فصل الحضانة حق للأم وهل تحق لها الأجرة
وقوله صلى الله عليه وسلم أنت أحق به ما لم تنكحي فيه دليل على أن الحضانة حق للأم وقد اختلف الفقهاء هل هي للحاضن أم عليه ؟ على قولين في مذهب أحمد ومالك وينبني عليهما : هل لمن له الحضانة أن يسقطها فينزل عنها ؟ على قولين .
وأنه لا يجب عليه خدمة الولد أيام حضانته إلا بالأجرة إن قلنا : الحق له وإن قلنا : الحق عليه وجب خدمته مجانا .
وإن كان الحاضن فقيرا فله الأجرة على القولين . وإذا وهبت الحضانة للأب وقلنا : الحق لها لزمت الهبة ولم ترجع فيها وإن قلنا : الحق عليها فلها العود إلى طلبها .
والفرق بين هذه المسألة وبين ما لم يثبت بعد كهبة الشفعة قبل البيع حيث لا تلزم في أحد القولين أن الهبة في الحضانة قد وجد سببها فصار بمنزلة ما قد وجد وكذلك إذا وهبت المرأة نفقتها لزوجها شهرا ألزمت الهبة ولم ترجع فيها .
هذا كله كلام أصحاب مالك وتفريعهم والصحيح أن الحضانة حق لها وعليها إذا احتاج الطفل إليها ولم يوجد غيرها وإن اتفقت هي وولي الطفل على نقلها إليه جاز والمقصود أن في قوله صلى الله عليه وسلم أنت أحق به دليلا على أن الحضانة حق لها .
فصل [ هل سقوط الحضانة بالنكاح للتعليل أو للتوقيت ؟ ]
وقوله ما لم تنكحي اختلف فيه هل هو تعليل أو توقيت على قولين ينبني عليهما : ما لو تزوجت وسقطت حضانتها ثم طلقت فهل تعود الحضانة ؟
فإن قيل اللفظ تعليل عادت الحضانة بالطلاق لأن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها وعلة سقوط الحضانة التزويج فإن طلقت زالت العلة فزال حكمها وهذا قول الأكثرين منهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة .
ثم اختلفوا فيما إذا كان الطلاق رجعيا هل يعود حقها بمجرده أو يتوقف عودها على انقضاء العدة ؟ على قولين وهما في مذهب أحمد والشافعي أحدهما : تعود بمجرده وهو ظاهر مذهب الشافعي .
والثاني : لا تعود حتى تنقضي العدة وهو قول أبي حنيفة والمزني وهذا كله تفريع على أن قوله " ما لم تنكحي " تعليل وهو قول الأكثرين .
وقال مالك في المشهور من مذهبه إذا تزوجت ودخل بها لم يعد حقها من الحضانة وإن طلقت قال بعض أصحابه وهذا بناء على أن قوله " ما لم تنكحي " للتوقيت أي حقك من الحضانة موقت إلى حين نكاحك فإذا نكحت انقضى وقت الحضانة فلا تعود بعد انقضاء وقتها كما لو انقضى وقتها ببلوغ الطفل واستغنائه عنها . وقال بعض أصحابه يعود حقها إذا فارقها زوجها كقول الجمهور وهو قول المغيرة وابن أبي حازم .
قالوا : لأن المقتضي لحقها من الحضانة هو قرابتها الخاصة وإنما عارضها مانع النكاح لما يوجبه من إضاعة الطفل واشتغالها بحقوق الزوج الأجنبي منه عن مصالحه ولما فيه من تغذيته وتربيته في نعمة غير أقاربه وعليهم في ذلك منة وغضاضة فإذا انقطع النكاح بموت أو فرقة زال المانع والمقتضي قائم فترتب عليه أثره وهكذا كل من قام به من أهل الحضانة مانع منها ككفر أو رق أو فسق أو بدو فإنه لا حضانة له فإن زالت الموانع عاد حقهم من الحضانة فهكذا النكاح والفرقة .
وأما النزاع في عود الحضانة بمجرد الطلاق الرجعي أو بوقفه على انقضاء العدة فمأخذه كون الرجعية زوجة في عامة الأحكام فإنه يثبت بينهما التوارث والنفقة ويصح منها الظهار والإيلاء ويحرم أن ينكح عليها أختها أو عمتها أو خالتها أو أربعا سواها وهي زوجة فمن راعى ذلك لم تعد إليها الحضانة بمجرد الطلاق الرجعي حتى تنقضي العدة فتبين حينئذ ومن أعاد الحضانة بمجرد الطلاق قال قد عزلها عن فراشه ولم يبق لها عليه قسم ولا لها به شغل والعلة التي سقطت الحضانة لأجلها قد زالت بالطلاق وهذا هو الذي رجحه الشيخ في " المغني " وهو ظاهر كلام الخرقي فإنه قال وإذا أخذ الولد من الأم إذا تزوجت ثم طلقت رجعت على حقها من كفالته .
فصل [ هل مجرد عقد النكاح يسقط الحضانة ؟]
وقوله ما لم تنكحي اختلف فيه هل المراد به مجرد العقد أو العقد مع الدخول ؟ وفي ذلك وجهان .
أحدهما : أن بمجرد العقد تزول حضانتها وهو قول الشافعي وأبي حنيفة لأنه بالعقد يملك الزوج منافع الاستمتاع بها ويملك نفعها من حضانة الولد .
والثاني : أنها لا تزول إلا بالدخول وهو قول مالك فإن بالدخول يتحقق اشتغالها عن الحضانة والحديث يحتمل الأمرين والأشبه سقوط حضانتها بالعقد لأنها حينئذ صارت في مظنة الاشتغال عن الولد والتهيؤ للدخول وأخذها حينئذ في أسبابه وهذا قول الجمهور .
فصل اختلاف الفقهاء في سقوط الحضانة بالنكاح
واختلف الناس في سقوط الحضانة بالنكاح على أربعة أقوال .
أحدها : سقوطها به مطلقا سواء كان المحضون ذكرا أو أنثى وهذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه . قال ابن المنذر : أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم وقضى به شريح .
والقول الثاني : أنها لا تسقط بالتزويج بحال ولا فرق في الحضانة بين الأيم وذوات البعل وحكي هذا المذهب عن الحسن البصري وهو قول أبي محمد ابن حزم .
القول الثالث أن الطفل إن كان بنتا لم تسقط الحضانة بنكاح أمها وإن كان ذكرا سقطت وهذه إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله نص عليه في رواية مهنا بن يحيى الشامي فقال إذا تزوجت الأم وابنها صغير أخذ منها . قيل له والجارية مثل الصبي ؟ قال لا الجارية تكون مع أمها إلى سبع سنين . وعلى هذه الرواية فهل تكون عندها إلى سبع سنين أو إلى أن تبلغ ؟ على روايتين . قال ابن أبي موسى : وعن أحمد أن الأم أحق بحضانة البنت وإن تزوجت إلى أن تبلغ .
والقول الرابع أنها إذا تزوجت بنسيب من الطفل لم تسقط حضانتها ثم اختلف أصحاب هذا القول على ثلاثة أقوال .
أحدها : أن المشترط أن يكون الزوج نسيبا للطفل فقط وهذا ظاهر قول أصحاب أحمد .
الثاني : أنه يشترط أن يكون مع ذلك ذا رحم محرم وهو قول أصحاب أبي حنيفة .
الثالث أنه يشترط أن يكون بين الزوج وبين الطفل إيلاد بأن يكون جدا للطفل وهذا قول مالك وبعض أصحاب أحمد فهذا تحرير المذاهب في هذه المسألة .
[ حجة من أسقط الحضانة بالتزويج مطلقا ]
فأما حجة من أسقط الحضانة بالتزويج مطلقا فثلاث حجج
إحداها : حديث عمرو بن شعيب المتقدم ذكره .
الثانية اتفاق الصحابة على ذلك وقد تقدم قول الصديق لعمر هي أحق به ما لم تتزوج وموافقة عمر له على ذلك ولا مخالف لهما من الصحابة ألبتة وقضى به شريح والقضاة بعده إلى اليوم في سائر الأعصار والأمصار .
[ اعتراض ابن حزم على الأدلة السابقة ورد المصنف عليه ]
الثالثة ما رواه عبد الرزاق : حدثنا ابن جريج حدثنا أبو الزبير عن رجل صالح من أهل المدينة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال كانت امرأة من الأنصارتحت رجل من الأنصارفقتل عنها يوم أحد وله منها ولد فخطبها عم ولدها ورجل آخر إلى أبيها فأنكح الآخر فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت أنكحني أبي رجلا لا أريده وترك عم ولدي فيؤخذ مني ولدي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أباها فقال أنكحت فلانا فلانة؟ قال نعم قال " أنت الذي لا نكاح لك اذهبي فانكحي عم ولدك فلم ينكر أخذ الولد منها لما تزوجت بل أنكحها عم الولد لتبقى لها الحضانة ففيه دليل على سقوط الحضانة بالنكاح وبقائها إذا تزوجت بنسيب من الطفل . واعترض أبو محمد بن حزم على هذا الاستدلال بأن حديث عمرو بن شعيب صحيفة وحديث أبي سلمة هذا مرسل وفيه مجهول .
المدينة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال كانت امرأة من الأنصار تحت رجل من الأنصار فقتل عنها يوم أحد وله منها ولد فخطبها عم ولدها ورجل آخر إلى أبيها فأنكح الآخر فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت أنكحني أبي رجلا لا أريده وترك عم ولدي فيؤخذ مني ولدي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أباها فقال أنكحت فلانا فلانة ؟ قال نعم قال " أنت الذي لا نكاح لك اذهبي فانكحي عم ولدك فلم ينكر أخذ الولد منها لما تزوجت بل أنكحها عم الولد لتبقى لها الحضانة ففيه دليل على سقوط الحضانة بالنكاح وبقائها إذا تزوجت بنسيب من الطفل . واعترض أبو محمد بن حزم على هذا الاستدلال بأن حديث عمرو بن شعيب صحيفة وحديث أبي سلمة هذا مرسل وفيه مجهول .
وهذان الاعتراضان ضعيفان فقد بينا احتجاج الأئمة بعمرو في تصحيحهم حديثه وإذا تعارض معنا في الاحتجاج برجل قول ابن حزم وقول البخاري وأحمد وابن المديني والحميدي وإسحاق بن راهويه وأمثالهم لم يلتفت إلى سواهم .
وأما حديث أبي سلمة هذا فإن أبا سلمة من كبار التابعين وقد حكى القصة عن الأنصارية ولا ينكر لقاؤه لها فلا يتحقق الإرسال ولو تحقق فمرسل جيد له شواهد مرفوعة وموقوفة وليس الاعتماد عليه وحده وعنى بالمجهول الرجل الصالح الذي شهد له أبو الزبير بالصلاح ولا ريب أن هذه الشهادة لا تعرف به ولكن المجهول إذا عدله الراوي عنه الثقة ثبتت عدالته وإن كان واحدا على أصح القولين فإن التعديل من باب الإخبار والحكم لا من باب الشهادة ولا سيما التعديل في الرواية فإنه يكتفى فيه بالواحد ولا يزيد على أصل نصاب الرواية هذا مع أن أحد القولين إن مجرد رواية العدل عن غيره تعديل له وإن لم يصرح بالتعديل كما هو إحدى الروايتين عن أحمد وأما إذا روى عنه وصرح بتعديله فقد خرج عن الجهالة التي ترد لأجلها روايته لا سيما إذا لم يكن معروفا بالرواية عن الضعفاء والمتهمين وأبو الزبير وإن كان فيه تدليس فليس معروفا بالتدليس عن المتهمين والضعفاء بل تدليسه من جنس تدليس السلف لم يكونوا يدلسون عن متهم ولا مجروح وإنما كثر هذا النوع من التدليس في المتأخرين .
[ حجة ابن حزم على عدم سقوط الحضانة بالتزويج ]
واحتج أبو محمد على قوله بما رواه من طريق البخاري عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس له خادم فأخذ أبو طلحة بيدي وانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أنسا غلام كيس فليخدمك . قال فخدمته في السفر والحضر وذكر الخبر .
قال أبو محمد : فهذا أنس في حضانة أمه ولها زوج وهو أبو طلحة بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الاحتجاج في غاية السقوط والخبر في غاية الصحة فإن أحدا من أقارب أنس لم ينازع أمه فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو طفل صغير لم يثغر ولم يأكل وحده ولم يشرب وحده ولم يميز وأمه مزوجة فحكم به لأمه وإنما يتم الاستدلال بهذه المقدمات كلها والنبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان لأنس من العمر عشر سنين فكان عند أمه فلما تزوجت أبا طلحة لم يأت أحد من أقارب أنس ينازعها في ولدها ويقول قد تزوجت فلا حضانة لك وأنا أطلب انتزاعه منك ولا ريب أنه لا يحرم على المرأة المزوجة حضانة ابنها إذا اتفقت هي والزوج وأقارب الطفل على ذلك ولا ريب أنه لا يجب بل لا يجوز أن يفرق بين الأم وولدها إذا تزوجت من غير أن يخاصمها من له الحضانة ويطلب انتزاع الولد فالاحتجاج بهذه القصة من أبعد الاحتجاج وأبرده .
ونظير هذا أيضا احتجاجهم بأن أم سلمة لما تزوجت برسول الله صلى الله عليه وسلم لم تسقط كفالتها لابنها بل استمرت على حضانتها فيا عجبا من الذي نازع أم سلمة في ولدها ورغب عن أن يكون في حجر النبي صلى الله عليه وسلم .
واحتج لهذا القول أيضا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بابنة حمزة لخالتها وهي مزوجة بجعفر فلا ريب أن للناس في قصة ابنة حمزة ثلاث مآخذ . أحدها : أن النكاح لا يسقط الحضانة .
الثاني : أن المحضونة إذا كانت بنتا فنكاح أمها لا يسقط حضانتها ويسقطها إذا كان ذكرا .
الثالث أن الزوج إذا كان نسيبا من الطفل لم تسقط حضانتها وإلا سقطت فالاحتجاج بالقصة على أن النكاح لا يسقط الحضانة مطلقا لا يتم إلا بعد إبطال ذينك الاحتمالين الآخرين .
فصل
وقضاؤه صلى الله عليه وسلم بالولد لأمه وقوله أنت أحق به ما لم تنكحي لا يستفاد منه عموم القضاء لكل أم حتى يقضي به للأم . وإن كانت كافرة أو رقيقة أو فاسقة أو مسافرة فلا يصح الاحتجاج به على ذلك ولا نفيه فإذا دل دليل منفصل على اعتبار الإسلام والحرية والديانة والإقامة لم يكن ذلك تخصيصا ولا مخالفة لظاهر الحديث .
[ شروط الحاضن الاتفاق في الدين ]
وقد اشترط في الحاضن ستة شروط اتفاقهما في الدين فلا حضانة لكافر على مسلم لوجهين .
أحدهما : أن الحاضن حريص على تربية الطفل على دينه وأن ينشأ عليه ويتربى عليه فيصعب بعد كبره وعقله انتقاله عنه وقد يغيره عن فطرة الله التي فطر عليها عباده فلا يراجعها أبدا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه . فلا يؤمن تهويد الحاضن وتنصيره للطفل المسلم .
فإن قيل الحديث إنما جاء في الأبوين خاصة .
قيل الحديث خرج مخرج الغالب إذ الغالب المعتاد نشوء الطفل بين أبويه فإن فقد الأبوان أو أحدهما قام ولي الطفل من أقاربه مقامهما .
[ حجة من أثبت الحضانة للكافرة على الولد المسلم ]
الوجه الثاني : أن الله سبحانه قطع الموالاة بين المسلمين والكفار وجعل المسلمين بعضهم أولياء بعض والكفار بعضهم من بعض والحضانة من أقوى أسباب الموالاة التي قطعها الله بين الفريقين . وقال أهل الرأي وابن القاسم وأبو ثور : تثبت الحضانة لها مع كفرها وإسلام الولد واحتجوا بما روى النسائي في سننه من حديث عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن جده رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ابنتي وهي فطيم أو يشبهه وقال رافع ابنتي فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اقعد ناحية " وقال لها : " اقعدي ناحية " وقال لهما : " ادعواها " فمالت الصبية إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم اهدها " فمالت إلى أبيها فأخذها
قالوا : ولأن الحضانة لأمرين الرضاع وخدمة الطفل وكلاهما يجوز من الكافرة .
[ رد المسقطين لحق الحضانة للكافرة على المثبتين ]
قال الآخرون هذا الحديث من رواية عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري الأوسي وقد ضعفه إمام العلل يحيى بن سعيد القطان وكان سفيان الثوري يحمل عليه وضعف ابن المنذر الحديث وضعفه غيره وقد اضطرب في القصة فروى أن المخير كان بنتا وروى أنه كان ابنا . وقال الشيخ في " المغني " : وأما الحديث فقد روي على غير هذا الوجه ولا يثبته أهل النقل . وفي إسناده مقال قاله ابن المنذر .
ثم إن الحديث قد يحتج به على صحة مذهب من اشترط الإسلام فإن الصبية لما مالت إلى أمها دعا النبي صلى الله عليه وسلم لها بالهداية فمالت إلى أبيها وهذا يدل على أن كونها مع الكافر خلاف هدى الله الذي أراده من عباده ولو استقر جعلها مع أمها لكان فيه حجة بل أبطله الله سبحانه بدعوة رسوله .
[ اشتراط الخلو من الفسق في الحضانة ]
ومن العجب أنهم يقولون لا حضانة للفاسق فأي فسق أكبر من الكفر ؟ وأين الضرر المتوقع من الفاسق بنشوء الطفل على طريقته إلى الضرر المتوقع من الكافر مع أن الصواب أنه لا تشترط العدالة في الحاضن قطعا وإن شرطها أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم واشتراطها في غاية البعد . ولو اشترط في الحاضن العدالة لضاع أطفال العالم ولعظمت المشقة على الأمة واشتد العنت ولم يزل من حين قام الإسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال الفساق بينهم لا يتعرض لهم أحد في الدنيا مع كونهم الأكثرين .
ومتى وقع في الإسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما بفسقه ؟ وهذا في الحرج والعسر - واستمرار العمل المتصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه - بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النكاح فإنه دائم الوقوع في الأمصار والأعصار والقرى والبوادي مع أن أكثر الأولياء الذين يلون ذلك فساق ولم يزل الفسق في الناس ولم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة فاسقا من تربية ابنه وحضانته له ولا من تزويجه موليته والعادة شاهدة بأن الرجل ولو كان من الفساق فإنه يحتاط لابنته ولا يضيعها ويحرص على الخير لها بجهده وإن قدر خلاف ذلك فهو قليل بالنسبة إلى المعتاد والشارع يكتفي في ذلك بالباعث الطبيعي ولو كان الفاسق مسلوب الحضانة وولاية النكاح لكان بيان هذا للأمة من أهم الأمور واعتناء الأمة بنقله وتوارث العمل به مقدما على كثير مما نقلوه وتوارثوا العمل به فكيف يجوز عليهم تضييعه واتصال العمل بخلافه .
ولو كان الفسق ينافي الحضانة لكان من زنى أو شرب خمرا أو أتى كبيرة فرق بينه وبين أولاده الصغار والتمس لهم غيره والله أعلم .
[ اشتراط العقل في الحاضن ]
نعم العقل مشترط في الحضانة فلا حضانة لمجنون ولا معتوه ولا طفل لأن هؤلاء يحتاجون إلى من يحضنهم ويكفلهم فكيف يكونون كافلين لغيرهم .
[ الحرية ]
وأما اشتراط الحرية فلا ينتهض عليه دليل يركن القلب إليه وقد اشترطه أصحاب الأئمة الثلاثة . وقال مالك في حر له ولد من أمة إن الأم أحق به إلا أن تباع فتنتقل فيكون الأب أحق بها وهذا هو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا توله والدة عن ولدها وقال من فرق بين الوالدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة
وقد قالوا : لا يجوز التفريق في البيع بين الأم وولدها الصغير فكيف يفرقون بينهما في الحضانة ؟ وعموم الأحاديث تمنع من التفريق مطلقا في الحضانة والبيع واستدلالهم بكون منافعها مملوكة للسيد فهي مستغرقة في خدمته فلا تفرغ لحضانة الولد ممنوع بل حق الحضانة لها تقدم به في أوقات حاجة الولد على حق السيد كما في البيع سواء . وأما اشتراط خلوها من النكاح فقد تقدم .
[ الخلو من النكاح ]
وهاهنا مسألة ينبغي التنبيه عليها وهي أنا إذا أسقطنا حقها من الحضانة بالنكاح ونقلناها إلى غيرها فاتفق أنه لم يكن له سواها لم يسقط حقها من الحضانة وهي أحق به من الأجنبي الذي يدفعه القاضي إليه وتربيته في حجر أمه ورأيه أصلح من تربيته في بيت أجنبي محض لا قرابة بينهما توجب شفقته ورحمته وحنوه ومن المحال أن تأتي الشريعة بدفع مفسدة بمفسدة أعظم منها بكثير والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم حكما عاما كليا : أن كل امرأة تزوجت سقطت حضانتها في جميع الأحوال حتى يكون إثبات الحضانة للأم في هذه الحالة مخالفة للنص .
[ اتحاد الدار شرط من شروط الحاضن ]
وأما اتحاد الدار فإن كان سفر أحدهما لحاجة ثم يعود والآخر مقيم فهو أحق به لأن السفر بالولد الطفل ولا سيما إن كان رضيعا إضرار به وتضييع له هكذا أطلقوه ولم يستثنوا سفر الحج من غيره وإن كان أحدهما منتقلا عن بلد الآخر للإقامة والبلد وطريقه مخوفان أو أحدهما فالمقيم أحق وإن كان هو وطريقه آمنين ففيه قولان وهما روايتان عن أحمد إحداهما : أن الحضانة للأب ليتمكن من تربية الولد وتأديبه وتعليمه وهو قول مالك والشافعي وقضى به شريح .
والثانية أن الأم أحق . وفيها قول ثالث أن المنتقل إن كان هو الأب فالأم أحق وإن كان الأم فإن انتقلت إلى البلد الذي كان فيه أصل النكاح فهي أحق به وإن انتقلت إلى غيره فالأب أحق وهو قول الحنفية . وحكوا عن أبي حنيفة رواية أخرى : أن نقلها إن كان من بلد إلى قرية فالأب أحق وإن كان من بلد إلى بلد فهي أحق وهذه أقوال كلها كما ترى لا يقوم عليها دليل يسكن القلب إليه فالصواب النظر والاحتياط للطفل في الأصلح له والأنفع من الإقامة أو النقلة فأيهما كان أنفع له وأصون وأحفظ روعي ولا تأثير لإقامة ولا نقلة هذا كله ما لم يرد أحدهما بالنقلة مضارة الآخر وانتزاع الولد منه . فإن أراد ذلك لم يجب إليه والله الموفق .
فصل [ قول من اشترط لسقوط الحضانة مع عقد النكاح والدخول حكم الحاكم ]
وقوله أنت أحق به ما لم تنكحي قيل فيه إضمار تقديره ما لم تنكحي ويدخل بك الزوج ويحكم الحاكم بسقوط الحضانة . وهذا تعسف بعيد لا يشعر به اللفظ ولا يدل عليه بوجه ولا هو من دلالة الاقتضاء التي تتوقف صحة المعنى عليها والدخول داخل في قوله " تنكحي " عند من اعتبره فهو كقوله حتى تنكح زوجا غيره ومن لم يعتبره فالمراد بالنكاح عنده العقد .
وأما حكم الحاكم بسقوط الحضانة فذاك إنما يحتاج إليه عند التنازع والخصومة بين المتنازعين فيكون منفذا لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقف سقوط الحضانة على حكمه بل قد حكم هو بسقوطها حكم به الحكام بعده أو لم يحكموا . والذي دل عليه هذا الحكم النبوي أن الأم أحق بالطفل ما لم يوجد منها النكاح فإذا نكحت زال ذلك الاستحقاق وانتقل الحق إلى غيرها . فأما إذا طلبه من له الحق وجب على خصمه أن يبذله له فإن امتنع أجبره الحاكم عليه وإن أسقط حقه أو لم يطالب به بقي على ما كان عليه أولا فهذه قاعدة عامة مستفادة من غير هذا الحديث .
فصل [ اختلاف الفقهاء في التخيير بين الأبوين ]
وقد احتج من لا يرى التخيير بين الأبوين بظاهر هذا الحديث ووجه الاستدلال أنه قال أنت أحق به ولو خير الطفل لم تكن هي أحق به إلا إذا اختارها كما أن الأب لا يكون أحق به إلا إذا اختاره فإن قدر أنت أحق به إن اختارك . قدر ذلك في جانب الأب والنبي صلى الله عليه وسلم جعلها أحق به مطلقا عند المنازعة وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك . ونحن نذكر هذه المسألة ومذاهب الناس فيها والاحتجاج لأقوالهم ونرجح ما وافق حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم منها .
أبي حنيفة ومالك . ونحن نذكر هذه المسألة ومذاهب الناس فيها والاحتجاج لأقوالهم ونرجح ما وافق حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم منها .
ذكر قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه
ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال طلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأته فذكر الأثر المتقدم وقال فيه ريحها وفراشها خير له منك حتى يشب ويختار لنفسه فحكم به لأمه حين لم يكن له تمييز إلى أن يشب ويميز ويخير حينئذ .
ذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه
قال الشافعي : حدثنا ابن عيينة عن يزيد بن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر عن عبد الرحمن بن غنم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه . خير غلاما بين أبيه وأمه
وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال خير عمر رضي الله عنه غلاما ما بين أبيه وأمه فاختار أمه فانطلقت به . وذكر عبد الرزاق أيضا : عن معمر عن أيوب عن إسماعيل بن عبيد الله عن عبد الرحمن بن غنم قال اختصم إلى عمر بن الخطاب في غلام فقال هو مع أمه حتى يعرب عنه لسانه ليختار . وذكر سعيد بن منصور عن هشيم عن خالد عن الوليد بن مسلم قال اختصموا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في يتيم فخيره فاختار أمه على عمه فقال عمر إن لطف أمك خير من خصب عمك
ذكر قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه
قال الشافعي رحمه الله تعالى : أنبأنا ابن عيينة عن يونس بن عبد الله الجرمي عن عمارة الجرمي قال خيرني علي بين أمي وعمي ثم قال لأخ لي أصغر مني : وهذا أيضا لو بلغ مبلغ هذا لخيرته
قال الشافعي رحمه الله قال إبراهيم عن يونس عن عمارة عن علي مثله قال في الحديث وكنت ابن سبع سنين أو ثمان سنين . قال يحيى القطان : حدثنا يونس بن عبد الله الجرمي حدثني عمارة بن رويبة أنه تخاصمت فيه أمه وعمه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال فخيرني علي ثلاثا كلهن أختار أمي ومعي أخ لي صغير فقال علي هذا إذا بلغ مبلغ هذا خير
ذكر قول أبي هريرة رضي الله عنه
قال أبو خيثمة زهير بن حرب : حدثنا سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد عن هلال بن أبي ميمونة قال شهدت أبا هريرة خير غلاما بين أبيه وأمه وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه
[ مذهب ابن راهويه في التخيير ]
فهذا ما ظفرت به عن الصحابة . وأما الأئمة فقال حرب بن إسماعيل : سألت إسحاق بن راهويه إلى متى يكون الصبي والصبية مع الأم إذا طلقت ؟
قال أحب إلي أن يكون مع الأم إلى سبع سنين ثم يخير . قلت له أترى التخيير ؟ قال شديدا . قلت : فأقل من سبع سنين لا يخير ؟ قال قد قال بعضهم إلى خمس وأنا أحب إلي سبع .
[ مذهب أحمد ]
وأما مذهب الإمام أحمد فإما أن يكون الطفل ذكرا أو أنثى فإن كان ذكرا فإما أن يكون ابن سبع أو دونها فإن كان له دون السبع فأمه أحق بحضانته من غير تخيير وإن كان له سبع ففيه ثلاث روايات .
إحداها - وهي الصحيحة المشهورة من مذهبه - أنه يخير وهي اختيار أصحابه فإن لم يختر واحدا منهما أقرع بينهما وكان لمن قرع وإذا اختار أحدهما ثم عاد فاختار الآخر نقل إليه وهكذا أبدا .
والثانية أن الأب أحق به من غير تخيير . والثالثة أن الأم أحق به كما قبل السبع . وأما إذا كان أنثى فإن كان لها دون سبع سنين فأمها أحق بها من غير تخيير وإن بلغت سبعا فالمشهور من مذهبه أن الأم أحق بها إلى تسع سنين فإذا بلغت تسعا فالأب أحق بها من غير تخيير .
وعنه رواية رابعة أن الأم أحق بها حتى تبلغ ولو تزوجت الأم .
وعنه رواية خامسة أنها تخير بعد السبع كالغلام نص عليها وأكثر أصحابه إنما حكوا ذلك وجها في المذهب هذا تلخيص مذهبه وتحريره .
[ مذهب الشافعي ]
وقال الشافعي : الأم أحق بالطفل ذكرا كان أو أنثى إلى أن يبلغا سبع سنين فإذا بلغا سبعا وهما يعقلان عقل مثلهما خير كل منهما بين أبيه وأمه وكان مع من اختار .
[ مذهب مالك وأبي حنيفة ]
وقال مالك وأبو حنيفة لا تخيير بحال ثم اختلفا
فقال أبو حنيفة الأم أحق بالجارية حتى تبلغ وبالغلام حتى يأكل وحده ويشرب وحده ويلبس وحده ثم يكونان عند الأب ومن سوى الأبوين أحق بهما حتى يستغنيا ولا يعتبر البلوغ
وقال مالك الأم أحق بالولد ذكرا كان أو أنثى حثى يثغر هذه رواية ابن وهب وروى ابن القاسم : حتى يبلغ ولا يخير بحال .
[ مذهب الليث ]
وقال الليث بن سعد : الأم أحق بالابن حتى يبلغ ثمان سنين وبالبنت حتى تبلغ ثم الأب أحق بهما بعد ذلك .
[ مذهب الحسن بن حي ]
وقال الحسن بن حي الأم أولى بالبنت حتى يكعب ثدياها وبالغلام حتى ييفع فيخيران بعد ذلك بين أبويهما الذكر والأنثى سواء .
افتراضي
[ مذهب من قال بالتخيير في الغلام دون الجارية ]
قال المخيرون في الغلام دون الجارية قد ثبت التخيير عن النبي صلى الله عليه وسلم في الغلام من حديث أبي هريرة : وثبت عن الخلفاء الراشدين وأبي هريرة ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة ألبتة ولا أنكره منكر .
قالوا : وهذا غاية في العدل الممكن فإن الأم إنما قدمت في حال الصغر لحاجة الولد إلى التربية والحمل والرضاع والمداراة التي لا تتهيأ لغير النساء وإلا فالأم أحد الأبوين فكيف تقدم عليه ؟ فإذا بلغ الغلام حدا يعرب فيه عن نفسه ويستغني عن الحمل والوضع وما تعانيه النساء تساوى الأبوان وزال السبب الموجب لتقديم الأم والأبوان متساويان فيه فلا يقدم أحدهما إلا بمرجح والمرجح إما من خارج وهو القرعة وإما من جهة الولد وهو اختياره وقد جاءت السنة بهذا وهذا وقد جمعهما حديث أبي هريرة فاعتبرناهما جميعا ولم ندفع أحدهما بالآخر .
وقدمنا ما قدمه النبي وأخرنا ما أخره فقدم التخيير لأن القرعة إنما يصار إليها إذا تساوت الحقوق من كل وجه ولم يبق مرجح سواها وهكذا فعلنا هاهنا قدمنا أحدهما بالاختيار فإن لم يختر أو اختارهما جميعا عدلنا إلى القرعة فهذا لو لم يكن فيه موافقة السنة لكان من أحسن الأحكام وأعدلها وأقطعها للنزاع بتراضي المتنازعين .
وفيه وجه آخر في مذهب أحمد والشافعي أنه إذا لم يختر واحدا منهما كان عند الأم بلا قرعة لأن الحضانة كانت لها وإنما ننقله عنها باختياره فإذا لم يختر بقي عندها على ما كان . فإن قيل فقد قدمتم التخيير على القرعة والحديث فيه تقديم القرعة أولا ثم التخيير وهذا أولى لأن القرعة طريق شرعي للتقديم عند تساوي المستحقين وقد تساوى الأبوان فالقياس تقديم أحدهما بالقرعة فإن أبيا القرعة لم يبق إلا اختيار الصبي فيرجح به فما بال أصحاب أحمد والشافعي قدموا التخيير على القرعة .
قيل إنما قدم التخيير لاتفاق ألفاظ الحديث عليه وعمل الخلفاء الراشدين به وأما القرعة فبعض الرواة ذكرها في الحديث وبعضهم لم يذكرها وإنما كانت في بعض طرق أبي هريرة رضي الله عنه وحده فقدم التخيير عليها فإذا تعذر القضاء بالتخيير تعينت القرعة طريقا للترجيح إذ لم يبق سواها .
[ رد المخيرين على من اقتصر بالتخيير على الغلام ]
ثم قال المخيرون للغلام والجارية روى النسائي في " سننه " والإمام أحمد في " مسنده " من حديث رافع بن سنان رضي الله عنه أنه تنازع هو وأم في ابنتهما وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقعده ناحية وأقعد المرأة ناحية وأقعد الصبية بينهما وقال " ادعواها " فمالت إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم اهدها " فمالت إلى أبيها فأخذها
قالوا : ولو لم يرد هذا الحديث لكان حديث أبي هريرة رضي الله عنه والآثار المتقدمة حجة في تخيير الأنثى لأن كون الطفل ذكرا لا تأثير له في الحكم بل هي كالذكر في قوله صلى الله عليه وسلم من وجد متاعه عند رجل قد أفلس وفي قوله من أعتق شركا له في عبد بل حديث الحضانة أولى بعدم اشتراط الذكورية فيه لأن لفظ الصبي ليس من كلام الشارع إنما الصحابي حكى القصة وأنها كانت في صبي فإذا نقح المناط تبين أنه لا تأثير لكونه ذكرا .
[ رد الحنابلة على من أجاز التخيير للذكر والأنثى ]
قالت الحنابلة : الكلام معكم في مقامين أحدهما : استدلالكم بحديث رافع والثاني : إلغاؤكم وصف الذكورية في أحاديث التخيير .
فأما الأول فالحديث قد ضعفه ابن المنذر وغيره وضعف يحيى بن سعيد والثوري عبد الحميد بن جعفر وأيضا فقد اختلف فيه على قولين . أحدهما : أن المخير كان بنتا وروي أنه كان ابنا . فقال عبد الرزاق : أخبرنا سفيان عن عثمان البتي عن عبد الحميد بن سلمة عن أبيه عن جده أن أبويه اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما مسلم والآخر كافر فتوجه إلى الكافر فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم اهده " فتوجه إلى المسلم فقضى له به
قال أبو الفرج ابن الجوزي : ورواية من روى أنه كان غلاما أصح . قالوا : ولو سلم لكم أنه كان أنثى فأنتم لا تقولون به فإن فيه أن أحدهما كان مسلما والآخر كافرا فكيف تحتجون بما لا تقولون به . قالوا : وأيضا فلو كانا مسلمين ففي الحديث أن الطفل كان فطيما وهذا قطعا دون السبع والظاهر أنه دون الخمس وأنتم لا تخيرون من له دون السبع فظهر أنه لا يمكنكم الاستدلال بحديث رافع هذا على كل تقدير . فبقي المقام الثاني وهو إلغاء وصف الذكورة في أحاديث التخيير وغيرها فنقول لا ريب أن من الأحكام ما يكفي فيها وصف الذكورة أو وصف الأنوثة قطعا ومنها ما لا يكفي فيه بل يعتبر فيه إما هذا وإما هذا فيلغى الوصف في كل حكم تعلق بالنوع الإنساني المشترك بين الأفراد ويعتبر وصف الذكورة في كل موضع كان له تأثير فيه كالشهادة والميراث والولاية في النكاح ويعتبر وصف الأنوثة في كل موضع يختص بالإناث أو يقدمن فيه على الذكور كالحضانة إذا استوى في الدرجة الذكر والأنثى قدمت الأنثى .
بقي النظر فيما نحن فيه من شأن التخيير هل لوصف الذكورة تأثير في ذلك فيلحق بالقسم الذي تعتبر فيه أو لا تأثير له فيلحق بالقسم الذي يلغى فيه ؟ ولا سبيل إلى جعلها من القسم الملغى فيه وصف الذكورة لأن التخيير هاهنا تخيير شهوة لا تخيير رأي ومصلحة ولهذا إذا اختار غير من اختاره أولا نقل إليه فلو خيرت البنت أفضى ذلك إلى أن تكون عند الأب تارة وعند الأم أخرى فإنها كلما شاءت الانتقال أجيبت إليه وذلك عكس ما شرع للإناث من لزوم البيوت وعدم البروز ولزوم الخدور وراء الأستار فلا يليق بها أن تمكن من خلاف ذلك . وإذا كان هذا الوصف معتبرا قد شهد له الشرع بالاعتبار لم يمكن إلغاؤه .
قالوا : وأيضا فإن ذلك يفضي إلى ألا يبقى الأب موكلا بحفظها ولا الأم لتنقلها بينهما وقد عرف بالعادة أن ما يتناوب الناس على حفظه ويتواكلون فيه فهو آيل إلى ضياع ومن الأمثال السائرة " لا يصلح القدر بين طباخين " .
قالوا : وأيضا فالعادة شاهدة بأن اختيار أحدهما يضعف رغبة الآخر فيه بالإحسان إليه وصيانته فإذا اختار أحدهما ثم انتقل إلى الآخر لم يبق أحدهما تام الرغبة في حفظه والإحسان إليه .
فإن قلتم فهذا بعينه موجود في الصبي ولم يمنع ذلك تخييره . قلنا : صدقتم لكن عارضه كون القلوب مجبولة على حب البنين واختيارهم على البنات فإذا اجتمع نقص الرغبة ونقص الأنوثة وكراهة البنات في الغالب ضاعت الطفلة وصارت إلى فساد يعسر تلافيه والواقع شاهد بهذا والفقه تنزيل المشروع على الواقع وسر الفرق أن البنت تحتاج من الحفظ والصيانة فوق ما يحتاج إليه الصبي ولهذا شرع في حق الإناث من الستر والخفر ما لم يشرع مثله للذكور في اللباس وإرخاء الذيل شبرا أو أكثر وجمع نفسها في الركوع والسجود دون التجافي ولا ترفع صوتها بقراءة القرآن ولا ترمل في الطواف ولا تتجرد في الإحرام عن المخيط ولا تكشف رأسها ولا تسافر وحدها هذا كله مع كبرها ومعرفتها فكيف إذا كانت في سن الصغر وضعف العقل الذي يقبل فيه الانخداع ؟ ولا ريب أن ترددها بين الأبوين مما يعود على المقصود بالإبطال أو يخل به أو ينقصه لأنها لا تستقر في مكان معين فكان الأصلح لها أن تجعل عند أحد الأبوين من غير تخيير كما قاله الجمهور مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق فتخييرها ليس منصوصا عليه ولا هو في معناه فيلحق به .
[ اختلاف الفقهاء في تعيين أحد الأبوين لمقام البنت عنده ]
ثم هاهنا حصل الاجتهاد في تعيين أحد الأبوين لمقامها عنده وأيهما أصلح لها فمالك وأبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه عينوا الأم وهو الصحيح دليلا وأحمد رحمه الله في المشهور عنه واختيار عامة أصحابه عينوا الأب .
قال من رجح الأم قد جرت العادة بأن الأب يتصرف في المعاش والخروج ولقاء الناس والأم في خدرها مقصورة في بيتها فالبنت عندها أصون وأحفظ بلا شك وعينها عليها دائما بخلاف الأب فإنه في غالب الأوقات غائب عن البنت أو في مظنة ذلك فجعلها عند أمها أصون لها وأحفظ .
قالوا : وكل مفسدة يعرض وجودها عند الأم فإنها تعرض أو أكثر منها عند الأب فإنه إذا تركها في البيت وحدها لم يأمن عليها وإن ترك عندها امرأته أو غيرها فالأم أشفق عليها وأصون لها من الأجنبية .
قالوا : وأيضا فهي محتاجة إلى تعلم ما يصلح للنساء من الغزل والقيام بمصالح البيت وهذا إنما تقوم به النساء لا الرجال فهي أحوج إلى أمها لتعلمها ما يصلح للمرأة وفي دفعها إلى أبيها تعطيل هذه المصلحة وإسلامها إلى امرأة أجنبية تعلمها ذلك وترديدها بين الأم وبينه وفي ذلك تمرين لها على البروز والخروج فمصلحة البنت والأم والأب أن تكون عند أمها وهذا القول هو الذي لا نختار سواه .
قال من رجح الأب الرجال أغير على البنات من النساء فلا تستوي غيرة الرجل على ابنته وغيرة الأم أبدا وكم من أم تساعد ابنتها على ما تهواه ويحملها على ذلك ضعف عقلها وسرعة انخداعها وضعف داعي الغيرة في طبعها بخلاف الأب ولهذا المعنى وغيره جعل الشارع تزويجها إلى أبيها دون أمها ولم يجعل لأمها ولاية على بضعها ألبتة ولا على مالها فكان من محاسن الشريعة أن تكون عند أمها ما دامت محتاجة إلى الحضانة والتربية فإذا بلغت حدا تشتهى فيه وتصلح للرجال فمن محاسن الشريعة أن تكون عند من هو أغير عليها وأحرص على مصلحتها وأصون لها من الأم .
قالوا : ونحن نرى في طبيعة الأب وغيره من الرجال من الغيرة ولو مع فسقه وفجوره ما يحمله على قتل ابنته وأخته وموليته إذا رأى منها ما يريبه لشدة الغيرة ونرى في طبيعة النساء من الانحلال والانخداع ضد ذلك قالوا : فهذا هو الغالب على النوعين ولا عبرة بما خرج عن الغالب على أنا إذا قدمنا أحد الأبوين فلا بد أن نراعي صيانته وحفظه للطفل ولهذا قال مالك والليث إذا لم تكن الأم في موضع حرز وتحصين أو كانت غير مرضية فللأب أخذ البنت منها وكذلك الإمام أحمد رحمه الله في الرواية المشهورة عنه فإنه يعتبر قدرته على الحفظ والصيانة .
فإن كان مهملا لذلك أو عاجزا عنه أو غير مرضي أو ذا دياثة والأم بخلافه فهي أحق بالبنت بلا ريب فمن قدمناه بتخيير أو قرعة أو بنفسه فإنما نقدمه إذا حصلت به مصلحة الولد ولو كانت الأم أصون من الأب وأغير منه قدمت عليه ولا التفات إلى قرعة ولا اختيار الصبي في هذه الحالة فإنه ضعيف العقل يؤثر البطالة واللعب فإذا اختار من يساعده على ذلك لم يلتفت إلى اختياره وكان عند من هو أنفع له وأخير ولا تحتمل الشريعة غير هذا والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع والله تعالى يقول يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة [ التحريم 6 ] .
وقال الحسن علموهم وأدبوهم وفقهوهم فإذا كانت الأم تتركه في المكتب وتعلمه القرآن والصبي يؤثر اللعب ومعاشرة أقرانه وأبوه يمكنه من ذلك فإنه أحق به بلا تخيير ولا قرعة وكذلك العكس ومتى أخل أحد الأبوين بأمر الله ورسوله في الصبي وعطله والآخر مراع له فهو أحق وأولى به . وسمعت شيخنا رحمه الله يقول تنازع أبوان صبيا عند بعض الحكام فخيره بينهما فاختار أباه فقالت له أمه سله لأي شيء يختار أباه فسأله فقال أمي تبعثني كل يوم للكتاب والفقيه يضربني وأبي يتركني للعب مع الصبيان فقضى به للأم . قال أنت أحق به .
قال شيخنا : وإذا ترك أحد الأبوين تعليم الصبي وأمره الذي أوجبه الله عليه فهو عاص ولا ولاية له عليه بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له بل إما أن ترفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب وإما أن يضم إليه من يقوم معه بالواجب إذ المقصود طاعة الله ورسوله بحسب الإمكان . قال شيخنا : وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم والنكاح والولاء سواء كان الوارث فاسقا أو صالحا بل هذا من جنس الولاية التي لا بد فيها من القدرة على الواجب والعلم به وفعله بحسب الإمكان . قال فلو قدر أن الأب تزوج امرأة لا تراعي مصلحة ابنته ولا تقوم بها وأمها أقوم بمصلحتها من تلك الضرة فالحضانة هنا للأم قطعا قال ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس عنه نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقا ولا تخيير الولد بين الأبوين مطلقا والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقا بل لا يقدم ذو العدوان والتفريط على البر العادل المحسن والله أعلم .
[ مذهب من قال ببطلان التخيير ]
قالت الحنفية والمالكية : الكلام معكم في مقامين أحدهما : بيان الدليل الدال على بطلان التخيير والثاني : بيان عدم الدلالة في الأحاديث التي استدللتم بها على التخيير فأما الأول فيدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم أ نت أحق به ولم يخيره
وأما المقام الثاني : فما رويتم من أحاديث التخيير مطلقة لا تقييد فيها وأنتم لا تقولون بها على إطلاقها بل قيدتم التخيير بالسبع فما فوقها وليس في شيء من الأحاديث ما يدل على ذلك ونحن نقول إذا صار للغلام اختيار معتبر خير بين أبويه وإنما يعتبر اختياره إذا اعتبر قوله وذلك بعد البلوغ وليس تقييدكم وقت التخيير بالسبع أولى من تقييدنا بالبلوغ بل الترجيح من جانبنا لأنه حينئذ يعتبر قوله ويدل عليه قولها : " وقد سقاني من بئر أبي عنبة " وهي على أميال من المدينة وغير البالغ لا يتأتى منه عادة أن يحمل الماء من هذه المسافة ويستقي من البئر سلمنا أنه ليس في الحديث ما يدل على البلوغ فليس فيه ما ينفيه والواقعة واقعة عين وليس عن الشارع نص عام في تخيير من هو دون البلوغ حتى يجب المصير إليه سلمنا أنه فيه ما ينفي البلوغ فمن أين فيه ما يقتضي التقييد بسبع كما قلتم ؟
يتبع
وقوله صلى الله عليه وسلم أنت أحق به ما لم تنكحي فيه دليل على أن الحضانة حق للأم وقد اختلف الفقهاء هل هي للحاضن أم عليه ؟ على قولين في مذهب أحمد ومالك وينبني عليهما : هل لمن له الحضانة أن يسقطها فينزل عنها ؟ على قولين .
وأنه لا يجب عليه خدمة الولد أيام حضانته إلا بالأجرة إن قلنا : الحق له وإن قلنا : الحق عليه وجب خدمته مجانا .
وإن كان الحاضن فقيرا فله الأجرة على القولين . وإذا وهبت الحضانة للأب وقلنا : الحق لها لزمت الهبة ولم ترجع فيها وإن قلنا : الحق عليها فلها العود إلى طلبها .
والفرق بين هذه المسألة وبين ما لم يثبت بعد كهبة الشفعة قبل البيع حيث لا تلزم في أحد القولين أن الهبة في الحضانة قد وجد سببها فصار بمنزلة ما قد وجد وكذلك إذا وهبت المرأة نفقتها لزوجها شهرا ألزمت الهبة ولم ترجع فيها .
هذا كله كلام أصحاب مالك وتفريعهم والصحيح أن الحضانة حق لها وعليها إذا احتاج الطفل إليها ولم يوجد غيرها وإن اتفقت هي وولي الطفل على نقلها إليه جاز والمقصود أن في قوله صلى الله عليه وسلم أنت أحق به دليلا على أن الحضانة حق لها .
فصل [ هل سقوط الحضانة بالنكاح للتعليل أو للتوقيت ؟ ]
وقوله ما لم تنكحي اختلف فيه هل هو تعليل أو توقيت على قولين ينبني عليهما : ما لو تزوجت وسقطت حضانتها ثم طلقت فهل تعود الحضانة ؟
فإن قيل اللفظ تعليل عادت الحضانة بالطلاق لأن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها وعلة سقوط الحضانة التزويج فإن طلقت زالت العلة فزال حكمها وهذا قول الأكثرين منهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة .
ثم اختلفوا فيما إذا كان الطلاق رجعيا هل يعود حقها بمجرده أو يتوقف عودها على انقضاء العدة ؟ على قولين وهما في مذهب أحمد والشافعي أحدهما : تعود بمجرده وهو ظاهر مذهب الشافعي .
والثاني : لا تعود حتى تنقضي العدة وهو قول أبي حنيفة والمزني وهذا كله تفريع على أن قوله " ما لم تنكحي " تعليل وهو قول الأكثرين .
وقال مالك في المشهور من مذهبه إذا تزوجت ودخل بها لم يعد حقها من الحضانة وإن طلقت قال بعض أصحابه وهذا بناء على أن قوله " ما لم تنكحي " للتوقيت أي حقك من الحضانة موقت إلى حين نكاحك فإذا نكحت انقضى وقت الحضانة فلا تعود بعد انقضاء وقتها كما لو انقضى وقتها ببلوغ الطفل واستغنائه عنها . وقال بعض أصحابه يعود حقها إذا فارقها زوجها كقول الجمهور وهو قول المغيرة وابن أبي حازم .
قالوا : لأن المقتضي لحقها من الحضانة هو قرابتها الخاصة وإنما عارضها مانع النكاح لما يوجبه من إضاعة الطفل واشتغالها بحقوق الزوج الأجنبي منه عن مصالحه ولما فيه من تغذيته وتربيته في نعمة غير أقاربه وعليهم في ذلك منة وغضاضة فإذا انقطع النكاح بموت أو فرقة زال المانع والمقتضي قائم فترتب عليه أثره وهكذا كل من قام به من أهل الحضانة مانع منها ككفر أو رق أو فسق أو بدو فإنه لا حضانة له فإن زالت الموانع عاد حقهم من الحضانة فهكذا النكاح والفرقة .
وأما النزاع في عود الحضانة بمجرد الطلاق الرجعي أو بوقفه على انقضاء العدة فمأخذه كون الرجعية زوجة في عامة الأحكام فإنه يثبت بينهما التوارث والنفقة ويصح منها الظهار والإيلاء ويحرم أن ينكح عليها أختها أو عمتها أو خالتها أو أربعا سواها وهي زوجة فمن راعى ذلك لم تعد إليها الحضانة بمجرد الطلاق الرجعي حتى تنقضي العدة فتبين حينئذ ومن أعاد الحضانة بمجرد الطلاق قال قد عزلها عن فراشه ولم يبق لها عليه قسم ولا لها به شغل والعلة التي سقطت الحضانة لأجلها قد زالت بالطلاق وهذا هو الذي رجحه الشيخ في " المغني " وهو ظاهر كلام الخرقي فإنه قال وإذا أخذ الولد من الأم إذا تزوجت ثم طلقت رجعت على حقها من كفالته .
فصل [ هل مجرد عقد النكاح يسقط الحضانة ؟]
وقوله ما لم تنكحي اختلف فيه هل المراد به مجرد العقد أو العقد مع الدخول ؟ وفي ذلك وجهان .
أحدهما : أن بمجرد العقد تزول حضانتها وهو قول الشافعي وأبي حنيفة لأنه بالعقد يملك الزوج منافع الاستمتاع بها ويملك نفعها من حضانة الولد .
والثاني : أنها لا تزول إلا بالدخول وهو قول مالك فإن بالدخول يتحقق اشتغالها عن الحضانة والحديث يحتمل الأمرين والأشبه سقوط حضانتها بالعقد لأنها حينئذ صارت في مظنة الاشتغال عن الولد والتهيؤ للدخول وأخذها حينئذ في أسبابه وهذا قول الجمهور .
فصل اختلاف الفقهاء في سقوط الحضانة بالنكاح
واختلف الناس في سقوط الحضانة بالنكاح على أربعة أقوال .
أحدها : سقوطها به مطلقا سواء كان المحضون ذكرا أو أنثى وهذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه . قال ابن المنذر : أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم وقضى به شريح .
والقول الثاني : أنها لا تسقط بالتزويج بحال ولا فرق في الحضانة بين الأيم وذوات البعل وحكي هذا المذهب عن الحسن البصري وهو قول أبي محمد ابن حزم .
القول الثالث أن الطفل إن كان بنتا لم تسقط الحضانة بنكاح أمها وإن كان ذكرا سقطت وهذه إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله نص عليه في رواية مهنا بن يحيى الشامي فقال إذا تزوجت الأم وابنها صغير أخذ منها . قيل له والجارية مثل الصبي ؟ قال لا الجارية تكون مع أمها إلى سبع سنين . وعلى هذه الرواية فهل تكون عندها إلى سبع سنين أو إلى أن تبلغ ؟ على روايتين . قال ابن أبي موسى : وعن أحمد أن الأم أحق بحضانة البنت وإن تزوجت إلى أن تبلغ .
والقول الرابع أنها إذا تزوجت بنسيب من الطفل لم تسقط حضانتها ثم اختلف أصحاب هذا القول على ثلاثة أقوال .
أحدها : أن المشترط أن يكون الزوج نسيبا للطفل فقط وهذا ظاهر قول أصحاب أحمد .
الثاني : أنه يشترط أن يكون مع ذلك ذا رحم محرم وهو قول أصحاب أبي حنيفة .
الثالث أنه يشترط أن يكون بين الزوج وبين الطفل إيلاد بأن يكون جدا للطفل وهذا قول مالك وبعض أصحاب أحمد فهذا تحرير المذاهب في هذه المسألة .
[ حجة من أسقط الحضانة بالتزويج مطلقا ]
فأما حجة من أسقط الحضانة بالتزويج مطلقا فثلاث حجج
إحداها : حديث عمرو بن شعيب المتقدم ذكره .
الثانية اتفاق الصحابة على ذلك وقد تقدم قول الصديق لعمر هي أحق به ما لم تتزوج وموافقة عمر له على ذلك ولا مخالف لهما من الصحابة ألبتة وقضى به شريح والقضاة بعده إلى اليوم في سائر الأعصار والأمصار .
[ اعتراض ابن حزم على الأدلة السابقة ورد المصنف عليه ]
الثالثة ما رواه عبد الرزاق : حدثنا ابن جريج حدثنا أبو الزبير عن رجل صالح من أهل المدينة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال كانت امرأة من الأنصارتحت رجل من الأنصارفقتل عنها يوم أحد وله منها ولد فخطبها عم ولدها ورجل آخر إلى أبيها فأنكح الآخر فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت أنكحني أبي رجلا لا أريده وترك عم ولدي فيؤخذ مني ولدي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أباها فقال أنكحت فلانا فلانة؟ قال نعم قال " أنت الذي لا نكاح لك اذهبي فانكحي عم ولدك فلم ينكر أخذ الولد منها لما تزوجت بل أنكحها عم الولد لتبقى لها الحضانة ففيه دليل على سقوط الحضانة بالنكاح وبقائها إذا تزوجت بنسيب من الطفل . واعترض أبو محمد بن حزم على هذا الاستدلال بأن حديث عمرو بن شعيب صحيفة وحديث أبي سلمة هذا مرسل وفيه مجهول .
المدينة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال كانت امرأة من الأنصار تحت رجل من الأنصار فقتل عنها يوم أحد وله منها ولد فخطبها عم ولدها ورجل آخر إلى أبيها فأنكح الآخر فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت أنكحني أبي رجلا لا أريده وترك عم ولدي فيؤخذ مني ولدي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أباها فقال أنكحت فلانا فلانة ؟ قال نعم قال " أنت الذي لا نكاح لك اذهبي فانكحي عم ولدك فلم ينكر أخذ الولد منها لما تزوجت بل أنكحها عم الولد لتبقى لها الحضانة ففيه دليل على سقوط الحضانة بالنكاح وبقائها إذا تزوجت بنسيب من الطفل . واعترض أبو محمد بن حزم على هذا الاستدلال بأن حديث عمرو بن شعيب صحيفة وحديث أبي سلمة هذا مرسل وفيه مجهول .
وهذان الاعتراضان ضعيفان فقد بينا احتجاج الأئمة بعمرو في تصحيحهم حديثه وإذا تعارض معنا في الاحتجاج برجل قول ابن حزم وقول البخاري وأحمد وابن المديني والحميدي وإسحاق بن راهويه وأمثالهم لم يلتفت إلى سواهم .
وأما حديث أبي سلمة هذا فإن أبا سلمة من كبار التابعين وقد حكى القصة عن الأنصارية ولا ينكر لقاؤه لها فلا يتحقق الإرسال ولو تحقق فمرسل جيد له شواهد مرفوعة وموقوفة وليس الاعتماد عليه وحده وعنى بالمجهول الرجل الصالح الذي شهد له أبو الزبير بالصلاح ولا ريب أن هذه الشهادة لا تعرف به ولكن المجهول إذا عدله الراوي عنه الثقة ثبتت عدالته وإن كان واحدا على أصح القولين فإن التعديل من باب الإخبار والحكم لا من باب الشهادة ولا سيما التعديل في الرواية فإنه يكتفى فيه بالواحد ولا يزيد على أصل نصاب الرواية هذا مع أن أحد القولين إن مجرد رواية العدل عن غيره تعديل له وإن لم يصرح بالتعديل كما هو إحدى الروايتين عن أحمد وأما إذا روى عنه وصرح بتعديله فقد خرج عن الجهالة التي ترد لأجلها روايته لا سيما إذا لم يكن معروفا بالرواية عن الضعفاء والمتهمين وأبو الزبير وإن كان فيه تدليس فليس معروفا بالتدليس عن المتهمين والضعفاء بل تدليسه من جنس تدليس السلف لم يكونوا يدلسون عن متهم ولا مجروح وإنما كثر هذا النوع من التدليس في المتأخرين .
[ حجة ابن حزم على عدم سقوط الحضانة بالتزويج ]
واحتج أبو محمد على قوله بما رواه من طريق البخاري عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس له خادم فأخذ أبو طلحة بيدي وانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أنسا غلام كيس فليخدمك . قال فخدمته في السفر والحضر وذكر الخبر .
قال أبو محمد : فهذا أنس في حضانة أمه ولها زوج وهو أبو طلحة بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الاحتجاج في غاية السقوط والخبر في غاية الصحة فإن أحدا من أقارب أنس لم ينازع أمه فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو طفل صغير لم يثغر ولم يأكل وحده ولم يشرب وحده ولم يميز وأمه مزوجة فحكم به لأمه وإنما يتم الاستدلال بهذه المقدمات كلها والنبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان لأنس من العمر عشر سنين فكان عند أمه فلما تزوجت أبا طلحة لم يأت أحد من أقارب أنس ينازعها في ولدها ويقول قد تزوجت فلا حضانة لك وأنا أطلب انتزاعه منك ولا ريب أنه لا يحرم على المرأة المزوجة حضانة ابنها إذا اتفقت هي والزوج وأقارب الطفل على ذلك ولا ريب أنه لا يجب بل لا يجوز أن يفرق بين الأم وولدها إذا تزوجت من غير أن يخاصمها من له الحضانة ويطلب انتزاع الولد فالاحتجاج بهذه القصة من أبعد الاحتجاج وأبرده .
ونظير هذا أيضا احتجاجهم بأن أم سلمة لما تزوجت برسول الله صلى الله عليه وسلم لم تسقط كفالتها لابنها بل استمرت على حضانتها فيا عجبا من الذي نازع أم سلمة في ولدها ورغب عن أن يكون في حجر النبي صلى الله عليه وسلم .
واحتج لهذا القول أيضا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بابنة حمزة لخالتها وهي مزوجة بجعفر فلا ريب أن للناس في قصة ابنة حمزة ثلاث مآخذ . أحدها : أن النكاح لا يسقط الحضانة .
الثاني : أن المحضونة إذا كانت بنتا فنكاح أمها لا يسقط حضانتها ويسقطها إذا كان ذكرا .
الثالث أن الزوج إذا كان نسيبا من الطفل لم تسقط حضانتها وإلا سقطت فالاحتجاج بالقصة على أن النكاح لا يسقط الحضانة مطلقا لا يتم إلا بعد إبطال ذينك الاحتمالين الآخرين .
فصل
وقضاؤه صلى الله عليه وسلم بالولد لأمه وقوله أنت أحق به ما لم تنكحي لا يستفاد منه عموم القضاء لكل أم حتى يقضي به للأم . وإن كانت كافرة أو رقيقة أو فاسقة أو مسافرة فلا يصح الاحتجاج به على ذلك ولا نفيه فإذا دل دليل منفصل على اعتبار الإسلام والحرية والديانة والإقامة لم يكن ذلك تخصيصا ولا مخالفة لظاهر الحديث .
[ شروط الحاضن الاتفاق في الدين ]
وقد اشترط في الحاضن ستة شروط اتفاقهما في الدين فلا حضانة لكافر على مسلم لوجهين .
أحدهما : أن الحاضن حريص على تربية الطفل على دينه وأن ينشأ عليه ويتربى عليه فيصعب بعد كبره وعقله انتقاله عنه وقد يغيره عن فطرة الله التي فطر عليها عباده فلا يراجعها أبدا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه . فلا يؤمن تهويد الحاضن وتنصيره للطفل المسلم .
فإن قيل الحديث إنما جاء في الأبوين خاصة .
قيل الحديث خرج مخرج الغالب إذ الغالب المعتاد نشوء الطفل بين أبويه فإن فقد الأبوان أو أحدهما قام ولي الطفل من أقاربه مقامهما .
[ حجة من أثبت الحضانة للكافرة على الولد المسلم ]
الوجه الثاني : أن الله سبحانه قطع الموالاة بين المسلمين والكفار وجعل المسلمين بعضهم أولياء بعض والكفار بعضهم من بعض والحضانة من أقوى أسباب الموالاة التي قطعها الله بين الفريقين . وقال أهل الرأي وابن القاسم وأبو ثور : تثبت الحضانة لها مع كفرها وإسلام الولد واحتجوا بما روى النسائي في سننه من حديث عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن جده رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ابنتي وهي فطيم أو يشبهه وقال رافع ابنتي فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اقعد ناحية " وقال لها : " اقعدي ناحية " وقال لهما : " ادعواها " فمالت الصبية إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم اهدها " فمالت إلى أبيها فأخذها
قالوا : ولأن الحضانة لأمرين الرضاع وخدمة الطفل وكلاهما يجوز من الكافرة .
[ رد المسقطين لحق الحضانة للكافرة على المثبتين ]
قال الآخرون هذا الحديث من رواية عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري الأوسي وقد ضعفه إمام العلل يحيى بن سعيد القطان وكان سفيان الثوري يحمل عليه وضعف ابن المنذر الحديث وضعفه غيره وقد اضطرب في القصة فروى أن المخير كان بنتا وروى أنه كان ابنا . وقال الشيخ في " المغني " : وأما الحديث فقد روي على غير هذا الوجه ولا يثبته أهل النقل . وفي إسناده مقال قاله ابن المنذر .
ثم إن الحديث قد يحتج به على صحة مذهب من اشترط الإسلام فإن الصبية لما مالت إلى أمها دعا النبي صلى الله عليه وسلم لها بالهداية فمالت إلى أبيها وهذا يدل على أن كونها مع الكافر خلاف هدى الله الذي أراده من عباده ولو استقر جعلها مع أمها لكان فيه حجة بل أبطله الله سبحانه بدعوة رسوله .
[ اشتراط الخلو من الفسق في الحضانة ]
ومن العجب أنهم يقولون لا حضانة للفاسق فأي فسق أكبر من الكفر ؟ وأين الضرر المتوقع من الفاسق بنشوء الطفل على طريقته إلى الضرر المتوقع من الكافر مع أن الصواب أنه لا تشترط العدالة في الحاضن قطعا وإن شرطها أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم واشتراطها في غاية البعد . ولو اشترط في الحاضن العدالة لضاع أطفال العالم ولعظمت المشقة على الأمة واشتد العنت ولم يزل من حين قام الإسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال الفساق بينهم لا يتعرض لهم أحد في الدنيا مع كونهم الأكثرين .
ومتى وقع في الإسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما بفسقه ؟ وهذا في الحرج والعسر - واستمرار العمل المتصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه - بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النكاح فإنه دائم الوقوع في الأمصار والأعصار والقرى والبوادي مع أن أكثر الأولياء الذين يلون ذلك فساق ولم يزل الفسق في الناس ولم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة فاسقا من تربية ابنه وحضانته له ولا من تزويجه موليته والعادة شاهدة بأن الرجل ولو كان من الفساق فإنه يحتاط لابنته ولا يضيعها ويحرص على الخير لها بجهده وإن قدر خلاف ذلك فهو قليل بالنسبة إلى المعتاد والشارع يكتفي في ذلك بالباعث الطبيعي ولو كان الفاسق مسلوب الحضانة وولاية النكاح لكان بيان هذا للأمة من أهم الأمور واعتناء الأمة بنقله وتوارث العمل به مقدما على كثير مما نقلوه وتوارثوا العمل به فكيف يجوز عليهم تضييعه واتصال العمل بخلافه .
ولو كان الفسق ينافي الحضانة لكان من زنى أو شرب خمرا أو أتى كبيرة فرق بينه وبين أولاده الصغار والتمس لهم غيره والله أعلم .
[ اشتراط العقل في الحاضن ]
نعم العقل مشترط في الحضانة فلا حضانة لمجنون ولا معتوه ولا طفل لأن هؤلاء يحتاجون إلى من يحضنهم ويكفلهم فكيف يكونون كافلين لغيرهم .
[ الحرية ]
وأما اشتراط الحرية فلا ينتهض عليه دليل يركن القلب إليه وقد اشترطه أصحاب الأئمة الثلاثة . وقال مالك في حر له ولد من أمة إن الأم أحق به إلا أن تباع فتنتقل فيكون الأب أحق بها وهذا هو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا توله والدة عن ولدها وقال من فرق بين الوالدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة
وقد قالوا : لا يجوز التفريق في البيع بين الأم وولدها الصغير فكيف يفرقون بينهما في الحضانة ؟ وعموم الأحاديث تمنع من التفريق مطلقا في الحضانة والبيع واستدلالهم بكون منافعها مملوكة للسيد فهي مستغرقة في خدمته فلا تفرغ لحضانة الولد ممنوع بل حق الحضانة لها تقدم به في أوقات حاجة الولد على حق السيد كما في البيع سواء . وأما اشتراط خلوها من النكاح فقد تقدم .
[ الخلو من النكاح ]
وهاهنا مسألة ينبغي التنبيه عليها وهي أنا إذا أسقطنا حقها من الحضانة بالنكاح ونقلناها إلى غيرها فاتفق أنه لم يكن له سواها لم يسقط حقها من الحضانة وهي أحق به من الأجنبي الذي يدفعه القاضي إليه وتربيته في حجر أمه ورأيه أصلح من تربيته في بيت أجنبي محض لا قرابة بينهما توجب شفقته ورحمته وحنوه ومن المحال أن تأتي الشريعة بدفع مفسدة بمفسدة أعظم منها بكثير والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم حكما عاما كليا : أن كل امرأة تزوجت سقطت حضانتها في جميع الأحوال حتى يكون إثبات الحضانة للأم في هذه الحالة مخالفة للنص .
[ اتحاد الدار شرط من شروط الحاضن ]
وأما اتحاد الدار فإن كان سفر أحدهما لحاجة ثم يعود والآخر مقيم فهو أحق به لأن السفر بالولد الطفل ولا سيما إن كان رضيعا إضرار به وتضييع له هكذا أطلقوه ولم يستثنوا سفر الحج من غيره وإن كان أحدهما منتقلا عن بلد الآخر للإقامة والبلد وطريقه مخوفان أو أحدهما فالمقيم أحق وإن كان هو وطريقه آمنين ففيه قولان وهما روايتان عن أحمد إحداهما : أن الحضانة للأب ليتمكن من تربية الولد وتأديبه وتعليمه وهو قول مالك والشافعي وقضى به شريح .
والثانية أن الأم أحق . وفيها قول ثالث أن المنتقل إن كان هو الأب فالأم أحق وإن كان الأم فإن انتقلت إلى البلد الذي كان فيه أصل النكاح فهي أحق به وإن انتقلت إلى غيره فالأب أحق وهو قول الحنفية . وحكوا عن أبي حنيفة رواية أخرى : أن نقلها إن كان من بلد إلى قرية فالأب أحق وإن كان من بلد إلى بلد فهي أحق وهذه أقوال كلها كما ترى لا يقوم عليها دليل يسكن القلب إليه فالصواب النظر والاحتياط للطفل في الأصلح له والأنفع من الإقامة أو النقلة فأيهما كان أنفع له وأصون وأحفظ روعي ولا تأثير لإقامة ولا نقلة هذا كله ما لم يرد أحدهما بالنقلة مضارة الآخر وانتزاع الولد منه . فإن أراد ذلك لم يجب إليه والله الموفق .
فصل [ قول من اشترط لسقوط الحضانة مع عقد النكاح والدخول حكم الحاكم ]
وقوله أنت أحق به ما لم تنكحي قيل فيه إضمار تقديره ما لم تنكحي ويدخل بك الزوج ويحكم الحاكم بسقوط الحضانة . وهذا تعسف بعيد لا يشعر به اللفظ ولا يدل عليه بوجه ولا هو من دلالة الاقتضاء التي تتوقف صحة المعنى عليها والدخول داخل في قوله " تنكحي " عند من اعتبره فهو كقوله حتى تنكح زوجا غيره ومن لم يعتبره فالمراد بالنكاح عنده العقد .
وأما حكم الحاكم بسقوط الحضانة فذاك إنما يحتاج إليه عند التنازع والخصومة بين المتنازعين فيكون منفذا لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقف سقوط الحضانة على حكمه بل قد حكم هو بسقوطها حكم به الحكام بعده أو لم يحكموا . والذي دل عليه هذا الحكم النبوي أن الأم أحق بالطفل ما لم يوجد منها النكاح فإذا نكحت زال ذلك الاستحقاق وانتقل الحق إلى غيرها . فأما إذا طلبه من له الحق وجب على خصمه أن يبذله له فإن امتنع أجبره الحاكم عليه وإن أسقط حقه أو لم يطالب به بقي على ما كان عليه أولا فهذه قاعدة عامة مستفادة من غير هذا الحديث .
فصل [ اختلاف الفقهاء في التخيير بين الأبوين ]
وقد احتج من لا يرى التخيير بين الأبوين بظاهر هذا الحديث ووجه الاستدلال أنه قال أنت أحق به ولو خير الطفل لم تكن هي أحق به إلا إذا اختارها كما أن الأب لا يكون أحق به إلا إذا اختاره فإن قدر أنت أحق به إن اختارك . قدر ذلك في جانب الأب والنبي صلى الله عليه وسلم جعلها أحق به مطلقا عند المنازعة وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك . ونحن نذكر هذه المسألة ومذاهب الناس فيها والاحتجاج لأقوالهم ونرجح ما وافق حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم منها .
أبي حنيفة ومالك . ونحن نذكر هذه المسألة ومذاهب الناس فيها والاحتجاج لأقوالهم ونرجح ما وافق حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم منها .
ذكر قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه
ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال طلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأته فذكر الأثر المتقدم وقال فيه ريحها وفراشها خير له منك حتى يشب ويختار لنفسه فحكم به لأمه حين لم يكن له تمييز إلى أن يشب ويميز ويخير حينئذ .
ذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه
قال الشافعي : حدثنا ابن عيينة عن يزيد بن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر عن عبد الرحمن بن غنم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه . خير غلاما بين أبيه وأمه
وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال خير عمر رضي الله عنه غلاما ما بين أبيه وأمه فاختار أمه فانطلقت به . وذكر عبد الرزاق أيضا : عن معمر عن أيوب عن إسماعيل بن عبيد الله عن عبد الرحمن بن غنم قال اختصم إلى عمر بن الخطاب في غلام فقال هو مع أمه حتى يعرب عنه لسانه ليختار . وذكر سعيد بن منصور عن هشيم عن خالد عن الوليد بن مسلم قال اختصموا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في يتيم فخيره فاختار أمه على عمه فقال عمر إن لطف أمك خير من خصب عمك
ذكر قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه
قال الشافعي رحمه الله تعالى : أنبأنا ابن عيينة عن يونس بن عبد الله الجرمي عن عمارة الجرمي قال خيرني علي بين أمي وعمي ثم قال لأخ لي أصغر مني : وهذا أيضا لو بلغ مبلغ هذا لخيرته
قال الشافعي رحمه الله قال إبراهيم عن يونس عن عمارة عن علي مثله قال في الحديث وكنت ابن سبع سنين أو ثمان سنين . قال يحيى القطان : حدثنا يونس بن عبد الله الجرمي حدثني عمارة بن رويبة أنه تخاصمت فيه أمه وعمه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال فخيرني علي ثلاثا كلهن أختار أمي ومعي أخ لي صغير فقال علي هذا إذا بلغ مبلغ هذا خير
ذكر قول أبي هريرة رضي الله عنه
قال أبو خيثمة زهير بن حرب : حدثنا سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد عن هلال بن أبي ميمونة قال شهدت أبا هريرة خير غلاما بين أبيه وأمه وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه
[ مذهب ابن راهويه في التخيير ]
فهذا ما ظفرت به عن الصحابة . وأما الأئمة فقال حرب بن إسماعيل : سألت إسحاق بن راهويه إلى متى يكون الصبي والصبية مع الأم إذا طلقت ؟
قال أحب إلي أن يكون مع الأم إلى سبع سنين ثم يخير . قلت له أترى التخيير ؟ قال شديدا . قلت : فأقل من سبع سنين لا يخير ؟ قال قد قال بعضهم إلى خمس وأنا أحب إلي سبع .
[ مذهب أحمد ]
وأما مذهب الإمام أحمد فإما أن يكون الطفل ذكرا أو أنثى فإن كان ذكرا فإما أن يكون ابن سبع أو دونها فإن كان له دون السبع فأمه أحق بحضانته من غير تخيير وإن كان له سبع ففيه ثلاث روايات .
إحداها - وهي الصحيحة المشهورة من مذهبه - أنه يخير وهي اختيار أصحابه فإن لم يختر واحدا منهما أقرع بينهما وكان لمن قرع وإذا اختار أحدهما ثم عاد فاختار الآخر نقل إليه وهكذا أبدا .
والثانية أن الأب أحق به من غير تخيير . والثالثة أن الأم أحق به كما قبل السبع . وأما إذا كان أنثى فإن كان لها دون سبع سنين فأمها أحق بها من غير تخيير وإن بلغت سبعا فالمشهور من مذهبه أن الأم أحق بها إلى تسع سنين فإذا بلغت تسعا فالأب أحق بها من غير تخيير .
وعنه رواية رابعة أن الأم أحق بها حتى تبلغ ولو تزوجت الأم .
وعنه رواية خامسة أنها تخير بعد السبع كالغلام نص عليها وأكثر أصحابه إنما حكوا ذلك وجها في المذهب هذا تلخيص مذهبه وتحريره .
[ مذهب الشافعي ]
وقال الشافعي : الأم أحق بالطفل ذكرا كان أو أنثى إلى أن يبلغا سبع سنين فإذا بلغا سبعا وهما يعقلان عقل مثلهما خير كل منهما بين أبيه وأمه وكان مع من اختار .
[ مذهب مالك وأبي حنيفة ]
وقال مالك وأبو حنيفة لا تخيير بحال ثم اختلفا
فقال أبو حنيفة الأم أحق بالجارية حتى تبلغ وبالغلام حتى يأكل وحده ويشرب وحده ويلبس وحده ثم يكونان عند الأب ومن سوى الأبوين أحق بهما حتى يستغنيا ولا يعتبر البلوغ
وقال مالك الأم أحق بالولد ذكرا كان أو أنثى حثى يثغر هذه رواية ابن وهب وروى ابن القاسم : حتى يبلغ ولا يخير بحال .
[ مذهب الليث ]
وقال الليث بن سعد : الأم أحق بالابن حتى يبلغ ثمان سنين وبالبنت حتى تبلغ ثم الأب أحق بهما بعد ذلك .
[ مذهب الحسن بن حي ]
وقال الحسن بن حي الأم أولى بالبنت حتى يكعب ثدياها وبالغلام حتى ييفع فيخيران بعد ذلك بين أبويهما الذكر والأنثى سواء .
افتراضي
[ مذهب من قال بالتخيير في الغلام دون الجارية ]
قال المخيرون في الغلام دون الجارية قد ثبت التخيير عن النبي صلى الله عليه وسلم في الغلام من حديث أبي هريرة : وثبت عن الخلفاء الراشدين وأبي هريرة ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة ألبتة ولا أنكره منكر .
قالوا : وهذا غاية في العدل الممكن فإن الأم إنما قدمت في حال الصغر لحاجة الولد إلى التربية والحمل والرضاع والمداراة التي لا تتهيأ لغير النساء وإلا فالأم أحد الأبوين فكيف تقدم عليه ؟ فإذا بلغ الغلام حدا يعرب فيه عن نفسه ويستغني عن الحمل والوضع وما تعانيه النساء تساوى الأبوان وزال السبب الموجب لتقديم الأم والأبوان متساويان فيه فلا يقدم أحدهما إلا بمرجح والمرجح إما من خارج وهو القرعة وإما من جهة الولد وهو اختياره وقد جاءت السنة بهذا وهذا وقد جمعهما حديث أبي هريرة فاعتبرناهما جميعا ولم ندفع أحدهما بالآخر .
وقدمنا ما قدمه النبي وأخرنا ما أخره فقدم التخيير لأن القرعة إنما يصار إليها إذا تساوت الحقوق من كل وجه ولم يبق مرجح سواها وهكذا فعلنا هاهنا قدمنا أحدهما بالاختيار فإن لم يختر أو اختارهما جميعا عدلنا إلى القرعة فهذا لو لم يكن فيه موافقة السنة لكان من أحسن الأحكام وأعدلها وأقطعها للنزاع بتراضي المتنازعين .
وفيه وجه آخر في مذهب أحمد والشافعي أنه إذا لم يختر واحدا منهما كان عند الأم بلا قرعة لأن الحضانة كانت لها وإنما ننقله عنها باختياره فإذا لم يختر بقي عندها على ما كان . فإن قيل فقد قدمتم التخيير على القرعة والحديث فيه تقديم القرعة أولا ثم التخيير وهذا أولى لأن القرعة طريق شرعي للتقديم عند تساوي المستحقين وقد تساوى الأبوان فالقياس تقديم أحدهما بالقرعة فإن أبيا القرعة لم يبق إلا اختيار الصبي فيرجح به فما بال أصحاب أحمد والشافعي قدموا التخيير على القرعة .
قيل إنما قدم التخيير لاتفاق ألفاظ الحديث عليه وعمل الخلفاء الراشدين به وأما القرعة فبعض الرواة ذكرها في الحديث وبعضهم لم يذكرها وإنما كانت في بعض طرق أبي هريرة رضي الله عنه وحده فقدم التخيير عليها فإذا تعذر القضاء بالتخيير تعينت القرعة طريقا للترجيح إذ لم يبق سواها .
[ رد المخيرين على من اقتصر بالتخيير على الغلام ]
ثم قال المخيرون للغلام والجارية روى النسائي في " سننه " والإمام أحمد في " مسنده " من حديث رافع بن سنان رضي الله عنه أنه تنازع هو وأم في ابنتهما وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقعده ناحية وأقعد المرأة ناحية وأقعد الصبية بينهما وقال " ادعواها " فمالت إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم اهدها " فمالت إلى أبيها فأخذها
قالوا : ولو لم يرد هذا الحديث لكان حديث أبي هريرة رضي الله عنه والآثار المتقدمة حجة في تخيير الأنثى لأن كون الطفل ذكرا لا تأثير له في الحكم بل هي كالذكر في قوله صلى الله عليه وسلم من وجد متاعه عند رجل قد أفلس وفي قوله من أعتق شركا له في عبد بل حديث الحضانة أولى بعدم اشتراط الذكورية فيه لأن لفظ الصبي ليس من كلام الشارع إنما الصحابي حكى القصة وأنها كانت في صبي فإذا نقح المناط تبين أنه لا تأثير لكونه ذكرا .
[ رد الحنابلة على من أجاز التخيير للذكر والأنثى ]
قالت الحنابلة : الكلام معكم في مقامين أحدهما : استدلالكم بحديث رافع والثاني : إلغاؤكم وصف الذكورية في أحاديث التخيير .
فأما الأول فالحديث قد ضعفه ابن المنذر وغيره وضعف يحيى بن سعيد والثوري عبد الحميد بن جعفر وأيضا فقد اختلف فيه على قولين . أحدهما : أن المخير كان بنتا وروي أنه كان ابنا . فقال عبد الرزاق : أخبرنا سفيان عن عثمان البتي عن عبد الحميد بن سلمة عن أبيه عن جده أن أبويه اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما مسلم والآخر كافر فتوجه إلى الكافر فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم اهده " فتوجه إلى المسلم فقضى له به
قال أبو الفرج ابن الجوزي : ورواية من روى أنه كان غلاما أصح . قالوا : ولو سلم لكم أنه كان أنثى فأنتم لا تقولون به فإن فيه أن أحدهما كان مسلما والآخر كافرا فكيف تحتجون بما لا تقولون به . قالوا : وأيضا فلو كانا مسلمين ففي الحديث أن الطفل كان فطيما وهذا قطعا دون السبع والظاهر أنه دون الخمس وأنتم لا تخيرون من له دون السبع فظهر أنه لا يمكنكم الاستدلال بحديث رافع هذا على كل تقدير . فبقي المقام الثاني وهو إلغاء وصف الذكورة في أحاديث التخيير وغيرها فنقول لا ريب أن من الأحكام ما يكفي فيها وصف الذكورة أو وصف الأنوثة قطعا ومنها ما لا يكفي فيه بل يعتبر فيه إما هذا وإما هذا فيلغى الوصف في كل حكم تعلق بالنوع الإنساني المشترك بين الأفراد ويعتبر وصف الذكورة في كل موضع كان له تأثير فيه كالشهادة والميراث والولاية في النكاح ويعتبر وصف الأنوثة في كل موضع يختص بالإناث أو يقدمن فيه على الذكور كالحضانة إذا استوى في الدرجة الذكر والأنثى قدمت الأنثى .
بقي النظر فيما نحن فيه من شأن التخيير هل لوصف الذكورة تأثير في ذلك فيلحق بالقسم الذي تعتبر فيه أو لا تأثير له فيلحق بالقسم الذي يلغى فيه ؟ ولا سبيل إلى جعلها من القسم الملغى فيه وصف الذكورة لأن التخيير هاهنا تخيير شهوة لا تخيير رأي ومصلحة ولهذا إذا اختار غير من اختاره أولا نقل إليه فلو خيرت البنت أفضى ذلك إلى أن تكون عند الأب تارة وعند الأم أخرى فإنها كلما شاءت الانتقال أجيبت إليه وذلك عكس ما شرع للإناث من لزوم البيوت وعدم البروز ولزوم الخدور وراء الأستار فلا يليق بها أن تمكن من خلاف ذلك . وإذا كان هذا الوصف معتبرا قد شهد له الشرع بالاعتبار لم يمكن إلغاؤه .
قالوا : وأيضا فإن ذلك يفضي إلى ألا يبقى الأب موكلا بحفظها ولا الأم لتنقلها بينهما وقد عرف بالعادة أن ما يتناوب الناس على حفظه ويتواكلون فيه فهو آيل إلى ضياع ومن الأمثال السائرة " لا يصلح القدر بين طباخين " .
قالوا : وأيضا فالعادة شاهدة بأن اختيار أحدهما يضعف رغبة الآخر فيه بالإحسان إليه وصيانته فإذا اختار أحدهما ثم انتقل إلى الآخر لم يبق أحدهما تام الرغبة في حفظه والإحسان إليه .
فإن قلتم فهذا بعينه موجود في الصبي ولم يمنع ذلك تخييره . قلنا : صدقتم لكن عارضه كون القلوب مجبولة على حب البنين واختيارهم على البنات فإذا اجتمع نقص الرغبة ونقص الأنوثة وكراهة البنات في الغالب ضاعت الطفلة وصارت إلى فساد يعسر تلافيه والواقع شاهد بهذا والفقه تنزيل المشروع على الواقع وسر الفرق أن البنت تحتاج من الحفظ والصيانة فوق ما يحتاج إليه الصبي ولهذا شرع في حق الإناث من الستر والخفر ما لم يشرع مثله للذكور في اللباس وإرخاء الذيل شبرا أو أكثر وجمع نفسها في الركوع والسجود دون التجافي ولا ترفع صوتها بقراءة القرآن ولا ترمل في الطواف ولا تتجرد في الإحرام عن المخيط ولا تكشف رأسها ولا تسافر وحدها هذا كله مع كبرها ومعرفتها فكيف إذا كانت في سن الصغر وضعف العقل الذي يقبل فيه الانخداع ؟ ولا ريب أن ترددها بين الأبوين مما يعود على المقصود بالإبطال أو يخل به أو ينقصه لأنها لا تستقر في مكان معين فكان الأصلح لها أن تجعل عند أحد الأبوين من غير تخيير كما قاله الجمهور مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق فتخييرها ليس منصوصا عليه ولا هو في معناه فيلحق به .
[ اختلاف الفقهاء في تعيين أحد الأبوين لمقام البنت عنده ]
ثم هاهنا حصل الاجتهاد في تعيين أحد الأبوين لمقامها عنده وأيهما أصلح لها فمالك وأبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه عينوا الأم وهو الصحيح دليلا وأحمد رحمه الله في المشهور عنه واختيار عامة أصحابه عينوا الأب .
قال من رجح الأم قد جرت العادة بأن الأب يتصرف في المعاش والخروج ولقاء الناس والأم في خدرها مقصورة في بيتها فالبنت عندها أصون وأحفظ بلا شك وعينها عليها دائما بخلاف الأب فإنه في غالب الأوقات غائب عن البنت أو في مظنة ذلك فجعلها عند أمها أصون لها وأحفظ .
قالوا : وكل مفسدة يعرض وجودها عند الأم فإنها تعرض أو أكثر منها عند الأب فإنه إذا تركها في البيت وحدها لم يأمن عليها وإن ترك عندها امرأته أو غيرها فالأم أشفق عليها وأصون لها من الأجنبية .
قالوا : وأيضا فهي محتاجة إلى تعلم ما يصلح للنساء من الغزل والقيام بمصالح البيت وهذا إنما تقوم به النساء لا الرجال فهي أحوج إلى أمها لتعلمها ما يصلح للمرأة وفي دفعها إلى أبيها تعطيل هذه المصلحة وإسلامها إلى امرأة أجنبية تعلمها ذلك وترديدها بين الأم وبينه وفي ذلك تمرين لها على البروز والخروج فمصلحة البنت والأم والأب أن تكون عند أمها وهذا القول هو الذي لا نختار سواه .
قال من رجح الأب الرجال أغير على البنات من النساء فلا تستوي غيرة الرجل على ابنته وغيرة الأم أبدا وكم من أم تساعد ابنتها على ما تهواه ويحملها على ذلك ضعف عقلها وسرعة انخداعها وضعف داعي الغيرة في طبعها بخلاف الأب ولهذا المعنى وغيره جعل الشارع تزويجها إلى أبيها دون أمها ولم يجعل لأمها ولاية على بضعها ألبتة ولا على مالها فكان من محاسن الشريعة أن تكون عند أمها ما دامت محتاجة إلى الحضانة والتربية فإذا بلغت حدا تشتهى فيه وتصلح للرجال فمن محاسن الشريعة أن تكون عند من هو أغير عليها وأحرص على مصلحتها وأصون لها من الأم .
قالوا : ونحن نرى في طبيعة الأب وغيره من الرجال من الغيرة ولو مع فسقه وفجوره ما يحمله على قتل ابنته وأخته وموليته إذا رأى منها ما يريبه لشدة الغيرة ونرى في طبيعة النساء من الانحلال والانخداع ضد ذلك قالوا : فهذا هو الغالب على النوعين ولا عبرة بما خرج عن الغالب على أنا إذا قدمنا أحد الأبوين فلا بد أن نراعي صيانته وحفظه للطفل ولهذا قال مالك والليث إذا لم تكن الأم في موضع حرز وتحصين أو كانت غير مرضية فللأب أخذ البنت منها وكذلك الإمام أحمد رحمه الله في الرواية المشهورة عنه فإنه يعتبر قدرته على الحفظ والصيانة .
فإن كان مهملا لذلك أو عاجزا عنه أو غير مرضي أو ذا دياثة والأم بخلافه فهي أحق بالبنت بلا ريب فمن قدمناه بتخيير أو قرعة أو بنفسه فإنما نقدمه إذا حصلت به مصلحة الولد ولو كانت الأم أصون من الأب وأغير منه قدمت عليه ولا التفات إلى قرعة ولا اختيار الصبي في هذه الحالة فإنه ضعيف العقل يؤثر البطالة واللعب فإذا اختار من يساعده على ذلك لم يلتفت إلى اختياره وكان عند من هو أنفع له وأخير ولا تحتمل الشريعة غير هذا والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع والله تعالى يقول يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة [ التحريم 6 ] .
وقال الحسن علموهم وأدبوهم وفقهوهم فإذا كانت الأم تتركه في المكتب وتعلمه القرآن والصبي يؤثر اللعب ومعاشرة أقرانه وأبوه يمكنه من ذلك فإنه أحق به بلا تخيير ولا قرعة وكذلك العكس ومتى أخل أحد الأبوين بأمر الله ورسوله في الصبي وعطله والآخر مراع له فهو أحق وأولى به . وسمعت شيخنا رحمه الله يقول تنازع أبوان صبيا عند بعض الحكام فخيره بينهما فاختار أباه فقالت له أمه سله لأي شيء يختار أباه فسأله فقال أمي تبعثني كل يوم للكتاب والفقيه يضربني وأبي يتركني للعب مع الصبيان فقضى به للأم . قال أنت أحق به .
قال شيخنا : وإذا ترك أحد الأبوين تعليم الصبي وأمره الذي أوجبه الله عليه فهو عاص ولا ولاية له عليه بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له بل إما أن ترفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب وإما أن يضم إليه من يقوم معه بالواجب إذ المقصود طاعة الله ورسوله بحسب الإمكان . قال شيخنا : وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم والنكاح والولاء سواء كان الوارث فاسقا أو صالحا بل هذا من جنس الولاية التي لا بد فيها من القدرة على الواجب والعلم به وفعله بحسب الإمكان . قال فلو قدر أن الأب تزوج امرأة لا تراعي مصلحة ابنته ولا تقوم بها وأمها أقوم بمصلحتها من تلك الضرة فالحضانة هنا للأم قطعا قال ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس عنه نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقا ولا تخيير الولد بين الأبوين مطلقا والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقا بل لا يقدم ذو العدوان والتفريط على البر العادل المحسن والله أعلم .
[ مذهب من قال ببطلان التخيير ]
قالت الحنفية والمالكية : الكلام معكم في مقامين أحدهما : بيان الدليل الدال على بطلان التخيير والثاني : بيان عدم الدلالة في الأحاديث التي استدللتم بها على التخيير فأما الأول فيدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم أ نت أحق به ولم يخيره
وأما المقام الثاني : فما رويتم من أحاديث التخيير مطلقة لا تقييد فيها وأنتم لا تقولون بها على إطلاقها بل قيدتم التخيير بالسبع فما فوقها وليس في شيء من الأحاديث ما يدل على ذلك ونحن نقول إذا صار للغلام اختيار معتبر خير بين أبويه وإنما يعتبر اختياره إذا اعتبر قوله وذلك بعد البلوغ وليس تقييدكم وقت التخيير بالسبع أولى من تقييدنا بالبلوغ بل الترجيح من جانبنا لأنه حينئذ يعتبر قوله ويدل عليه قولها : " وقد سقاني من بئر أبي عنبة " وهي على أميال من المدينة وغير البالغ لا يتأتى منه عادة أن يحمل الماء من هذه المسافة ويستقي من البئر سلمنا أنه ليس في الحديث ما يدل على البلوغ فليس فيه ما ينفيه والواقعة واقعة عين وليس عن الشارع نص عام في تخيير من هو دون البلوغ حتى يجب المصير إليه سلمنا أنه فيه ما ينفي البلوغ فمن أين فيه ما يقتضي التقييد بسبع كما قلتم ؟
يتبع
Comment