجزاه وإلا فلا فإنه يصدق عليه أنه حرر رقبة أي جعلها حرة بخلاف ما إذا لم تكمل الحرية .

                          فصل [ لا تسقط الكفارة بالوطء قبل التكفير ولا تتضاعف ]
                          ومنها : أن الكفارة لا تسقط بالوطء قبل التكفير ولا تتضاعف بل هي بحالها كفارة واحدة كما دل عليه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تقدم قال الصلت بن دينار : سألت عشرة من الفقهاء عن المظاهر يجامع قبل أن يكفر فقالوا : كفارة واحدة . قال وهم الحسن وابن سيرين ومسروق وبكر وقتادة وعطاء وطاووس ومجاهد وعكرمة . قال والعاشر أراه نافعا وهذا قول الأئمة الأربعة . وصح عن ابن عمر وعمرو بن العاص أن عليه كفارتين وذكر سعيد بن منصور عن الحسن وإبراهيم في الذي يظاهر ثم يطؤها قبل أن يكفر عليه ثلاث كفارات وذكر عن الزهري وسعيد بن جبير وأبي يوسف أن الكفارة تسقط ووجه هذا أنه فات وقتها ولم يبق له سبيل إلى إخراجها قبل المسيس . وجواب هذا أن فوات وقت الأداء لا يسقط الواجب في الذمة كالصلاة والصيام وسائر العبادات ووجه وجوب الكفارتين أن إحداهما للظهار الذي اقترن به العود والثانية للوطء المحرم كالوطء في نهار رمضان وكوطء المحرم ولا يعلم لإيجاب الثلاث وجه إلا أن يكون عقوبة على إقدامه على الحرام وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على خلاف هذه الأقوال والله أعلم .



                          حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإيلاء
                          ثبت في " صحيح البخاري " : عن أنس قال آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وكانت انفكت رجله فأقام في مشربة له تسعا وعشرين ليلة ثم نزل فقالوا : يا رسول الله آليت شهرا فقال " إن الشهر يكون تسعا وعشرين وقد قال سبحانه للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم [ البقرة 226 ]

                          الإيلاء لغة الامتناع باليمين وخص في عرف الشرع بالامتناع باليمين من وطء الزوجة ولهذا عدي فعله بأداة " من " تضمينا له معنى " يمتنعون " من نسائهم وهو أحسن من إقامة " من " مقام " على " وجعل سبحانه للأزواج مدة أربعة أشهر يمتنعون فيها من وطء نسائهم بالإيلاء فإذا مضت فإما أن يفيء وإما أن يطلق وقد اشتهر عن علي وابن عباس أن الإيلاء إنما يكون في حال الغضب دون الرضى كما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه وظاهر القرآن مع الجمهور .

                          وقد تناظر في هذه المسألة محمد بن سيرين ورجل آخر فاحتج على محمد بقول علي فاحتج عليه محمد بالآية فسكت . وقد دلت الآية على أحكام .

                          [ الأحكام المستنبطة من آية الإيلاء ]
                          منها : هذا . ومنها : أن من حلف على ترك الوطء أقل من أربعة أشهر لم يكن مؤليا وهذا قول الجمهور وفيه قول شاذ أنه مؤل .

                          [ لا يثبت حكم الإيلاء حتى يحلف على أكثر من أربعة أشهر ]

                          ومنها : أنه لا يثبت له حكم الإيلاء حتى يحلف على أكثر من أربعة أشهر فإن كانت مدة الامتناع أربعة أشهر لم يثبت له حكم الإيلاء لأن الله جعل لهم مدة أربعة أشهر وبعد انقضائها إما أن يطلقوا وإما أن يفيئوا وهذا قول الجمهور منهم أحمد والشافعي ومالك وجعله أبو حنيفة مؤليا بأربعة أشهر سواء وهذا بناء على أصله أن المدة المضروبة أجل لوقوع الطلاق بانقضائها والجمهور يجعلون المدة أجلا لاستحقاق المطالبة وهذا موضع اختلف فيه السلف من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ومن بعدهم فقال الشافعي حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال أدركت بضعة عشر رجلا من الصحابة كلهم يوقف المؤلي يعني : بعد أربعة أشهر .

                          وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال سألت اثني عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المؤلي فقالوا : ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم . وقال عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت : إذا مضت أربعة أشهر ولم يفئ فيها طلقت منه بمضيها وهذا قول جماعة من التابعين وقول أبي حنيفة وأصحابه فعند هؤلاء يستحق المطالبة قبل مضي الأربعة الأشهر فإن فاء وإلا طلقت بمضيها . وعند الجمهور لا يستحق المطالبة حتى تمضي الأربعة الأشهر فحينئذ يقال إما أن تفيء وإما أن تطلق وإن لم يفئ أخذ بإيقاع الطلاق إما بالحاكم وإما بحبسه حتى يطلق .



                          [ حجج من أوقع الطلاق بمضي المدة ]

                          قال الموقعون للطلاق بمضي المدة آية الإيلاء تدل على ذلك من ثلاثة أوجه .

                          أحدها : أن عبد الله بن مسعود قرأ " فإن فاءوا فيهن فإن الله غفور رحيم " فإضافة الفيئة إلى المدة تدل على استحقاق الفيئة فيها وهذه القراءة إما أن تجرى مجرى الخبر الواحد فتوجب العمل وإن لم توجب كونها من القرآن وإما أن تكون قرآنا نسخ لفظه وبقي حكمه لا يجوز فيها غير هذا البتة .

                          الثاني : أن الله سبحانه جعل مدة الإيلاء أربعة أشهر فلو كانت الفيئة بعدها لزادت على مدة النص وذلك غير جائز .

                          الثالث أنه لو وطئها في مدة الإيلاء لوقعت الفيئة موقعها فدل على استحقاق الفيئة فيها . قالوا : ولأن الله سبحانه وتعالى جعل لهم تربص أربعة أشهر ثم قال فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق وظاهر هذا أن هذا التقسيم في المدة التي لهم فيها تربص كما إذا قال لغريمه أصبر عليك بديني أربعة أشهر فإن وفيتني وإلا حبستك ولا يفهم من هذا إلا إن وفيتني في هذه المدة ولا يفهم منه إن وفيتني بعدها وإلا كانت مدة الصبر أكثر من أربعة أشهر وقراءة ابن مسعود صريحة في تفسير الفيئة بأنها في المدة وأقل مراتبها أن تكون تفسيرا .

                          قالوا : ولأنه أجل مضروب للفرقة فتعقبه الفرقة كالعدة وكالأجل الذي ضرب لوقوع الطلاق كقوله إذا مضت أربعة أشهر فأنت طالق .


                          افتراضي

                          حجج الجمهور بعدم إيقاع الطلاق بمضي المدة ]

                          قال الجمهور لنا من آية الإيلاء عشرة أدلة .

                          أحدها : أنه أضاف مدة الإيلاء إلى الأزواج وجعلها لهم ولم يجعلها عليهم فوجب ألا يستحق المطالبة فيها بل بعدها كأجل الدين ومن أوجب المطالبة فيها لم يكن عنده أجلا لهم ولا يعقل كونها أجلا لهم ويستحق عليهم فيها المطالبة .

                          الدليل الثاني : قوله فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم فذكر الفيئة بعد المدة بفاء التعقيب وهذا يقتضي أن يكون بعد المدة ونظيره قوله سبحانه الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان [ البقرة 229 ] . وهذا بعد الطلاق قطعا . فإن قيل فاء التعقيب توجب أن يكون بعد الإيلاء لا بعد المدة ؟ قيل قد تقدم في الآية ذكر الإيلاء ثم تلاه ذكر المدة ثم أعقبها بذكر الفيئة فإذا أوجبت الفاء التعقيب بعد ما تقدم ذكره لم يجز أن يعود إلى أبعد المذكورين ووجب عودها إليهما أو إلى أقربهما .

                          الدليل الثالث قوله وإن عزموا الطلاق [ البقرة 227 ] وإنما العزم ما عزم العازم على فعله كقوله تعالى : ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله [ البقرة 235 ] فإن قيل فترك الفيئة عزم على الطلاق ؟ قيل العزم هو إرادة جازمة لفل المعزوم عليه أو تركه وأنتم توقعون الطلاق بمجرد مضي المدة وإن لم يكن منه عزم لا على وطء ولا على تركه بل لو عزم على الفيئة ولم يجامع طلقتم عليه بمضي المدة ولم يعزم الطلاق فكيفما قدرتم فالآية حجة عليكم .



                          الدليل الرابع أن الله سبحانه خيره في الآية بين أمرين الفيئة أو الطلاق والتخيير بين أمرين لا يكون إلا في حالة واحدة كالكفارات ولو كان في حالتين لكان ترتيبا لا تخييرا وإذا تقرر هذا فالفيئة عندكم في نفس المدة وعزم الطلاق بانقضاء المدة فلم يقع التخيير في حالة واحدة .

                          فإن قيل هو مخير بين أن يفيء في المدة وبين أن يترك الفيئة فيكون عازما للطلاق بمضي المدة . قيل ترك الفيئة لا يكون عزما للطلاق وإنما يكون عزما عندكم إذا انقضت المدة فلا يتأتى التخيير بين عزم الطلاق وبين الفيئة البتة فإنه بمضي المدة يقع الطلاق عندكم فلا يمكنه الفيئة وفي المدة يمكنه الفيئة ولم يحضر وقت عزم الطلاق الذي هو مضي المدة وحينئذ فهذا دليل خامس مستقل .

                          الدليل السادس أن التخيير بين أمرين يقتضي أن يكون فعلهما إليه ليصح منه اختيار فعل كل منهما وتركه وإلا لبطل حكم خياره ومضي المدة ليس إليه .

                          الدليل السابع أنه سبحانه قال وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم فاقتضى أن يكون الطلاق قولا يسمع ليحسن ختم الآية بصفة السمع .

                          الدليل الثامن أنه لو قال لغريمه لك أجل أربعة أشهر فإن وفيتني قبلت منك وإن لم توفني حبستك كان مقتضاه أن الوفاء والحبس بعد المدة لا فيها : ولا يعقل المخاطب غير هذا . فإن قيل ما نحن فيه نظير قوله لك الخيار ثلاثة أيام فإن فسخت البيع وإلا لزمك ومعلوم أن الفسخ إنما يقع في الثلاث لا بعدها ؟ قيل هذا من أقوى حججنا عليكم فإن موجب العقد اللزوم فجعل له الخيار في مدة ثلاثة أيام فإذا انقضت ولم يفسخ عاد العقد إلى حكمه وهو اللزوم وهكذا الزوجة لها حق على الزوج في الوطء كما له حق عليها قال تعالى : ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف [ البقرة 228 ] فجعل له الشارع امتناع أربعة أشهر لا حق لها فيهن فإذا انقضت المدة عادت على حقها بموجب العقد وهو المطالبة لا وقوع الطلاق وحينئذ فهذا دليل تاسع مستقل .



                          [ إبطال ما عليه أهل الجاهلية من جعل الإيلاء والظهار طلاقا ]
                          الدليل العاشر أنه سبحانه جعل للمؤلين شيئا وعليهم شيئين فالذي لهم تربص المدة المذكورة والذي عليهم إما الفيئة وإما الطلاق وعندكم ليس عليهم إلا الفيئة فقط وأما الطلاق فليس عليهم بل ولا إليهم وإنما هو إليه سبحانه عند انقضاء المدة فيحكم بطلاقها عقيب انقضاء المدة شاء أو أبى ومعلوم أن هذا ليس إلى المؤلي ولا عليه وهو خلاف ظاهر النص .

                          قالوا : ولأنها يمين بالله تعالى توجب الكفارة فلم يقع بها الطلاق كسائر الأيمان ولأنها مدة قدرها الشرع لم تتقدمها الفرقة فلا يقع بها بينونة كأجل العنين ولأنه لفظ لا يصح أن يقع به الطلاق المعجل فلم يقع به المؤجل كالظهار ولأن الإيلاء كان طلاقا في الجاهلية فنسخ كالظهار فلا يجوز أن يقع به الطلاق لأنه استيفاء للحكم المنسوخ ولما كان عليه أهل الجاهلية .

                          قال الشافعي : كانت الفرق الجاهلية تحلف بثلاثة أشياء بالطلاق والظهار والإيلاء فنقل الله سبحانه وتعالى الإيلاء والظهار عما كانا عليه في الجاهلية من إيقاع الفرقة على الزوجة إلى ما استقر عليه حكمهما في الشرع وبقي حكم الطلاق على ما كان عليه هذا لفظه .

                          قالوا : ولأن الطلاق إنما يقع بالصريح والكناية وليس الإيلاء واحدا منهما إذ لو كان صريحا لوقع معجلا إن أطلقه أو إلى أجل مسمى إن قيده ولو كان كناية لرجع فيه إلى نيته ولا يرد على هذا اللعان فإنه يوجب الفسخ دون الطلاق والفسخ يقع بغير قول والطلاق لا يقع إلا بالقول .

                          قالوا : وأما قراءة ابن مسعود فغايتها أن تدل على جواز الفيئة في مدة التربص لا على استحقاق المطالبة بها في المدة وهذا حق لا ننكره .

                          وأما قولكم جواز الفيئة في المدة دليل على استحقاقها فيها فهو باطل بالدين المؤجل .

                          وأما قولكم إنه لو كانت الفيئة بعد المدة لزادت على أربعة أشهر فليس بصحيح لأن الأربعة الأشهر مدة لزمن الصبر الذي لا يستحق فيه المطالبة فبمجرد انقضائها يستحق عليه الحق فلها أن تعجل المطالبة به . وإما أن تنظره وهذا كسائر الحقوق المعلقة بآجال معدودة إنما تستحق عند انقضاء آجالها ولا يقال إن ذلك يستلزم الزيادة على الأجل فكذا أجل الإيلاء سواء .



                          فصل [ الحجة في أن المؤلي مخير بين الطلاق والعود ]
                          ودلت الآية على أن كل من صح منه الإيلاء بأي يمين حلف فهو مؤل حتى يبر إما أن يفيء وإما أن يطلق فكان في هذا حجة لما ذهب إليه من يقول من السلف والخلف إن المؤلي باليمين بالطلاق إما أن يفيء وإما أن يطلق ومن يلزمه الطلاق على كل حال لم يمكنه إدخال هذه اليمين في حكم الإيلاء فإنه إذا قال إن وطئتك إلى سنة فأنت طالق ثلاثا فإذا مضت أربعة أشهر لا يقولون له إما أن تطأ وإما أن تطلق بل يقولون له إن وطئتها طلقت وإن لم تطأها طلقنا عليك وأكثرهم لا يمكنه من الإيلاج لوقوع النزع الذي هو جزء الوطء في أجنبية ولا جواب عن هذا إلا أن يقال بأنه غير مؤل وحينئذ فيقال فلا توقفوه بعد مضي الأربعة الأشهر وقولوا : إن له أن يمتنع من وطئها بيمين الطلاق دائما فإن ضربتم له الأجل أثبتم له حكم الإيلاء من غير يمين وإن جعلتموه مؤليا ولم تجيزوه خالفتم حكم الإيلاء وموجب النص فهذا بعض حجج هؤلاء على منازعيهم .



                          [ مسألة في قوله إن وطئتك فأنت طالق ثلاثا ]

                          فإن قيل فما حكم هذه المسألة وهي إذا قال إن وطئتك فأنت طالق ثلاثا .

                          قيل اختلف الفقهاء فيها هل يكون مؤليا أم لا ؟ على قولين وهما روايتان عن أحمد وقولان للشافعي في الجديد أنه يكون مؤليا وهو مذهب أبي حنيفة ومالك . وعلى قولين فهل يمكن من الإيلاج ؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد والشافعي .

                          أحدهما : أنه لا يمكن منه بل يحرم عليه لأنها بالإيلاج تطلق عندهم ثلاثا فيصير ما بعد الإيلاج محرما فيكون الإيلاج محرما وهذا كالصائم إذا تيقن أنه لم يبق إلى طلوع الفجر إلا قدر إيلاج لذكر دون إخراجه حرم عليه الإيلاج وإن كان في زمن الإباحة لوجود الإخراج في زمن الحظر كذلك ها هنا يحرم عليه الإيلاج وإن كان قبل الطلاق لوجود الإخراج بعده .

                          والثاني : أنه لا يحرم عليه الإيلاج قال الماوردي وهو قول سائر أصحابنا لأنها زوجته ولا يحرم عليه الإخراج لأنه ترك . وإن طلقت بالإيلاج ويكون المحرم بهذا الوطء استدامة الإيلاج لا الابتداء والنزع وهذا ظاهر نص الشافعي فإنه قال لو طلع الفجر على الصائم وهو مجامع وأخرجه مكانه كان على صومه فإن مكث بغير إخراجه أفطر ويكفر . وقال في كتاب الإيلاء ولو قال إن وطئتك فأنت طالق ثلاثا وقف فإن فاء فإذا غيب الحشفة طلقت منه ثلاثا فإن أخرجه ثم أدخله فعليه مهر مثلها . قال هؤلاء ويدل على الجواز أن رجلا لو قال لرجل ادخل داري ولا تقم استباح الدخول لوجوده عن إذن ووجب عليه الخروج لمنعه من المقام ويكون الخروج وإن كان في زمن الحظر مباحا لأنه ترك كذلك هذا المؤلي يستبيح أن يولج ويستبيح أن ينزع ويحرم عليه استدامة الإيلاج والخلاف في الإيلاج قبل الفجر والنزع بعده للصائم كالخلاف في المؤلي وقيل يحرم على الصائم الإيلاج قبل الفجر ولا يحرم على المؤلي والفرق أن التحريم قد يطرأ على الصائم بغير الإيلاج فجاز أن يحرم عليه الإيلاج والمؤلي لا يطرأ عليه التحريم بغير الإيلاج فافترقا .

                          وقالت طائفة ثالثة لا يحرم عليه الوطء ولا تطلق عليه الزوجة بل يوقف ويقال له ما أمر الله إما أن تفيء وإما أن تطلق . قالوا : وكيف يكون مؤليا ولا يمكن من الفيئة بل يلزم بالطلاق وإن مكن منها وقع به الطلاق فالطلاق واقع به على التقديرين مع كونه مؤليا ؟ فهذا خلاف ظاهر القرآن بل يقال لهذا : إن فاء لم يقع به الطلاق وإن لم يفئ ألزم بالطلاق وهذا مذهب من يرى اليمين بالطلاق لا يوجب طلاقا وإنما يجزئه كفارة يمين وهو قول أهل الظاهر وطاوس وعكرمة وجماعة من أهل الحديث واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه .



                          حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللعان
                          قال تعالى : والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين [ النور 69 ] .

                          وثبت في " الصحيحين " من حديث سهل بن سعد أن عويمرا العجلاني قال لعاصم بن عدي أرأيت لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل ؟ فسل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إن عويمرا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال " قد نزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها " فتلاعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغا قال كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الزهري : فكانت تلك سنة المتلاعنين .

                          قال سهل وكانت حاملا وكان ابنها ينسب إلى أمه ثم جرت السنة أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها .

                          و في لفظ فتلاعنا في المسجد ففارقها عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذاكم التفريق بين كل متلاعنين

                          وقول سهل وكانت حاملا إلى آخره هو عند البخاري من قول الزهري وللبخاري ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انظروا فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين خدلج الساقين فلا أحسب عويمرا إلا قد صدق عليها وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أحسب عويمرا إلا قد كذب عليها " فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصديق عويمر

                          وفي لفظ وكانت حاملا فأنكر حملها

                          وفي " صحيح مسلم " : من حديث ابن عمر أن فلان بن فلان قال يا رسول الله أرأيت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع إن تكلم تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثل ذلك ؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه فلما كان بعد ذلك أتاه فقال إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات في سورة النور والذين يرمون أزواجهم فتلاهن عليه ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة . قال لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها ثم دعاها فوعظها وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة قالت لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ثم فرق بينهما .

                          وفي " الصحيحين " عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين " حسابكما على الله أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها " قال يا رسول الله مالي ؟ قال لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها .

                          وفي لفظ لهما : فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين وقال " والله إن أحدكما كاذب فهل منكما تائب " ؟ .

                          وفيهما عنه أن رجلا لاعن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بأمه

                          وفي " صحيح مسلم " : من حديث ابن مسعود رضي الله عنه في قصة المتلاعنين فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فذهبت لتلعن فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " مه " فأبت فلعنت فلما أدبر قال لعلها أن تجيء به أسود جعدا " فجاءت به أسود جعدا .

                          وفي " صحيح مسلم " من حديث أنس بن مالك أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء وكان أخا البراء بن مالك لأمه وكان أول رجل لاعن في الإسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أبصروها فإن جاءت به أبيض سبطا قضيء العينين فهو لهلال بن أمية وإن جاءت به أكحل جعدا حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء قال فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعدا حمش الساقين

                          وفي " الصحيحين " : من حديث ابن عباس نحو هذه القصة فقال له رجل أهي المرأة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو رجمت أحدا بغير بينة لرجمت هذه فقال ابن عباس : لا تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء .

                          ولأبي داود في هذا الحديث عن ابن عباس ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى أن لا يدعى ولدها لأب ولا ترمى ولا يرمى ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد وقضى ألا بيت لها عليه ولا قوت من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها .

                          وفي القصة قال عكرمة : فكان بعد ذلك أميرا على مصر وما يدعى لأب .

                          وذكر البخاري : أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم " البينة أو حد في ظهرك " فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة ؟ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " البينة وإلا حد في ظهرك " فقال والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد فنزل جبريل عليه السلام وأنزل عليه والذين يرمون أزواجهم . . .. الآيات فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إليها فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول " إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب " ؟ فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا : إنها موجبة قال ابن عباس رضي الله عنهما : فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء " فجاءت به كذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لولا ما مضى من كتاب الله كان لي ولها شأن

                          وفي " الصحيحين " : أن سعد بن عبادة قال يا رسول الله أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلا أيقتله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا فقال سعد بلى والذي بعثك بالحق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اسمعوا إلى ما يقول سيدكم " : وفي لفظ آخر يا رسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء ؟ قال " نعم " . وفي لفظ آخر لو وجدت مع أهلي رجلا لم أهجه حتى آتي بأربعة شهداء ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعم " قال كلا والذي بعثك بالحق نبيا إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اسمعوا إلى ما يقول سيدكم إنه لغيور وأنا أغير منه والله أغير مني " . وفي لفظ لو رأيت مع امرأتي رجلا لضربته بالسيف غير مصفح فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أتعجبون من غيرة سعد فوالله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا شخص أغير من الله ولا شخص أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين ولا شخص أحب إليه المدحة من الله من أجل ذلك وعد الله الجنة


                          افتراضي

                          فصل [ يصح اللعان من كل زوجين وإن كانا فاسقين محدودين في قذف أو كافرين ]
                          واستفيد من هذا الحكم النبوي عدة أحكام

                          الحكم الأول أن اللعان يصح من كل زوجين سواء كانا مسلمين أو كافرين عدلين أو فاسقين محدودين في قذف أو غير محدودين أو أحدهما كذلك قال الإمام أحمد في رواية إسحاق بن منصور جميع الأزواج يلتعنون الحر من الحرة والأمة إذا كانت زوجة والعبد من الحرة والأمة إذا كانت زوجة والمسلم من اليهودية والنصرانية وهذا قول مالك وإسحاق وقول سعيد بن المسيب والحسن وربيعة وسليمان بن يسار .



                          من قال بأن اللعان لا يكون إلا بين زوجين مسلمين عدلين حرين غير محدودين في قذف ]

                          وذهب أهل الرأي والأوزاعي والثوري وجماعة إلى أن اللعان لا يكون إلا بين زوجين مسلمين عدلين حرين غير محدودين في قذف وهو رواية عن أحمد .

                          ومأخذ القولين أن اللعان يجمع وصفين : اليمين والشهادة وقد سماه الله سبحانه شهادة وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينا حيث يقول لولا الأيمان لكان لي ولها شأن فمن غلب عليه حكم الأيمان قال يصح من كل من يصح يمينه قالوا : ولعموم قوله تعالى : والذين يرمون أزواجهم قالوا : وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينا . قالوا : ولأنه مفتقر إلى اسم الله وإلى ذكر القسم المؤكد وجوابه . قالوا : ولأنه يستوي فيه الذكر والأنثى بخلاف الشهادة . قالوا : ولو كان شهادة لما تكرر لفظه بخلاف اليمين فإنه قد يشرع فيها التكرار كأيمان القسامة . قالوا : ولأن حاجة الزوج التي لا تصح منه الشهادة إلى اللعان ونفي الولد كحاجة من تصح شهادته سواء والأمر الذي ينزل به مما يدعو إلى اللعان كالذي ينزل بالعدل الحر والشريعة لا ترفع ضرر أحد النوعين وتجعل له فرجا ومخرجا مما نزل به وتدع النوع الآخر في الآصار والأغلال لا فرج له مما نزل به ولا مخرج بل يستغيث فلا يغاث ويستجير فلا يجار إن تكلم تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثله قد ضاقت عنه الرحمة التي وسعت من تصح شهادته وهذا تأباه الشريعة الواسعة الحنيفية السمحة .

                          قال الآخرون قال الله تعالى : والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله وفي الآية دليل من ثلاثة أوجه .

                          أحدها : أنه سبحانه استثنى أنفسهم من الشهداء وهذا استثناء متصل قطعا ولهذا جاء مرفوعا .

                          والثاني : أنه صرح بأن التعانهم شهادة ثم زاد سبحانه هذا بيانا فقال ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين

                          والثالث أنه جعله بدلا من الشهود وقائما مقامهم عند عدمهم .

                          قالوا : وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا لعان بين مملوكين ولا كافرين ذكره أبو عمر بن عبد البر في " التمهيد " .

                          وذكر الدارقطني من حديثه أيضا عن أبيه عن جده مرفوعا : أربعة ليس بينهم لعان ليس بين الحر والأمة لعان وليس بين الحرة والعبد لعان وليس بين المسلم واليهودية لعان وليس بين المسلم والنصرانية لعان

                          وذكر عبد الرزاق في " مصنفه " عن ابن شهاب قال من وصية النبي صلى الله عليه وسلم لعتاب بن أسيد : أن لا لعان بين أربع فذكر معناه .

                          قالوا : ولأن اللعان جعل بدل الشهادة وقائما مقامها عند عدمها فلا يصح إلا ممن تصح منه ولهذا تحد المرأة بلعان الزوج ونكولها تنزيلا للعانه منزلة أربعة شهود . قالوا : وأما الحديث لولا ما مضى من الأيمان لكان لي ولها شأن فالمحفوظ فيه لولا ما مضى من كتاب الله هذا لفظ البخاري في " صحيحه " .

                          وأما قوله لولا ما مضى من الأيمان فمن رواية عباد بن منصور وقد تكلم فيه غير واحد . قال يحيى بن معين : ليس بشيء . وقال علي بن الحسين بن الجنيد الرازي : متروك قدري . وقال النسائي : ضعيف .

                          وقد استقرت قاعدة الشريعة أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه والزوج ها هنا مدع فلعانه شهادة ولو كان يمينا لم تشرع في جانبه .

                          قال الأولون أما تسميته شهادة فلقول الملتعن في يمينه أشهد بالله فسمي بذلك شهادة وإن كان يمينا اعتبارا بلفظها . قالوا : وكيف وهو مصرح فيه بالقسم وجوابه وكذلك لو قال أشهد بالله انعقدت يمينه بذلك سواء نوى اليمين أو أطلق والعرب تعد ذلك يمينا في لغتها واستعمالها . قال قيس :


                          فأشهد عند الله أني أحبها

                          فهذا لها عندي فما عندها ليا


                          وفي هذا حجة لمن قال إن قوله " أشهد " تنعقد به اليمين ولو لم يقل بالله كما هو إحدى الروايتين عن أحمد . والثانية لا يكون يمينا إلا بالنية وهو قول الأكثرين . كما أن قوله أشهد بالله يمين عند الأكثرين بمطلقه .

                          قالوا : وأما استثناؤه سبحانه أنفسهم من الشهداء فيقال أولا : " إلا " ها هنا : صفة بمعنى غير والمعنى : ولم يكن لهم شهداء غير أنفسهم فإن " غير " و " وإلا " يتعاوضان الوصفية والاستثناء فيستثنى ب " غير " حملا على " إلا " ويوصف ب " إلا " حملا على " غير " .

                          ويقال ثانيا : إن " أنفسهم " مستثنى من الشهداء ولكن يجوز أن يكون منقطعا على لغة بني تميم فإنهم يبدلون في الانقطاع كما يبدل أهل الحجاز وهم في الاتصال .

                          ويقال ثالثا : إنما استثنى " أنفسهم " من الشهداء لأنه نزلهم منزلتهم في قبول قولهم وهذا قوي جدا على قول من يرجم المرأة بالتعان الزوج إذا نكلت وهو الصحيح كما يأتي تقريره إن شاء الله تعالى . والصحيح أن لعانهم يجمع الوصفين اليمين والشهادة فهو شهادة مؤكدة بالقسم والتكرار ويمين مغلظة بلفظ الشهادة والتكرار لاقتضاء الحال تأكيد الأمر ولهذا اعتبر فيه من التأكيد عشرة أنواع .

                          [ أنواع التأكيد في الشهادة على اللعان ]
                          أحدها : ذكر لفظ الشهادة .

                          الثاني : ذكر القسم بأحد أسماء الرب سبحانه وأجمعها لمعاني أسمائه الحسنى وهو اسم الله جل ذكره .

                          الثالث تأكيد الجواب بما يؤكد به المقسم عليه من " إن واللام " وإتيانه باسم الفاعل الذي هو صادق وكاذب دون الفعل الذي هو صدق وكذب .

                          الرابع تكرار ذلك أربع مرات .

                          الخامس دعاؤه على نفسه في الخامسة بلعنة الله إن كان من الكاذبين .

                          السادس إخباره عند الخامسة أنها الموجبة لعذاب الله وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة .

                          السابع جعل لعانه مقتض لحصول العذاب عليها وهو إما الحد أو الحبس وجعل لعانها دارئا للعذاب عنها .

                          الثامن أن هذا اللعان يوجب العذاب على أحدهما إما في الدنيا وإما في الآخرة .

                          التاسع التفريق بين المتلاعنين وخراب بيتها وكسرها بالفراق .

                          العاشر تأبيد تلك الفرقة ودوام التحريم بينهما فلما كان شأن هذا اللعان هذا الشأن جعل يمينا مقرونا بالشهادة وشهادة مقرونة باليمين وجعل الملتعن لقبول قوله كالشاهد فإن نكلت المرأة مضت شهادته وحدت وأفادت شهادته ويمينه شيئين سقوط الحد عنه ووجوبه عليها . وإن التعنت المرأة وعارضت لعانه بلعان آخر منها أفاد لعانه سقوط الحد عنه دون وجوبه عليها فكان شهادة ويمينا بالنسبة إليه دونها لأنه إن كان يمينا محضة فهي لا تحد بمجرد حلفه وإن كان شهادة فلا تحد بمجرد شهادته عليها وحده . فإذا انضم إلى ذلك نكولها قوي جانب الشهادة واليمين في حقه بتأكده ونكولها فكان دليلا ظاهرا على صدقه فأسقط الحد عنه وأوجبه عليها وهذا أحسن ما يكون من الحكم ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون وقد ظهر بهذا أنه يمين فيها معنى الشهادة وشهادة فيها معنى اليمين .

                          وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فما أبين دلالته لو كان صحيحا بوصوله إلى عمرو ولكن في طريقه إلى عمرو مهالك ومفاوز . قال أبو عمر بن عبد البر : ليس دون عمرو بن شعيب من يحتج به .

                          وأما حديثه الآخر الذي رواه الدارقطني فعلى طريق الحديث عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي وهو متروك بإجماعهم فالطريق به مقطوعة .

                          وأما حديث عبد الرزاق فمراسيل الزهري عندهم ضعيفة لا يحتج بها وعتاب بن أسيد كان عاملا للنبي صلى الله عليه وسلم على مكة ولم يكن بمكة يهودي ولا نصراني البتة حتى يوصيه أن لا يلاعن بينهما .

                          قالوا : وأما ردكم لقوله لولا ما مضى من الأيمان لكان لي ولها شأن وهو حديث رواه أبو داود في " سننه " وإسناده لا بأس به وأما تعلقكم فيه على عباد بن منصور فأكثر ما عيب عليه أنه قدري داعية إلى القدر وهذا لا يوجب رد حديثه ففي الصحيح الاحتجاج بجماعة من القدرية والمرجئة والشيعة ممن علم صدقه ولا تنافي بين قوله لولا ما مضى من كتاب الله تعالى " " ولولا ما مضى من الأيمان فيحتاج إلى ترجيح أحد اللفظين وتقديمه على الآخر بل الأيمان المذكورة هي في كتاب الله وكتاب الله تعالى حكمه الذي حكم به بين المتلاعنين وأراد صلى الله عليه وسلم لولا ما مضى من حكم الله الذي فصل بين المتلاعنين لكان لها شأن آخر .

                          قالوا : وأما قولكم إن قاعدة الشريعة استقرت على أن الشهادة في جانب المدعي واليمين في جانب المدعى عليه فجوابه من وجوه أحدها : أن الشريعة لم تستقر على هذا بل قد استقرت في القسامة بأن يبدأ بأيمان المدعين وهذا لقوة جانبهم باللوث وقاعدة الشريعة أن اليمين تكون من جنبة أقوى المتداعيين فلما كان جانب المدعى عليه قويا بالبراءة الأصلية شرعت اليمين في جانبه فلما قوي جانب المدعي في القسامة باللوث كانت اليمين في جانبه وكذلك على الصحيح لما قوي جانبه بالنكول صارت اليمين في جانبه فيقال له احلف واستحق وهذا من كمال حكمة الشارع واقتضائه للمصالح بحسب الإمكان ولو شرعت اليمين من جانب واحد دائما لذهبت قوة الجانب الراجح هدرا وحكمة الشارع تأبى ذلك فالذي جاء به هو غاية الحكمة والمصلحة .
                          يتبع
                          أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
                          وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

                          Comment

                          • اخت مسلمة
                            محاور
                            • Nov 2005
                            • 6338

                            #43
                            [ إذا لم تلتعن المرأة فهل تحد أو تحبس حتى تقر أو تلاعن ؟ ]

                            وإذا عرف هذا فجانب الزوج ها هنا أقوى من جانبها فإن المرأة تنكر زناها وتبهته والزوج ليس له غرض في هتك حرمته وإفساد فراشه ونسبة أهله إلى الفجور بل ذلك أشوش عليه وأكره شيء إليه فكان هذا لوثا ظاهرا فإذا انضاف إليه نكول المرأة قوي الأمر جدا في قلوب الناس خاصهم وعامهم فاستقل ذلك بثبوت حكم الزنا عليها شرعا فحدت بلعانه ولكن لما لم تكن أيمانه بمنزلة الشهداء الأربعة حقيقة كان لها أن تعارضها بأيمان أخرى مثلها يدرأ عنها بها العذاب عذاب الحد المذكور في قوله تعالى : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين [ النور 2 ] ولو كان لعانه بينة حقيقة لما دفعت أيمانها عنها شيئا وهذا يتضح بالفصل الثاني المستفاد من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن المرأة إذا لم تلتعن فهل تحد أو تحبس حتى تقر أو تلاعن ؟ فيه قولان للفقهاء . فقال الشافعي وجماعة من السلف والخلف تحد وهو قول أهل الحجاز .

                            وقال أحمد : تحبس حتى تقر أو تلاعن وهو قول أهل العراق . وعنه رواية ثانية لا تحبس ويخلى سبيلها .




                            [ حجج من قال تحبس ]

                            قال أهل العراق ومن وافقهم لو كان لعان الرجل بينة توجب الحد عليها لم تملك إسقاطه باللعان وتكذيب البينة كما لو شهد عليها أربعة .

                            قالوا : ولأنه لو شهد عليها مع ثلاثة غيره لم تحد بهذه الشهادة فلأن لا تحد بشهادته وحده أولى وأحرى .

                            قالوا : ولأنه أحد المتلاعنين فلا يوجب حد الآخر كما لم يوجب لعانها حده .

                            قالوا : وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي ولا ريب أن الزوج ها هنا مدع .

                            قالوا : ولأن موجب لعانه إسقاط الحد عن نفسه لا إيجاب الحد عليها ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم البينة وإلا حد في ظهرك فإن موجب قذف الزوج كموجب قذف الأجنبي وهو الحد فجعل الله سبحانه له طريقا إلى التخلص منه باللعان وجعل طريق إقامة الحد على المرأة أحد أمرين إما أربعة شهود أو اعتراف أو الحبل عند من يحد به من الصحابة كعمر بن الخطاب ومن وافقه وقد قال عمر بن الخطاب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجم واجب على كل من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنا إذا قامت بينة أو كان الحبل أو الاعتراف وكذلك قال علي رضي الله عنه فجعلا طريق الحد ثلاثة لم يجعلا فيها اللعان .

                            قالوا : وأيضا فهذه لم يتحقق زناها فلا يجب عليها الحد لأن تحقق زناها إما أن يكون بلعان الزوج وحده لأنه لو تحقق به لم يسقط بلعانها الحد ولما وجب بعد ذلك حد على قاذفها ولا يجوز أن يتحقق بنكولها أيضا لأن الحد لا يثبت بالنكول فإن الحد يدرأ بالشبهات فكيف يجب بالنكول فإن النكول يحتمل أن يكون لشدة خفرها أو لعقلة لسانها أو لدهشها في ذلك المقام الفاضح المخزي أو لغير ذلك من الأسباب فكيف يثبت الحد الذي اعتبر في بينته من العدد ضعف ما اعتبر في سائر الحدود وفي إقراره أربع مرات بالسنة الصحيحة الصريحة واعتبر في كل من الإقرار والبينة أن يتضمن وصف الفعل والتصريح به مبالغة في الستر ودفعا لإثبات الحد بأبلغ الطرق وآكدها وتوسلا إلى إسقاط الحد بأدنى شبهة فكيف يجوز أن يقضى فيه بالنكول الذي هو في نفسه شبهة لا يقضى به في شيء من الحدود والعقوبات البتة ولا فيما عدا الأموال ؟ .

                            قالوا : والشافعي رحمه الله تعالى لا يرى القضاء بالنكول في درهم فما دونه ولا في أدنى تعزير فكيف يقضى به في أعظم الأمور وأبعدها ثبوتا وأسرعها سقوطا ولأنها لو أقرت بلسانها ثم رجعت لم يجب عليها الحد فلأن لا يجب بمجرد امتناعها من اليمين على براءتها أولى وإذا ظهر أنه لا تأثير لواحد منهما في تحقق زناها لم يجز أن يقال بتحققه بهما لوجهين .

                            أحدهما : أن ما في كل واحد منهما من الشبهة لا يزول بضم أحدهما إلى الآخر كشهادة مائة فاسق فإن احتمال نكولها لفرط حيائها وهيبة ذلك المقام والجمع وشدة الخفر وعجزها عن النطق وعقلة لسانها لا يزول بلعان الزوج ولا بنكولها .

                            الثاني : أن ما لا يقضى فيه باليمين المفردة لا يقضى فيه باليمين مع النكول كسائر الحقوق .

                            قالوا : وأما قوله تعالى : ويدرأ عنها العذاب أن تشهد فالعذاب ها هنا يجوز أن يراد به الحد وأن يراد به الحبس والعقوبة المطلوبة فلا يتعين إرادة الحد به فإن الدال على المطلق لا يدل على المقيد إلا بدليل من خارج وأدنى درجات ذلك الاحتمال فلا يثبت الحد مع قيامه وقد يرجح هذا بما تقدم من قول عمر وعلي رضي الله عنهما : إن الحد إنما يكون بالبينة أو الاعتراف أو الحبل

                            ثم اختلف هؤلاء فيما يصنع بها إذا لم تلاعن فقال أحمد : إذا أبت المرأة أن تلتعن بعد التعان الرجل أجبرتها عليه وهبت أن أحكم عليها بالرجم لأنها لو أقرت بلسانها لم أرجمها إذا رجعت فكيف إذا أبت اللعان ؟ وعنه رحمه الله تعالى رواية ثانية يخلى سبيلها اختارها أبو بكر لأنها لا يجب عليها الحد فيجب تخلية سبيلها كما لو لم تكمل البينة .


                            افتراضي

                            فصل [ حجج الموجبين للحد ]

                            قال الموجبون للحد معلوم أن الله سبحانه وتعالى جعل التعان الزوج بدلا عن الشهود وقائما مقامهم بل جعل الأزواج الملتعنين شهداء كما تقدم وصرح بأن لعانهم شهادة وأوضح ذلك بقوله ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله وهذا يدل على أن سبب العذاب الدنيوي قد وجد وأنه لا يدفعه عنها إلا لعانها والعذاب المدفوع عنها بلعانها هو المذكور في قوله تعالى : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين وهذا عذاب الحد قطعا فذكره مضافا ومعرفا بلام العهد فلا يجوز أن ينصرف إلى عقوبة لم تذكر في اللفظ ولا دل عليها بوجه ما من حبس أو غيره فكيف يخلى سبيلها ويدرأ عنها العذاب بغير لعان وهل هذا إلا مخالفة لظاهر القرآن ؟ .

                            قالوا : وقد جعل الله سبحانه لعان الزوج دارئا لحد القذف عنه وجعل لعان الزوجة دارئا لعذاب حد الزنى عنها فكما أن الزوج إذا لم يلاعن يحد حد القذف فكذلك الزوجة إذا لم تلاعن يجب عليها الحد .

                            قالوا : وأما قولكم إن لعان الزوج لو كان بينة توجب الحد عليها لم تملك هي إسقاطه باللعان كشهادة الأجنبي .

                            فالجواب أن حكم اللعان حكم مستقل بنفسه غير مردود إلى أحكام الدعاوى والبينات بل هو أصل قائم بنفسه شرعه الذي شرع نظيره من الأحكام وفصله الذي فصل الحلال والحرام ولما كان لعان الزوج بدلا عن الشهود لا جرم نزل عن مرتبة البينة فلم يستقل وحده بحكم البينة وجعل للمرأة معارضته بلعان نظيره وحينئذ فلا يظهر ترجيح أحد اللعانين على الآخر لنا والله يعلم أن أحدهما كاذب فلا وجه لحد المرأة بمجرد لعان الزوج فإذا مكنت من معارضته وإتيانها بما يبرئ ساحتها فلم تفعل ونكلت عن ذلك عمل المقتضي عمله وانضاف إليه قرينة قوته وأكدته وهي نكول المرأة وإعراضها عما يخلصها من العذاب ويدرؤه عنها .




                            قالوا : وأما قولكم إنه لو شهد عليها مع ثلاثة غيره لم تحد بهذه الشهادة فكيف تحد بشهادته وحده ؟ فجوابه أنها لم تحد بشهادة مجردة وإنما حدت بمجموع لعانه خمس مرات ونكولها عن معارضته مع قدرتها عليها فقام من مجموع ذلك دليل في غاية الظهور والقوة على صحة قوله والظن المستفاد منه أقوى بكثير من الظن المستفاد من شهادة الشهود .

                            وأما قولكم إنه أحد اللعانين فلا يوجب حد الآخر كما لم يوجب لعانها حده فجوابه أن لعانها إنما شرع للدفع لا للإيجاب كما قال تعالى : ويدرأ عنها العذاب أن تشهد فدل النص على أن لعانه مقتض لإيجاب الحد ولعانها دافع ودارئ لا موجب فقياس أحد اللعانين على الآخر جمع بين ما فرق الله سبحانه بينهما وهو باطل . قالوا : وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي فسمعا وطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم و لا ريب أن لعان الزوج المذكور المكرر بينة وقد انضم إليه نكولها الجاري مجرى إقرارها عند قوم ومجرى بينة المدعين عند آخرين .

                            وهذا من أقوى البينات ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له البينة وإلا حد في ظهرك ولم يبطل الله سبحانه هذا وإنما نقله عند عجزه عن بينة منفصلة تسقط الحد عنه يعجز عن إقامتها إلى بينة يتمكن من إقامتها ولما كانت دونها في الرتبة اعتبر لها مقو منفصل وهو نكول المرأة عن دفعها ومعارضتها مع قدرتها وتمكنها قالوا : وأما قولكم إن موجب لعانه إسقاط الحد عن نفسه لا إيجاب الحد عليها إلى آخره فإن أردتم أن من موجبه إسقاط الحد عن نفسه فحق وإن أردتم أن سقوط الحد عنه يسقط جميع موجبه ولا موجب له سواه فباطل قطعا فإن وقوع الفرقة أو وجوب التفريق والتحريم المؤبد أو المؤقت ونفي الولد المصرح بنفيه أو المكتفى في نفيه باللعان ووجوب العذاب على الزوجة إما عذاب الحد أو عذاب الحبس كل ذلك من موجب اللعان فلا يصح أن يقال إنما يوجب سقوط حد القذف عن الزوج فقط .

                            قالوا : وأما قولكم إن الصحابة جعلوا حد الزنى بأحد ثلاثة أشياء إما البينة أو الاعتراف أو الحبل واللعان ليس منها فجوابه أن منازعيكم يقولون إن كان إيجاب الحد عليها باللعان خلافا لأقوال هؤلاء الصحابة فإن إسقاط الحد بالحبل أدخل في خلافهم وأظهر فما الذي سوغ لكم إسقاط حد أوجبوه بالحبل وصريح مخالفتهم وحرم على منازعيكم مخالفتهم في إيجاب الحد بغير هذه الثلاثة مع أنهم أعذر منكم لثلاثة أوجه .

                            أحدها : أنهم لم يخالفوا صريح قولهم وإنما هو مخالفة لمفهوم سكتوا عنه فهو مخالفة لسكوتهم وأنتم خالفتم صريح أقوالهم .

                            الثاني : أن غاية ما خالفوه مفهوم قد خالفه صريح عن جماعة منهم بإيجاب الحد فلم يخالفوا ما أجمع عليه الصحابة وأنتم خالفتم منطوقا لا يعلم لهم فيه مخالف البتة ها هنا وهو إيجاب الحد بالحبل فلا يحفظ عن صحابي قط مخالفة عمر وعلي رضي الله عنهما في إيجاب الحد به .
                            الثالث أنهم خالفوا هذا المفهوم لمنطوق تلك الأدلة التي تقدمت ولمفهوم قوله ويدرأ عنها العذاب أن تشهد [ النور 8 ] ولا ريب أن هذا المفهوم أقوى من مفهوم سقوط الحد بقولهم إذا كانت البينة أو الحبل أو الاعتراف فهم تركوا مفهوما لما هو أقوى منه وأولى هذا لو كانوا قد خالفوا الصحابة فكيف وقولهم موافق لأقوال الصحابة ؟ فإن اللعان مع نكول المرأة من أقوى البينات كما تقرر .

                            افتراضي

                            الثالث أنهم خالفوا هذا المفهوم لمنطوق تلك الأدلة التي تقدمت ولمفهوم قوله ويدرأ عنها العذاب أن تشهد [ النور 8 ] ولا ريب أن هذا المفهوم أقوى من مفهوم سقوط الحد بقولهم إذا كانت البينة أو الحبل أو الاعتراف فهم تركوا مفهوما لما هو أقوى منه وأولى هذا لو كانوا قد خالفوا الصحابة فكيف وقولهم موافق لأقوال الصحابة ؟ فإن اللعان مع نكول المرأة من أقوى البينات كما تقرر .

                            قالوا : وأما قولكم لم يتحقق زناها إلى آخره فجوابه إن أردتم بالتحقيق اليقين المقطوع به كالمحرمات فهذا لا يشترط في إقامة الحد ولو كان هذا شرطا لما أقيم الحد بشهادة أربعة إذ شهادتهم لا تجعل الزنى محققا بهذا الاعتبار . وإن أردتم بعدم التحقق أنه مشكوك فيه على السواء بحيث لا يترجح ثبوته فباطل قطعا وإلا لما وجب عليها العذاب المدرأ بلعانها ولا ريب أن التحقق المستفاد من لعانه المؤكد المكرر مع إعراضها عن معارضة ممكنة منه أقوى من التحقق بأربع شهود ولعل لهم غرضا في قذفها وهتكها وإفسادها على زوجها والزوج لا غرض له في ذلك منها .

                            وقولكم إنه لو تحقق فإما أن يتحقق بلعان الزوج أو بنكولها أو بهما فجوابه أنه تحقق بهما ولا يلزم من عدم استقلال أحد الأمرين بالحد وضعفه عنه عدم استقلالهما معا إذ هذا شأن كل مفرد لم يستقل بالحكم بنفسه ويستقل به مع غيره لقوته به .

                            وأما قولكم عجبا للشافعي كيف لا يقضي بالنكول في درهم ويقضي به في إقامة حد بالغ الشارع في ستره واعتبر له أكمل بينة فهذا موضع لا ينتصر فيه للشافعي ولا لغيره من الأئمة وليس لهذا وضع كتابنا هذا ولا قصدنا به نصرة أحد من العالمين وإنما قصدنا به مجرد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته وأقضيته وأحكامه وما تضمن سوى ذلك فتبع مقصود لغيره فهب أن من لم يقض بالنكول تناقض فماذا يضر ذلك هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                            وتلك شكاة ظاهر عنك عارها


                            على أن الشافعي رحمه الله تعالى لم يتناقض فإنه فرق بين نكول مجرد لا قوة له وبين نكول قد قارنه التعان مؤكد مكرر أقيم في حق الزوج مقام البينة مع شهادة الحال بكراهة الزوج لزنى امرأته وفضيحتها وخراب بيتها وإقامة نفسه وحبه في ذلك المقام العظيم بمشهد المسلمين يدعو على نفسه باللعنة إن كان كاذبا بعد حلفه بالله جهد أيمانه أربع مرات إنه لمن الصادقين والشافعي رحمه الله إنما حكم بنكول قد قارنه ما هذا شأنه فمن أين يلزمه أن يحكم بنكول مجرد ؟ .

                            قالوا : وأما قولكم إنها لو أقرت بالزنى ثم رجعت لسقط عنها الحد فكيف يجب بمجرد امتناعها من اليمين ؟ بجوابه ما تقرر آنفا .
                            قالوا : وأما قولكم إن العذاب المدرأ عنها بلعانها هو عذاب الحبس أو غيره فجوابه أن العذاب المذكور إما عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة وحمل الآية على عذاب الآخرة باطل قطعا فإن لعانها لا يدرؤه إذا وجب عليها وإنما هو عذاب الدنيا وهو الحد قطعا فإنه عذاب المحدود وهو فداء له من عذاب الآخرة ولهذا شرعه سبحانه طهرة وفدية من ذلك العذاب كيف وقد صرح به في أول السورة بقوله وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين [ النور 2 ] ثم أعاده بعينه بقوله ويدرأ عنها العذاب فهذا هو العذاب المشهود مكنها من دفعه بلعانها فأين هنا عذاب غيره حتى تفسر الآية به ؟ وإذا تبين هذا فهذا هو القول الصحيح الذي لا نعتقد سواه ولا نرتضي إلا إياه وبالله التوفيق .

                            فإن قيل فلو نكل الزوج عن اللعان بعد قذفه فما حكم نكوله ؟ قلنا : يحد حد القذف عند جمهور العلماء من السلف والخلف وهو قول الشافعي ومالك وأحمد وأصحابهم وخالف في ذلك أبو حنيفة وقال يحبس حتى يلاعن أو تقر الزوجة وهذا الخلاف مبني على أن موجب قذف الزوج لامرأته هل هو الحد كقذف الأجنبي وله إسقاطه باللعان أو موجبه اللعان نفسه ؟ فالأول قول الجمهور . والثاني : قول أبي حنيفة واحتجوا عليه بعموم قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة [ النور 4 ] وبقوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية البينة أو حد في ظهرك وبقوله له عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وهذا قاله لهلال بن أمية قبل شروعه في اللعان . فلو لم يجب الحد بقذفه لم يكن لهذا معنى وبأنه قذف حرة عفيفة يجري بينه وبينها القود فحد بقذفها كالأجنبي وبأنه لو لاعنها ثم أكذب نفسه بعد لعانها لوجب عليه الحد فدل على أن قذفه سبب لوجوب الحد عليه وله إسقاطه باللعان إذ لو لم يكن سببا لما وجب بإكذابه نفسه بعد اللعان وأبو حنيفة يقول قذفه لها دعوى توجب أحد أمرين إما لعانه وإما إقرارها فإذا لم يلاعن حبس حتى يلاعن إلا أن تقر فيزول موجب الدعوى وهذا بخلاف قذف الأجنبي فإنه لا حق له عند المقذوفة فكان قاذفا محضا والجمهور يقولون بل قذفه جناية منه على عرضها فكان موجبها الحد كقذف الأجنبي ولما كان فيها شائبة الدعوى عليها بإتلافها لحقه وخيانتها فيه ملك إسقاط ما يوجبه القذف من الحد بلعانه فإذا لم يلاعن مع قدرته على اللعان وتمكنه منه عمل مقتضى القذف عمله واستقل بإيجاب الحد إذ لا معارض له وبالله التوفيق .



                            فصل [ ومن الأحكام المستنبطة من أحاديث اللعان أنه صلى الله عليه وسلم إنما كان يقضي بالوحي ]

                            ومنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان يقضي بالوحي وبما أراه الله لا بما رآه هو فإنه صلى الله عليه وسلم لم يقض بين المتلاعنين حتى جاءه الوحي ونزل القرآن فقال لعويمر حينئذ قد نزل فيك وفي صحابتك فاذهب فأت بها وقد قال صلى الله عليه وسلم لا يسألني الله عز وجل عن سنة أحدثتها فيكم لم أومر بها وهذا في الأقضية والأحكام والسنن الكلية وأما الأمور الجزئية التي لا ترجع إلى أحكام كالنزول في منزل معين وتأمير رجل معين ونحو ذلك مما هو متعلق بالمشاورة المأمور بها بقوله وشاورهم في الأمر [ آل عمران 159 ] فتلك للرأي فيها مدخل ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم في شأن تلقيح النخل إنما هو رأي رأيته فهذا القسم شيء والأحكام والسنن الكلية شيء آخر .

                            فصل [ يكون اللعان بحضرة الإمام أو نائبه ]
                            ومنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن يأتي بها فتلاعنا بحضرته فكان في هذا بيان أن اللعان إنما يكون بحضرة الإمام أو نائبه وأنه ليس لآحاد الرعية أن يلاعن بينهما كما أنه ليس له إقامة الحد بل هو للإمام أو نائبه .



                            فصل [ يسن التلاعن بمحضر جماعة من الناس ]
                            ومنها : أنه يسن التلاعن بمحضر جماعة من الناس يشهدونه فإن ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد حضروه مع حداثة أسنانهم فدل ذلك على أنه حضره جمع كثير فإن الصبيان إنما يحضرون مثل هذا الأمر تبعا للرجال . قال سهل بن سعد فتلاعنا وأنا مع الناس عند النبي صلى الله عليه وسلم . وحكمة هذا - والله أعلم - أن اللعان بني على التغليظ مبالغة في الردع والزجر وفعله في الجماعة أبلغ في ذلك .

                            فصل [ القيام عند الملاعنة ]
                            ومنها : أنهما يتلاعنان قياما وفي قصة هلال بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له قم فاشهد أربع شهادات بالله . وفي " الصحيحين " : في قصة المرأة ثم قامت فشهدت ولأنه إذا قام شاهده الحاضرون فكان أبلغ في شهرته وأوقع في النفوس وفيه سر آخر وهو أن الدعوة التي تطلب إصابتها إذا صادفت المدعو عليه قائما نفذت فيه ولهذا لما دعا خبيب على المشركين حين صلبوه أخذ أبو سفيان معاوية فأضجعه وكانوا يرون أن الرجل إذا لطئ بالأرض زلت عنه الدعوة .



                            فصل [ البداءة بالرجل في اللعان ]
                            ومنها : البداءة بالرجل في اللعان كما بدأ الله عز وجل ورسوله به فلو بدأت هي لم يعتد بلعانها عند الجمهور واعتد به أبو حنيفة . وقد بدأ الله سبحانه في الحد بذكر المرأة فقال الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة [ النور 2 ] وفي اللعان بذكر الزوج وهذا في غاية المناسبة لأن الزنى من المرأة أقبح منه بالرجل لأنها تزيد على هتك حق الله إفساد فراش بعلها وتعليق نسب من غيره عليه وفضيحة أهلها وأقاربها والجناية على محض حق الزوج وخيانته فيه وإسقاط حرمته عند الناس وتعييره بإمساك البغي وغير ذلك من مفاسد زناها فكانت البداءة بها في الحد أهم وأما اللعان فالزوج هو الذي قذفها وعرضها للعان وهتك عرضها ورماها بالعظيمة وفضحها عند قومها وأهلها ولهذا يجب عليه الحد إذا لم يلاعن فكانت البداءة به في اللعان أولى من البداءة بها .

                            فصل [ وعظهما قبل اللعان ]
                            ومنها : وعظ كل واحد من المتلاعنين عند إرادة الشروع في اللعان فيوعظ ويذكر ويقال له عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فإذا كان عند الخامسة أعيد ذلك عليهما كما صحت السنة بهذا وهذا .

                            فصل [ لا يقبل منهما أقل من خمس مرات ]

                            ومنها : أنه لا يقبل من الرجل أقل من خمس مرات ولا من المرأة ولا يقبل منه إبدال اللعنة بالغضب والإبعاد والسخط ولا منها إبدال الغضب باللعنة والإبعاد والسخط بل يأتي كل منهما بما قسم الله له من ذلك شرعا وقدرا وهذا أصح القولين في مذهب أحمد ومالك وغيرهما .

                            [ لا تستحب الزيادة على الألفاظ المذكورة في الكتاب والسنة ]

                            ومنها : أنه لا يفتقر أن يزيد على الألفاظ المذكورة في القرآن والسنة شيئا بل لا يستحب ذلك فلا يحتاج أن يقول أشهد بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية ونحو ذلك بل يكفيه أن يقول أشهد بالله إني لمن الصادقين وهي تقول أشهد بالله إنه لمن الكاذبين ولا يحتاج أن يقول فيما رميتها به من الزنى ولا أن تقول هي إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى ولا يشترط أن يقول إذا ادعى الرؤية رأيتها تزني كالمرود في المكحلة ولا أصل لذلك في كتاب الله ولا سنة رسوله فإن الله سبحانه بعلمه وحكمته كفانا بما شرعه لنا وأمرنا به عن تكلف زيادة عليه .

                            قال صاحب " الإفصاح " وهو يحيى بن محمد بن هبيرة في " إفصاحه " : من الفقهاء من اشترط أن يزاد بعد قوله من الصادقين فيما رميتها به من الزنى واشترط في نفيها عن نفسها أن تقول فيما رماني به من الزنى . قال ولا أراه يحتاج إليه لأن الله تعالى أنزل ذلك وبينه ولم يذكر هذا الاشتراط . وظاهر كلام أحمد أنه لا يشترط ذكر الزنى في اللعان فإن إسحاق بن منصور قال قلت لأحمد كيف يلاعن ؟ قال على ما في كتاب الله يقول أربع مرات أشهد بالله إني فيما رميتها به لمن الصادقين ثم يقف عند الخامسة فيقول لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين والمرأة مثل ذلك . ففي هذا النص أنه لا يشترط أن يقول من الزنى ولا تقوله هي ولا يشترط أن يقول عند الخامسة فيما رميتها به وتقول هي فيما رماني به والذين اشترطوا ذلك حجتهم أن قالوا : ربما نوى : إني لمن الصادقين في شهادة التوحيد أو غيره من الخبر الصادق ونوت إنه لمن الكاذبين في شأن آخر فإذا ذكرا ما رميت به من الزنى انتفى هذا التأويل . قال الآخرون هب أنهما نويا ذلك فإنهما لا ينتفعان بنيتهما فإن الظالم لا ينفعه تأويله ويمينه على نية خصمه ويمينه بما أمر الله به إذا كان مجاهرا فيها بالباطل والكذب موجبة عليه اللعنة أو الغضب نوى ما ذكرتم أو لم ينوه فإنه لا يموه على من يعلم السر وأخفى بمثل هذا .

                            افتراضي

                            فصل [هل ينتفي الحمل باللعان ]
                            ومنها : أن الحمل ينتفي بلعانه ولا يحتاج أن يقول وما هذا الحمل مني ولا يحتاج أن يقول وقد استبرأتها هذا قول أبي بكر عبد العزيز من أصحاب أحمد وقول بعض أصحاب مالك وأهل الظاهر وقال الشافعي يحتاج الرجل إلى ذكر الولد ولا تحتاج المرأة إلى ذكره وقال الخرقي وغيره يحتاجان إلى ذكره وقال القاضي : يشترط أن يقول هذا الولد من زنا وليس هو مني . وهو قول الشافعي وقول أبي بكر أصح الأقوال وعليه تدل السنة الثابتة .

                            فإن قيل فقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن بين رجل وامرأته وانتفى من ولدها ففرق بينهما وألحق الولد بالمرأة .

                            وفي حديث سهل بن سعد وكانت حاملا فأنكر حملها .

                            وقد حكم صلى الله عليه وسلم بأن الولد للفراش وهذه كانت فراشا له حال كونها حاملا فالولد له فلا ينتفي عنه إلا بنفيه .

                            قيل هذا موضع تفصيل لا بد منه وهو أن الحمل إن كان سابقا على ما رماها به وعلم أنها زنت وهي حامل منه فالولد له قطعا ولا ينتفي عنه بلعانه ولا يحل له أن ينفيه عنه في اللعان فإنها لما علقت به كانت فراشا له وكان الحمل لاحقا به فزناها لا يزيل حكم لحوقه به وإن لم يعلم حملها حال زناها الذي قد قذفها به فهذا ينظر فيه فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من الزنى الذي رماها به فالولد له ولا ينتفي عنه بلعانه وإن ولدته لأكثر من ستة أشهر من الزنى الذي رماها به نظر فإما أن يكون استبرأها قبل زناها أو لم يستبرئها فإن كان استبرأها انتفى الولد عنه بمجرد اللعان سواء نفاه أو لم ينفه ولا بد من ذكره عند من يشترط ذكره وإن لم يستبرئها فها هنا أمكن أن يكون الولد منه وأن يكون من الزاني فإن نفاه في اللعان انتفى وإلا لحق به لأنه أمكن كونه منه ولم ينفه .
                            فإن قيل فالنبي صلى الله عليه وسلم قد حكم بعد اللعان ونفى الولد بأنه إن جاء يشبه الزوج صاحب الفراش فهو له وإن جاء يشبه الذي رميت به فهو له فما قولكم في مثل هذه الواقعة إذا لاعن امرأته وانتفى من ولدها ثم جاء الولد يشبهه هل تلحقونه به بالشبه عملا بالقافة أو تحكمون بانقطاع نسبه منه عملا بموجب لعانه ؟ قيل هذا مجال ضنك وموضع ضيق تجاذب أعنته اللعان المقتضي لانقطاع النسب وانتفاء الولد وأنه يدعى لأمه ولا يدعى لأب والشبه الدال على ثبوت نسبه من الزوج وأنه ابنه مع شهادة النبي صلى الله عليه وسلم بأنها إن جاءت به على شبهه فالولد له وأنه كذب عليها فهذا مضيق لا يتخلص منه إلا المستبصر البصير بأدلة الشرع وأسراره والخبير بجمعه وفرقه الذي سافرت به همته إلى مطلع الأحكام والمشكاة التي منها ظهر الحلال والحرام .

                            والذي يظهر في هذا والله المستعان وعليه التكلان أن حكم اللعان قطع حكم الشبه وصار معه بمنزلة أقوى الدليلين مع أضعفهما فلا عبرة للشبه بعد مضي حكم اللعان في تغيير أحكامه والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخبر عن شأن الولد وشبهه ليغير بذلك حكم اللعان وإنما أخبر عنه ليتبين الصادق منهما من الكاذب الذي قد استوجب اللعنة والغضب فهو إخبار عن أمر قدري كون يتبين به الصادق من الكاذب بعد تقرر الحكم الديني وأن الله سبحانه سيجعل في الولد دليلا على ذلك ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك بعد انتفائه من الولد وقال إن جاءت به كذا وكذا فلا أراه إلا صدق عليها وإن جاءت به كذا وكذا فلا أراه إلا كذب عليها فجاءت به على النعت المكروه فعلم أنه صدق عليها ولم يعرض لها ولم يفسخ حكم اللعان فيحكم عليها بحكم الزانية مع العلم بأنه صدق عليها فكذلك لو جاءت به على شبه الزوج يعلم أنه كذب عليها ولا يغير ذلك حكم اللعان فيحد الزوج ويلحق به الولد فليس قوله إن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية إلحاقا له به في الحكم كيف وقد نفاه باللعان وانقطع نسبه به كما أن قوله وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذي رميت به . ليس إلحاقا به وجعله ابنه وإنما هو إخبار عن الواقع وهذا كما لو حكم بأيمان القسامة ثم أظهر الله سبحانه آية تدل على كذب الحالفين لم ينتقض حكمها بذلك وكذا لو حكم بالبراءة من الدعوى بيمين ثم أظهر الله سبحانه آية تدل على أنها يمين فاجرة لم يبطل الحكم بذلك .


                            فصل [هل يحد إذا قذف امرأته بالزنى برجل بعينه ]
                            ومنها : أن الرجل إذا قذف امرأته بالزنى برجل بعينه ثم لاعنها سقط الحد عنه لهما ولا يحتاج إلى ذكر الرجل في لعانه وإن لم يلاعن فعليه لكل واحد منهما حده وهذا موضع اختلف فيه فقال أبو حنيفة ومالك يلاعن للزوجة ويحد للأجنبي وقال الشافعي في أحد قوليه يجب عليه حد واحد ويسقط عنه الحد لهما بلعانه وهو قول أحمد والقول الثاني للشافعي أنه يحد لكل واحد حدا فإن ذكر المقذوف في لعانه سقط الحد وإن لم يذكره فعلى قولين أحدهما : يستأنف اللعان ويذكره فيه فإن لم يذكره حد له . والثاني : أنه يسقط حده بلعانه كما يسقط حد الزوجة .

                            وقال بعض أصحاب أحمد القذف للزوجة وحدها ولا يتعلق بغيرها حق المطالبة ولا الحد . وقال بعض أصحاب الشافعي يجب الحد لهما وهل يجب حد واحد أو حدان ؟ على وجهين وقال بعض أصحابه لا يجب إلا حد واحد قولا واحدا ولا خلاف بين أصحابه أنه إذا لاعن وذكر الأجنبي في لعانه أنه يسقط عنه حكمه وإن لم يذكره فعلى قولين الصحيح عندهم أنه لا يسقط .




                            والذين أسقطوا حكم قذف الأجنبي باللعان حجتهم ظاهرة وقوية جدا فإنه صلى الله عليه وسلم لم يحد الزوج بشريك بن سحماء وقد سماه صريحا وأجاب الآخرون عن هذا بجوابين
                            أحدهما : أن المقذوف كان يهوديا ولا يجب الحد بقذف الكافر .
                            والثاني : أنه لم يطالب به وحد القذف إنما يقام بعد المطالبة .

                            وأجاب الآخرون عن هذين الجوابين وقالوا : قول من قال إنه يهودي باطل فإنه شريك بن عبدة وأمه سحماء وهو حليف الأنصار وهو أخو البراء بن مالك لأمه . قال عبد العزيز بن بزيزة في شرحه لأحكام عبد الحق قد اختلف أهل العلم في شريك بن سحماء المقذوف فقيل إنه كان يهوديا وهو باطل والصحيح أنه شريك بن عبدة حليف الأنصار وهو أخو البراء بن مالك لأمه .

                            وأما الجواب الثاني فهو ينقلب حجة عليكم لأنه لما استقر عنده أنه لا حق له في هذا القذف لم يطالب به ولم يتعرض له وإلا كيف يسكت عن براءة عرضه وله طريق إلى إظهارها بحد قاذفه والقوم كانوا أشد حمية وأنفة من ذلك ؟

                            وقد تقدم أن اللعان أقيم مقام البينة للحاجة وجعل بدلا من الشهود الأربعة ولهذا كان الصحيح أنه يوجب الحد عليها إذا نكلت فإذا كان بمنزلة الشهادة في أحد الطرفين كان بمنزلتها في الطرف الآخر ومن المحال أن تحد المرأة باللعان إذا نكلت ثم يحد القاذف حد القذف وقد أقام البينة على صدق قوله وكذلك إن جعلناه يمينا فإنها كما درأت عنه الحد من طرف الزوجة درأت عنه من طرف المقذوف ولا فرق لأنه به حاجة إلى قذف الزاني لما أفسد عليه من فراشه وربما يحتاج إلى ذكره ليستدل بشبه الولد له على صدق قاذفه كما استدل النبي صلى الله عليه وسلم على صدق هلال بشبه الولد بشريك بن سحماء فوجب أن يسقط حكم قذفه ما أسقط حكم قذفها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للزوج البينة وإلا حد في ظهرك ولم يقل وإلا حدان هذا والمرأة لم تطالب بحد القذف فإن المطالبة شرط في إقامة الحد لا في وجوبه وهذا جواب آخر عن قولهم إن شريكا لم يطالب بالحد فإن المرأة أيضا لم تطالب به وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم البينة وإلا حد في ظهرك .

                            فإن قيل فما تقولون لو قذف أجنبية بالزنى برجل سماه ؟ فقال زنى بك فلان أو زنيت به ؟ قيل ها هنا يجب عليه حدان لأنه قاذف لكل واحد منهما ولم يأت بما يسقط موجب قذفه فوجب عليه حكمه إذ ليس هنا بينة بالنسبة إلى أحدهما ولا ما يقوم مقامها .



                            فصل [إذا لاعنها وهي حامل وانتفى من حملها انتفى عنه ولم يحتج إلى أن يلاعن بعد وضعه ]
                            ومنها : أنه إذا لاعنها وهي حامل وانتفى من حملها انتفى عنه ولم يحتج إلى أن يلاعن بعد وضعه كما دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة وهذا موضع اختلف فيه . فقال أبو حنيفة رحمه الله لا يلاعن لنفيه حتى تضع لاحتمال أن يكون ريحا فتنفش ولا يكون للعان حينئذ معنى وهذا هو الذي ذكره الخرقي في " مختصره " فقال وإن نفى الحمل في التعانه لم ينتف عنه حتى ينفيه عند وضعها له ويلاعن وتبعه الأصحاب على ذلك وخالفهم أبو محمد المقدسي كما يأتي كلامه . وقال جمهور أهل العلم له أن يلاعن في حال الحمل اعتمادا على قصة هلال بن أمية فإنها صريحة صحيحة في اللعان حال الحمل ونفي الولد في تلك الحال وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن جاءت به على صفة كذا وكذا فلا أراه إلا قد صدق عليها . . . الحديث . قال الشيخ في " المغني " : وقال مالك والشافعي وجماعة من أهل الحجاز : يصح نفي الحمل وينتفي عنه محتجين بحديث هلال وأنه نفى حملها فنفاه عنه النبي صلى الله عليه وسلم وألحقه بالأم ولا خفاء أنه كان حملا ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم انظروها فإن جاءت به كذا وكذا قال ولأن الحمل مظنون بأمارات تدل عليه ولهذا تثبت للحامل أحكام تخالف فيها الحائل من النفقة والفطر في الصيام وترك إقامة الحد عليها وتأخير القصاص عنها وغير ذلك مما يطول ذكره ويصح استلحاق الحمل فكان كالولد بعد وضعه . قال وهذا القول هو الصحيح لموافقته ظواهر الأحاديث وما خالف الحديث لا يعبأ به كائنا ما كان وقال أبو بكر ينتفي الولد بزوال الفراش ولا يحتاج إلى ذكره في اللعان احتجاجا بظاهر الأحاديث حيث لم ينقل نفي الحمل ولا تعرض لنفيه .

                            وأما مذهب أبي حنيفة رحمه الله فإنه لا يصح نفي الحمل واللعان عليه فإن لاعنها حاملا ثم أتت بالولد لزمه عنده ولم يتمكن من نفيه أصلا لأن اللعان لا يكون إلا بين الزوجين وهذه قد بانت بلعانها في حال حملها .

                            قال المنازعون له هذا فيه إلزامه ولدا ليس منه وسد باب الانتفاء من أولاد الزنى والله سبحانه قد جعل له إلى ذلك طريقا فلا يجوز سدها قالوا : وإنما تعتبر الزوجية في الحال التي أضاف الزنى إليها فيها لأن الولد الذي تأتي به يلحقه إذا لم ينفه فيحتاج إلى نفيه وهذه كانت زوجته في تلك الحال فملك نفي ولدها . وقال أبو يوسف . ومحمد له أن ينفي الحمل ما بين الولادة إلى تمام أربعين ليلة منها . وقال عبد الملك بن الماجشون : لا يلاعن لنفي الحمل إلا أن ينفيه ثانية بعد الولادة . وقال الشافعي : إذا علم بالحمل فأمكنه الحاكم من اللعان فلم يلاعن لم يكن له أن ينفيه بعد .



                            [التفريق بين المتلاعنين]
                            الحكم الأول التفريق بين المتلاعنين وفي ذلك خمسة مذاهب .

                            [من يفرق بمجرد القذف ]

                            [من قال لا يقع باللعان فرقة ]

                            أحدها : أن الفرقة تحصل بمجرد القذف هذا قول أبي عبيد والجمهور خالفوه في ذلك ثم اختلفوا فقال جابر بن زيد وعثمان البتي ومحمد بن أبي صفرة وطائفة من فقهاء البصرة : لا يقع باللعان فرقة ألبتة وقال ابن أبي صفرة اللعان لا يقطع العصمة واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه الطلاق بعد اللعان بل هو أنشأ طلاقها ونزه نفسه أن يمسك من قد اعترف بأنها زنت أو أن يقوم عليه دليل كذب بإمساكها فجعل النبي صلى الله عليه وسلم فعله سنة ونازع هؤلاء جمهور العلماء وقالوا : اللعان يوجب الفرقة ثم اختلفوا على ثلاثة مذاهب .

                            [قول من قال تحصل الفرقة بمجرد لعان الزوج وحده ]

                            أحدها أنها تقع بمجرد لعان الزوج وحده وإن لم تلتعن المرأة وهذا القول مما تفرد به الشافعي واحتج له بأنها فرقة حاصلة بالقول فحصلت بقول الزوج وحده كالطلاق . [قول من قال إن الفرقة تحصل بعد اللعان ]

                            المذهب الثاني : أنها لا تحصل إلا بلعانهما جميعا فإذا تم لعانهما وقعت الفرقة ولا يعتبر تفريق الحاكم وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه اختارها أبو بكر وقول مالك وأهل الظاهر واحتج لهذا القول بأن الشرع إنما ورد بالتفريق بين المتلاعنين ولا يكونان متلاعنين بلعان الزوج وحده وإنما فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما بعد تمام اللعان منهما فالقول بوقوع الفرقة قبله مخالف لمدلول السنة وفعل النبي صلى الله عليه وسلم واحتجوا بأن لفظ اللعان لا يقتضي فرقة فإنه إما أيمان على زناها وإما شهادة به وكلاهما لا يقتضي فرقة وإنما ورد الشرع بالتفريق بينهما بعد تمام لعانهما لمصلحة ظاهرة وهي أن الله سبحانه جعل بين الزوجين مودة ورحمة وجعل كلا منهما سكنا للآخر وقد زال هذا بالقذف وأقامها مقام الخزي والعار والفضيحة فإنه إن كان كاذبا فقد فضحها وبهتها ورماها بالداء العضال ونكس رأسها ورءوس قومها وهتكها على رءوس الأشهاد . وإن كانت كاذبة فقد أفسدت فراشه وعرضته للفضيحة والخزي والعار بكونه زوج بغي وتعليق ولد غيره عليه فلا يحصل بعد هذا بينهما من المودة والرحمة والسكن ما هو مطلوب بالنكاح فكان من محاسن شريعة الإسلام التفريق بينهما والتحريم المؤبد على ما سنذكره ولا يترتب هذا على بعض اللعان كما لا يترتب على بعض لعان الزوج قالوا : ولأنه فسخ ثبت بأيمان متحالفين فلم يثبت بأيمان أحدهما كالفسخ لتخالف المتبايعين عند الاختلاف .



                            [قول من قال إن الفرقة لا تحصل إلا بتمام لعانهما وتفريق الحاكم ]

                            المذهب الثالث : أن الفرقة لا تحصل إلا بتمام لعانهما وتفريق الحاكم وهذا مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد وهي ظاهر كلام الخرقي فإنه قال ومتى تلاعنا وفرق الحاكم بينهما لم يجتمعا أبدا . واحتج أصحاب هذا القول بقول ابن عباس في حديثه ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما . وهذا يقتضي أن الفرقة لم تحصل قبله واحتجوا بأن عويمرا قال كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا حجة من وجهين أحدهما : أنه يقتضي إمكان إمساكها . والثاني : وقوع الطلاق ولو حصلت الفرقة باللعان وحده لما ثبت واحد من الأمرين وفي حديث سهل بن سعد أنه طلقها ثلاثا فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه أبو داود .

                            قال الموقعون للفرقة بتمام اللعان بدون تفريق الحاكم : اللعان معنى يقتضي التحريم المؤبد كما سنذكره فلم يقف على تفريق الحاكم كالرضاع قالوا : ولأن الفرقة لو وقعت على تفريق الحاكم لساغ ترك التفريق إذا كرهه الزوجان كالتفريق بالعيب والإعسار قالوا : وقوله فرق النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل أمورا ثلاثة . أحدها : إنشاء الفرقة . والثاني : الإعلام بها . والثالث إلزامه بموجبها من الفرقة الحسية .

                            وأما قوله كذبت عليها إن أمسكتها فهذا لا يدل على أن إمساكها بعد اللعان مأذون فيه شرعا بل هو بادر إلى فراقها وإن كان الأمر صائرا إلى ما بادر إليه وأما طلاقه ثلاثة فما زاد الفرقة الواقعة إلا تأكيدا فإنها حرمت عليه تحريما مؤبدا فالطلاق تأكيد لهذا التحريم وكأنه قال لا تحل لي بعد هذا . وأما إنفاذ الطلاق عليه فتقرير لموجبه من التحريم فإنها إذا لم تحل له باللعان أبدا كان الطلاق الثلاث تأكيدا للتحريم الواقع باللعان فهذا معنى إنفاذه فلما لم ينكره عليه وأقره على التكلم به وعلى موجبه جعل هذا إنفاذا من النبي صلى الله عليه وسلم وسهل لم يحك لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وقع طلاقك وإنما شاهد القصة وعدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم للطلاق فظن ذلك تنفيذا وهو صحيح بما ذكرنا من الاعتبار والله أعلم .


                            افتراضي

                            فصل [فرقة اللعان فسخ ]
                            الحكم الثاني : أن فرقة اللعان فسخ وليست بطلاق وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد ومن قال بقولهما واحتجوا بأنها فرقة توجب تحريما مؤبدا فكانت فسخا كفرقة الرضاع واحتجوا بأن اللعان ليس صريحا في الطلاق ولا نوى الزوج به الطلاق فلا يقع به الطلاق قالوا : ولو كان اللعان صريحا في الطلاق أو كناية فيه لوقع بمجرد لعان الزوج ولم يتوقف على لعان المرأة قالوا : ولأنه لو كان طلاقا فهو طلاق من مدخول بها بغير عوض لم ينو به الثلاث فكان يكون رجعيا . قالوا : ولأن الطلاق بيد الزوج إن شاء طلق وإن شاء أمسك وهذا الفسخ حاصل بالشرع وبغير اختياره قالوا : وإذا ثبت بالسنة وأقوال الصحابة ودلالة القرآن أن فرقة الخلع ليست بطلاق بل هي فسخ مع كونها بتراضيهما فكيف تكون فرقة اللعان طلاقا ؟ .

                            فصل [توجب هذه الفرقة تحريما مؤبدا والحكمة من ذلك ]

                            الحكم الثالث أن هذه الفرقة توجب تحريما مؤبدا لا يجتمعان بعدها أبدا . قال الأوزاعي : حدثنا الزبيدي حدثنا الزهري عن سهل بن سعد فذكر قصة المتلاعنين وقال ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال لا يجتمعان أبدا

                            وذكر البيهقي من حديث سعيد بن جبير عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قا ل المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا

                            قال وروينا عن علي وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم قالا : مضت السنة في المتلاعنين أن لا يجتمعا أبدا قال وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا وإلى هذا ذهب أحمد والشافعي ومالك والثوري وأبو عبيد وأبو يوسف .

                            وعن أحمد رواية أخرى : أنه إن أكذب نفسه حلت له وعاد فراشه بحاله وهي رواية شاذة شذ بها حنبل عنه . قال أبو بكر لا نعلم أحدا رواها غيره وقال صاحب " المغني " : وينبغي أن تحمل هذه الرواية على ما إذا لم يفرق بينهما . فأما مع تفريق الحاكم بينهما فلا وجه لبقاء النكاح بحاله .

                            قلت : الرواية مطلقة ولا أثر لتفريق الحاكم في دوام التحريم فإن الفرقة الواقعة بنفس اللعان أقوى من الفرقة الحاصلة بتفريق الحاكم فإذا كان إكذاب نفسه مؤثرا في تلك الفرقة القوية رافعا للتحريم الناشئ منها فلأن يؤثر في الفرقة التي هي دونها ويرفع تحريمها أولى .

                            وإنما قلنا : إن الفرقة بنفس اللعان أقوى من الفرقة بتفريق الحاكم لأن فرقة اللعان تستند إلى حكم الله ورسوله سواء رضي الحاكم والمتلاعنان التفريق أو أبوه فهي فرقة من الشارع بغير رضى أحد منهم ولا اختياره بخلاف فرقة الحاكم فإنه إنما يفرق باختياره .

                            وأيضا فإن اللعان يكون قد اقتضى بنفسه التفريق لقوته وسلطانه عليه بخلاف ما إذا توقف على تفريق الحاكم فإنه لم يقو بنفسه على اقتضاء الفرقة ولا كان له سلطان عليها وهذه الرواية هي مذهب سعيد بن المسيب قال فإن أكذب نفسه فهو خاطب من الخطاب ومذهب أبي حنيفة ومحمد وهذا على أصله اطرد لأن فرقة اللعان عنده طلاق . وقال سعيد بن جبير : إن أكذب نفسه ردت إليه ما دامت في العدة .

                            والصحيح القول الأول الذي دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم وهو الذي تقتضيه حكمة اللعان ولا تقتضي سواه فإن لعنة الله تعالى وغضبه قد حل بأحدهما لا محالة ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عند الخامسة إنها الموجبة أي الموجبة لهذا الوعيد ونحن لا نعلم عين من حلت به يقينا ففرق بينهما خشية أن يكون هو الملعون الذي قد وجبت عليه لعنة الله وباء بها فيعلو امرأة غير ملعونة وحكمة الشرع تأبى هذا كما أبت أن يعلو الكافر مسلمة والزاني عفيفة .

                            فإن قيل فهذا يوجب ألا يتزوج غيرها لما ذكرتم بعينه ؟ .

                            قيل لا يوجب ذلك لأنا لم نتحقق أنه هو الملعون وإنما تحققنا أن أحدهما كذلك وشككنا في عينه فإذا اجتمعا لزمه أحد الأمرين ولا بد إما هذا وإما إمساكه ملعونة مغضوبا عليها قد وجب عليها غضب الله وباءت به فأما إذا تزوجت بغيره أو تزوج بغيرها لم تتحقق هذه المفسدة فيهما .

                            وأيضا فإن النفرة الحاصلة من إساءة كل واحد منهما إلى صاحبه لا تزول أبدا فإن الرجل إن كان صادقا عليها فقد أشاع فاحشتها وفضحها على رءوس الأشهاد وأقامها مقام الخزي وحقق عليها الخزي والغضب وقطع نسب ولدها وإن كان كاذبا فقد أضاف إلى ذلك بهتها بهذه الفرية العظيمة وإحراق قلبها بها والمرأة إن كانت صادقة فقد أكذبته على رءوس الأشهاد وأوجبت عليه لعنة الله . وإن كانت كاذبة فقد أفسدت فراشه وخانته في نفسها وألزمته العار والفضيحة وأحوجته إلى هذا المقام المخزي فحصل لكل واحد منهما من صاحبه من النفرة والوحشة وسوء الظن ما لا يكاد يلتئم معه شملهما أبدا فاقتضت حكمة من شرعه كله حكمة ومصلحة وعدل ورحمة تحتم الفرقة بينهما وقطع الصحبة المتمحضة مفسدة . وأيضا فإنه إذا كان كاذبا عليها فلا ينبغي أن يسلط على إمساكها مع ما صنع من القبيح إليها وإن كان صادقا فلا ينبغي أن يمسكها مع علمه بحالها ويرضى لنفسه أن يكون زوج بغي . فإن قيل فما تقولون لو كانت أمة ثم اشتراها هل يحل له وطؤها بملك اليمين ؟ قلنا : لا تحل له لأنه تحريم مؤبد فحرمت على مشتريها كالرضاع ولأن المطلق ثلاثا إذا اشترى مطلقته لم تحل له قبل زوج وإصابة فهاهنا أولى لأن هذا التحريم مؤبد وتحريم الطلاق غير مؤبد .




                            فصل [لا يسقط صداق الملاعنة بعد الدخول ]
                            الحكم الرابع أنها لا يسقط صداقها بعد الدخول فلا يرجع به عليها فإنه إن كان صادقا فقد استحل من فرجها عوض الصداق وإن كان كاذبا فأولى وأحرى .

                            [هل يحكم للملاعنة بنصف المهر إذا وقع اللعان قبل الدخول ]

                            فإن قيل فما تقولون لو وقع اللعان قبل الدخول هل تحكمون عليه بنصف المهر أو تقولون يسقط جملة ؟ .

                            قيل في ذلك قولان للعلماء وهما روايتان عن أحمد مأخذهما : أن الفرقة إذا كانت بسبب من الزوجين كلعانهما أو منهما ومن أجنبي كشرائها لزوجها قبل الدخول فهل يسقط الصداق تغليبا لجانبها كما لو كانت مستقلة بسبب الفرقة أو نصفه تغليبا لجانبه وأنه هو المشارك في سبب الإسقاط والسيد الذي باعه متسبب إلى إسقاطه ببيعه إياها ؟ فهذا الأصل فيه قولان . وكل فرقة جاءت من قبل الزوج نصفت الصداق كطلاقه إلا فسخه لعيبها أو فوات شرط شرطه فإنه يسقط كله وإن كان هو الذي فسخ لأن سبب الفسخ منها وهي الحاملة له عليه . ولو كانت الفرقة بإسلامه فهل يسقط عنه أو تنصفه ؟ على روايتين . فوجه إسقاطه أنه فعل الواجب عليه وهي الممتنعة من فعل ما يجب عليها فهي المتسببة إلى إسقاط صداقها بامتناعها من الإسلام ووجه التنصيف أن سبب الفسخ من جهته .

                            [هل ينصف الخلع المهر أو يسقطه إذا وقع قبل الدخول ]

                            فإن قيل فما تقولون في الخلع هل ينصفه أو يسقطه ؟ . قيل إن قلنا : هو طلاق نصفه وإن قلنا : هو فسخ فقال أصحابنا : فيه وجهان . أحدهما : كذلك تغليبا لجانبه . والثاني : يسقطه لأنه لم يستقل بسبب الفسخ وعندي أنه إن كان مع أجنبي نصفه وجها واحدا وإن كان معها ففيه وجهان .

                            فإن قيل فما تقولون لو كانت الفرقة بشرائه لزوجته من سيدها : هل يسقطه أو ينصفه ؟ .

                            قيل فيه وجهان أحدهما : يسقطه لأن مستحق مهرها تسبب إلى إسقاطه ببيعها والثاني : ينصفه لأن الزوج تسبب إليه بالشراء وكل فرقة جاءت من قبلها كردتها وإرضاعها من يفسخ إرضاعه نكاحها وفسخها لإعساره أو عيبه فإنه يسقط مهرها .

                            فإن قيل فقد قلتم إن المرأة إذا فسخت لعيب في الزوج سقط مهرها إذ الفرقة من جهتها وقلتم إن الزوج إذا فسخ لعيب في المرأة سقط أيضا ولم تجعلوا الفسخ من جهته فتنصفوه كما جعلتموه لفسخها لعيبه من جهتها فأسقطتموه فما الفرق ؟ قيل الفرق بينهما أنه إنما بذل المهر في مقابلة بضع سليم من العيوب فإذا لم يتبين كذلك وفسخ عاد إليها كما خرج منها ولم يستوفه ولا شيئا منه فلا يلزمه شيء من الصداق كما أنها إذا فسخت لعيبه لم تسلم إليه المعقود عليه ولا شيئا منه فلا تستحق عليه شيئا من الصداق .



                            فصل [لا نفقة للملاعنة على الملاعن ولا سكنى ]
                            الحكم الخامس أنها لا نفقة لها عليه ولا سكنى كما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا موافق لحكمه في المبتوتة التي لا رجعة لزوجها عليها كما سيأتي بيان حكمه في ذلك وأنه موافق لكتاب الله لا مخالف له بل سقوط النفقة والسكنى للملاعنة أولى من سقوطها للمبتوتة لأن المبتوتة له سبيل إلى أن ينكحها في عدتها وهذه لا سبيل له إلى نكاحها لا في العدة ولا بعدها فلا وجه أصلا لوجوب نفقتها وسكناها وقد انقطعت العصمة انقطاعا كليا .

                            فأقضيته صلى الله عليه وسلم يوافق بعضها بعضا وكلها توافق كتاب الله والميزان الذي أنزله ليقوم الناس بالقسط وهو القياس الصحيح كما ستقر عينك إن شاء الله تعالى بالوقوف عليه عن قريب .

                            وقال مالك والشافعي : لها السكنى . وأنكر القاضي إسماعيل بن إسحاق هذا القول إنكارا شديدا .

                            وقوله " من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها " لا يدل مفهومه على أن كل مطلقة ومتوفى عنها لها النفقة والسكنى وإنما يدل على أن هاتين الفرقتين قد يجب معهما نفقة وسكنى وذلك إذا كانت المرأة حاملا فلها ذلك في فرقة الطلاق اتفاقا وفي فرقة الموت ثلاثة أقوال أحدها : أنه لا نفقة لها ولا سكنى كما لو كان حائلا وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى روايتيه والشافعي في أحد قوليه لزوال سبب النفقة بالموت على وجه لا يرجى عوده فلم يبق إلا نفقة قريب فهي في مال الطفل إن كان له مال وإلا فعلى من تلزمه نفقته من أقاربه .

                            والثاني : أن لها النفقة والسكنى في تركته تقدم بها على الميراث وهذا إحدى الروايتين عن أحمد لأن انقطاع العصمة بالموت لا يزيد على انقطاعها بالطلاق البائن بل انقطاعها بالطلاق أشد ولهذا تغسل المرأة زوجها بعد موته عند جمهور العلماء حتى المطلقة الرجعية عند أحمد ومالك في إحدى الروايتين عنه فإذا وجبت النفقة والسكنى للبائن الحامل فوجوبها للمتوفى عنها زوجها أولى وأحرى .

                            والثالث أن لها السكنى دون النفقة حاملا كانت أو حائلا وهذا قول مالك وأحد قولي الشافعي إجراء لها مجرى المبتوتة في الصحة وليس هذا موضع بسط هذه المسائل وذكر أدلتها والتمييز بين راجحها ومرجوحها إذ المقصود أن قوله " من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها زوجها " إنما يدل على أن المطلقة والمتوفى عنها قد يجب لهما القوت والبيت في الجملة فهذا إن كان هذا الكلام من كلام الصحابي والظاهر - والله أعلم - أنه مدرج من قول الزهري .



                            فصل [انقطاع نسب ولد اللعان من جهة الأب ]
                            الحكم السادس انقطاع نسب الولد من جهة الأب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى ألا يدعى ولدها لأب وهذا هو الحق وهو قول الجمهور وهو أجل فوائد اللعان وشذ بعض أهل العلم وقال المولود للفراش لا ينفيه اللعان البتة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن الولد للفراش وإنما ينفي اللعان الحمل فإن لم يلاعنها حتى ولدت لاعن لإسقاط الحد فقط ولا ينتفي ولدها منه وهذا مذهب أبي محمد بن حزم واحتج عليه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الولد لصاحب الفراش قال فصح أن كل من ولد على فراشه ولد فهو ولده إلا حيث نفاه الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أو حيث يوقن بلا شك أنه ليس ولده ولم ينفه صلى الله عليه وسلم إلا وهي حامل باللعان فقط فبقي ما عدا ذلك على لحاق النسب قال ولذلك قلنا : إن صدقته في أن الحمل ليس منه فإن تصديقها له لا يلتفت إليه لأن الله تعالى يقول ولا تكسب كل نفس إلا عليها [ الأنعام 164 ] فوجب أن إقرار الأبوين يصدق على نفي الولد فيكون كسبا على غيرهما وإنما نفى الله سبحانه الولد إذا أكذبته الأم والتعنت هي والزوج فقط فلا ينتفي في غير هذا الموضع انتهى كلامه .

                            وهذا ضد مذهب من يقول إنه لا يصح اللعان على الحمل حتى تضع كما يقول أحمد وأبو حنيفة والصحيح صحته على الحمل وعلى الولد بعد وضعه كما قاله مالك والشافعي فالأقوال ثلاثة .

                            ولا تنافي بين هذا الحكم وبين الحكم بكون الولد للفراش بوجه ما فإن الفراش قد زال باللعان وإنما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الولد للفراش عند تعارض الفراش ودعوى الزاني فأبطل دعوى الزاني للولد وحكم به لصاحب الفراش وها هنا صاحب الفراش قد نفى الولد عنه .

                            فإن قيل فما تقولون لو لاعن لمجرد نفي الولد مع قيام الفراش فقال لم تزن ولكن ليس هذا الولد ولدي ؟ .

                            قيل في ذلك قولان للشافعي وهما روايتان منصوصتان عن أحمد .

                            إحداهما : أنه لا لعان بينهما ويلزمه الولد وهي اختيار الخرقي .

                            والثانية أن له أن يلاعن لنفي الولد فينتفي عنه بلعانه وحده وهي اختيار أبي البركات بن تيمية وهي الصحيحة .

                            فإن قيل فخالفتم حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الولد للفراش قلنا : معاذ الله بل وافقنا أحكامه حيث وقع غيرنا في خلاف بعضها تأويلا فإنه إنما حكم بالولد للفراش حيث ادعاه صاحب الفراش فرجح دعواه بالفراش وجعله له وحكم بنفيه عن صاحب الفراش حيث نفاه عن نفسه وقطع نسبه منه وقضى ألا يدعى لأب فوافقنا الحكمين وقلنا بالأمرين ولم نفرق تفريقا باردا جدا سمجا لا أثر له في نفي الولد حملا ونفيه مولودا فإن الشريعة لا تأتي على هذا الفرق الصوري الذي لا معنى تحته البتة وإنما يرتضي هذا من قل نصيبه من ذوق الفقه وأسرار الشريعة وحكمها ومعانيها والله المستعان وبه التوفيق .

                            يتبع
                            أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
                            وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

                            Comment

                            • اخت مسلمة
                              محاور
                              • Nov 2005
                              • 6338

                              #44
                              فصل [إلحاق ولد اللعان بأمه ]
                              الحكم السابع إلحاق الولد بأمه عند انقطاع نسبه من جهة أبيه وهذا الإلحاق يفيد حكما زائدا على إلحاقه بها مع ثبوت نسبه من الأب وإلا كان عديم الفائدة فإن خروج الولد منها أمر محقق فلا بد في الإلحاق من أمر زائد عليه وعلى ما كان حاصلا مع ثبوت النسب من الأب وقد اختلف في ذلك .

                              فقالت طائفة أفاد هذا الإلحاق قطع توهم انقطاع نسب الولد من الأم كما انقطع من الأب وأنه لا ينسب إلى أم ولا إلى أب فقطع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الوهم وألحق الولد بالأم وأكد هذا بإيجابه الحد على من قذفه أو قذف أمه وهذا قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة وكل من لا يرى أن أمه وعصباتها له .

                              وقالت طائفة ثانية بل أفادنا هذا الإلحاق فائدة زائدة وهي تحويل النسب الذي كان إلى أبيه إلى أمه وجعل أمه قائمة مقام أبيه في ذلك فهي عصبته وعصباتها أيضا عصبته فإذا مات حازت ميراثه وهذا قول ابن مسعود ويروى عن علي وهذا القول هو الصواب لما روى أهل السنن الأربعة من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تحوز المرأة ثلاثة مواريث : عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه ورواه الإمام أحمد وذهب إليه .

                              وروى أبو داود في " سننه " : من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها

                              وفي " السنن " أيضا مرسلا : من حديث مكحول قال جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها

                              وهذه الآثار موافقة لمحض القياس فإن النسب في الأصل للأب فإذا انقطع من جهته صار للأم كما أن الولاء في الأصل لمعتق الأب فإذا كان الأب رقيقا كان لمعتق الأم . فلو أعتق الأب بعد هذا انجر الولاء من موالي الأم إليه ورجع إلى أصله وهو نظير ما إذا كذب الملاعن نفسه واستلحق الولد رجع النسب والتعصيب من الأم وعصبتها إليه . فهذا محض القياس وموجب الأحاديث والآثار وهو مذهب حبر الأمة وعالمها عبد الله بن مسعود ومذهب إمامي أهل الأرض في زمانهما أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعليه يدل القرآن بألطف إيماء وأحسنه فإن الله سبحانه جعل عيسى من ذرية إبراهيم بواسطة مريم أمه وهي من صميم ذرية إبراهيم وسيأتي مزيد تقرير لهذا عند ذكر أقضية النبي صلى الله عليه وسلم وأحكامه في الفرائض إن شاء الله تعالى .

                              فإن قيل فما تصنعون بقوله في حديث سهل الذي رواه مسلم في " صحيحه " في قصة اللعان وفي آخره ثم جرت السنة أن يرث منها وترث منه ما فرض الله لها ؟ قيل نتلقاه بالقبول والتسليم والقول بموجبه وإن أمكن أن يكون مدرجا من كلام ابن شهاب وهو الظاهر فإن تعصيب الأم لا يسقط ما فرض الله لها من ولدها في كتابه وغايتها أن تكون كالأب حيث يجتمع له الفرض والتعصيب فهي تأخذ فرضها ولا بد فإن فضل شيء أخذته بالتعصيب وإلا فازت بفرضها فنحن قائلون بالآثار كلها في هذا الباب بحمد الله وتوفيقه .


                              افتراضي

                              فصل [يحد قاذفها وقاذف ولدها ]

                              الحكم الثامن " أنها لا ترمى ولا يرمى ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد " وهذا لأن لعانها نفى عنها تحقيق ما رميت به فيحد قاذفها وقاذف ولدها هذا الذي دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة وهو قول جمهور الأمة وقال أبو حنيفة : إن لم يكن هناك ولد نفي نسبه حد قاذفها وإن كان هناك ولد نفي نسبه لم يحد قاذفها والحديث إنما هو فيمن لها ولد نفاه الزوج والذي أوجب له هذا الفرق أنه متى نفى نسب ولدها فقد حكم بزناها بالنسبة إلى الولد فأثر ذلك شبهة في سقوط حد القذف .

                              فصل [لا تترتب الأحكام السابقة إلا بعد تمام اللعان ]

                              الحكم التاسع أن هذه الأحكام إنما ترتبت على لعانهما معا وبعد أن تم اللعانان فلا يترتب شيء منها على لعان الزوج وحده وقد خرج أبو البركات بن تيمية على هذا المذهب انتفاء الولد بلعان الزوج وحده وهو تخريج صحيح فإن لعانه كما أفاد سقوط الحد وعار القذف عنه من غير اعتبار لعانها أفاد سقوط النسب الفاسد عنه وإن لم تلاعن هي بطريق الأولى فإن تضرره بدخول النسب الفاسد عليه أعظم من تضرره بحد القذف وحاجته إلى نفيه عنه أشد من حاجته إلى دفع الحد فلعانه كما استقل بدفع الحد استقل بنفي الولد والله أعلم .



                              فصل [وجوب النفقة والسكنى للمطلقة والمتوفى عنها إذا كانتا حاملين ]

                              الحكم العاشر وجوب النفقة والسكنى للمطلقة والمتوفى عنها إذا كانتا حاملين فإنه قال " من أجل أنهما يفترقان عن غير طلاق ولا متوفى عنها " فأفاد ذلك أمرين أحدهما : سقوط نفقة البائن وسكناها إذا لم تكن حاملا من الزوج . والثاني : وجوبهما لها وللمتوفى عنها إذا كانتا حاملين من الزوج .

                              فصل [اعتبار الحكم بالقافة في الإلحاق بالنسب ]
                              وقوله صلى الله عليه وسلم أبصروها فإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية وإن جاءت به كذا وكذا فهو لشريك بن سحماء إرشاد منه صلى الله عليه وسلم إلى اعتبار الحكم بالقافة وأن للشبه مدخلا في معرفة النسب وإلحاق الولد بمنزلة الشبه وإنما لم يلحق بالملاعن لو قدر أن الشبه له لمعارضة اللعان الذي هو أقوى من الشبه له كما تقدم .




                              فصل [من قتل رجلا في داره مدعيا زناه بحريمه قتل به إن لم يأت ببينة أو إقرار الولي ]
                              وقوله في الحديث لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا يقتله فتقتلونه به دليل على أن من قتل رجلا في داره وادعى أنه وجده مع امرأته أو حريمه قتل فيه ولا يقبل قوله إذ لو قبل قوله لأهدرت الدماء وكان كل من أراد قتل رجل أدخله داره وادعى أنه وجده مع امرأته .

                              ولكن هاهنا مسألتان يجب التفريق بينهما . إحداهما : هل يسعه فيما بينه وبين الله تعالى أن يقتله أم لا ؟ والثاني : هل يقبل قوله في ظاهر الحكم أم لا ؟ وبهذا التفريق يزول الإشكال فيما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك حتى جعلها بعض العلماء مسألة نزاع بين الصحابة وقال مذهب عمر رضي الله عنه أنه لا يقتل به ومذهب علي : أنه يقتل به والذي غره ما رواه سعيد بن منصور في " سننه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بينا هو يوما يتغدى إذ جاءه رجل يعدو وفي يده سيف ملطخ بدم ووراءه قوم يعدون فجاء حتى جلس مع عمر فجاء الآخرون فقالوا يا أمير المؤمنين إن هذا قتل صاحبنا فقال له عمر رضي الله عنه ما تقول ؟ فقال له يا أمير المؤمنين إني ضربت بين فخذي امرأتي فإن كان بينهما أحد فقد قتلته فقال عمر ما تقولون ؟ فقالوا : يا أمير المؤمنين إنه ضرب بالسيف فوقع في وسط الرجل وفخذي المرأة فأخذ عمر رضي الله عنه سيفه فهزه ثم دفعه إليه وقال إن عادوا فعد فهذا ما نقل عن عمر رضي الله عنه .

                              وأما علي فسئل عمن وجد مع امرأته رجلا فقتله فقال إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته فظن أن هذا خلاف المنقول عن عمر فجعلها مسألة خلاف بين الصحابة وأنت إذا تأملت حكميهما لم تجد بينهما اختلافا فإن عمر إنما أسقط عنه القود لما اعترف الولي بأنه كان مع امرأته وقد قال أصحابنا واللفظ لصاحب " المغني " : فإن اعترف الولي بذلك فلا قصاص ولا دية لما روي عن عمر ثم ساق القصة وكلامه يعطي أنه لا فرق بين أن يكون محصنا وغير محصن وكذلك حكم عمر في هذا القتيل وقوله أيضا : " فإن عادوا فعد " ولم يفرق بين المحصن وغيره وهذا هو الصواب وإن كان صاحب " المستوعب " قد قال وإن وجد مع امرأته رجلا ينال منها ما يوجب الرجم فقتله وادعى أنه قتله لأجل ذلك فعليه القصاص في ظاهر الحكم إلا أن يأتي ببينة بدعواه فلا يلزمه القصاص قال وفي عدد البينة روايتان إحداهما : شاهدان اختارها أبو بكر لأن البينة على الوجود لا على الزنى والأخرى لا يقبل أقل من أربعة والصحيح أن البينة متى قامت بذلك أو أقر به الولي سقط القصاص محصنا كان أو غيره وعليه يدل كلام علي فإنه قال فيمن وجد مع امرأته رجلا فقتله إن لم يأت بأربعة شهداء " فليعط برمته وهذا لأن هذا القتل ليس بحد للزنى ولو كان حدا لما كان بالسيف ولاعتبر له شروط إقامة الحد وكيفيته وإنما هو عقوبة لمن تعدى عليه وهتك حريمه وأفسد أهله وكذلك فعل الزبير رضي الله عنه لما تخلف عن الجيش ومعه جارية له فأتاه رجلان فقالا : أعطنا شيئا فأعطاهما طعاما كان معه فقالا : خل عن الجارية فضربهما بسيفه فقطعهما بضربة واحدة .



                              وكذلك من اطلع في بيت قوم من ثقب أو شق في الباب بغير إذنهم فنظر حرمة أو عورة فلهم خذفه وطعنه في عينه فإن انقلعت عينه فلا ضمان عليهم . قال القاضي أبو يعلى : هذا ظاهر كلام أحمد أنهم يدفعونه ولا ضمان عليهم من غير تفصيل .

                              وفصل ابن حامد فقال يدفعه بالأسهل فالأسهل فيبدأ بقوله انصرف واذهب وإلا نفعل بك كذا . قلت : وليس في كلام أحمد ولا في السنة الصحيحة ما يقتضي هذا التفصيل بل الأحاديث الصحيحة تدل على خلافه فإن في " الصحيحين " عن أنس أن رجلا اطلع من جحر في بعض حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه بمشقص أو بمشاقص وجعل يختله ليطعنه فأين الدفع بالأسهل وهو صلى الله عليه وسلم يختله أو يختبئ له ويختفي ليطعنه .

                              وفي " الصحيحين " أيضا : من حديث سهل بن سعد أن رجلا اطلع في جحر في باب النبي صلى الله عليه وسلم وفي يد النبي صلى الله عليه وسلم مدرى يحك به رأسه فلما رآه قال لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينك إنما جعل الإذن من أجل البصر

                              وفيهما أيضا : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أن امرءا اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح

                              وفيهما أيضا : من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا دية له ولا قصاص

                              وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقال ليس هذا من باب دفع الصائل بل من باب عقوبة المعتدي المؤذي وعلى هذا فيجوز له فيما بينه وبين الله تعالى قتل من اعتدى على حريمه سواء كان محصنا أو غير محصن معروفا بذلك أو غير معروف كما دل عليه كلام الأصحاب وفتاوى الصحابة وقد قال الشافعي وأبو ثور : يسعه قتله فيما بينه وبين الله تعالى إذا كان الزاني محصنا جعلاه من باب الحدود . وقال أحمد وإسحاق يهدر دمه إذا جاء بشاهدين ولم يفصلا بين المحصن وغيره . واختلف قول مالك في هذه المسألة فقال ابن حبيب إن كان المقتول محصنا وأقام الزوج البينة فلا شيء عليه وإلا قتل به وقال ابن القاسم : إذا قامت البينة فالمحصن وغير المحصن سواء ويهدر دمه واستحب ابن القاسم الدية في غير المحصن .




                              فإن قيل فما تقولون في الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة رضي الله عنه أن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال يا رسول الله أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلا أيقتله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا " فقال سعد بلى والذي بعثك بالحق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اسمعوا إلى ما يقول سيدكم

                              وفي اللفظ الآخر إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء ؟ قال " نعم " قال والذي بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اسمعوا إلى ما يقول سيدكم إنه لغيور وأنا أغير منه والله أغير مني ؟

                              قلنا : نتلقاه بالقبول والتسليم والقول بموجبه وآخر الحديث دليل على أنه لو قتله لم يقد به لأنه قال بلى والذي أكرمك بالحق ولو وجب عليه القصاص بقتله لما أقره على هذا الحلف ولما أثنى على غيرته ولقال لو قتلته قتلت به وحديث أبي هريرة صريح في هذا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتعجبون من غيرة سعد فوالله لأنا أغير منه والله أغير مني ولم ينكر عليه ولا نهاه عن قتله لأن قوله صلى الله عليه وسلم حكم ملزم وكذلك فتواه حكم عام للأمة فلو أذن له في قتله لكان ذلك حكما منه بأن دمه هدر في ظاهر الشرع وباطنه ووقعت المفسدة التي درأها الله بالقصاص وتهالك الناس في قتل من يريدون قتله في دورهم ويدعون أنهم كانوا يرونهم على حريمهم فسد الذريعة وحمى المفسدة وصان الدماء وفي ذلك دليل على أنه لا يقبل قول القاتل ويقاد به في ظاهر الشرع فلما حلف سعد أنه يقتله ولا ينتظر به الشهود عجب النبي صلى الله عليه وسلم من غيرته وأخبر أنه غيور وأنه صلى الله عليه وسلم أغير منه والله أشد غيرة وهذا يحتمل معنيين .

                              أحدهما : إقراره وسكوته على ما حلف عليه سعد أنه جائز له فيما بينه وبين الله ونهيه عن قتله في ظاهر الشرع ولا يناقض أول الحديث آخره .

                              والثاني : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك كالمنكر على سعد فقال ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم يعني : أنا أنهاه عن قتله وهو يقول بلى والذي أكرمك بالحق ثم أخبر عن الحامل له على هذه المخالفة وأنه شدة غيرته ثم قال أنا أغير منه والله أغير مني . وقد شرع إقامة الشهداء الأربعة مع شدة غيرته سبحانه فهي مقرونة بحكمة ومصلحة ورحمة وإحسان فالله سبحانه مع شدة غيرته أعلم بمصالح عباده وما شرعه لهم من إقامة الشهود الأربعة دون المبادرة إلى القتل وأنا أغير من سعد وقد نهيته عن قتله وقد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا الأمرين وهو الأليق بكلامه وسياق القصة .



                              فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في
                              لحوق النسب بالزوج إذا خالف لون ولده لونه
                              ثبت عنه في " الصحيحين أن رجلا قال له إن امرأتي ولدت غلاما أسود كأنه يعرض بنفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم " هل لك من إبل " ؟ قال نعم . قال " ما لونها ؟ " قال حمر . قال " فهل فيها من أورق ؟ " قال نعم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فأنى أتاها ذلك ؟ " قال لعله يا رسول الله يكون نزعه عرق . فقال النبي صلى الله عليه وسلم " وهذا لعله يكون نزعه عرق .



                              [ لا يجب الحد بالتعريض إذا كان على وجه السؤال والاستفتاء ]

                              وفي هذا الحديث من الفقه أن الحد لا يجب بالتعريض إذا كان على وجه السؤال والاستفتاء ومن أخذ منه أنه لا يجب بالتعريض ولو كان على وجه المقابحة والمشاتمة فقد أبعد النجعة ورب تعريض أفهم وأوجع للقلب وأبلغ في النكاية من التصريح وبساط الكلام وسياقه يرد ما ذكروه من الاحتمال ويجعل الكلام قطعي الدلالة على المراد .

                              وفيه أن مجرد الريبة لا يسوغ اللعان ونفي الولد .

                              وفيه ضرب الأمثال والأشباه والنظائر في الأحكام ومن تراجم البخاري في " صحيحه " على هذا الحديث باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمه ليفهم السائل وساق معه حديث أرأيت لو كان على أمك دين ؟.

                              فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم بالولد للفراش وأن الأمة تكون فراشا وفيمن استلحق بعد موت أبيه
                              ثبت في " الصحيحين " من حديث عائشة رضي الله عنها قالت اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام فقال سعد هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه وقال عبد بن زمعة هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى شبها بينا بعتبة فقال " هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة فلم تره سودة قط .

                              فهذا الحكم النبوي أصل في ثبوت النسب بالفراش وفي أن الأمة تكون فراشا بالوطء وفي أن الشبه إذا عارض الفراش قدم عليه الفراش وفي أن أحكام النسب تتبعض فتثبت من وجه دون وجه وهو الذي يسميه بعض الفقهاء حكما بين حكمين وفي أن القافة حق وأنها من الشرع .



                              [ جهات ثبوت النسب ]
                              فأما ثبوت النسب بالفراش فأجمعت عليه الأمة وجهات ثبوت النسب أربعة الفراش والاستلحاق والبينة والقافة فالثلاثة الأول متفق عليها واتفق المسلمون على أن النكاح يثبت به الفراش واختلفوا في التسري فجعله جمهور الأمة موجبا للفراش واحتجوا بصريح حديث عائشة الصحيح وأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالولد لزمعة وصرح بأنه صاحب الفراش وجعل ذلك علة للحكم بالولد له فسبب الحكم ومحله إنما كان في الأمة فلا يجوز إخلاء الحديث منه وحمله على الحرة التي لم تذكر البتة وإنما كان الحكم في غيرها فإن هذا يستلزم إلغاء ما اعتبره الشارع وعلق الحكم به صريحا وتعطيل محل الحكم الذي كان لأجله وفيه .

                              ثم لو لم يرد الحديث الصحيح فيه لكان هو مقتضى الميزان الذي أنزله الله تعالى ليقوم الناس بالقسط وهو التسوية بين المتماثلين فإن السرية فراش حسا وحقيقة وحكما كما أن الحرة كذلك وهي تراد لما تراد له الزوجة من الاستمتاع والاستيلاد ولم يزل الناس قديما وحديثا يرغبون في السراري لاستيلادهن واستفراشهن والزوجة إنما سميت فراشا لمعنى هي والسرية فيه على حد سواء .

                              وقال أبو حنيفة : لا تكون الأمة فراشا بأول ولد ولدته من السيد فلا يلحقه الولد إلا إذا استلحقه فيلحقه حينئذ بالاستلحاق لا بالفراش فما ولدت بعد ذلك لحقه إلا أن ينفيه فعندهم ولد الأمة لا يلحق السيد بالفراش إلا أن يتقدمه ولد مستلحق ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحق الولد بزمعة وأثبت نسبه منه ولم يثبت قط أن هذه الأمة ولدت له قبل ذلك غيره ولا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولا استفصل فيه .

                              قال منازعوهم ليس لهذا التفصيل أصل في كتاب ولا سنة ولا أثر عن صاحب ولا تقتضيه قواعد الشرع وأصوله قالت الحنفية : ونحن لا ننكر كون الأمة فراشا في الجملة ولكنه فراش ضعيف وهي فيه دون الحرة فاعتبرنا ما تعتق به بأن تلد منه ولدا فيستلحقه فما ولدت بعد ذلك لحق به إلا أن ينفيه وأما الولد الأول فلا يلحقه إلا بالاستلحاق ولهذا قلتم إنه إذا استلحق ولدا من أمته لم يلحقه ما بعده إلا باستلحاق مستأنف بخلاف الزوجة والفرق بينهما : أن عقد النكاح إنما يراد للوطء والاستفراش بخلاف ملك اليمين فإن الوطء والاستفراش فيه تابع ولهذا يجوز وروده على من يحرم عليه وطؤها بخلاف عقد النكاح .

                              قالوا : والحديث لا حجة لكم فيه لأن وطء زمعة لم يثبت وإنما ألحقه النبي صلى الله عليه وسلم لعبد أخا لأنه استلحقه فألحقه باستلحاقه لا بفراش الأب .

                              قال الجمهور إذا كانت الأمة موطوءة فهي فراش حقيقة وحكما واعتبار ولادتها السابقة في صيرورتها فراشا اعتبار ما لا دليل على اعتباره شرعا والنبي صلى الله عليه وسلم لم يعتبره في فراش زمعة فاعتباره تحكم .



                              وقولكم إن الأمة لا تراد للوطء فالكلام في الأمة الموطوءة التي اتخذت سرية وفراشا وجعلت كالزوجة أو أحظى منها لا في أمته التي هي أخته من الرضاع ونحوها . وقولكم إن وطء زمعة لم يثبت حتى يلحق به الولد ليس علينا جوابه بل جوابه على من حكم بلحوق الولد بزمعة وقال لابنه هو أخوك . وقولكم إنما ألحقه بالأخ لأنه استلحقه باطل فإن المستلحق إن لم يقر به جميع الورثة لم يلحق بالمقر إلا أن يشهد منهم اثنان أنه ولد على فراش الميت وعبد لم يكن يقر له جميع الورثة فإن سودة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم أخته وهي لم تقر به ولم تستلحقه وحتى لو أقرت به مع أخيها عبد لكان ثبوت النسب بالفراش لا بالاستلحاق فإن النبي صلى الله عليه وسلم صرح عقيب حكمه بإلحاق النسب بأن الولد للفراش معللا بذلك منبها على قضية كلية عامة تتناول هذه الواقعة وغيرها .

                              ثم جواب هذا الاعتراض الباطل المحرم أن ثبوت كون الأمة فراشا بالإقرار من الواطئ أو وارثه كاف في لحوق النسب فإن النبي صلى الله عليه وسلم ألحقه به بقوله ابن وليدة أبي ولد على فراشه كيف وزمعة كان صهر النبي صلى الله عليه وسلم وابنته تحته فكيف لا يثبت عنده الفراش الذي يلحق به النسب ؟ .

                              وأما ما نقضتم به علينا أنه إذا استلحق ولدا من أمته لم يلحقه ما بعده إلا بإقرار مستأنف فهذا فيه قولان لأصحاب أحمد هذا أحدهما

                              والثاني : أنه يلحقه وإن لم يستأنف إقرارا ومن رجح القول الأول قال قد يستبرئها السيد بعد الولادة فيزول حكم الفراش بالاستبراء فلا يلحقه ما بعد الأول إلا باعتراف مستأنف أنه وطئها كالحال في أول ولد ومن رجح الثاني قال قد يثبت كونها فراشا أولا والأصل بقاء الفراش حتى يثبت ما يزيله إذ ليس هذا نظير قولكم إنه لا يلحقه الولد مع اعترافه بوطئها حتى يستلحقه وأبطل من هذا الاعتراض قول بعضهم إنه لم يلحقه به أخا وإنما جعله له عبدا ولهذا أتى فيه بلام التمليك فقال هو لك أي مملوك لك وقوى هذا الاعتراض بأن في بعض ألفاظ الحديث " هو لك عبد " وبأنه أمر سودة أن تحتجب منه ولو كان أخا لها لما أمرها بالاحتجاب منه فدل على أنه أجنبي منها .



                              قال وقوله الولد للفراش تنبيه على عدم لحوق نسبه بزمعة أي لم تكن هذه الأمة فراشا له لأن الأمة لا تكون فراشا والولد إنما هو للفراش وعلى هذا يصح أمر احتجاب سودة منه قال ويؤكده أن في بعض طرق الحديث " احتجبي منه فإنه ليس لك بأخ " قالوا : وحينئذ فتبين أنا أسعد بالحديث وبالقضاء النبوي منكم .

                              قال الجمهور الآن حمي الوطيس والتقت حلقتا البطان فنقول - والله المستعان - أما قولكم إنه لم يلحقه به أخا وإنما جعله عبدا يرده ما رواه محمد بن إسماعيل البخاري في " صحيحه " في هذا الحديث هو لك هو أخوك يا عبد بن زمعة وليس اللام للتمليك وإنما هي للاختصاص كقوله الولد للفراش

                              فأما لفظة قوله هو لك عبد فرواية باطلة لا تصح أصلا .

                              وأما أمره سودة بالاحتجاب منه فإما أن يكون على طريق الاحتياط والورع لمكان الشبهة التي أورثها الشبه البين بعتبة وإما أن يكون مراعاة للشبهين وإعمالا للدليلين فإن الفراش دليل لحوق النسب والشبه بغير صاحبه دليل نفيه فأعمل أمر الفراش بالنسبة إلى المدعي لقوته وأعمل الشبه بعتبة بالنسبة إلى ثبوت المحرمية بينه وبين سودة وهذا من أحسن الأحكام وأبينها وأوضحها ولا يمنع ثبوت النسب من وجه دون وجه فهذا الزاني يثبت النسب منه بينه وبين الولد في التحريم والبعضية دون الميراث والنفقة والولاية وغيرها وقد يتخلف بعض أحكام النسب عنه مع ثبوته لمانع وهذا كثير في الشريعة فلا ينكر من تخلف المحرمية بين سودة وبين هذا الغلام لمانع الشبه بعتبة وهل هذا إلا محض الفقه ؟ وقد علم بهذا معنى قوله " ليس لك بأخ " لو صحت هذه اللفظة مع أنها لا تصح وقد ضعفها أهل العلم بالحديث ولا نبالي بصحتها مع قوله لعبد هو أخوك وإذا جمعت أطراف كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقرنت قوله " هو أخوك " بقوله الولد للفراش وللعاهر الحجر تبين لك بطلان ما ذكروه من التأويل وأن الحديث صريح في خلافه لا يحتمله بوجه والله أعلم .

                              والعجب أن منازعينا في هذه المسألة يجعلون الزوجة فراشا لمجرد العقد وإن كان بينها وبين الزوج بعد المشرقين ولا يجعلون سريته التي يتكرر استفراشه لها ليلا ونهارا فراشا .



                              فصل [ الاختلاف فيما تصير به الزوجة فراشا ]
                              واختلف الفقهاء فيما تصير به الزوجة فراشا على ثلاثة أقوال .

                              أحدها : أنه نفس العقد وإن علم أنه لم يجتمع بها بل لو طلقها عقيبه في المجلس وهذا مذهب أبي حنيفة .

                              والثاني : أنه العقد مع إمكان الوطء وهذا مذهب الشافعي وأحمد .

                              والثالث أنه العقد مع الدخول المحقق لا إمكانه المشكوك فيه وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقال إن أحمد أشار إليه في رواية حرب فإنه نص في روايته فيمن طلق قبل البناء وأتت امرأته بولد فأنكره أنه ينتفي عنه بغير لعان وهذا هو الصحيح المجزوم به وإلا فكيف تصير المرأة فراشا ولم يدخل بها الزوج ولم يبن بها لمجرد إمكان بعيد ؟ وهل يعد أهل العرف واللغة المرأة فراشا قبل البناء بها وكيف تأتي الشريعة بإلحاق نسب بمن لم يبن بامرأته ولا دخل بها ولا اجتمع بها بمجرد إمكان ذلك ؟ وهذا الإمكان قد يقطع بانتفائه عادة فلا تصير المرأة فراشا إلا بدخول محقق وبالله التوفيق .

                              وهذا الذي نص عليه في رواية حرب هو الذي تقتضيه قواعده وأصول مذهبه والله أعلم .

                              [ الاختلاف فيما تصير به الأمة فراشا ]

                              واختلفوا أيضا فيما تصير به الأمة فراشا فالجمهور على أنها لا تصير فراشا إلا بالوطء وذهب بعض المتأخرين من المالكية إلى أن الأمة التي تشترى للوطء دون الخدمة كالمرتفعة التي يفهم من قرائن الأحوال أنها إنما تراد للتسري فتصير فراشا بنفس الشراء والصحيح أن الأمة والحرة لا تصيران فراشا إلا بالدخول .

                              فصل

                              فهذا أحد الأمور الأربعة التي يثبت بها النسب وهو الفراش .


                              فصل

                              الثالث البينة بأن يشهد شاهدان أنه ابنه أو أنه ولد على فراشه من زوجته أو أمته وإذا شهد بذلك اثنان من الورثة لم يلتفت إلى إنكار بقيتهم وثبت نسبه ولا يعرف في ذلك نزاع .

                              فصل

                              الرابع القافة حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاؤه باعتبار القافة وإلحاق النسب بها .

                              ثبت في " الصحيحين " : من حديث عائشة رضي الله عنها قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال " ألم تري أن مجززا المدلجي نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد وعليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض فسر النبي صلى الله عليه وسلم بقول القائف ولو كانت كما يقول المنازعون من أمر الجاهلية كالكهانة ونحوها لما سر بها ولا أعجب بها ولكانت بمنزلة الكهانة . وقد صح عنه وعيد من صدق كاهنا .

                              قال الشافعي : والنبي صلى الله عليه وسلم أثبته علما ولم ينكره ولو كان خطأ لأنكره لأن في ذلك قذف المحصنات ونفي الأنساب انتهى .

                              كيف والنبي صلى الله عليه وسلم قد صرح في الحديث الصحيح بصحتها واعتبارها فقال في ولد الملاعنة إن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية وإن جاءت به كذا وكذا فهو لشريك بن سحماء فلما جاءت به على شبه الذي رميت به قال لولا الأيمان لكان لي ولها شأن وهل هذا إلا اعتبار للشبه وهو عين القافة فإن القائف يتبع أثر الشبه وينظر إلى من يتصل فيحكم به لصاحب الشبه وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الشبه وبين سببه ولهذا لما قالت له أم سلمة أوتحتلم المرأة فقال " مم يكون الشبه " .

                              وأخبر في الحديث الصحيح أن ماء الرجل إذا سبق ماء المرأة كان الشبه له وإذا سبق ماؤها ماءه كان الشبه لها

                              فهذا اعتبار منه للشبه شرعا وقدرا وهذا أقوى ما يكون من طرق الأحكام أن يتوارد عليه الخلق والأمر والشرع والقدر ولهذا تبعه خلفاؤه الراشدون في الحكم بالقافة .

                              قال سعيد بن منصور : حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن

                              يسار عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهر فقال القائف قد اشتركا فيه جميعا فجعله بينهما .

                              قال الشعبي : وعلي يقول هو ابنهما وهما أبواه يرثانه ذكره سعيد أيضا .

                              وروى الأثرم بإسناده عن سعيد بن المسيب في رجلين اشتركا في طهر امرأة فحملت فولدت غلاما يشبههما فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فدعا القافة فنظروا فقالوا : نراه يشبههما فألحقه بهما وجعله يرثهما ويرثانه ولا يعرف قط في الصحابة من خالف عمر وعليا رضي الله عنهما في ذلك بل حكم عمر بهذا في المدينة وبحضرته المهاجرون والأنصار فلم ينكره منهم منكر .


                              افتراضي

                              [ حجج من أنكر ثبوت النسب بالقافة ]

                              قالت الحنفية : قد أجلبتم علينا في القافة بالخيل والرجل والحكم بالقيافة تعويل على مجرد الشبه والظن والتخمين ومعلوم أن الشبه قد يوجد من الأجانب وينتفي عن الأقارب وذكرتم قصة أسامة وزيد ونسيتم قصة الذي ولدت امرأته غلاما أسود يخالف لونهما فلم يمكنه النبي صلى الله عليه وسلم من نفيه ولا جعل للشبه ولا لعدمه أثرا ولو كان للشبه أثر لاكتفى به في ولد الملاعنة ولم يحتج إلى اللعان ولكان ينتظر ولادته ثم يلحق بصاحب الشبه ويستغني بذلك عن اللعان بل كان لا يصح نفيه مع وجود الشبه بالزوج وقد دلت السنة الصحيحة الصريحة على نفيه عن الملاعن ولو كان الشبه له فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبصروها فإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية وهذا قاله بعد اللعان ونفي النسب عنه فعلم أنه لو جاء على الشبه المذكور لم يثبت نسبه منه وإنما كان مجيئه على شبهه دليلا على كذبه لا على لحوق الولد به . قالوا : وأما قصة أسامة وزيد فالمنافقون كانوا يطعنون في نسبه من زيد لمخالفة لونه لون أبيه ولم يكونوا يكتفون بالفراش وحكم الله ورسوله في أنه ابنه فلما شهد به القائف وافقت شهادته حكم الله ورسوله فسر به النبي صلى الله عليه وسلم لموافقتها حكمه ولتكذيبها قول المنافقين لا أنه أثبت نسبه بها فأين في هذا إثبات النسب بقول القائف ؟ قالوا : وهذا معنى الأحاديث التي ذكر فيها اعتبار الشبه فإنها إنما اعتبرت فيه الشبه بنسب ثابت بغير القافة ونحن لا ننكر ذلك .

                              قالوا : وأما حكم عمر وعلي فقد اختلف على عمر فروي عنه ما ذكرتم وروي عنه أن القائف لما قال له قد اشتركا فيه قال وال أيهما شئت . فلم يعتبر قول القائف . قالوا : وكيف تقولون بالشبه ولو أقر أحد الورثة بأخ وأنكره الباقون والشبه موجود لم تثبتوا النسب به وقلتم إن لم تتفق الورثة على الإقرار به لم يثبت النسب ؟



                              [ رد المثبتين على النافين ]

                              قال أهل الحديث من العجب أن ينكر علينا القول بالقافة ويجعلها من باب الحدس والتخمين من يلحق ولد المشرقي بمن في أقصى المغرب مع القطع بأنهما لم يتلاقيا طرفة عين ويلحق الولد باثنين مع القطع بأنه ليس ابنا لأحدهما ونحن إنما ألحقنا الولد بقول القائف المستند إلى الشبه المعتبر شرعا وقدرا فهو استناد إلى ظن غالب ورأي راجح وأمارة ظاهرة بقول من هو من أهل الخبرة فهو أولى بالقبول من قول المقومين وهل ينكر مجيء كثير من الأحكام مستندا إلى الأمارات الظاهرة والظنون الغالبة ؟

                              وأما وجود الشبه بين الأجانب وانتفاؤه بين الأقارب وإن كان واقعا فهو من أندر شيء وأقله والأحكام إنما هي للغالب الكثير والنادر في حكم المعدوم . وأما قصة من ولدت امرأته غلاما أسود فهو حجة عليكم لأنها دليل على أن العادة التي فطر الله عليها الناس اعتبار الشبه وأن خلافه يوجب ريبة وأن في طباع الخلق إنكار ذلك ولكن لما عارض ذلك دليل أقوى منه وهو الفراش كان الحكم للدليل القوي وكذلك نقول نحن وسائر الناس إن الفراش الصحيح إذا كان قائما فلا يعارض بقافة ولا شبه فمخالفة ظاهر الشبه لدليل أقوى منه - وهو الفراش - غير مستنكر وإنما المستنكر مخالفة هذا الدليل الظاهر بغير شيء .

                              وأما تقديم اللعان على الشبه وإلغاء الشبه مع وجوده فكذلك أيضا هو من تقديم أقوى الدليلين على أضعفهما وذلك لا يمنع العمل بالشبه مع عدم ما يعارضه كالبينة تقدم على اليد والبراءة الأصلية ويعمل بهما عند عدمهما .

                              وأما ثبوت نسب أسامة من زيد بدون القيافة فنحن لم نثبت نسبه بالقيافة والقيافة دليل آخر موافق لدليل الفراش فسرور النبي صلى الله عليه وسلم وفرحه بها واستبشاره لتعاضد أدلة النسب وتضافرها لا لإثبات النسب بقول القائف وحده بل هو من باب الفرح بظهور أعلام الحق وأدلته وتكاثرها ولو لم تصلح القيافة دليلا لم يفرح بها ولم يسر وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفرح ويسر إذا تعاضدت عنده أدلة الحق ويخبر بها الصحابة ويحب أن يسمعوها من المخبر بها لأن النفوس تزداد تصديقا بالحق إذا تعاضدت أدلته وتسر به وتفرح وعلى هذا فطر الله عباده فهذا حكم اتفقت عليه الفطرة والشرعة وبالله التوفيق .

                              وأما ما روي عن عمر أنه قال وال أيهما شئت فلا تعرف صحته عن عمر ولو صح عنه لكان قولا عنه فإن ما ذكرنا عنه في غاية الصحة مع أن قوله وال أيهما شئت ليس بصريح في إبطال قول القائف ولو كان صريحا في إبطال قوله لكان في مثل هذا الموضع إذا ألحقه باثنين كما يقوله الشافعي ومن وافقه .

                              وأما إذا أقر أحد الورثة بأخ وأنكره الباقون فإنما لم يثبت نسبه لمجرد الإقرار فأما إذا كان هناك شبه يستند إليه القائف فإنه لا يعتبر إنكار الباقين ونحن لا نقصر القافة على بني مدلج ولا نعتبر تعدد القائف بل يكفي واحد على الصحيح بناء على أنه خبر وعن أحمد رواية أخرى : أنه شهادة فلا بد من اثنين ولفظ الشهادة بناء على اشتراط اللفظ .



                              [ إذا ألحقته القافة بأكثر من أب فهل يلحق بهم ‏ ]

                              فإن قيل فالمنقول عن عمر أنه ألحقه بأبوين فما تقولون فيما إذا ألحقته القافة بأبوين هل تلحقونه بهما أو لا تلحقونه إلا بواحد وإذا ألحقتموه بأبوين فهل يختص ذلك باثنين أم يلحق بهم وإن كثروا وهل حكم الاثنين في ذلك حكم الأبوين أم ماذا حكمهما ؟

                              قيل هذه مسائل فيها نزاع بين أهل العلم فقال الشافعي ومن وافقه لا يلحق بأبوين ولا يكون للرجل إلا أب واحد ومتى ألحقته القافة باثنين سقط قولها وقال الجمهور بل يلحق باثنين ثم اختلفوا فنص أحمد في رواية مهنا بن يحيى : أنه يلحق بثلاثة وقال صاحب المغني ومقتضى هذا أنه يلحق بمن ألحقته القافة به وإن كثروا لأنه إذا جاز إلحاقه باثنين جاز إلحاقه بأكثر من ذلك وهذا مذهب أبي حنيفة لكنه لا يقول بالقافة فهو يلحقه بالمدعين وإن كثروا وقال القاضي : يجب أن لا يلحق بأكثر من ثلاثة وهو قول محمد بن الحسن وقال ابن حامد لا يلحق بأكثر من اثنين وهو قول أبي يوسف فمن لم يلحقه بأكثر من واحد قال قد أجرى الله سبحانه عادته أن للولد أبا واحدا وأما واحدة ولذلك يقال فلان بن فلان وفلان بن فلانة فقط .

                              ولو قيل فلان بن فلان وفلان لكان ذلك منكرا . وعد قذفا ولهذا إنما يقال يوم القيامة أين فلان بن فلان ؟ وهذه غدرة فلان بن فلان ولم يعهد قط في الوجود نسبة ولد إلى أبوين قط ومن ألحقه باثنين احتج بقول عمر وإقرار الصحابة له على ذلك . وبأن الولد قد ينعقد من ماء رجلين كما ينعقد من ماء الرجل والمرأة ثم قال أبو يوسف إنما جاء الأثر بذلك فيقتصر عليه .

                              وقال القاضي : لا يتعدى به ثلاثة لأن أحمد إنما نص على الثلاثة والأصل ألا يلحق بأكثر من واحد وقد دل قول عمر على إلحاقه باثنين مع انعقاده من ماء الأم فدل على إمكان انعقاده من ماء ثلاثة وما زاد على ذلك فمشكوك فيه .

                              قال الملحقون له بأكثر من ثلاثة إذا جاز تخليقه من ماء رجلين وثلاثة جاز خلقه من ماء أربعة وخمسة ولا وجه لاقتصاره على ثلاثة فقط بل إما أن يلحق بهم وإن كثروا وإما أن لا يتعدى به أحد ولا قول سوى القولين والله أعلم .

                              فإن قيل إذا اشتمل الرحم على ماء الرجل وأراد الله أن يخلق منه الولد انضم عليه أحكم انضمام وأتمه حتى لا يفسد فكيف يدخل عليه ماء آخر ؟ قيل لا يمتنع أن يصل الماء الثاني إلى حيث وصل الأول فينضم عليهما وهذا كما أن الولد ينعقد من ماء الأبوين وقد سبق ماء الرجل ماء المرأة أو بالعكس ومع هذا فلا يمتنع وصول الماء الثاني إلى حيث وصل الأول وقد علم بالعادة أن الحامل إذا توبع وطؤها جاء الولد عبل الجسم ما لم يعارض ذلك مانع ولهذا ألهم الله سبحانه الدواب إذا حملت أن لا تمكن الفحل أن ينزو عليها بل تنفر عنه كل النفار وقال الإمام أحمد إن الوطء الثاني يزيد في سمع الولد وبصره وقد شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بسقي الزرع ومعلوم أن سقيه يزيد في ذاته والله أعلم .



                              لو استلحق الزاني ولدا لا فراش هناك يعارضه فهل يلحقه نسبه ]

                              فإن قيل فقد دل الحديث على حكم استلحاق الولد وعلى أن الولد للفراش فما تقولون لو استلحق الزاني ولدا لا فراش هناك يعارضه هل يلحقه نسبه ويثبت له أحكام النسب ؟ قيل هذه مسألة جليلة اختلف أهل العلم فيها فكان إسحاق بن راهويه يذهب إلى أن المولود من الزنى إذا لم يكن مولودا على فراش يدعيه صاحبه وادعاه الزاني ألحق به وأول قول النبي صلى الله عليه وسلم الولد للفراش على أنه حكم بذلك عند تنازع الزاني وصاحب الفراش كما تقدم وهذا مذهب الحسن البصري رواه عنه إسحاق بإسناده في رجل زنى بامرأة فولدت ولدا فادعى ولدها فقال يجلد ويلزمه الولد وهذا مذهب عروة بن الزبير وسليمان بن يسار ذكر عنهما أنهما قالا : أيما رجل أتى إلى غلام يزعم أنه ابن له وأنه زنى بأمه ولم يدع ذلك الغلام أحد فهو ابنه

                              واحتج سليمان بأن عمر بن الخطاب كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام وهذا المذهب كما تراه قوة ووضوحا وليس مع الجمهور أكثر من الولد للفراش وصاحب هذا المذهب أول قائل به والقياس الصحيح يقتضيه فإن الأب أحد الزانيين وهو إذا كان يلحق بأمه وينسب إليها وترثه ويرثها ويثبت النسب بينه وبين أقارب أمه مع كونها زنت به وقد وجد الولد من ماء الزانيين وقد اشتركا فيه واتفقا على أنه ابنهما فما المانع من لحوقه بالأب إذا لم يدعه غيره ؟ فهذا محض القياس وقد قال جريج للغلام الذي زنت أمه بالراعي : من أبوك يا غلام ؟ قال فلان الراعي وهذا إنطاق من الله لا يمكن فيه الكذب .

                              فإن قيل فهل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة حكم ؟ قيل قد روي عنه فيها حديثان نحن نذكر شأنهما .

                              فصل ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في استلحاق ولد الزنى وتوريثه
                              ذكر أبو داود في " سننه " من حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مساعاة في الإسلام من ساعى في الجاهلية فقد لحق بعصبته ومن ادعى ولدا من غير رشدة فلا يرث ولا يورث .

                              المساعاة الزنى وكان الأصمعي يجعلها في الإماء دون الحرائر لأنهن يسعين لمواليهن فيكتسبن لهم وكان عليهن ضرائب مقررة فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم المساعاة في الإسلام ولم يلحق النسب بها وعفا عما كان في الجاهلية منها وألحق النسب به .

                              وقال الجوهري يقال زنى الرجل وعهر فهذا قد يكون في الحرة والأمة ويقال في الأمة خاصة قد ساعاها . ولكن في إسناد هذا الحديث رجل مجهول فلا تقوم به حجة .

                              وروى أيضا في " سننه " من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن كل مستلحق استلحق بعد أبيه الذي يدعى له ادعاه ورثته فقضى أن كل من كان من أمة يملكها يوم أصابها فقد لحق بمن استلحقه وليس له مما قسم قبله من الميراث وما أدرك من ميراث لم يقسم فله نصيبه ولا يلحق إذا كان أبوه الذي يدعى له أنكره وإن كان من أمة لم يملكها أو من حرة عاهر بها فإنه لا يلحق ولا يرث وإن كان الذي يدعى له هو ادعاه فهو من ولد زنية من حرة كان أو أمة .

                              وفي رواية وهو ولد زنى لأهل أمه من كانوا حرة أو أمة . وذلك فيما استلحق في أول الإسلام فما اقتسم من مال قبل الإسلام فقد مضى " وهذا لأهل الحديث في إسناده مقال لأنه من رواية محمد بن راشد المكحولي .


                              وكان قوم في الجاهلية لهم إماء بغايا فإذا ولدت أمة أحدهم وقد وطئها غيره بالزنى فربما ادعاه سيدها وربما ادعاه الزاني واختصما في ذلك حتى قام الإسلام فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بالولد للسيد لأنه صاحب الفراش ونفاه على الزاني . ثم تضمن هذا الحديث أمورا .

                              منها : أن المستلحق إذا استلحق بعد أبيه الذي يدعى له ادعاه ورثته فإن كان الولد من أمة يملكها الواطئ يوم أصابها فقد لحق بمن استلحقه يعني إذا كان الذي استلحقه ورثة مالك الأمة وصار ابنه من يومئذ ليس له مما قسم قبله من الميراث شيء لأن هذا تجديد حكم نسبه ومن يومئذ يثبت نسبه فلا يرجع بما اقتسم قبله من الميراث إذ لم يكن حكم البنوة ثابتا وما أدرك من ميراث لم يقسم فله نصيبه منه لأن الحكم ثبت قبل قسمه الميراث فيستحق منه نصيبه وهذا نظير من أسلم على ميراث قبل قسمه قسم له في أحد قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد وإن أسلم بعد قسم الميراث فلا شيء له فثبوت النسب هاهنا بمنزلة الإسلام بالنسبة إلى الميراث .

                              قوله " ولا يلحق إذا كان أبوه الذي يدعى له أنكره " هذا يبين أن التنازع بين الورثة وأن الصورة الأولى أن يستلحقه ورثة أبيه الذي كان يدعى له وهذه الصورة إذا استلحقه ورثته وأبوه الذي يدعى له كان ينكر فإنه لا يلحق لأن الأصل الذي الورثة خلف عنه منكر له فكيف يلحق به مع إنكاره ؟ فهذا إذا كان من أمة يملكها أما إذا كان من أمة لم يملكها أو من حرة عاهر بها فإنه لا يلحق ولا يرث وإن ادعاه الواطئ وهو ولد زنية من أمة كان أو من حرة وهذا حجة الجمهور على إسحاق ومن قال بقوله إنه لا يلحق بالزاني إذا ادعاه ولا يرثه وأنه ولد زنى لأهل أمه من كانوا حرة كانت أو أمة .

                              وأما ما اقتسم من مال قبل الإسلام فقد مضى فهذا الحديث يرد قول إسحاق ومن وافقه لكن فيه محمد بن راشد ونحن نحتج بعمرو بن شعيب فلا يعلل الحديث به فإن ثبت هذا الحديث تعين القول بموجبه والمصير إليه وإلا فالقول قول إسحاق ومن معه والله المستعان .




                              ذكر الحكم الذي حكم به علي بن أبي طالب رضي الله عنه
                              في الجماعة الذين وقعوا على امرأة في طهر واحد
                              ثم تنازعوا الولد فأقرع بينهم فيه ثم بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فضحك ولم ينكره ذكر أبو داود والنسائي في " سننهما " من حديث عبد الله بن الخليل عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من أهل اليمن فقال إن ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا عليا يختصمون إليه في ولد قد وقعوا على امرأة في طهر واحد فقال لاثنين : طيبا بالولد لهذا فغليا ثم قال لاثنين طيبا بالولد لهذا فغليا ثم قال لاثنين طيبا بالولد لهذا فغليا فقال أنتم شركاء متشاكسون إني مقرع بينكم فمن قرع فله الولد وعليه لصاحبيه ثلثا الدية فأقرع بينهم فجعله لمن قرع فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أضراسه أو نواجذه

                              وفي إسناده يحيى بن عبد الله الكندي الأجلح ولا يحتج بحديثه لكن رواه أبو داود والنسائي بإسناد كلهم ثقات إلى عبد خير عن زيد بن أرقم . قال أتي علي بن أبي طالب بثلاثة وهو باليمن وقعوا على امرأة في طهر واحد فسأل اثنين أتقران لهذا بالولد ؟ قالا : لا حتى سألهم جميعا فجعل كلما سأل اثنين قالا : لا فأقرع بينهم فألحق الولد بالذي صارت عليه القرعة وجعل عليه ثلثي الدية قال فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه

                              وقد أعل هذا الحديث بأنه روي عن عبد خير بإسقاط زيد بن أرقم فيكون مرسلا . قال النسائي : وهذا أصوب .

                              وهذا أعجب فإن إسقاط زيد بن أرقم من هذا الحديث لا يجعله مرسلا فإن عبد خير أدرك عليا وسمع منه وعلي صاحب القصة فهب أن زيد بن أرقم لا ذكر له في السند فمن أين يجيء الإرسال إلا أن يقال عبد خير لم يشاهد ضحك النبي صلى الله عليه وسلم وعلي إذ ذاك كان باليمن وإنما شاهد ضحكه صلى الله عليه وسلم زيد بن أرقم أو غيره من الصحابة وعبد خير لم يذكر من شاهد ضحكه فصار الحديث به مرسلا . فيقال إذا : قد صح السند عن عبد خير عن زيد بن أرقم متصلا فمن رجح الاتصال لكونه زيادة من الثقة فظاهر ومن رجح رواية الأحفظ والأضبط وكان الترجيح من جانبه ولم يكن علي قد أخبره بالقصة فغايتها أن تكون مرسلة وقد يقوى الحديث بروايته من طريق أخرى متصلا .


                              افتراضي


                              [ اختلاف الفقهاء في حكم علي ]

                              وبعد فاختلف الفقهاء في هذا الحكم فذهب إليه إسحاق بن راهويه وقال هو السنة في دعوى الولد وكان الشافعي يقول به في القديم وأما الإمام أحمد فسئل عن هذا الحديث فرجح عليه حديث القافة وقال حديث القافة أحب إلي .

                              وهاهنا أمران أحدهما : دخول القرعة في النسب والثاني : تغريم من خرجت له القرعة ثلثي دية ولده لصاحبيه .

                              وأما القرعة فقد تستعمل عند فقدان مرجح سواها من بينة أو إقرار أو قافة وليس ببعيد تعيين المستحق بالقرعة في هذه الحال إذ هي غاية المقدور عليه من أسباب ترجيح الدعوى ولها دخول في دعوى الأملاك المرسلة التي لا تثبت بقرينة ولا أمارة فدخولها في النسب الذي يثبت بمجرد الشبه الخفي المستند إلى قول القائف أولى وأحرى .

                              وأما أمر الدية فمشكل جدا فإن هذا ليس بموجب الدية وإنما هو تفويت نسبه بخروج القرعة فيقال وطء كل واحد صالح لجعل الولد له فقد فوته كل واحد منهم على صاحبيه بوطئه ولكن لم يتحقق من كان له الولد منهم فلما أخرجته القرعة لأحدهم صار مفوتا لنسبه عن صاحبيه فأجري ذلك مجرى إتلاف الولد ونزل الثلاثة منزلة أب واحد فحصة المتلف منه ثلث الدية إذ قد عاد الولد له فيغرم لكل من صاحبيه ما يخصه وهو ثلث الدية .

                              ووجه آخر أحسن من هذا أنه لما أتلفه عليهما بوطئه ولحوق الولد به وجب عليه ضمان قيمته وقيمة الولد شرعا هي ديته فلزمه لهما ثلثا قيمته وهي ثلثا الدية وصار هذا كمن أتلف عبدا بينه وبين شريكين له فإنه يجب عليه ثلثا القيمة لشريكيه فإتلاف الولد الحر عليهما بحكم القرعة كإتلاف الرقيق الذي بينهم . ونظير هذا تضمين الصحابة المغرور بحرية الأمة قيمة أولاده لسيد الأمة لما فات رقهم على السيد لحريتهم وكانوا بصدد أن يكونوا أرقاء وهذا ألطف ما يكون من القياس وأدقه وأنت إذا تأملت كثيرا من أقيسة الفقهاء وتشبيهاتهم وجدت هذا أقوى منها وألطف مسلكا وأدق مأخذا ولم يضحك منه النبي صلى الله عليه وسلم سدى .

                              وقد يقال لا تعارض بين هذا وبين حديث القافة بل إن وجدت القافة تعين العمل بها وإن لم توجد قافة أو أشكل عليهم تعين العمل بهذا الطريق والله أعلم .


                              يتبع
                              أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
                              وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

                              Comment

                              • اخت مسلمة
                                محاور
                                • Nov 2005
                                • 6338

                                #45
                                فصل ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم
                                في الولد من أحق به في الحضانة
                                روى أبو داود في " سننه " من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص أن امرأة قالت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقني فأراد أن ينتزعه مني فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنت أحق به ما لم تنكحي .

                                وفي " الصحيحين " : من حديث البراء بن عازب أن ابنة حمزة اختصم فيها علي وجعفر وزيد . فقال علي أنا أحق بها وهي ابنة عمي وقال جعفر ابنة عمي وخالتها تحتي وقال زيد ابنة أخي فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال الخالة بمنزلة الأم .

                                وروى أهل السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه . قال الترمذي حديث صحيح .

                                وروى أهل السنن أيضا : عنه أن امرأة جاءت فقالت يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " استهما عليه " فقال زوجها من يحاقني في ولدي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذا أبوك وهذه أمك وخذ بيد أيهما شئت " فأخذ بيد أمه فانطلقت به . قال الترمذي : حديث حسن صحيح .

                                وفي " سنن النسائي " : عن عبد الحميد بن سلمة الأنصاري عن أبيه عن جده أن جده أسلم وأبت امرأته أن تسلم فجاء بابن له صغير لم يبلغ قال فأجلس النبي صلى الله عليه وسلم الأب هاهنا والأم هاهنا ثم خيره وقال " اللهم اهده " فذهب إلى أبيه .

                                ورواه أبو داود عنه وقال أخبرني جدي رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ابنتي وهي فطيم أو شبهه وقال رافع ابنتي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " اقعد ناحية " وقال لها : " اقعدي ناحية " فأقعد الصبية بينهما ثم قال " ادعواها " فمالت إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم اهدها " فمالت إلى أبيها فأخذها .



                                فصل الكلام على هذه الأحكام

                                [ سقوط الحضانة بالتزويج ]
                                أما الحديث الأول فهو حديث احتاج الناس فيه إلى عمرو بن شعيب ولم يجدوا بدا من الاحتجاج هنا به ومدار الحديث عليه وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في سقوط الحضانة بالتزويج غير هذا وقد ذهب إليه الأئمة الأربعة وغيرهم وقد صرح بأن الجد هو عبد الله بن عمرو فبطل قول من يقول لعله محمد والد شعيب فيكون الحديث مرسلا .

                                وقد صح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو فبطل قول من قال إنه منقطع وقد احتج به البخاري خارج صحيحه ونص على صحة حديثه وقال كان عبد الله بن الزبير الحميدي وأحمد وإسحاق وعلي بن عبد الله يحتجون بحديثه فمن الناس بعدهم ؟ هذا لفظه .

                                وقال إسحاق بن راهويه : هو عندنا كأيوب عن نافع عن ابن عمر . وحكى الحاكم في " علوم الحديث " له الاتفاق على صحة حديثه وقال أحمد بن صالح : لا يختلف على عبد الله أنها صحيحة . وقولها : " كان بطني وعاء " إلى آخره إدلاء منها وتوسل إلى اختصاصها به كما اختص بها في هذه المواطن الثلاثة والأب لم يشاركها في ذلك فنبهت في هذا الاختصاص الذي لم يشاركها فيه الأب على الاختصاص الذي طلبته بالاستفتاء والمخاصمة .

                                [ اعتبار المعاني والعلل وتأثيرها في الأحكام ]

                                وفي هذا دليل على اعتبار المعاني والعلل وتأثيرها في الأحكام وإناطتها بها وأن ذلك أمر مستقر في الفطر السليمة حتى فطر النساء وهذا الوصف الذي أدلت به المرأة وجعلته سببا لتعليق الحكم به قد قرره النبي صلى الله عليه وسلم ورتب عليه أثره ولو كان باطلا ألغاه بل ترتيبه الحكم عقيبه دليل على تأثيره فيه وأنه سببه .

                                [ القضاء على الغائب ]

                                واستدل بالحديث على القضاء على الغائب فإن الأب لم يذكر له حضور ولا مخاصمة ولا دلالة فيه لأنها واقعة عين فإن كان الأب حاضرا فظاهر وإن كان غائبا فالمرأة إنما جاءت مستفتية أفتاها النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى مسألتها وإلا فلا يقبل قولها على الزوج إنه طلقها حتى يحكم لها بالولد بمجرد قولها .



                                فصل [ الأم أحق بالولد من الأب ]
                                ودل الحديث على أنه إذا افترق الأبوان وبينهما ولد فالأم أحق به من الأب ما لم يقم بالأم ما يمنع تقديمها أو بالولد وصف يقتضي تخييره وهذا ما لا يعرف فيه نزاع وقد قضى به خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر على عمر بن الخطاب ولم ينكر عليه منكر .

                                فلما ولي عمر قضى بمثله فروى مالك في " الموطأ " : عن يحيى بن سعيد أنه قال سمعت القاسم بن محمد يقول كانت عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأة من الأنصار فولدت له عاصم بن عمر ثم إن عمر فارقها فجاء عمر قباء فوجد ابنه عاصما يلعب بفناء المسجد فأخذ بعضده فوضعه بين يديه على الدابة فأدركته جدة الغلام فنازعته إياه حتى أتيا أبا بكر الصديق رضي الله عنه فقال عمر : ابني . وقالت المرأة ابني فقال أبو بكر رضي الله عنه خل بينها وبينه فما راجعه عمر الكلام

                                قال ابن عبد البر : هذا خبر مشهور من وجوه منقطعة ومتصلة تلقاه أهل العلم بالقبول والعمل وزوجة عمر أم ابنه عاصم هي جميلة ابنة عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري .

                                قال وفيه دليل على أن عمر كان مذهبه في ذلك خلاف أبي بكر ولكنه سلم للقضاء ممن له الحكم والإمضاء ثم كان بعد في خلافته يقضي به ويفتي ولم يخالف أبا بكر في شيء منه ما دام الصبي صغيرا لا يميز ولا مخالف لهما من الصحابة .

                                وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج أنه أخبره عن عطاء الخراساني عن ابن عباس قال طلق عمر بن الخطاب امرأته الأنصارية أم ابنه عاصم فلقيها تحمله بمحسر وقد فطم ومشى فأخذ بيده لينتزعه منها ونازعها إياه حتى أوجع الغلام وبكى وقال أنا أحق بابني منك فاختصما إلى أبي بكر فقضى لها به وقال ريحها وفراشها وحجرها خير له منك حتى يشب ويختار لنفسه ومحسر : سوق بين قباء والمدينة .

                                وذكر عن الثوري عن عاصم عن عكرمة قال خاصمت امرأة عمر عمر إلى أبي بكر رضي الله عنهن وكان طلقها فقال أبو بكر رضي الله عنه الأم أعطف وألطف وأرحم وأحنى وأرأف هي أحق بولدها ما لم تتزوج . الأم أعطف وألطف وأرحم وأحنى وأرأف هي أحق بولدها ما لم تتزوج

                                وذكر عن معمر قال سمعت الزهري يقول إن أبا بكر قضى على عمر في ابنه مع أمه وقال أمه أحق به ما لم تتزوج

                                فإن قيل فقد اختلفت الرواية هل كانت المنازعة وقعت بينه وبين الأم أولا ثم بينه وبين الجدة أو وقعت مرة واحدة بينه وبين إحداهما .

                                قيل الأمر في ذلك قريب لأنها إن كانت من الأم فواضح وإن كانت من الجدة فقضاء الصديق رضي الله عنه لها يدل على أن الأم أولى .


                                افتراضي

                                فصل [ يقدم الأب في ولاية المال والنكاح وتقدم الأم في ولاية الحضانة والرضاع ]
                                والولاية على الطفل نوعان نوع يقدم فيه الأب على الأم ومن في جهتها وهي ولاية المال والنكاح ونوع تقدم فيه الأم على الأب وهي ولاية الحضانة والرضاع وقدم كل من الأبوين فيما جعل له من ذلك لتمام مصلحة الولد وتوقف مصلحته على من يلي ذلك من أبويه وتحصل به كفايته .

                                ولما كان النساء أعرف بالتربية وأقدر عليها وأصبر وأرأف وأفرغ لها لذلك قدمت الأم فيها على الأب .

                                ولما كان الرجال أقوم بتحصيل مصلحة الولد والاحتياط له في البضع قدم الأب فيها على الأم فتقديم الأم في الحضانة من محاسن الشريعة والاحتياط للأطفال والنظر لهم وتقديم الأب في ولاية المال والتزويج كذلك .

                                [ هل يقدم أقارب الأم على أقارب الأب في الحضانة ؟ ]

                                إذا عرف هذا فهل قدمت الأم لكون جهتها مقدمة على جهة الأبوة في الحضانة فقدمت لأجل الأمومة أو قدمت على الأب لكون النساء أقوم بمقاصد الحضانة والتربية من الذكور فيكون تقديمها لأجل الأنوثة ؟ ففي هذا للناس قولان وهما في مذهب أحمد يظهر أثرهما في تقديم نساء العصبة على أقارب الأم أو بالعكس كأم الأم وأم الأب والأخت من الأب والأخت من الأم والخالة والعمة وخالة الأم وخالة الأب ومن يدلي من الخالات والعمات بأم ومن يدلي منهن بأب ففيه روايتان عن الإمام أحمد .

                                إحداهما تقديم أقارب الأم على أقارب الأب .

                                والثانية وهي أصح دليلا واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية : تقديم أقارب الأب وهذا هو الذي ذكره الخرقي في " مختصره " فقال والأخت من الأب أحق من الأخت من الأم وأحق من الخالة وخالة الأب أحق من خالة الأم وعلى هذا فأم الأب مقدمة على أم الأم كما نص عليه أحمد في إحدى الروايتين عنه .



                                [ هل لأقارب الأم من الرجال مدخل في الحضانة ?]

                                وعلى هذه الرواية فأقارب الأب من الرجال مقدمون على أقارب الأم والأخ للأب أحق من الأخ للأم والعم أولى من الخال هذا إن قلنا : إن لأقارب الأم من الرجال مدخلا في الحضانة وفي ذلك وجهان في مذهب أحمد والشافعي .

                                أحدهما : أنه لا حضانة إلا لرجل من العصبة محرم أو لامرأة وارثة أو مدلية بعصبة أو وارث .

                                [ التدليل على تقديم جهة الأبوة في الحضانة ]

                                والثاني : أن لهم الحضانة والتفريع على هذا الوجه وهو قول أبي حنيفة وهذا يدل على رجحان جهة الأبوة على جهة الأمومة في الحضانة وأن الأم إنما قدمت لكونها أنثى لا لتقديم جهتها إذ لو كان جهتها راجحة لترجح رجالها ونساؤها على الرجال والنساء من جهة الأب ولما لم يترجح رجالها اتفاقا فكذلك النساء وما الفرق المؤثر ؟ وأيضا فإن أصول الشرع وقواعده شاهدة بتقديم أقارب الأب في الميراث وولاية النكاح وولاية الموت وغير ذلك ولم يعهد في الشرع تقديم قرابة الأم على قرابة الأب في حكم من الأحكام فمن قدمها في الحضانة فقد خرج عن موجب الدليل .

                                [ علة تقديم الأم في الحضانة ]

                                فالصواب في المأخذ هو أن الأم إنما قدمت لأن النساء أرفق بالطفل وأخبر بتربيته وأصبر على ذلك وعلى هذا فالجدة أم الأب أولى من أم الأم والأخت للأب أولى من الأخت للأم والعمة أولى من الخالة كما نص عليه أحمد في إحدى الروايتين وعلى هذا فتقدم أم الأب على أب الأب كما تقدم الأم على الأب .

                                [ تقديم الأنثى على الذكر حين اتفاق القرابة والدرجة وتقديم جهة الأب حين اتفاق الدرجة واختلاف القرابة ]

                                وإذا تقرر هذا الأصل فهو أصل مطرد منضبط لا تتناقض فروعه بل إن اتفقت القرابة والدرجة واحدة قدمت الأنثى على الذكر فتقدم الأخت على الأخ والعمة على العم والخالة على الخال والجدة على الجد وأصله تقديم الأم على الأب .

                                وإن اختلفت القرابة قدمت قرابة الأب على قرابة الأم فتقدم الأخت للأب على الأخت للأم والعمة على الخالة وعمة الأب على خالته وهلم جرا .

                                وهذا هو الاعتبار الصحيح والقياس المطرد وهذا هو الذي قضى به سيد قضاة الإسلام شريح كما روى وكيع في " مصنفه " عن الحسن بن عقبة عن سعيد بن الحارث قال اختصم عم وخال إلى شريح في طفل فقضى به للعم فقال الخال أنا أنفق عليه من مالي فدفعه إليه شريح .



                                [ بيان تناقض من قدم أم أم على أم الأب
                                ثم اختلافهم في تقديم الأخت للأم على الأخت للأب والخالة على العمة ]

                                ومن سلك غير هذا المسلك لم يجد بدا من التناقض مثاله أن الثلاثة وأحمد في إحدى روايتيه يقدمون أم الأم على أم الأب ثم قال الشافعي في ظاهر مذهبه وأحمد في المنصوص عنه تقدم الأخت للأب على الأخت للأم فتركوا القياس وطرده أبو حنيفة والمزني وابن سريج فقالوا : تقدم الأخت للأم على الأخت للأب .

                                قالوا : لأنها تدلي بالأم والأخت للأب بالأب فلما قدمت الأم على الأب قدم من يدلي بها على من يدلي به ولكن هذا أشد تناقضا من الأول لأن أصحاب القول الأول جروا على القياس والأصول في تقديم قرابة الأب على قرابة الأم وخالفوا ذلك في أم الأم وأم الأب وهؤلاء تركوا القياس في الموضعين وقدموا القرابة التي أخرها الشرع وأخروا القرابة التي قدمها ولم يمكنهم تقديمها في كل موضع فقدموها في موضع وأخروها في غيره مع تساويهما ومن ذلك تقديم الشافعي في الجديد الخالة على العمة مع تقديمه الأخت للأب على الأخت للأم وطرد قياسه في تقديم أم الأم على أم الأب فوجب تقديم الأخت للأم والخالة على الأخت للأب والعمة وكذلك من قدم من أصحاب أحمد الخالة على العمة وقدم الأخت للأب على الأخت للأم كقول القاضي وأصحابه وصاحب " المغني " : فقد تناقضوا .



                                [ علة تقديم العمة على الخالة ]

                                فإن قيل الخالة تدلي بالأم والعمة تدلي بالأب فكما قدمت الأم على الأب قدم من يدلي بها ويزيده بيانا كون الخالة أما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فالعمة بمنزلة الأب .

                                قيل قد بينا أنه لم يقدم الأم على الأب لقوة الأمومة وتقديم هذه الجهة بل لكونها أنثى فإذا وجد عمة وخالة فالمعنى الذي قدمت له الأم موجود فيهما وامتازت العمة بأنها تدلي بأقوى القرابتين وهي قرابة الأب والنبي صلى الله عليه وسلم قضى بابنة حمزة لخالتها وقال الخالة أم حيث لم يكن لها مزاحم من أقارب الأب تساويها في درجتها .

                                [ صفية بنت عبد المطلب وقتلها رجلا من اليهود ]

                                فإن قيل فقد كان لها عمة وهي صفية بنت عبد المطلب أخت حمزة وكانت إذ ذاك موجودة في المدينة فإنها هاجرت وشهدت الخندق وقتلت رجلا من اليهود كان يطيف بالحصن الذي هي فيه وهي أول امرأة قتلت رجلا من المشركين وبقيت إلى خلافة عمر رضي الله عنه فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الخالة عليها وهذا يدل على تقديم من في جهة الأم على من في جهة الأب .

                                قيل إنما يدل هذا إذا كانت صفية قد نازعت معهم وطلبت الحضانة فلم يقض لها بها بعد طلبها وقدم عليها الخالة هذا إذا كانت لم تمنع منها لعجزها عنها فإنها توفيت سنة عشرين عن ثلاث وسبعين سنة فيكون لها وقت هذه الحكومة بضع وخمسون سنة فيحتمل أنها تركتها لعجزها عنها ولم تطلبها مع قدرتها والحضانة حق للمرأة فإذا تركتها انتقلت إلى غيرها .

                                وبالجملة فإنما يدل الحديث على تقديم الخالة على العمة إذا ثبت أن صفية خاصمت في ابنة أخيها وطلبت كفالتها فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخالة وهذا لا سبيل إليه .



                                فصل [ تناقض من قدم أم أم ثم الخالة على الأب وأم الأب ]
                                [ تناقض الرواية عن أحمد في تقديم الأخت عن الأم ]

                                ومن ذلك أن مالكا لما قدم أم الأم على أم الأب قدم الخالة بعدها على الأب وأمه واختلف أصحابه في تقديم خالة الخالة على هؤلاء على وجهين فأحد الوجهين تقديم خالة الخالة على الأب نفسه وعلى أمه وهذا في غاية البعد فكيف تقدم قرابة الأم وإن بعدت على الأب نفسه وعلى قرابته مع أن الأب وأقاربه أشفق على الطفل وأرعى لمصلحته من قرابة الأم ؟

                                فإنه ليس إليهم بحال ولا ينسب إليهم بل هو أجنبي منهم وإنما نسبه وولاؤه إلى أقارب أبيه وهم أولى به يعقلون عنه وينفقون عليه عند الجمهور ويتوارثون بالتعصيب وإن بعدت القرابة بينهم بخلاف قرابة الأم فإنه لا يثبت فيها ذلك ولا توارث فيها إلا في أمهاتها وأول درجة من فروعها وهم ولدها فكيف تقدم هذه القرابة على الأب ومن في جهته ولا سيما إذا قيل بتقديم خالة الخالة على الأب نفسه وعلى أمه فهذا القول مما تأباه أصول الشريعة وقواعدها وهذا نظير إحدى الروايتين عن أحمد في تقديم الأخت على الأم والخالة على الأب وهذا أيضا في غاية البعد ومخالفة القياس .

                                وحجة هذا القول أن كلتيهما تدليان بالأم المقدمة على الأب فتقدمان عليه وهذا ليس بصحيح فإن الأم لما ساوت الأب في الدرجة وامتازت عليه بكونها أقوم بالحضانة وأقدر عليها وأصبر قدمت عليه وليس كذلك الأخت من الأم والخالة مع الأب فإنهما لا يساويانه وليس أحد أقرب إلى ولده منه فكيف تقدم عليه بنت امرأته أو أختها ؟ وهل جعل الله الشفقة فيهما أكمل منه ؟



                                [ اختلاف أصحاب أحمد في فهم نصه السابق ]

                                ثم اختلف أصحاب الإمام أحمد في فهم نصه هذا على ثلاثة أوجه .

                                أحدها : إنما قدمها على الأب لأنوثتها فعلى هذا تقدم نساء الحضانة على كل رجل فتقدم خالة الخالة وإن علت وبنت الأخت على الأب .

                                الثاني : أن الخالة والأخت للأم لم تدليا بالأب وهما من أهل الحضانة فتقدم نساء الحضانة على كل رجل إلا على من أدلين به فلا تقدمن عليه لأنهن فرعه فعلى هذا الوجه لا تقدم أم الأب على الأب ولا الأخت والعمة عليه وتقدم عليه أم الأم والخالة والأخت للأم وهذا أيضا ضعيف جدا إذ يستلزم تقديم قرابة الأم البعيدة على الأب وأمه ومعلوم أن الأب إذا قدم على الأخت للأب فتقديمه على الأخت للأم أولى لأن الأخت للأب مقدمة عليها فكيف تقدم على الأب نفسه ؟ هذا تناقض بين .

                                الثالث تقديم نساء الأم على الأب وأمهاته وسائر من في جهته قالوا : فعلى هذا فكل امرأة في درجة رجل تقدم عليه ويقدم من أدلى بها على من أدلى بالرجل فلما قدمت الأم على الأب وهي في درجته قدمت الأخت من الأم على الأخت من الأب وقدمت الخالة على العمة .

                                هذا تقرير ما ذكره أبو البركات بن تيمية في " محرره " من تنزيل نص أحمد على هذه المحامل الثلاث وهو مخالف لعامة نصوصه في تقديم الأخت للأب على الأخت للأم وعلى الخالة وتقديم خالة الأب على خالة الأم وهو الذي لم يذكر الخرقي في " مختصره " غيره وهو الصحيح وخرجها ابن عقيل على الروايتين في أم الأم وأم الأب ولكن نصه ما ذكره الخرقي وهذه الرواية التي حكاها صاحب " المحرر " ضعيفة مرجوحة فلهذا جاءت فروعها ولوازمها أضعف منها بخلاف سائر نصوصه في جادة مذهبه .


                                افتراضي

                                فصل [ ضابط في الحضانة لبعض أصحاب أحمد ]

                                وقد ضبط بعض أصحابه هذا الباب بضابط فقال كل عصبة فإنه يقدم على كل امرأة هي أبعد منه ويتأخر عمن هي أقرب منه وإذا تساويا فعلى وجهين . فعلى هذا الضابط يقدم الأب على أمه وعلى أم الأم ومن معها ويقدم الأخ على ابنته وعلى العمة والعم على عمة الأب وتقدم أم الأب على جد الأب وفي تقديمها على أب الأب وجهان .

                                وفي تقديم الأخت للأب على الأخ للأب وجهان وفي تقديم العمة على العم وجهان . والصواب تقديم الأنثى مع التساوي كما قدمت الأم على الأب لما استويا فلا وجه لتقديم الذكر على الأنثى مع مساواتها له وامتيازها بقوة أسباب الحضانة والتربية فيها . واختلف في بنات الإخوة والأخوات هل يقدمن على الخالات والعمات أو تقدم الخالات والعمات عليهن ؟

                                على وجهين مأخذهما : أن الخالة والعمة تدليان بإخوة الأم والأب وبنات الإخوة والأخوات يدلين ببنوة الأب فمن قدم بنات الإخوة راعى قوة البنوة على الأخوة وليس ذلك بجيد بل الصواب تقديم العمة والخالة لوجهين .

                                أحدهما : أنها أقرب إلى الطفل من بنات أخيه فإن العمة أخت أبيه وابنة الأخ ابنة ابن أبيه وكذلك الخالة أخت أمه وبنت الأخت من الأم أو لأب بنت بنت أمه أو أبيه ولا ريب أن العمة والخالة أقرب إليه من هذه القرابة .

                                الثاني : أن صاحب هذا القول إن طرد أصله لزمه ما لا قبل له به من تقديم بنت بنت الأخت وإن نزلت على الخالة التي هي أم وهذا فاسد من القول وإن خص ذلك ببنت الأخت دون من سفل منها تناقض .

                                واختلف أصحاب أحمد أيضا في الجد والأخت للأب أيهما أولى ؟

                                فالمذهب أن الجد أولى منها وحكى القاضي في " المجرد " وجها : أنها أولى منه وهذا يجيء على أحد التأويلات التي تأول عليها الأصحاب نص أحمد وقد تقدمت .

                                افتراضي

                                فصل [ بيان تناقض الضابط السابق ]

                                ومما يبين صحة الأصل المتقدم أنهم قالوا : إذا عدم الأمهات ومن في جهتهن انتقلت الحضانة إلى العصبات وقدم الأقرب فالأقرب منهم كما في الميراث فهذا جار على القياس فيقال لهم هلا راعيتم هذا في جنس القرابة فقدمتم القرابة القوية الراجحة على الضعيفة المرجوحة كما فعلتم في العصبات ؟

                                وأيضا فإن الصحيح في الأخوات عندكم أنه يقدم منهن من كانت لأبوين ثم من كانت لأب ثم من كانت لأم وهذا صحيح موافق للأصول والقياس لكن إذا ضم هذا إلى قولهم بتقديم قرابة الأم على قرابة الأب جاء التناقض وتلك الفروع المشكلة المتناقضة .

                                وأيضا فقد قالوا بتقديم أمهات الأب والجد على الخالات والأخوات للأم وهو الصواب الموافق لأصول الشرع لكنه مناقض لتقديمهم أمهات الأم على أمهات الأب ويناقض تقديم الخالة والأخت للأم على الأب كما هو إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله والقول القديم للشافعي .

                                ولا ريب أن القول به أطرد للأصل لكنه في غاية البعد من قياس الأصول كما تقدم ويلزمهم من طرده أيضا تقديم من كان من الأخوات لأم على من كان منهن لأب وقد التزمه أبو حنيفة والمزني وابن سريج ويلزمهم من طرده أيضا تقديم بنت الخالة على الأخت للأب وقد التزمه زفر وهو رواية عن أبي حنيفة ولكن أبو يوسف استشنع ذلك فقدم الأخت للأب كقول الجمهور ورواه عن أبي حنيفة . ويلزمهم أيضا من طرده تقديم الخالة والأخت للأم على الجدة أم الأب وهذا في غاية البعد والوهن وقد التزمه زفر ومثل هذا من المقاييس التي حذر منها أبو حنيفة أصحابه وقال لا تأخذوا بمقاييس زفر فإنكم إن أخذتم بمقاييس زفر حرمتم الحلال وحللتم الحرام .


                                فصل [ ضابط آخر في الحضانة لبعض أصحاب أحمد وبيان تناقضه ]

                                وقد رام بعض أصحاب أحمد ضبط هذا الباب بضابط زعم أنه يتخلص به من التناقض فقال الاعتبار في الحضانة بالولادة المتحققة وهي الأمومة ثم الولادة الظاهرة وهي الأبوة ثم الميراث .

                                قال ولذلك تقدم الأخت من الأب على الأخت من الأم وعلى الخالة لأنها أقوى إرثا منهما .

                                قال ثم الإدلاء فتقدم الخالة على العمة لأن الخالة تدلي بالأم والعمة تدلي بالأب فذكر أربع أسباب للحضانة مرتبة الأمومة ثم بعدها الأبوة ثم بعدها الميراث ثم الإدلاء وهذه طريقة صاحب " المستوعب " وما زادته هذه الطريقة إلا تناقضا وبعدا عن قواعد الشريعة وهي من أفسد الطرق وإنما يتبين فسادها بلوازمها الباطلة فإنه إن أراد بتقديم الأمومة على الأبوة تقديم من في جهتها على الأب ومن في جهته كانت تلك اللوازم الباطلة المتقدمة من تقديم الأخت للأم وبنت الخالة على الأب وأمه وتقديم الخالة على العمة وتقديم خالة الأم على الأب وأمه وتقديم بنات الأخت من الأم على أم الأب وهذا مع مخالفته لنصوص إمامه فهو مخالف لأصول الشرع وقواعده .

                                وإن أراد أن الأم نفسها تقدم على الأب فهذا حق لكن الشأن في مناط هذا التقديم هل هو لكون الأم ومن في جهتها تقدم على الأب ومن في جهته أو لكونها أنثى في درجة ذكر وكل أنثى كانت في درجة ذكر قدمت عليه مع تقديم قرابة الأب على قرابة الأم ؟ وهذا هو الصواب كما تقدم وكذلك قوله " ثم الميراث " إن أراد به أن المقدم في الميراث مقدم في الحضانة فصحيح وطرده تقديم قرابة الأب على قرابة الأم لأنها مقدمة عليها في الميراث فتقدم الأخت على العمة والخالة .

                                وقوله " وكذلك تقديم الأخت للأب على الأخت للأم والخالة لأنها أقوى إرثا منهما فيقال لم يكن تقديمها لأجل الإرث وقوته ولو كان لأجل ذلك لكان العصبات أحق بالحضانة من النساء فيكون العم أولى من الخالة والعمة وهذا باطل .


                                فصل [ ضابط الحضانة عند ابن قدامة ]
                                وقد ضبط الشيخ في " المغني " هذا الباب بضابط آخر فقال فصل في بيان الأولى فالأولى من أهل الحضانة عند اجتماع الرجال والنساء .

                                وأولى الكل بها : الأم ثم أمهاتها وإن علون يقدم منهن الأقرب فالأقرب لأنهن نساء ولادتهن متحققة فهن في معنى الأم وعن أحمد أن أم الأب وأمهاتها يقدمن على أم الأم فعلى هذه الرواية يكون الأب أولى بالتقديم لأنهن يدلين به فيكون الأب بعد الأم ثم أمهاته والأولى هي المشهورة عند أصحابنا فإن المقدم الأم ثم أمهاتها ثم الأب ثم أمهاته ثم الجد ثم أمهاته ثم جد الأب ثم أمهاته وإن كن غير وارثات لأنهن يدلين بعصبة من أهل الحضانة بخلاف أم أب الأم .

                                وحكي عن أحمد رواية أخرى : أن الأخت من الأم والخالة أحق من الأب فتكون الأخت من الأبوين أحق منه ومنهما ومن جميع العصبات والأولى هي المشهورة من المذهب فإذا انقرض الآباء والأمهات انتقلت الحضانة إلى الأخوات وتقدم الأخت من الأبوين ثم الأخت من الأب ثم الأخت من الأم وتقدم الأخت على الأخ لأنها امرأة من أهل الحضانة فقدمت على من في درجتها من الرجال كالأم تقدم على الأب وأم الأب على أب الأب وكل جدة في درجة جد تقدم عليه لأنها تلي الحضانة بنفسها والرجل لا يليها بنفسه .

                                وفيه وجه آخر أنه يقدم عليها لأنه عصبة بنفسه والأول أولى وفي تقديم الأخت من الأبوين أو من الأب على الجد وجهان وإذا لم تكن أخت فالأخ للأبوين أولى ثم الأخ للأب ثم ابناهما ولا حضانة للأخ من الأم لما ذكرنا .

                                فإذا عدموا صارت الحضانة للخالات على الصحيح وترتيبهن فيها كترتيب الأخوات ولا حضانة للأخوال فإذا عدموا صارت للعمات ويقدمن على الأعمام كتقديم الأخوات على الإخوة ثم للعم للأبوين ثم للعم للأب ولا حضانة للعم من الأم ثم ابناهما ثم إلى خالات الأب على قول الخرقي وعلى القول الآخر إلى خالات الأم ثم إلى عمات الأب ولا حضانة لعمات الأم لأنهن يدلين بأب الأم ولا حضانة له .

                                وإن اجتمع شخصان أو أكثر من أهل الحضانة في درجة قدم المستحق منهم بالقرعة انتهى كلامه .



                                [ المؤاخذات على ضابط ابن قدامة ]

                                وهذا خير مما قبله من الضوابط ولكن فيه تقديم أم الأم وإن علت على الأب وأمهاته فإن طرد تقديم من في جهة الأم على من في جهة الأب جاءت تلك اللوازم الباطلة وهو لم يطرده وإن قدم بعض من في جهة الأب على بعض من في جهة الأم كما فعل طولب بالفرق وبمناط التقديم .

                                وفيه إثبات الحضانة للأخت من الأم دون الأخ من الأم وهو في درجتها ومساو لها من كل وجه فإن كان ذلك لأنوثتها وهو ذكر انتقض برجال العصبة كلهم وإن كان ذلك لكونه ليس من العصبة والحضانة لا تكون لرجل إلا أن يكون من العصبة .

                                قيل فكيف جعلتموها لنساء ذوي الأرحام مع مساواة قرابتهن لقرابة من في درجتهن من الذكور من كل وجه ؟ فإما أن تعتبروا الأنوثة فلا تجعلوها للذكر أو الميراث فلا تجعلوها لغير وارث أو القرابة فلا تمنعوا منها الأخ من الأم والخال وأبا الأم أو التعصيب فلا تعطوها لغير عصبة .

                                فإن قلتم بقي قسم آخر وهو قولنا وهو اعتبار التعصيب في الذكور والقرابة في النساء .

                                قيل هذا مخالف لباب الولايات وباب الميراث والحضانة ولاية على الطفل فإن سلكتم بها مسلك الولايات فخصوها بالأب والجد وإن سلكتم بها مسلك الميراث فلا تعطوها لغير وارث وكلاهما خلاف قولكم وقول الناس أجمعين .

                                وفي كلامه أيضا : تقديم ابن الأخ وإن نزلت درجته على الخالة التي هي أم وهو في غاية البعد وجمهور الأصحاب إنما جعلوا أولاد الإخوة بعد أب الأب والعمات وهو الصحيح فإن الخالة أخت الأم وبها تدلي والأم مقدمة على الأب وابن الأخ إنما يدلي بالأخ الذي يدلي بالأب فكيف يقدم على الخالة وكذا العمة أخت الأب وشقيقته فكيف يقدم ابن ابنه عليها .



                                [ ضابط الحضانة عند ابن تيمية وبيان صحته واطراده ]
                                وقد ضبط هذا الباب شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية بضابط آخر . فقال أقرب ما يضبط به باب الحضانة أن يقال لما كانت الحضانة ولاية تعتمد الشفقة والتربية والملاطفة كان أحق الناس بها أقومهم بهذه الصفات وهم أقاربه يقدم منهم أقربهم إليه وأقومهم بصفات الحضانة .

                                فإن اجتمع منهم اثنان فصاعدا فإن استوت درجتهم قدم الأنثى على الذكر فتقدم الأم على الأب والجدة على الجد والخالة على الخال والعمة على العم والأخت على الأخ . فإن كانا ذكرين أو أنثيين قدم أحدهما بالقرعة يعني مع استواء درجتهما وإن اختلفت درجتهما من الطفل فإن كانوا من جهة واحدة قدم الأقرب إليه فتقدم الأخت على ابنتها والخالة على خالة الأبوين وخالة الأبوين على خالة الجد والجدة والجد أبو الأم على الأخ للأم هذا هو الصحيح لأن جهة الأبوة والأمومة في الحضانة أقوى من جهة الأخوة فيها .

                                وقيل يقدم الأخ للأم لأنه أقوى من أب الأم في الميراث . والوجهان في مذهب أحمد .

                                وفيه وجه ثالث أنه لا حضانة للأخ من الأم بحال لأنه ليس من العصبات ولا من نساء الحضانة وكذلك الخال أيضا فإن صاحب هذا الوجه يقول لا حضانة له ولا نزاع أن أبا الأم وأمهاته أولى من الخال وإن كانوا من جهتين كقرابة الأم وقرابة الأب مثل العمة والخالة والأخت للأب والأخت للأم وأم الأب وأم الأم وخالة الأب وخالة الأم قدم من في جهة الأب في ذلك كله على إحدى الروايتين فيه .

                                هذا كله إذا استوت درجتهم أو كانت جهة الأب أقرب إلى الطفل وأما إذا كانت جهة الأم أقرب وقرابة الأب أبعد كأم الأم وأم أب الأب وكخالة الطفل وعمة أبيه فقد تقابل الترجيحان ولكن يقدم الأقرب إلى الطفل لقوة شفقته وحنوه على شفقة الأبعد ومن قدم قرابة الأب فإنما يقدمها مع مساواة قرابة الأم لها فأما إذا كانت أبعد منها قدمت قرابة الأم القريبة وإلا لزم من تقديم القرابة البعيدة لوازم باطلة لا يقول بها أحد فبهذا الضابط يمكن حصر جميع مسائل هذا الباب وجريها على القياس الشرعي واطرادها وموافقتها لأصول الشرع فأي مسألة وردت عليك أمكن أخذها من هذا الضابط مع كونه مقتضى الدليل ومع سلامته من التناقض ومناقضة قياس الأصول وبالله التوفيق .

                                يتبع
                                أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
                                وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

                                Comment

                                Working...