كتاب :(( زاد المعاد في هدي خير العباد )) لأبن قيم الجوزية (مفرغ)

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • اخت مسلمة
    محاور
    • Nov 2005
    • 6338

    #46
    فصل الحضانة حق للأم وهل تحق لها الأجرة
    وقوله صلى الله عليه وسلم أنت أحق به ما لم تنكحي فيه دليل على أن الحضانة حق للأم وقد اختلف الفقهاء هل هي للحاضن أم عليه ؟ على قولين في مذهب أحمد ومالك وينبني عليهما : هل لمن له الحضانة أن يسقطها فينزل عنها ؟ على قولين .

    وأنه لا يجب عليه خدمة الولد أيام حضانته إلا بالأجرة إن قلنا : الحق له وإن قلنا : الحق عليه وجب خدمته مجانا .

    وإن كان الحاضن فقيرا فله الأجرة على القولين . وإذا وهبت الحضانة للأب وقلنا : الحق لها لزمت الهبة ولم ترجع فيها وإن قلنا : الحق عليها فلها العود إلى طلبها .

    والفرق بين هذه المسألة وبين ما لم يثبت بعد كهبة الشفعة قبل البيع حيث لا تلزم في أحد القولين أن الهبة في الحضانة قد وجد سببها فصار بمنزلة ما قد وجد وكذلك إذا وهبت المرأة نفقتها لزوجها شهرا ألزمت الهبة ولم ترجع فيها .

    هذا كله كلام أصحاب مالك وتفريعهم والصحيح أن الحضانة حق لها وعليها إذا احتاج الطفل إليها ولم يوجد غيرها وإن اتفقت هي وولي الطفل على نقلها إليه جاز والمقصود أن في قوله صلى الله عليه وسلم أنت أحق به دليلا على أن الحضانة حق لها .



    فصل [ هل سقوط الحضانة بالنكاح للتعليل أو للتوقيت ؟ ]
    وقوله ما لم تنكحي اختلف فيه هل هو تعليل أو توقيت على قولين ينبني عليهما : ما لو تزوجت وسقطت حضانتها ثم طلقت فهل تعود الحضانة ؟

    فإن قيل اللفظ تعليل عادت الحضانة بالطلاق لأن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها وعلة سقوط الحضانة التزويج فإن طلقت زالت العلة فزال حكمها وهذا قول الأكثرين منهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة .

    ثم اختلفوا فيما إذا كان الطلاق رجعيا هل يعود حقها بمجرده أو يتوقف عودها على انقضاء العدة ؟ على قولين وهما في مذهب أحمد والشافعي أحدهما : تعود بمجرده وهو ظاهر مذهب الشافعي .

    والثاني : لا تعود حتى تنقضي العدة وهو قول أبي حنيفة والمزني وهذا كله تفريع على أن قوله " ما لم تنكحي " تعليل وهو قول الأكثرين .

    وقال مالك في المشهور من مذهبه إذا تزوجت ودخل بها لم يعد حقها من الحضانة وإن طلقت قال بعض أصحابه وهذا بناء على أن قوله " ما لم تنكحي " للتوقيت أي حقك من الحضانة موقت إلى حين نكاحك فإذا نكحت انقضى وقت الحضانة فلا تعود بعد انقضاء وقتها كما لو انقضى وقتها ببلوغ الطفل واستغنائه عنها . وقال بعض أصحابه يعود حقها إذا فارقها زوجها كقول الجمهور وهو قول المغيرة وابن أبي حازم .

    قالوا : لأن المقتضي لحقها من الحضانة هو قرابتها الخاصة وإنما عارضها مانع النكاح لما يوجبه من إضاعة الطفل واشتغالها بحقوق الزوج الأجنبي منه عن مصالحه ولما فيه من تغذيته وتربيته في نعمة غير أقاربه وعليهم في ذلك منة وغضاضة فإذا انقطع النكاح بموت أو فرقة زال المانع والمقتضي قائم فترتب عليه أثره وهكذا كل من قام به من أهل الحضانة مانع منها ككفر أو رق أو فسق أو بدو فإنه لا حضانة له فإن زالت الموانع عاد حقهم من الحضانة فهكذا النكاح والفرقة .

    وأما النزاع في عود الحضانة بمجرد الطلاق الرجعي أو بوقفه على انقضاء العدة فمأخذه كون الرجعية زوجة في عامة الأحكام فإنه يثبت بينهما التوارث والنفقة ويصح منها الظهار والإيلاء ويحرم أن ينكح عليها أختها أو عمتها أو خالتها أو أربعا سواها وهي زوجة فمن راعى ذلك لم تعد إليها الحضانة بمجرد الطلاق الرجعي حتى تنقضي العدة فتبين حينئذ ومن أعاد الحضانة بمجرد الطلاق قال قد عزلها عن فراشه ولم يبق لها عليه قسم ولا لها به شغل والعلة التي سقطت الحضانة لأجلها قد زالت بالطلاق وهذا هو الذي رجحه الشيخ في " المغني " وهو ظاهر كلام الخرقي فإنه قال وإذا أخذ الولد من الأم إذا تزوجت ثم طلقت رجعت على حقها من كفالته .



    فصل [ هل مجرد عقد النكاح يسقط الحضانة ؟]
    وقوله ما لم تنكحي اختلف فيه هل المراد به مجرد العقد أو العقد مع الدخول ؟ وفي ذلك وجهان .

    أحدهما : أن بمجرد العقد تزول حضانتها وهو قول الشافعي وأبي حنيفة لأنه بالعقد يملك الزوج منافع الاستمتاع بها ويملك نفعها من حضانة الولد .

    والثاني : أنها لا تزول إلا بالدخول وهو قول مالك فإن بالدخول يتحقق اشتغالها عن الحضانة والحديث يحتمل الأمرين والأشبه سقوط حضانتها بالعقد لأنها حينئذ صارت في مظنة الاشتغال عن الولد والتهيؤ للدخول وأخذها حينئذ في أسبابه وهذا قول الجمهور .



    فصل اختلاف الفقهاء في سقوط الحضانة بالنكاح
    واختلف الناس في سقوط الحضانة بالنكاح على أربعة أقوال .

    أحدها : سقوطها به مطلقا سواء كان المحضون ذكرا أو أنثى وهذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه . قال ابن المنذر : أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم وقضى به شريح .

    والقول الثاني : أنها لا تسقط بالتزويج بحال ولا فرق في الحضانة بين الأيم وذوات البعل وحكي هذا المذهب عن الحسن البصري وهو قول أبي محمد ابن حزم .

    القول الثالث أن الطفل إن كان بنتا لم تسقط الحضانة بنكاح أمها وإن كان ذكرا سقطت وهذه إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله نص عليه في رواية مهنا بن يحيى الشامي فقال إذا تزوجت الأم وابنها صغير أخذ منها . قيل له والجارية مثل الصبي ؟ قال لا الجارية تكون مع أمها إلى سبع سنين . وعلى هذه الرواية فهل تكون عندها إلى سبع سنين أو إلى أن تبلغ ؟ على روايتين . قال ابن أبي موسى : وعن أحمد أن الأم أحق بحضانة البنت وإن تزوجت إلى أن تبلغ .

    والقول الرابع أنها إذا تزوجت بنسيب من الطفل لم تسقط حضانتها ثم اختلف أصحاب هذا القول على ثلاثة أقوال .

    أحدها : أن المشترط أن يكون الزوج نسيبا للطفل فقط وهذا ظاهر قول أصحاب أحمد .

    الثاني : أنه يشترط أن يكون مع ذلك ذا رحم محرم وهو قول أصحاب أبي حنيفة .

    الثالث أنه يشترط أن يكون بين الزوج وبين الطفل إيلاد بأن يكون جدا للطفل وهذا قول مالك وبعض أصحاب أحمد فهذا تحرير المذاهب في هذه المسألة .



    [ حجة من أسقط الحضانة بالتزويج مطلقا ]

    فأما حجة من أسقط الحضانة بالتزويج مطلقا فثلاث حجج

    إحداها : حديث عمرو بن شعيب المتقدم ذكره .

    الثانية اتفاق الصحابة على ذلك وقد تقدم قول الصديق لعمر هي أحق به ما لم تتزوج وموافقة عمر له على ذلك ولا مخالف لهما من الصحابة ألبتة وقضى به شريح والقضاة بعده إلى اليوم في سائر الأعصار والأمصار .

    [ اعتراض ابن حزم على الأدلة السابقة ورد المصنف عليه ]

    الثالثة ما رواه عبد الرزاق : حدثنا ابن جريج حدثنا أبو الزبير عن رجل صالح من أهل المدينة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال كانت امرأة من الأنصارتحت رجل من الأنصارفقتل عنها يوم أحد وله منها ولد فخطبها عم ولدها ورجل آخر إلى أبيها فأنكح الآخر فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت أنكحني أبي رجلا لا أريده وترك عم ولدي فيؤخذ مني ولدي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أباها فقال أنكحت فلانا فلانة؟ قال نعم قال " أنت الذي لا نكاح لك اذهبي فانكحي عم ولدك فلم ينكر أخذ الولد منها لما تزوجت بل أنكحها عم الولد لتبقى لها الحضانة ففيه دليل على سقوط الحضانة بالنكاح وبقائها إذا تزوجت بنسيب من الطفل . واعترض أبو محمد بن حزم على هذا الاستدلال بأن حديث عمرو بن شعيب صحيفة وحديث أبي سلمة هذا مرسل وفيه مجهول .
    المدينة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال كانت امرأة من الأنصار تحت رجل من الأنصار فقتل عنها يوم أحد وله منها ولد فخطبها عم ولدها ورجل آخر إلى أبيها فأنكح الآخر فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت أنكحني أبي رجلا لا أريده وترك عم ولدي فيؤخذ مني ولدي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أباها فقال أنكحت فلانا فلانة ؟ قال نعم قال " أنت الذي لا نكاح لك اذهبي فانكحي عم ولدك فلم ينكر أخذ الولد منها لما تزوجت بل أنكحها عم الولد لتبقى لها الحضانة ففيه دليل على سقوط الحضانة بالنكاح وبقائها إذا تزوجت بنسيب من الطفل . واعترض أبو محمد بن حزم على هذا الاستدلال بأن حديث عمرو بن شعيب صحيفة وحديث أبي سلمة هذا مرسل وفيه مجهول .

    وهذان الاعتراضان ضعيفان فقد بينا احتجاج الأئمة بعمرو في تصحيحهم حديثه وإذا تعارض معنا في الاحتجاج برجل قول ابن حزم وقول البخاري وأحمد وابن المديني والحميدي وإسحاق بن راهويه وأمثالهم لم يلتفت إلى سواهم .

    وأما حديث أبي سلمة هذا فإن أبا سلمة من كبار التابعين وقد حكى القصة عن الأنصارية ولا ينكر لقاؤه لها فلا يتحقق الإرسال ولو تحقق فمرسل جيد له شواهد مرفوعة وموقوفة وليس الاعتماد عليه وحده وعنى بالمجهول الرجل الصالح الذي شهد له أبو الزبير بالصلاح ولا ريب أن هذه الشهادة لا تعرف به ولكن المجهول إذا عدله الراوي عنه الثقة ثبتت عدالته وإن كان واحدا على أصح القولين فإن التعديل من باب الإخبار والحكم لا من باب الشهادة ولا سيما التعديل في الرواية فإنه يكتفى فيه بالواحد ولا يزيد على أصل نصاب الرواية هذا مع أن أحد القولين إن مجرد رواية العدل عن غيره تعديل له وإن لم يصرح بالتعديل كما هو إحدى الروايتين عن أحمد وأما إذا روى عنه وصرح بتعديله فقد خرج عن الجهالة التي ترد لأجلها روايته لا سيما إذا لم يكن معروفا بالرواية عن الضعفاء والمتهمين وأبو الزبير وإن كان فيه تدليس فليس معروفا بالتدليس عن المتهمين والضعفاء بل تدليسه من جنس تدليس السلف لم يكونوا يدلسون عن متهم ولا مجروح وإنما كثر هذا النوع من التدليس في المتأخرين .



    [ حجة ابن حزم على عدم سقوط الحضانة بالتزويج ]

    واحتج أبو محمد على قوله بما رواه من طريق البخاري عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس له خادم فأخذ أبو طلحة بيدي وانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أنسا غلام كيس فليخدمك . قال فخدمته في السفر والحضر وذكر الخبر .

    قال أبو محمد : فهذا أنس في حضانة أمه ولها زوج وهو أبو طلحة بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الاحتجاج في غاية السقوط والخبر في غاية الصحة فإن أحدا من أقارب أنس لم ينازع أمه فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو طفل صغير لم يثغر ولم يأكل وحده ولم يشرب وحده ولم يميز وأمه مزوجة فحكم به لأمه وإنما يتم الاستدلال بهذه المقدمات كلها والنبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان لأنس من العمر عشر سنين فكان عند أمه فلما تزوجت أبا طلحة لم يأت أحد من أقارب أنس ينازعها في ولدها ويقول قد تزوجت فلا حضانة لك وأنا أطلب انتزاعه منك ولا ريب أنه لا يحرم على المرأة المزوجة حضانة ابنها إذا اتفقت هي والزوج وأقارب الطفل على ذلك ولا ريب أنه لا يجب بل لا يجوز أن يفرق بين الأم وولدها إذا تزوجت من غير أن يخاصمها من له الحضانة ويطلب انتزاع الولد فالاحتجاج بهذه القصة من أبعد الاحتجاج وأبرده .

    ونظير هذا أيضا احتجاجهم بأن أم سلمة لما تزوجت برسول الله صلى الله عليه وسلم لم تسقط كفالتها لابنها بل استمرت على حضانتها فيا عجبا من الذي نازع أم سلمة في ولدها ورغب عن أن يكون في حجر النبي صلى الله عليه وسلم .

    واحتج لهذا القول أيضا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بابنة حمزة لخالتها وهي مزوجة بجعفر فلا ريب أن للناس في قصة ابنة حمزة ثلاث مآخذ . أحدها : أن النكاح لا يسقط الحضانة .

    الثاني : أن المحضونة إذا كانت بنتا فنكاح أمها لا يسقط حضانتها ويسقطها إذا كان ذكرا .

    الثالث أن الزوج إذا كان نسيبا من الطفل لم تسقط حضانتها وإلا سقطت فالاحتجاج بالقصة على أن النكاح لا يسقط الحضانة مطلقا لا يتم إلا بعد إبطال ذينك الاحتمالين الآخرين .



    فصل

    وقضاؤه صلى الله عليه وسلم بالولد لأمه وقوله أنت أحق به ما لم تنكحي لا يستفاد منه عموم القضاء لكل أم حتى يقضي به للأم . وإن كانت كافرة أو رقيقة أو فاسقة أو مسافرة فلا يصح الاحتجاج به على ذلك ولا نفيه فإذا دل دليل منفصل على اعتبار الإسلام والحرية والديانة والإقامة لم يكن ذلك تخصيصا ولا مخالفة لظاهر الحديث .

    [ شروط الحاضن الاتفاق في الدين ]
    وقد اشترط في الحاضن ستة شروط اتفاقهما في الدين فلا حضانة لكافر على مسلم لوجهين .

    أحدهما : أن الحاضن حريص على تربية الطفل على دينه وأن ينشأ عليه ويتربى عليه فيصعب بعد كبره وعقله انتقاله عنه وقد يغيره عن فطرة الله التي فطر عليها عباده فلا يراجعها أبدا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه . فلا يؤمن تهويد الحاضن وتنصيره للطفل المسلم .

    فإن قيل الحديث إنما جاء في الأبوين خاصة .

    قيل الحديث خرج مخرج الغالب إذ الغالب المعتاد نشوء الطفل بين أبويه فإن فقد الأبوان أو أحدهما قام ولي الطفل من أقاربه مقامهما .

    [ حجة من أثبت الحضانة للكافرة على الولد المسلم ]

    الوجه الثاني : أن الله سبحانه قطع الموالاة بين المسلمين والكفار وجعل المسلمين بعضهم أولياء بعض والكفار بعضهم من بعض والحضانة من أقوى أسباب الموالاة التي قطعها الله بين الفريقين . وقال أهل الرأي وابن القاسم وأبو ثور : تثبت الحضانة لها مع كفرها وإسلام الولد واحتجوا بما روى النسائي في سننه من حديث عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن جده رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ابنتي وهي فطيم أو يشبهه وقال رافع ابنتي فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اقعد ناحية " وقال لها : " اقعدي ناحية " وقال لهما : " ادعواها " فمالت الصبية إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم اهدها " فمالت إلى أبيها فأخذها

    قالوا : ولأن الحضانة لأمرين الرضاع وخدمة الطفل وكلاهما يجوز من الكافرة .



    [ رد المسقطين لحق الحضانة للكافرة على المثبتين ]

    قال الآخرون هذا الحديث من رواية عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري الأوسي وقد ضعفه إمام العلل يحيى بن سعيد القطان وكان سفيان الثوري يحمل عليه وضعف ابن المنذر الحديث وضعفه غيره وقد اضطرب في القصة فروى أن المخير كان بنتا وروى أنه كان ابنا . وقال الشيخ في " المغني " : وأما الحديث فقد روي على غير هذا الوجه ولا يثبته أهل النقل . وفي إسناده مقال قاله ابن المنذر .

    ثم إن الحديث قد يحتج به على صحة مذهب من اشترط الإسلام فإن الصبية لما مالت إلى أمها دعا النبي صلى الله عليه وسلم لها بالهداية فمالت إلى أبيها وهذا يدل على أن كونها مع الكافر خلاف هدى الله الذي أراده من عباده ولو استقر جعلها مع أمها لكان فيه حجة بل أبطله الله سبحانه بدعوة رسوله .

    [ اشتراط الخلو من الفسق في الحضانة ]
    ومن العجب أنهم يقولون لا حضانة للفاسق فأي فسق أكبر من الكفر ؟ وأين الضرر المتوقع من الفاسق بنشوء الطفل على طريقته إلى الضرر المتوقع من الكافر مع أن الصواب أنه لا تشترط العدالة في الحاضن قطعا وإن شرطها أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم واشتراطها في غاية البعد . ولو اشترط في الحاضن العدالة لضاع أطفال العالم ولعظمت المشقة على الأمة واشتد العنت ولم يزل من حين قام الإسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال الفساق بينهم لا يتعرض لهم أحد في الدنيا مع كونهم الأكثرين .

    ومتى وقع في الإسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما بفسقه ؟ وهذا في الحرج والعسر - واستمرار العمل المتصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه - بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النكاح فإنه دائم الوقوع في الأمصار والأعصار والقرى والبوادي مع أن أكثر الأولياء الذين يلون ذلك فساق ولم يزل الفسق في الناس ولم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة فاسقا من تربية ابنه وحضانته له ولا من تزويجه موليته والعادة شاهدة بأن الرجل ولو كان من الفساق فإنه يحتاط لابنته ولا يضيعها ويحرص على الخير لها بجهده وإن قدر خلاف ذلك فهو قليل بالنسبة إلى المعتاد والشارع يكتفي في ذلك بالباعث الطبيعي ولو كان الفاسق مسلوب الحضانة وولاية النكاح لكان بيان هذا للأمة من أهم الأمور واعتناء الأمة بنقله وتوارث العمل به مقدما على كثير مما نقلوه وتوارثوا العمل به فكيف يجوز عليهم تضييعه واتصال العمل بخلافه .

    ولو كان الفسق ينافي الحضانة لكان من زنى أو شرب خمرا أو أتى كبيرة فرق بينه وبين أولاده الصغار والتمس لهم غيره والله أعلم .



    [ اشتراط العقل في الحاضن ]
    نعم العقل مشترط في الحضانة فلا حضانة لمجنون ولا معتوه ولا طفل لأن هؤلاء يحتاجون إلى من يحضنهم ويكفلهم فكيف يكونون كافلين لغيرهم .

    [ الحرية ]

    وأما اشتراط الحرية فلا ينتهض عليه دليل يركن القلب إليه وقد اشترطه أصحاب الأئمة الثلاثة . وقال مالك في حر له ولد من أمة إن الأم أحق به إلا أن تباع فتنتقل فيكون الأب أحق بها وهذا هو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا توله والدة عن ولدها وقال من فرق بين الوالدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة

    وقد قالوا : لا يجوز التفريق في البيع بين الأم وولدها الصغير فكيف يفرقون بينهما في الحضانة ؟ وعموم الأحاديث تمنع من التفريق مطلقا في الحضانة والبيع واستدلالهم بكون منافعها مملوكة للسيد فهي مستغرقة في خدمته فلا تفرغ لحضانة الولد ممنوع بل حق الحضانة لها تقدم به في أوقات حاجة الولد على حق السيد كما في البيع سواء . وأما اشتراط خلوها من النكاح فقد تقدم .

    [ الخلو من النكاح ]

    وهاهنا مسألة ينبغي التنبيه عليها وهي أنا إذا أسقطنا حقها من الحضانة بالنكاح ونقلناها إلى غيرها فاتفق أنه لم يكن له سواها لم يسقط حقها من الحضانة وهي أحق به من الأجنبي الذي يدفعه القاضي إليه وتربيته في حجر أمه ورأيه أصلح من تربيته في بيت أجنبي محض لا قرابة بينهما توجب شفقته ورحمته وحنوه ومن المحال أن تأتي الشريعة بدفع مفسدة بمفسدة أعظم منها بكثير والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم حكما عاما كليا : أن كل امرأة تزوجت سقطت حضانتها في جميع الأحوال حتى يكون إثبات الحضانة للأم في هذه الحالة مخالفة للنص .



    [ اتحاد الدار شرط من شروط الحاضن ]
    وأما اتحاد الدار فإن كان سفر أحدهما لحاجة ثم يعود والآخر مقيم فهو أحق به لأن السفر بالولد الطفل ولا سيما إن كان رضيعا إضرار به وتضييع له هكذا أطلقوه ولم يستثنوا سفر الحج من غيره وإن كان أحدهما منتقلا عن بلد الآخر للإقامة والبلد وطريقه مخوفان أو أحدهما فالمقيم أحق وإن كان هو وطريقه آمنين ففيه قولان وهما روايتان عن أحمد إحداهما : أن الحضانة للأب ليتمكن من تربية الولد وتأديبه وتعليمه وهو قول مالك والشافعي وقضى به شريح .

    والثانية أن الأم أحق . وفيها قول ثالث أن المنتقل إن كان هو الأب فالأم أحق وإن كان الأم فإن انتقلت إلى البلد الذي كان فيه أصل النكاح فهي أحق به وإن انتقلت إلى غيره فالأب أحق وهو قول الحنفية . وحكوا عن أبي حنيفة رواية أخرى : أن نقلها إن كان من بلد إلى قرية فالأب أحق وإن كان من بلد إلى بلد فهي أحق وهذه أقوال كلها كما ترى لا يقوم عليها دليل يسكن القلب إليه فالصواب النظر والاحتياط للطفل في الأصلح له والأنفع من الإقامة أو النقلة فأيهما كان أنفع له وأصون وأحفظ روعي ولا تأثير لإقامة ولا نقلة هذا كله ما لم يرد أحدهما بالنقلة مضارة الآخر وانتزاع الولد منه . فإن أراد ذلك لم يجب إليه والله الموفق .


    فصل [ قول من اشترط لسقوط الحضانة مع عقد النكاح والدخول حكم الحاكم ]
    وقوله أنت أحق به ما لم تنكحي قيل فيه إضمار تقديره ما لم تنكحي ويدخل بك الزوج ويحكم الحاكم بسقوط الحضانة . وهذا تعسف بعيد لا يشعر به اللفظ ولا يدل عليه بوجه ولا هو من دلالة الاقتضاء التي تتوقف صحة المعنى عليها والدخول داخل في قوله " تنكحي " عند من اعتبره فهو كقوله حتى تنكح زوجا غيره ومن لم يعتبره فالمراد بالنكاح عنده العقد .

    وأما حكم الحاكم بسقوط الحضانة فذاك إنما يحتاج إليه عند التنازع والخصومة بين المتنازعين فيكون منفذا لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقف سقوط الحضانة على حكمه بل قد حكم هو بسقوطها حكم به الحكام بعده أو لم يحكموا . والذي دل عليه هذا الحكم النبوي أن الأم أحق بالطفل ما لم يوجد منها النكاح فإذا نكحت زال ذلك الاستحقاق وانتقل الحق إلى غيرها . فأما إذا طلبه من له الحق وجب على خصمه أن يبذله له فإن امتنع أجبره الحاكم عليه وإن أسقط حقه أو لم يطالب به بقي على ما كان عليه أولا فهذه قاعدة عامة مستفادة من غير هذا الحديث .


    فصل [ اختلاف الفقهاء في التخيير بين الأبوين ]
    وقد احتج من لا يرى التخيير بين الأبوين بظاهر هذا الحديث ووجه الاستدلال أنه قال أنت أحق به ولو خير الطفل لم تكن هي أحق به إلا إذا اختارها كما أن الأب لا يكون أحق به إلا إذا اختاره فإن قدر أنت أحق به إن اختارك . قدر ذلك في جانب الأب والنبي صلى الله عليه وسلم جعلها أحق به مطلقا عند المنازعة وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك . ونحن نذكر هذه المسألة ومذاهب الناس فيها والاحتجاج لأقوالهم ونرجح ما وافق حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم منها .
    أبي حنيفة ومالك . ونحن نذكر هذه المسألة ومذاهب الناس فيها والاحتجاج لأقوالهم ونرجح ما وافق حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم منها .

    ذكر قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه

    ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال طلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأته فذكر الأثر المتقدم وقال فيه ريحها وفراشها خير له منك حتى يشب ويختار لنفسه فحكم به لأمه حين لم يكن له تمييز إلى أن يشب ويميز ويخير حينئذ .

    ذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه

    قال الشافعي : حدثنا ابن عيينة عن يزيد بن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر عن عبد الرحمن بن غنم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه . خير غلاما بين أبيه وأمه

    وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال خير عمر رضي الله عنه غلاما ما بين أبيه وأمه فاختار أمه فانطلقت به . وذكر عبد الرزاق أيضا : عن معمر عن أيوب عن إسماعيل بن عبيد الله عن عبد الرحمن بن غنم قال اختصم إلى عمر بن الخطاب في غلام فقال هو مع أمه حتى يعرب عنه لسانه ليختار . وذكر سعيد بن منصور عن هشيم عن خالد عن الوليد بن مسلم قال اختصموا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في يتيم فخيره فاختار أمه على عمه فقال عمر إن لطف أمك خير من خصب عمك

    ذكر قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه

    قال الشافعي رحمه الله تعالى : أنبأنا ابن عيينة عن يونس بن عبد الله الجرمي عن عمارة الجرمي قال خيرني علي بين أمي وعمي ثم قال لأخ لي أصغر مني : وهذا أيضا لو بلغ مبلغ هذا لخيرته

    قال الشافعي رحمه الله قال إبراهيم عن يونس عن عمارة عن علي مثله قال في الحديث وكنت ابن سبع سنين أو ثمان سنين . قال يحيى القطان : حدثنا يونس بن عبد الله الجرمي حدثني عمارة بن رويبة أنه تخاصمت فيه أمه وعمه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال فخيرني علي ثلاثا كلهن أختار أمي ومعي أخ لي صغير فقال علي هذا إذا بلغ مبلغ هذا خير

    ذكر قول أبي هريرة رضي الله عنه

    قال أبو خيثمة زهير بن حرب : حدثنا سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد عن هلال بن أبي ميمونة قال شهدت أبا هريرة خير غلاما بين أبيه وأمه وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه



    [ مذهب ابن راهويه في التخيير ]

    فهذا ما ظفرت به عن الصحابة . وأما الأئمة فقال حرب بن إسماعيل : سألت إسحاق بن راهويه إلى متى يكون الصبي والصبية مع الأم إذا طلقت ؟

    قال أحب إلي أن يكون مع الأم إلى سبع سنين ثم يخير . قلت له أترى التخيير ؟ قال شديدا . قلت : فأقل من سبع سنين لا يخير ؟ قال قد قال بعضهم إلى خمس وأنا أحب إلي سبع .

    [ مذهب أحمد ]

    وأما مذهب الإمام أحمد فإما أن يكون الطفل ذكرا أو أنثى فإن كان ذكرا فإما أن يكون ابن سبع أو دونها فإن كان له دون السبع فأمه أحق بحضانته من غير تخيير وإن كان له سبع ففيه ثلاث روايات .

    إحداها - وهي الصحيحة المشهورة من مذهبه - أنه يخير وهي اختيار أصحابه فإن لم يختر واحدا منهما أقرع بينهما وكان لمن قرع وإذا اختار أحدهما ثم عاد فاختار الآخر نقل إليه وهكذا أبدا .

    والثانية أن الأب أحق به من غير تخيير . والثالثة أن الأم أحق به كما قبل السبع . وأما إذا كان أنثى فإن كان لها دون سبع سنين فأمها أحق بها من غير تخيير وإن بلغت سبعا فالمشهور من مذهبه أن الأم أحق بها إلى تسع سنين فإذا بلغت تسعا فالأب أحق بها من غير تخيير .

    وعنه رواية رابعة أن الأم أحق بها حتى تبلغ ولو تزوجت الأم .

    وعنه رواية خامسة أنها تخير بعد السبع كالغلام نص عليها وأكثر أصحابه إنما حكوا ذلك وجها في المذهب هذا تلخيص مذهبه وتحريره .

    [ مذهب الشافعي ]

    وقال الشافعي : الأم أحق بالطفل ذكرا كان أو أنثى إلى أن يبلغا سبع سنين فإذا بلغا سبعا وهما يعقلان عقل مثلهما خير كل منهما بين أبيه وأمه وكان مع من اختار .

    [ مذهب مالك وأبي حنيفة ]

    وقال مالك وأبو حنيفة لا تخيير بحال ثم اختلفا

    فقال أبو حنيفة الأم أحق بالجارية حتى تبلغ وبالغلام حتى يأكل وحده ويشرب وحده ويلبس وحده ثم يكونان عند الأب ومن سوى الأبوين أحق بهما حتى يستغنيا ولا يعتبر البلوغ

    وقال مالك الأم أحق بالولد ذكرا كان أو أنثى حثى يثغر هذه رواية ابن وهب وروى ابن القاسم : حتى يبلغ ولا يخير بحال .

    [ مذهب الليث ]

    وقال الليث بن سعد : الأم أحق بالابن حتى يبلغ ثمان سنين وبالبنت حتى تبلغ ثم الأب أحق بهما بعد ذلك .

    [ مذهب الحسن بن حي ]

    وقال الحسن بن حي الأم أولى بالبنت حتى يكعب ثدياها وبالغلام حتى ييفع فيخيران بعد ذلك بين أبويهما الذكر والأنثى سواء .


    افتراضي

    [ مذهب من قال بالتخيير في الغلام دون الجارية ]

    قال المخيرون في الغلام دون الجارية قد ثبت التخيير عن النبي صلى الله عليه وسلم في الغلام من حديث أبي هريرة : وثبت عن الخلفاء الراشدين وأبي هريرة ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة ألبتة ولا أنكره منكر .

    قالوا : وهذا غاية في العدل الممكن فإن الأم إنما قدمت في حال الصغر لحاجة الولد إلى التربية والحمل والرضاع والمداراة التي لا تتهيأ لغير النساء وإلا فالأم أحد الأبوين فكيف تقدم عليه ؟ فإذا بلغ الغلام حدا يعرب فيه عن نفسه ويستغني عن الحمل والوضع وما تعانيه النساء تساوى الأبوان وزال السبب الموجب لتقديم الأم والأبوان متساويان فيه فلا يقدم أحدهما إلا بمرجح والمرجح إما من خارج وهو القرعة وإما من جهة الولد وهو اختياره وقد جاءت السنة بهذا وهذا وقد جمعهما حديث أبي هريرة فاعتبرناهما جميعا ولم ندفع أحدهما بالآخر .

    وقدمنا ما قدمه النبي وأخرنا ما أخره فقدم التخيير لأن القرعة إنما يصار إليها إذا تساوت الحقوق من كل وجه ولم يبق مرجح سواها وهكذا فعلنا هاهنا قدمنا أحدهما بالاختيار فإن لم يختر أو اختارهما جميعا عدلنا إلى القرعة فهذا لو لم يكن فيه موافقة السنة لكان من أحسن الأحكام وأعدلها وأقطعها للنزاع بتراضي المتنازعين .

    وفيه وجه آخر في مذهب أحمد والشافعي أنه إذا لم يختر واحدا منهما كان عند الأم بلا قرعة لأن الحضانة كانت لها وإنما ننقله عنها باختياره فإذا لم يختر بقي عندها على ما كان . فإن قيل فقد قدمتم التخيير على القرعة والحديث فيه تقديم القرعة أولا ثم التخيير وهذا أولى لأن القرعة طريق شرعي للتقديم عند تساوي المستحقين وقد تساوى الأبوان فالقياس تقديم أحدهما بالقرعة فإن أبيا القرعة لم يبق إلا اختيار الصبي فيرجح به فما بال أصحاب أحمد والشافعي قدموا التخيير على القرعة .

    قيل إنما قدم التخيير لاتفاق ألفاظ الحديث عليه وعمل الخلفاء الراشدين به وأما القرعة فبعض الرواة ذكرها في الحديث وبعضهم لم يذكرها وإنما كانت في بعض طرق أبي هريرة رضي الله عنه وحده فقدم التخيير عليها فإذا تعذر القضاء بالتخيير تعينت القرعة طريقا للترجيح إذ لم يبق سواها .




    [ رد المخيرين على من اقتصر بالتخيير على الغلام ]

    ثم قال المخيرون للغلام والجارية روى النسائي في " سننه " والإمام أحمد في " مسنده " من حديث رافع بن سنان رضي الله عنه أنه تنازع هو وأم في ابنتهما وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقعده ناحية وأقعد المرأة ناحية وأقعد الصبية بينهما وقال " ادعواها " فمالت إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم اهدها " فمالت إلى أبيها فأخذها

    قالوا : ولو لم يرد هذا الحديث لكان حديث أبي هريرة رضي الله عنه والآثار المتقدمة حجة في تخيير الأنثى لأن كون الطفل ذكرا لا تأثير له في الحكم بل هي كالذكر في قوله صلى الله عليه وسلم من وجد متاعه عند رجل قد أفلس وفي قوله من أعتق شركا له في عبد بل حديث الحضانة أولى بعدم اشتراط الذكورية فيه لأن لفظ الصبي ليس من كلام الشارع إنما الصحابي حكى القصة وأنها كانت في صبي فإذا نقح المناط تبين أنه لا تأثير لكونه ذكرا .




    [ رد الحنابلة على من أجاز التخيير للذكر والأنثى ]

    قالت الحنابلة : الكلام معكم في مقامين أحدهما : استدلالكم بحديث رافع والثاني : إلغاؤكم وصف الذكورية في أحاديث التخيير .

    فأما الأول فالحديث قد ضعفه ابن المنذر وغيره وضعف يحيى بن سعيد والثوري عبد الحميد بن جعفر وأيضا فقد اختلف فيه على قولين . أحدهما : أن المخير كان بنتا وروي أنه كان ابنا . فقال عبد الرزاق : أخبرنا سفيان عن عثمان البتي عن عبد الحميد بن سلمة عن أبيه عن جده أن أبويه اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما مسلم والآخر كافر فتوجه إلى الكافر فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم اهده " فتوجه إلى المسلم فقضى له به

    قال أبو الفرج ابن الجوزي : ورواية من روى أنه كان غلاما أصح . قالوا : ولو سلم لكم أنه كان أنثى فأنتم لا تقولون به فإن فيه أن أحدهما كان مسلما والآخر كافرا فكيف تحتجون بما لا تقولون به . قالوا : وأيضا فلو كانا مسلمين ففي الحديث أن الطفل كان فطيما وهذا قطعا دون السبع والظاهر أنه دون الخمس وأنتم لا تخيرون من له دون السبع فظهر أنه لا يمكنكم الاستدلال بحديث رافع هذا على كل تقدير . فبقي المقام الثاني وهو إلغاء وصف الذكورة في أحاديث التخيير وغيرها فنقول لا ريب أن من الأحكام ما يكفي فيها وصف الذكورة أو وصف الأنوثة قطعا ومنها ما لا يكفي فيه بل يعتبر فيه إما هذا وإما هذا فيلغى الوصف في كل حكم تعلق بالنوع الإنساني المشترك بين الأفراد ويعتبر وصف الذكورة في كل موضع كان له تأثير فيه كالشهادة والميراث والولاية في النكاح ويعتبر وصف الأنوثة في كل موضع يختص بالإناث أو يقدمن فيه على الذكور كالحضانة إذا استوى في الدرجة الذكر والأنثى قدمت الأنثى .

    بقي النظر فيما نحن فيه من شأن التخيير هل لوصف الذكورة تأثير في ذلك فيلحق بالقسم الذي تعتبر فيه أو لا تأثير له فيلحق بالقسم الذي يلغى فيه ؟ ولا سبيل إلى جعلها من القسم الملغى فيه وصف الذكورة لأن التخيير هاهنا تخيير شهوة لا تخيير رأي ومصلحة ولهذا إذا اختار غير من اختاره أولا نقل إليه فلو خيرت البنت أفضى ذلك إلى أن تكون عند الأب تارة وعند الأم أخرى فإنها كلما شاءت الانتقال أجيبت إليه وذلك عكس ما شرع للإناث من لزوم البيوت وعدم البروز ولزوم الخدور وراء الأستار فلا يليق بها أن تمكن من خلاف ذلك . وإذا كان هذا الوصف معتبرا قد شهد له الشرع بالاعتبار لم يمكن إلغاؤه .

    قالوا : وأيضا فإن ذلك يفضي إلى ألا يبقى الأب موكلا بحفظها ولا الأم لتنقلها بينهما وقد عرف بالعادة أن ما يتناوب الناس على حفظه ويتواكلون فيه فهو آيل إلى ضياع ومن الأمثال السائرة " لا يصلح القدر بين طباخين " .

    قالوا : وأيضا فالعادة شاهدة بأن اختيار أحدهما يضعف رغبة الآخر فيه بالإحسان إليه وصيانته فإذا اختار أحدهما ثم انتقل إلى الآخر لم يبق أحدهما تام الرغبة في حفظه والإحسان إليه .

    فإن قلتم فهذا بعينه موجود في الصبي ولم يمنع ذلك تخييره . قلنا : صدقتم لكن عارضه كون القلوب مجبولة على حب البنين واختيارهم على البنات فإذا اجتمع نقص الرغبة ونقص الأنوثة وكراهة البنات في الغالب ضاعت الطفلة وصارت إلى فساد يعسر تلافيه والواقع شاهد بهذا والفقه تنزيل المشروع على الواقع وسر الفرق أن البنت تحتاج من الحفظ والصيانة فوق ما يحتاج إليه الصبي ولهذا شرع في حق الإناث من الستر والخفر ما لم يشرع مثله للذكور في اللباس وإرخاء الذيل شبرا أو أكثر وجمع نفسها في الركوع والسجود دون التجافي ولا ترفع صوتها بقراءة القرآن ولا ترمل في الطواف ولا تتجرد في الإحرام عن المخيط ولا تكشف رأسها ولا تسافر وحدها هذا كله مع كبرها ومعرفتها فكيف إذا كانت في سن الصغر وضعف العقل الذي يقبل فيه الانخداع ؟ ولا ريب أن ترددها بين الأبوين مما يعود على المقصود بالإبطال أو يخل به أو ينقصه لأنها لا تستقر في مكان معين فكان الأصلح لها أن تجعل عند أحد الأبوين من غير تخيير كما قاله الجمهور مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق فتخييرها ليس منصوصا عليه ولا هو في معناه فيلحق به .



    [ اختلاف الفقهاء في تعيين أحد الأبوين لمقام البنت عنده ]
    ثم هاهنا حصل الاجتهاد في تعيين أحد الأبوين لمقامها عنده وأيهما أصلح لها فمالك وأبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه عينوا الأم وهو الصحيح دليلا وأحمد رحمه الله في المشهور عنه واختيار عامة أصحابه عينوا الأب .

    قال من رجح الأم قد جرت العادة بأن الأب يتصرف في المعاش والخروج ولقاء الناس والأم في خدرها مقصورة في بيتها فالبنت عندها أصون وأحفظ بلا شك وعينها عليها دائما بخلاف الأب فإنه في غالب الأوقات غائب عن البنت أو في مظنة ذلك فجعلها عند أمها أصون لها وأحفظ .

    قالوا : وكل مفسدة يعرض وجودها عند الأم فإنها تعرض أو أكثر منها عند الأب فإنه إذا تركها في البيت وحدها لم يأمن عليها وإن ترك عندها امرأته أو غيرها فالأم أشفق عليها وأصون لها من الأجنبية .

    قالوا : وأيضا فهي محتاجة إلى تعلم ما يصلح للنساء من الغزل والقيام بمصالح البيت وهذا إنما تقوم به النساء لا الرجال فهي أحوج إلى أمها لتعلمها ما يصلح للمرأة وفي دفعها إلى أبيها تعطيل هذه المصلحة وإسلامها إلى امرأة أجنبية تعلمها ذلك وترديدها بين الأم وبينه وفي ذلك تمرين لها على البروز والخروج فمصلحة البنت والأم والأب أن تكون عند أمها وهذا القول هو الذي لا نختار سواه .

    قال من رجح الأب الرجال أغير على البنات من النساء فلا تستوي غيرة الرجل على ابنته وغيرة الأم أبدا وكم من أم تساعد ابنتها على ما تهواه ويحملها على ذلك ضعف عقلها وسرعة انخداعها وضعف داعي الغيرة في طبعها بخلاف الأب ولهذا المعنى وغيره جعل الشارع تزويجها إلى أبيها دون أمها ولم يجعل لأمها ولاية على بضعها ألبتة ولا على مالها فكان من محاسن الشريعة أن تكون عند أمها ما دامت محتاجة إلى الحضانة والتربية فإذا بلغت حدا تشتهى فيه وتصلح للرجال فمن محاسن الشريعة أن تكون عند من هو أغير عليها وأحرص على مصلحتها وأصون لها من الأم .

    قالوا : ونحن نرى في طبيعة الأب وغيره من الرجال من الغيرة ولو مع فسقه وفجوره ما يحمله على قتل ابنته وأخته وموليته إذا رأى منها ما يريبه لشدة الغيرة ونرى في طبيعة النساء من الانحلال والانخداع ضد ذلك قالوا : فهذا هو الغالب على النوعين ولا عبرة بما خرج عن الغالب على أنا إذا قدمنا أحد الأبوين فلا بد أن نراعي صيانته وحفظه للطفل ولهذا قال مالك والليث إذا لم تكن الأم في موضع حرز وتحصين أو كانت غير مرضية فللأب أخذ البنت منها وكذلك الإمام أحمد رحمه الله في الرواية المشهورة عنه فإنه يعتبر قدرته على الحفظ والصيانة .

    فإن كان مهملا لذلك أو عاجزا عنه أو غير مرضي أو ذا دياثة والأم بخلافه فهي أحق بالبنت بلا ريب فمن قدمناه بتخيير أو قرعة أو بنفسه فإنما نقدمه إذا حصلت به مصلحة الولد ولو كانت الأم أصون من الأب وأغير منه قدمت عليه ولا التفات إلى قرعة ولا اختيار الصبي في هذه الحالة فإنه ضعيف العقل يؤثر البطالة واللعب فإذا اختار من يساعده على ذلك لم يلتفت إلى اختياره وكان عند من هو أنفع له وأخير ولا تحتمل الشريعة غير هذا والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع والله تعالى يقول يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة [ التحريم 6 ] .

    وقال الحسن علموهم وأدبوهم وفقهوهم فإذا كانت الأم تتركه في المكتب وتعلمه القرآن والصبي يؤثر اللعب ومعاشرة أقرانه وأبوه يمكنه من ذلك فإنه أحق به بلا تخيير ولا قرعة وكذلك العكس ومتى أخل أحد الأبوين بأمر الله ورسوله في الصبي وعطله والآخر مراع له فهو أحق وأولى به . وسمعت شيخنا رحمه الله يقول تنازع أبوان صبيا عند بعض الحكام فخيره بينهما فاختار أباه فقالت له أمه سله لأي شيء يختار أباه فسأله فقال أمي تبعثني كل يوم للكتاب والفقيه يضربني وأبي يتركني للعب مع الصبيان فقضى به للأم . قال أنت أحق به .

    قال شيخنا : وإذا ترك أحد الأبوين تعليم الصبي وأمره الذي أوجبه الله عليه فهو عاص ولا ولاية له عليه بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له بل إما أن ترفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب وإما أن يضم إليه من يقوم معه بالواجب إذ المقصود طاعة الله ورسوله بحسب الإمكان . قال شيخنا : وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم والنكاح والولاء سواء كان الوارث فاسقا أو صالحا بل هذا من جنس الولاية التي لا بد فيها من القدرة على الواجب والعلم به وفعله بحسب الإمكان . قال فلو قدر أن الأب تزوج امرأة لا تراعي مصلحة ابنته ولا تقوم بها وأمها أقوم بمصلحتها من تلك الضرة فالحضانة هنا للأم قطعا قال ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس عنه نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقا ولا تخيير الولد بين الأبوين مطلقا والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقا بل لا يقدم ذو العدوان والتفريط على البر العادل المحسن والله أعلم .



    [ مذهب من قال ببطلان التخيير ]

    قالت الحنفية والمالكية : الكلام معكم في مقامين أحدهما : بيان الدليل الدال على بطلان التخيير والثاني : بيان عدم الدلالة في الأحاديث التي استدللتم بها على التخيير فأما الأول فيدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم أ نت أحق به ولم يخيره

    وأما المقام الثاني : فما رويتم من أحاديث التخيير مطلقة لا تقييد فيها وأنتم لا تقولون بها على إطلاقها بل قيدتم التخيير بالسبع فما فوقها وليس في شيء من الأحاديث ما يدل على ذلك ونحن نقول إذا صار للغلام اختيار معتبر خير بين أبويه وإنما يعتبر اختياره إذا اعتبر قوله وذلك بعد البلوغ وليس تقييدكم وقت التخيير بالسبع أولى من تقييدنا بالبلوغ بل الترجيح من جانبنا لأنه حينئذ يعتبر قوله ويدل عليه قولها : " وقد سقاني من بئر أبي عنبة " وهي على أميال من المدينة وغير البالغ لا يتأتى منه عادة أن يحمل الماء من هذه المسافة ويستقي من البئر سلمنا أنه ليس في الحديث ما يدل على البلوغ فليس فيه ما ينفيه والواقعة واقعة عين وليس عن الشارع نص عام في تخيير من هو دون البلوغ حتى يجب المصير إليه سلمنا أنه فيه ما ينفي البلوغ فمن أين فيه ما يقتضي التقييد بسبع كما قلتم ؟

    يتبع
    أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
    وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

    Comment

    • اخت مسلمة
      محاور
      • Nov 2005
      • 6338

      #47
      [رد المثبتين للتخيير على مبطليه ]

      قالت الشافعية والحنابلة ومن قال بالتخيير لا يتأتى لكم الاحتجاج بقوله صلى الله عليه وسلم أنت أحق به ما لم تنكحي بوجه من الوجوه فإن منكم من يقول إذا استغنى بنفسه وأكل بنفسه وشرب بنفسه فالأب أحق به بغير تخيير ومنكم من يقول إذا اثغر فالأب أحق به .

      فنقول النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم لها به ما لم تنكح ولم يفرق بين أن تنكح قبل بلوغ الصبي السن الذي يكون عنده أو بعده وحينئذ فالجواب يكون مشتركا بيننا وبينكم ونحن فيه على سواء فما أجبتم به أجاب به منازعوكم سواء فإن أضمرتم أضمروا وإن قيدتم قيدوا وإن خصصتم خصصوا . وإذا تبين هذا فنقول الحديث اقتضى أمرين .

      أحدهما : أنها لا حق لها في الولد بعد النكاح .

      والثاني : أنها أحق به ما لم تنكح وكونها أحق به له حالتان إحداهما : أن يكون الولد صغيرا لم يميز فهي أحق به مطلقا من غير تخيير . الثاني : أن يبلغ سن التمييز فهي أحق به أيضا ولكن هذه الأولوية مشروطة بشرط والحكم إذا علق بشرط صدق إطلاقه اعتمادا على تقدير الشرط وحينئذ فهي أحق به بشرط اختياره لها وغاية هذا أنه تقييد للمطلق بالأدلة الدالة على تخييره . ولو حمل على إطلاقه وليس بممكن البتة لاستلزم ذلك إبطال أحاديث التخيير وأيضا فإذا كنتم قيدتموه بأنها أحق به إذا كانت مقيمة وكانت حرة ورشيدة وغير ذلك من القيود التي لا ذكر لشيء منها في الأحاديث البتة فتقييده بالاختيار الذي دلت عليه السنة واتفق عليه الصحابة اولى


      افتراضي

      [الرد على من قال إن التخيير يحصل بعد البلوغ ]

      وأما حملكم أحاديث التخيير على ما بعد البلوغ فلا يصح لخمسة أوجه .

      أحدها : أن لفظ الحديث أنه خير غلاما بين أبويه وحقيقة الغلام من لم يبلغ فحمله على البالغ إخراج له عن حقيقته إلى مجازه بغير موجب ولا قرينة صارفة .

      الثاني : أن البالغ لا حضانة عليه فكيف يصح أن يخير ابن أربعين سنة بين أبوين ؟ هذا من الممتنع شرعا وعادة فلا يجوز حمل الحديث عليه .

      الثالث أنه لم يفهم أحد من السامعين أنهم تنازعوا في رجل كبير بالغ عاقل وأنه خير بين أبويه ولا يسبق إلى هذا فهم أحد البتة ولو فرض تخييره لكان بين ثلاثة أشياء الأبوين والانفراد بنفسه .

      الرابع أنه لا يعقل في العادة ولا العرف ولا الشرع أن تنازع الأبوان في رجل كبير بالغ عاقل كما لا يعقل في الشرع تخيير من هذه حاله بين أبويه .

      الخامس أن في بعض ألفاظ الحديث أن الولد كان صغيرا لم يبلغ ذكره النسائي وهو حديث رافع بن سنان وفيه فجاء ابن لها صغير لم يبلغ فأجلس النبي صلى الله عليه وسلم الأب هاهنا والأم هاهنا ثم خيره .

      وأما قولكم إن بئر أبي عنبة على أميال من المدينة فجوابه مطالبتكم أولا : بصحة هذا الحديث ومن ذكره وثانيا : بأن مسكن هذه المرأة كان بعيدا من هذه البئر وثالثا بأن من له نحو العشر سنين لا يمكنه أن يستقي من البئر المذكور عادة وكل هذا مما لا سبيل إليه فإن العرب وأهل البوادي يستقي أولادهم الصغار من آبار هي أبعد من ذلك .

      وأما تقييدنا له بالسبع فلا ريب أن الحديث لا يقتضي ذلك ولا هو أمر مجمع عليه فإن للمخيرين قولين أحدهما : أنه يخير لخمس حكاه إسحاق بن راهويه ذكره عنه حرب في " مسائله " ويحتج لهؤلاء بأن الخمس هي السن التي يصح فيها سماع الصبي ويمكن أن يعقل فيها وقد قال محمود بن الربيع عقلت عن النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في في وأنا ابن خمس سنين .

      والقول الثاني : أنه إنما يخير لسبع وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق رحمهم الله واحتج لهذا القول بأن التخيير يستدعي التمييز والفهم ولا ضابط له في الأطفال فضبط بمظنته وهي السبع فإنها أول سن التمييز ولهذا جعلها النبي صلى الله عليه وسلم حدا للوقت الذي يؤمر فيه الصبي بالصلاة .

      وقولكم إن الأحاديث وقائع أعيان فنعم هي كذلك ولكن يمتنع حملها على تخيير الرجال البالغين كما تقدم . وفي بعضها لفظ غلام وفي بعضها لفظ صغير لم يبلغ وبالله التوفيق .




      فصل [الاختلاف في قصة بنت حمزة ]
      وأما قصة بنت حمزة واختصام علي وزيد وجعفر رضي الله عنهم فيها وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها لجعفر فإن هذه الحكومة كانت عقيب فراغهم من عمرة القضاء فإنهم لما خرجوا من مكة تبعتهم ابنة حمزة تنادي يا عم يا عم فأخذ علي بيدها ثم تنازع فيها هو وجعفر وزيد وذكر كل واحد من الثلاثة ترجيحا فذكر زيد أنها ابنة أخيه للمؤاخاة التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين حمزة وذكر علي كونها ابنة عمه وذكر جعفر مرجحين القرابة وكون خالتها عنده فتكون عند خالتها فاعتبر النبي صلى الله عليه وسلم مرجح جعفر دون مرجح الآخرين فحكم له وجبر كل واحد منهم وطيب قلبه بما هو أحب إليه من أخذ البنت .

      فأما مرجح المؤاخاة فليس بمقتض للحضانة ولكن زيدا كان وصي حمزة وكان الإخاء حينئذ يثبت به التوارث فظن زيد أنه أحق بها لذلك .

      [هل تستحق ببنوة العم الحضانة ]

      وأما مرجح القرابة هاهنا وهي بنوة العم فهل يستحق بها الحضانة ؟ على قولين . أحدهما : يستحق بها وهو منصوص الشافعي وقول مالك وأحمد وغيره لأنه عصبة وله ولاية بالقرابة فقدم على الأجانب كما يقدم عليهم في الميراث وولاية النكاح وولاية الموت ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينكر على جعفر وعلي ادعاءهما حضانتها ولو لم يكن لهما ذلك لأنكر عليهما الدعوى الباطلة فإنها دعوى ما ليس لهما وهو لا يقر على باطل .

      والقول الثاني : أنه لا حضانة لأحد من الرجال سوى الآباء والأجداد هذا قول بعض أصحاب الشافعي وهو مخالف لنصه وللدليل . فعلى قول الجمهور - وهو الصواب - إذا كان الطفل أنثى وكان ابن العم محرما لها برضاع أو نحوه كان له حضانتها وإن جاوزت السبع وإن لم يكن محرما فله حضانتها صغيرة حتى تبلغ سبعا فلا يبقى له حضانتها بل تسلم إلى محرمها أو امرأة ثقة . وقال أبو البركات في " محرره " : لا حضانة له ما لم يكن محرما برضاع أو نحوه .

      [هل وقع الحكم للخالة أو لجعفر ؟ ]

      فإن قيل فالحكم بالحضانة من النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة " هل وقع للخالة أو لجعفر ؟ قيل هذا مما اختلف فيه على قولين منشؤهما اختلاف ألفاظ الحديث في ذلك ففي " صحيح البخاري " من حديث البراء فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها .

      وعن أبي داود : من حديث رافع بن عجير عن أبيه عن علي في هذه القصة . وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أم ثم ساقه من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى وقال قضى بها لجعفر لأن خالتها عنده ثم ساقه من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ وهبيرة بن يريم وقال فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال الخالة بمنزلة الأم

      [ استشكال الفقهاء هذا الحكم ]

      [طعن ابن حزم في القصة ]

      واستشكل كثير من الفقهاء هذا وهذا فإن القضاء إن كان لجعفر فليس محرما لها وهو وعلي في القرابة منها سواء وإن كان للخالة فهي مزوجة والحاضنة إذا تزوجت سقطت حضانتها ولما ضاق هذا على ابن حزم طعن في القصة بجميع طرقها وقال أما حديث البخاري فمن رواية إسرائيل وهو ضعيف وأما حديث هانئ وهبيرة فمجهولان وأما حديث ابن أبي ليلى فمرسل وأبو فروة الراوي عنه هو مسلم بن سالم الجهني ليس بالمعروف وأما حديث نافع بن عجير فهو وأبوه مجهولان ولا حجة في مجهول قال إلا أن هذا الخبر بكل وجه حجة على الحنفية والمالكية والشافعية لأن خالتها كانت مزوجة بجعفر وهو أجمل شاب في قريش وليس هو ذا رحم محرم من بنت حمزة . قال ونحن لا ننكر قضاءه بها لجعفر من أجل خالتها لأن ذلك أحفظ لها .



      [رد المصنف على ابن حزم ]

      قلت وهذا من تهوره رحمه الله وإقدامه على تضعيف ما اتفقت الناس على صحته فخالفهم وحده فإن هذه القصة شهرتها في الصحاح والسنن والمسانيد والسير والتواريخ تغني عن إسنادها فكيف وقد اتفق عليها صاحب الصحيح ولم يحفظ عن أحد قبله الطعن فيها البتة وقوله إسرائيل ضعيف فالذي غره في ذلك تضعيف علي بن المديني له ولكن أبى ذلك سائر أهل الحديث واحتجوا به ووثقوه وثبتوه . قال أحمد : ثقة وتعجب من حفظه وقال أبو حاتم . وهو من أتقن أصحاب أبي إسحاق ولا سيما وقد روى هذا الحديث عن أبي إسحاق وكان يحفظ حديثه كما يحفظ السورة من القرآن . وروى له الجماعة كلهم محتجين به .

      وأما قوله إن هانئا وهبيرة مجهولان فنعم مجهولان عنده معروفان عند أهل السنن وثقهما الحفاظ فقال النسائي . هانئ بن هانئ ليس به بأس وهبيرة روى له أهل السنن الأربعة وقد وثق .

      وأما قوله حديث ابن أبي ليلى وأبو فروة الراوي عنه مسلم بن مسلم الجهني ليس بالمعروف فالتعليلان باطلان فإن عبد الرحمن بن أبي ليلى روى عن علي غير حديث وعن عمر ومعاذ رضي الله عنهما . والذي غر أبا محمد أن أبا داود قال حدثنا محمد بن عيسى حدثنا سفيان عن أبي فروة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى بهذا الخبر وظن أبو محمد أن عبد الرحمن لم يذكر عليا في الرواية فرماه بالإرسال وذلك من وهمه فإن ابن أبي ليلى روى القصة عن علي فاختصرها أبو داود وذكر مكان الاحتجاج وأحال على العلم المشهور برواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي وهذه القصة قد رواها علي وسمعها منه أصحابه هانئ بن هانئ وهبيرة بن يريم وعجير بن عبد يزيد وعبد الرحمن بن أبي ليلى فذكر أبو داود حديث الثلاثة الأولين لسياقهم لها بتمامها وأشار إلى حديث ابن أبي ليلى لأنه لم يتمه وذكر السند منه إليه فبطل الإرسال ثم رأيت أبا بكر الإسماعيلي قد روى هذا الحديث في مسند علي مصرحا فيه بالاتصال فقال أخبرنا الهيثم بن خلف حدثنا عثمان بن سعيد المقري حدثنا يوسف بن عدي حدثنا سفيان عن أبي فروة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي أنه اختصم هو وجعفر وزيد وذكر الحديث .

      وأما قوله إن أبا فروة ليس بالمعروف فقد عرفه سفيان بن عيينة وغيره وخرجا له في " الصحيحين " .

      وأما رميه نافع بن عجير وأباه بالجهالة فنعم ولا يعرف حالهما وليسا من المشهورين بنقل العلم وإن كان نافع أشهر من أبيه لرواية ثقتين عنه محمد بن إبراهيم التميمي وعبد الله بن علي فليس الاعتماد على روايتهما وبالله التوفيق فثبتت صحة الحديث .

      [رد المصنف على الاستشكال السابق ]

      وأما الجواب عن استشكال من استشكله فنقول وبالله التوفيق لا إشكال سواء كان القضاء لجعفر أو للخالة فإن ابنة العم إذا لم يكن لها قرابة سوى ابن عمها جاز أن تجعل مع امرأته في بيته بل يتعين ذلك وهو أولى من الأجنبي لا سيما إن كان ابن العم مبرزا في الديانة والعفة والصيانة فإنه في هذه الحال أولى من الأجانب بلا ريب .


      افتراضي

      [علة عدم أخذه صلى الله عليه وسلم بنت حمزة ]

      فإن قيل فالنبي صلى الله عليه وسلم كان ابن عمها وكان محرما لها لأن حمزة كان أخاه من الرضاعة فهلا أخذها هو ؟

      قيل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في شغل شاغل بأعباء الرسالة وتبليغ الوحي والدعوة إلى الله وجهاد أعداء الله عن فراغه للحضانة فلو أخذها لدفعها إلى بعض نسائه فخالتها أمس بها رحما وأقرب .

      [ ترجيح المصنف أن الحكم كان للخالة وبه رد للإشكال ]

      وأيضا فإن المرأة من نسائه لم تكن تجيئها النوبة إلا بعد تسع ليال فإن دارت الصبية معه حيث دار كان مشقة عليها وكان فيه من بروزها وظهورها كل وقت ما لا يخفى وإن جلست في بيت إحداهن كانت لها الحضانة وهي أجنبية .

      هذا إن كان القضاء لجعفر وإن كان للخالة - وهو الصحيح وعليه يدل الحديث الصحيح الصريح - فلا إشكال لوجوه .

      أحدها : أن نكاح الحاضنة لا يسقط حضانة البنت كما هو إحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي العلماء وحجة هذا القول الحديث وقد تقدم سر الفرق بين الذكر والأنثى .

      الثاني : أن نكاحها قريبا من الطفل لا يسقط حضانتها وجعفر ابن عمها .

      الثالث أن الزوج إذا رضي بالحضانة وآثر كون الطفل عنده في حجره لم تسقط الحضانة هذا هو الصحيح وهو مبني على أصل وهو أن سقوط الحضانة بالنكاح هو مراعاة لحق الزوج فإنه يتنغص عليه الاستمتاع المطلوب من المرأة لحضانتها لولد غيره ويتنكد عليه عيشه مع المرأة لا يؤمن أن يحصل بينهما خلاف المودة والرحمة ولهذا كان للزوج أن يمنعها من هذا مع اشتغالها هي بحقوق الزوج فتضيع مصلحة الطفل فإذا آثر الزوج ذلك وطلبه وحرص عليه زالت المفسدة التي لأجلها سقطت الحضانة والمقتضي قائم فيترتب عليه أثره يوضحه أن سقوط الحضانة بالنكاح ليست حقا لله وإنما هي حق للزوج وللطفل وأقاربه فإذا رضي من له الحق جاز فزال الإشكال على كل تقدير ظهر أن هذا الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الأحكام وأوضحها وأشدها موافقة للمصلحة والحكمة والرحمة والعدل وبالله التوفيق .


      افتراضي

      [ الاختلاف في إسقاط الحضانة بالتزويج ]
      فهذه ثلاثة مدارك في الحديث للفقهاء

      أحدها : أن نكاح الحاضنة لا يسقط حضانتها كما قاله الحسن البصري وقضى به يحيى بن حمزة وهو مذهب أبي محمد ابن حزم .

      والثاني : أن نكاحها لا يسقط حضانة البنت ويسقط حضانة الابن كما قاله أحمد في إحدى روايتيه .

      والثالث أن نكاحها لقريب الطفل لا يسقط حضانتها ونكاحها للأجنبي يسقطها كما هو المشهور من مذهب أحمد .



      [مذهب الطبري في الحضانة وسقوطها بالتزويج ]
      وفيه مدرك رابع لمحمد بن جرير الطبري وهو أن الحاضنة إن كانت أما والمنازع لها الأب سقطت حضانتها بالتزويج وإن كانت خالة أو غيرها من نساء الحضانة لم تسقط حضانتها بالتزويج وكذلك إن كانت أما والمنازع لها غير الأب من أقارب الطفل لم تسقط حضانتها .

      ونحن نذكر كلامه وما له وعليه فيه قال في " تهذيب الآثار " بعد ذكر حديث ابنة حمزة : فيه الدلالة الواضحة على أن قيم الصبية الصغيرة والطفل الصغير من قرابتهما من قبل أمهاتهما من النساء أحق بحضانتهما من عصباتهما من قبل الأب وإن كن ذوات أزواج غير الأب الذي هما منه وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بابنة حمزة لخالتها في الحضانة وقد تنازع فيها ابنا عمها علي وجعفر ومولاها وأخو أبيها الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبينه وخالتها يومئذ لها زوج غير أبيها وذلك بعد مقتل حمزة وكان معلوما بذلك صحة قول من قال لا حق لعصبة الصغير والصغيرة من قبل الأب في حضانته ما لم تبلغ حد الاختيار بل قرابتهما من النساء من قبل أمهما أحق وإن كن ذوات أزواج .

      فإن قال قائل فإن كان الأمر في ذلك عندك على ما وصفت من أن أم الصغير والصغيرة وقرابتهما من النساء من قبل أمهاتهما أحق بحضانتهما وإن كن ذوات أزواج من قرابتهما من قبل الأب من الرجال الذين هم عصبتهما فهلا كانت الأم ذات الزوج كذلك مع والدهما الأدنى والأبعد كما كانت الخالة أحق بهما ؟ وإن كان لها زوج غير أبيهما وإلا فما الفرق ؟

      قيل الفرق بينهما واضح وذلك لقيام الحجة بالنقل المستفيض روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأم أحق بحضانة الأطفال إذا كانت بانت من والدهم ما لم تنكح زوجا غيره ولم يخالف في ذلك من يجوز الاعتراض به على الحجة فيما نعلمه .

      وقد روي في ذلك خبر وإن كان في إسناده نظر فإن النقل الذي وصفت أمره دال على صحته وإن كان واهي السند .

      ثم ساق حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنت أحق به ما لم تنكحي من طريق المثنى بن الصباح عنه .

      ثم قال وأما إذا نازعها فيه عصبة أبيه فصحة الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه أنه جعل الخالة ذات الزوج غير أبي الصبية أحق بها من بني عمها وهم عصبتها فكانت الأم أحق بأن تكون أولى منهم وإن كان لها زوج غير أبيها لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل الخالة أولى منهم لقرابتها من الأم وإذا كان ذلك كالذي وصفنا تبين أن القول الذي قلناه في المسألتين أصل إحداهما من جهة النقل المستفيض والأخرى من جهة نقل الآحاد العدول فإذا كان كذلك فغير جائز رد حكم إحداهما إلى حكم الأخرى إذ القياس إنما يجوز استعماله فيما لا نص فيه من الأحكام فأما ما فيه نص من كتاب الله أو خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا حظ فيه للقياس .

      فإن قال قائل زعمت أنك إنما أبطلت حق الأم من الحضانة إذا نكحت زوجا غير أبي الطفل وجعلت الأب أولى بحضانتها منها بالنقل المستفيض فكيف يكون ذلك كما قلت ؟ وقد علمت أن الحسن البصري كان يقول المرأة أحق بولدها وإن تزوجت وقضى بذلك يحيى بن حمزة .

      قيل إن النقل المستفيض الذي تلزم به الحجة في الدين عندنا ليس صفته ألا يكون له مخالف ولكن صفته أن ينقله قولا وعملا من علماء الأمة من ينتفي عنه أسباب الكذب والخطأ وقد نقل من صفته ذلك من علماء الأمة أن المرأة إذا نكحت بعد بينونتها من زوجها زوجا غيره أن الأب أولى بحضانة ابنتها منها فكان ذلك حجة لازمة غير جائز الاعتراض عليها بالرأي وهو قول من يجوز عليه الغلط في قوله انتهى كلامه .

      ذكر ما في هذا الكلام من مقبول ومردود

      [التعقيب على كلام الطبري ]

      فأما قوله إن فيه الدلالة على أن قرابة الطفل من قبل أمهاته من النساء أحق بحضانته من عصباته من قبل الأب وإن كن ذوات أزواج فلا دلالة فيه على ذلك البتة بل أحد ألفاظ الحديث صريح في خلافه وهو قوله صلى الله عليه وسلم وأما الابنة فإني أقضي بها لجعفر وأما اللفظ الآخر فقضى بها لخالتها وقال هي أم وهو اللفظ الذي احتج به أبو جعفر فلا دليل على أن قرابة الأم مطلقا أحق من قرابة الأب بل إقرار النبي صلى الله عليه وسلم عليا وجعفرا على دعوى الحضانة يدل على أن لقرابة الأب مدخلا فيها وإنما قدم الخالة لكونها أنثى من أهل الحضانة فتقديمها على قرابة الأب كتقديم الأم على الأب والحديث ليس فيه لفظ عام يدل على ما ادعاه لا من أن من كان من قرابة الأم أحق بالحضانة من العصبة من قبل الأب حتى تكون بنت الأخت للأم أحق من العم وبنت الخالة أحق من العم والعمة فأين في الحديث دلالة على هذا فضلا عن أن تكون واضحة .

      قوله وكان معلوما بذلك صحة قول من قال لا حق لعصبة الصغير والصغيرة من قبل الأب في حضانته ما لم يبلغ حد الاختيار يعني : فيخير بين قرابة أبيه وأمه فيقال ليس ذلك معلوما من الحديث ولا مظنونا وإنما دل الحديث على أن ابن العم المزوج بالخالة أولى من ابن العم الذي ليس تحته خالة الطفل ويبقى تحقيق المناط هل كانت جهة التعصيب مقتضية للحضانة فاستوت في شخصين ؟ فرجح أحدهما بكون خالة الطفل عنده وهي من أهل الحضانة كما فهمه طائفة من أهل الحديث أو أن قرابة الأم وهي الخالة أولى بحضانة الطفل من عصبة الأب ولم تسقط حضانتها بالتزويج إما لكون الزوج لا يسقط الحضانة مطلقا كقول الحسن ومن وافقه وإما لكون المحضونة بنتا كما قاله أحمد في رواية وإما لكون الزوج قرابة الطفل كالمشهور من مذهب أحمد وإما لكون الحاضنة غير أم نازعها الأب كما قاله أبو جعفر فهذه أربعة مدارك ولكن المدرك الذي اختاره أبو جعفر ضعيف جدا فإن المعنى الذي أسقط حضانة الأم بتزويجها هو بعينه موجود في سائر نساء الحضانة والخالة غايتها أن تقوم مقام الأم وتشبه بها فلا تكون أقوى منها وكذلك سائر قرابة الأم والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم حكما عاما أن سائر أقارب الأم من كن لا تسقط حضانتهن بالتزويج وإنما حكم حكما معينا لخالة ابنة حمزة بالحضانة مع كونها مزوجة بقريب من الطفل والطفل ابنة .

      وأما الفرق الذي فرق بين الأم وغيرها بالنقل المستفيض إلى آخره فيريد به الإجماع الذي لا ينقضه عنده مخالفة الواحد والاثنين وهذا أصل تفرد به ونازعه فيه الناس .

      وأما حكمه على حديث عمرو بن شعيب بأنه واه فمبني على ما وصل إليه من طريقه فإن فيه المثنى بن الصباح وهو ضعيف أو متروك ولكن الحديث قد رواه الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رواه أبو داود في " سننه " .

      فصل [المسلك الخامس في قصة بنت حمزة ]

      وفي الحديث مسلك خامس وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بها لخالتها وإن كانت ذات زوج لأن البنت تحرم على الزوج تحريم الجمع بين المرأة وخالتها وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا بعينه في حديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس فذكر الحديث بطوله وقال فيه وأنت يا جعفر أولى بها : تحتك خالتها ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم نص يقتضي أن يكون الحاضن ذا رحم تحرم عليه البنت على التأبيد حتى يعترض به على هذا المسلك بل هذا مما لا تأباه قواعد الفقه وأصول الشريعة فإن الخالة ما دامت في عصمة الحاضن فبنت أختها محرمة عليه فإذا فارقها فهي مع خالتها فلا محذور في ذلك أصلا ولا ريب أن القول بهذا أخير وأصلح للبنت من رفعها إلى الحاكم يدفعها إلى أجنبي تكون عنده إذ الحاكم غير متصد للحضانة بنفسه فهل يشك أحد أن ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة هو عين المصلحة والحكمة والعدل وغاية الاحتياط للبنت والنظر لها وأن كل حكم خالفه لا ينفك عن جور أو فساد لا تأتي به الشريعة فلا إشكال في حكمه صلى الله عليه وسلم والإشكال كل الإشكال فيما خالفه والله المستعان وعليه التكلان



      ذكر حكمه صلى الله عليه وسلم في النفقة على الزوجات
      وأنه لم يقدرها ولا ورد عنه ما يدل على تقديرها وإنما رد الأزواج فيها إلى العرف .

      ثبت عنه في " صحيح مسلم " : " أنه قال في خطبة حجة الوداع بمحضر الجمع العظيم قبل وفاته ببضعة وثمانين يوما : واتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف

      وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في " الصحيحين " : أن هندا امرأة أبي سفيان قالت له إن أبا سفيان رجل شحيح ليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف وفي " سنن أبي داود " : من حديث حكيم بن معاوية عن أبيه رضي الله عنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله ما تقول في نسائنا ؟ قال أطعموهن مما تأكلون واكسوهن مما تلبسون ولا تضربوهن ولا تقبحوهن

      وهذا الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مطابق لكتاب الله عز وجل حيث يقول تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف [ البقرة 233 ] والنبي صلى الله عليه وسلم جعل نفقة المرأة مثل نفقة الخادم وسوى بينهما في عدم التقدير وردهما إلى المعروف فقال للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف فجعل نفقتهما بالمعروف ولا ريب أن نفقة الخادم غير مقدرة ولم يقل أحد بتقديرها . وصح عنه في الرقيق أنه قال أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون

      رواه مسلم كما قال في الزوجة سواء .

      وصح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال امرأتك تقول إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ويقول العبد أطعمني واستعملني. ويقول الابن أطعمني إلى من تدعني فجعل نفقة الزوجة والرقيق والولد كلها الإطعام لا التمليك .

      وروى النسائي هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي .

      وقال تعالى : من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم [ المائدة 89 ] وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال الخبز والزيت وصح عن ابن عمر رضي الله عنه الخبز والسمن والخبز والتمر ومن أفضل ما تطعمون الخبز واللحم

      ففسر الصحابة إطعام الأهل بالخبز مع غيره من الأدم والله ورسوله ذكرا الإنفاق مطلقا من غير تحديد ولا تقدير ولا تقييد فوجب رده إلى العرف لو لم يرده إليه النبي صلى الله عليه وسلم فكيف وهو الذي رد ذلك إلى العرف وأرشد أمته إليه ؟ ومن المعلوم أن أهل العرف إنما يتعارفون بينهم في الإنفاق على أهليهم حتى من يوجب التقدير الخبز والإدام دون الحب والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما كانوا ينفقون على أزواجهم كذلك دون تمليك الحب وتقديره ولأنها نفقة واجبة بالشرع فلم تقدر بالحب كنفقة الرقيق ولو كانت مقدرة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم هندا أن تأخذ المقدر لها شرعا ولما أمرها أن تأخذ ما يكفيها من غير تقدير ورد الاجتهاد في ذلك إليها ومن المعلوم أن قدر كفايتها لا ينحصر في مدين ولا في رطلين بحيث لا يزيد عليهما ولا ينقص ولفظه لم يدل على ذلك بوجه ولا إيماء ولا إشارة وإيجاب مدين أو رطلين خبزا قد يكون أقل من الكفاية فيكون تركا للمعروف وإيجاب قدر الكفاية مما يأكل الرجل وولده ورقيقه وإن كان أقل من مد أو من رطلي خبز إنفاق بالمعروف فيكون هذا هو الواجب بالكتاب والسنة ولأن الحب يحتاج إلى طحنه وخبزه وتوابع ذلك فإن أخرجت ذلك من مالها لم تحصل الكفاية بنفقة الزوج وإن فرض عليه ذلك لها من ماله كان الواجب حبا ودراهم ولو طلبت مكان الخبز دراهم أو حبا أو دقيقا أو غيره لم يلزمه بذله ولو عرض عليها ذلك أيضا لم يلزمها قبوله لأن ذلك معاوضة فلا يجبر أحدهما على قبولها ويجوز تراضيهما على ما اتفقا عليه .

      يتبع
      أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
      وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

      Comment

      • اخت مسلمة
        محاور
        • Nov 2005
        • 6338

        #48
        [الاختلاف في مقدار النفقة عند من قدرها ]
        والذين قدروا النفقة اختلفوا فمنهم من قدرها بالحب وهو الشافعي فقال نفقة الفقير مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم لأن أقل ما يدفع في الكفارة إلى الواحد مد والله سبحانه اعتبر الكفارة بالنفقة على الأهل فقال فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم [ المائدة 89 ] قال وعلى الموسر مدان لأن أكثر ما أوجب الله سبحانه للواحد مدان في كفارة الأذى وعلى المتوسط مد ونصف نصف نفقة الموسر ونصف نفقة الفقير .

        وقال القاضي أبو يعلى : مقدرة بمقدار لا يختلف في القلة والكثرة والواجب رطلان من الخبز في كل يوم في حق الموسر والمعسر اعتبارا بالكفارات وإنما يختلفان في صفته وجودته لأن الموسر والمعسر سواء في قدر المأكول وما تقوم به البنية وإنما يختلفان في جودته فكذلك النفقة الواجبة .

        [حجج الجمهور على عدم التقدير ]

        والجمهور قالوا : لا يحفظ عن أحد من الصحابة قط تقدير النفقة لا بمد ولا برطل والمحفوظ عنهم بل الذي اتصل به العمل في كل عصر ومصر ما ذكرناه .

        قالوا : ومن الذي سلم لكم التقدير بالمد والرطل في الكفارة والذي دل عليه القرآن والسنة أن الواجب في الكفارة الإطعام فقط لا التمليك قال تعالى في كفارة اليمين فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم [ المائدة 89 ] وقال في كفارة الظهار فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا [ المجادلة 4 ] وقال في فدية الأذى : ففدية من صيام أو صدقة أو نسك [ البقرة 196 ] وليس في القرآن في إطعام الكفارات غير هذا وليس في موضع واحد منها تقدير ذلك بمد ولا رطل وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمن وطئ في نهار رمضان أطعم ستين مسكينا وكذلك قال للمظاهر ولم يحد ذلك بمد ولا رطل .



        [ أقوال الصحابة في الكفارة ]

        فالذي دل عليه القرآن والسنة أن الواجب في الكفارات والنفقات هو الإطعام لا التمليك وهذا هو الثابت عن الصحابة رضي الله عنهم . قال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا أبو خالد عن حجاج عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي : يغديهم ويعشيهم خبزا وزيتا .

        وقال إسحاق عن الحارث كان علي يقول في إطعام المساكين في كفارة اليمين يغديهم ويعشيهم خبزا وزيتا أو خبزا وسمنا .

        وقال ابن أبي شيبة : حدثنا يحيى بن يعلى عن ليث قال كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول من أوسط ما تطعمون أهليكم قال الخبز والسمن والخبز والزيت والخبز واللحم .

        وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال أوسط ما يطعم الرجل أهله الخبز واللبن والخبز والزيت والخبز والسمن ومن أفضل ما يطعم الرجل أهله الخبز واللحم

        وقال يزيد بن زريع حدثنا يونس عن محمد بن سيرين أن أبا موسى الأشعري كفر عن يمين له مرة فأمر بجيرا أو جبيرا يطعم عنه عشرة مساكين خبزا ولحما وأمر لهم بثوب معقد أو ظهراني .

        وقال ابن أبي شيبة : حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا يحيى بن أيوب عن حميد أن أنسا رضي الله عنه مرض قبل أن يموت فلم يستطع أن يصوم وكان يجمع ثلاثين مسكينا فيطعمهم خبزا ولحما أكلة واحدة .



        [ أقوال التابعين في الكفارة ]

        وأما التابعون فثبت ذلك عن الأسود بن يزيد وأبي رزين وعبيدة ومحمد بن سيرين والحسن البصري وسعيد بن جبير وشريح وجابر بن زيد وطاووس والشعبي وابن بريدة والضحاك والقاسم وسالم ومحمد بن إبراهيم ومحمد بن كعب وقتادة وإبراهيم النخعي والأسانيد عنهم بذلك في أحكام القرآن لإسماعيل بن إسحاق منهم من يقول يغدي المساكين ويعشيهم ومنهم من يقول أكلة واحدة ومنهم من يقول خبز ولحم خبز وزيت خبز وسمن وهذا مذهب أهل المدينة وأهل العراق وأحمد في إحدى الروايتين عنه والرواية الأخرى : أن طعام الكفارة مقدر دون نفقة الزوجات .

        فالأقوال ثلاثة التقدير فيهما كقول الشافعي وحده وعدم التقدير فيهما كقول مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين . والتقدير في الكفارة دون النفقة كالرواية الأخرى عنه .


        [ قول من قال بالتقدير في الكفارة دون النفقة ]

        قال من نصر هذا القول الفرق بين النفقة والكفارة أن الكفارة لا تختلف باليسار والإعسار ولا هي مقدرة بالكفاية ولا أوجبها الشارع بالمعروف كنفقة الزوجة والخادم والإطعام فيها حق لله تعالى لا لآدمي معين فيرضى بالعوض عنه ولهذا لو أخرج القيمة لم يجزه وروي التقدير فيها عن الصحابة فقال القاضي إسماعيل حدثنا حجاج بن المنهال حدثنا أبو عوانة عن منصور عن أبي وائل عن يسار بن نمير قال قال عمر إن ناسا يأتوني يسألوني فأحلف أني لا أعطيهم ثم يبدو لي أن أعطيهم فإذا أمرتك أن تكفر فأطعم عني عشرة مساكين لكل مسكين صاعا من تمر أو شعير أو نصف صاع من بر .

        حدثنا حجاج بن المنهال وسليمان بن حرب قالا : حدثنا حماد بن سلمة عن سلمة بن كهيل عن يحيى بن عباد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يا يرفا إذا حلفت فحنثت فأطعم عني ليميني خمسة أصوع عشرة مساكين .

        وقال ابن أبي شيبة حدثنا وكيع عن ابن أبي ليلى عن عمر ابن أبي مرة عن عبد الله بن سلمة عن علي قال كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع .

        ( حدثنا عبد الرحيم وأبو خالد الأحمر عن حجاج عن قرط عن جدته عن عائشة رضي الله عنها قالت إنا نطعم نصف صاع من بر أو صاعا من تمر في كفارة اليمين .

        وقال إسماعيل حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام بن أبي عبد الله حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن زيد بن ثابت قال يجزئ في كفارة اليمين لكل مسكين مد حنطة .

        حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن يزيد عن أيوب عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنه كان إذا ذكر اليمين أعتق وإذا لم يذكرها أطعم عشرة مساكين لكل مسكين مد مد .

        وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما : في كفارة اليمين مد ومعه أدمه .

        وأما التابعون فثبت ذلك عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومجاهد وقال كل طعام ذكر في القرآن للمساكين فهو نصف صاع وكان يقول في كفارة الأيمان كلها : مدان لكل مسكين .

        وقال حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أدركت الناس وهم يعطون في كفارة اليمين مدا بالمد الأول .

        وقال القاسم وسالم وأبو سلمة مد مد من بر وقال عطاء فرقا بين عشرة ومرة قال مد مد . قالوا : وقد ثبت في " الصحيحين " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة في كفارة فدية الأذى : أطعم ستة مساكين نصف صاع نصف صاع طعاما لكل مسكين . فقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم فدية الأذى فجعلنا تقديرها أصلا وعديناها إلى سائر الكفارات ثم قال من قدر طعام الزوجة ثم رأينا النفقات والكفارات قد اشتركا في الوجوب فاعتبرنا إطعام النفقة بإطعام الكفارة ورأينا الله سبحانه قد قال في جزاء الصيد أو كفارة طعام مساكين [ المائدة 95 ] وما أجمعت الأمة أن الطعام مقدر فيها ولهذا لو عدم الطعام صام عن كل مد يوما كما أفتى به ابن عباس والناس بعده فهذا ما احتجت به هذه الطائفة على تقدير طعام الكفارة .



        [ حجة من قال بعدم التقدير في النفقة والكفارات ]

        قال الآخرون لا حجة في أحد دون الله ورسوله وإجماع الأمة وقد أمرنا تعالى أن نرد ما تنازعنا فيه إليه وإلى رسوله وذلك خير لنا حالا وعاقبة ورأينا الله سبحانه إنما قال في الكفارة إطعام عشرة مساكين و إطعام ستين مسكينا فعلق الأمر بالمصدر الذي هو الإطعام ولم يحد لنا جنس الطعام ولا قدره وحد لنا جنس المطعمين وقدرهم فأطلق الطعام وقيد المطعومين ورأيناه سبحانه حيث ذكر إطعام المسكين في كتابه فإنما أراد به الإطعام المعهود المتعارف كقوله تعالى : وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما [ البلد 12 ] . وقال ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا [ الإنسان 8 ] وكان من المعلوم يقينا أنهم لو غدوهم أو عشوهم أو أطعموهم خبزا ولحما أو خبزا ومرقا ونحوه لكانوا ممدوحين داخلين فيمن أثنى عليهم وهو سبحانه عدل عن الطعام الذي هو اسم للمأكول إلى الإطعام الذي هو مصدر صريح وهذا نص في أنه إذا أطعم المساكين ولم يملكهم فقد امتثل ما أمر به وصح في كل لغة وعرف أنه أطعمهم .

        قالوا : وفي أي لغة لا يصدق لفظ الإطعام إلا بالتمليك ؟ ولما قال أنس رضي الله عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم أطعم الصحابة في وليمة زينب خبزا ولحما . كان قد اتخذ طعاما ودعاهم إليه على عادة الولائم وكذلك قوله في وليمة صفية أطعمهم حيسا وهذا أظهر من أن نذكر شواهده قالوا : وقد زاد ذلك إيضاحا وبيانا بقوله من أوسط ما تطعمون أهليكم [ المائدة 89 ] ومعلوم يقينا أن الرجل إنما يطعم أهله الخبز واللحم والمرق واللبن ونحو ذلك فإذا أطعم المساكين من ذلك فقد أطعمهم من أوسط ما يطعم أهله بلا شك ولهذا اتفق الصحابة رضي الله عنهم في إطعام الأهل على أنه غير مقدر كما تقدم والله سبحانه جعله أصلا لطعام الكفارة فدل بطريق الأولى على أن طعام الكفارة غير مقدر .

        وأما من قدر طعام الأهل فإنما أخذ من تقدير طعام الكفارة فيقال هذا خلاف مقتضى النص فإن الله أطلق طعام الأهل وجعله أصلا لطعام الكفارة فعلم أن طعام الكفارة لا يتقدر كما لا يتقدر أصله ولا يعرف عن صحابي البتة تقدير طعام الزوجة مع عموم هذه الواقعة في كل وقت .

        قالوا : فأما الفروق التي ذكرتموها فليس فيها ما يستلزم تقدير طعام الكفارة وحاصلها خمسة فروق أنها لا تختلف باليسار والإعسار وأنها لا تتقدر بالكفاية ولا أوجبها الشارع بالمعروف ولا يجوز إخراج العوض عنها وهي حق لله لا تسقط بالإسقاط بخلاف نفقة الزوجة فيقال نعم لا شك في صحة هذه الفروق ولكن من أين يستلزم وجوب تقديرها بمد ومدين ؟ بل هي إطعام واجب من جنس ما يطعم أهله ومع ثبوت هذه الأحكام لا يدل على تقديرها بوجه .

        وأما ما ذكرتم عن الصحابة من تقديرها فجوابه من وجهين .

        أحدهما : أنا قد ذكرنا عن جماعة منهم علي وأنس وأبو موسى وابن مسعود رضي الله عنهم أنهم قالوا : يجزئ أن يغديهم ويعشيهم .

        الثاني : أن من روي عنهم المد والمدان لم يذكروا ذلك تقديرا وتحديدا بل تمثيلا فإن منهم من روي عنه المد وروي عنه مدان وروي عنه مكوك وروي عنه جواز التغدية والتعشية وروي عنه أكلة وروي عنه رغيف أو رغيفان فإن كان هذا اختلافا فلا حجة فيه وإن كان بحسب حال المستفتي وبحسب حال الحالف والمكفر فظاهر وإن كان ذلك على سبيل التمثيل فكذلك . فعلى كل تقدير لا حجة فيه على التقديرين .

        قالوا : وأما الإطعام في فدية الأذى فليس من هذا الباب فإن الله سبحانه قال ففدية من صيام أو صدقة أو نسك [ البقرة 196 ] والله سبحانه أطلق هذه الثلاثة ولم ويقيدها . وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم تقييد الصيام بثلاثة أيام وتقييد النسك بذبح شاة وتقييد الإطعام بستة مساكين لكل مسكين نصف صاع ولم يقل سبحانه في فدية الأذى : فإطعام ستة مساكين ولكن أوجب صدقة مطلقة وصوما مطلقا ودما مطلقا فعينه النبي صلى الله عليه وسلم بالفرق والثلاثة الأيام والشاة .

        وأما جزاء الصيد فإنه من غير هذا الباب فإن المخرج إنما يخرج قيمة الصيد من الطعام وهي تختلف بالقلة والكثرة فإنها بدل متلف لا ينظر فيها إلى عدد المساكين وإنما ينظر فيها إلى مبلغ الطعام فيطعمه المساكين على ما يرى من إطعامهم وتفضيل بعضهم على بعض فتقدير الطعام فيها على حسب المتلف وهو يقل ويكثر وليس ما يعطاه كل مسكين مقدرا .

        ثم إن التقدير بالحب يستلزم أمرا باطلا بين البطلان فإنه إذا كان الواجب لها عليه شرعا الحب وأكثر الناس إنما يطعم أهله الخبز فإن جعلتم هذا معاوضة كان ربا ظاهرا وإن لم تجعلوه معاوضة فالحب ثابت لها في ذمته ولم تعتض عنه فلم تبرأ ذمته منه إلا بإسقاطها وإبرائها فإذا لم تبرئه طالبته بالحب مدة طويلة مع إنفاقه عليها كل يوم حاجتها من الخبز والأدم وإن مات أحدهما كان الحب دينا له أو عليه يؤخذ من التركة مع سعة الإنفاق عليها كل يوم .

        ومعلوم أن الشريعة الكاملة المشتملة على العدل والحكمة والمصلحة تأبى ذلك كل الإباء وتدفعه كل الدفع كما يدفعه العقل والعرف ولا يمكن أن يقال إن النفقة التي في ذمته تسقط بالذي له عليها من الخبز والأدم لوجهين أحدهما : أنه لم يبعه إياها ولا اقترضه منها حتى يثبت في ذمتها بل هي معه فيه على حكم الضيف لامتناع المعاوضة عن الحب بذلك شرعا . ولو قدر ثبوته في ذمتها لما أمكنت المقاصة لاختلاف الدينين جنسا والمقاصة تعتمد اتفاقهما .

        هذا وإن قيل بأحد الوجهين إنه لا يجوز المعاوضة على النفقة مطلقا لا بدراهم ولا بغيرها لأنه معاوضة عما لم يستقر ولم يجب فإنها إنما تجب شيئا فشيئا فإنه لا تصح المعاوضة عليها حتى تستقر بمضي الزمان فيعاوض عنها كما يعاوض عما هو مستقر في الذمة من الديون ولما لم يجد بعض أصحاب الشافعي من هذا الإشكال مخلصا قال الصحيح أنها إذا أكلت سقطت نفقتها .

        قال الرافعي في " محرره " : أولى الوجهين السقوط وصححه النووي لجريان الناس عليه في كل عصر ومصر واكتفاء الزوجة به . وقال الرافعي في " الشرح الكبير " و " الأوسط " : فيه وجهان . أقيسهما : أنها لا تسقط لأنه لم يوف الواجب وتطوع بما ليس بواجب وصرحوا بأن هذين الوجهين في الرشيدة التي أذن لها قيمها فإن لم يأذن لها لم تسقط وجها واحدا .



        فصل [ ما استنبط من حديث شكوى هند ]
        [ جواز ذكر العيوب عند الشكوى ]

        وفي حديث هند : دليل على جواز قول الرجل في غريمه ما فيه من العيوب عند شكواه وأن ذلك ليس بغيبة ونظير ذلك قول الآخر في خصمه يا رسول الله إنه فاجر لا يبالي ما حلف عليه .

        [ تفرد الأب بنفقة أولاده ]

        وفيه دليل على تفرد الأب بنفقة أولاده ولا تشاركه فيها الأم وهذا إجماع من العلماء إلا قول شاذ لا يلتفت إليه أن على الأم من النفقة بقدر ميراثها وزعم صاحب هذا القول أنه طرد القياس على كل من له ذكر وأنثى في درجة واحدة وهما وارثان فإن النفقة عليهما كما لو كان له أخ وأخت أو أم وجد أو ابن وبنت فالنفقة عليهما على قدر ميراثهما فكذلك الأب والأم .

        والصحيح انفراد العصبة بالنفقة وهذا كله كما ينفرد الأب دون الأم بالإنفاق وهذا هو مقتضى قواعد الشرع فإن العصبة تنفرد بحمل العقل وولاية النكاح وولاية الموت والميراث بالولاء وقد نص الشافعي على أنه إذا اجتمع أم وجد أو أب فالنفقة على الجد وحده وهو إحدى الروايات عن أحمد وهي الصحيحة في الدليل وكذلك إن اجتمع ابن وبنت أو أم وابن أو بنت وابن ابن فقال الشافعي : النفقة في هذه المسائل الثلاث على الابن لأنه العصبة وهي إحدى الروايات عن أحمد . والثانية أنها على قدر الميراث في المسائل الثلاث وقال أبو حنيفة : النفقة في مسألة الابن والبنت عليهما نصفان لتساويهما في القرب وفي مسألة بنت وابن ابن النفقة على البنت لأنها أقرب وفي مسألة أم وبنت على الأم الربع والباقي على البنت وهو قول أحمد وقال الشافعي : تنفرد بها البنت لأنها تكون عصبة مع أخيها والصحيح انفراد العصبة بالإنفاق لأنه الوارث المطلق .

        وفيه دليل على أن نفقة الزوجة والأقارب مقدرة بالكفاية وأن ذلك بالمعروف وأن لمن له النفقة له أن يأخذها بنفسه إذا منعه إياها من هي عليه .



        وقد احتج بهذا على جواز الحكم على الغائب ولا دليل فيه لأن أبا سفيان كان حاضرا في البلد لم يكن مسافرا والنبي صلى الله عليه وسلم لم يسألها البينة ولا يعطى المدعي بمجرد دعواه وإنما كان هذا فتوى منه صلى الله عليه وسلم . وقد احتج به على مسألة الظفر وأن للإنسان أن يأخذ من مال غريمه إذا ظفر به بقدر حقه الذي جحده إياه ولا يدل لثلاثة أوجه أحدها : أن سبب الحق هاهنا ظاهر وهو الزوجية فلا يكون الأخذ خيانة في الظاهر فلا يتناوله قول النبي صلى الله عليه وسلم أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ولهذا نص أحمد على المسألتين مفرقا بينهما فمنع من الأخذ في مسألة الظفر وجوز للزوجة الأخذ وعمل بكلا الحديثين .

        الثاني : أنه يشق على الزوجة أن ترفعه إلى الحاكم فيلزمه بالإنفاق أو الفراق وفي ذلك مضرة عليها مع تمكنها من أخذ حقها .

        الثالث أن حقها يتجدد كل يوم فليس هو حقا واحدا مستقرا يمكن أن تستدين عليه أو ترفعه إلى الحاكم بخلاف حق الدين .



        فصل [ هل تسقط النفقة بمضي الزمن ]
        وقد احتج بقصة هند هذه على أن نفقة الزوجة تسقط بمضي الزمان لأنه لم يمكنها من أخذ ما مضى لها من قدر الكفاية مع قولها : إنه لا يعطيها ما يكفيها ولا دليل فيها لأنها لم تدع به ولا طلبته وإنما استفتته هل تأخذ في المستقبل ما يكفيها ؟ فأفتاها بذلك . وبعد فقد اختلف الناس في نفقة الزوجات والأقارب هل يسقطان بمضي الزمان كلاهما أو لا يسقطان أو تسقط نفقة الأقارب دون الزوجات ؟ على ثلاثة أقوال .

        أحدها : أنهما يسقطان بمضي الزمان وهذا مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد .

        والثاني : أنهما لا يسقطان إذا كان القريب طفلا وهذا وجه للشافعية . والثالث تسقط نفقة القريب دون نفقة الزوجة وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي وأحمد ومالك .

        ثم الذين أسقطوه بمضي الزمان منهم من قال إذا كان الحاكم قد فرضها لم تسقط وهذا قول بعض الشافعية والحنابلة . ومنهم من قال لا يؤثر فرض الحاكم في وجوبها شيئا إذا سقطت بمضي الزمان والذي ذكره أبو البركات في " محرره " الفرق بين نفقة الزوجة ونفقة القريب في ذلك فقال وإذا غاب مدة ولم ينفق لزمه نفقة الماضي وعنه لا يلزمه إلا أن يكون الحاكم قد فرضها .

        وأما نفقة أقاربه فلا تلزمه لما مضى وإن فرضت إلا أن يستدان عليه بإذن الحاكم وهذا هو الصواب وأنه لا تأثير لفرض الحاكم في وجوب نفقة القريب لما مضى من الزمان نقلا وتوجيها أما النقل فإنه لا يعرف عن أحمد ولا عن قدماء أصحابه استقرار نفقة القريب بمضي الزمان إذا فرضها الحاكم ولا عن الشافعي وقدماء أصحابه والمحققين لمذهبه منهم كصاحب " المهذب " و " الحاوي " و " الشامل " و " النهاية " و " التهذيب " و " البيان " و " الذخائر " وليس في هذه الكتب إلا السقوط بدون استثناء فرض وإنما يوجد استقرارها إذا فرضها الحاكم في " الوسيط " و " الوجيز " وشرح الرافعي وفروعه وقد صرح نصر المقدسي في " تهذيبه " والمحاملي في " العدة " ومحمد بن عثمان في " التمهيد " والبندنيجي في " المعتمد " بأنها لا تستقر ولو فرضها الحاكم وعللوا السقوط بأنها تجب على وجه المواساة لإحياء النفس ولهذا لا تجب مع يسار المنفق عليه وهذا التعليل يوجب سقوطها فرضت أو لم تفرض .

        وقال أبو المعالي : ومما يدل على ذلك أن نفقة القريب إمتاع لا تمليك وما لا يجب فيه التمليك وانتهى إلى الكفاية استحال مصيره دينا في الذمة واستبعد لهذا التعليل قول من يقول إن نفقة الصغير تستقر بمضي الزمان وبالغ في تضعيفه من جهة أن إيجاب الكفاية مع إيجاب عوض ما مضى متناقض ثم اعتذر عن تقديرها في صورة الحمل على الأصح . إذا قلنا : إن النفقة له بأن الحامل مستحقة لها أو منتفعة بها فهي كنفقة الزوجة . قال ولهذا قلنا : تتقدر ثم قال هذا في الحمل والولد الصغير أما نفقة غيرهما فلا تصير دينا أصلا . انتهى .

        وهذا الذي قاله هؤلاء هو الصواب فإن في تصور فرض الحاكم نظرا لأنه إما أن يعتقد سقوطها بمضي الزمان أو لا فإن كان يعتقده لم يسغ له الحكم بخلافه وإلزام ما يعتقد أنه غير لازم وإن كان لا يعتقد سقوطها مع أنه لا يعرف به قائل إلا في الطفل الصغير على وجه لأصحاب الشافعي . فإما أن يعني بالفرض الإيجاب أو إثبات الواجب أو تقديره أو أمرا رابعا فإن أريد به الإيجاب فهو تحصيل الحاصل ولا أثر لفرضه وكذلك إن أريد به إثبات الواجب ففرضه وعدمه سيان وإن أريد به تقدير الواجب فالتقدير إنما يؤثر في صفة الواجب من الزيادة والنقصان لا في سقوطه ولا ثبوته فلا أثر لفرضه في الواجب البتة هذا مع ما في التقدير من مصادمة الأدلة التي تقدمت على أن الواجب النفقة بالمعروف فيطعمهم مما يأكل ويكسوهم مما يلبس . وإن أريد به أمر رابع فلا بد من بيانه لينظر فيه .

        فإن قيل الأمر الرابع المراد هو عدم السقوط بمضي الزمان فهذا هو محل الحكم وهو الذي أثر فيه حكم الحاكم وتعلق به . قيل فكيف يمكن أن يعتقد السقوط ثم يلزم ويقضي بخلافه ؟ وإن اعتقد عدم السقوط فخلاف الإجماع ومعلوم أن حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته فإذا كانت صفة هذا الواجب سقوطه بمضي الزمان شرعا لم يزله حكم الحاكم عن صفته .

        فإن قيل بقي قسم آخر وهو أن يعتقد الحاكم السقوط بمضي الزمان ما لم يفرض فإن فرضت استقرت فهو يحكم باستقرارها لأجل الفرض لا بنفس مضي الزمان . قيل هذا لا يجدي شيئا فإنه إذا اعتقد سقوطها بمضي الزمان وإن هذا هو الحق والشرع لم يجز له أن يلزم بما يعتقد سقوطه وعدم ثبوته وما هذا إلا بمثابة ما لو ترافع إليه مضطر وصاحب طعام غير مضطر فقضي به للمضطر بعوضه فلم يتفق أخذه حتى زال الاضطرار ولم يعط صاحبه العوض أنه يلزمه بالعوض ويلزم صاحب الطعام ببذله له والقريب يستحق النفقة لإحياء مهجته فإذا مضى زمن الوجوب حصل مقصود الشارع من إحيائه فلا فائدة في الرجوع بما فات من سبب الإحياء ووسيلته مع حصول المقصود والاستغناء عن السبب بسبب آخر .

        فإن قيل فهذا ينتقض عليكم بنفقة الزوجة فإنها تستقر بمضي الزمان ولو لم تفرض مع حصول هذا المعنى الذي ذكرتموه بعينه .



        [ الفرق بين نفقة الأقارب والزوجات ]
        قيل النقض لا بد أن يكون بمعلوم الحكم بالنص أو الإجماع وسقوط نفقة الزوجة بمضي الزمان مسألة نزاع فأبو حنيفة وأحمد في رواية يسقطانها والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى لا يسقطانها والذين لا يسقطونها فرقوا بينها وبين نفقة القريب بفروق .

        أحدها : أن نفقة القريب صلة .

        الثاني : أن نفقة الزوجة تجب مع اليسار والإعسار بخلاف نفقة القريب .

        الثالث أن نفقة الزوجة تجب مع استغنائها بمالها ونفقة القريب لا تجب إلا مع إعساره وحاجته .

        الرابع أن الصحابة رضي الله عنهم أوجبوا للزوجة نفقة ما مضى ولا يعرف عن أحد منهم قط أنه أوجب للقريب نفقة ما مضى فصح عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم بأن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى ولم يخالف عمر رضي الله عنه في ذلك منهم مخالف .

        قال ابن المنذر رحمه الله هذه نفقة وجبت بالكتاب والسنة والإجماع ولا يزول ما وجب بهذه الحجج إلا بمثلها .

        قال المسقطون قد شكت هند إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا سفيان لا يعطيها كفايتها فأباح لها أن تأخذ في المستقبل قدر الكفاية ولم يجوز لها أخذ ما مضى وقولكم إنها نفقة معاوضة فالمعاوضة إنما هي بالصداق وإنما النفقة لكونها في حبسه فهي عانية عنده كالأسير فهي من جملة عياله ونفقتها مواساة وإلا فكل من الزوجين يحصل له من الاستمتاع مثل ما يحصل للآخر وقد عاوضها على المهر فإذا استغنت عن نفقة ما مضى فلا وجه لإلزام الزوج به والنبي صلى الله عليه وسلم جعل نفقة الزوجة كنفقة القريب بالمعروف وكنفقة الرقيق فالأنواع الثلاثة إنما وجبت بالمعروف مواساة لإحياء نفس من هو في ملكه وحبسه ومن بينه وبينه رحم وقرابة فإذا استغنى عنها بمضي الزمان فلا وجه لإلزام الزوج بها وأي معروف في إلزامه نفقة ما مضى وحبسه على ذلك والتضييق عليه وتعذيبه بطول الحبس وتعريض الزوجة لقضاء أوطارها من الدخول والخروج وعشرة الأخدان بانقطاع زوجها عنها وغيبة نظره عليها كما هو الواقع وفي ذلك من الفساد المنتشر ما لا يعلمه إلا الله حتى إن الفروج لتعج إلى الله من حبس حماتها ومن يصونها عنها وتسييبها في أوطارها ومعاذ الله أن يأتي شرع الله لهذا الفساد الذي قد استطار شراره واستعرت ناره وإنما أمر عمر بن الخطاب الأزواج إذا طلقوا أن يبعثوا بنفقة ما مضى ولم يأمرهم إذا قدموا أن يفرضوا نفقة ما مضى ولا يعرف ذلك عن صحابي البتة ولا يلزم من الإلزام بالنفقة الماضية بعد الطلاق وانقطاعها بالكلية الإلزام بها إذا عاد الزوج إلى النفقة والإقامة واستقبل الزوجة بكل ما تحتاج إليه فاعتبار أحدهما بالآخر غير صحيح ونفقة الزوجة تجب يوما بيوم فهي كنفقة القريب وما مضى فقد استغنت عنه بمضي وقته فلا وجه لإلزام الزوج به وذلك منشأ العداوة والبغضاء بين الزوجين وهو ضد ما جعله الله بينهما من المودة والرحمة وهذا القول هو الصحيح المختار الذي لا تقتضي الشريعة غيره وقد صرح أصحاب الشافعي بأن كسوة الزوجة وسكنها يسقطان بمضي الزمان إذا قيل إنهما إمتاع لا تمليك فإن لهم في ذلك وجهين .

        صل [ فرض الدراهم في النفقة لا أصل له في الكتاب والسنة ]
        وأما فرض الدراهم فلا أصل له في كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم البتة ولا التابعين ولا تابعيهم ولا نص عليه أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من أئمة الإسلام وهذه كتب الآثار والسنن وكلام الأئمة بين أظهرنا فأوجدونا من ذكر فرض الدراهم .

        والله سبحانه أوجب نفقة الأقارب والزوجات والرقيق بالمعروف وليس من المعروف فرض الدراهم بل المعروف الذي نص عليه صاحب الشرع أن يطعمهم مما يأكل ويكسوهم مما يلبس ليس المعروف سوى هذا وفرض الدراهم على المنفق من المنكر وليست الدراهم من الواجب ولا عوضه ولا يصح الاعتياض عما لم يستقر ولم يملك فإن نفقة الأقارب والزوجات إنما تجب يوما فيوما ولو كانت مستقرة لم تصح المعاوضة عنها بغير رضى الزوج والقريب فإن الدراهم تجعل عوضا عن الواجب الأصلي وهو إما البر عند الشافعي أو الطعام المعتاد عند الجمهور فكيف يجبر على المعاوضة على ذلك بدراهم من غير رضاه ولا إجبار صاحب الشرع له على ذلك فهذا مخالف لقواعد الشرع ونصوص الأئمة ومصالح العباد ولكن إن اتفق المنفق والمنفق عليه على ذلك جاز باتفاقهما هذا مع أنه في جواز اعتياض الزوجة عن النفقة الواجبة لها نزاع معروف في مذهب الشافعي وغيره فقيل لا تعتاض لأن نفقتها طعام ثبت في الذمة عوضا فلا تعتاض عنه قبل القبض كالمسلم فيه وعلى هذا فلا يجوز الاعتياض لا بدراهم ولا ثياب ولا شيء البتة وقيل تعتاض بغير الخبز والدقيق فإن الاعتياض بهما ربا هذا إذا كان الاعتياض عن الماضي فإن كان عن المستقبل لم يصح عندهم وجها واحدا لأنها بصدد السقوط فلا يعلم استقرارها .



        ذكر ما روي من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم
        في تمكين المرأة من فراق زوجها إذا أعسر بنفقتها
        روى البخاري في " صحيحه " من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الصدقة ما ترك غنى وفي لفظ ما كان عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ويقول العبد أطعمني واستعملني ويقول الولد أطعمني إلى من تدعني ؟ قالوا : يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال لا . هذا من كيس أبي هريرة . .

        وذكر النسائي هذا الحديث في كتابه وقال فيه وابدأ بمن تعول " فقيل من أعول يا رسول الله ؟ قال " امرأتك تقول أطعمني وإلا فارقني خادمك يقول أطعمني واستعملني ولدك يقول أطعمني إلى من تتركني . وهذا في جميع نسخ كتاب النسائي هكذا وهو عنده من حديث سعيد بن أيوب عن محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه وسعيد ومحمد ثقتان .

        وقال الدارقطني حدثنا أبو بكر الشافعي حدثنا محمد بن بشر بن مطر حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المرأة تقول لزوجها : أطعمني أو طلقني الحديث .

        وقال الدارقطني حدثنا عثمان بن أحمد بن السماك وعبد الباقي ابن قانع وإسماعيل بن علي قالوا : أخبرنا أحمد بن علي الخزاز حدثنا إسحاق بن إبراهيم الباوردي حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال يفرق بينهما . وبهذا الإسناد إلى حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . وقال سعيد بن منصور في " سننه " حدثنا سفيان عن أبي الزناد قال سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته أيفرق بينهما ؟ قال نعم . قلت سنة ؟ قال سنة . وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فغايته أن يكون من مراسيل سعيد بن المسيب .

        واختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة على أقوال .

        أحدها : أنه يجبر على أن ينفق أو يطلق روى سفيان عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن ابن المسيب قال إذا لم يجد الرجل ما ينفق على امرأته أجبر على طلاقها .

        الثاني : إنما يطلقها عليه الحاكم وهذا قول مالك لكنه قال يؤجل في عدم النفقة شهرا ونحوه فإن انقضى الأجل وهي حائض أخر حتى تطهر وفي الصداق عامين ثم يطلقها عليه الحاكم طلقة رجعية فإن أيسر في العدة فله ارتجاعها وللشافعي قولان . أحدهما : أن الزوجة تخير إن شاءت أقامت معه وتبقى نفقة المعسر دينا لها في ذمته . قال أصحابه هذا إذا أمكنته من نفسها وإن لم تمكنه سقطت نفقتها وإن شاءت فسخت النكاح .

        والقول الثاني : ليس لها أن تفسخ لكن يرفع الزوج يده عنها لتكتسب والمذهب أنها تملك الفسخ . قالوا : وهل هو طلاق أو فسخ ؟ فيه وجهان .



        [هل هذا الفراق طلاق أو فسخ ]

        أحدهما : أنه طلاق فلا بد من الرفع إلى القاضي حتى يلزمه أن يطلقها أو ينفق فإن أبى طلق الحاكم عليه طلقة رجعية فإن راجعها طلق عليه ثانية فإن راجعها طلق عليه ثالثة .

        والثاني : أنه فسخ فلا بد من الرفع إلى الحاكم ليثبت الإعسار ثم تفسخ هي وإن اختارت المقام ثم أرادت الفسخ ملكته لأن النفقة يتجدد وجوبها كل يوم وهل تملك الفسخ في الحال أو لا تملكه إلا بعد مضي ثلاثة أيام ؟ وفيه قولان . الصحيح عندهم الثاني . قالوا : فلو وجد في اليوم الثالث نفقتها وتعذر عليه نفقة اليوم الرابع فهل يجب استئناف هذا الإمهال ؟ فيه وجهان . وقال حماد بن أبي سليمان : يؤجل سنة ثم يفسخ قياسا على العنين .

        وقال عمر بن عبد العزيز : يضرب له شهر أو شهران . وقال مالك : الشهر ونحوه . وعن أحمد روايتان . إحداهما وهي ظاهر مذهبه أن المرأة تخير بين المقام معه وبين الفسخ فإن اختارت الفسخ رفعته إلى الحاكم فيخير الحاكم بين أن يفسخ عليه أو يجبره على الطلاق أو يأذن لها في الفسخ فإن فسخ أو أذن في الفسخ فهو فسخ لا طلاق ولا رجعة له وإن أيسر في العدة . وإن أجبره على الطلاق فطلق رجعيا فله رجعتها فإن راجعها وهو معسر أو امتنع من الإنفاق عليها فطلبت الفسخ فسخ عليه ثانيا وثالثا وإن رضيت المقام معه مع عسرته ثم بدا لها الفسخ أو تزوجته عالمة بعسرته ثم اختارت الفسخ فلها ذلك .

        قال القاضي : وظاهر كلام أحمد أنه ليس لها الفسخ في الموضعين ويبطل خيارها وهو قول مالك لأنها رضيت بعيبه ودخلت في العقد عالمة به فلم تملك الفسخ كما لو تزوجت عنينا عالمة بعنته . وقالت بعد العقد قد رضيت به عنينا . وهذا الذي قاله القاضي : هو مقتضى المذهب والحجة .

        والذين قالوا : لها الفسخ - وإن رضيت بالمقام - قالوا : حقها متجدد كل يوم فيتجدد لها الفسخ بتجدد حقها قالوا : ولأن رضاها يتضمن إسقاط حقها فيما لم يجب فيه من الزمان فلم يسقط كإسقاط الشفعة قبل البيع . قالوا : وكذلك لو أسقطت النفقة المستقبلة لم تسقط وكذلك لو أسقطتها قبل العقد جملة ورضيت بلا نفقة وكذلك لو أسقطت المهر قبله لم يسقط وإذا لم يسقط وجوبها لم يسقط الفسخ الثابت به . والذين قالوا بالسقوط أجابوا عن ذلك بأن حقها في الجماع يتجدد ومع هذا إذا أسقطت حقها من الفسخ بالعنة سقط ولم تملك الرجوع فيه .

        قالوا : وقياسكم ذلك على إسقاط نفقتها قياس على أصل غير متفق عليه ولا ثابت بالدليل بل الدليل يدل على سقوط الشفعة بإسقاطها قبل البيع كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق بالبيع وهذا صريح في أنه إذا أسقطها قبل البيع لم يملك طلبها بعده وحينئذ فيجعل هذا أصلا لسقوط حقها من النفقة بالإسقاط ونقول خيار لدفع الضرر فسقط بإسقاطه قبل ثبوته كالشفعة ثم ينتقض هذا بالعيب في العين المؤجرة فإن المستأجر إذا دخل عليه أو علم به ثم اختار ترك الفسخ لم يكن له الفسخ بعد هذا وتجدد حقه بالانتفاع كل وقت كتجدد حق المرأة من النفقة سواء ولا فرق وأما قوله لو أسقطها قبل النكاح أو أسقط المهر قبله لم يسقط فليس إسقاط الحق قبل انعقاد سببه بالكلية كإسقاطه بعد انعقاد سببه هذا إن كان في المسألة إجماع وإن كان فيها خلاف فلا فرق بين الإسقاطين وسوينا بين الحكمين وإن كان بينهما فرق امتنع القياس .

        وعنه رواية أخرى : ليس لها الفسخ وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه . وعلى هذا لا يلزمها تمكينه من الاستمتاع لأنه لم يسلم إليها عوضه فلم يلزمها تسليمه كما لو أعسر المشتري بثمن المبيع لم يجب تسليمه إليه وعليه تخلية سبيلها لتكتسب لها وتحصل ما تنفقه على نفسها لأن في حبسها بغير نفقة إضرارا بها .

        فإن قيل فلو كانت موسرة فهلا يملك حبسها ؟ قيل قد قالوا أيضا : لا يملك حبسها لأنه إنما يملكه إذا كفاها المؤنة وأغناها عما لا بد لها منه من النفقة والكسوة ولحاجته إلى الاستمتاع الواجب له عليها فإذا انتفى هذا وهذا لم يملك حبسها وهذا قول جماعة من السلف والخلف .

        ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال سألت عطاء عمن لا يجد ما يصلح امرأته من النفقة ؟ قال ليس لها إلا ما وجدت ليس لها أن يطلقها . وروى حماد بن سلمة عن جماعة عن الحسن البصري أنه قال في الرجل يعجز عن نفقة امرأته قال تواسيه وتتقي الله وتصبر وينفق عليها ما استطاع . وذكر عبد الرزاق عن معمر قال سألت الزهري عن رجل لا يجد ما ينفق على امرأته أيفرق بينهما ؟ قال تستأني به ولا يفرق بينهما وتلا : لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا [ الطلاق 7 ] . قال معمر وبلغني عن عمر بن عبد العزيز مثل قول الزهري سواء . وذكر عبد الرزاق عن سفيان الثوري في المرأة يعسر زوجها بنفقتها : قال هي امرأة ابتليت فلتصبر ولا تأخذ بقول من فرق بينهما .

        قلت عن عمر بن عبد العزيز ثلاث روايات هذه إحداها . والثانية روى ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال شهدت عمر بن عبد العزيز يقول لزوج امرأة شكت إليه أنه لا ينفق عليها : اضربوا له أجلا شهرا أو شهرين فإن لم ينفق عليها إلى ذلك الأجل فرقوا بينه وبينها .

        والثالثة ذكر ابن وهب عن ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن أن رجلا شكا إلى عمر بن عبد العزيز بأنه أنكح ابنته رجلا لا ينفق عليها فأرسل إلى الزوج فأتى فقال أنكحني وهو يعلم أنه ليس لي شيء فقال عمر أنكحته وأنت تعرفه ؟ قال نعم . قال فما الذي أصنع ؟ اذهب بأهلك .



        [مذهب من لم ير الفسخ بالإعسار ]

        والقول بعدم التفريق مذهب أهل الظاهر كلهم وقد تناظر فيها مالك وغيره فقال مالك أدركت الناس يقولون إذا لم ينفق الرجل على امرأته فرق بينهما . فقيل له قد كانت الصحابة رضي الله عنهم يعسرون ويحتاجون فقال مالك ليس الناس اليوم كذلك إنما تزوجته رجاء .

        ومعنى كلامه أن نساء الصحابة رضي الله عنهم كن يردن الدار الآخرة وما عند الله ولم يكن مرادهن الدنيا فلم يكن يبالين بعسر أزواجهن لأن أزواجهن كانوا كذلك . وأما النساء اليوم فإنما يتزوجن رجاء دنيا الأزواج ونفقتهم وكسوتهم فالمرأة إنما تدخل اليوم على رجاء الدنيا فصار هذا المعروف كالمشروط في العقد وكان عرف الصحابة ونسائهم كالمشروط في العقد والشرط العرفي في أصل مذهبه كاللفظي وإنما أنكر على مالك كلامه هذا من لم يفهمه ويفهم غوره .



        [مذهب من قال بالحبس في الإعسار ]

        وفي المسألة مذهب آخر وهو أن الزوج إذا أعسر بالنفقة حبس حتى يجد ما ينفقه وهذا مذهب حكاه الناس عن ابن حزم وصاحب " المغني " وغيرهما عن عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة . ويالله العجب لأي شيء يسجن ويجمع عليه بين عذاب السجن وعذاب الفقر وعذاب البعد عن أهله ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم وما أظن من شم رائحة العلم يقول هذا .

        [ مذهب ابن حزم من تكليف المرأة الإنفاق على الزوج إذ كان عاجزا عن نفقة نفسه ]

        وفي المسألة مذهب آخر وهو أن المرأة تكلف الإنفاق عليه إذا كان عاجزا عن نفقة نفسه وهذا مذهب أبي محمد ابن حزم وهو خير بلا شك من مذهب العنبري . قال في " المحلى " : فإن عجز الزوج عن نفقة نفسه وامرأته غنية - 462 كلفت النفقة عليه ولا ترجع بشيء من ذلك إن أيسر برهان ذلك قول الله عز وجل وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك [ البقرة 233 ] فالزوجة وارثة فعليها النفقة بنص القرآن .

        ويا عجبا لأبي محمد لو تأمل سياق الآية لتبين له منها خلاف ما فهمه فإن الله سبحانه قال وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف وهذا ضمير الزوجات بلا شك ثم قال وعلى الوارث مثل ذلك فجعل سبحانه على وارث المولود له أو وارث الولد من رزق الوالدات وكسوتهن بالمعروف مثل ما على الموروث فأين في الآية نفقة على غير الزوجات ؟ حتى يحمل عمومها على ما ذهب إليه .



        [حجج من لم ير الفسخ بالإعسار ]

        واحتج من لم ير الفسخ بالإعسار بقوله تعالى : لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها [ الطلاق 7 ] قالوا : وإذا لم يكلفه الله النفقة في هذه الحال فقد ترك ما لا يجب عليه ولم يأثم بتركه فلا يكون سببا للتفريق بينه وبين حبه وسكنه وتعذيبه بذلك . قالوا : وقد روى مسلم في " صحيحه " : من حديث أبي الزبير عن جابر دخل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجداه جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا فقال أبو بكر يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال هن حولي كما ترى يسألنني النفقة فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها كلاهما يقول تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده فقلن والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ما ليس عنده ثم اعتزلهن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا وذكر الحديث .

        - 463 قالوا : فهذا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يضربان ابنتيهما بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سألاه نفقة لا يجدها . ومن المحال أن يضربا طالبتين للحق ويقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك فدل على أنه لا حق لهما فيما طلبتاه من النفقة في حال الإعسار وإذا كان طلبهما لها باطلا فكيف تمكن المرأة من فسخ النكاح بعدم ما ليس لها طلبه ولا يحل لها وقد أمر الله سبحانه صاحب الدين أن ينظر المعسر إلى الميسرة وغاية النفقة أن تكون دينا والمرأة مأمورة بإنظار الزوج إلى الميسرة بنص القرآن هذا إن قيل تثبت في ذمة الزوج وإن قيل تسقط بمضي الزمان فالفسخ أبعد وأبعد .

        قالوا : فالله تعالى أوجب على صاحب الحق الصبر على المعسر وندبه إلى الصدقة بترك حقه وما عدا هذين الأمرين فجور لم يبحه له ونحن نقول لهذه المرأة كما قال الله تعالى لها سواء بسواء إما أن تنظريه إلى الميسرة وإما أن تصدقي ولا حق لك فيما عدا هذين الأمرين .

        قالوا ولم يزل في الصحابة المعسر والموسر وكان معسروهم أضعاف أضعاف موسريهم فما مكن النبي صلى الله عليه وسلم قط امرأة واحدة من الفسخ بإعسار زوجها ولا أعلمها أن الفسخ حق لها فإن شاءت صبرت وإن شاءت فسخت وهو يشرع الأحكام عن الله تعالى بأمره فهب أن الأزواج تركن حقهن أفما كان فيهن امرأة واحدة تطالب بحقها وهؤلاء نساؤه صلى الله عليه وسلم خير نساء العالمين يطالبنه بالنفقة حتى أغضبنه وحلف ألا يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن فلو كان من المستقر في شرعه أن المرأة تملك الفسخ بإعسار زوجها لرفع إليه ذلك ولو من امرأة واحدة وقد رفع إليه ما ضرورته دون ضرورة فقد النفقة من فقد النكاح وقالت له امرأة رفاعة إني نكحت بعد رفاعة عبد الرحمن بن الزبير وإن ما معه مثل هدبة الثوب . تريد أن يفرق بينه وبينها . ومن المعلوم أن هذا كان فيهم في - 464 غاية الندرة بالنسبة إلى الإعسار فما طلبت منه امرأة واحدة أن يفرق بينه وبينها بالإعسار .

        قالوا : وقد جعل الله الفقر والغنى مطيتين للعباد فيفتقر الرجل الوقت ويستغني الوقت فلو كان كل من افتقر فسخت عليه امرأته لعم البلاء وتفاقم الشر وفسخت أنكحة أكثر العالم وكان الفراق بيد أكثر النساء فمن الذي لم تصبه عسرة ويعوز النفقة أحيانا .

        قالوا : ولو تعذر من المرأة الاستمتاع بمرض متطاول وأعسرت بالجماع لم يمكن الزوج من فسخ النكاح بل يوجبون عليه النفقة كاملة مع إعسار زوجته بالوطء فكيف يمكنونها من الفسح بإعساره عن النفقة التي غايتها أن تكون عوضا عن الاستمتاع ؟ قالوا : وأما حديث أبي هريرة فقد صرح فيه بأن قوله امرأتك تقول أنفق علي وإلا طلقني من كيسه لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وهذا في " الصحيح " عنه . ورواه عنه سعيد بن أبي سعيد وقال ثم يقول أبو هريرة . إذا حدث بهذا الحديث امرأتك تقول فذكر الزيادة .

        وأما حديث حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله فأشار إلى حديث يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته . قال يفرق بينهما فحديث منكر لا يحتمل أن يكون عن النبي صلى الله عليه وسلم أصلا وأحسن أحواله أن يكون عن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفا والظاهر أنه روي بالمعنى وأراد قول أبي هريرة رضي الله عنه امرأتك تقول أطعمني أو طلقني وأما أن يكون عند أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته فقال يفرق بينهما فوالله ما قال هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سمعه أبو هريرة ولا حدث به كيف وأبو هريرة لا يستجيز أن يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم امرأتك تقول أطعمني وإلا طلقني - 465 ويقول هذا من كيس أبي هريرة لئلا يتوهم نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

        والذي تقتضيه أصول الشريعة وقواعدها في هذه المسألة أن الرجل إذا غر المرأة بأنه ذو مال فتزوجته على ذلك فظهر معدما لا شيء له أو كان ذا مال وترك الإنفاق على امرأته ولم تقدر على أخذ كفايتها من ماله بنفسها ولا بالحاكم أن لها الفسخ وإن تزوجته عالمة بعسرته أو كان موسرا ثم أصابته جائحة اجتاحت ماله فلا فسخ لها في ذلك ولم تزل الناس تصيبهم الفاقة بعد اليسار ولم ترفعهم أزواجهم إلى الحكام ليفرقوا بينهم وبينهن وبالله التوفيق .



        [هل يثبت الفسخ بالإعسار بالصداق ]

        وقد قال جمهور الفقهاء لا يثبت لها الفسخ بالإعسار بالصداق وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه وهو الصحيح من مذهب أحمد رحمه الله اختاره عامة أصحابه وهو قول كثير من أصحاب الشافعي . وفصل الشيخ أبو إسحاق وأبو علي بن أبي هريرة فقالا : إن كان قبل الدخول ثبت به الفسخ وبعده لا يثبت وهو أحد الوجوه من مذهب أحمد هذا مع أنه عوض محض وهو أحق أن يوفى من ثمن المبيع كما دل عليه النص كل ما تقرر في عدم الفسخ به فمثله في النفقة وأولى .

        فإن قيل في الإعسار بالنفقة من الضرر اللاحق بالزوجة ما ليس في الإعسار بالصداق فإن البنية تقوم بدونه بخلاف النفقة . قيل والبنية قد تقوم بدون نفقته بأن تنفق من مالها أو ينفق عليها ذو قرابتها أو تأكل من غزلها وبالجملة فتعيش بما تعيش به زمن العدة وتقدر زمن عسرة الزوج كله عدة .

        ثم الذين يجوزون لها الفسخ يقولون لها أن تفسخ ولو كان معها القناطير المقنطرة من الذهب والفضة إذا عجز الزوج عن نفقتها وبإزاء هذا القول قول منجنيق الغرب أبي محمد ابن حزم : إنه يجب عليها أن تنفق عليه في هذه الحال فتعطيه مالها وتمكنه من نفسها ومن العجب قول العنبري بأنه يحبس .

        وإذا تأملت أصول الشريعة وقواعدها وما اشتملت عليه من المصالح ودرء - 466 المفاسد ودفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما تبين لك القول الراجح من هذه الأقوال وبالله التوفيق .



        فصل في حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم
        الموافق لكتاب الله أنه لا نفقة للمبتوتة ولا سكنى
        روى مسلم في " صحيحه " عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته فقال والله مالك علينا من شيء فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له وما قال فقال ليس لك عليه نفقة " فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال " تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فإذا حللت فآذنيني . قالت فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له انكحي أسامة بن زيد " فكرهته ثم قال " انكحي أسامة بن زيد " فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت

        وفي " صحيحه " أيضا : عنها أنها طلقها زوجها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أنفق عليها نفقة دونا فلما رأت ذلك قالت والله لأعلمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كانت لي نفقة أخذت الذي يصلحني وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ منه شيئا قالت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا نفقة لك ولا سكنى

        وفي " صحيحه " أيضا عنها أن أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا ثم انطلق إلى اليمن فقال لها أهله ليس لك علينا نفقة فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة فقالوا : إن أبا حفص طلق امرأته ثلاثا فهل لها من نفقة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست لها نفقة وعليها العدة وأرسل إليها : " أن لا تسبقيني بنفسك " وأمرها أن تنتقل إلى أم شريك ثم أرسل إليها : أن أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون فانطلقي إلى ابن أم مكتوم الأعمى فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك فانطلقت إليه فلما انقضت عدتها أنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بن حارثة

        وفي " صحيحه " أيضا عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقة فقالا لها : والله ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملا فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له قولهما فقال " لا نفقة لك " فاستأذنته في الانتقال فأذن لها فقالت أين يا رسول الله ؟ قال " إلى ابن أم مكتوم " وكان أعمى تضع ثيابها عنده ولا يراها فلما مضت عدتها أنكحها النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد فأرسل إليها مروان قبيصة بن ذؤيب يسألها عن الحديث فحدثته به فقال مروان لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان بيني وبينكم القرآن قال الله عز وجل لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة إلى قوله لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا [ الطلاق 1 ] قالت هذا لمن كان له مراجعة فأي أمر يحدث بعد الثلاث ؟ فكيف تقولون لا نفقة لها إذا لم تكن حاملا فعلام تحبسونها ؟

        وروى أبو داود في هذا الحديث بإسناد مسلم عقيب قول عياش بن أبي ربيعة والحارث بن هشام : لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا فاتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا . وفي " صحيحه " أيضا عن الشعبي قال دخلت على فاطمة بنت قيس فسألتها عن قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها فقالت طلقها زوجها البتة فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في السكنى والنفقة قالت فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم

        وفي " صحيحه " عن أبي بكر بن أبي الجهم العدوي قال سمعت فاطمة بنت قيس تقول طلقها زوجها ثلاثا فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم سكنى ولا نفقة قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حللت فآذنيني فآذنته فخطبها معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما معاوية فرجل ترب لا مال له وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء ولكن أسامة بن زيد ‏ فقالت بيدها هكذا : أسامة أسامة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم طاعة الله وطاعة رسوله خير لك ‏ فتزوجته فاغتبطت .

        وفي " صحيحه " أيضا عنها قالت أرسل إلي زوجي أبو عمرو بن حفص بن المغيرة عياش بن أبي ربيعة بطلاقي فأرسل معه بخمسة آصع تمر وخمسة آصع شعير فقلت أما لي نفقة إلا هذا ؟ ولا أعتد في منزلكم ؟ قال لا فشددت علي ثيابي وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كم طلقك ؟ " قلت ثلاثا . قال " صدق ليس لك نفقة اعتدي في بيت ابن عمك ابن أم مكتوم فإنه ضرير البصر تضعين ثوبك عنده فإذا انقضت عدتك فآذنيني

        وروى النسائي في " سننه " هذا الحديث بطرقه وألفاظه وفي بعضها بإسناد صحيح لا مطعن فيه فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة ورواه الدارقطني وقال فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له قالت فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة وقال إنما السكنى والنفقة لمن يملك الرجعة وروى النسائي أيضا هذا اللفظ وإسنادهما صحيح .

        ذكر موافقة هذا الحكم لكتاب الله عز وجل

        قال الله تعالى : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله إلى قوله قد جعل الله لكل شيء قدرا [ الطلاق 1 - 3 ] فأمر الله سبحانه الأزواج الذين لهم عند بلوغ الأجل الإمساك والتسريح بأن لا يخرجوا أزواجهم من بيوتهم وأمر أزواجهن أن لا يخرجن فدل على جواز إخراج من ليس لزوجها إمساكها بعد الطلاق فإنه سبحانه ذكر لهؤلاء المطلقات أحكاما متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض .

        أحدها : أن الأزواج لا يخرجوهن من بيوتهن .

        والثاني : أنهن لا يخرجن من بيوت أزواجهن .

        والثالث أن لأزواجهن إمساكهن بالمعروف قبل انقضاء الأجل وترك الإمساك فيسرحوهن بإحسان .

        والرابع إشهاد ذوي عدل وهو إشهاد على الرجعة إما وجوبا وإما استحبابا وأشار سبحانه إلى حكمة ذلك وأنه في الرجعيات خاصة بقوله لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا والأمر الذي يرجى إحداثه هاهنا : هو المراجعة .

        هكذا قال السلف ومن بعدهم قال ابن أبي شيبة : حدثنا أبو معاوية عن داود الأودي عن الشعبي : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا قال لعلك تندم فيكون لك سبيل إلى الرجعة وقال الضحاك لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا قال لعله أن يراجعها في العدة وقاله عطاء وقتادة والحسن وقد تقدم قول فاطمة بنت قيس : أي أمر يحدث بعد الثلاث ؟ فهذا يدل على أن الطلاق المذكور هو الرجعي الذي ثبتت فيه هذه الأحكام وأن حكمة أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين اقتضته لعل الزوج أن يندم ويزول الشر الذي نزغه الشيطان بينهما فتتبعها نفسه فيراجعها كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لو أن الناس أخذوا بأمر الله في الطلاق ما تتبع رجل نفسه امرأة يطلقها أبدا

        ثم ذكر سبحانه الأمر بإسكان هؤلاء المطلقات فقال أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم [ الطلاق 6 ] فالضمائر كلها يتحد مفسرها وأحكامها كلها متلازمة وكان قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة مشتقا من كتاب الله عز وجل ومفسرا له وبيانا لمراد المتكلم به منه فقد تبين اتحاد قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتاب الله عز وجل والميزان العادل معهما أيضا لا يخالفهما فإن النفقة إنما تكون للزوجة فإذا بانت منه صارت أجنبية حكمها حكم سائر الأجنبيات ولم يبق إلا مجرد اعتدادها منه وذلك لا يوجب لها نفقة كالموطوءة بشبهة أو زنى ولأن النفقة إنما تجب في مقابلة التمكن من الاستمتاع وهذا لا يمكن استمتاعه بها بعد بينونتها ولأن النفقة لو وجبت لها عليه لأجل عدتها لوجبت للمتوفى عنها من ماله ولا فرق بينهما البتة فإن كل واحد منهما قد بانت عنه وهي معتدة منه قد تعذر منهما الاستمتاع ولأنها لو وجبت لها السكنى لوجبت لها النفقة كما يقوله من يوجبها .

        فأما أن تجب لها السكنى دون النفقة فالنص والقياس يدفعه وهذا قول عبد الله بن عباس وأصحابه وجابر بن عبد الله وفاطمة بنت قيس إحدى فقهاء نساء الصحابة وكانت فاطمة تناظر عليه وبه يقول أحمد بن حنبل وأصحابه وإسحاق بن راهويه وأصحابه وداود بن علي وأصحابه وسائر أهل الحديث . وللفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال وهي ثلاث روايات عن أحمد أحدها : هذا .

        والثاني : أن لها النفقة والسكنى وهو قول عمر بن الخطاب وابن مسعود وفقهاء الكوفة .

        والثالث أن لها السكنى دون النفقة وهذا مذهب أهل المدينة وبه يقول مالك والشافعي .



        ذكر المطاعن التي طعن بها على حديث فاطمة بنت قيس قديما وحديثا
        فأولها طعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فروى مسلم في " صحيحه " : عن أبي إسحاق قال كنت مع الأسود بن يزيد جالسا في المسجد الأعظم ومعنا الشعبي فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة ثم أخذ الأسود كفا من حصى فحصبه به فقال ويلك تحدث بمثل هذا ؟ قال عمر لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت ؟ لها السكنى والنفقة قال الله عز وجل لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة قالوا : فهذا عمر يخبر أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لها النفقة والسكنى ولا ريب أن هذا مرفوع فإن الصحابي إذا قال من السنة كذا كان مرفوعا فكيف إذا قال من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فكيف إذا كان القائل عمر بن الخطاب ؟ وإذا تعارضت رواية عمر رضي الله عنه ورواية فاطمة فرواية عمر رضي الله عنه أولى لا سيما ومعها ظاهر القرآن كما سنذكر . وقال سعيد بن منصور : حدثنا أبو معاوية - 472 حدثنا الأعمش عن إبراهيم قال كان عمر بن الخطاب إذا ذكر عنده حديث فاطمة بنت قيس قال ما كنا نغير في ديننا بشهادة امرأة

        ذكر طعن عائشة رضي الله عنها في خبر فاطمة بنت قيس

        في " الصحيحين " : من حديث هشام بن عروة عن أبيه قال تزوج يحيى بن سعيد بن العاص بنت عبد الرحمن بن الحكم فطلقها فأخرجها من عنده فعاب ذلك عليهم عروة فقالوا : إن فاطمة قد خرجت قال عروة فأتيت عائشة رضي الله عنها فأخبرتها بذلك فقالت ما لفاطمة بنت قيس خير أن تذكر هذا الحديث . وقال البخاري : فانتقلها عبد الرحمن فأرسلت عائشة إلى مروان وهو أمير المدينة اتق الله وارددها إلى بيتها . قال مروان إن عبد الرحمن بن الحكم غلبني وقال القاسم بن محمد : أو ما بلغك شأن فاطمة بنت قيس ؟ قالت لا يضرك ألا تذكر حديث فاطمة فقال مروان إن كان بك شر فحسبك ما بين هذين من الشر .

        ومعنى كلامه إن كان خروج فاطمة لما يقال من شر كان في لسانها فيكفيك ما بين يحيى بن سعيد بن العاص وبين امرأته من الشر .

        وفي " الصحيحين " : عن عروة أنه قال لعائشة رضي الله عنها : ألم تري إلى فلانة بنت الحكم طلقها زوجها البتة فخرجت فقالت بئس ما صنعت فقلت ألم تسمعي إلى قول فاطمة فقالت أما إنه لا خير لها في ذكر ذلك .

        وفي حديث القاسم عن عائشة رضي الله عنها يعني : في قولها : لا سكنى لها ولا نفقة . وفي " صحيح البخاري " : عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت - 473 لفاطمة ألا نتقي الله تعني في قولها لا سكنى لها ولا نفقة وفي " صحيحه " أيضا : عنها قالت إن فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها فلذلك أرخص النبي صلى الله عليه وسلم لها .

        وقال عبد الرزاق : عن ابن جريح أخبرني ابن شهاب عن عروة أن عائشة رضي الله عنها أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس تعني : " انتقال المطلقة ثلاثا " .

        وذكر القاضي إسماعيل حدثنا نصر بن علي حدثني أبي عن هارون عن محمد بن إسحاق قال أحسبه عن محمد بن إبراهيم أن عائشة رضي الله عنها قالت لفاطمة بنت قيس : إنما أخرجك هذا اللسان

        ذكر طعن أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه على حديث فاطمة

        روى عبد الله بن صالح كاتب الليث قال حدثني الليث بن سعد حدثني جعفر عن ابن هرمز عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال كان محمد بن أسامة بن زيد يقول كان أسامة إذا ذكرت فاطمة شيئا من ذلك يعني انتقالها في عدتها رماها بما في يده



        [رد المطعن الأول وهو كون الراوي امرأة ]

        فأما المطعن الأول وهو كون الراوي امرأة فمطعن باطل بلا شك والعلماء قاطبة على خلافه والمحتج بهذا من أتباع الأئمة أول مبطل له ومخالف له فإنهم لا يختلفون في أن السنن تؤخذ عن المرأة كما تؤخذ عن الرجل هذا وكم من سنة تلقاها الأئمة بالقبول عن امرأة واحدة من الصحابة وهذه مسانيد نساء الصحابة بأيدي الناس لا تشاء أن ترى فيها سنة تفردت بها امرأة منهن إلا رأيتها فما ذنب فاطمة بنت قيس دون نساء العالمين وقد أخذ الناس بحديث فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد في اعتداد المتوفى عنها في بيت زوجها وليست فاطمة بدونها علما وجلالة وثقة وأمانة بل هي أفقه منها بلا شك فإن فريعة لا تعرف إلا في هذا الخبر وأما شهرة فاطمة ودعاؤها من نازعها من الصحابة إلى كتاب الله ومناظرتها على ذلك فأمر مشهور وكانت أسعد بهذه المناظرة ممن خالفها كما مضى تقريره وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يختلفون في الشيء فتروي لهم إحدى أمهات المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فيأخذون به ويرجعون إليه ويتركون ما عندهم له وإنما فضلن على فاطمة بنت قيس بكونهن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا فهي من المهاجرات الأول وقد رضيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحبه وابن حبه أسامة بن زيد وكان الذي خطبها له .

        وإذا شئت أن تعرف مقدار حفظها وعلمها فاعرفه من حديث الدجال الطويل الذي حدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فوعته فاطمة وحفظته وأدته كما سمعته ولم ينكره عليها أحد مع طوله وغرابته فكيف بقصة جرت لها وهي سببها وخاصمت فيها وحكم فيها بكلمتين وهي لا نفقة ولا سكنى والعادة توجب حفظ مثل هذا وذكره واحتمال النسيان فيه أمر مشترك بينها وبين من أنكر عليها فهذا عمر قد نسي تيمم الجنب وذكره عمار بن ياسر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما بالتيمم من الجنابة فلم يذكره عمر رضي الله عنه وأقام على أن الجنب لا يصلي حتى يجد الماء .

        ونسي قوله تعالى : وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا [ النساء 20 ] حتى ذكرته به امرأة فرجع إلى قولها .

        ونسي قوله إنك ميت وإنهم ميتون [ الزمر 30 ] حتى ذكر به فإن كان جواز النسيان على الراوي يوجب سقوط روايته سقطت رواية عمر التي عارضتم بها خبر فاطمة وإن كان لا يوجب سقوط روايته بطلت المعارضة بذلك فهي باطلة على التقديرين ولو ردت السنن بمثل هذا لم يبق بأيدي الأمة منها إلا اليسير ثم كيف يعارض خبر فاطمة ويطعن فيه بمثل هذا من يرى قبول خبر الواحد العدل ولا يشترط للرواية نصابا وعمر رضي الله عنه أصابه في مثل هذا ما أصابه في رد خبر أبي موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد ورد خبر المغيرة بن شعبة في إملاص المرأة حتى شهد له محمد بن مسلمة وهذا كان تثبيتا منه رضي الله عنه حتى لا يركب الناس الصعب والذلول في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا فقد قبل خبر الضحاك بن سفيان الكلابي وحده وهو أعرابي وقبل لعائشة رضي الله عنها عدة أخبار تفردت بها وبالجملة فلا يقول أحد : إنه لا يقبل قول الراوي الثقة العدل حتى يشهد له شاهدان لا سيما إن كان من الصحابة .



        فصل [ رد القول بأن رواية فاطمة مخالفة للقرآن ]
        وأما المطعن الثاني : وهو أن روايتها مخالفة للقرآن فنجيب بجوابين مجمل ومفصل أما المجمل فنقول لو كانت مخالفة كما ذكرتم لكانت مخالفة لعمومه فتكون تخصيصا للعام فحكمها حكم تخصيص قوله يوصيكم الله في أولادكم [ النساء 11 ] بالكافر والرقيق والقاتل وتخصيص قوله وأحل لكم ما وراء ذلكم [ النساء 24 ] بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها ونظائره فإن القرآن لم يخص البائن بأنها لا تخرج ولا تخرج وبأنها تسكن من حيث يسكن زوجها بل إما أن يعمها ويعم الرجعية وإما أن يخص الرجعية .

        فإن عم النوعين فالحديث مخصص لعمومه وإن خص الرجعيات وهو الصواب للسياق الذي من تدبره وتأمله قطع بأنه في الرجعيات من عدة أوجه قد أشرنا إليها فالحديث ليس مخالفا لكتاب الله بل موافق له ولو ذكر أمير المؤمنين رضي الله عنه بذلك لكان أول راجع إليه فإن الرجل كما يذهل عن النص يذهل عن دلالته وسياقه وما يقترن به مما يتبين المراد منه وكثيرا ما يذهل عن دخول الواقعة المعينة تحت النص العام واندراجه تحتها فهذا كثير جدا والتفطن له من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء من عباده ولقد كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه من ذلك بالمنزلة التي لا تجهل ولا تستغرقها عبارة غير أن النسيان والذهول عرضة للإنسان وإنما الفاضل العالم من إذا ذكر ذكر ورجع .

        فحديث فاطمة رضي الله عنها مع كتاب الله على ثلاثة أطباق لا يخرج عن واحد منها إما أن يكون تخصيصا لعامه .

        الثاني : أن يكون بيانا لما لم يتناوله بل سكت عنه .

        الثالث أن يكون بيانا لما أريد به وموافقا لما أرشد إليه سياقه وتعليله وتنبيهه وهذا هو الصواب فهو إذن موافق له لا مخالف وهكذا ينبغي قطعا ومعاذ الله أن يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يخالف كتاب الله تعالى أو يعارضه وقد أنكر ا لإمام أحمد رحمه الله هذا من قول عمر رضي الله عنه وجعل يتبسم ويقول أين في كتاب الله إيجاب السكنى والنفقة للمطلقة ثلاثا وأنكرته قبله الفقيهة الفاضلة فاطمة وقالت بيني وبينكم كتاب الله قال الله تعالى : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا [ الطلاق 1 ] وأي أمر يحدث بعد الثلاث وقد تقدم أن قوله فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن [ الطلاق 2 ] يشهد بأن الآيات كلها في الرجعيات .



        فصل [ رد مطعن أن خروجها كان لفحش لسانها ]
        وأما المطعن الثالث وهو أن خروجها لم يكن إلا لفحش من لسانها فما أبرده من تأويل وأسمجه فإن المرأة من خيار الصحابة رضي الله عنهم وفضلائهم ومن المهاجرات الأول وممن لا يحملها رقة الدين وقلة التقوى على فحش يوجب إخراجها من دارها وأن يمنع حقها الذي جعله الله لها ونهى عن إضاعته فيا عجبا كيف لم ينكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفحش ؟ ويقول لها : اتقي الله وكفي لسانك عن أذى أهل زوجك واستقري في مسكنك ؟ وكيف يعدل عن هذا إلى قوله لا نفقة لك ولا سكنى إلى قوله إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة فيا عجبا كيف يترك هذا المانع الصريح الذي خرج من بين شفتي النبي صلى الله عليه وسلم ويعلل بأمر موهوم لم يعلل به رسول الله صلى الله عليه وسلم البتة ولا أشار إليه ولا نبه عليه ؟ هذا من المحال البين .

        ثم لو كانت فاحشة اللسان وقد أعاذها الله من ذلك لقال لها النبي صلى الله عليه وسلم وسمعت وأطاعت كفي لسانك حتى تنقضي عدتك وكان من دونها يسمع ويطيع لئلا تخرج من سكنه .




        فصل [ رد مطعن معارضة روايتها برواية عمر ]
        وأما المطعن الرابع وهو معارضة روايتها برواية عمر رضي الله عنه فهذه المعارضة تورد من وجهين .

        أحدهما : قوله لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا وأن هذا من حكم المرفوع .

        الثاني : قوله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها السكنى والنفقة ونحن نقول قد أعاذ الله أمير المؤمنين من هذا الكلام الباطل الذي لا يصح عنه أبدا .

        قال الإمام أحمد : لا يصح ذلك عن عمر . وقال أبو الحسن الدارقطني : بل السنة بيد فاطمة بنت قيس قطعا ومن له إلمام بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهد شهادة الله أنه لم يكن عند عمر رضي الله عنه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة وعمر كان أتقى لله وأحرص على تبليغ سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون هذه السنة عنده ثم لا يرويها أصلا ولا يبينها ولا يبلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

        وأما حديث حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن عمر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها السكنى والنفقة فنحن نشهد بالله شهادة نسأل عنها إذا لقيناه أن هذا كذب على عمر رضي الله عنه وكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينبغي أن لا يحمل الإنسان فرط الانتصار للمذاهب والتعصب لها على معارضة سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الصريحة بالكذب البحت فلو يكون هذا عند عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم لخرست فاطمة وذووها ولم ينبسوا بكلمة ولا دعت فاطمة إلى المناظرة ولا احتيج إلى ذكر إخراجها لبذاء لسانها ولما فات هذا الحديث أئمة الحديث والمصنفين في السنن والأحكام المنتصرين للسنن فقط لا لمذهب ولا لرجل هذا قبل أن نصل به إلى إبراهيم ولو قدر وصولنا بالحديث إلى إبراهيم لا نقطع نخاعه فإن إبراهيم لم يولد إلا بعد موت عمر رضي الله عنه بسنين فإن كان مخبر أخبر به إبراهيم عن عمر رضي الله عنه وحسنا به الظن كان قد روى له قول عمر رضي الله عنه بالمعنى وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي حكم بثبوت النفقة والسكنى للمطلقة حتى قال عمر رضي الله عنه لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة فقد يكون الرجل صالحا ويكون مغفلا ليس تحمل الحديث وحفظه وروايته من شأنه وبالله التوفيق .



        [ مناظرة ميمون لابن المسيب في حديث فاطمة ]
        [ ذكر المصنف بعض الأحكام المستنبطة من حديث فاطمة ]

        وقد تناظر في هذه المسألة ميمون بن مهران وسعيد بن المسيب فذكر له ميمون خبر فاطمة فقال سعيد تلك امرأة فتنت الناس فقال له ميمون لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها به رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فتنت الناس وإن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة مع أنها أحرم الناس عليه ليس لها عليه رجعة ولا بينهما ميراث .

        انتهى . ولا يعلم أحد من الفقهاء رحمهم الله إلا وقد احتج بحديث فاطمة بنت قيس هذا وأخذ به في بعض الأحكام كمالك والشافعي .

        وجمهور الأمة يحتجون به في سقوط نفقة المبتوتة إذا كانت حائلا والشافعي نفسه احتج به على جواز جمع الثلاث لأن في بعض ألفاظه فطلقني ثلاثا وقد بينا أنه إنما طلقها آخر ثلاث كما أخبرت به عن نفسها .

        واحتج به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرجال واحتج به الأئمة كلهم على جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب الأول واحتجوا به على جواز بيان ما في الرجل إذا كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن يزوجه أو يعامله أو يسافر معه وأن ذلك ليس بغيبة واحتجوا به على جواز نكاح القرشية من غير القرشي واحتجوا به على وقوع الطلاق في حال غيبة أحد الزوجين عن الآخر وأنه لا يشترط حضوره ومواجهته به واحتجوا به على جواز التعريض بخطبة المعتدة البائن وكانت هذه الأحكام كلها حاصلة ببركة روايتها وصدق حديثها فاستنبطتها الأمة منها وعملت بها فما بال روايتها ترد في حكم واحد من أحكام هذا الحديث وتقبل فيما عداه ؟ فإن كانت حفظته قبلت في جميعه وإن لم تكن حفظته وجب أن لا يقبل في شيء من أحكامه وبالله التوفيق .

        [ معنى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ]

        فإن قيل بقي عليكم شيء واحد وهو أن قوله سبحانه أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم [ الطلاق 6 ] إنما هو في البوائن لا في الرجعيات بدليل قوله عقيبه ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن [ الطلاق 6 ] فهذا في البائن إذ لو كانت رجعية لما قيد النفقة عليها بالحمل ولكان عديم التأثير فإنها تستحقها حائلا كانت أو حاملا والظاهر أن الضمير في أسكنوهن هو والضمير في قوله وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن واحد .

        فالجواب أن مورد هذا السؤال إما أن يكون من الموجبين النفقة والسكنى أو ممن يوجب السكنى دون النفقة فإن كان الأول فالآية على زعمه حجة عليه لأنه سبحانه شرط في إيجاب النفقة عليهن كونهن حوامل والحكم المعلق على الشرط ينتفي عند انتفائه فدل على أن البائن الحائل لا نفقة لها .

        فإن قيل فهذه دلالة على المفهوم ولا يقول بها . قيل ليس ذلك من دلالة المفهوم بل من انتفاء الحكم عند انتفاء شرطه فلو بقي الحكم بعد انتفائه لم يكن شرطا وإن كان فمن يوجب السكنى وحدها .

        فيقال له ليس في الآية ضمير واحد يخص البائن بل ضمائرها نوعان نوع يخص الرجعية قطعا كقوله فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف [ الطلاق 2 ] ونوع يحتمل أن يكون للبائن وأن يكون للرجعية وأن يكون لهما وهو قوله لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن وقوله أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم [ الطلاق 6 ] فحمله على الرجعية هو المتعين لتتحد الضمائر ومفسرها فلو حمل على غيرها لزم اختلاف الضمائر ومفسرها وهو خلاف الأصل والحمل على الأصل أولى .

        فإن قيل فما الفائدة في تخصيص نفقة الرجعية بكونها حاملا ؟

        قيل ليس في الآية ما يقتضي أنه لا نفقة للرجعية الحائل بل الرجعية نوعان قد بين الله حكمهما في كتابه حائل فلها النفقة بعقد الزوجية إذ حكمها حكم الأزواج أو حامل فلها النفقة بهذه الآية إلى أن تضع حملها فتصير النفقة بعد الوضع نفقة قريب لا نفقة زوج فيخالف حالها قبل الوضع حالها بعده فإن الزوج ينفق عليها وحده إذا كانت حاملا فإذا وضعت صارت نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل ولا يكون حالها في حال حملها كذلك بحيث تجب نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل فإنه في حال حملها جزء من أجزائها فإذا انفصل كان له حكم آخر وانتقلت النفقة من حكم إلى حكم فظهرت فائدة التقييد وسر الاشتراط والله أعلم بما أراد من كلامه .

        فإن قيل فهذه دلالة على المفهوم ولا يقول بها .

        قيل ليس ذلك من دلالة المفهوم بل من انتفاء الحكم عند انتفاء شرطه فلو بقي الحكم بعد انتفائه لم يكن شرطا وإن كان فمن يوجب السكنى وحدها فيقال له ليس في الآية ضمير واحد يخص البائن بل ضمائرها نوعان نوع يخص الرجعية قطعا كقوله فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف [ الطلاق 2 ] ونوع يحتمل أن يكون للبائن وأن يكون للرجعية وأن يكون لهما وهو قوله لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن وقوله أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم [ الطلاق 6 ] فحمله على الرجعية هو المتعين لتتحد الضمائر ومفسرها فلو حمل على غيرها لزم اختلاف الضمائر ومفسرها وهو خلاف الأصل والحمل على الأصل أولى .

        فإن قيل فما الفائدة في تخصيص نفقة الرجعية بكونها حاملا ؟

        قيل ليس في الآية ما يقتضي أنه لا نفقة للرجعية الحائل بل الرجعية نوعان قد بين الله حكمهما في كتابه حائل فلها النفقة بعقد الزوجية إذ حكمها حكم الأزواج أو حامل فلها النفقة بهذه الآية إلى أن تضع حملها فتصير النفقة بعد الوضع نفقة قريب لا نفقة زوج فيخالف حالها قبل الوضع حالها بعده فإن الزوج ينفق عليها وحده إذا كانت حاملا فإذا وضعت صارت نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل ولا يكون حالها في حال حملها كذلك بحيث تجب نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل فإنه في حال حملها جزء من أجزائها فإذا انفصل كان له حكم آخر وانتقلت النفقة من حكم إلى حكم فظهرت فائدة التقييد وسر الاشتراط والله أعلم بما أراد من كلامه .



        ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم
        الموافق لكتاب الله تعالى من وجوب النفقة للأقارب
        روى أبو داود في سننه عن كليب بن منفعة عن جده أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله من أبر ؟ قال أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب ورحم موصولة وروى النسائي عن طارق المحاربي قال

        قدمت المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول يد المعطي العليا ، وابدأ بمن تعول : أمك وأباك ، وأختك وأخاك ، ثم أدناك فأدناك وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال أمك ، قال ثم من ؟ قال أمك ، قال ثم من ؟ قال أمك قال ثم من ؟ قال أبوك ثم أدناك أدناك .

        وفي الترمذي عن معاوية القشيري رضي الله عنه قال قلت : يا رسول الله من أبر ؟ قال أمك ، قلت ثم من ؟ قال أمك ، قلت : ثم من ؟ قال أمك قلت : ثم من ؟ قال أباك ثم الأقرب فالأقرب .

        وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف .

        وفي " سنن أبي داود " من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم فكلوه هنيئا .

        ورواه أيضا من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا . وروى النسائي من حديث جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك فإن فضل عن ذي قرابتك فهكذا وهكذا .

        وهذا كله تفسير قوله تعالى : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى [ النساء 36 ] وقوله تعالى : وآت ذا القربى حقه [ الإسراء : 26 ] فجعل سبحانه حق ذي القربى يلي حق الوالدين كما جعله النبي صلى الله عليه وسلم سواء بسواء وأخبر سبحانه أن لذي القربى حقا على قرابته وأمر بإتيانه إياه فإن لم يكن ذلك حق النفقة فلا ندري أي حق هو . وأمر تعالى بالإحسان إلى ذي القربى .

        ومن أعظم الإساءة أن يراه يموت جوعا وعريا وهو قادر على سد خلته وستر عورته ولا يطعمه لقمة ولا يستر له عورة إلا بأن يقرضه ذلك في ذمته وهذا الحكم من النبي صلى الله عليه وسلم مطابق لكتاب الله تعالى حيث يقول والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك [ البقرة 233 ] فأوجب سبحانه وتعالى على الوارث مثل ما أوجب على المولود له وبمثل هذا الحكم حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه . فروى سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب أن عمر رضي الله عنه حبس عصبة صبي على أن ينفقوا عليه الرجال دون النساء

        وقال عبد الرزاق : حدثنا ابن جريج أخبرني عمرو بن شعيب أن ابن المسيب أخبره أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقف بني عم على منفوس كلالة بالنفقة عليه مثل العاقلة فقالوا : لا مال له فقال ولو وقوفهم بالنفقة عليه كهيئة العقل

        قال ابن المديني : قوله ولو أي ولو لم يكن له مال . وذكر ابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر عن حجاج عن عمرو عن سعيد بن المسيب قال جاء ولي يتيم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال أنفق عليه ثم قال لو لم أجد إلا أقضي عشيرته لفرضت عليهم وحكم بمثل ذلك أيضا زيد بن ثابت .

        قال ابن أبي شيبة : حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن حسن عن مطرف عن إسماعيل عن الحسن عن زيد بن ثابت قال إذا كان أم وعم فعلى الأم بقدر ميراثها وعلى العم بقدر ميراثه ولا يعرف لعمر وزيد مخالف في الصحابة البتة .

        وقال ابن جريج قلت لعطاء : وعلى الوارث مثل ذلك [ البقرة 233 ] قال على ورثة اليتيم أن ينفقوا عليه كما يرثونه . قلت له أيحبس وارث المولود إن لم يكن للمولود مال ؟ قال أفيدعه يموت ؟

        وقال الحسن : وعلى الوارث مثل ذلك قال على الرجل الذي يرث أن ينفق عليه حتى يستغني .

        وبهذا فسر الآية جمهور السلف منهم قتادة ومجاهد والضحاك وزيد بن أسلم وشريح القاضي وقبيصة بن ذؤيب وعبد الله بن عتبة بن مسعود وإبراهيم النخعي والشعبي وأصحاب ابن مسعود ومن بعدهم سفيان الثوري وعبد الرزاق وأبو حنيفة وأصحابه ومن بعدهم أحمد وإسحاق وداود وأصحابهم .



        [ اختلاف الفقهاء في النفقة للأقارب ]
        وقد اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة على عدة أقوال . أحدها : أنه لا يجبر أحد على نفقة أحد من أقاربه وإنما ذلك بر وصلة وهذا مذهب يعزى إلى الشعبي . قال عبد بن حميد الكشي حدثنا قبيصة عن سفيان الثوري عن أشعث عن الشعبي قال ما ر أيت أحدا أجبر أحدا على أحد يعني على نفقته .

        وفي إثبات هذا المذهب بهذا الكلام نظر والشعبي أفقه من هذا والظاهر أنه أراد أن الناس كانوا أتقى لله من أن يحتاج الغني أن يجبره الحاكم على الإنفاق على قريبه المحتاج فكان الناس يكتفون بإيجاب الشرع عن إيجاب الحاكم أو إجباره . المذهب الثاني : أنه يجب عليه النفقة على أبيه الأدنى وأمه التي ولدته خاصة فهذان الأبوان يجبر الذكر والأنثى من الولد على النفقة عليهما إذا كانا فقيرين فأما نفقة الأولاد فالرجل يجبر على نفقة ابنه الأدنى حتى يبلغ فقط وعلى نفقة بنته الدنيا حتى تزوج ولا يجبر على نفقة ابن ابنه ولا بنت ابنه وإن سفلا ولا تجبر الأم على نفقة ابنها وابنتها ولو كانا في غاية الحاجة والأم في غاية الغنى ولا تجب على أحد النفقة على ابن ابن ولا جد ولا أخ ولا أخت ولا عم ولا عمة ولا خال ولا خالة ولا أحد من الأقارب البتة سوى ما ذكرنا .

        وتجب النفقة مع اتحاد الدين واختلافه حيث وجبت وهذا مذهب مالك وهو أضيق المذاهب في النفقات .

        المذهب الثالث أنه تجب نفقة عمودي النسب خاصة دون من عداهم مع اتفاق الدين ويسار المنفق وقدرته وحاجة المنفق عليه وعجزه عن الكسب بصغر أو جنون أو زمانة إن كان من العمود الأسفل .

        وإن كان من العمود الأعلى : فهل يشترط عجزهم عن الكسب ؟ على قولين . ومنهم من طرد القولين أيضا في العمود الأسفل . فإذا بلغ الولد صحيحا سقطت نفقته ذكرا كان أو أنثى وهذا مذهب الشافعي وهو أوسع من مذهب مالك .

        المذهب الرابع أن النفقة تجب على كل ذي رحم محرم لذي رحمه فإن كان من الأولاد وأولادهم أو الآباء والأجداد وجبت نفقتهم مع اتحاد الدين واختلافه .

        وإن كان من غيرهم لم تجب إلا مع اتحاد الدين فلا يجب على المسلم أن ينفق على ذي رحمه الكافر ثم إنما تجب النفقة بشرط قدرة المنفق وحاجة المنفق عليه .

        فإن كان صغيرا اعتبر فقره فقط وإن كان كبيرا فإن كان أنثى فكذلك وإن كان ذكرا فلا بد مع فقره من عماه أو زمانته فإن كان صحيحا بصيرا لم تجب نفقته وهي مرتبة عنده على الميراث إلا في نفقة الولد فإنها على أبيه خاصة على المشهور من مذهبه .

        وروي عن الحسن بن زياد اللؤلؤي أنها على أبويه خاصة بقدر ميراثهما طردا للقياس وهذا مذهب أبي حنيفة وهو أوسع من مذهب الشافعي المذهب الخامس أن القريب إن كان من عمودي النسب وجبت نفقته مطلقا سواء كان وارثا أو غير وارث وهل يشترط اتحاد الدين بينهم ؟

        على روايتين وعنه رواية أخرى : أنه لا تجب نفقتهم إلا بشرط أن يرثهم بفرض أو تعصيب كسائر الأقارب .

        وإن كان من غير عمودي النسب وجبت نفقتهم بشرط أن يكون بينه وبينهم توارث .

        ثم هل يشترط أن يكون التوارث من الجانبين أو يكفي أن يكون من أحدهما ؟ على روايتين . وهل يشترط ثبوت التوارث في الحال أو أن يكون من أهل الميراث في الجملة ؟

        على روايتين فإن كان الأقارب من ذوي الأرحام الذين لا يرثون فلا نفقة لهم على المنصوص عنه وخرج بعض أصحابه وجوبها عليهم من مذهبه من توارثهم ولا بد عنده من اتحاد الدين بين المنفق والمنفق عليه حيث وجبت النفقة إلا في عمودي النسب في إحدى الروايتين .

        فإن كان الميراث بغير القرابة كالولاء وجبت النفقة به في ظاهر مذهبه على الوارث دون الموروث وإذا لزمته نفقة رجل لزمته نفقة زوجته في ظاهر مذهبه . وعنه لا تلزمه . وعنه تلزمه في عمودي النسب خاصة دون من عداهم . وعنه تلزمه لزوجة الأب خاصة ويلزمه إعفاف عمودي نسبه بتزويج أو تسر إذا طلبوا ذلك .

        قال القاضي أبو يعلى وكذلك يجيء في كل من لزمته نفقته أخ أو عم أو غيرهما يلزمه إعفافه لأن أحمد رحمه الله قد نص في العبد يلزمه أن يزوجه إذا طلب ذلك وإلا بيع عليه وإذا لزمه إعفاف رجل لزمه نفقة زوجته لأنه لا تمكن من الإعفاف إلا بذلك وهذه غير المسألة المتقدمة وهو وجوب الإنفاق على زوجة المنفق عليه ولهذه مأخذ ولتلك مأخذ وهذا مذهب الإمام أحمد وهو أوسع من مذهب أبي حنيفة وإن كان مذهب أبي حنيفة أوسع منه من وجه آخر حيث يوجب النفقة على ذوي الأرحام وهو الصحيح في الدليل وهو الذي تقتضيه أصول أحمد ونصوصه وقواعد الشرع وصلة الرحم التي أمر الله أن توصل وحرم الجنة على كل قاطع رحم فالنفقة تستحق بشيئين بالميراث بكتاب الله وبالرحم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

        وقد تقدم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حبس عصبة صبي أن ينفقوا عليه وكانوا بني عمه وتقدم قول زيد بن ثابت إذا كان عم وأم فعلى العم بقدر ميراثه وعلى الأم بقدر ميراثها فإنه لا مخالف لهما في الصحابة البتة وهو قول جمهور السلف وعليه يدل قوله تعالى : وآت ذا القربى حقه [ الإسراء 26 ] وقوله تعالى : وبالوالدين إحسانا وبذي القربى [ النساء 36 ] وقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم العطية للأقارب وصرح بأنسابهم فقال وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك حق واجب ورحم موصولة . فإن قيل فالمراد بذلك البر والصلة دون الوجوب .

        قيل يرد هذا أنه سبحانه أمر به وسماه حقا وأضافه إليه بقوله حقه وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه حق وأنه واجب وبعض هذا ينادي على الوجوب جهارا .

        فإن قيل المراد بحقه ترك قطيعته . فالجواب من وجهين . أحدهما : أن يقال فأي قطيعة أعظم من أن يراه يتلظى جوعا وعطشا ويتأذى غاية الأذى بالحر والبرد ولا يطعمه لقمة ولا يسقيه جرعة ولا يكسوه ما يستر عورته ويقيه الحر والبرد ويسكنه تحت سقف يظله هذا وهو أخوه ابن أمه وأبيه أو عمه صنو أبيه أو خالته التي هي أمه إنما يجب عليه من ذلك ما يجب بذله للأجنبي البعيد بأن يعاوضه على ذلك في الذمة إلى أن يوسر ثم يسترجع به عليه هذا مع كونه في غاية اليسار والجدة وسعة الأموال . فإن لم تكن هذه قطيعة فإنا لا ندري ما هي القطيعة المحرمة والصلة التي أمر الله بها وحرم الجنة على قاطعها .

        الوجه الثاني : أن يقال فما هذه الصلة الواجبة التي نادت عليها النصوص وبالغت في إيجابها وذمت قاطعها ؟ فأي قدر زائد فيها على حق الأجنبي حتى تعقله القلوب وتخبر به الألسنة وتعمل به الجوارح ؟ أهو السلام عليه إذا لقيه وعيادته إذا مرض وتشميته إذا عطس وإجابته إذا دعاه وإنكم لا توجبون شيئا من ذلك إلا ما يجب نظيره للأجنبي على الأجنبي ؟

        وإن كانت هذه الصلة ترك ضربه وسبه وأذاه والإزراء به ونحو ذلك فهذا حق يجب لكل مسلم على كل مسلم بل للذمي البعيد على المسلم فما خصوصية صلة الرحم الواجبة ؟

        ولهذا كان بعض فضلاء المتأخرين يقول أعياني أن أعرف صلة الرحم الواجبة . ولما أورد الناس هذا على أصحاب مالك وقالوا لهم ما معنى صلة الرحم عندكم ؟ صنف بعضهم في صلة الرحم كتابا كبيرا وأوعب فيه من الآثار المرفوعة والموقوفة وذكر جنس الصلة وأنواعها وأقسامها ومع هذا فلم يتخلص من هذا الإلزام فإن الصلة معروفة يعرفها الخاص والعام والآثار فيها أشهر من العلم ولكن ما الصلة التي تختص بها الرحم وتجب له الرحمة ولا يشاركه فيها الأجنبي ؟ فلا يمكنكم أن تعينوا وجوب شيء إلا وكانت النفقة أوجب منه ولا يمكنكم أن تذكروا مسقطا لوجوب النفقة إلا وكان ما عداها أولى بالسقوط منه والنبي صلى الله عليه وسلم قد قرن حق الأخ والأخت بالأب والأم فقال أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك فما الذي نسخ هذا وما الذي جعل أوله للوجوب وآخره للاستحباب ؟

        وإذا عرف هذا فليس من بر الوالدين أن يدع الرجل أباه يكنس الكنف ويكاري على الحمر ويوقد في أتون الحمام ويحمل للناس على رأسه ما يتقوت بأجرته وهو في غاية الغنى واليسار وسعة ذات اليد وليس من بر أمه أن يدعها تخدم الناس وتغسل ثيابهم وتسقي لهم الماء ونحو ذلك ولا يصونها بما ينفقه عليها ويقول الأبوان مكتسبان صحيحان وليسا بزمنين ولا أعميين فيا الله العجب أين شرط الله ورسوله في بر الوالدين وصلة الرحم أن يكون أحدهم زمنا أو أعمى وليست صلة الرحم ولا بر الوالدين موقوفة على ذلك شرعا ولا لغة ولا عرفا وبالله التوفيق .



        ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرضاعة وما يحرم بها وما لا يحرم وحكمه في القدر المحرم منها وحكمه في إرضاع الكبير هل له تأثير أم لا ؟
        ثبت في " الصحيحين " : من حديث عائشة رضي الله عنها عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة .

        وثبت فيهما : من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أريد على ابنة حمزة فقال " إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة ويحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم .

        وثبت فيهما : أنه قال لعائشة رضي الله عنهما : ائذني لأفلح أخي أبي القعيس فإنه عمك " وكانت امرأته أرضعت عائشة رضي الله عنها .

        وبهذا أجاب ابن عباس لما سئل عن رجل له جاريتان أرضعت إحداهما جارية والأخرى غلاما : أيحل للغلام أن يتزوج الجارية ؟ قال لا اللقاح واحد . وثبت في " صحيح مسلم " عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تحرم المصة والمصتان .

        وفي رواية لا تحرم الإملاجة والإملاجتان . وفي لفظ له أن رجلا قال يا رسول الله هل تحرم الرضعة الواحدة ؟ قال لا .

        وثبت في " صحيحه " أيضا : عن عائشة رضي الله عنها قالت كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن .

        وثبت في " الصحيحين " : من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما الرضاعة من المجاعة . وثبت في " جامع الترمذي " : من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام

        " وقال الترمذي حديث صحيح . وفي " سنن الدارقطني " بإسناد صحيح عن ابن عباس يرفعه لا رضاع إلا ما كان في الحولين . وفي " سنن أبي داود " : من حديث ابن مسعود يرفعه لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشر العظم .

        وثبت في " صحيح مسلم " : عن عائشة رضي الله عنها قالت جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرضعيه تحرمي عليه .

        وفي رواية له عنها قالت جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرضعيه فقالت وكيف أرضعه وهو رجل كبير فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قد علمت أنه كبير .

        وفي لفظ لمسلم أن أم سلمة رضي الله عنها قالت لعائشة رضي الله عنها : إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي فقالت عائشة رضي الله عنها : أما لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة ؟ إن امرأة أبي حذيفة قالت يا رسول الله إن سالما يدخل علي وهو رجل وفي نفس أبي حذيفة منه شيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضعيه حتى يدخل عليك .

        وساقه أبو داود في " سننه " سياقة تامة مطولة فرواه من حديث الزهري عن عروة عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس كان تبنى سالما وأنكحه ابنة أخيه هندا بنت الوليد بن عتبة وهو مولى لامرأة من الأنصار كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث ميراثه حتى أنزل الله تعالى في ذلك ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم [ الأحزاب 5 ] فردوا إلى آبائهم فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخا في الدين فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري وهي امرأة أبي حذيفة فقالت يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد ويراني فضلا وقد أنزل الله تعالى فيهم ما قد علمت فكيف ترى فيه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أرضعيه " فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة فبذلك كانت عائشة رضي الله عنها تأمر بنات إخوتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت عائشة رضي الله عنها أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيرا خمس رضعات ثم يدخل عليها وأبت ذلك أم سلمة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن

        عليهن أحدا بتلك الرضاعة من الناس حتى يرضع في المهد وقلن لعائشة والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي صلى الله عليه وسلم لسالم دون الناس . فتضمنت هذه السنن الثابتة أحكاما عديدة بعضها متفق عليه بين الأمة وفي بعضها نزاع .



        [ الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة ]
        الحكم الأول قوله صلى الله عليه وسلم الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة وهذا الحكم متفق عليه بين الأمة حتى عند من قال إن الزيادة على النص نسخ والقرآن لا ينسخ بالسنة فإنه اضطر إلى قبول هذا الحكم وإن كان زائدا على ما في القرآن سواء سماه نسخا أو لم يسمه كما اضطر إلى تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها مع أنه زيادة على نص القرآن وذكرها هذا مع حديث أبي القعيس في تحريم لبن الفحل على أن المرضعة والزوج صاحب اللبن قد صارا أبوين للطفل وصار الطفل ولدا لهما فانتشرت الحرمة من هذه الجهات الثلاث فأولاد الطفل وإن نزلوا أولاد ولدهما وأولاد كل واحد من المرضعة والزوج من الآخر ومن غيره إخوته وأخواته من الجهات الثلاث .

        فأولاد أحدهما من الآخر إخوته وأخواته لأبيه وأمه وأولاد الزوج من غيرها إخوته وأخواته من أبيه وأولاد المرضعة من غيره إخوته وأخواته لأمه وصار آباؤها أجداده وجداته وصار إخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته وإخوة صاحب اللبن وأخواته أعمامه وعماته فحرمة الرضاع تنتشر من هذه الجهات الثلاث فقط .

        ولا يتعدى التحريم إلى غير المرتضع ممن هو في درجته من إخوته وأخواته فيباح لأخيه نكاح من أرضعت أخاه وبناتها وأمهاتها ويباح لأخته نكاح صاحب اللبن وأباه وبنيه وكذلك لا ينتشر إلى من فوقه من آبائه وأمهاته ومن في درجته من أعمامه وعماته وأخواله وخالاته فلأبي المرتضع من النسب وأجداده أن ينكحوا أم الطفل من الرضاع وأمهاتها وأخواتها وبناتها وأن ينكحوا أمهات صاحب اللبن وأخواته وبناته إذ نظير هذا من النسب حلال فللأخ من الأب أن يتزوج أخت أخيه من الأم وللأخ من الأم أن ينكح أخت أخيه من الأب وكذلك ينكح الرجل أم ابنه من النسب وأختها وأما أمها وبنتها فإنما حرمتا بالمصاهرة .



        [ هل يحرم نظير المصاهرة بالرضاع ]
        وهل يحرم نظير المصاهرة بالرضاع فيحرم عليه أم امرأته من الرضاع وبنتها من الرضاعة وامرأة ابنه من الرضاعة أو يحرم الجمع بين الأختين من الرضاعة أو بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها من الرضاعة ؟

        فحرمه الأئمة الأربعة وأتباعهم وتوقف فيه شيخنا وقال إن كان قد قال أحد بعدم التحريم فهو أقوى . قال المحرمون تحريم هذا يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب

        فأجرى الرضاعة مجرى النسب وشبهها به فثبت تنزيل ولد الرضاعة وأبي الرضاعة منزلة ولد النسب وأبيه فما ثبت للنسب من التحريم ثبت للرضاعة فإذا حرمت امرأة الأب والابن وأم المرأة وابنتها من النسب حرمن بالرضاعة .

        وإذا حرم الجمع بين أختي النسب حرم بين أختي الرضاعة هذا تقدير احتجاجهم على التحريم . قال شيخ الإسلام الله سبحانه حرم سبعا بالنسب وسبعا بالصهر كذا قال ابن عباس . قال ومعلوم أن تحريم الرضاعة لا يسمى صهرا وإنما يحرم منه ما يحرم من النسب والنبي صلى الله عليه وسلم قال يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة وفي رواية ما يحرم من النسب ولم يقل وما يحرم بالمصاهرة ولا ذكره الله سبحانه في كتابه كما ذكر تحريم الصهر ولا ذكر تحريم الجمع في الرضاع كما ذكره في النسب والصهر قسيم النسب وشقيقه قال الله تعالى : وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا [ الفرقان : 54 ] فالعلاقة بين الناس بالنسب والصهر وهما سببا التحريم والرضاع فرع على النسب ولا تعقل المصاهرة إلا بين الأنساب والله تعالى إنما حرم الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها لئلا يفضي إلى قطيعة الرحم المحرمة .

        ومعلوم أن الأختين من الرضاع ليس بينهما رحم محرمة في غير النكاح ولا ترتب على ما بينهما من أخوة الرضاع حكم قط غير تحريم أحدهما على الآخر فلا يعتق عليه بالملك ولا يرثه ولا يستحق النفقة عليه ولا يثبت له عليه ولاية النكاح ولا الموت ولا يعقل عنه ولا يدخل في الوصية والوقف على أقاربه وذوي رحمه ولا يحرم التفريق بين الأم وولدها الصغير من الرضاعة ويحرم من النسب والتفريق بينهما في الملك كالجمع بينهما في النكاح سواء ولو ملك شيئا من المحرمات بالرضاع لم يعتق عليه بالملك وإذا حرمت على الرجل أمه وبنته وأخته وعمته وخالته من الرضاعة لم يلزم أن يحرم عليه أم امرأته التي أرضعت امرأته فإنه لا نسب بينه وبينها ولا مصاهرة ولا رضاع والرضاعة إذا جعلت كالنسب في حكم لا يلزم أن تكون مثله في كل حكم بل ما افترقا فيه من الأحكام أضعاف ما اجتمعا فيه منها وقد ثبت جواز الجمع بين اللتين بينهما مصاهرة محرمة كما جمع عبد الله بن جعفر بين امرأة علي وابنته من غيرها . وإن كان بينهما تحريم يمنع جواز نكاح أحدها للآخر لو كان ذكرا فهذا نظير الأختين من الرضاعة سواء لأن سبب تحريم النكاح بينهما في أنفسهما ليس بينهما وبين الأجنبي منهما الذي لا رضاع بينه وبينهما ولا صهر وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم .

        واحتج أحمد بأن عبد الله بن جعفر جمع بين امرأة علي وابنته ولم ينكر ذلك أحد قال البخاري : وجمع الحسن بن الحسن بن علي بين بنتي عم في ليلة وجمع عبد الله بن جعفر بين امرأة علي وابنته وقال ابن شبرمة لا بأس به وكرهه الحسن مرة ثم قال لا بأس به . وكرهه جابر بن زيد للقطيعة وليس فيه تحريم لقوله عز وجل وأحل لكم ما وراء ذلكم [ النساء 24 ] هذا كلام البخاري .

        وبالجملة فثبوت أحكام النسب من وجه لا يستلزم ثبوتها من كل وجه أو من وجه آخر فهؤلاء نساء النبي صلى الله عليه وسلم هن أمهات المؤمنين في التحريم والحرمة فقط لا في المحرمية فليس لأحد أن يخلو بهن ولا ينظر إليهن بل قد أمرهن الله بالاحتجاب عمن حرم عليه نكاحهن من غير أقاربهن ومن بينهن وبينه رضاع فقال تعالى : وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب [ الأحزاب 53 ] ثم هذا الحكم لا يتعدى إلى أقاربهن البتة فليس بناتهن أخوات المؤمنين يحرمن على رجالهم ولا بنوهن إخوة لهم يحرم عليهن بناتهن ولا أخواتهن وأخواتهن خالات وأخوالا بل هن حلال للمسلمين باتفاق المسلمين وقد كانت أم الفضل أخت ميمونة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت العباس وكانت أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة رضي الله عنها تحت الزبير وكانت أم عائشة رضي الله عنها تحت أبي بكر وأم حفصة تحت عمر رضي الله عنه وليس لرجل أن يتزوج أمه

        وقد تزوج عبد الله بن عمر وإخوته وأولاد أبي بكر وأولاد أبي سفيان من المؤمنات ولو كانوا أخوالا لهن لم يجز أن ينكحوهن فلم تنتشر الحرمة من أمهات المؤمنين إلى أقاربهن وإلا لزم من ثبوت حكم من أحكام النسب بين الأمة وبينهن ثبوت غيره من الأحكام .

        ومما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى في المحرمات وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم [ النساء 23 ] .

        ومعلوم أن لفظ الابن إذا أطلق لم يدخل فيه ابن الرضاع فكيف إذا قيد بكونه ابن صلب وقصد إخراج ابن التبني بهذا لا يمنع إخراج ابن الرضاع ويوجب دخوله وقد ثبت في " الصحيح " : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سهلة بنت سهيل أن ترضع سالما مولى أبي حذيفة ليصير محرما لها فأرضعته بلبن أبي حذيفة زوجها وصار ابنها ومحرمها بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء كان هذا الحكم مختصا بسالم أو عاما كما قالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فبقي سالم محرما لها لكونها أرضعته وصارت أمه ولم يصر محرما لها لكونها امرأة أبيه من الرضاعة فإن هذا لا تأثير فيه لرضاعة سهلة له بل لو أرضعته جارية له أو امرأة أخرى صارت سهلة امرأة أبيه وإنما التأثير لكونه ولدها نفسها وقد علل بهذا في الحديث نفسه ولفظه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرضعيه فأرضعته خمس رضعات وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة ولا يمكن دعوى الإجماع في هذه المسألة ومن ادعاه فهو كاذب فإن سعيد بن المسيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار وأبا قلابة لم يكونوا يثبتون التحريم بلبن الفحل وهو مروي عن الزبير وجماعة من الصحابة كما سيأتي إن شاء الله تعالى وكانوا يرون أن التحريم إنما هو من قبل الأمهات فقط فهؤلاء إذا لم يجعلوا المرتضع من لبن الفحل ولدا له فأن لا يحرموا عليه امرأته ولا على الرضيع امرأة الفحل بطريق الأولى فعلى قول هؤلاء فلا يحرم على المرأة أبو زوجها من الرضاعة ولا ابنه من الرضاعة .

        فإن قيل هؤلاء لم يثبتوا البنوة بين المرتضع وبين الفحل فلم تثبت المصاهرة لأنها فرع ثبوت بنوة الرضاع فإذا لم تثبت له لم يثبت فرعها وأما من أثبت بنوة الرضاع من جهة الفحل كما دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة وقال به جمهور أهل الإسلام فإنه تثبت المصاهرة بهذه البنوة فهل قال أحد ممن ذهب إلى التحريم بلبن الفحل إن زوجة أبيه وابنه من الرضاعة لا تحرم ؟

        قيل المقصود أن في تحريم هذه نزاعا وأنه ليس مجمعا عليه وبقي النظر في مأخذه هل هو إلغاء لبن الفحل وأنه لا تأثير له أو إلغاء المصاهرة من جهة الرضاع وأنه لا تأثير لها وإنما التأثير لمصاهرة النسب ؟

        ولا شك أن المأخذ الأول باطل لثبوت السنة الصريحة بالتحريم بلبن الفحل وقد بينا أنه لا يلزم من القول بالتحريم به إثبات المصاهرة به إلا بالقياس وقد تقدم أن الفارق بين الأصل والفرع أضعاف أضعاف الجامع وأنه لا يلزم من ثبوت حكم من أحكام النسب ثبوت حكم آخر .

        ويدل على هذا أيضا أنه سبحانه لم يجعل أم الرضاع وأخت الرضاعة داخلة تحت أمهاتنا وأخواتنا فإنه سبحانه قال حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم [ النساء 23 ] ثم قال وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة [ النساء 23 ] فدل على أن لفظ أمهاتنا عند الإطلاق إنما يراد به الأم من النسب وإذا ثبت هذا فقوله تعالى : وأمهات نسائكم مثل قوله وأمهاتكم إنما هن أمهات نسائنا من النسب فلا يتناول أمهاتهن من الرضاعة ولو أريد تحريمهن لقال وأمهاتهن اللاتي أرضعنهن كما ذكر ذلك في أمهاتنا وقد بينا أن قوله يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب إنما يدل على أن من حرم على الرجل من النسب حرم عليه نظيره من الرضاعة ولا يدل على أن من حرم عليه بالصهر أو بالجمع حرم عليه نظيره من الرضاعة بل يدل مفهومه على خلاف ذلك مع عموم قوله وأحل لكم ما وراء ذلكم [ النساء 24



        [ من جوز من السلف نكاح بنات الزوجة إذا لم تكن في حجره ]
        ومما يدل على أن تحريم امرأة أبيه وابنه من الرضاعة ليس مسألة إجماع أنه قد ثبت عن جماعة من السلف جواز نكاح بنت امرأته إذا لم تكن في حجره كما صح عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري قال كانت عندي امرأة وقد ولدت لي فتوفيت فوجدت عليها فلقيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لي : ما لك ؟ قلت توفيت المرأة قال لها ابنة ؟ قلت : نعم قال كانت في حجرك ؟ قلت : لا هي في الطائف . قال فانكحها قلت : فأين قوله تعالى : وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم ؟ [ النساء 23 ] . قال إنها لم تكن في حجرك وإنما ذلك إذا كانت في حجرك




        وصح عن إبراهيم بن ميسرة أن رجلا من بني سواءة يقال له عبيد الله بن معبد أثنى عليه خيرا أخبره أن أباه أو جده كان قد نكح امرأة ذات ولد من غيره ثم اصطحبا ما شاء الله ثم نكح امرأة شابة فقال أحد بني الأولى قد نكحت على أمنا وكبرت واستغنيت عنها بامرأة شابة فطلقها قال لا والله إلا أن تنكحني ابنتك قال فطلقها وأنكحه ابنته ولم تكن في حجره هي ولا أبوها . قال فجئت سفيان بن عبد الله فقلت : استفت لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه . قال لتحجن معي فأدخلني على عمر رضي الله عنه بمنى فقصصت عليه الخبر فقال عمر لا بأس بذلك فاذهب فسل فلانا ثم تعال فأخبرني . قال ولا أراه إلا عليا قال فسألته فقال لا بأس بذلك وهذا مذهب أهل الظاهر .

        فإذا كان عمر وعلي رضي الله عنهما ومن يقول بقولهما قد أباحا الربيبة إذا لم تكن في حجر الزوج مع أنها ابنة امرأته من النسب فكيف يحرمان عليه ابنتها من الرضاع وهذه ثلاثة قيود ذكرها الله سبحانه وتعالى في تحريمها .

        أن تكون في حجره وأن تكون من امرأته وأن يكون قد دخل بأمها .

        فكيف يحرم عليه مجرد ابنتها من الرضاعة وليست في حجره ولا هي ربيبته لغة فإن الربيبة بنت الزوجة والربيب ابنها باتفاق الناس وسميا ربيبا وربيبة لأن زوج أمهما يربهما في العادة وأما من أرضعتهما امرأته بغير لبنه ولم يربها قط ولا كانت في حجره فدخولها في هذا النص في غاية البعد لفظا ومعنى وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم الربيبة بكونها في الحجر .

        ففي " صحيح البخاري " من حديث الزهري عن عروة أن زينب بنت أم سلمة أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت يا رسول الله أخبرت أنك تخطب بنت أبي سلمة فقال بنت أم سلمة ؟ قالت نعم فقال إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي

        وهذا يدل على اعتباره صلى الله عليه وسلم القيد الذي قيده الله في التحريم وهو أن تكون في حجر الزوج .

        ونظير هذا سواء أن يقال في زوجة ابن الصلب إذا كانت محرمة برضاع لو لم تكن حليلة ابني الذي لصلبي لما حلت لي سواء ولا فرق بينهما وبالله التوفيق .


        فصل [ التحريم بلبن الفحل ]
        الحكم الثاني : المستفاد من هذه السنة أن لبن الفحل يحرم وأن التحريم ينتشر منه كما ينتشر من المرأة وهذا هو الحق الذي لا يجوز أن يقال بغيره وإن خالف فيه من خالف من الصحابة ومن بعدهم فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع ويترك ما خالفها لأجلها ولا تترك هي لأجل قول أحد كائنا من كان .

        ولو تركت السنن لخلاف من خالفها لعدم بلوغها له أو لتأويلها أو غير ذلك لترك سنن كثيرة جدا وتركت الحجة إلى غيرها وقول من يجب اتباعه إلى قول من لا يجب اتباعه وقول المعصوم إلى قول غير المعصوم وهذه بلية نسأل الله العافية منها وأن لا نلقاه بها يوم القيامة .

        قال الأعمش : كان عمارة وإبراهيم وأصحابنا لا يرون بلبن الفحل بأسا حتى أتاهم الحكم بن عتيبة بخبر أبي القعيس يعني : فتركوا قولهم ورجعوا عنه وهكذا يصنع أهل العلم إذا أتتهم السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا إليها وتركوا قولهم بغيرها .

        قال الذين لا يحرمون بلبن الفحل إنما ذكر الله سبحانه في كتابه التحريم بالرضاعة من جهة الأم فقال وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة [ النساء 23 ] واللام للعهد ترجع إلى الرضاعة المذكورة وهي رضاعة الأم وقد قال الله تعالى : وأحل لكم ما وراء ذلكم [ النساء 24 ] فلو أثبتنا التحريم بالحديث لكنا قد نسخنا القرآن بالسنة وهذا - على أصل من يقول الزيادة على النص نسخ - ألزم قالوا : وهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أعلم الأمة بسنته وكانوا لا يرون التحريم به فصح عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة أن أمه زينب بنت أم سلمة أم المؤمنين أرضعتها أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه امرأة الزبير بن العوام قالت زينب وكان الزبير يدخل علي وأنا أمتشط فيأخذ بقرن من قرون رأسي ويقول أقبلي علي فحدثيني أرى أنه أبي وما ولد منه فهم إخوتي ثم إن عبد الله بن الزبير أرسل إلي يخطب أم كلثوم ابنتي على حمزة بن الزبير وكان حمزة للكلبية فقالت لرسوله وهل تحل له ؟ وإنما هي ابنة أخته فقال عبد الله إنما أردت بهذا المنع من قبلك . أما ما ولدت أسماء فهم إخوتك وما كان من غير أسماء فليسوا لك بإخوة فأرسلي فاسألي عن هذا فأرسلت فسألت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون فقالوا لها إن الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئا فأنكحيها إياه فلم تزل عنده حتى هلك عنها . قالوا : ولم ينكر ذلك الصحابة رضي الله عنهم قالوا : ومن المعلوم أن الرضاعة من جهة المرأة لا من الرجل .

        قال الجمهور ليس فيما ذكرتم ما يعارض السنة الصحيحة الصريحة فلا يجوز العدول عنها . أما القرآن فإنه بين أمرين إما أن يتناول الأخت من الأب من الرضاعة فيكون دالا على تحريمها وإما أن لا يتناولها فيكون ساكتا عنها فيكون تحريم السنة لها تحريما مبتدأ ومخصصا لعموم قوله وأحل لكم ما وراء ذلكم [ النساء 24 ] والظاهر يتناول لفظ الأخت لها فإنه سبحانه عمم لفظ الأخوات من الرضاعة فدخل فيه كل من أطلق عليها أخته ولا يجوز أن يقال إن أخته من أبيه من الرضاعة ليست أختا له فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها : ائذني لأفلح فإنه عمك فأثبت العمومة بينها وبينه بلبن الفحل وحده فإذا ثبتت العمومة بين المرتضعة وبين أخي صاحب اللبن فثبوت الأخوة بينها وبين ابنه بطريق الأولى أو مثله .

        فالسنة بينت مراد الكتاب لا أنها خالفته وغايتها أن تكون أثبتت تحريم ما سكت عنه أو تخصيص ما لم يرد عمومه .

        وأما قولكم إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون التحريم بذلك فدعوى باطلة على جميع الصحابة فقد صح عن علي رضي الله عنه إثبات التحريم به وذكر البخاري في " صحيحه " أن ابن عباس سئل عن رجل كانت له امرأتان أرضعت إحداهما جارية والأخرى غلاما أيحل أن ينكحها ؟ فقال ابن عباس : لا اللقاح واحد وهذا الأثر الذي استدللتم به صريح عن الزبير أنه كان يعتقد أن زينب ابنته بتلك الرضاعة وهذه عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كانت تفتي : أن لبن الفحل ينشر الحرمة فلم يبق بأيديكم إلا عبد الله بن الزبير وأين يقع من هؤلاء .

        وأما الذين سألتهم فأفتوها بالحل فمجهولون غير مسمين ولم يقل الراوي : فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم متوافرون بل لعلها أرسلت فسألت من لم تبلغه السنة الصحيحة منهم فأفتاها بما أفتاها به عبد الله بن الزبير ولم يكن الصحابة إذ ذاك متوافرين بالمدينة بل كان معظمهم وأكابرهم بالشام والعراق ومصر .

        وأما قولكم إن الرضاعة إنما هي من جهة الأم فالجواب أن يقال إنما اللبن للأب الذي ثار بوطئه والأم وعاء له وبالله التوفيق .

        فإن قيل فهل تثبت أبوة صاحب اللبن وإن لم تثبت أمومة المرضعة أو ثبوت أبوته فرع على ثبوت أمومة المرضعة ؟

        قيل هذا الأصل فيه قولان للفقهاء وهما وجهان في مذهب أحمد والشافعي وعليه مسألة من له أربع زوجات فأرضعن طفلة كل واحدة منهن رضعتين فإنهن لا يصرن أما لها لأن كل واحدة منهن لم ترضعها خمس رضعات . وهل يصير الزوج أبا للطفلة ؟ فيه وجهان . أحدهما : لا يصير أبا كما لم تصر المرضعات أمهات والثاني وهو الأصح يصير أبا لكون الولد ارتضع من لبنه خمس رضعات ولبن الفحل أصل بنفسه غير متفرع على أمومة المرضعة فإن الأبوة إنما تثبت بحصول الارتضاع من لبنه لا لكون المرضعة أمه ولا يجيء هذا على أصلي أبي حنيفة ومالك فإن عندهما قليل الرضاع وكثيره محرم فالزوجات الأربع أمهات للمرتضع فإذا قلنا بثبوت الأبوة وهو الصحيح حرمت المرضعات على الطفل لأنه ربيبهن وهن موطوآت أبيه فهو ابن بعلهن . وإن قلنا : لا تثبت الأبوة لم يحرمن عليه بهذا الرضاع .

        وعلى هذه المسألة ما لو كان لرجل خمس بنات فأرضعن طفلا كل واحدة رضعة لم يصرن أمهات له . وهل يصير الرجل جدا له وأولاده الذين هم إخوة المرضعات أخوالا له وخالات ؟ على وجهين أحدهما : يصير جدا وأخوهن خالا لأنه قد كمل المرتضع خمس رضعات من لبن بناته فصار جدا كما لو كان المرتضع بنتا واحدة . وإذا صار جدا كان أولاده الذين هم إخوة البنات أخوالا وخالات لأنهن إخوة من كمل له منهن خمس رضعات فنزلوا بالنسبة إليه منزلة أم واحدة والآخر لا يصير جدا ولا أخواتهن خالات لأن كونه جدا فرع على كون ابنته أما وكون أخيها خالا فرع على كون أخته أما ولم يثبت الأصل فلا يثبت فرعه وهذا الوجه أصح في هذه المسألة بخلاف التي قبلها فإن ثبوت الأبوة فيها لا يستلزم ثبوت الأمومة على الصحيح .

        والفرق بينهما : أن الفرعية متحققة في هذه المسألة بين المرضعات وأبيهن فإنهن بناته واللبن ليس له فالتحريم هنا بين المرضعة وابنها فإذا لم تكن أما لم يكن أبوها جدا بخلاف تلك فإن التحريم بين المرتضع وبين صاحب اللبن فسواء ثبتت أمومة المرضعة أو لا فعلى هذا إذا قلنا : يصير أخوهن خالا فهل تكون كل واحدة منهن خالة له ؟ فيه وجهان .

        أحدهما : لا تكون خالة لأنه لم يرتضع من لبن أخواتها خمس رضعات فلا تثبت الخؤولة .

        والثاني : تثبت لأنه قد اجتمع من اللبن المحرم خمس رضعات وكان ما ارتضع منها ومن أخواتها مثبتا للخؤولة ولا تثبت أمومة واحدة منهن إذ لم يرتضع منها خمس رضعات ولا يستبعد ثبوت خؤولة بلا أمومة كما ثبت في لبن الفحل أبوة بلا أمومة وهذا ضعيف . والفرق بينهما . أن الخؤولة فرع محض على الأمومة فإذا لم يثبت الأصل فكيف يثبت فرعه ؟ بخلاف الأبوة والأمومة فإنهما أصلان لا يلزم من انتفاء أحدهما انتفاء الآخر .

        وعلى هذا مسألة ما لو كان لرجل أم وأخت وابنة وزوجة ابن فأرضعن طفلة كل واحدة منهن رضعة لم تصر واحدة منهن أمها وهل تحرم على الرجل ؟ على وجهين . أوجههما : ما تقدم . والتحريم هاهنا بعيد فإن هذا اللبن الذي كمل للطفل لا يجعل الرجل أبا له ولا جدا ولا أخا ولا خالا والله اعلم

        يتبع
        أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
        وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

        Comment

        • اخت مسلمة
          محاور
          • Nov 2005
          • 6338

          #49
          فصل [ تحريم المخلوقة من ماء الزاني ]
          وقد دل التحريم بلبن الفحل على تحريم المخلوقة من ماء الزاني دلالة الأولى والأحرى لأنه إذا حرم عليه أن ينكح من قد تغذت بلبن ثار بوطئه فكيف يحل له أن ينكح من قد خلق من نفس مائه بوطئه ؟ وكيف يحرم الشارع بنته من الرضاع لما فيها من لبن كان وطء الرجل سببا فيه ثم يبيح له نكاح من خلقت بنفس وطئه ومائه ؟ هذا من المستحيل فإن البعضية التي بينه وبين المخلوقة من مائه أكمل وأتم من البعضية التي بينه وبين من تغذت بلبنه فإن بنت الرضاع فيها جزء ما من البعضية والمخلوقة من مائه كاسمها مخلوقة من مائه فنصفها أو أكثرها بعضه قطعا والشطر الآخر للأم وهذا قول جمهور المسلمين ولا يعرف في الصحابة من أباحها ونص الإمام أحمد رحمه الله على أن من تزوجها قتل بالسيف محصنا كان أو غيره .

          وإذا كانت بنته من الرضاعة بنتا في حكمين فقط الحرمة والمحرمية وتخلف سائر أحكام البنت عنها لم تخرجها عن التحريم وتوجب حلها فكذا بنته من الزنى تكون بنتا في التحريم وتخلف أحكام البنت عنها لا يوجب حلها والله سبحانه خاطب العرب بما تعقله في لغاتها ولفظ البنت لفظ لغوي لم ينقله الشارع عن موضعه الأصلي كلفظ الصلاة والإيمان ونحوهما فيحمل على موضوعه اللغوي حتى يثبت نقل الشارع له عنه إلى غيره فلفظ البنت كلفظ الأخ والعم والخال ألفاظ باقية على موضوعاتها اللغوية .

          وقد ثبت في " الصحيح " أن الله تعالى أنطق ابن الراعي الزاني بقوله أبي فلان الراعي وهذا الإنطاق لا يحتمل الكذب وأجمعت الأمة على تحريم أمه عليه . وخلقه من مائها وماء الزاني خلق واحد وإثمهما فيه سواء وكونه بعضا له مثل كونه بعضا لها وانقطاع الإرث بين الزاني والبنت لا يوجب جواز نكاحها ثم من العجب كيف يحرم صاحب هذا القول أن يستمني الإنسان بيده ويقول هو نكاح ليده ويجوز للإنسان أن ينكح بعضه ثم يجوز له أن يستفرش بعضه الذي خلقه الله من مائه وأخرجه من صلبه كما يستفرش الأجنبية .



          فصل [ لا تحرم المصة والمصتان من الرضاع ]
          والحكم الثالث أنه لا تحرم المصة والمصتان كما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحرم إلا خمس رضعات وهذا موضع اختلف فيه العلماء . فأثبتت طائفة من السلف والخلف التحريم بقليل الرضاع وكثيره وهذا يروى عن علي وابن عباس وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والزهري وقتادة والحكم وحماد والأوزاعي والثوري وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وزعم الليث بن سعد أن المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر به الصائم وهذا رواية عن ا لإمام أحمد رحمه الله .

          وقالت طائفة أخرى : لا يثبت التحريم بأقل من ثلاث رضعات وهذا قول أبي ثور وأبي عبيد وابن المنذر وداود بن علي وهو رواية ثانية عن أحمد .

          وقالت طائفة أخرى : لا يثبت بأقل من خمس رضعات وهذا قول عبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير وعطاء وطاووس وهو إحدى الروايات الثلاث عن عائشة رضي الله عنها والرواية الثانية عنها : أنه لا يحرم أقل من سبع والثالثة لا يحرم أقل من عشر . والقول بالخمس مذهب الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه وهو قول ابن حزم وخالف داود في هذه المسألة .

          [ حجة من علق التحريم بقليل الرضاع وكثيره ]
          فحجة الأولين أنه سبحانه علق التحريم باسم الرضاعة فحيث وجد اسمها وجد حكمها والنبي صلى الله عليه وسلم قال يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب وهذا موافق لإطلاق القرآن .

          وثبت في " الصحيحين " عن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عني قال فتنحيت فذكرت ذلك له قال وكيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما فنهاه عنها ولم يسأل عن عدد الرضاع قالوا : ولأنه فعل يتعلق به التحريم فاستوى قليله وكثيره كالوطء الموجب له قالوا : ولأن إنشاز العظم وإنبات اللحم يحصل بقليله وكثيره . قالوا : ولأن أصحاب العدد قد اختلفت أقوالهم في الرضعة وحقيقتها واضطربت أشد الاضطراب وما كان هكذا لم يجعله الشارع نصابا لعدم ضبطه والعلم به .

          [ حجة من علق التحريم بثلاث رضعات ]
          قال أصحاب الثلاث قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تحرم المصة والمصتان وعن أم الفضل بنت الحارث قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحرم الإملاجة والإملاجتان وفي حديث آخر أن رجلا قال يا رسول الله هل تحرم الرضعة الواحدة ؟ قال لا وهذه أحاديث صحيحة صريحة رواها مسلم في " صحيحه " فلا يجوز العدول عنها فأثبتنا التحريم بالثلاث لعموم الآية ونفينا التحريم بما دونها بصريح السنة قالوا : ولأن ما يعتبر فيه العدد والتكرار يعتبر فيه الثلاث . قالوا : ولأنها أول مراتب الجمع وقد اعتبرها الشارع في مواضع كثيرة جدا .




          [ حجة من علق التحريم بخمس رضعات ]
          قال أصحاب الخمس : الحجة لنا ما تقدم في أول الفصل من الأحاديث الصحيحة الصريحة وقد أخبرت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي والأمر على ذلك قالوا : ويكفي في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لسهلة بنت سهيل أرضعي سالما خمس رضعات تحرمي عليه قالوا : وعائشة أعلم الأمة بحكم هذه المسألة هي ونساء النبي صلى الله عليه وسلم وكانت عائشة رضي الله عنها إذا أرادت أن يدخل عليها أحد أمرت إحدى بنات إخوتها أو أخواتها فأرضعته خمس رضعات . قالوا : ونفي التحريم بالرضعة والرضعتين صريح في عدم تعليق التحريم بقليل الرضاع وكثيره وهي ثلاثة أحاديث صحيحة صريحة بعضها خرج جوابا للسائل وبعضها تأسيس حكم مبتدأ . قالوا : وإذا علقنا التحريم بالخمس لم نكن قد خالفنا شيئا من النصوص التي استدللتم بها وإنما نكون قد قيدنا مطلقها بالخمس وتقييد المطلق بيان لا نسخ ولا تخصيص .

          وأما من علق التحريم بالقليل والكثير فإنه يخالف أحاديث نفي التحريم بالرضعة والرضعتين وأما صاحب الثلاث فإنه وإن لم يخالفها فهو مخالف لأحاديث الخمس .

          قال من لم يقيده بالخمس حديث الخمس لم تنقله عائشة رضي الله عنها نقل الأخبار فيحتج به وإنما نقلته نقل القرآن والقرآن إنما يثبت بالتواتر والأمة لم تنقل ذلك قرآنا فلا يكون قرآنا وإذا لم يكن قرآنا ولا خبرا امتنع إثبات الحكم به .

          قال أصحاب الخمس الكلام فيما نقل من القرآن آحادا في فصلين أحدهما : كونه من القرآن والثاني : وجوب العمل به ولا ريب أنهما حكمان متغايران فإن الأول يوجب انعقاد الصلاة به وتحريم مسه على المحدث وقراءته على الجنب وغير ذلك من أحكام القرآن فإذا انتفت هذه الأحكام لعدم التواتر لم يلزم انتفاء العمل به فإنه يكفي فيه الظن وقد احتج كل واحد من الأئمة الأربعة به في موضع فاحتج به الشافعي وأحمد في هذا الموضع واحتج به أبو حنيفة في وجوب التتابع في صيام الكفارة بقراءة ابن مسعود " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " . واحتج به مالك والصحابة قبله في فرض الواحد من ولد الأم أنه السدس بقراءة أبي " وإن " كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما السدس " فالناس كلهم احتجوا بهذه القراءة ولا مستند للإجماع سواها .

          قالوا : وأما قولكم إما أن يكون نقله قرآنا أو خبرا قلنا : بل قرآنا صريحا . قولكم فكان يجب نقله متواترا قلنا : حتى إذا نسخ لفظه أو بقي أما الأول فممنوع والثاني مسلم وغاية ما في الأمر أنه قرآن نسخ لفظه وبقي حكمه فيكون له حكم قوله " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما " مما اكتفي بنقله آحادا وحكمه ثابت وهذا مما لا جواب عنه . وفي المسألة مذهبان آخران ضعيفان .




          [ من حرم بسبع رضعات ]
          أحدهما : أن التحريم لا يثبت بأقل من سبع كما سئل طاووس عن قول من يقول لا يحرم من الرضاع دون سبع رضعات فقال قد كان ذلك ثم حدث بعد ذلك أمر جاء بالتحريم المرة الواحدة تحرم وهذا المذهب لا دليل عليه .

          [ من حرم بعشر رضعات ]
          الثاني : التحريم إنما يثبت بعشر رضعات وهذا يروى عن حفصة وعائشة رضي الله عنهما .

          وفيها مذهب آخر وهو الفرق بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن قال طاووس : كان لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم رضعات محرمات ولسائر الناس رضعات معلومات ثم ترك ذلك بعد وقد تبين الصحيح من هذه الأقوال وبالله التوفيق .


          افتراضي

          فصل [حد الرضعة ]
          فإن قيل ما هي الرضعة التي تنفصل من أختها وما حدها ؟ قيل الرضعة فعلة من الرضاع فهي مرة منه بلا شك كضربة وجلسة وأكلة فمتى التقم الثدي فامتص منه ثم تركه باختياره من غير عارض كان ذلك رضعة لأن الشرع ورد بذلك مطلقا فحمل على العرف والعرف هذا والقطع العارض لتنفس أو استراحة يسيرة أو لشيء يلهيه ثم يعود عن قرب لا يخرجه عن كونه رضعة واحدة كما أن الآكل إذا قطع أكلته بذلك ثم عاد عن قريب لم يكن ذلك أكلتين بل واحدة هذا مذهب الشافعي ولهم فيما إذا قطعت المرضعة عليه ثم أعادته وجهان .

          أحدهما : أنها رضعة واحدة ولو قطعته مرارا حتى يقطع باختياره . قالوا : لأن الاعتبار بفعله لا بفعل المرضعة ولهذا لو ارتضع منها وهي نائمة حسبت رضعة فإذا قطعت عليه لم يعتد به كما لو شرع في أكلة واحدة أمره بها الطبيب فجاء شخص فقطعها عليه ثم عاد فإنها أكلة واحدة .

          والوجه الثاني : أنها رضعة أخرى لأن الرضاع يصح من المرتضع ومن المرضعة ولهذا لو أوجرته وهو نائم احتسب رضعة .

          ولهم فيما إذا انتقل من ثدي المرأة إلى ثدي غيرها وجهان . أحدهما : لا يعتد بواحد منهما لأنه انتقل من إحداهما إلى الأخرى قبل تمام الرضعة فلم تتم الرضعة من إحداهما . ولهذا لو انتقل من ثدي المرأة إلى ثديها الآخر كانا رضعة واحدة .

          والثاني : أنه يحتسب من كل واحد منهما رضعة لأنه ارتضع وقطعه باختياره من شخصين . وأما مذهب الإمام أحمد رحمه الله فقال صاحب " المغني " : إذا قطع قطعا بينا باختياره كان ذلك رضعة فإن عاد كان رضعة أخرى فأما إن قطع لضيق نفس أو للانتقال من ثدي إلى ثدي أو لشيء يلهيه أو قطعت عليه المرضعة نظرنا فإن لم يعد قريبا فهي رضعة وإن عاد في الحال ففيه وجهان أحدهما : أن الأولى رضعة فإذا عاد فهي رضعة أخرى قال وهذا اختيار أبي بكر وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل فإنه قال أما ترى الصبي يرتضع من الثدي فإذا أدركه النفس أمسك عن الثدي ليتنفس أو ليستريح فإذا فعل ذلك فهي رضعة قال الشيخ وذلك أن الأولى رضعة لو لم يعد فكانت رضعة وإن عاد كما لو قطع باختياره .

          والوجه الآخر أن جميع ذلك رضعة وهو مذهب الشافعي إلا فيما إذا قطعت عليه المرضعة ففيه وجهان لأنه لو حلف لا أكلت اليوم إلا أكلة واحدة فاستدام الأكل زمنا أو انقطع لشرب ماء أو انتقال من لون إلى لون أو انتظار لما يحمل إليه من الطعام لم يعد إلا أكلة واحدة فكذا هاهنا والأول أصح لأن اليسير من السعوط والوجور رضعة فكذا هذا .

          قلت وكلام أحمد يحتمل أمرين أحدهما : ما ذكره الشيخ ويكون قوله " فهي رضعة " عائدا إلى الرضعة الثانية . الثاني : أن يكون المجموع رضعة فيكون قوله " فهي رضعة " عائدا إلى الأول والثاني وهذا أظهر محتمليه لأنه استدل بقطعه للتنفس أو الاستراحة على كونها رضعة واحدة . ومعلوم أن هذا الاستدلال أليق بكون الثانية مع الأولى واحدة من كون الثانية رضعة مستقلة فتأمله . وأما قياس الشيخ له على يسير السعوط والوجور فالفرق بينهما أن ذلك مستقل ليس تابعا لرضعة قبله ولا هو من تمامها فيقال رضعة بخلاف مسألتنا فإن الثانية تابعة للأولى وهي من تمامها فافترقا .



          فصل [ زمن الرضاع المحرم ]
          والحكم الرابع أن الرضاع الذي يتعلق به التحريم ما كان قبل الفطام في زمن الارتضاع المعتاد وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال الشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد : هو ما كان في الحولين ولا يحرم ما كان بعدهما وصح ذلك عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر وروي عن سعيد بن المسيب والشعبي وابن شبرمة وهو قول سفيان . وإسحاق وأبي عبيد وابن حزم وابن المنذر وداود وجمهور أصحابه .

          وقالت طائفة الرضاع المحرم ما كان قبل الفطام ولم يحدوه بزمن صح ذلك عن أم سلمة وابن عباس وروي عن علي ولم يصح عنه وهو قول الزهري والحسن وقتادة وعكرمة والأوزاعي .

          قال الأوزاعي : إن فطم وله عام واحد واستمر فطامه ثم رضع في الحولين لم يحرم هذا الرضاع شيئا فإن تمادى رضاعه ولم يفطم فما كان في الحولين فإنه يحرم . وما كان بعدهما فإنه لا يحرم وإن تمادى الرضاع .

          وقالت طائفة الرضاع المحرم ما كان في الصغر ولم يوقته هؤلاء بوقت وروي هذا عن ابن عمر وابن المسيب وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا عائشة رضي الله عنها . وقال أبو حنيفة وزفر : ثلاثون شهرا وعن أبي حنيفة رواية أخرى كقول أبي يوسف ومحمد .

          وقال مالك في المشهور من مذهبه يحرم في الحولين وما قاربهما ولا حرمة له بعد ذلك . ثم روي عنه اعتبار أيام يسيرة وروي عنه شهران . وروي شهر ونحوه . وروى عنه الوليد بن مسلم وغيره أن ما كان بعد الحولين من رضاع بشهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر فإنه عندي من الحولين وهذا هو المشهور عند كثير من أصحابه .

          والذي رواه عنه أصحاب الموطأ وكان يقرأ عليه إلى أن مات قوله فيه وما كان من الرضاع بعد الحولين كان قليله وكثيره لا يحرم شيئا إنما هو بمنزلة الطعام هذا لفظه .

          وقال إذا فصل الصبي قبل الحولين واستغنى بالطعام عن الرضاع فما ارتضع بعد ذلك لم يكن للرضاع حرمة .

          وقال الحسن بن صالح وابن أبي ذئب وجماعة من أهل الكوفة : مدة الرضاع المحرم ثلاث سنين فما زاد عليها لم يحرم وقال عمر بن عبد العزيز : مدته إلى سبع سنين وكان يزيد بن هارون يحكيه عنه كالمتعجب من قوله . وروي عنه خلاف هذا وحكى عنه ربيعة أن مدته حولان واثنا عشر يوما .



          [ من قال بتحريم رضاع الكبير ]
          وقالت طائفة من السلف والخلف يحرم رضاع الكبير ولو أنه شيخ فروى مالك عن ابن شهاب أنه سئل عن رضاع الكبير فقال أخبرني عروة بن الزبير بحديث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلة بنت سهيل برضاع سالم ففعلت وكانت تراه ابنا لها . قال عروة فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال فكانت تأمر أختها أم كلثوم وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال .

          وقال عبد الرزاق : حدثنا ابن جريج قال سمعت عطاء بن أبي رباح وسأله رجل فقال سقتني امرأة من لبنها بعد ما كنت رجلا كبيرا أفأنكحها ؟ قال عطاء لا تنكحها فقلت له وذلك رأيك ؟ قال نعم كانت عائشة رضي الله عنها تأمر بذلك بنات أخيها . وهذا قول ثابت عن عائشة رضي الله عنها . ويروى عن علي وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح وهو قول الليث بن سعد وأبي محمد بن حزم قال ورضاع الكبير ولو أنه شيخ يحرم كما يحرم رضاع الصغير . ولا فرق فهذه مذاهب الناس في هذه المسألة .

          ولنذكر مناظرة أصحاب الحولين والقائلين برضاع الكبير فإنهما طرفان وسائر الأقوال متقاربة .



          [ حجة من قال بعدم التحريم برضاع الكبير ]
          قال أصحاب الحولين قال الله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة [ البقرة 233 ] قالوا : فجعل تمام الرضاعة حولين فدل على أنه لا حكم لما بعدهما فلا يتعلق به التحريم . قالوا : وهذه المدة هي مدة المجاعة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصر الرضاعة المحرمة عليها . قالوا : وهذه مدة الثدي الذي قال فيها : لا رضاع إلا ما كان في الثدي أي في زمن الثدي وهذه لغة معروفة عند العرب فإن العرب يقولون فلان مات في الثدي أي في زمن الرضاع قبل الفطام ومنه الحديث المشهور إن إبراهيم مات في الثدي وإن له مرضعا في الجنة تتم رضاعه يعني إبراهيم ابنه صلوات الله وسلامه عليه . قالوا : وأكد ذلك بقوله لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان في الثدي قبل الفطام فهذه ثلاثة أوصاف للرضاع المحرم ومعلوم أن رضاع الشيخ الكبير عار من الثلاثة .

          قالوا : وأصرح من هذا حديث ابن عباس : لا رضاع إلا ما كان في الحولين

          قالوا : وأكده أيضا حديث ابن مسعود : لا يحرم من الرضاعة إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم ورضاع الكبير لا ينبت لحما ولا ينشز عظما .

          قالوا : ولو كان رضاع الكبير محرما لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة - وقد تغير وجهه وكره دخول أخيها من الرضاعة عليها لما رآه كبيرا : - " انظرن من إخوانكن " فلو حرم رضاع الكبير لم يكن فرق بينه وبين الصغير ولما كره ذلك وقال انظرن من إخوانكن " ثم قال " فإنما الرضاعة من المجاعة وتحت هذا من المعنى خشية أن يكون قد ارتضع في غير زمن الرضاع وهو زمن المجاعة فلا ينشر الحرمة فلا يكون أخا . قالوا : وأما حديث سهلة في رضاع سالم فهذا كان في أول الهجرة لأن قصته كانت عقيب نزول قوله تعالى : ادعوهم لآبائهم [ الأحزاب 5 ] وهي نزلت في أول الهجرة .

          وأما أحاديث اشتراط الصغر وأن يكون في الثدي قبل الفطام فهي من رواية ابن عباس وأبي هريرة وابن عباس إنما قدم المدينة قبل الفتح وأبو هريرة إنما أسلم عام فتح خيبر بلا شك كلاهما قدم المدينة بعد قصة سالم في رضاعه من امرأة أبي حذيفة .


          افتراضي

          [ حجة من حرم برضاع الكبير ]
          قال المثبتون للتحريم برضاع الشيوخ قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم صحة لا يمتري فيها أحد أنه أمر سهلة بنت سهيل أن ترضع سالما مولى أبي حذيفة وكان كبيرا ذا لحية وقال أرضعيه تحرمي عليه ثم ساقوا الحديث وطرقه وألفاظه وهي صحيحة صريحة بلا شك .

          ثم قالوا : فهذه الأخبار ترفع الإشكال وتبين مراد الله عز وجل في الآيات المذكورات أن الرضاعة التي تتم بتمام الحولين أو بتراضي الأبوين قبل الحولين إذا رأيا في ذلك صلاحا للرضيع إنما هي الموجبة للنفقة على المرأة المرضعة والتي يجبر عليها الأبوان أحبا أم كرها .

          ولقد كان في الآية كفاية من هذا لأنه تعالى قال والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف [ البقرة 233 ] فأمر الله تعالى الوالدات بإرضاع المولود عامين وليس في هذا تحريم للرضاعة بعد ذلك ولا أن التحريم ينقطع بتمام الحولين وكان قوله تعالى : وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة [ النساء 23 ] ولم يقل في حولين ولا في وقت دون وقت زائدا على الآيات الأخر وعمومها لا يجوز تخصيصه إلا بنص يبين أنه تخصيص له لا بظن ولا محتمل لا بيان فيه وكانت هذه الآثار يعني التي فيها التحريم برضاع الكبير قد جاءت مجيء التواتر رواها نساء النبي صلى الله عليه وسلم وسهلة بنت سهيل وهي من المهاجرات وزينب بنت أم سلمة وهي ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم ورواها من التابعين القاسم بن محمد وعروة بن الزبير وحميد بن نافع ورواها عن هؤلاء

          الزهري وابن أبي مليكة وعبد الرحمن بن القاسم ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة ثم رواها عن هؤلاء

          أيوب السختياني وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وشعبة ومالك وابن جريج وشعيب ويونس وجعفر بن ربيعة ومعمر وسليمان بن بلال وغيرهم ثم رواها عن هؤلاء الجم الغفير والعدد الكثير فهي نقل كافة لا يختلف مؤالف ولا مخالف في صحتها فلم يبق من الاعتراض إلا قول القائل كان ذلك خاصا بسالم كما قال بعض أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهن في ذلك فليعلم من تعلق بهذا أنه ظن ممن ظن ذلك منهن رضي الله عنهن .

          هكذا في الحديث أنهن قلن ما نرى هذا إلا خاصا بسالم وما ندري لعلها كانت رخصة لسالم . فإذا هو ظن بلا شك فإن الظن لا يعارض به السنن الثابتة قال الله تعالى : إن الظن لا يغني من الحق شيئا [ يونس 36 ] وشتان بين احتجاج أم سلمة رضي الله عنها بظنها وبين احتجاج عائشة رضي الله عنها بالسنة الثابتة ولهذا لما قالت لها عائشة أما لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة سكتت أم سلمة ولم تنطق بحرف وهذا إما رجوع إلى مذهب عائشة وإما انقطاع في يدها .

          قالوا : وقول سهلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أرضعه وهو رجل كبير ؟ بيان جلي أنه بعد نزول الآيات المذكورات .

          قالوا : ونعلم يقينا أنه لو كان ذلك خاصا بسالم لقطع النبي صلى الله عليه وسلم الإلحاق ونص على أنه ليس لأحد بعده كما بين لأبي بردة بن نيار أن جذعته تجزئ عنه ولا تجزئ عن أحد بعده . .

          وأين يقع ذبح جذعة أضحية من هذا الحكم العظيم المتعلق به حل الفرج وتحريمه وثبوت المحرمية والخلوة بالمرأة والسفر بها ؟ فمعلوم قطعا أن هذا أولى ببيان التخصيص لو كان خاصا .

          قالوا : وقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الرضاعة من المجاعة حجة لنا لأن شرب الكبير للبن يؤثر في دفع مجاعته قطعا كما يؤثر في الصغير أو قريبا منه .

          فإن قلتم فما فائدة ذكره إذا كان الكبير والصغير فيه سواء ؟ قلنا : فائدته إبطال تعلق التحريم بالقطرة من اللبن أو المصة الواحدة التي لا تغني من جوع ولا تنبت لحما ولا تنشز عظما .

          قالوا : وقوله صلى الله عليه وسلم لا رضاع إلا ما كان في الحولين وكان في الثدي قبل الفطام ليس بأبلغ من قوله صلى الله عليه وسلم لا ربا إلا في النسيئة وإنما الربا في النسيئة ولم يمنع ذلك ثبوت ربا الفضل بالأدلة الدالة عليه فكذا هذا .

          فأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه الثابتة كلها حق يجب اتباعها ولا يضرب بعضها ببعض بل تستعمل كلا منها على وجهه . قالوا : ومما يدل على ذلك أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأفقه نساء الأمة هي التي روت هذا وهذا فهي التي روت إنما الرضاعة من المجاعة وروت حديث سهلة وأخذت به فلو كان عندها حديث إنما الرضاعة من المجاعة مخالفا لحديث سهلة لما ذهبت إليه وتركت حديثا واجهها به رسول الله صلى الله عليه وسلم وتغير وجهه وكره الرجل الذي رآه عندها وقالت هو أخي .

          قالوا : وقد صح عنها أنها كانت تدخل عليها الكبير إذا أرضعته في حال كبره أخت من أخواتها الرضاع المحرم ونحن نشهد بشهادة الله ونقطع قطعا نلقاه به يوم القيامة أن أم المؤمنين لم تكن لتبيح ستر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث ينتهكه من لا يحل له انتهاكه ولم يكن الله عز وجل ليبيح ذلك على يد الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سموات وقد عصم الله سبحانه ذلك الجناب الكريم والحمى المنيع والشرف الرفيع أتم عصمة وصانه أعظم صيانة وتولى صيانته وحمايته والذب عنه بنفسه ووحيه وكلامه .

          قالوا : فنحن نوقن ونقطع ونبت الشهادة لله بأن فعل عائشة رضي الله عنها هو الحق وأن رضاع الكبير يقع به من التحريم والمحرمية ما يقع برضاع الصغير ويكفينا أمنا أفقه نساء الأمة على الإطلاق وقد كانت تناظر في ذلك نساءه صلى الله عليه وسلم ولا يجبنها بغير قولهن ما أحد داخل علينا بتلك الرضاعة ويكفينا في ذلك أنه مذهب ابن عم نبينا وأعلم أهل الأرض على الإطلاق حين كان خليفة ومذهب الليث بن سعد الذي شهد له الشافعي بأنه كان أفقه من مالك إلا أنه ضيعه أصحابه ومذهب عطاء بن أبي رباح ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج عنه .

          وذكر مالك عن الزهري أنه سئل عن رضاع الكبير فاحتج بحديث سهلة بنت سهيل في قصة سالم مولى أبي حذيفة وقال عبد الرزاق : وأخبرني ابن جريج قال أخبرني عبد الكريم أن سالم بن أبي جعد المولى الأشجعي أخبره أن أباه أخبره أنه سأل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال أردت أن أتزوج امرأة قد سقتني من لبنها وأنا كبير تداويت به فقال له علي لا تنكحها ونهاه عنها

          فهؤلاء سلفنا في هذه المسألة وتلك نصوصنا كالشمس صحة وصراحة . قالوا : وأصرح أحاديثكم حديث أم سلمة ترفعه لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام فما أصرحه لو كان سليما من العلة لكن هذا حديث منقطع لأنه من رواية فاطمة بنت المنذر عن أم سلمة ولم تسمع منها شيئا لأنها كانت أسن من زوجها هشام باثني عشر عاما فكان مولده في سنة ستين ومولد فاطمة في سنة ثمان وأربعين وماتت أم سلمة سنة تسع وخمسين وفاطمة صغيرة لم تبلغها فكيف تحفظ عنها ولم تسمع من خالة أبيها شيئا وهي في حجرها كما حصل سماعها من جدتها أسماء بنت أبي بكر ؟

          قالوا : وإذا نظر العالم المنصف في هذا القول ووازن بينه وبين قول من يحد مدة الرضاع المحرم بخمسة وعشرين شهرا أو ستة وعشرين شهرا أو سبعة وعشرين شهرا أو ثلاثين شهرا من تلك الأقوال التي لا دليل عليها من كتاب الله أو سنة رسوله ولا قول أحد من الصحابة تبين له فضل ما بين القولين فهذا منتهى أقدام الطائفتين في هذه المسألة ولعل الواقف عليها لم يكن يخطر له أن هذا القول تنتهي قوته إلى هذا الحد وأنه ليس بأيدي أصحابه قدرة على تقديره وتصحيحه فاجلس أيها العالم المنصف مجلس الحكم بين هذين المتنازعين وافصل بينهما بالحجة والبيان لا بالتقليد وقال فلان .



          واختلف القائلون بالحولين في حديث سهلة هذا على ثلاثة مسالك أحدها : أنه منسوخ وهذا مسلك كثير منهم ولم يأتوا على النسخ بحجة سوى الدعوى فإنهم لا يمكنهم إثبات التاريخ المعلوم التأخر بينه وبين تلك الأحاديث . ولو قلب أصحاب هذا القول عليهم الدعوى وادعوا نسخ تلك الأحاديث بحديث سهلة لكانت نظير دعواهم . وأما قولهم إنها كانت في أول الهجرة وحين نزول قوله تعالى : ادعوهم لآبائهم [ الأحزاب 5 ] ورواية ابن عباس رضي الله عنه وأبي هريرة بعد ذلك فجوابه من وجوه .

          أحدها : أنهما لم يصرحا بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم بل لم يسمع منه ابن عباس إلا دون العشرين حديثا وسائرها عن الصحابة رضي الله عنهم .

          الثاني : أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لم تحتج واحدة منهن بل ولا غيرهن على عائشة رضي الله عنها بذلك بل سلكن في الحديث بتخصيصه بسالم وعدم إلحاق غيره به .

          الثالث أن عائشة رضي الله عنها نفسها روت هذا وهذا فلو كان حديث سهلة منسوخا لكانت عائشة رضي الله عنها قد أخذت به وتركت الناسخ أو خفي عليها تقدمه مع كونها هي الراوية له وكلاهما ممتنع وفي غاية البعد .

          الرابع أن عائشة رضي الله عنها ابتليت بالمسألة وكانت تعمل بها وتناظر عليها وتدعو إليها صواحباتها فلها بها مزيد اعتناء فكيف يكون هذا حكما منسوخا قد بطل كونه من الدين جملة ويخفى عليها ذلك ويخفى على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فلا تذكره لها واحدة منهن .


          افتراضي

          المسلك الثاني : أنه مخصوص بسالم دون من عداه وهذا مسلك أم سلمة ومن معها من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهن وهذا المسلك أقوى مما قبله فإن أصحابه قالوا مما يبين اختصاصه بسالم أن فيه أن سهلة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول آية الحجاب وهي تقتضي أنه لا يحل للمرأة أن تبدي زينتها إلا لمن ذكر في الآية وسمي فيها ولا يخص من عموم من عداهم أحد إلا بدليل .

          قالوا : والمرأة إذا أرضعت أجنبيا فقد أبدت زينتها له فلا يجوز ذلك تمسكا بعموم الآية فعلمنا أن إبداء سهلة زينتها لسالم خاص به . قالوا : وإذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من الأمة بأمر أو أباح له شيئا أو نهاه عن شيء وليس في الشريعة ما يعارضه ثبت ذلك في حق غيره من الأمة ما لم ينص على تخصيصه وأما إذا أمر الناس بأمر أو نهاهم عن شيء ثم أمر واحدا من الأمة بخلاف ما أمر به الناس أو أطلق له ما نهاهم عنه فإن ذلك يكون خاصا به وحده ولا نقول في هذا الموضع إن أمره للواحد أمر للجميع وإباحته للواحد إباحة للجميع لأن ذلك يؤدي إلى إسقاط الأمر الأول والنهي الأول بل نقول إنه خاص بذلك الواحد لتتفق النصوص وتأتلف ولا يعارض بعضها بعضا فحرم الله في كتابه أن تبدي المرأة زينتها لغير محرم وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم لسهلة أن تبدي زينتها لسالم وهو غير محرم عند إبداء الزينة قطعا فيكون ذلك رخصة خاصة بسالم مستثناة من عموم التحريم ولا نقول إن حكمها عام فيبطل حكم الآية المحرمة .

          قالوا : ويتعين هذا المسلك لأنا لو لم نسلكه لزمنا أحد مسلكين ولا بد منهما إما نسخ هذا الحديث بالأحاديث الدالة على اعتبار الصغر في التحريم وإما نسخها به ولا سبيل إلى واحد من الأمرين لعدم العلم بالتاريخ ولعدم تحقق المعارضة ولإمكان العمل بالأحاديث كلها فإنا إذا حملنا حديث سهلة على الرخصة الخاصة والأحاديث الأخر على عمومها فيما عدا سالما لم تتعارض ولم ينسخ بعضها بعضا وعمل بجميعها .

          قالوا : وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بين أن الرضاع إنما يكون في الحولين وأنه إنما يكون في الثدي وإنما يكون قبل الفطام كان ذلك ما يدل على أن حديث سهلة على الخصوص سواء تقدم أو تأخر فلا ينحصر بيان الخصوص في قوله هذا لك وحدك حتى يتعين طريقا .

          قالوا : وأما تفسير حديث إنما الرضاعة من المجاعة بما ذكرتموه ففي غاية البعد من اللفظ ولا تتبادر إليه أفهام المخاطبين بل القول في معناه ما قاله أبو عبيد والناس قال أبو عبيد : قوله إنما الرضاعة من المجاعة يقول إن الذي إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن إنما هو الصبي الرضيع .

          فأما الذي شبعه من جوعه الطعام فإن رضاعه ليس برضاع ومعنى الحديث إنما الرضاع في الحولين قبل الفطام هذا تفسير أبي عبيد والناس وهو الذي يتبادر فهمه من الحديث إلى الأذهان حتى لو احتمل الحديث التفسيرين على السواء لكان هذا المعنى أولى به لمساعدة سائر الأحاديث لهذا المعنى وكشفها له وإيضاحها ومما يبين أن غير هذا التفسير خطأ وأنه لا يصح أن يراد به رضاعة الكبير أن لفظة " المجاعة " إنما تدل على رضاعة الصغير فهي تثبت رضاعة المجاعة وتنفي غيرها ومعلوم يقينا أنه إنما أراد مجاعة اللبن لا مجاعة الخبز واللحم فهذا لا يخطر ببال المتكلم ولا السامع فلو جعلنا حكم الرضاعة عاما لم يبق لنا ما ينفي ويثبت .

          وسياق قوله لما رأى الرجل الكبير فقال إنما الرضاعة من المجاعة يبين المراد وأنه إنما يحرم رضاعة من يجوع إلى لبن المرأة والسياق ينزل اللفظ منزلة الصريح فتغير وجهه الكريم صلوات الله وسلامه عليه وكراهته لذلك الرجل وقوله انظرن من إخوانكن إنما هو للتحفظ في الرضاعة وأنها لا تحرم كل وقت وإنما تحرم وقتا دون وقت ولا يفهم أحد من هذا أنما الرضاعة ما كان عددها خمسا فيعبر عن هذا المعنى بقوله من المجاعة وهذا ضد البيان الذي كان عليه صلى الله عليه وسلم .

          وقولكم إن الرضاعة تطرد الجوع عن الكبير كما تطرد الجوع عن الصغير كلام باطل فإنه لا يعهد ذو لحية قط يشبعه رضاع المرأة ويطرد عنه الجوع بخلاف الصغير فإنه ليس له ما يقوم مقام اللبن فهو يطرد عنه الجوع فالكبير ليس ذا مجاعة إلى اللبن أصلا والذي يوضح هذا أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد حقيقة المجاعة وإنما أراد مظنتها وزمنها ولا شك أنه الصغر فإن أبيتم إلا الظاهرية وأنه أراد حقيقتها لزمكم أن لا يحرم رضاع الكبير إلا إذا ارتضع وهو جائع فلو ارتضع وهو شبعان لم يؤثر شيئا .

          وأما حديث الستر المصون والحرمة العظيمة والحمى المنيع فرضي الله عن أم المؤمنين فإنها وإن رأت أن هذا الرضاع يثبت المحرمية فسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يخالفنها في ذلك ولا يرين دخول هذا الستر المصون والحمى الرفيع بهذه الرضاعة فهي مسألة اجتهاد وأحد الحزبين مأجور أجرا واحدا والآخر مأجور أجرين وأسعدهما بالأجرين من أصاب حكم الله ورسوله في هذه الواقعة فكل من المدخل للستر المصون بهذه الرضاعة والمانع من الدخول فائز بالأجر مجتهد في مرضاة الله وطاعة رسوله وتنفيذ حكمه ولهما أسوة بالنبيين الكريمين - داود وسليمان اللذين أثنى الله عليهما بالحكمة والحكم وخص بفهم الحكومة أحدهما .



          فصل

          وأما ردكم لحديث أم سلمة فتعسف بارد فلا يلزم انقطاع الحديث من أجل أن فاطمة بنت المنذر لقيت أم سلمة صغيرة فقد يعقل الصغير جدا أشياء ويحفظها وقد عقل محمود بن الربيع المجة وهو ابن سبع سنين ويعقل أصغر منه .

          وقد قلتم إن فاطمة كانت وقت وفاة أم سلمة بنت إحدى عشرة سنة وهذا سن جيد لا سيما للمرأة فإنها تصلح فيه للزوج فمن هي في حد الزواج كيف يقال إنها لا تعقل ما تسمع ولا تدري ما تحدث به ؟

          هذا هو الباطل الذي لا ترد به السنن مع أن أم سلمة كانت مصادقة لجدتها أسماء وكانت دارهما واحدة فنشأت فاطمة هذه في حجر جدتها أسماء مع خالة أبيها عائشة رضي الله عنها وأم سلمة وماتت عائشة رضي الله عنها سنة سبع وخمسين .

          وقيل سنة ثمان وخمسين وقد يمكن سماع فاطمة منها وأما جدتها أسماء فماتت سنة ثلاث وسبعين وفاطمة إذ ذاك بنت خمس وعشرين سنة فلذلك كثر سماعها منها وقد أفتت أم سلمة بمثل الحديث الذي روته أسماء .

          فقال أبو عبيد : حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أم سلمة أنها سئلت ما يحرم من الرضاع ؟ فقالت ما كان في الثدي قبل الفطام فروت الحديث وأفتت بموجبه .

          وأفتى به عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما رواه الدارقطني من حديث سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال سمعت عمر يقول لا رضاع إلا في الحولين في الصغر

          وأفتى به ابنه عبد الله رضي الله عنه فقال مالك رحمه الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما : أنه كان يقول لا رضاعة إلا لمن أرضع في الصغر ولا رضاعة لكبير

          وأفتى به ابن عباس رضي الله عنهما فقال أبو عبيد : حدثنا عبد الرحمن عن سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لا رضاع بعد فطام



          [ رجوع أبي موسى الأشعري إلى عدم التحريم إلا برضاع الصغير ]

          وتناظر في هذه المسألة عبد الله بن مسعود وأبو موسى فأفتى ابن مسعود بأنه لا يحرم إلا في الصغر فرجع إليه أبو موسى فذكر الدارقطني أن ابن مسعود قال لأبي موسى : أنت تفتي بكذا وكذا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا رضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم

          وقد روى أبو داود : حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا وكيع حدثنا سليمان بن المغيرة عن أبي موسى الهلالي عن أبيه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم

          ثم أفتى بذلك كما ذكره عبد الرزاق عن الثوري حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي عطية الوادعي قال جاء رجل إلى أبي موسى فقال إن امرأتي ورم ثديها فمصصته فدخل حلقي شيء سبقني فشدد عليه أبو موسى فأتى عبد الله بن مسعود فقال سألت أحدا غيري ؟ قال نعم أبا موسى فشدد علي فأتى أبا موسى فقال أرضيع هذا ؟ فقال أبو موسى : لا تسألوني ما دام هذا الحبر بين أظهركم فهذه روايته وفتواه .

          وأما علي بن أبي طالب فذكر عبد الرزاق عن الثوري عن جويبر عن الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي لا رضاع بعد الفصال وهذا خلاف رواية عبد الكريم عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عنه . لكن جويبر لا يحتج بحديثه وعبد الكريم أقوى منه .

          فصل المسلك الثالث أن حديث سهلة ليس بمنسوخ ولا مخصوص ولا عام في حق كل أحد وإنما هو رخصة للحاجة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة ويشق احتجابها عنه كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثر رضاعه وأما من عداه فلا يؤثر إلا رضاع الصغير وهذا مسلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى والأحاديث النافية للرضاع في الكبير إما مطلقة فتقيد بحديث سهلة أو عامة في الأحوال فتخصيص هذه الحال من عمومها وهذا أولى من النسخ ودعوى التخصيص بشخص بعينه وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين وقواعد الشرع تشهد له والله الموفق .



          افتراضي

          ذكر حكمه صلى الله عليه وسلم في العدد
          هذا الباب قد تولى الله - سبحانه - بيانه في كتابه أتم بيان وأوضحه وأجمعه بحيث لا تشذ عنه معتدة فذكر أربعة أنواع من العدد وهي جملة أنواعها .

          [ عدة الحامل ]
          النوع الأول عدة الحامل بوضع الحمل مطلقا بائنة كانت أو رجعية مفارقة في الحياة أو متوفى عنها فقال وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [ الطلاق 4 ] وهذا فيه عموم من ثلاث جهات .

          أحدها : عموم المخبر عنه وهو أولات الأحمال فإنه يتناول جميعهن .

          الثاني : عموم الأجل فإنه أضافه إليهن وإضافة اسم الجمع إلى المعرفة يعم فجعل وضع الحمل جميع أجلهن فلو كان لبعضهن أجل غيره لم يكن جميع أجلهن .

          الثالث أن المبتدأ والخبر معرفتان أما المبتدأ فظاهر وأما الخبر - وهو قوله تعالى : أن يضعن حملهن [ الطلاق 4 ] ففي تأويل مصدر مضاف أي أجلهن وضع حملهن والمبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين اقتضى ذلك حصر الثاني في الأول كقوله يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد [ فاطر 15 ] .

          وبهذا احتج جمهور الصحابة على أن الحامل المتوفى عنها زوجها عدتها وضع حملها ولو وضعته والزوج على المغتسل كما أفتى به النبي صلى الله عليه وسلم لسبيعة الأسلمية وكان هذا الحكم والفتوى منه مشتقا من كتاب الله مطابقا له .


          فصل [ عدة المطلقة التي تحيض ]
          النوع الثاني : عدة المطلقة التي تحيض وهي ثلاثة قروء كما قال الله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [ البقرة 228 ] .




          [ عدة التي لا حيض لها ]
          النوع الثالث عدة التي لا حيض لها وهي نوعان صغيرة لا تحيض وكبيرة قد يئست من الحيض . فبين الله سبحانه عدة النوعين بقوله واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن [ الطلاق 4 ] أي فعدتهن كذلك .




          [ عدة المتوفى عنها زوجها ]
          النوع الرابع المتوفى عنها زوجها فبين عدتها - سبحانه - بقوله والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [ البقرة 234 ] فهذا يتناول المدخول بها وغيرها والصغيرة والكبيرة ولا تدخل فيه الحامل لأنها خرجت بقوله وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن فجعل وضع حملهن جميع أجلهن وحصره فيه بخلاف قوله في المتوفى عنهن يتربصن فإنه فعل مطلق لا عموم له وأيضا فإن قوله أجلهن أن يضعن حملهن [ الطلاق 4 ] متأخر في النزول عن قوله يتربصن وأيضا فإن قوله يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [ البقرة 234 ] في غير الحامل بالاتفاق فإنها لو تمادى حملها فوق ذلك تربصته فعمومها مخصوص اتفاقا وقوله أجلهن أن يضعن حملهن [ الطلاق 4 ] غير مخصوص بالاتفاق هذا لو لم تأت السنة الصحيحة بذلك ووقعت الحوالة على القرآن فكيف والسنة الصحيحة موافقة لذلك مقررة له .

          فهذه أصول العدد في كتاب الله مفصلة مبينة ولكن اختلف في فهم المراد من القرآن ودلالته في مواضع من ذلك وقد دلت السنة بحمد الله على مراد الله منها ونحن نذكرها ونذكر أولى المعاني وأشبهها بها ودلالة السنة عليها .




          [الاختلاف في المتوفى عنها إذا كانت حاملا ]

          فمن ذلك اختلاف السلف في المتوفى عنها إذا كانت حاملا فقال علي وابن عباس وجماعة من الصحابة أبعد الأجلين من وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشرا وهذا أحد القولين في مذهب مالك رحمه الله اختاره سحنون . قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب عنه علي بن أبي طالب وابن عباس يقولان في المعتدة الحامل أبعد الأجلين وكان ابن مسعود يقول من شاء باهلته إن سورة النساء القصرى نزلت بعد وحديث سبيعة يقضي بينهم إذا وضعت فقد حلت . وابن مسعود يتأول القرآن أجلهن أن يضعن حملهن [ الطلاق 4 ]

          هي في المتوفى عنها والمطلقة مثلها إذا وضعت فقد حلت وانقضت عدتها ولا تنقضي عدة الحامل إذا أسقطت حتى يتبين خلقه فإذا بان له يد أو رجل عتقت به الأمة وتنقضي به العدة وإذا ولدت ولدا وفي بطنها آخر لم تنقض العدة حتى تلد الآخر ولا تغيب عن منزلها الذي أصيب فيه زوجها أربعة أشهر وعشرا إذا لم تكن حاملا والعدة من يوم يموت أو يطلق هذا كلام أحمد .

          وقد تناظر في هذه المسألة ابن عباس وأبو هريرة رضي الله عنهما فقال أبو هريرة عدتها وضع الحمل وقال ابن عباس تعتد أقصى الأجلين فحكما أم سلمة رضي الله عنها فحكمت لأبي هريرة واحتجت بحديث سبيعة . وقد قيل إن ابن عباس رجع .

          وقال جمهور الصحابة ومن بعدهم والأئمة الأربعة إن عدتها وضع الحمل ولو كان الزوج على مغتسله فوضعت حلت .

          قال أصحاب الأجلين هذه قد تناولها عمومان وقد أمكن دخولها في كليهما فلا تخرج من عدتها بيقين حتى تأتي بأقصى الأجلين قالوا : ولا يمكن تخصيص عموم إحداهما بخصوص الأخرى لأن كل آية عامة من وجه خاصة من وجه قالوا : فإذا أمكن دخول بعض الصور في عموم الآيتين يعني إعمالا للعموم في مقتضاه . فإذا اعتدت أقصى الأجلين دخل أدناهما في أقصاهما . والجمهور أجابوا عن هذا بثلاثة أجوبة

          أحدها : أن صريح السنة يدل على اعتبار الحمل فقط كما في " الصحيحين " : أن سبيعة الأسلمية توفي عنها زوجها وهي حبلى فوضعت فأرادت أن تنكح فقال لها أبو السنابل ما أنت بناكحة حتى تعتدي آخر الأجلين فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال كذب أبو السنابل قد حللت فانكحي من شئت .

          الثاني أن قوله وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [ الطلاق 4 ] نزلت بعد قوله والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [ البقرة 234 ] وهذا جواب عبد الله بن مسعود كما في صحيح البخاري عنه أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون لها الرخصة أشهد لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [ الطلاق 4 ] .

          [مفهوم النسخ عند السلف ]

          وهذا الجواب يحتاج إلى تقرير فإن ظاهره أن آية الطلاق مقدمة على آية البقرة لتأخرها عنها فكانت ناسخة لها ولكن النسخ عند الصحابة والسلف أعم منه عند المتأخرين فإنهم يريدون به ثلاثة معان :

          أحدها : رفع الحكم الثابت بخطاب .

          الثاني : رفع دلالة الظاهر إما بتخصيص وإما بتقييد وهو أعم مما قبله .

          الثالث بيان المراد باللفظ الذي بيانه من خارج وهذا أعم من المعنيين الأولين فابن مسعود رضي الله عنه أشار بتأخر نزول سورة الطلاق إلا أن آية الاعتداد بوضع الحمل ناسخة لآية البقرة إن كان عمومها مرادا أو مخصصة لها إن لم يكن عمومها مرادا أو مبينة للمراد منها أو مقيدة لإطلاقها وهذا من كمال فقهه رضي الله عنه ورسوخه في العلم ومما يبين أن أصول الفقه سجية للقوم وطبيعة لا يتكلفونها كما أن العربية والمعاني والبيان وتوابعها لهم كذلك فمن بعدهم فإنما يجهد نفسه ليتعلق بغبارهم وأنى له ؟ الثالث أنه لو لم تأت السنة الصريحة باعتبار الحمل ولم تكن آية الطلاق متأخرة لكان تقديمها هو الواجب لما قررناه أولا من جهات العموم الثلاثة فيها وإطلاق قوله يتربصن وقد كانت الحوالة على هذا الفهم ممكنة ولكن لغموضه ودقته على كثير من الناس أحيل في ذلك الحكم على بيان السنة وبالله التوفيق .



          فصل [لا تنقضي العدة حتى تضع جميع الحمل ]
          [ يكتفى في عدة المتوفى عنها زوجها بالتربص أربعة أشهر وعشرا ]

          دل قوله سبحانه أجلهن أن يضعن حملهن [ الطلاق 4 ] على أنها إذا كانت حاملا بتوأمين لم تنقض العدة حتى تضعهما جميعا ودلت على أن من عليها الاستبراء فعدتها وضع الحمل أيضا ودلت على أن العدة تنقضي بوضعه على أي صفة كان حيا أو ميتا تام الخلقة أو ناقصها نفخ فيه الروح أو لم ينفخ . ودل قوله يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [ البقرة 234 ] على الاكتفاء بذلك وإن لم تحض وهذا قول الجمهور وقال مالك إذا كان عادتها أن تحيض في كل سنة مرة فتوفي عنها زوجها لم تنقض عدتها حتى تحيض حيضتها فتبرأ من عدتها . فإن لم تحض انتظرت تمام تسعة أشهر من يوم وفاته وعنه رواية ثانية كقول الجمهور أنه تعتد أربعة أشهر وعشرا ولا تنتظر حيضها .




          فصل [من قال إن الأقراء هي الحيض ]
          ومن ذلك اختلافهم في الأقراء هل هي الحيض أو الأطهار ؟ فقال أكابر – 532 – الصحابة إنها الحيض هذا قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي موسى وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وابن عباس ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم وهو قول أصحاب عبد الله بن مسعود كلهم كعلقمة والأسود وإبراهيم وشريح وقول الشعبي والحسن وقتادة وقول أصحاب ابن عباس سعيد بن جبير وطاووس وهو قول سعيد بن المسيب وهو قول أئمة الحديث كإسحاق بن إبراهيم وأبي عبيد القاسم والإمام أحمد رحمه الله فإنه رجع إلى القول به واستقر مذهبه عليه فليس له مذهب سواه وكان يقول إنها الأطهار فقال في رواية الأثرم رأيت الأحاديث عمن قال القروء الحيض تختلف .

          والأحاديث عمن قال إنه أحق بها حتى تدخل في الحيضة الثالثة أحاديث صحاح قوية وهذا النص وحده هو الذي ظفر به أبو عمر بن عبد البر فقال رجع أحمد إلى أن الأقراء الأطهار وليس كما قال بل كان يقول هذا أولا ثم توقف فيه فقال في رواية الأثرم أيضا : قد كنت أقول الأطهار ثم وقفت كقول الأكابر ثم جزم أنها الحيض وصرح بالرجوع عن الأطهار فقال في رواية ابن هانئ .
          كنت أقول إنها الأطهار وأنا اليوم أذهب إلى أن الأقراء الحيض قال القاضي أبو يعلى وهذا هو الصحيح عن أحمد رحمه الله وإليه ذهب أصحابنا ورجع عن قوله بالأطهار ثم ذكر نص رجوعه من رواية ابن هانئ كما تقدم وهو قول أئمة أهل الرأي كأبي حنيفة وأصحابه .




          [ من قال بأن الأقراء هي الأطهار ]
          وقالت طائفة الأقراء الأطهار وهذا قول عائشة أم المؤمنين وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر . ويروى والشافعي وأحمد عن الفقهاء السبعة وأبان بن عثمان والزهري وعامة فقهاء المدينة وبه قال مالك في إحدى الروايتين عنه . وعلى هذا القول فمتى طلقها في أثناء طهر فهل تحتسب ببقيته قرءا ؟ على ثلاثة أقوال

          أحدها : تحتسب به وهو المشهور .

          والثاني : لا تحتسب به وهو قول الزهري . كما لا تحتسب ببقية الحيضة عند من يقول القرء الحيض اتفاقا .
          والثالث إن كان قد جامعها في ذلك الطهر لم تحتسب ببقيته وإلا احتسبت وهذا قول أبي عبيد . فإذا طعنت في الحيضة الثالثة أو الرابعة على قول الزهري انقضت عدتها . وعلى قول الأول لا تنقضي العدة حتى تنقضي الحيضة الثالثة .




          [ هل يقف انقضاء العدة على اغتسال المعتدة من حيضتها الثالثة ]

          وهل يقف انقضاء عدتها على اغتسالها منها ؟ على ثلاثة أقوال .

          أحدها : لا تنقضي عدتها حتى تغتسل وهذا هو المشهور عن أكابر الصحابة قال الإمام أحمد : وعمر وعلي وابن مسعود يقولون له رجعتها قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة انتهى .

          وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان وأبي موسى وعبادة وأبي الدرداء ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم كما في مصنف وكيع عن عيسى الخياط عن الشعبي عن ثلاثة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الخير فالخير منهم أبو بكر وعمر وابن عباس : أنه أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة

          وفي " مصنفه " أيضا عن محمد بن راشد عن مكحول عن معاذ بن جبل وأبي الدرداء مثله . وفي " مصنف عبد الرزاق " : عن معمر عن زيد بن رفيع عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال أرسل عثمان إلى أبي بن كعب في ذلك فقال أبي بن كعب : أرى أنه أحق بها حتى تغتسل من حيضتها الثالثة وتحل لها الصلاة قال فما أعلم عثمان إلا أخذ بذلك

          وفي " مصنفه " أيضا : عن عمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير أن عبادة بن الصامت قال لا تبين حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وتحل لها الصلاة

          فهؤلاء بضعة عشر من الصحابة وهو قول سعيد بن المسيب وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه .

          قال شريك له الرجعة وإن فرطت في الغسل عشرين سنة وهذا إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله .

          والثاني : أنها تنقضي بمجرد طهرها من الحيضة الثالثة ولا تقف على الغسل وهذا قول سعيد بن جبير والأوزاعي والشافعي في قوله القديم حيث كان يقول الأقراء الحيض وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد اختارها أبو الخطاب .

          والثالث أنها في عدتها بعد انقطاع الدم ولزوجها رجعتها حتى يمضي عليها وقت الصلاة التي طهرت في وقتها وهذا قول الثوري والرواية الثالثة عن أحمد حكاها أبو بكر عنه وهو قول أبي حنيفة رحمه الله لكن إذا انقطع الدم لأقل الحيض وإن انقطع الدم لأكثره انقضت العدة عنها بمجرد انقطاعه .




          [ هل يشترط كون الطهر مسبوقا بدم قبله على من قال بالأطهار ]

          وأما من قال إنها الأطهار اختلفوا في موضعين أحدهما : هل يشترط كون الطهر مسبوقا بدم قبله أو لا يشترط ذلك ؟

          على قولين لهم وهما وجهان في مذهب الشافعي وأحمد . أحدهما : يحتسب لأنه طهر بعده حيض فكان قرءا كما لو كان قبله حيض .

          والثاني : لا يحتسب وهو ظاهر نص الشافعي في الجديد لأنها لا تسمى من ذوات الأقراء إلا إذا رأت الدم .



          هل تنقضي العدة بالطعن في الحيضة الثالثة على من قال بالأطهار ]

          الموضع الثاني : هل تنقضي العدة بالطعن في الحيضة الثالثة أو لا تنقضي حتى تحيض يوما وليلة ؟

          على وجهين لأصحاب أحمد وهما قولان منصوصان للشافعي ولأصحابه وجه ثالث إن حاضت للعادة انقضت العدة بالطعن في الحيضة . وإن حاضت لغير العادة بأن كانت عادتها ترى الدم في عاشر الشهر فرأته في أوله لم تنقض حتى يمضي عليها يوم وليلة . ثم اختلفوا : هل يكون هذا الدم محسوبا من العدة ؟ على وجهين تظهر فائدتهما في رجعتها في وقته فهذا تقرير مذاهب الناس في الأقراء .



          [ حجة من فسر الأقراء بالحيض ]
          قال من نص إنها الحيض الدليل عليه وجوه

          [ الدليل الأول لمن حمل القرء على الحيض ]

          أحدها : أن قوله تعالى : يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [ البقرة 228 ] إما أن يراد به الأطهار فقط أو الحيض فقط أو مجموعهما .

          والثالث محال إجماعا حتى عند من يحمل اللفظ المشترك على معنييه . وإذا تعين حمله على أحدهما فالحيض أولى به لوجوه

          [ الوجه الأول الدال على أولوية حمل القرء في الآية على الحيض ]

          أحدها : أنها لو كانت الأطهار فالمعتدة بها يكفيها قرآن ولحظة من الثالث وإطلاق الثلاثة على هذا مجاز بعيد لنصية الثلاثة في العدد المخصوص .

          فإن قلتم بعض الطهر المطلق فيه عندنا قرء كامل قيل جوابه من ثلاثة أوجه . أحدها : أن هذا مختلف فيه كما تقدم فلم تجمع الأمة على أن بعض القرء قرء قط فدعوى هذا يفتقر إلى دليل .

          الثاني : أن هذا دعوى مذهبية أوجب حمل الآية عليها إلزام كون الأقراء الأطهار والدعاوى المذهبية لا يفسر بها القرآن وتحمل عليها اللغة ولا يعقل في اللغة قط أن اللحظة من الطهر تسمى قرءا كاملا ولا اجتمعت الأمة على ذلك فدعواه لا تثبت نقلا ولا إجماعا وإنما هو مجرد الحمل ولا ريب أن الحمل شيء والوضع شيء آخر وإنما يفيد ثبوت الوضع لغة أو شرعا أو عرفا .

          الثالث أن القرء إما أن يكون اسما لمجموع الطهر كما يكون اسما لمجموع الحيضة أو لبعضه أو مشتركا بين الأمرين اشتراكا لفظيا أو اشتراكا معنويا والأقسام الثلاثة باطلة فتعين الأول أما بطلان وضعه لبعض الطهر فلأنه يلزم أن يكون الطهر الواحد عدة أقراء ويكون استعمال لفظ " القرء " فيه مجازا .

          وأما بطلان الاشتراك المعنوي فمن وجهين

          أحدهما : أنه يلزم أن يصدق على الطهر الواحد أنه عدة أقراء حقيقة .

          والثاني : أن نظيره - وهو الحيض - لا يسمى جزؤه قرءا اتفاقا ووضع القرء لهما لغة لا يختلف وهذا لا خفاء به .




          [ حمل المشترك على معنييه والتشكيك في نسبته للشافعي والباقلاني ]

          فإن قيل نختار من هذه الأقسام أن يكون مشتركا بين كله وجزئه اشتراكا لفظيا ويحمل المشترك على معنييه فإنه أحفظ وبه تحصل البراءة بيقين .

          قيل الجواب من وجهين .

          أحدهما : أنه لا يصح اشتراكه كما تقدم .

          الثاني : أنه لو صح اشتراكه لم يجز حمله على مجموع معنييه . أما على قول من لا يجوز حمل المشترك على معنييه فظاهر وأما من يجوز حمله عليهما فإنما يجوزونه إذا دل الدليل على إرادتهما معا . فإذا لم يدل الدليل وقفوه حتى يقوم الدليل على إرادة أحدهما أو إرادتهما وحكى المتأخرون عن الشافعي والقاضي أبي بكر أنه إذا تجرد عن القرائن وجب حمله على معنييه كالاسم العام لأنه أحوط إذ ليس أحدهما أولى به من الآخر ولا سبيل إلى معنى ثالث وتعطيله غير ممكن ويمتنع تأخير البيان عن وقت الحاجة .

          فإذا جاء وقت العمل ولم يتبين أن أحدهما هو المقصود بعينه علم أن الحقيقة غير مرادة إذ لو أريدت لبينت فتعين المجاز وهو مجموع المعنيين ومن يقول إن الحمل عليهما بالحقيقة يقول لما لم يتبين أن المراد أحدهما علم أنه أراد كليهما .

          قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه الحكاية عن الشافعي والقاضي نظر أما القاضي فمن أصله الوقف في صيغ العموم وأنه لا يجوز حملها على الاستغراق إلا بدليل فمن يقف في ألفاظ العموم كيف يجزم في الألفاظ المشتركة بالاستغراق من غير دليل ؟ وإنما الذي ذكره في كتبه إحالة .


          [ فساد حمل المشترك على معنييه ]

          الاشتراك رأسا وما يدعى فيه الاشتراك فهو عنده من قبيل المتواطئ وأما الشافعي فمنصبه في العلم أجل من أن يقول مثل هذا وإنما استنبط هذا من قوله إذا أوصى لمواليه تناول المولى من فوق ومن أسفل وهذا قد يكون قاله لاعتقاده أن المولى من الأسماء المتواطئة وأن موضعه القدر المشترك بينهما فإنه من الأسماء المتضايفة كقوله " من كنت مولاه فعلي مولاه ولا يلزم من هذا أن يحكى عنه قاعدة عامة في الأسماء التي ليس من معانيها قدر مشترك أن تحمل عند الإطلاق على جميع معانيها ثم الذي يدل على فساد هذا القول وجوه .

          أحدها : أن استعمال اللفظ في معنييه إنما هو مجاز إذ وضعه لكل واحد منهما على سبيل الانفراد هو الحقيقة واللفظ المطلق لا يجوز حمله على المجاز بل يجب حمله على حقيقته .

          الثاني : أنه لو قدر أنه موضوع لهما منفردين ولكل واحد منهما مجتمعين فإنه يكون له حينئذ ثلاثة مفاهيم فالحمل على أحد مفاهيمه دون غيره بغير موجب ممتنع .

          الثالث أنه حينئذ يستحيل حمله على جميع معانيه إذ حمله على هذا وحده وعليهما معا مستلزم للجمع بين النقيضين فيستحيل حمله على جميع معانيه وحمله عليهما معا حمل له على بعض مفهوماته فحمله على جميعها يبطل حمله على جميعها .

          الرابع أن هاهنا أمورا . أحدها : هذه الحقيقة وحدها والثاني : الحقيقة الأخرى وحدها والثالث مجموعهما والرابع مجاز هذه وحدها والخامس مجاز الأخرى وحدها والسادس مجازهما معا والسابع الحقيقة وحدها مع مجازها والثامن الحقيقة مع مجاز الأخرى . والتاسع الحقيقة الواحدة مع مجازهما والعاشر الحقيقة الأخرى مع مجازها والحادي عشر مع مجاز الأخرى والثاني عشر مع مجازهما فهذه اثنا عشر محملا بعضها على سبيل الحقيقة وبعضها على سبيل المجاز فتعيين معنى واحد مجازي دون سائر المجازات والحقائق ترجيح من غير مرجح وهو ممتنع .

          الخامس أنه لو وجب حمله على المعنيين جميعا لصار من صيغ العموم لأن حكم الاسم العام وجوب حمله على جميع مفرداته عند التجرد من التخصيص ولو كان كذلك لجاز استثناء أحد المعنيين منه ولسبق إلى الذهن منه عند الإطلاق العموم وكان المستعمل له في أحد معنييه بمنزلة المستعمل للاسم العام في بعض معانيه فيكون متجوزا في خطابه غير متكلم بالحقيقة وأن يكون من استعمله في معنييه غير محتاج إلى دليل وإنما يحتاج إليه من نفى المعنى الآخر ولوجب أن يفهم منه الشمول قبل البحث عن التخصيص عند من يقول بذلك في صيغ العموم ولا ينفي الإجمال عنه إذ يصير بمنزلة سائر الألفاظ العامة وهذا باطل قطعا وأحكام الأسماء المشتركة لا تفارق أحكام الأسماء العامة وهذا مما يعلم بالاضطرار من اللغة ولكانت الأمة قد أجمعت في هذه الآية على حملها على خلاف ظاهرها ومطلقها إذ لم يصر أحد منهم إلى حمل " القرء " على الطهر والحيض معا وبهذا يتبين بطلان قولهم حمله عليهما أحوط فإنه لو قدر حمل الآية على ثلاثة من الحيض والأطهار لكان فيه خروج عن الاحتياط .

          وإن قيل نحمله على ثلاثة من كل منهما فهو خلاف نص القرآن إذ تصير الأقراء ستة . قولهم إما أن يحمل على أحدهما بعينه أو عليهما إلى آخره قلنا : مثل هذا لا يجوز أن يعرى عن دلالة تبين المراد منه كما في الأسماء المجملة وإن خفيت الدلالة على بعض المجتهدين فلا يلزم أن تكون خفية عن مجموع الأمة وهذا هو الجواب عن الوجه الثالث فالكلام إذا لم يكن مطلقه يدل على المعنى المراد فلا بد من بيان المراد .



          [ الوجه الثاني الدال على أولوية حمل القرء في الآية على الحيض ]

          وإذا تعين أن المراد بالقرء في الآية أحدهما لا كلاهما فإرادة الحيض أولى لوجوه . منها : ما تقدم . الثاني : أن استعمال القرء في الحيض أظهر منه في الطهر فإنهم يذكرونه تفسيرا للفظه ثم يردفونه بقولهم وقيل أو قال فلان أو يقال على الطهر أو وهو أيضا الطهر فيجعلون تفسيره بالحيض كالمستقر المعلوم المستفيض وتفسيره بالطهر قول قيل . وهاك حكاية ألفاظهم .

          قال الجوهري : القرء بالفتح الحيض والجمع أقراء وقروء .

          وفي الحديث لا صلاة أيام أقرائك والقرء أيضا : الطهر وهو من الأضداد . وقال أبو عبيد : الأقراء الحيض ثم قال الأقراء الأطهار وقال الكسائي والفراء أقرأت المرأة إذا حاضت .

          وقال ابن فارس : القروء أوقات يكون للطهر مرة وللحيض مرة والواحد قرء ويقال القرء وهو الطهر ثم قال . وقوم يذهبون إلى أن القرء الحيض فحكى قول من جعله مشتركا بين أوقات الطهر والحيض وقول من جعله لأوقات الطهر وقول من جعله لأوقات الحيض وكأنه لم يختر واحدا منهما بل جعله لأوقاتهما . قال وأقرأت المرأة إذا خرجت من حيض إلى طهر ومن طهر إلى حيض وهذا يدل على أنه لا بد من مسمى الحيض في حقيقته يوضحه أن من قال أوقات الطهر تسمى قروءا فإنما يريد أوقات الطهر التي يحتوشها الدم وإلا فالصغيرة والآيسة لا يقال لزمن طهرهما أقراء ولا هما من ذوات الأقراء باتفاق أهل اللغة .




          [ الدليل الثاني لمن حمل القرء على الحيض ]

          الدليل الثاني : أن لفظ القرء لم يستعمل في كلام الشارع إلا للحيض ولم يجئ عنه في موضع واحد استعماله للطهر فحمله في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى بل متعين فإنه صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة دعي الصلاة أيام أقرائك وهو صلى الله عليه وسلم المعبر عن الله تعالى وبلغة قومه نزل القرآن فإذا ورد المشترك في كلامه على أحد معنييه وجب حمله في سائر كلامه عليه إذا لم تثبت إرادة الآخر في شيء من كلامه البتة ويصير هو لغة القرآن التي خوطبنا بها وإن كان له معنى آخر في كلام غيره ويصير هذا المعنى الحقيقة الشرعية في تخصيص المشترك بأحد معنييه كما يخص المتواطئ بأحد أفراده بل هذا أولى لأن أغلب أسباب الاشتراك تسمية أحد القبيلتين الشيء باسم وتسمية الأخرى بذلك الاسم مسمى آخر ثم تشيع الاستعمالات بل قال المبرد وغيره لا يقع الاشتراك في اللغة إلا بهذا الوجه خاصة والواضع لم يضع لفظا مشتركا البتة فإذا ثبت استعمال الشارع لفظ القروء في الحيض علم أن هذا لغته فيتعين حمله على ما في كلامه .

          ويوضح ذلك ما في سياق الآية من قوله ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن [ البقرة 228 ] وهذا هو الحيض والحمل عند عامة المفسرين والمخلوق في الرحم إنما هو الحيض الوجودي ولهذا قال السلف والخلف هو الحمل والحيض وقال بعضهم الحمل وبعضهم الحيض ولم يقل أحد قط إنه الطهر ولهذا لم ينقله من عني بجمع أقوال أهل التفسير كابن الجوزي وغيره .

          وأيضا فقد قال سبحانه واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن [ الطلاق 4 ] فجعل كل شهر بإزاء حيضة وعلق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر من الحيض .



          [ عدة الأمة حيضتان ]
          وأيضا فحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال غريب لا نعرفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث وفي لفظ للدارقطني فيه طلاق العبد ثنتان وروى ابن ماجه من حديث عطية العوفي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان وأيضا : قال ابن ماجه في " سننه " : حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت أمرت بريرة أن تعتد ثلاث حيض

          وفي " المسند " : عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خير بريرة فاختارت نفسها وأمرها أن تعتد عدة الحرة وقد فسر عدة الحرة بثلاث حيض في حديث عائشة رضي الله عنها . فإن قيل فمذهب عائشة رضي الله عنها أن الأقراء الأطهار ؟ قيل ليس هذا بأول حديث خالفه راويه فأخذ بروايته دون رأيه وأيضا ففي حديث الربيع بنت معوذ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر امرأة ثابت بن قيس بن شماس لما اختلعت من زوجها أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها رواه النسائي .

          وفي " سنن أبي داود " عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة

          [ استبراء الأمة حيضة ]
          وفي الترمذي أن الربيع بنت معوذ اختلعت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أو أمرت أن تعتد بحيضة قال الترمذي حديث الربيع الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة . وأيضا فإن الاستبراء هو عدة الأمة وقد ثبت عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبايا أوطاس : لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة رواه أحمد وأبو داود .

          فإن قيل لا نسلم أن استبراء الأمة بالحيضة وإنما هو بالطهر الذي هو قبل الحيضة كذلك قال ابن عبد البر وقال قولهم إن استبراء الأمة حيضة بإجماع ليس كما ظنوا بل جائز لها عندنا أن تنكح إذا دخلت في الحيضة واستيقنت أن دمها دم حيض كذلك قال إسماعيل بن إسحاق ليحيى بن أكثم حين أدخل عليه في مناظرته إياه .

          قلنا : هذا يرده قوله صلى الله عليه وسلم لا توطأ الحامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة

          وأيضا فالمقصود الأصلي من العدة إنما هو استبراء الرحم وإن كان لها فوائد أخر ولشرف الحرة المنكوحة وخطرها جعل العلم الدال على براءة رحمها ثلاثة أقراء فلو كان القرء هو الطهر لم تحصل بالقرء الأول دلالة فإنه لو جامعها في الطهر ثم طلقها ثم حاضت كان ذلك قرءا محسوبا من الأقراء عند من يقول الأقراء الأطهار . ومعلوم أن هذا لم يدل على شيء وإنما الذي يدل على البراءة الحيض الحاصل بعد الطلاق ولو طلقها في طهر لم يصبها فيه فإنما يعلم هنا براءة الرحم بالحيض الموجود قبل الطلاق والعدة لا تكون قبل الطلاق لأنها حكمه والحكم لا يسبق سببه فإذا كان الطهر الموجود بعد الطلاق لا دلالة له على البراءة أصلا لم يجز إدخاله في العدد الدالة على براءة الرحم وكان مثله كمثل شاهد غير مقبول ولا يجوز تعليق الحكم بشهادة شاهد لا شهادة له يوضحه أن العدة في المنكوحات كالاستبراء في المملوكات .

          وقد ثبت بصريح السنة أن الاستبراء بالحيض لا بالطهر فكذلك العدة إذ لا فرق بينهما إلا بتعدد العدة والاكتفاء بالاستبراء بقرء واحد وهذا لا يوجب اختلافهما في حقيقة القرء وإنما يختلفان في القدر المعتبر منهما ولهذا قال الشافعي في أصح القولين عنه إن استبراء الأمة يكون بالحيض وفرق أصحابه بين البابين بأن العدة وجبت قضاء لحق الزوج فاختصت بأزمان حقه وهي أزمان الطهر وبأنها تتكرر فتعلم معها البراءة بتوسط الحيض بخلاف الاستبراء فإنه لا يتكرر والمقصود منه مجرد البراءة فاكتفي فيه بحيضة . وقال في القول الآخر تستبرأ بطهر طردا لأصله في العدد وعلى هذا فهل تحتسب ببعض الطهر ؟ على وجهين لأصحابه فإذا احتسبت به فلا بد من ضم حيضة كاملة إليه . فإذا طعنت في الطهر الثاني حلت وإن لم تحتسب به فلا بد من ضم طهر كامل إليه ولا تحتسب ببعض الطهر عنده قرءا قولا واحدا .




          [ علة أولوية اعتداد الحرة على الأمة بالحيض ]
          والمقصود أن الجمهور على أن عدة الاستبراء حيضة لا طهر وهذا الاستبراء في حق الأمة كالعدة في حق الحرة قالوا : بل الاعتداد في حق الحرة بالحيض أولى من الأمة من وجهين .

          أحدهما : أن الاحتياط في حقها ثابت بتكرير القرء ثلاث استبراءات فهكذا ينبغي أن يكون الاعتداد في حقها بالحيض الذي هو أحوط من الطهر فإنها لا تحتسب ببقية الحيضة قرءا وتحتسب ببقية الطهر قرءا .

          الثاني : أن استبراء الأمة فرع على عدة الحرة وهي الثابتة بنص القرآن والاستبراء إنما ثبت بالسنة فإذا كان قد احتاط له الشارع بأن جعله بالحيض فاستبراء الحرة أولى فعدة الحرة استبراء لها واستبراء الأمة عدة لها .

          وأيضا فالأدلة والعلامات والحدود والغايات إنما تحصل بالأمور الظاهرة المتميزة عن غيرها والطهر هو الأمر الأصلي ولهذا متى كان مستمرا مستصحبا لم يكن له حكم يفرد به في الشريعة وإنما الأمر المتميز هو الحيض فإن المرأة إذا حاضت تغيرت أحكامها من بلوغها وتحريم العبادات عليها من الصلاة والصوم والطواف واللبث في المسجد وغير ذلك من الأحكام .

          ثم إذا انقطع الدم واغتسلت فلم تتغير أحكامها بتجدد الطهر لكن لزوال المغير الذي هو الحيض فإنها تعود بعد الطهر إلى ما كانت عليه قبل الحيض من غير أن يجدد لها الطهر حكما والقرء أمر يغير أحكام المرأة وهذا التغيير إنما يحصل بالحيض دون الطهر . فهذا الوجه دال على فساد قول من يحتسب بالطهر الذي قبل الحيضة قرءا فيما إذا طلقت قبل أن تحيض ثم حاضت فإن من اعتد بهذا الطهر قرءا جعل شيئا ليس له حكم في الشريعة قرءا من الأقراء وهذا فاسد .



          فصل [ حجة من فسر الأقراء بالأطهار ]
          قال من جعل الأقراء الأطهار الكلام معكم في مقامين .

          أحدهما : بيان الدليل على أنها الأطهار .

          الثاني : في الجواب عن أدلتكم .

          أما المقام الأول فقوله تعالى : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [ الطلاق 1 ] ووجه الاستدلال به أن اللام هي لام الوقت أي فطلقوهن في وقت عدتهن كما في قوله تعالى : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة [ الأنبياء 47 ] أي في يوم القيامة وقوله أقم الصلاة لدلوك الشمس [ الإسراء : 78 ] أي وقت الدلوك وتقول العرب : جئتك لثلاث بقين من الشهر أي في ثلاث بقين منه وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية بهذا التفسير ففي " الصحيحين " : عن ابن عمر رضي الله عنه أنه لما طلق امرأته وهي حائض أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها ثم يطلقها وهي طاهر قبل أن يمسها ثم قال فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء هي الطهر الذي بعد الحيضة ولو كان القرء هو الحيض كان قد طلقها قبل العدة لا في العدة وكان ذلك تطويلا عليها وهو غير جائز كما لو طلقها في الحيض .

          قال الشافعي : قال الله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [ البقرة 228 ] فالأقراء عندنا - والله أعلم - الأطهار فإن قال قائل ما دل على أنها الأطهار وقد قال غيركم الحيض ؟ قيل له دلالتان . إحداهما : الكتاب الذي دلت عليه السنة والأخرى : اللسان . فإن قال وما الكتاب ؟ قيل قال الله تبارك وتعالى : إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [ الطلاق 1 ] وأخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مره فليراجعها تم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء

          أخبرنا مسلم وسعيد بن سالم عن ابن جريج عن أبي الزبير أنه سمع ابن عمر يذكر طلاق امرأته حائضا فقال قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا طهرت فليطلق أو يمسك وتلا النبي صلى الله عليه وسلم إذا طلقتم النساء فطلقوهن لقبل أو في قبل عدتهن [ الطلاق 1 ] قال الشافعي رحمه الله أنا شككت فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أن العدة الطهر دون الحيض وقرأ فطلقوهن لقبل عدتهن - 547 وهو أن يطلقها طاهرا لأنها حينئذ تستقبل عدتها ولو طلقت حائضا لم تكن مستقبلة عدتها إلا بعد الحيض .

          فإن قال فما اللسان ؟ قيل القرء اسم وضع لمعنى فلما كان الحيض دما يرخيه الرحم فيخرج والطهر دما يحتبس فلا يخرج وكان معروفا من لسان العرب أن القرء الحبس . تقول العرب : هو يقري الماء في حوضه وفي سقائه وتقول العرب : هو يقري الطعام في شدقه يعني : يحبسه في شدقه . وتقول العرب : إذا حبس الرجل الشيء قرأه . يعني : خبأه وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه تقرى في صحافها أي تحبس في صحافها .

          قال الشافعي : أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة . قال ابن شهاب : فذكر ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن فقالت صدق عروة . وقد جادلها في ذلك ناس . وقالوا : إن الله تعالى يقول ثلاثة قروء فقالت عائشة رضي الله عنها : صدقتم وهل تدرون ما الأقراء ؟ الأقراء الأطهار

          أخبرنا مالك عن ابن شهاب قال سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول هذا . يريد الذي قالت عائشة رضي الله عنها . قال الشافعي رحمه الله وأخبرنا سفيان عن الزهري عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها : إذا طعنت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه

          وأخبرنا مالك رحمه الله عن نافع وزيد بن أسلم عن سليمان بن يسار أن الأحوص - يعني ابن حكيم - هلك بالشام حين دخلت امرأته في الحيضة الثالثة وقد كان طلقها فكتب معاوية إلى زيد بن ثابت يسأله عن ذلك ؟ فكتب إليه زيد إنها إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها ولا ترثه ولا يرثها

          وأخبرنا سفيان عن الزهري قال حدثني سليمان بن يسار عن زيد بن ثابت قال إذا طعنت المرأة في الحيضة الثالثة فقد برئت

          وفي حديث سعيد بن أبي عروبة عن رجل عن سليمان بن يسار أن عثمان بن عفان وابن عمر قالا : إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها

          وأخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال إذا طلق الرجل امرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه ولا ترثه ولا يرثها أخبرنا مالك رحمه الله أنه بلغه عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وأبي بكر بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وابن شهاب أنهم كانوا يقولون إذا دخلت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة فقد بانت منه ولا ميراث بينهما . زاد غير الشافعي عن مالك رحمهما الله ولا رجعة له عليها . قال مالك وذلك الأمر الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا .

          قال الشافعي رحمه الله ولا بعد أن تكون الأقراء الأطهار كما قالت عائشة رضي الله عنها والنساء بهذا أعلم لأنه فيهن لا في الرجال أو الحيض فإذا جاءت بثلاث حيض حلت ولا نجد في كتاب الله للغسل معنى ولستم تقولون بواحد من القولين يعني : أن الذين قالوا : إنها الحيض قالوا : وهو أحق برجعتها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة كما قاله علي وابن مسعود وأبو موسى وهو قول عمر بن الخطاب أيضا .

          فقال الشافعي : فقيل لهم يعني للعراقيين لم تقولوا بقول من احتججتم بقوله ورويتم هذا عنه ولا بقول أحد من السلف علمناه ؟ فإن قال قائل أين خالفناهم ؟ قلنا . قالوا : حتى تغتسل وتحل لها الصلاة وقلتم إن فرطت في الغسل حتى يذهب وقت الصلاة حلت وهي لم تغتسل ولم تحل لها الصلاة . انتهى كلام الشافعي رحمه الله .

          قالوا : ويدل على أنها الأطهار في اللسان قول الأعشى :

          أفي كل عام أنت جاشم غزوة

          تشد لأقصاها عزيم عزائكا

          مورثة عزا وفي الحي رفعة

          لما ضاع فيها من قروء نسائكا


          فالقروء في البيت الأطهار لأنه ضيع أطهارهن في غزاته وآثرها عليهن .

          قالوا : ولأن الطهر أسبق إلى الوجود من الحيض فكان أولى بالاسم قالوا : فهذا أحد المقامين



          وأما المقام الآخر وهو الجواب عن أدلتكم فنجيبكم بجوابين مجمل ومفصل . أما المجمل فنقول من أنزل عليه القرآن فهو أعلم بتفسيره وبمراد المتكلم به من كل أحد سواه وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء بالأطهار فلا التفات بعد ذلك إلى شيء خالفه بل كل تفسير يخالف هذا فباطل . قالوا : وأعلم الأمة بهذه المسألة أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمهن بها عائشة رضي الله عنها لأنها فيهن لا في الرجال ولأن الله تعالى جعل قولهن في ذلك مقبولا في وجود الحيض والحمل لأنه لا يعلم إلا من جهتهن فدل على أنهن أعلم بذلك من الرجال فإذا قالت أم المؤمنين رضي الله عنها : إن الأقراء الأطهار .

          فقد قالت حذام فصدقوها

          فإن القول ما قالت حذام


          قالوا : وأما الجواب المفصل فنفرد كل واحد من أدلتكم بجواب خاص فهاكم الأجوبة .

          أما قولكم إما أن يراد بالأقراء في الآية الأطهار فقط أو الحيض فقط أو مجموعهما إلى آخره .

          فجوابه أن نقول الأطهار فقط لما ذكرنا من الدلالة . قولكم النص اقتضى ثلاثة إلى آخره . قلنا : عنه جوابان

          أحدهما : أن بقية الطهر عندنا قرء كامل فما اعتدت إلا بثلاث كوامل .

          الثاني : أن العرب توقع اسم الجمع على اثنين وبعض الثالث كقوله تعالى : الحج أشهر معلومات [ البقرة 197 ] فإنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة أو تسع أو ثلاثة عشر . ويقولون لفلان ثلاث عشرة سنة إذ دخل في السنة الثالثة عشر . فإذا كان هذا معروفا في لغتهم وقد دل الدليل عليه وجب المصير إليه . وأما قولكم إن استعمال القرء في الحيض أظهر منه في الطهر فمقابل بقول منازعيكم .

          قولكم إن أهل اللغة يصدرون كتبهم بأن القرء هو الحيض فيذكرونه تفسيرا للفظ ثم يردفونه بقولهم بقيل أو وقال بعضهم هو الطهر .

          قلنا : أهل اللغة يحكون أن له مسميين في اللغة ويصرحون بأنه يقال على هذا وعلى هذا ومنهم من يجعله في الحيض أظهر ومنهم من يحكي إطلاقه عليهما من غير ترجيح فالجوهري رجح الحيض . والشافعي من أئمة اللغة وقد رجح أنه الطهر وقال أبو عبيد : القرء يصلح للطهر والحيض .

          وقال الزجاج أخبرني من أثق به عن يونس أن القرء عنده يصلح للطهر والحيض وقال أبو عمرو بن العلاء القرء الوقت وهو يصلح للحيض ويصلح للطهر وإذا كانت هذه نصوص أهل اللغة فكيف يحتجون بقولهم إن الأقراء الحيض ؟

          قولكم إن من جعله الطهر فإنه يريد أوقات الطهر التي يحتوشها الدم وإلا فالصغيرة والآيسة ليستا من ذوات الأقراء وعنه جوابان .

          أحدهما : المنع بل إذا طلقت الصغيرة التي لم تحض ثم حاضت فإنها تعتد بالطهر الذي طلقت فيه قرءا على أصح الوجهين عندنا لأنه طهر بعده حيض وكان قرءا كما لو كان قبله حيض .

          [ ذكر أشياء لا تسمى بأسماء معينة إلا بشرط معين ]

          الثاني : إنا وإن سلمنا ذلك فإن هذا يدل على أن الطهر لا يسمى قرءا حتى يحتوشه دمان وكذلك نقول فالدم شرط في تسميته قرءا وهذا لا يدل على أن مسماه الحيض وهذا كالكأس الذي لا يقال على الإناء إلا بشرط كون الشراب فيه وإلا فهو زجاجة أو قدح والمائدة التي لا تقال للخوان إلا إذا كان عليه طعام وإلا فهو خوان والكوز الذي لا يقال لمسماه إلا إذا كان ذا عروة وإلا فهو كوب والقلم الذي يشترط في صحة إطلاقه على القصبة كونها مبرية وبدون البري فهو أنبوب أو قصبة والخاتم شرط إطلاقه أن يكون ذا فص منه أو من غيره وإلا فهو فتخة والفرو شرط إطلاقه على مسماه الصوف وإلا فهو جلد .

          والريطة شرط إطلاقها على مسماها أن تكون قطعة واحدة فإن كانت ملفقة من قطعتين فهي ملاءة والحلة شرط إطلاقها أن تكون ثوبين إزارا ورداء وإلا فهو ثوب والأريكة لا تقال على السرير إلا إذا كان عليه حجلة وهي التي تسمى بشخانة وخركاه وإلا فهو سرير واللطيمة لا تقال للجمال إلا إذا كان فيها طيب وإلا فهي عير والنفق لا يقال إلا لما له منفذ وإلا فهو سرب والعهن لا يقال للصوف إلا إذا كان مصبوغا وإلا فهو صوف والخدر لا يقال إلا لما اشتمل على المرأة وإلا فهو ستر .

          والمحجن لا يقال للعصا إلا إذا كان محنية الرأس وإلا فهي عصا . والركية لا تقال على البئر إلا بشرط كون الماء فيها وإلا فهي بئر . والوقود لا يقال للحطب إلا إذا كانت النار فيه وإلا فهو حطب ولا يقال للتراب ثرى إلا بشرط نداوته وإلا فهو تراب . ولا يقال للرسالة مغلغلة إلا إذا حملت من بلد إلى بلد وإلا فهي رسالة ولا يقال للأرض قراح إلا إذا هيئت للزراعة ولا يقال لهروب العبد إباق إلا إذا كان هروبه من غير خوف ولا جوع ولا جهد وإلا فهو هروب والريق لا يقال له رضاب إلا إذا كان في الفم فإذا فارقه فهو بصاق وبساق والشجاع لا يقال له كمي إلا إذا كانشاكي السلاح وإلا فهو بطل .

          وفي تسميته بطلا قولان
          أحدهما : لأنه تبطل شجاعته قرنه وضربه وطعنه .
          والثاني : لأنه تبطل شجاعة الشجعان عنده فعلى الأول فهو فعل بمعنى فاعل وعلى الثاني فعل بمعنى مفعول وهو قياس اللغة .

          والبعير لا يقال له راوية إلا بشرط حمله للماء والطبق لا يسمى مهدى إلا أن يكون عليه هدية والمرأة لا تسمى ظعينة إلا بشرط كونها في الهودج هذا في الأصل وإلا فقد تسمى المرأة ظعينة وإن لم تكن في هودج ومنه في الحديث فمرت ظعن يجرين والدلو لا يقال له سجل إلا ما دام فيه ماء ولا يقال لها : ذنوب إلا إذا امتلأت به والسرير لا يقال له نعش إلا إذا كان عليه ميت والعظم لا يقال له عرق إلا إذا اشتمل عليه لحم والخيط لا يسمى سمطا إلا إذا كان فيه خرز .

          ولا يقال للحبل قرن إلا إذا قرن فيه اثنان فصاعدا والقوم لا يسمون رفقة إلا إذا انضموا في مجلس واحد وسير واحد فإذا تفرقوا زال هذا الاسم ولم يزل عنهم اسم الرفيق والحجارة لا تسمى رضفا إلا إذا حميت بالشمس أو بالنار والشمس لا يقال لها : غزالة إلا عند ارتفاع النهار والثوب لا يسمى مطرفا إلا إذا كان في طرفيه علمان والمجلس لا يقال له النادي إلا إذا كان أهله فيه .

          والمرأة لا يقال لها : عاتق إلا إذا كانت في بيت أبويها ولا يسمى الماء الملح أجاجا إلا إذا كان مع ملوحته مرا ولا يقال للسير إهطاع إلا إذا كان معه خوف ولا يقال للفرس محجل إلا إذا كان البياض في قوائمها كلها أو أكثرها وهذا باب طويل لو تقصيناه فكذلك لا يقال للطهر قرء إلا إذا كان قبله دم وبعده دم فأين في هذا ما يدل على أنه حيض ؟



          قالوا : وأما قولكم إنه لم يجئ في كلام الشارع إلا للحيض فنحن نمنع مجيئه في كلام الشارع للحيض البتة فضلا عن الحصر . قالوا : إنه قال للمستحاضة دعي الصلاة أيام أقرائك فقد أجاب الشافعي عنه في كتاب حرملة بما فيه شفاء وهذا لفظه .

          قال وزعم إبراهيم بن إسماعيل بن علية أن الأقراء الحيض واحتج بحديث سفيان عن أيوب عن سليمان بن يسار عن أم سلمة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في امرأة استحيضت تدع الصلاة أيام أقرائها قال الشافعي رحمه الله وما حدث بهذا سفيان قط إنما قال سفيان عن أيوب عن سليمان بن يسار عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تدع الصلاة عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن

          أو قال " أيام أقرائها " الشك من أيوب لا يدري . قال هذا أو هذا فجعله هو حديثا على ناحية ما يريد فليس هذا بصدق وقد أخبرنا مالك عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها ثم لتدع الصلاة ثم لتغتسل ولتصل ونافع أحفظ عن سليمان من أيوب وهو يقول بمثل أحد معنيي أيوب اللذين رواهما انتهى كلامه . قالوا : وأما الاستدلال بقوله تعالى : ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن [ البقرة 228 ] .

          وأنه الحيض أو الحبل أو كلاهما فلا ريب أن الحيض داخل في ذلك ولكن تحريم كتمانه لا يدل على أن القروء المذكورة في الآية هي الحيض فإنها إذا كانت الأطهار فإنها تنقضي بالطعن في الحيضة الرابعة أو الثالثة فإذا أرادت كتمان انقضاء العدة لأجل النفقة أو غيرها قالت لم أحض فتنقضي عدتي وهي كاذبة وقد حاضت وانقضت عدتها وحينئذ فتكون دلالة الآية على أن القروء الأطهار أظهر ونحن نقنع باتفاق الدلالة بها وإن أبيتم إلا الاستدلال فهو من جانبنا أظهر فإن أكثر المفسرين قالوا : الحيض والولادة . فإذا كانت العدة تنقضي بظهور الولادة فهكذا تنقضي بظهور الحيض تسوية بينهما في إتيان المرأة على كل واحد منهما .

          وأما استدلالكم بقوله تعالى : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر [ الطلاق 4 ] فجعل كل شهر بإزاء حيضة فليس هذا بصريح في أن القروء هي الحيض بل غاية الآية أنه جعل اليأس من الحيض شرطا في الاعتداد بالأشهر فما دامت حائضا لا تنتقل إلى عدة الآيسات وذلك أن الأقراء التي هي الأطهار عندنا لا توجد إلا مع الحيض لا تكون بدونه فمن أين يلزم أن تكون هي الحيض ؟



          [ ضعف حديث عدة الأمة حيضتان ]

          وأما استدلالكم بحديث عائشة رضي الله عنها : طلاق الأمة طلقتان وقرؤها حيضتان فهو حديث لو استدللنا به عليكم لم تقبلوا ذلك منا فإنه حديث ضعيف معلول قال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث انتهى . ومظاهر بن أسلم هذا قال فيه أبو حاتم الرازي : منكر الحديث .

          وقال يحيى بن معين : ليس بشيء مع أنه لا يعرف وضعفه أبو عاصم أيضا . وقال أبو داود : هذا حديث مجهول وقال الخطابي : أهل الحديث ضعفوا هذا الحديث وقال البيهقي : لو كان ثابتا لقلنا به إلا أنا لا نثبت حديثا يرويه من تجهل عدالته وقال الدارقطني : الصحيح عن القاسم بخلاف هذا ثم روي عن زيد بن أسلم قال سئل القاسم عن الأمة كم تطلق ؟ قال طلاقها ثنتان وعدتها حيضتان .

          قال فقيل له هل بلغك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا ؟ فقال لا . وقال البخاري في " تاريخه " : مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها يرفعه طلاق الأمة طلقتان وعدتها حيضتان

          قال أبو عاصم أخبرنا ابن جريج عن مظاهر ثم لقيت مظاهرا فحدثنا به وكان أبو عاصم يضعف مظاهرا وقال يحيى بن سليمان حدثنا ابن وهب قال حدثني أسامة بن زيد بن أسلم أنه كان جالسا عند أبيه فأتاه رسول الأمير فقال إن الأمير يقول لك : كم عدة الأمة ؟ فقال عدة الأمة حيضتان وطلاق الحر الأمة ثلاث وطلاق العبد الحرة تطليقتان وعدة الحرة ثلاث حيض ثم قال للرسول أين تذهب ؟ قال أمرني أن أسأل القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله قال فأقسم عليك إلا رجعت إلي فأخبرتني ما يقولان فذهب ورجع إلى أبي فأخبره أنهما قالا كما قال وقالا له قل له إن هذا ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن عمل به المسلمون .

          وقال أبو القاسم بن عساكر في " أطرافه " : فدل ذلك على أن الحديث المرفوع غير محفوظ

          وأما استدلالكم بحديث ابن عمر مرفوعا طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان فهو من رواية عطية بن سعد العوفي وقد ضعفه غير واحد من الأئمة . قال الدارقطني : والصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه ما رواه سالم ونافع من قوله وروى الدارقطني أيضا عن سالم ونافع أن ابن عمر كان يقول طلاق العبد الحرة تطليقتان وعدتها ثلاثة قروء وطلاق الحر الأمة تطليقتان وعدتها عدة الأمة حيضتان

          قالوا : والثابت بلا شك عن ابن عمر رضي الله عنه أن الأقراء الأطهار . قال الشافعي رحمه الله أخبرنا مالك رحمه الله عن نافع عن ابن عمر قال إذا طلق الرجل امرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه ولا ترثه ولا يرثها

          قالوا : فهذا الحديث مداره على ابن عمر وعائشة ومذهبهما بلا شك أن الأقراء الأطهار فكيف يكون عندهما عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك ولا يذهبان إليه ؟ قالوا : وهذا بعينه هو الجواب عن حديث عائشة الآخر أمرت بريرة أن تعتد ثلاث حيض

          قالوا : وقد روي هذا الحديث بثلاثة ألفاظ أمرت أن تعتد وأمرت أن تعتد عدة الحرة وأمرت أن تعتد ثلاث حيض فلعل رواية من روى " ثلاث حيض " محمولة على المعنى ومن العجب أن يكون عند عائشة رضي الله عنها هذا وهي تقول الأقراء الأطهار وأعجب منه أن يكون هذا الحديث بهذا السند المشهور الذي كلهم أئمة ولا يخرجه أصحاب الصحيح ولا المساند ولا من اعتنى بأحاديث الأحكام وجمعها ولا الأئمة الأربعة وكيف يصبر عن إخراج هذا الحديث من هو مضطر إليه ولا سيما بهذا السند المعروف الذي هو كالشمس شهرة ولا شك أن بريرة أمرت أن تعتد وأما إنها أمرت بثلاث حيض فهذا لو صح لم نعده إلى غيره ولبادرنا إليه .



          [ الفرق بين الاستبراء والعدة ]
          قالوا : وأما استدلالكم بشأن الاستبراء فلا ريب أن الصحيح كونه بحيضة وهو ظاهر النص الصحيح فلا وجه للاشتغال بالتعلل بالقول إنها تستبرأ بالطهر فإنه خلاف ظاهر نص الرسول صلى الله عليه وسلم وخلاف القول الصحيح من قول الشافعي وخلاف قول الجمهور من الأمة فالوجه العدول إلى الفرق بين البابين فنقول الفرق بينهما ما تقدم أن العدة وجبت قضاء لحق الزوج فاختصت بزمان حقه وهو الطهر بأنها تتكرر فيعلم منها البراءة بواسطة الحيض بخلاف الاستبراء .

          قولكم لو كانت الأقراء الأطهار لم تحصل بالقرء الأول دلالة لأنه لو جامعها ثم طلقها فيه حسبت بقيته قرءا ومعلوم قطعا أن هذا الطهر لا يدل على شيء .

          فجوابه أنها إذا طهرت بعد طهرين كاملين صحت دلالته بانضمامه إليهما .

          قولكم إن الحدود والعلامات والأدلة إنما تحصل بالأمور الظاهرة إلى آخره .

          جوابه أن الطهر إذا احتوشه دمان كان كذلك وإذا لم يكن قبله دم ولا بعده دم فهذا لا يعتد به البتة .

          قالوا : ويزيد ما ذهبنا إليه قوة أن القرء هو الجمع وزمان الطهر أولى به فإنه حينئذ يجتمع الحيض وإنما يخرج بعد جمعه .

          قالوا : وإدخال التاء في ثلاثة قروء يدل على أن القرء مذكر وهو الطهر فلو كان الحيض لكان بغير تاء لأن واحدها حيضة .

          فهذا ما احتج به أرباب هذا القول استدلالا وجوابا وهذا موضع لا يمكن فيه التوسط بين الفريقين إذ لا توسط بين القولين فلا بد من التحيز إلى أحد الفئتين ونحن متحيزون في هذه المسألة إلى أكابر الصحابة وقائلون فيها بقولهم إن القرء الحيض وقد تقدم الاستدلال على صحة هذا القول فنجيب عما عارض به أرباب القول الآخر ليتبين ما رجحناه وبالله التوفيق .



          [ رد المصنف على اعتراضات من فسر الأقراء بالأطهار ]
          [ الطلاق قبل العدة ]

          فنقول أما استدلالكم بقوله تعالى : فطلقوهن لعدتهن [ الطلاق 1 ] فهو إلى أن يكون حجة عليكم أقرب منه إلى أن يكون حجة لكم فإن المراد طلاقها قبل العدة ضرورة إذ لا يمكن حمل الآية على الطلاق في العدة فإن هذا - مع تضمنه لكون اللام للظرفية بمعنى - في - فاسد معنى إذ لا يمكن إيقاع الطلاق في العدة فإنه سببها والسبب يتقدم الحكم وإذا تقرر ذلك فمن قال الأقراء الحيض فقد عمل بالآية وطلق قبل العدة .

          فإن قلتم ومن قال إنها الأطهار فالعدة تتعقب الطلاق فقد طلق قبل العدة قلنا : فبطل احتجاجكم حينئذ وصح أن المراد الطلاق قبل العدة لا فيها وكلا الأمرين يصح أن يراد بالآية لكن إرادة الحيض أرجح وبيانه أن العدة فعلة مما تعد يعني معدودة لأنها تعد وتحصى كقوله وأحصوا العدة [ الطلاق 1 ] والطهر الذي قبل الحيضة مما يعد ويحصى فهو من العدة وليس الكلام فيه وإنما الكلام في أمر آخر وهو دخوله في مسمى القروء الثلاثة المذكورة في الآية أم لا ؟ فلو كان النص فطلقوهن لقروئهن لكان فيه تعليق فهنا أمران

          قوله تعالى : يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [ البقرة 228 ] والثاني : قوله فطلقوهن لعدتهن [ الطلاق 1 ] ولا ريب أن القائل افعل كذا لثلاث بقين من الشهر إنما يكون المأمور ممتثلا إذا فعله قبل مجيء الثلاث وكذلك إذا قال فعلته لثلاث مضين من الشهر إنما يصدق إذا فعله بعد مضي الثلاث وهو بخلاف حرف الظرف الذي هو " في " فإنه إذا قال فعلته في ثلاث بقين كان الفعل واقعا في نفس الثلاث وهاهنا نكتة حسنة وهي أنهم يقولون فعلته لثلاث ليال خلون أو بقين من الشهر وفعلته في الثاني أو الثالث من الشهر أو في ثانيه أو ثالثه فمتى أرادوا مضي الزمان أو استقباله أتوا باللام ومتى أرادوا وقوع الفعل فيه أتوا بفي وسر ذلك أنهم إذا أرادوا مضي زمن الفعل أو استقباله أتوا بالعلامة الدالة على اختصاص العدد الذي يلفظون به بما مضى أو بما يستقبل وإذا أرادوا وقوع الفعل في ذلك الزمان أتوا بالأداة المعينة له وهي أداة " في " وهذا خير من قول كثير من النحاة إن اللام تكون بمعنى قبل في قولهم كتبته لثلاث بقين وقوله فطلقوهن لعدتهن [ الطلاق 1 ] . وبمعنى بعد كقولهم لثلاث خلون . وبمعنى في : كقوله تعالى : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة [ الأنبياء 47 ]
          وقوله فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه [ آل عمران 25 ] والتحقيق أن اللام على بابها للاختصاص بالوقت المذكور كأنهم جعلوا الفعل للزمان المذكور اتساعا لاختصاصه به فكأنه له فتأمله .

          وفرق آخر وهو أنك إذا أتيت باللام لم يكن الزمان المذكور بعده إلا ماضيا أو منتظرا ومتى أتيت بفي لم يكن الزمان المجرور بها إلا مقارنا للفعل وإذا تقرر هذا من قواعد العربية فقوله تعالى : فطلقوهن لعدتهن [ الطلاق 1 ] معناه لاستقبال عدتهن لا فيها وإذا كانت العدة التي يطلق لها النساء مستقبلة بعد الطلاق فالمستقبل بعدها إنما هو الحيض فإن الطاهر لا تستقبل الطهر إذ هي فيه وإنما تستقبل الحيض بعد حالها التي هي فيها هذا المعروف لغة وعقلا وعرفا فإنه لا يقال لمن هو في عافية هو مستقبل العافية ولا لمن هو في أمن هو مستقبل الأمن ولا لمن هو في قبض مغله وإحرازه هو مستقبل المغل وإنما المعهود لغة وعرفا أن يستقبل الشيء من هو على حال ضده وهذا أظهر من أن نكثر شواهده .

          فإن قيل فيلزم من هذا أن يكون من طلق في الحيض مطلقا للعدة عند من يقول الأقراء الأطهار لأنها تستقبل طهرها بعد حالها التي هي فيها قلنا : نعم يلزمهم ذلك فإنه لو كان أول العدة التي تطلق لها المرأة هو الطهر لكان إذا طلقها في أثناء الحيض مطلقا للعدة لأنها تستقبل الطهر بعد ذلك الطلاق .

          فإن قيل " اللام " بمعنى " في " والمعنى : فطلقوهن في عدتهن وهذا إنما يمكن إذا طلقها في الطهر بخلاف ما إذا طلقها في الحيض . قيل الجواب من وجهين .

          أحدهما : أن الأصل عدم الاشتراك في الحروف والأصل إفراد كل حرف بمعناه فدعوى خلاف ذلك مردودة بالأصل .

          الثاني : أنه يلزم منه أن يكون بعض العدة ظرفا لزمن الطلاق فيكون الطلاق واقعا في نفس العدة ضرورة صحة الظرفية كما إذا قلت : فعلته في يوم الخميس بل الغالب في الاستعمال من هذا أن يكون بعض الظرف سابقا على الفعل ولا ريب في امتناع هذا فإن العدة تتعقب الطلاق ولا تقارنه ولا تتقدم عليه .

          قالوا : ولو سلمنا أن " اللام " بمعنى " في " وساعد على ذلك قراءة ابن عمر رضي الله عنه وغيره ( فطلقوهن في قبل عدتهن فإنه لا يلزم من ذلك أن يكون القرء هو الطهر فإن القرء حينئذ يكون هو الحيض وهو المعدود والمحسوب وما قبله من الطهر يدخل في حكمه تبعا وضمنا لوجهين .


          افتراضي

          [ من ضرورة الحيض أن يتقدمه طهر ]

          أحدهما : أن من ضرورة الحيض أن يتقدمه طهر فإذا قيل تربصي ثلاث حيض وهي في أثناء الطهر كان ذلك الطهر من مدة التربص كما لو قيل لرجل أقم هاهنا ثلاثة أيام وهو في أثناء ليلة فإنه يدخل بقية تلك الليلة في اليوم الذي يليها كما تدخل ليلة اليومين الآخرين في يوميهما . ولو قيل له في النهار أقم ثلاث ليال دخل تمام ذلك النهار تبعا لليلة التي تليه .

          [ الطهر سبب لوجود الحيض ]

          الثاني : أن الحيض إنما يتم باجتماع الدم في الرحم قبله فكان الطهر مقدمة وسببا لوجود الحيض فإذا علق الحكم بالحيض فمن لوازمه ما لا يوجد الحيض إلا بوجوده وبهذا يظهر أن هذا أبلغ من الأيام والليالي فإن الليل والنهار متلازمان وليس أحدهما سببا لوجود الآخر وهاهنا الطهر سبب لاجتماع الدم في الرحم فقوله سبحانه وتعالى : لعدتهن أي لاستقبال العدة التي تتربصها وهي تتربص ثلاث حيض بالأطهار التي قبلها . فإذا طلقت في أثناء الطهر فقد طلقت في الوقت الذي تستقبل فيه العدة المحسوبة وتلك العدة هي الحيض بما قبلها من الأطهار بخلاف ما لو طلقت في أثناء حيضة فإنها لم تطلق لعدة تحسبها لأن بقية ذلك الحيض ليس هو العدة التي تعتد بها المرأة أصلا ولا تبعا لأصل وإنما تسمى عدة لأنها تحبس فيها عن الأزواج إذا عرف هذا فقوله ونضع الموازين القسط ليوم القيامة [ الأنبياء 47 ] يجوز أن تكون اللام لام التعليل أي لأجل يوم القيامة .

          وقد قيل إن القسط منصوب على أنه مفعول له أي نضعها لأجل القسط وقد استوفى شروط نصبه وأما قوله تعالى : أقم الصلاة لدلوك الشمس [ الإسراء : 78 ] فليست اللام بمعنى " في " قطعا بل قيل إنها لام التعليل أي لأجل دلوك الشمس وقيل إنها بمعنى بعد فإنه ليس المراد إقامتها وقت الدلوك سواء فسر بالزوال أو الغروب وإنما يؤمر بالصلاة بعده ويستحيل حمل آية العدة على ذلك وهكذا يستحيل حمل آية العدة عليه إذ يصير المعنى : فطلقوهن بعد عدتهن . فلم يبق إلا أن يكون المعنى : فطلقوهن لاستقبال عدتهن ومعلوم أنها إذا طلقت طاهرا استقبلت العدة بالحيض . ولو كانت الأقراء الأطهار لكانت السنة أن تطلق حائضا لتستقبل العدة بالأطهار فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء هي أن تطلق طاهرا لتستقبل عدتها بعد الطلاق .

          فإن قيل فإذا جعلنا الأقراء الأطهار استقبلت عدتها بعد الطلاق بلا فصل ومن جعلها الحيض لم تستقبلها على قوله حتى ينقضي الطهر .

          قيل كلام الرب تبارك وتعالى لا بد أن يحمل على فائدة مستقلة وحمل الآية على معنى : فطلقوهن طلاقا تكون العدة بعده لا فائدة فيه وهذا بخلاف ما إذا كان المعنى : فطلقوهن طلاقا يستقبلن فيه العدة لا يستقبلن فيه طهرا لا تعتد به فإنها إذا طلقت حائضا استقبلت طهرا لا تعتد به فلم تطلق لاستقبال العدة ويوضحه قراءة من قرأ فطلقوهن في قبل عدتهن . وقبل العدة هو الوقت الذي يكون بين يدي العدة تستقبل به كقبل الحائض يوضحه أنه لو أريد ما ذكروه لقيل في أول عدتهن فالفرق بين بين قبل الشيء وأوله .


          افتراضي

          [ يجب تأخر العدة عن الطلاق ]

          وأما قولكم لو كانت القروء هي الحيض لكان قد طلقها قبل العدة . قلنا : أجل وهذا هو الواجب عقلا وشرعا فإن العدة لا تفارق الطلاق ولا تسبقه بل يجب تأخرها عنه .

          [ التطويل عند الطلاق في الحيض ]

          قولكم وكان ذلك تطويلا عليها كما لو طلقها في الحيض قيل هذا مبني على أن العلة في تحريم طلاق الحائض خشية التطويل عليها وكثير من الفقهاء لا يرضون هذا التعليل ويفسدونه بأنها لو رضيت بالطلاق فيه واختارت التطويل لم يبح له ولو كان ذلك لأجل التطويل لم تبح له برضاها كما يباح إسقاط الرجعة الذي هو حق المطلق بتراضيهما بإسقاطها بالعوض اتفاقا وبدونه في أحد القولين وهذا هو مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد ومالك ويقولون إنما حرم طلاقها في الحيض لأنه طلقها في وقت رغبة عنها ولو سلمنا أن التحريم لأجل التطويل عليها فالتطويل المضر أن يطلقها حائضا فتنتظر مضي الحيضة والطهر الذي يليها ثم تأخذ في العدة فلا تكون مستقبلة لعدتها بالطلاق وأما إذا طلقت طاهرا فإنها تستقبل العدة عقيب انقضاء الطهر فلا يتحقق التطويل .

          [ القرء مشتق من الجمع أي زمن الطهر ]

          وقولكم إن القرء مشتق من الجمع وإنما يجمع الحيض في زمن الطهر . عنه ثلاثة أجوبة .

          [ الرد على ذلك بأن ذلك مشتق من المعتل لا المهموز ]

          أحدها : أن هذا ممنوع والذي هو مشتق من الجمع إنما هو من باب الياء من المعتل من قرى يقري كقضى يقضي والقرء من المهموز من بنات الهمز من قرأ يقرأ كنحر ينحر وهما أصلان مختلفان فإنهم يقولون قريت الماء في الحوض أقريه أي جمعته ومنه سميت القرية ومنه قرية النمل للبيت الذي تجتمع فيه لأنه يقريها أي يضمها ويجمعها . وأما المهموز فإنه من الظهور والخروج على وجه التوقيت والتحديد ومنه قراءة القرآن لأن قارئه يظهره ويخرجه مقدارا محدودا لا يزيد ولا ينقص ويدل عليه قوله إن علينا جمعه وقرآنه [ القيامة 17 ] ففرق بين الجمع والقرآن . ولو كانا واحدا لكان تكريرا محضا ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما : فإذا قرأناه فاتبع قرآنه [ القيامة 18 ] فإذا بيناه فجعل قراءته نفس إظهاره وبيانه لا كما زعم أبو عبيدة أن القرآن مشتق من الجمع . ومنه قولهم ما قرأت هذه الناقة سلى قط وما قرأت جنينا هو من هذا الباب أي ما ولدته وأخرجته وأظهرته ومنه فلان يقرؤك السلام ويقرأ عليك السلام هو من الظهور والبيان ومنه قولهم قرأت المرأة حيضة أو حيضتين أي حاضتهما لأن الحيض ظهور ما كان كامنا كظهور الجنين ومنه قروء الثريا وقروء الريح وهو الوقت الذي يظهر المطر والريح فإنهما يظهران في وقت مخصوص وقد ذكر هذا الاشتقاق المصنفون في كتب الاشتقاق وذكره أبو عمرو وغيره ولا ريب أن هذا المعنى في الحيض أظهر منه في الطهر .



          [ الرد على قولهم النساء أعلم بهذا الباب من الرجال ]

          قولكم إن عائشة رضي الله عنها قالت القروء الأطهار والنساء أعلم بهذا من الرجال .

          فالجواب أن يقال من جعل النساء أعلم بمراد الله من كتابه وأفهم لمعناه من أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي الدرداء رضي الله عنهم وأكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فنزول ذلك في شأنهن لا يدل على أنهن أعلم به من الرجال وإلا كانت كل آية نزلت في النساء تكون النساء أعلم بها من الرجال ويجب على الرجال تقليدهن في معناها وحكمها فيكن أعلم من الرجال بآية الرضاع وآية الحيض وتحريم وطء الحائض وآية عدة المتوفى عنها وآية الحمل والفصال ومدتهما وآية تحريم إبداء الزينة إلا لمن ذكر فيها وغير ذلك من الآيات التي تتعلق بهن وفي شأنهن نزلت ويجب على الرجال تقليدهن في حكم هذه الآيات ومعناها وهذا لا سبيل إليه البتة . وكيف ومدار العلم بالوحي على الفهم والمعرفة ووفور العقل والرجال أحق بهذا من النساء وأوفر نصيبا منه بل لا يكاد يختلف الرجال والنساء في مسألة إلا والصواب في جانب الرجال وكيف يقال إذا اختلفت عائشة وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود في مسألة إن الأخذ بقول عائشة رضي الله عنها أولى وهل الأولى إلا قول فيه خليفتان راشدان ؟ وإن كان الصديق معهما كما حكي عنه فذلك القول مما لا يعدوه الصواب البتة فإن النقل عن عمر وعلي ثابت وأما عن الصديق ففيه غرابة ويكفينا قول جماعة من الصحابة فيهم مثل عمر وعلي وابن مسعود وأبي الدرداء وأبي موسى فكيف نقدم قول أم المؤمنين وفهمها على أمثال هؤلاء ؟

          ثم يقال فهذه عائشة رضي الله عنها ترى رضاع الكبير ينشر الحرمة ويثبت المحرمية ومعها جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وقد خالفها غيرها من الصحابة وهي روت حديث التحريم به فهلا قلتم النساء أعلم بهذا من الرجال ورجحتم قولها على قول من خالفها ؟

          ونقول لأصحاب مالك رحمه الله وهذه عائشة رضي الله عنها لا ترى التحريم إلا بخمس رضعات ومعها جماعة من الصحابة وروت فيه حديثين فهلا قلتم النساء أعلم بهذا من الرجال وقدمتم قولها على قول من خالفها ؟

          فإن قلتم هذا حكم يتعدى إلى الرجال فيستوي النساء معهم فيه قيل ويتعدى حكم العدة مثله إلى الرجال فيجب أن يستوي النساء معهم فيه وهذا لا خفاء به . ثم يرجح قول الرجال في هذه المسألة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد لواحد من هذا الحزب بأن الله ضرب الحق على لسانه وقلبه . وقد وافق ربه تبارك وتعالى في عدة مواضع قال فيها قولا فنزل القرآن بمثل ما قال وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم فضل إنائه في النوم وأوله بالعلم وشهد له بأنه محدث ملهم فإذا لم يكن بد من التقليد فتقليده أولى وإن كانت الحجة هي التي تفصل بين المتنازعين فتحكيمها هو الواجب .



          [ الأخذ بقول علي هو أحق برجعتها ما لم تغتسل ]

          قولكم إن من قال إن الأقراء الحيض لا يقولون بقول علي وابن مسعود ولا بقول عائشة فإن عليا يقول هو أحق برجعتها ما لم تغتسل وأنتم لا تقولون بواحد من القولين فهذا غايته أن يكون تناقضا ممن لا يقول بذلك كأصحاب أبي حنيفة وتلك شكاة ظاهر عنك عارها عمن يقول بقول علي وهو الإمام أحمد وأصحابه كما تقدم حكاية ذلك فإن العدة تبقى عنده إلى أن تغتسل كما قاله علي ومن وافقه ونحن نعتذر عمن يقول الأقراء الحيض في ذلك ولا يقول هو أحق بها ما لم تغتسل فإنه وافق من يقول الأقراء الحيض في ذلك وخالفه في توقف انقضائها على الغسل لمعارض أوجب له مخالفته كما يفعله سائر الفقهاء .

          ولو ذهبنا نعد ما تصرفتم فيه هذا التصرف بعينه فإن كان هذا المعارض صحيحا لم يكن تناقضا منهم وإن لم يكن صحيحا لم يكن ضعيف قولهم في إحدى المسألتين عندهم بمانع لهم من موافقتهم لهم في المسألة الأخرى فإن موافقة أكابر الصحابة وفيهم من فيهم من الخلفاء الراشدين في معظم قولهم خير وأولى من مخالفتهم في قولهم جميعه وإلغائه بحيث لا يعتبر البتة .

          قالوا : ثم لم نخالفهم في توقف انقضائها على الغسل بل قلنا : لا تنقضي حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة فوافقناهم في قولهم بالغسل وزدنا عليهم انقضاءها بمضي وقت الصلاة لأنها صارت في حكم الطاهرات بدليل استقرار الصلاة في ذمتها فأين المخالفة الصريحة للخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم .

          يتبع
          أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
          وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

          Comment

          • اخت مسلمة
            محاور
            • Nov 2005
            • 6338

            #50
            [ بالاختلاف فيما ينقضي به أجل العدة ]

            وقولكم لا نجد في كتاب الله للغسل معنى . فيقال كتاب الله تعالى لم يتعرض للغسل بنفي ولا إثبات وإنما علق الحل والبينونة بانقضاء الأجل .

            وقد اختلف السلف والخلف فيما ينقضي به الأجل فقيل بانقطاع الحيض . وقيل بالغسل أو مضي صلاة أو انقطاعه لأكثره . وقيل بالطعن في الحيضة الثالثة وحجة من وقفه على الغسل قضاء الخلفاء الراشدين قال الإمام أحمد : عمر وعلي وابن مسعود يقولون حتى تغتسل من الحيضة الثالثة . قالوا : وهم أعلم بكتاب الله وحدود ما أنزل على رسوله وقد روي هذا المذهب عن أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان وأبي موسى وعبادة وأبي الدرداء حكاه صاحب " المغني " وغيره عنهم . ومن هاهنا قيل إن مذهب الصديق ومن ذكر معه أن الأقراء الحيض .

            قالوا : وهذا القول له حظ وافر من الفقه فإن المرأة إذا انقطع حيضها صارت في حكم الطاهرات من وجه وفي حكم الحيض من وجه والوجوه التي هي فيها في حكم الحيض أكثر من الوجوه التي هي فيها في حكم الطاهرات فإنها في حكم الطاهرات في صحة الصيام ووجوب الصلاة وفي حكم الحيض في تحريم قراءة القرآن عند من حرمه على الحائض واللبث في المسجد والطواف بالبيت وتحريم الوطء وتحريم الطلاق في أحد القولين فاحتاط الخلفاء الراشدون وأكابر الصحابة للنكاح ولم يخرجوها منه بعد ثبوته إلا بقيد لا ريب فيه وهو ثبوت حكم الطاهرات في حقها من كل وجه إزالة لليقين بيقين مثله إذ ليس جعلها حائضا في تلك الأحكام أولى من جعلها حائضا في بقاء الزوجية وثبوت الرجعة وهذا من أدق الفقه وألطفه مأخذا .

            قالوا : وأما قول الأعشى :

            لما ضاع فيها من قروء نسائكا


            فغايته استعمال القروء في الطهر ونحن لا ننكره .



            [ الرد على من يقول الأسبق أولى بالاسم ]

            قولكم إن الطهر أسبق من الحيض فكان أولى بالاسم فترجيح طريف جدا فمن أين يكون أولى بالاسم إذا كان سابقا في الوجود ؟ ثم ذلك السابق لا يسمى قرءا ما لم يسبقه دم عند جمهور من يقول الأقراء الأطهار وهل يقال في كل لفظ مشترك إن أسبق معانيه إلى الوجود أحق به فيكون عسعس من قوله والليل إذا عسعس [ التكوير 17 ] أولى بكونه لإقبال الليل لسبقه في الوجود فإن الظلام سابق على الضياء .




            [ الرد على ادعاء تفسيره صلى الله عليه وسلم القروء بالأطهار ]
            وأما قولكم إن النبي صلى الله عليه وسلم فسر القروء بالأطهار فلعمر الله لو كان الأمر كذلك لما سبقتمونا إلى القول بأنها الأطهار ولبادرنا إلى هذا القول اعتقادا وعملا وهل المعول إلا على تفسيره وبيانه

            تقول سليمى لو أقمتم

            بأرضنا ولم تدر أني للمقام أطوف


            فقد بينا من صريح كلامه ومعناه ما يدل على تفسيره للقروء بالحيض وفي ذلك كفاية .

            فصل في الأجوبة عن اعتراضكم على أدلتنا

            قولكم في الاعتراض على الاستدلال بقوله ثلاثة قروء فإنه يقتضي أن تكون كوامل أي بقية الطهر قرء كامل فهذا ترجمة المذهب والشأن في كونه قرءا في لسان الشارع أو في اللغة فكيف تستدلون علينا بالمذهب مع منازعة غيركم لكم فيه ممن يقول الأقراء الأطهار كما تقدم ؟ ولكن أوجدونا في لسان الشارع أو في لغة العرب أن اللحظة من الطهر تسمى قرءا كاملا وغاية ما عندكم أن بعض من قال القروء الأطهار لا كلهم يقولون بقية القرء المطلق فيه قرء وكان ماذا ؟ كيف وهذا الجزء من الطهر بعض طهر بلا ريب ؟ فإذا كان مسمى القرء في الآية هو الطهر وجب أن يكون هذا بعض قرء يقينا أو يكون القرء مشتركا بين الجميع والبعض وقد تقدم إبطال ذلك وأنه لم يقل به أحد .



            [ الرد على قولهم إن العرب توقع اسم الجمع على اثنين وبعض الثالث ]

            قولكم إن العرب توقع اسم الجمع على اثنين وبعض الثالث جوابه من وجوه .

            [ الفرق بين أسماء الجموع وصيغ العدد ]

            أحدها : أن هذا إن وقع فإنما يقع في أسماء الجموع التي هي ظواهر في مسماها وأما صيغ العدد التي هي نصوص في مسماها فكلا ولما ولم ترد صيغة العدد إلا مسبوقة بمسماها كقوله إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله [ التوبة 36 ] . وقوله ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا [ الكهف 25 ] . وقوله فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة [ البقرة 196 ] . وقوله سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما [ الحاقة 7 ] ونظائره مما لا يراد به في موضع واحد دون مسماه من العدد . وقوله ثلاثة قروء اسم عدد ليس بصيغة جمع فلا يصح إلحاقه بأشهر معلومات لوجهين .

            أحدهما : أن اسم العدد نص في مسماه لا يقبل التخصيص المنفصل بخلاف الاسم العام فإنه يقبل التخصيص المنفصل فلا يلزم من التوسع في الاسم الظاهر التوسع في الاسم الذي هو نص فيما يتناوله .

            الثاني : أن اسم الجمع يصح استعماله في اثنين فقط مجازا عند الأكثرين وحقيقة عند بعضهم فصحة استعماله في اثنين وبعض الثالث أولى بخلاف الثلاثة ولهذا لما قال الله تعالى : فإن كان له إخوة فلأمه السدس [ النساء 11 ] حمله الجمهور على أخوين ولما قال فشهادة أحدهم أربع شهادات [ النور 6 ] لم يحملها أحد على ما دون الأربع .

            والجواب الثاني : أنه وإن صح استعمال الجمع في اثنين وبعض الثالث إلا أنه مجاز والحقيقة أن يكون المعنى على وفق اللفظ وإذا دار اللفظ بين حقيقته ومجازه فالحقيقة أولى به .

            الجواب الثالث أنه إنما جاء استعمال الجمع في اثنين وبعض الثالث في أسماء الأيام والشهور والأعوام خاصة لأن التاريخ إنما يكون في أثناء هذه الأزمنة فتارة يدخلون السنة الناقصة في التاريخ وتارة لا يدخلونها . وكذلك الأيام وقد توسعوا في ذلك ما لم يتوسعوا في غيره فأطلقوا الليالي وأرادوا الأيام معها تارة وبدونها أخرى وبالعكس .

            الجواب الرابع أن هذا التجوز جاء في جمع القلة وهو قوله الحج أشهر معلومات [ البقرة 197 ] . وقوله ثلاثة قروء جمع كثرة وكان من الممكن أن يقال ثلاثة أقراء إذ هو الأغلب على الكلام بل هو الحقيقة عند أكثر النحاة والعدول عن صيغة القلة إلى صيغة الكثرة لا بد له من فائدة ونفي التجوز في هذا الجمع يصلح أن يكون فائدة ولا يظهر غيرها فوجب اعتبارها .



            [ يطلق اسم الجمع على اثنين وبعض الثالث فيما يقبل التبعيض ]

            الجواب الخامس أن اسم الجمع إنما يطلق على اثنين وبعض الثالث فيما يقبل التبعيض وهو اليوم والشهر والعام ونحو ذلك دون ما لا يقبله والحيض والطهر لا يتبعضان ولهذا جعلت عدة الأمة ذات الأقراء قرأين كاملين بالاتفاق ولو أمكن تنصيف القرء لجعلت قرءا ونصفا هذا مع قيام المقتضي للتبعيض فأن لا يجوز التبعيض مع قيام المقتضي للتكميل أولى وسر المسألة أن القرء ليس لبعضه حكم في الشرع .

            الجواب السادس أنه سبحانه قال في الآيسة والصغيرة فعدتهن ثلاثة أشهر ثم اتفقت الأمة على أنها ثلاثة كوامل وهي بدل عن الحيض فتكميل المبدل أولى .

            قولكم إن أهل اللغة يصرحون بأن له مسميين الحيض والطهر لا ننازعكم فيه ولكن حمله على الحيض أولى للوجوه التي ذكرناها والمشترك إذا اقترن به قرائن ترجح أحد معانيه وجب الحمل على الراجح .




            [ الرد على ادعائهم أن الطهر الذي لم يسبقه دم هو قرء ]
            قولكم إن الطهر الذي لم يسبقه دم قرء على الأصح فهذا ترجيح وتفسير للفظه بالمذهب وإلا فلا يعرف في لغة العرب قط أن طهر بنت أربع سنين يسمى قرءا ولا تسمى من ذوات الأقراء لا لغة ولا عرفا ولا شرعا فثبت أن الدم داخل في مسمى القرء ولا يكون قرءا إلا مع وجوده .




            [ بيان مجيء القرء على لسان الشارع للحيض ]
            قولكم إن الدم شرط للتسمية كالكأس والقلم وغيرهما من الألفاظ المذكورة تنظير فاسد فإن مسمى تلك الألفاظ حقيقة واحدة مشروطة بشروط والقرء مشترك بين الطهر والحيض يقال على كل منهما حقيقة فالحيض مسماه حقيقة لا أنه شرط في استعماله في أحد مسمييه فافترقا .





            [ تقوية حديث " دعي الصلاة أيام أقرائك " ]

            قولكم لم يجئ في لسان الشارع للحيض قلنا قد بينا مجيئه في كلامه للحيض بل لم يجئ في كلامه للطهر البتة في موضع واحد وقد تقدم أن سفيان بن عيينة روى عن أيوب عن سليمان بن يسار عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم في المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها

            قولكم إن الشافعي قال ما حدث بهذا سفيان قط جوابه أن الشافعي لم يسمع سفيان يحدث به فقال بموجب ما سمعه من سفيان أو عنه من قوله لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر وقد سمعه من سفيان من لا يستراب بحفظه وصدقه وعدالته . وثبت في السنن من حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه الدم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ذلك عرق فانظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلي وإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء رواه أبو داود بإسناد صحيح فذكر فيه لفظ القرء أربع مرات في كل ذلك يريد به الحيض لا الطهر وكذلك إسناد الذي قبله وقد صححه جماعة من الحفاظ .

            وأما حديث سفيان الذي قال فيه لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر فلا تعارض بينه وبين اللفظ الذي احتججنا به بوجه ما حتى يطلب ترجيح أحدهما على الآخر بل أحد اللفظين يجري من الآخر مجرى التفسير والبيان وهذا يدل على أن القرء اسم لتلك الليالي والأيام فإنه إن كانا جميعا لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الظاهر - فظاهر وإن كان قد روي بالمعنى فلولا أن معنى أحد اللفظين معنى الآخر لغة وشرعا لم يحل للراوي أن يبدل لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يقوم مقامه ولا يسوغ له أن يبدل اللفظ بما يوافق مذهبه ولا يكون مرادفا للفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سيما والراوي لذلك من لا يدفع عن الإمامة والصدق والورع وهو أيوب السختياني وهو أجل من نافع وأعلم .

            وقد روى عثمان بن سعد الكاتب حدثنا ابن أبي مليكة قال جاءت خالتي فاطمة بنت أبي حبيش إلى عائشة رضي الله عنها فقالت إني أخاف أن أقع في النار أدع الصلاة السنة والسنتين قالت انتظري حتى يجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء فقالت عائشة رضي الله عنها : هذه فاطمة تقول كذا وكذا قال قولي لها فلتدع الصلاة في كل شهر أيام قرئها قال الحاكم : هذا حديث صحيح وعثمان بن سعد الكاتب بصري ثقة عزيز الحديث يجمع حديثه قال البيهقي : وتكلم فيه غير واحد . وفيه أنه تابعه الحجاج بن أرطاة عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها . وفي " المسند " : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة إذا أقبلت أيام أقرائك فأمسكي عليك الحديث .

            وفي " سنن أبي داود " من حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم في المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي وفي " سننه " أيضا : أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه الدم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ذلك عرق فانظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلي فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء وقد تقدم .

            قال أبو داود : وروى قتادة عن عروة عن زينب عن أم سلمة رضي الله عنها أن أم حبيبة بنت جحش رضي الله عنها استحيضت فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تدع الصلاة أيام أقرائها

            وتعليل هذه الأحاديث بأن هذا من تغيير الرواة رووه بالمعنى لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه فلو كانت من جانب من عللها لأعاد ذكرها وأبداه وشنع على من خالفها . وأما قولكم إن الله سبحانه وتعالى جعل اليأس من الحيض شرطا في الاعتداد بالأشهر فمن أين يلزم أن تكون القروء هي الحيض ؟ قلنا : لأنه جعل الأشهر الثلاثة بدلا عن الأقراء الثلاثة وقال واللائي يئسن من المحيض من نسائكم [ الطلاق 4 ] فنقلهن إلى الأشهر عند تعذر مبدلهن وهو الحيض فدل على أن الأشهر بدل عن الحيض الذي يئسن منه لا عن الطهر وهذا واضح .


            [ الجواب عن تضعيف حديث " عدة الأمة حيضتان " ]

            قولكم حديث عائشة رضي الله عنها معلول بمظاهر بن أسلم ومخالفة عائشة له فنحن إنما احتججنا عليكم بما استدللتم به علينا في كون الطلاق بالنساء لا بالرجال فكل من صنف من أصحابكم في طريق الخلاف أو استدل على أن طلاق العبد طلقتان احتج علينا بهذا الحديث . وقال جعل النبي صلى الله عليه وسلم طلاق العبد تطليقتين فاعتبر الطلاق بالرجال لا بالنساء واعتبر العدة بالنساء فقال وعدة الأمة حيضتان . فيا سبحان الله يكون الحديث سليما من العلل إذا كان حجة لكم فإذا احتج به منازعوكم عليكم اعتورته العلل المختلفة فما أشبهه بقول القائل

            يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى

            إليكم تلقى نشركم فيطيب


            فنحن إنما كلنا لكم بالصاع الذي كلتم لنا به بخسا ببخس وإيفاء بإيفاء ولا ريب أن مظاهرا ممن لا يحتج به لكن لا يمتنع أن يعتضد بحديثه ويقوى به والدليل غيره .

            وأما تعليله بخلاف عائشة رضي الله عنها له فأين ذلك من تقريركم أن مخالفة الراوي لا توجب رد حديثه وأن الاعتبار بما رواه لا بما رآه وتكثركم من الأمثلة التي أخذ الناس فيها بالرواية دون مخالفة راويها لها كما أخذوا برواية ابن عباس المتضمنة لبقاء النكاح مع بيع الزوجة وتركوا رأيه بأن بيع الأمة طلاقها وغير ذلك .

            وأما ردكم لحديث ابن عمر رضي الله عنه طلاق الأمة طلقتان وقرؤها حيضتان بعطية العوفي فهو وإن ضعفه أكثر أهل الحديث فقد احتمل الناس حديثه وخرجوه في السنن وقال يحيى بن معين في رواية عباس الدوري عنه صالح الحديث وقال أبو أحمد بن عدي رحمه الله روى عنه جماعة من الثقات وهو مع ضعفه يكتب حديثه فيعتضد به وإن لم يعتمد عليه وحده .

            وأما ردكم الحديث بأن ابن عمر مذهبه أن القروء الأطهار فلا ريب أن هذا يورث شبهة في الحديث ولكن ليس هذا بأول حديث خالفه راويه فكان الاعتبار بما رواه لا بما ذهب إليه وهذا هو الجواب عن ردكم لحديث عائشة رضي الله عنها بمذهبها ولا يعترض على الأحاديث بمخالفة الرواة لها .



            [ الجواب عن عدة المختلعة بحيضة ]

            وأما ردكم لحديث المختلعة وأمرها أن تعتد بحيضة فإنا لا نقول به فللناس في هذه المسألة قولان وهما روايتان عن أحمد أحدهما : أن عدتها ثلاث حيض كقول الشافعي ومالك وأبي حنيفة .

            والثاني : أن عدتها حيضة وهو قول أمير المؤمنين عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وهو مذهب أبان بن عثمان وبه يقول إسحاق بن راهويه وابن المنذر وهذا هو الصحيح في الدليل والأحاديث الواردة فيه لا معارض لها والقياس يقتضيه حكما وسنبين هذه المسألة عند ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة المختلعة .

            قالوا : ومخالفتنا لحديث اعتداد المختلعة بحيضة في بعض ما اقتضاه من جواز الاعتداد بحيضة لا يكون عذرا لكم في مخالفة ما اقتضاه من أن القروء الحيض فنحن وإن خالفناه في حكم فقد وافقناه في الحكم الآخر وهو أن القرء الحيض وأنتم خالفتموه في الأمرين جميعا هذا مع أن من يقول الأقراء الحيض ويقول المختلعة تعتد بحيضة قد سلم من هذه المطالبة فماذا تردون به قوله ؟




            [ الرد على الفرق بين الاستبراء والعدة ]
            وأما قولكم في الفرق بين الاستبراء والعدة إن العدة وجبت قضاء لحق الزوج فاختصت بزمان حقه كلام لا تحقيق وراءه فإن حقه في جنس الاستمتاع في زمن الحيض والطهر وليس حقه مختصا بزمن الطهر ولا العدة مختصة بزمن الطهر دون الحيض وكلا الوقتين محسوب من العدة وعدم تكرر الاستبراء لا يمنع أن يكون طهرا محتوشا بدمين كقرء المطلقة فتبين أن الفرق غير طائل .

            قولكم إن انضمام قرأين إلى الطهر الذي جامع فيه يجعله علما جوابه أن هذا يفضي إلى أن تكون العدة قرأين حسب فإن ذلك الذي جامع فيه لا دلالة له على البراءة البتة وإنما الدال القرآن بعده وهذا خلاف موجب النص وهذا لا يلزم من جعل الأقراء الحيض فإن الحيضة وحدها علم ولهذا اكتفي بها في استبراء الإماء .

            قولكم إن القرء هو الجمع والحيض يجتمع في زمان الطهر فقد تقدم جوابه وأن ذلك في المعتل لا في المهموز .

            قولكم دخول التاء في ثلاثة يدل على أن واحدها مذكر وهو الطهر جوابه أن واحد القروء قرء وهو مذكر فأتى بالتاء مراعاة للفظه وإن كان مسماه حيضة وهذا كما يقال جاءني ثلاثة أنفس وهن نساء باعتبار اللفظ . والله أعلم .

            فصل [ قول من سوى بين عدة الحرة والأمة ]
            وقد احتج بعموم آيات العدد الثلاث من يرى أن عدة الحرة والأمة سواء قال أبو محمد ابن حزم : وعدة الأمة المتزوجة من الطلاق والوفاة كعدة الحرة سواء بسواء ولا فرق لأن الله تعالى علمنا العدد في الكتاب فقال والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [ البقرة 288 ] وقال والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [ البقرة 234 ] وقال الله تعالى : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [ الطلاق 4 ] وقد علم الله تعالى إذ أباح لنا زواج الإماء أنه يكون عليهن العدد المذكورات . وما فرق عز وجل بين حرة ولا أمة في ذلك وما كان ربك نسيا .

            وثبت عمن سلف مثل قولنا : قال محمد بن سيرين رحمه الله . ما أرى عدة الأمة إلا كعدة الحرة إلا أن يكون مضت في ذلك سنة فالسنة أحق أن تتبع . قال وقد ذكر أحمد بن حنبل أن قول مكحول : إن عدة الأمة في كل شيء كعدة الحرة وهو قول أبي سليمان وجميع أصحابنا هذا كلامه .



            [ قول من قال إن عدة الأمة نصف عدة الحرة ]
            وقد خالفهم في ذلك جمهور الأمة فقالوا : عدتها نصف عدة الحرة هذا قول فقهاء المدينة سعيد بن المسيب والقاسم وسالم وزيد بن أسلم وعبد الله بن عتبة والزهري ومالك وفقهاء أهل مكة كعطاء بن أبي رباح ومسلم بن خالد وغيرهما وفقهاء البصرة كقتادة وفقهاء الكوفة كالثوري وأبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله .

            وفقهاء الحديث كأحمد وإسحاق والشافعي وأبي ثور رحمهم الله وغيرهم وسلفهم في ذلك الخليفتان الراشدان عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما صح ذلك عنهما وهو قول عبد الله بن عمر رضي الله عنه كما رواه مالك عن نافع عنه عدة الأمة حيضتان وعدة الحرة ثلاث حيض وهو قول زيد بن ثابت كما رواه الزهري عن قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت عدة الأمة حيضتان وعدة الحرة ثلاث حيض . وروى حماد بن زيد عن عمرو بن أوس الثقفي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لو استطعت أن أجعل عدة الأمة حيضة ونصفا لفعلت فقال له رجل يا أمير المؤمنين فاجعلها شهرا ونصفا .

            وقال عبد الرزاق حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول جعل لها عمر رضي الله عنه حيضتين يعني : الأمة المطلقة .

            وروى عبد الرزاق أيضا : عن ابن عيينة عن محمد بن عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عمر رضي الله عنه ينكح العبد اثنتين ويطلق تطليقتين وتعتد الأمة حيضتين فإن لم تحض فشهرين أو قال فشهرا ونصفا .

            وذكر عبد الرزاق أيضا : عن معمر عن المغيرة عن إبراهيم النخعي عن ابن مسعود قال يكون عليها نصف العذاب ولا يكون لها نصف الرخصة .

            وقال ابن وهب أخبرني رجال من أهل العلم أن نافعا وابن قسيط ويحيى بن سعيد وربيعة وغير واحد من أصحاب رسول الله والتابعين قالوا : عدة الأمة حيضتان . قالوا : ولم يزل هذا عمل المسلمين .

            قال ابن وهب أخبرني هشام بن سعد عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم قال عدة الأمة حيضتان .

            قال القاسم مع أن هذا ليس في كتاب الله عز وجل ولا نعلمه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن قد مضى أمر الناس على هذا وقد تقدم هذا الحديث بعينه وقول القاسم وسالم فيه لرسول الأمير قل له إن هذا ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن عمل به المسلمون . قالوا : ولو لم يكن في المسألة إلا قول عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر لكفى به .

            وفي قول ابن مسعود رضي الله عنه تجعلون عليها نصف العذاب ولا تجعلون لها نصف الرخصة دليل على اعتبار الصحابة للأقيسة والمعاني وإلحاق النظير بالنظير .

            ولما كان هذا الأثر مخالفا لقول الظاهرية في الأصل والفرع طعن ابن حزم فيه وقال لا يصح عن ابن مسعود قال وهذا بعيد على رجل من عرض الناس فكيف عن مثل ابن مسعود ؟ وإنما جرأه على الطعن فيه أنه من رواية إبراهيم النخعي عنه رواه عبد الرزاق عن معمر عن المغيرة عن إبراهيم وإبراهيم لم يسمع من عبد الله ولكن الواسطة بينه وبينه أصحاب عبد الله كعلقمة ونحوه .

            وقد قال إبراهيم إذا قلت قال عبد الله فقد حدثني به غير واحد عنه وإذا قلت : قال فلان عنه فهو عمن سميت أو كما قال .

            ومن المعلوم أن بين إبراهيم وعبد الله أئمة ثقات لم يسم قط متهما ولا مجروحا ولا مجهولا فشيوخه الذين أخذ عنهم عن عبد الله أئمة أجلاء نبلاء وكانوا كما قيل سرج الكوفة وكل من له ذوق في الحديث إذا قال إبراهيم قال عبد الله لم يتوقف في ثبوته عنه وإن كان غيره ممن في طبقته لو قال قال عبد الله لا يحصل لنا الثبت بقوله فإبراهيم عن عبد الله نظير ابن المسيب عن عمر ونظير مالك عن ابن عمر فإن الوسائط بين هؤلاء وبين الصحابة رضي الله عنهم إذا سموهم وجدوا من أجل الناس وأوثقهم وأصدقهم ولا يسمون سواهم البتة ودع ابن مسعود في هذه المسألة فكيف يخالف عمر وزيدا وابن عمر وهم أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ويخالف عمل المسلمين لا إلى قول صاحب البتة ولا إلى حديث صحيح ولا حسن بل إلى عموم أمره ظاهر عند جميع الأمة ليس هو مما تخفى دلالته ولا موضعه حتى يظفر به الواحد والاثنان دون سائر الناس هذا من أبين المحال .

            ولو ذهبنا نذكر الآثار عن التابعين بتنصيف عدة الأمة لطالت جدا ثم إذا تأملت سياق الآيات التي فيها ذكر العدد وجدتها لا تتناول الإماء وإنما تتناول الحرائر فإنه سبحانه قال والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف [ البقرة 228 ] إلى أن قال ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به [ البقرة 229 ]

            وهذا في حق الحرائر دون الإماء فإن افتداء الأمة إلى سيدها لا إليها . ثم قال فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا [ البقرة 230 ] فجعل ذلك إليهما والتراجع المذكور في حق الأمة وهو العقد إنما هو إلى سيدها لا إليها بخلاف الحرة فإنه إليها بإذن وليها وكذلك قوله سبحانه في عدة الوفاة والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف [ البقرة 234 ] وهذا إنما هو في حق الحرة وأما الأمة فلا فعل لها في نفسها البتة فهذا في العدة الأصلية . وأما عدة الأشهر ففرع وبدل . وأما عدة وضع الحمل فيستويان فيها كما ذهب إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون وعمل به المسلمون وهو محض الفقه وموافق لكتاب الله في تنصيف الحد عليها ولا يعرف في الصحابة مخالف في ذلك وفهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله أولى من فهم من شذ عنهم من المتأخرين وبالله التوفيق .

            ولا تعرف التسوية بين الحرة والأمة في العدة عن أحد من السلف إلا عن محمد بن سيرين ومكحول . فأما ابن سيرين فلم يجزم بذلك وأخبر به عن رأيه وعلق القول به على عدم سنة تتبع . وأما قول مكحول فلم يذكر له سندا وإنما حكاه عنه أحمد رحمه الله وهو لا يقبل عند أهل الظاهر ولا يصح فلم يبق معكم أحد من السلف إلا رأي ابن سيرين وحده المعلق على عدم سنة متبعة ولا ريب أن سنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك متبعة ولم يخالفه في ذلك أحد من الصحابة رضي الله عنهم والله أعلم .



            [ عدة الأمة غير البالغة ]
            فإن قيل كيف تدعون إجماع الصحابة وجماهير الأمة وقد صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن عدة الأمة التي لم تبلغ ثلاثة أشهر وصح ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومجاهد والحسن وربيعة والليث بن سعد والزهري وبكر بن الأشج ومالك وأصحابه وأحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه .

            ومعلوم أن الأشهر في حق الآيسة والصغيرة بدل عن الأقراء الثلاث فدل على أن بدلها في حقها ثلاثة .

            فالجواب أن القائلين بهذا هم بأنفسهم القائلون إن عدتها حيضتان وقد أفتوا بهذا وهذا ولهم في الاعتداد بالأشهر ثلاثة أقوال وهي للشافعي وهي ثلاث روايات عن أحمد . فأكثر الروايات عنه أنها شهران رواه عنه جماعة من أصحابه وهو إحدى الروايتين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكرها الأثرم وغيره عنه .

            وحجة هذا القول أن عدتها بالأقراء حيضتان فجعل كل شهر مكان حيضة .

            والقول الثاني : إن عدتها شهر ونصف نقلها عنه الأثرم والميموني وهذا قول علي بن أبي طالب وابن عمر وابن المسيب وأبي حنيفة والشافعي في أحد أقواله . وحجته أن التنصيف في الأشهر ممكن فتنصفت بخلاف القروء . ونظير هذا : أن المحرم إذا وجب عليه في جزاء الصيد نصف مد أخرجه فإن أراد الصيام مكانه لم يجزه إلا صوم يوم كامل .

            والقول الثالث أن عدتها ثلاثة أشهر كوامل وهو إحدى الروايتين عن عمر رضي الله عنه وقول ثالث للشافعي وهو فيمن ذكرتموه .

            والفرق عند هؤلاء بين اعتدادها بالأقراء وبين اعتدادها بالشهور أن الاعتبار بالشهور للعلم ببراءة رحمها وهو لا يحصل بدون ثلاثة أشهر في حق الحرة والأمة جميعا لأن الحمل يكون نطفة أربعين يوما ثم علقة أربعين ثم مضغة أربعين وهو الطور الثالث الذي يمكن أن يظهر فيه الحمل وهو بالنسبة إلى الحرة والأمة سواء بخلاف الأقراء فإن الحيضة الواحدة علم ظاهر على الاستبراء ولهذا اكتفي بها في حق المملوكة فإذا زوجت فقد أخذت شبها من الحرائر وصارت أشرف من ملك اليمين فجعلت عدتها بين العدتين .

            قال الشيخ في " المغني " : ومن رد هذا القول قال هو مخالف لإجماع الصحابة لأنهم اختلفوا على القولين الأولين ومتى اختلفوا على قولين لم يجز إحداث قول ثالث لأنه يفضي إلى تخطئتهم وخروج الحق عن قول جميعهم .

            قلت : وليس في هذا إحداث قول ثالث بل هو إحدى الروايتين عن عمر ذكرها ابن وهب وغيره وقال به من التابعين من ذكرناهم وغيرهم .



            فصل[ عدة الآيسة والتي لم تحض ]
            [ حد الإياس ]

            [ الروايات عن أحمد في حد الإياس ]

            وأما عدة الآيسة والتي لم تحض فقد بينها سبحانه في كتابه فقال واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن [ الطلاق 4 ] وقد اضطرب الناس في حد الإياس اضطرابا شديدا فمنهم من حده بخمسين سنة وقال لا تحيض المرأة بعد الخمسين وهذا قول إسحاق ورواية عن أحمد رحمه الله واحتج أرباب هذا القول بقول عائشة رضي الله عنها : إذا بلغت خمسين سنة خرجت من حد الحيض
            وحده طائفة بستين سنة وقالوا : لا تحيض بعد الستين وهذه رواية ثانية عن أحمد .

            وعنه رواية ثالثة الفرق بين نساء العرب وغيرهم فحده ستون في نساء العرب وخمسون في نساء العجم .

            وعنه رواية رابعة أن ما بين الخمسين والستين دم مشكوك فيه تصوم وتصلي وتقضي الصوم المفروض وهذه اختيار الخرقي .

            وعنه رواية خامسة أن الدم إن عاود بعد الخمسين وتكرر فهو حيض وإلا فلا .




            [مذهب الشافعي في حد الإياس ]
            وأما الشافعي رحمه الله فلا نص له في تقدير الإياس بمدة وله قولان بعد . أحدهما : أنه يعرف بيأس أقاربها . والثاني : أنه يعتبر بيأس جميع النساء فعلى القول الأول هل المعتبر جميع أقاربها أو نساء عصباتها أو نساء بلدها خاصة ؟ فيه ثلاثة أوجه ثم إذا قيل يعتبر بالأقارب فاختلفت عادتهن فهل يعتبر بأقل عادة منهن أو بأكثرهن عادة أو بأقصر امرأة في العالم عادة ؟ على – 583 – ثلاثة أوجه

            والقول الثاني للشافعي رحمه الله أن المعتبر جميع النساء . ثم اختلف أصحابه هل لذلك حد أم لا ؟ على وجهين

            أحدهما : ليس له حد وهو ظاهر نصه .
            والثاني : له حد ثم اختلفوا فيه على وجهين

            أحدهما : أنه ستون سنة قاله أبو العباس بن القاص والشيخ أبو حامد .
            والثاني : اثنان وستون سنة قاله الشيخ أبو إسحاق في " المهذب " وابن الصباغ في " الشامل " .

            وأما أصحاب مالك رحمه الله فلم يحدوا سن الإياس بحد البتة .

            وقال آخرون منهم شيخ الإسلام ابن تيمية : اليأس يختلف باختلاف النساء وليس له حد يتفق فيه النساء . والمراد بالآية أن يأس كل امرأة من نفسها لأن اليأس ضد الرجاء فإذا كانت المرأة قد يئست من الحيض ولم ترجه فهي آيسة وإن كان لها أربعون أو نحوها وغيرها لا تيأس منه وإن كان لها خمسون .

            وقد ذكر الزبير بن بكار : أن بعضهم قال لا تلد لخمسين سنة إلا عربية ولا تلد لستين سنة إلا قرشية . وقال إن هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن ربيعة ولدت موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ولها ستون سنة .




            وقد صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم يرتفع حيضها لا تدري ما رفعه أنها تتربص تسعة أشهر فإن استبان بها حمل وإلا اعتدت ثلاثة أشهر وقد وافقه الأكثرون على هذا منهم مالك وأحمد والشافعي في القديم . قالوا : تتربص غالب مدة الحمل ثم تعتد عدة الآيسة ثم تحل للأزواج ولو كانت بنت ثلاثين سنة أو أربعين وهذا يقتضي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن وافقه من السلف والخلف تكون المرأة آيسة عندهم قبل الخمسين وقبل الأربعين وأن اليأس عندهم ليس وقتا محدودا للنساء بل مثل هذه تكون آيسة وإن كانت بنت ثلاثين وغيرها لا تكون آيسة وإن بلغت خمسين . وإذا كانوا فيمن ارتفع حيضها ولا تدري ما رفعه جعلوها آيسة بعد تسعة أشهر فالتي تدري ما رفعه إما بدواء يعلم أنه لا يعود معه وإما بعادة مستقرة لها من أهلها وأقاربها أولى أن تكون آيسة . وإن لم تبلغ الخمسين وهذا بخلاف ما إذا ارتفع لمرض أو رضاع أو حمل فإن هذه ليست آيسة فإن ذلك يزول .

            فالمراتب ثلاثة . أحدها : أن ترتفع ليأس معلوم متيقن بأن تنقطع عاما بعد عام ويتكرر انقطاعه أعواما متتابعة ثم يطلق بعد ذلك فهذه تتربص ثلاثة أشهر بنص القرآن سواء كانت بنت أربعين أو أقل أو أكثر وهي أولى بالتربص بثلاثة أشهر من التي حكم فيها الصحابة والجمهور بتربصها تسعة أشهر ثم ثلاثة فإن تلك كانت تحيض وطلقت وهي حائض ثم ارتفع حيضها بعد طلاقها لا تدري ما رفعه فإذا حكم فيها بحكم الآيسات بعد انقضاء غالب مدة الحمل فكيف بهذه ؟ ولهذا قال القاضي إسماعيل في " أحكام القرآن " : إذا كان الله سبحانه قد ذكر اليأس مع الريبة فقال تعالى : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر [ الطلاق 4 ] ثم جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لفظ موافق لظاهر القرآن لأنه قال أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم ارتفعت حيضتها لا تدري ما رفعها فإنها تنتظر تسعة أشهر ثم تعتد ثلاثة أشهر فلما كانت لا تدري ما الذي رفع الحيضة كان موضع الارتياب فحكم فيها بهذا الحكم وكان اتباع ذلك ألزم وأولى من قول من يقول إن الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين فيرتفع حيضها وهي شابة أنها تبقى ثلاثين سنة معتدة وإن جاءت بولد لأكثر من سنتين لم يلزمه فخالف ما كان من إجماع المسلمين الذي مضوا لأنهم كانوا مجمعين على أن الولد يلحق بالأب ما دامت المرأة في عدتها فكيف يجوز أن يقول قائل إن الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ويكون بينها وبين زوجها أحكام الزوجات ما دامت في عدتها من الموارثة وغيرها ؟ فإن جاءت بولد لم يلحقه وظاهر عدة الطلاق أنها جعلت من الدخول الذي يكون منه الولد فكيف تكون المرأة معتدة والولد لا يلزم ؟

            قلت : هذا إلزام منه لأبي حنيفة فإن عنده أقصر مدة الحمل سنتان والمرتابة في أثناء عدتها لا تزال في عدة حتى تبلغ سن الإياس فتعتد به وهو يلزم الشافعي في قوله الجديد سواء إلا أن مدة الحمل عنده أربع سنين . فإذا جاءت به بعدها لم يلحقه وهي في عدتها منه .

            قال القاضي إسماعيل واليأس يكون بعضه أكثر من بعض وكذلك القنوط وكذلك الرجاء وكذلك الظن ومثل هذا يتسع الكلام فيه فإذا قيل منه شيء أنزل على قدر ما يظهر من المعنى فيه فمن ذلك أن الإنسان يقول قد يئست من مريضي إذا كان الأغلب عنده أنه لا يبرأ ويئست من غائبي إذا كان الأغلب عنده أنه لا يقدم ولو قال إذا مات غائبه أو مات مريضه قد يئست منه لكان الكلام عند الناس على غير وجهه إلا أن يتبين معنى ما قصد له في كلامه مثل أن يقول كنت وجلا في مرضه مخافة أن يموت فلما مات وقع اليأس فينصرف الكلام على هذا وما أشبهه إلا أن أكثر ما يلفظ باليأس إنما يكون فيما هو الأغلب عند اليأس أنه لا يكون وليس واحد من اليائس والطامع يعلم يقينا أن ذلك الشيء يكون أو لا يكون وقال الله تعالى : والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة [ النور 60 ] والرجاء ضد اليأس والقاعدة من النساء قد يمكن أن تزوج غير أن الأغلب عند الناس فيها أن الأزواج لا يرغبون فيها . وقال الله تعالى : وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا [ الشورى : 28 ] والقنوط شبه اليأس وليس يعلمون يقينا أن المطر لا يكون ولكن اليأس دخلهم حين تطاول إبطاؤه . وقال الله تعالى : حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا [ يوسف 110 ] فلما ذكر أن الرسل هم الذين استيأسوا كان فيه دليل على أنهم دخل قلوبهم يأس من غير يقين استيقنوه لأن اليقين في ذلك إنما يأتيهم من عند الله كما قال في قصة نوح وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون [ هودا : 36 ] وقال الله تعالى في قصة إخوة يوسف فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا [ يوسف 80 ] فدل الظاهر على أن يأسهم ليس بيقين وقد حدثنا ابن أبي أويس حدثنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول في خطبته تعلمن أيها الناس أن الطمع فقر وأن اليأس غنى وأن المرء إذا يئس من شيء استغنى عنه فجعل عمر اليأس بإزاء الطمع وسمعت أحمد بن المعدل ينشد شعرا لرجل من القدماء يصف ناقة
            صفراء من تلد بني العباس

            صيرتها كالظبي في الكناس

            تدر أن تسمع بالإبساس

            فالنفس بين طمع وياس


            فجعل الطمع بإزاء اليأس .

            وحدثنا سليمان بن حرب حدثنا جرير بن حازم عن الأعمش عن سلام بن شرحبيل قال سمع حبة بن خالد وسواء بن خالد أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم قالا : علمنا شيئا ثم قال " لا تيأسا من الخير ما تهزهزت رءوسكما فإن كل عبد يولد أحمر ليس عليه قشرة ثم يرزقه الله ويعطيه

            وحدثنا علي بن عبد الله حدثنا ابن عيينة قال قال هشام بن عبد الملك لأبي حازم يا أبا حازم ما مالك . قال خير مال ثقتي بالله ويأسي مما في أيدي الناس . قال وهذا أكثر من أن يحصى انتهى .


            قال شيخنا : وليس للنساء في ذلك عادة مستمرة بل فيهن من لا تحيض وإن بلغت وفيهن من تحيض حيضا يسيرا يتباعد ما بين أقرائها حتى تحيض في السنة مرة ولهذا اتفق العلماء على أن أكثر الطهر بين الحيضتين لا حد له وغالب النساء يحضن كل شهر مرة ويحضن ربع الشهر ويكون طهرهن ثلاثة أرباعه . ومنهن من تطهر الشهور المتعددة لقلة رطوبتها ومنهن من يسرع إليها الجفاف فينقطع حيضها وتيأس منه وإن كان لها دون الخمسين بل والأربعين . ومنهن من لا يسرع إليها الجفاف فتجاوز الخمسين وهي تحيض . قال وليس في الكتاب ولا السنة تحديد اليأس بوقت ولو كان المراد بالآيسة من المحيض من لها خمسون سنة أو ستون سنة أو غير ذلك لقيل واللائي يبلغن من السن كذا وكذا ولم يقل يئسن .

            وأيضا فقد ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم جعلوا من ارتفع حيضها قبل ذلك يائسة كما تقدم . والوجود مختلف في وقت يأسهن غير متفق وأيضا فإنه سبحانه قال واللائي يئسن ولو كان له وقت محدود لكانت المرأة وغيرها سواء في معرفة يأسهن وهو سبحانه قد خص النساء بأنهن اللائي يئسن كما خصهن بقوله واللائي لم يحضن فالتي تحيض هي التي تيأس وهذا بخلاف الارتياب فإنه سبحانه قال إن ارتبتم ولم يقل إن ارتبن أي إن ارتبتم في حكمهن وشككتم فيه فهو هذا لا هذا الذي عليه جماعة أهل التفسير كما روى ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث جرير وموسى بن أعين واللفظ له عن مطرف بن طريف عن عمرو بن سالم عن أبي بن كعب قال قلت : يا رسول الله إن ناسا بالمدينة يقولون في عدد النساء ما لم يذكر الله في القرآن الصغار والكبار وأولات الأحمال فأنزل الله سبحانه في هذه السورة واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [ الطلاق 4 ]

            فأجل إحداهن أن تضع حملها فإذا وضعت فقد قضت عدتها . ولفظ جرير قلت : يا رسول الله إن ناسا من أهل المدينة لما نزلت هذه الآية التي في البقرة في عدة النساء قالوا : لقد بقي من عدد النساء عدد لم يذكرن في القرآن الصغار والكبار التي قد انقطع عنها الحيض وذوات الحمل قال فأنزلت التي في النساء القصرى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم [ الطلاق 4 ] - 588 –

            ثم روي عن سعيد بن جبير في قوله واللائي يئسن من المحيض من نسائكم يعني الآيسة العجوز التي لا تحيض أو المرأة التي قعدت عن الحيضة فليست هذه من القروء في شيء .

            وفي قوله إن ارتبتم في الآية يعني إن شككتم فعدتهن ثلاثة أشهر وعن مجاهد : إن ارتبتم لم تعلموا عدة التي قعدت عن الحيض أو التي لم تحض فعدتهن ثلاثة أشهر . فقوله تعالى : إن ارتبتم يعني : إن سألتم عن حكمهن ولم تعلموا حكمهن وشككتم فيه فقد بيناه لكم فهو بيان لنعمته على من طلب عليه ذلك ليزول ما عنده من الشك والريب بخلاف المعرض عن طلب العلم . وأيضا فإن النساء لا يستوين في ابتداء الحيض بل منهن من تحيض لعشر أو اثنتي عشرة أو خمس عشرة أو أكثر من ذلك فكذلك لا يستوين في آخر سن الحيض الذي هو سن اليأس والوجود شاهد بذلك . وأيضا فإنهم تنازعوا فيمن بلغت ولم تحض هل تعتد بثلاثة أشهر أو بالحول كالتي ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه ؟ وفيه روايتان عن أحمد .

            قلت : والجمهور على أنها تعتد بثلاثة أشهر ولم يجعلوا للصغر الموجب للاعتداد بها حدا فكذلك يجب أن لا يكون للكبر الموجب للاعتداد بالشهور حد وهو ظاهر ولله الحمد .



            فصل وأما عدة الوفاة فتجب بالموت
            سواء دخل بها أو لم يدخل اتفاقا كما دل عليه عموم القرآن والسنة واتفقوا على أنهما يتوارثان قبل الدخول وعلى أن الصداق يستقر إذا كان مسمى لأن الموت لما كان انتهاء العقد استقرت به الأحكام فتوارثا واستقر المهر ووجبت العدة .




            واختلفوا في مسألتين إحداهما : وجوب مهر المثل إذا لم يكن مسمى فأوجبه أحمد أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه ولم يوجبه مالك والشافعي في القول الآخر وقضى بوجوبه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في السنة الصحيحة الصريحة من حديث بروع بنت واشق وقد تقدم . ولو لم ترد به السنة لكان هو محض القياس لأن الموت أجري مجرى الدخول في تقرير المسمى ووجوب العدة .


            [هل يثبت تحريم الربيبة بموت الأم ]

            والمسألة الثانية هل يثبت تحريم الربيبة بموت الأم كما يثبت بالدخول بها ؟ وفيه قولان للصحابة وهما روايتان عن أحمد .

            والمقصود أن العدة فيه ليست للعلم ببراءة الرحم فإنها تجب قبل الدخول بخلاف عدة الطلاق .




            [الاختلاف في حكمة عدة الوفاة من قال هي لبراءة الرحم]
            وقد اضطرب الناس في حكمة عدة الوفاة وغيرها فقيل هي لبراءة الرحم وأورد على هذا القول وجوه كثيرة .

            منها : وجوبها قبل الدخول في الوفاة ومنها : أنها ثلاثة قروء وبراءة الرحم يكفي فيها حيضة كما في المستبرأة ومنها : وجوب ثلاثة أشهر في حق من يقطع ببراءة رحمها لصغرها أو كبرها .

            [من قال هو تعبد لا يعقل معناه ]

            ومن الناس من يقول هو تعبد لا يعقل معناه وهذا فاسد لوجهين .

            أحدهما : أنه ليس في الشريعة حكم إلا وله حكمة وإن لم يعقلها كثير من الناس أو أكثرهم .

            الثاني : أن العدد ليست من العبادات المحضة بل فيها من المصالح رعاية حق الزوجين والولد والناكح .



            [حكمة عدة الوفاة عند ابن تيمية ]
            قال شيخنا : والصواب أن يقال أما عدة الوفاة فهي حرم لانقضاء النكاح ورعاية لحق الزوج ولهذا تحد المتوفى عنها في عدة الوفاة رعاية لحق الزوج فجعلت العدة حريما لحق هذا العقد الذي له خطر وشأن فيحصل بهذه فصل بين نكاح الأول ونكاح الثاني ولا يتصل الناكحان ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عظم حقه حرم نساؤه بعده وبهذا اختص الرسول لأن أزواجه في الدنيا هن أزواجه في الآخرة بخلاف غيره فإنه لو حرم على المرأة أن تتزوج بغير زوجها تضررت المتوفى عنها وربما كان الثاني خيرا لها من الأول . ولكن لو تأيمت على أولاد الأول لكانت محمودة على ذلك مستحبا لها

            وفي الحديث أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة وأومأ بالوسطى والسبابة امرأة آمت من زوجها ذات منصب وجمال وحبست نفسها على يتامى لها حتى بانوا أو ماتوا .

            وإذا كان المقتضي لتحريمها قائما فلا أقل من مدة تتربصها وقد كانت في الجاهلية تتربص سنة فخففها الله سبحانه بأربعة أشهر وعشر وقيل لسعيد بن المسيب ما بال العشر ؟ قال فيها ينفخ الروح فيحصل بهذه المدة براءة الرحم حيث يحتاج إليه وقضاء حق الزوج إذا لم يحتج إلى ذلك .





            فصل [حكمة عدة الطلاق ]
            وأما عدة الطلاق فهي التي أشكلت فإنه لا يمكن تعليلها بذلك لأنها إنما تجب بعد المسيس ولأن الطلاق قطع للنكاح ولهذا يتنصف فيه المسمى ويسقط فيه مهر المثل .

            فيقال والله الموفق للصواب - عدة الطلاق وجبت ليتمكن الزوج فيها من الرجعة ففيها حق للزوج وحق لله وحق للولد وحق للناكح الثاني . فحق الزوج ليتمكن من الرجعة في العدة وحق الله لوجوب ملازمتها المنزل كما نص عليه سبحانه وهو منصوص أحمد ومذهب أبي حنيفة . وحق الولد لئلا يضيع نسبه ولا يدرى لأي الواطئين . وحق المرأة لما لها من النفقة زمن العدة لكونها زوجة ترث وتورث ويدل على أن العدة حق للزوج قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها [ الأحزاب 49 ] فقوله فما لكم عليهن من عدة دليل على أن العدة للرجل على المرأة وأيضا فإنه سبحانه قال وبعولتهن أحق بردهن في ذلك [ البقرة 228 ]

            فجعل الزوج أحق بردها في العدة وهذا حق له . فإذا كانت العدة ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر طالت مدة التربص لينظر في أمره هل يمسكها أو يسرحها كما جعل سبحانه للمؤلي تربص أربعة أشهر لينظر في أمره هل يمسك ويفيء أو يطلق وكان تخيير المطلق كتخيير المؤلي لكن المؤلي جعل له أربعة أشهر كما جعل مدة التسيير أربعة أشهر لينظروا في أمرهم .





            [معنى بلوغ الأجل في العدة ]

            [هل الاغتسال من الحيض ومن تمام العدة شرط في عقد النكاح وفي الوطء]

            ومما يبين ذلك أنه سبحانه قال وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف [ البقرة 231 ] وبلوغ الأجل هو الوصول والانتهاء إليه وبلوغ الأجل في هذه الآية مجاوزته وفي قوله فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف مقاربته ومشارفته ثم فيه قولان أحدهما : أنه حد من الزمان وهو الطعن في الحيضة الثالثة أو انقطاع الدم منها أو من الرابعة وعلى هذا فلا يكون مقدورا لها وقيل بل هو فعلها وهو الاغتسال كما قاله جمهور الصحابة وهذا كما أنه بالاغتسال يحل للزوج وطؤها ويحل لها أن تمكنه من نفسها فالاغتسال عندهم شرط في النكاح الذي هو العقد وفي النكاح الذي هو الوطء .

            وللناس في ذلك أربعة أقوال

            أحدهما : أنه ليس شرطا لا في هذا ولا في هذا كما يقوله من يقول من أهل الظاهر .

            والثاني : أنه شرط فيهما كما قاله أحمد وجمهور الصحابة كما تقدم حكايته عنهم .

            والثالث أنه شرط في نكاح الوطء لا في نكاح العقد كما قاله مالك والشافعي .

            والرابع أنه شرط فيهما أو ما يقوم مقامه وهو الحكم بالطهر بمضي وقت صلاة وانقطاعه لأكثره كما يقوله أبو حنيفة فإذا ارتجعها قبل غسلها كان غسلها لأجل وطئه لها وإلا كان لأجل حلها لغيره وبالاغتسال




            [ ترجيح المصنف أنه عند انقضاء القروء الثلاثة يخير الزوج بين الإمساك أو التسريح ]

            يتحقق كمال الحيض وتمامه كما قال الله تعالى : ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله [ البقرة 222 ] والله سبحانه أمرها أن تتربص ثلاثة قروء فإذا مضت الثلاثة فقد بلغت أجلها وهو سبحانه لم يقل إنها عقيب القرأين تبين من الزوج خير الزوج عند بلوغ الأجل بين الإمساك والتسريح فظاهر القرآن كما فهمه الصحابة رضي الله عنهم أنه عند انقضاء القروء الثلاثة يخير الزوج بين الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان وعلى هذا فيكون بلوغ الأجل في القرآن واحدا لا يكون قسمين بل يكون باستيفاء المدة واستكمالها وهذا كقوله تعالى إخبارا عن أهل النار وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا [ الأنعام 128 ] وقوله فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف [ البقرة 234 ] . وإنما حمل من قال إن بلوغ الأجل هو مقارنته أنها بعد أن تحل للخطاب لا يبقى الزوج أحق برجعتها وإنما يكون أحق بها ما لم تحل لغيره فإذا حل لغيره أن يتزوج بها صار هو خاطبا من الخطاب . ومنشأ هذا ظن أنها ببلوغ الأجل تحل لغيره والقرآن لم يدل على هذا بل القرآن جعل عليها أن تتربص ثلاثة قروء وذكر أنها إذا بلغت أجلها فإما أن تمسك بمعروف وإما أن تسرح بإحسان . وقد ذكر سبحانه هذا الإمساك أو التسريح عقيب الطلاق فقال الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان [ البقرة 229 ] ثم قال وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن [ البقرة 232 ] وهذا هو تزوجها بزوجها الأول المطلق الذي كان أحق بها فالنهي عن عضلهن مؤكد لحق الزوج وليس في القرآن أنها بعد بلوغ الأجل تحل للخطاب بل فيه أنه في هذه الحال إما أن يمسك بمعروف أو يسرح بإحسان فإن سرح بإحسان حلت حينئذ للخطاب وعلى هذا فدلالة القرآن بينة أنها إذا بلغت أجلها وهو انقضاء ثلاثة قروء بانقطاع الدم فإما أن يمسكها قبل أن تغتسل فتغتسل عنده وإما أن يسرحها فتغتسل وتنكح من شاءت وبهذا يعرف قدر فهم الصحابة رضي الله عنهم وأن من بعدهم إنما يكون غاية اجتهاده أن يفهم ما فهموه ويعرف ما قالوه .

            فإن قيل فإذا كان له أن يرتجعها في جميع هذه المدة ما لم تغتسل فلم قيد التخيير ببلوغ الأجل ؟ قيل ليتبين أنها في مدة العدة كانت متربصة لأجل حق الزوج والتربص الانتظار وكانت منتظرة هل يمسكها أو يسرحها ؟ وهذا التخيير ثابت له من أول المدة إلى آخرها كما خير المؤلي بين الفيئة وعدم الطلاق وهنا لما خيره عند بلوغ الأجل كان تخييره قبله أولى وأحرى لكن التسريح بإحسان إنما يمكن إذا بلغت الأجل وقبل ذلك هي في العدة .

            [التسريح هو إرسالها إلى أهلها ]

            وقد قيل إن تسريحها بإحسان مؤثر فيها حين تنقضي العدة ولكن ظاهر القرآن يدل على خلاف ذلك فإنه سبحانه جعل التسريح بإحسان عند بلوغ الأجل ومعلوم أن هذا الترك ثابت من أول المدة فالصواب أن التسريح إرسالها إلى أهلها بعد بلوغ الأجل ورفع يده عنها فإنه كان يملك حبسها مدة العدة فإذا بلغت أجلها فحينئذ إن أمسكها كان له حبسها وإن لم يمسكها كان عليه أن يسرحها بإحسان ويدل على هذا قوله تعالى في المطلقة قبل المسيس فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا [ الأحزاب 49 ] فأمر بالسراح الجميل ولا عدة فعلم أن تخلية سبيلها إرسالها كما يقال سرح الماء والناقة إذا مكنها من الذهاب وبهذا الإطلاق والسراح يكون قد تم تطليقها وتخليتها وقبل ذلك لم يكن الإطلاق تاما وقبل ذلك كان له أن يمسكها وأن يسرحها وكان مع كونه مطلقا قد جعل أحق بها من غيره مدة التربص وجعل التربص ثلاثة قروء لأجله ويؤيد هذا أشياء .

            أحدها : أن الشارع جعل عدة المختلعة حيضة كما ثبتت به السنة وأقر به عثمان بن عفان وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وحكاه أبو جعفر النحاس في " ناسخه ومنسوخه " إجماع الصحابة وهو مذهب إسحاق وأحمد بن حنبل في أصح الروايتين عنه دليلا كما سيأتي تقرير المسألة عن قرب إن شاء الله تعالى . فلما لم يكن على المختلعة رجعة لم يكن عليها عدة بل استبراء بحيضة لأنها لما افتدت منه وبانت ملكت نفسها فلم يكن أحق بإمساكها فلا معنى لتطويل العدة عليها بل المقصود العلم ببراءة رحمها فيكفي مجرد الاستبراء .

            والثاني : أن المهاجرة من دار الحرب قد جاءت السنة بأنها إنما تستبرأ بحيضة ثم تزوج كما سيأتي .

            الثالث أن الله سبحانه لم يشرع لها طلاقا بائنا بعد الدخول إلا الثالثة وكل طلاق في القرآن سواها فرجعي وهو سبحانه إنما ذكر القروء الثلاثة في هذا الطلاق الذي شرعه لهذه الحكمة . وأما المفتدية فليس افتداؤها طلاقا بل خلعا غير محسوب من الثلاث والمشروع فيه حيضة .

            فإن قيل فهذا ينتقض عليكم بصورتين .

            إحداهما : بمن استوفت عدد طلاقها فإنها تعتد ثلاثة قروء ولا يتمكن زوجها من رجعتها .

            الثانية بالمخيرة إذا عتقت تحت حر أو عبد فإن عدتها ثلاثة قروء بالسنة كما في السنن من حديث عائشة رضي الله عنها : أمرت بريرة أن تعتد عدة الحرة وفي " سنن ابن ماجه " : أمرت أن تعتد ثلاث حيض ولا رجعة لزوجها عليها



            [الحكمة من بقاء المبتوتة في بيت الزوج في العدة]
            فالجواب أن الطلاق المحرم للزوجة لا يجب فيه التربص لأجل رجعة الزوج بل جعل حريما للنكاح وعقوبة للزوج بتطويل مدة تحريمها عليه فإنه لو سوغ لها أن تتزوج بعد مجرد الاستبراء بحيضة لأمكن أن يتزوجها الثاني ويطلقها بسرعة إما على قصد التحليل أو بدونه فكان تيسير عودها إلى المطلق والشارع حرمها عليه بعد الثالثة عقوبة له لأن الطلاق الذي أبغض الحلال إلى الله إنما أباح منه قدر الحاجة وهو الثلاث وحرم المرأة بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره وكان من تمام الحكمة أنها لا تنكح حتى تتربص ثلاثة قروء وهذا لا ضرر عليها به فإنها في كل مرة من الطلاق لا تنكح حتى تتربص ثلاثة قروء فكان التربص هناك نظرا في مصلحته لما لم يوقع الثلاث المحرمة وهنا التربص بالثلاث من تمام عقوبته فإنه عوقب بثلاثة أشياء أن حرمت عليه حبيبته وجعل تربصها ثلاثة قروء ولم يجز أن تعود إليه حتى يحظى بها غيره حظوة الزوج الراغب بزوجته المرغوب فيها وفي كل من ذلك عقوبة مؤلمة على إيقاع البغيض إلى الله المكروه له .

            فإذا علم أنه بعد الثالثة لا تحل له إلا بعد تربص وتزوج بزوج آخر وأن الأمر بيد ذلك الزوج ولا بد أن تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها علم أن المقصود أن ييأس منها فلا تعود إليه إلا باختيارها لا باختياره ومعلوم أن الزوج الثاني إذا كان قد نكح نكاح رغبة وهو النكاح الذي شرعه الله لعباده وجعله سببا لمصالحهم في المعاش والمعاد وسببا لحصول الرحمة والوداد فإنه لا يطلقها لأجل الأول بل يمسك امرأته فلا يصير لأحد من الناس اختيار في عودها إليه فإذا اتفق فراق الثاني لها بموت أو طلاق كما يفترق الزوجان اللذان هما زوجان أبيح للمطلق الأول نكاحها كما يباح للرجل نكاح مطلقة الرجل ابتداء وهذا أمر لم يحرمه الله سبحانه في الشريعة الكاملة المهيمنة على جميع الشرائع بخلاف الشريعتين قبلنا فإنه في شريعة التوراة قد قيل إنها متى تزوجت بزوج آخر لم تحل للأول أبدا .

            وفي شريعة الإنجيل قد قيل إنه ليس له أن يطلقها ألبتة فجاءت هذه الشريعة الكاملة الفاضلة على أكمل الوجوه وأحسنها وأصلحها للخلق ولهذا لما كان التحليل مباينا للشرائع كلها




            [مذهب ابن اللبان في عدة المبتوتة التي من ذوات الحيض والآيسة والصغيرة]

            والعقل والفطرة ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المحلل والمحلل له . ولعنه صلى الله عليه وسلم لهما إما خبر عن الله تعالى بوقوع لعنته عليهما أو دعاء عليهما باللعنة وهذا يدل على تحريمه وأنه من الكبائر .

            والمقصود أن إيجاب القروء الثلاث في هذا الطلاق من تمام تأكيد تحريمها على الأول على أنه ليس في المسألة إجماع فذهب ابن اللبان الفرضي صاحب " الإيجاز " وغيره إلى أن المطلقة ثلاثا ليس عليها غير استبراء بحيضة ذكره عنه أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى فقال مسألة إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا بعد الدخول فعدتها ثلاثة أقراء إن كانت من ذوات الأقراء وقال ابن اللبان عليها الاستبراء بحيضة دليلنا قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولم يقف شيخ الإسلام على هذا القول وعلق تسويغه على ثبوت الخلاف فقال إن كان فيه نزاع كان القول بأنه ليس عليها ولا على المعتقة المخيرة إلا الاستبراء قولا متوجها ثم قال ولازم هذا القول أن الآيسة لا تحتاج إلى عدة بعد الطلقة الثالثة . قال وهذا لا نعلم أحدا قاله .

            وقد ذكر الخلاف أبو الحسين فقال مسألة إذا طلق الرجل زوجته ثلاثا وكانت ممن لا تحيض لصغر أو هرم فعدتها ثلاثة أشهر خلافا لابن اللبان أنه لا عدة عليها دليلنا : قوله تعالى : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن . قال شيخنا : وإذا مضت السنة بأن على هذه ثلاثة أقراء لم يجز مخالفتها ولو لم يجمع عليها فكيف إذا كان مع السنة إجماع ؟ قال وقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس : اعتدي قد فهم منه العلماء أنها تعتد ثلاثة قروء فإن الاستبراء قد يسمى



            [عدة الفسخ والخلع ]

            عدة . قلت : كما في حديث أبي سعيد في سبايا أوطاس أنه فسر قوله تعالى : والمحصنات من النساء بالسبايا ثم قال أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن فجعل الاستبراء عدة . قال فأما حديث عائشة رضي الله عنها : أمرت بريرة أن تعتد ثلاث حيض فحديث منكر . فإن مذهب عائشة رضي الله عنها أن الأقراء الأطهار . قلت ومن جعل أن عدة المختلعة حيضة فبطريق الأولى تكون عدة الفسوخ كلها عنده حيضة لأن الخلع الذي هو شقيق الطلاق وأشبه به لا يجب فيه الاعتداد عنده بثلاثة قروء فالفسخ أولى وأحرى من وجوه .

            أحدها : أن كثيرا من الفقهاء يجعل الخلع طلاقا ينقص به عدده بخلاف الفسخ لرضاع ونحوه .

            الثاني : أن أبا ثور ومن وافقه يقولون إن الزوج إذا رد العوض ورضيت المرأة برده وراجعها فلهما ذلك بخلاف الفسخ .

            الثالث أن الخلع يمكن فيه رجوع المرأة إلى زوجها في عدتها بعقد جديد بخلاف الفسخ لرضاع أو عدد أو محرمية حيث لا يمكن عودها إليه فهذه بطريق الأولى يكفيها استبراء بحيضة ويكون المقصود مجرد العلم ببراءة رحمها كالمسبية والمهاجرة والمختلعة والزانية على أصح القولين فيهما دليلا وهما روايتان عن أحمد .




            فصل [الفرق بين عدة الرجعية والبائن ]
            ومما يبين الفرق بين عدة الرجعية والبائن أن عدة الرجعية لأجل الزوج وللمرأة فيها النفقة والسكنى باتفاق المسلمين ولكن سكناها هل هي كسكنى الزوجة فيجوز أن ينقلها المطلق حيث شاء أم يتعين عليها المنزل فلا تخرج ولا تخرج ؟ فيه قولان . وهذا الثاني هو المنصوص عن أحمد وأبي حنيفة وعليه يدل القرآن . والأول قول الشافعي وهو قول بعض أصحاب أحمد .

            والصواب ما جاء به القرآن فإن سكنى الرجعية من جنس سكنى المتوفى عنها ولو تراضيا بإسقاطها لم يجز كما أن العدة فيها كذلك بخلاف البائن فإنها لا سكنى لها ولا عليها فالزوج له أن يخرجها ولها أن تخرج كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس : لا نفقة لك ولا سكنى


            [هل الرجعة حق للزوج ] ؟

            وأما الرجعة فهل هي حق للزوج يملك إسقاطها بأن يطلقها واحدة بائنة أم هي حق لله فلا يملك إسقاطها ؟ ولو قال أنت طالق طلقة بائنة وقعت رجعية أم هي حق لهما فإن تراضيا بالخلع بلا عوض وقع طلاقا بائنا ولا رجعة فيه ؟ فيه ثلاثة أقوال .

            فالأول مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايات عن أحمد .

            والثاني : مذهب الشافعي والرواية الثانية عن أحمد .

            والثالث مذهب مالك والرواية الثالثة عن أحمد .

            والصواب أن الرجعة حق لله تعالى ليس لهما أن يتفقا على إسقاطها وليس له أن يطلقها طلقة بائنة ولو رضيت الزوجة كما أنه ليس لهما أن يتراضيا بفسخ النكاح بلا عوض بالاتفاق .

            فإن قيل فكيف يجوز الخلع بغير عوض في أحد القولين في مذهب مالك وأحمد وهل هذا إلا اتفاق من الزوجين على فسخ النكاح بغير عوض ؟ قيل إنما يجوز أحمد في إحدى الروايتين الخلع بلا عوض إذا كان طلاقا فأما إذا كان فسخا فلا يجوز بالاتفاق قاله شيخنا رحمه الله . قال ولو جاز هذا لجاز أن يتفقا على أن يبينها مرة بعد مرة من غير أن ينقص عدد الطلاق ويكون الأمر إليهما إذا أرادا أن يجعلا الفرقة بين الثلاث جعلاها وإن أرادا لم يجعلاها من الثلاث ويلزم من هذا إذا قالت فادني بلا طلاق أن يبينها بلا طلاق ويكون مخيرا إذا سألته إن شاء أن يجعله رجعيا وإن شاء أن يجعله بائنا وهذا ممتنع فإن مضمونه أنه يخير إن شاء أن يحرمها بعد المرة الثالثة وإن شاء لم يحرمها ويمتنع أن يخير الرجل بين أن يجعل الشيء حلالا وأن يجعله حراما ولكن إنما يخير بين مباحين له وله أن يباشر أسباب الحل وأسباب التحريم وليس له إنشاء نفس التحليل والتحريم والله سبحانه إنما شرع له الطلاق واحدة بعد واحدة ولم يشرع له إيقاعه مرة واحدة لئلا يندم وتزول نزغة الشيطان التي حملته على الطلاق فتتبع نفسه المرأة فلا يجد إليها سبيلا فلو ملكه الشارع أن يطلقها طلقة بائنة ابتداء لكان هذا المحذور بعينه موجودا والشريعة المشتملة على مصالح العباد تأبى ذلك فإنه يبقى الأمر بيدها إن شاءت راجعته وإن شاءت فلا والله سبحانه جعل الطلاق بيد الزوج لا بيد المرأة رحمة منه وإحسانا ومراعاة لمصلحة الزوجين .

            نعم له أن يملكها أمرها باختياره فيخيرها بين القيام معه وفراقها . وإما أن يخرج الأمر عن يد الزوج بالكلية إليها فهذا لا يمكن فليس له أن يسقط حقه من الرجعة ولا يملك ذلك فإن الشارع إنما يملك العبد ما ينفعه ملكه ولا يتضرر به ولهذا لم يملكه أكثر من ثلاث ولا ملكه جمع الثلاث ولا ملكه الطلاق في زمن الحيض والطهر المواقع فيه ولا ملكه نكاح أكثر من أربع ولا ملك المرأة الطلاق وقد نهى سبحانه الرجال أن يؤتوا السفهاء أموالهم التي جعل الله لهم قياما فكيف يجعلون أمر الأبضاع إليهن في الطلاق والرجعة فكما لا يكون الطلاق بيدها لا تكون الرجعة بيدها فإن شاءت راجعته وإن شاءت فلا فتبقى الرجعة موقوفة على اختيارها وإذا كان لا يملك الطلاق البائن فلأن لا يملك الطلاق المحرم ابتداء أولى وأحرى لأن الندم في الطلاق المحرم أقوى منه في البائن . فمن قال إنه لا يملك الإبانة ولو أتى بها لم تبن كما هو قول فقهاء الحديث لزمه أن يقول إنه لا يملك الثلاث المحرمة ابتداء بطريق الأولى والأحرى وأن له رجعتها . وإن أوقعها كان له رجعتها . وإن قال أنت طالق واحدة بائنة فإذا كان لا يملك إسقاط الرجعة فكيف يملك إثبات التحريم الذي لا تعود بعده إلا بزوج وإصابة ؟

            فإن قيل فلازم هذا أنه لا يملكه ولو بعد اثنتين قلنا : ليس ذلك بلازم فإن الله سبحانه ملكه الطلاق على وجه معين وهو أن يطلق واحدة ويكون أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها ثم إن شاء طلق الثانية كذلك ويبقى له واحدة وأخبر أنه إن أوقعها حرمت عليه ولا تعود إليه إلا أن تتزوج غيره ويصيبها ويفارقها فهذا هو الذي ملكه إياه لم يملكه أن يحرمها ابتداء تحريما تاما من غير تقدم تطليقتين . وبالله التوفيق .



            فصل [عدة المختلعة]
            قد ذكرنا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المختلعة أنها تعتد بحيضة وأن هذا مذهب عثمان بن عفان وابن عباس وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه اختارها شيخنا . ونحن نذكر الأحاديث بذلك بإسنادها .

            قال النسائي في " سننه الكبير " : باب في عدة المختلعة . أخبرني أبو علي محمد بن يحيى المروزي حدثنا شاذان عبد العزيز بن عثمان أخو عبدان حدثنا أبي حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير قال أخبرني محمد بن عبد الرحمن أن ربيع بنت معوذ بن عفراء أخبرته أن ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي فجاء أخوها يشتكيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت فقال خذ الذي لها عليك وخل سبيلها فقال نعم فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها

            أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد قال حدثني عمي قال أخبرنا أبي عن ابن إسحاق قال حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن ربيع بنت معوذ قال قلت لها : حدثيني حديثك قالت اختلعت من زوجي ثم جئت عثمان فسألت ماذا علي من العدة قال لا عدة عليك إلا أن يكون حديث عهد بك فتمكثين حتى تحيضي حيضة . قالت وإنما تبع في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريم المغالية كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فاختلعت منه

            وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحيم البزاز عن علي بن بحر القطان عن هشام بن يوسف عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة . ورواه الترمذي عن محمد بن عبد الرحيم بهذا السند بعينه . وقال حديث حسن غريب .

            وهذا كما أنه موجب السنة وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وموافق لأقوال الصحابة فهو مقتضى القياس فإنه استبراء لمجرد العلم ببراءة الرحم فكفت فيه حيضة كالمسبية والأمة المستبرأة والحرة والمهاجرة والزانية إذا أرادت أن تنكح . وقد تقدم أن الشارع من تمام حكمته جعل عدة الرجعية ثلاثة قروء لمصلحة المطلق والمرأة ليطول زمان الرجعة وقد تقدم النقص على هذه الحكمة والجواب عنه .



            ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتداد المتوفى عنها في منزلها الذي توفي زوجها وهي فيه وأنه غير مخالف لحكمه بخروج المبتوتة واعتدادها حيث شاءت
            ثبت في " السنن " : عن زينب بنت كعب بن عجرة عن الفريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم فقتلوه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي فإني لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمر بي فدعيت له فقال كيف قلت ؟ فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي قالت فقال " امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله قالت فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا قالت فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فقضى به واتبعه

            قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وقال أبو عمر بن عبد البر : هذا حديث مشهور معروف عند علماء الحجاز والعراق . وقال أبو محمد بن حزم : هذا الحديث لا يثبت فإن زينب هذه مجهولة لم يرو حديثها غير سعد بن إسحاق بن كعب وهو غير مشهور بالعدالة ومالك رحمه الله وغيره يقول فيه سعد بن إسحاق وسفيان يقول سعيد . وما قاله أبو محمد غير صحيح فالحديث حديث صحيح مشهور في الحجاز والعراق وأدخله مالك في " موطئه " واحتج به وبنى عليه مذهبه .

            وأما قوله إن زينب بنت كعب مجهولة فنعم مجهولة عنده فكان ماذا ؟ وزينب هذه من التابعيات وهي امرأة أبي سعيد روى عنها سعد بن إسحاق بن كعب وليس بسعيد وقد ذكره ا ابن حبان في كتاب الثقات . والذي غر أبا محمد قول علي بن المديني : لم يرو عنها غير سعد بن إسحاق وقد روينا في " مسند الإمام أحمد " : حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة وكانت عند أبي سعيد الخدري عن أبي سعيد قال اشتكى الناس عليا رضي الله عنه فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فسمعته يقول يا أيها الناس لا تشكوا عليا فوالله إنه لأخشن في ذات الله أو في سبيل الله فهذه امرأة تابعية كانت تحت صحابي وروى عنها الثقات ولم يطعن فيها بحرف واحتج الأئمة بحديثها وصححوه .

            وأما قوله إن سعد بن إسحاق غير مشهور بالعدالة فقد قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين : ثقة . وقال النسائي أيضا والدار قطني أيضا : ثقة . وقال أبو حاتم صالح وذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقد روى عنه الناس حماد بن زيد وسفيان الثوري وعبد العزيز الدراوردي وابن جريج ومالك بن أنس ويحيى بن سعيد الأنصاري والزهري وهو أكبر منه وحاتم بن إسماعيل وداود بن قيس وخلق سواهم من الأئمة ولم يعلم فيه قدح ولا جرح البتة ومثل هذا يحتج به اتفاقا .



            [اختلاف الفقهاء في هذه المسألة ]

            [من أفتى بخروج المتوفى عنها زوجها ومن قال تعتد حيث شاءت ]

            وقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم في حكم هذه المسألة فروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها . أنها كانت تفتي المتوفى عنها بالخروج في عدتها وخرجت بأختها أم كلثوم حين قتل عنها طلحة بن عبيد الله إلى مكة في عمرة

            ومن طريق عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء عن ابن عباس أنه قال إنما قال الله عز وجل تعتد أربعة أشهر وعشرا ولم يقل تعتد في بيتها فتعتد حيث شاءت وهذا الحديث سمعه عطاء من ابن عباس فإن علي بن المديني : قال حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عطاء قال سمعت ابن عباس يقول قال الله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ولم يقل يعتددن في بيوتهن تعتد حيث شاءت قال سفيان قاله لنا ابن جريج كما أخبرنا .

            وقال عبد الرزاق : حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول تعتد المتوفى عنها حيث شاءت

            وقال عبد الرزاق عن الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يرحل المتوفى عنهن في عدتهن

            وذكر عبد الرزاق أيضا عن محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاووس وعطاء قالا جميعا : المبتوتة والمتوفي عنها تحجان وتعتمران وتنتقلان وتبيتان .

            وذكر أيضا عن ابن جريج عن عطاء قال لا يضر المتوفى عنها أين اعتدت

            وقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء وأبي الشعثاء قالا جميعا : المتوفى عنها تخرج في عدتها حيث شاءت

            وذكر ابن أبي شيبة حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن حبيب المعلم قال سألت عطاء عن المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها أتحجان في عدتهما ؟ قال نعم . وكان الحسن يقول بمثل ذلك

            وقال ابن وهب : أخبرني ابن لهيعة عن حنين بن أبي حكيم أن امرأة مزاحم لما توفي عنها زوجها بخناصرة سألت عمر بن عبد العزيز أأمكث حتى . تنقضي عدتي ؟ فقال لها : بل الحقي بقرارك ودار أبيك فاعتدي فيها

            قال ابن وهب : وأخبرني يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال في رجل توفي بالإسكندرية ومعه امرأته وله بها دار وله بالفسطاط دار فقال إن أحبت أن تعتد حيث توفي زوجها فلتعتد وإن أحبت أن ترجع إلى دار زوجها وقراره بالفسطاط فتعتد فيها فلترجع

            قال ابن وهب : وأخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج قال سألت سالم بن عبد الله بن عمر عن المرأة يخرج بها زوجها إلى بلد فيتوفى ؟ قال تعتد حيث توفي عنها زوجها أو ترجع إلى بيت زوجها حتى تنقضي عدتها وهذا مذهب أهل الظاهر كلهم .

            ولأصحاب هذا القول حجتان احتج بهما ابن عباس وقد حكينا إحداهما وهي أن الله سبحانه إنما أمرها باعتداد أربعة أشهر وعشر ولم يأمرها بمكان معين .

            والثانية ما رواه أبو داود : حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثنا موسى بن مسعود حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح قال قال عطاء قال ابن عباس : نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها فتعتد حيث شاءت وهو قول الله عز وجل غير إخراج قال عطاء إن شاءت اعتدت عند أهله وسكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت لقول الله عز وجل فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما قال عطاء ثم جاء الميراث فنسخ السكنى تعتد حيث شاءت



            [من قال تعتد في منزلها التي توفي زوجها وهي فيه ]

            وقالت طائفة ثانية من الصحابة والتابعين ومن بعدهم تعتد في منزلها التي توفي زوجها وهي فيه قال وكيع : حدثنا الثوري عن منصور عن مجاهد عن سعيد بن المسيب أن عمر رد نسوة من ذي الحليفة حاجات أو معتمرات توفي عنهن أزواجهن

            وقال عبد الرزاق حدثنا ابن جريج أخبرنا حميد الأعرج عن مجاهد قال كان عمر وعثمان يرجعانهن حاجات ومعتمرات من الجحفة وذي الحليفة

            وذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن يوسف بن ماهك عن أمه مسيكة أن امرأة متوفى عنها زارت أهلها في عدتها فضربها الطلق فأتوا عثمان فقال احملوها إلى بيتها وهي تطلق

            وذكر أيضا عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كانت له ابنة تعتد من وفاة زوجها وكانت تأتيهم بالنهار فتتحدث إليهم فإذا كان الليل أمرها أن ترجع إلى بيتها

            وقال ابن أبي شيبة : حدثنا وكيع عن علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان أن عمر رخص للمتوفى عنها أن تأتي أهلها بياض يومها وأن زيد بن ثابت لم يرخص لها إلا في بياض يومها أو ليلها

            وذكر عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي عن علقمة قال سأل ابن مسعود نساء من همدان نعي إليهن أزواجهن فقلن إنا نستوحش فقال ابن مسعود : تجتمعن بالنهار ثم ترجع كل امرأة منكن إلى بيتها بالليل

            وذكر الحجاج بن المنهال حدثنا أبو عوانة عن منصور عن إبراهيم أن امرأة بعثت إلى أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها : إن أبي مريض وأنا في عدة أفآتيه أمرضه ؟ قالت نعم ولكن بيتي أحد طرفي الليل في بيتك

            وقال سعيد بن منصور : حدثنا هشيم أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أنه سئل عن المتوفى عنها : أتخرج في عدتها ؟ فقال كان أكثر أصحاب ابن مسعود أشد شيء في ذلك يقولون لا تخرج وكان الشيخ - يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه - يرحلها

            وقال حماد بن سلمة : أخبرنا هشام بن عروة أن أباه قال المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها إلا أن ينتوي أهلها فتنتوي معهم

            وقال سعيد بن منصور : حدثنا هشيم أخبرنا يحيى بن سعيد هو الأنصاري أن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وسعيد بن المسيب قالوا في المتوفى عنها : لا تبرح حتى تنقضي عدتها

            وذكر أيضا عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء وجابر كلاهما قال في المتوفى عنها : لا تخرج

            وذكر وكيع عن الحسن بن صالح عن المغيرة عن إبراهيم في المتوفى عنها : لا بأس أن تخرج بالنهار ولا تبيت عن بيتها

            وذكر حماد بن زيد عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين أن امرأة توفي عنها زوجها وهي مريضة فنقلها أهلها ثم سألوا فكلهم يأمرهم أن ترد إلى بيت زوجها قال ابن سيرين : فرددناها في نمط وهذا قول الإمام أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة رحمهم الله وأصحابهم والأوزاعي وأبي عبيد وإسحاق .

            قال أبو عمر بن عبد البر : وبه تقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر .

            وحجة هؤلاء حديث الفريعة بنت مالك وقد تلقاه عثمان بن عفان رضي الله عنه بالقبول وقضى به بمحضر المهاجرين والأنصار وتلقاه أهل المدينة والحجاز والشام والعراق ومصر بالقبول ولم يعلم أن أحدا منهم طعن فيه ولا في رواته وهذا مالك مع تحريه وتشدده في الرواية . وقوله للسائل له عن رجل أثقة هو ؟ فقال لو كان ثقة لرأيته في كتبي : قد أدخله في " موطئه " وبنى عليه مذهبه . قالوا : ونحن لا ننكر النزاع بين السلف في المسألة ولكن السنة تفصل بين المتنازعين .

            قال أبو عمر بن عبد البر : أما السنة فثابتة بحمد الله . وأما الإجماع فمستغنى عنه مع السنة لأن الاختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قول من وافقته السنة .

            وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن الزهري قال أخذ المترخصون في المتوفى عنها بقول عائشة رضي الله عنها وأخذ أهل العزم والورع بقول ابن عمر




            [هل ملازمة المنزل حق على المعتدة أو حق لها ]
            فإن قيل فهل ملازمة المنزل حق عليها أو حق لها ؟ قيل بل هو حق عليها إذا تركه لها الورثة ولم يكن عليها فيه ضرر أو كان المسكن لها فلو حولها الوراث أو طلبوا منها الأجرة لم يلزمها السكن وجاز لها التحول .

            ثم اختلف أصحاب هذا القول هل لها أن تتحول حيث شاءت أو يلزمها التحول إلى أقرب المساكن إلى مسكن الوفاة ؟ على قولين .

            فإن خافت هدما أو غرقا أو عدوا أو نحو ذلك أو حولها صاحب المنزل لكونه عارية رجع فيها أو بإجارة انقضت مدتها أو منعها السكنى تعديا أو امتنع من إجارته أو طلب به أكثر من أجر المثل أو لم تجد ما تكتري به أو لم تجد إلا من مالها فلها أن تنتقل لأنها حال عذر ولا يلزمها بذل أجر المسكن وإنما الواجب عليها فعل السكنى لا تحصيل المسكن وإذا تعذرت السكنى سقطت وهذا قول أحمد والشافعي .




            [هل الإسكان حق على الورثة يقدم على الغرماء ]

            فإن قيل فهل الإسكان حق على الورثة تقدم الزوجة به على الغرماء وعلى الميراث أم لا حق لها في التركة سوى الميراث ؟ قيل هذا موضوع اختلف فيه .

            فقال الإمام أحمد : إن كانت حائلا فلا سكنى لها في التركة ولكن عليها ملازمة المنزل إذا بذل لها كما تقدم وإن كانت حاملا ففيه روايتان إحداهما أن الحكم كذلك .

            والثاني : أن لها السكنى حق ثابت في المال تقدم به على الورثة والغرماء ويكون من رأس المال لا تباع الدار في دينه بيعا يمنعها سكناها حتى تنقضي عدتها وإن تعذر ذلك فعلى الوارث أن يكتري لها سكنا من مال الميت .

            فإن لم يفعل أجبره الحاكم وليس لها أن تنتقل عنه إلا لضرورة . وإن اتفق الوارث والمرأة على نقلها عنه لم يجز لأنه يتعلق بهذه السكنى حق الله تعالى فلم يجز اتفاقهما على إبطالها بخلاف سكنى النكاح فإنها حق لله تعالى لأنها وجبت من حقوق العدة والعدة فيها حق للزوجين .

            والصحيح المنصوص أن سكنى الرجعية كذلك ولا يجوز اتفاقهما على إبطالها هذا مقتضى نص الآية وهو منصوص أحمد وعنه رواية ثالثة أن للمتوفى عنها السكنى بكل حال حاملا كانت أو حائلا فصار في مذهبه ثلاث روايات وجوبها للحامل والحائل وإسقاطها في حقهما ووجوبها للحامل دون الحائل هذا تحصيل مذهب أحمد في سكنى المتوفى عنها .

            يتبع
            أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
            وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

            Comment

            • اخت مسلمة
              محاور
              • Nov 2005
              • 6338

              #51
              وأما مذهب مالك فإيجاب السكنى لها حاملا كانت أو حائلا وإيجاب السكنى عليها مدة العدة قال أبو عمر : فإذا كان المسكن بكراء ؟ فقال مالك : هي أحق بسكناه من الورثة والغرماء وهو من رأس مال المتوفى إلا أن يكون فيه عقد لزوجها وأراد أهل المسكن إخراجها .

              وإذا كان المسكن لزوجها لم يبع في دينه حتى تنقضي عدتها انتهى كلامه .

              وقال غيره من أصحاب مالك : هي أحق بالسكنى من الورثة والغرماء إذا كان الملك للميت أو كان قد أدى كراءه وإن لم يكن قد أدى ففي " التهذيب " : لا سكنى لها في مال الميت وإن كان موسرا وروى محمد عن مالك : الكراء لازم للميت في ماله ولا تكون الزوجة أحق به وتحاص الورثة في السكنى وللورثة إخراجها إلا أن تحب أن تسكن في حصتها وتؤدي كراء حصتهم .




              وأما مذهب الشافعي : فإن له في سكنى المتوفى عنها قولين أحدهما : لها السكنى حاملا كانت أو حائلا .

              والثاني : لا سكنى لها حاملا كانت أو حائلا ويجب عنده ملازمتها للمسكن في العدة بائنا كانت أو متوفى عنها وملازمة البائن للمنزل عنده آكد من ملازمة المتوفى عنها فإنه يجوز للمتوفى عنها الخروج نهارا لقضاء حوائجها ولا يجوز ذلك في البائن في أحد قوليه وهو القديم ولا يوجبه في الرجعية بل يستحبه .

              وأما أحمد فعنده ملازمة المتوفى عنها آكد من الرجعية ولا يوجبه في البائن . وأورد أصحاب الشافعي رحمه الله على نصه بوجوب ملازمة المنزل على المتوفى عنها مع نصه في أحد القولين على أنه لا سكنى لها سؤالا . وقالوا : كيف يجتمع النصان وأجابوا بجوابين .

              أحدهما : أنه لا تجب عليها ملازمة المسكن على ذلك القول لكن لو ألزم الوارث أجرة المسكن وجبت عليها الملازمة حينئذ وأطلق أكثر أصحابه الجواب هكذا .

              والثاني : أن ملازمة المنزل واجبة عليها ما لم يكن عليها فيه ضرر بأن تطالب بالأجرة أو يخرجها الوارث أو المالك فتسقط حينئذ .

              وأما أصحاب أبي حنيفة فقالوا : لا يجوز للمطلقة الرجعية ولا للبائن الخروج من بيتها ليلا ولا نهارا وأما المتوفى عنها فتخرج نهارا وبعض الليل ولكن لا تبيت في منزلها قالوا : والفرق أن المطلقة نفقتها في مال زوجها .

              فلا يجوز لها الخروج كالزوجة بخلاف المتوفى عنها فإنها لا نفقة لها فلا بد أن تخرج بالنهار لإصلاح حالها قالوا : وعليها أن تعتد في المنزل الذي يضاف إليها بالسكنى حال وقوع الفرقة قالوا : فإن كان نصيبها من دار الميت لا يكفيها أو أخرجها الورثة من نصيبهم انتقلت لأن هذا عذر والكون في بيتها عبادة والعبادة تسقط بالعذر قالوا : فإن عجزت عن كراء البيت الذي هي فيه لكثرته فلها أن تنتقل إلى بيت أقل كراء منه وهذا من كلامهم يدل على أن أجرة السكن عليها وإنما يسقط السكن عنها لعجزها عن أجرته ولهذا صرحوا بأنها تسكن في نصيبها من التركة إن كفاها وهذا لأنه لا سكنى عندهم للمتوفى عنها حاملا كانت أو حائلا وإنما عليها أن تلزم مسكنها الذي توفي زوجها وهي فيه ليلا لا نهارا فإن بذله لها الورثة وإلا كانت الأجرة عليها فهذا تحرير مذاهب الناس في هذه المسألة ومأخذ الخلاف فيها وبالله التوفيق .

              ولقد أصاب فريعة بنت مالك في هذا الحديث نظير ما أصاب فاطمة بنت قيس في حديثها فقال بعض المنازعين في هذه المسألة لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة فإن الله سبحانه إنما أمرها بالاعتداد أربعة أشهر وعشرا ولم يأمرها بالمنزل . وقد أنكرت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وجوب المنزل وأفتت المتوفى عنها بالاعتداد حيث شاءت كما أنكرت حديث فاطمة بنت قيس وأوجبت السكنى للمطلقة .

              وقال بعض من نازغ في حديث الفريعة قد قتل من الصحابة رضي الله عنهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق كثير يوم أحد ويوم بئر معونة ويوم مؤتة وغيرها واعتد أزواجهم بعدهم فلو كان كل امرأة منهن تلازم منزلها زمن العدة لكان ذلك من أظهر الأشياء وأبينها بحيث لا يخفى على من هو دون ابن عباس وعائشة فكيف خفي هذا عليهما وعلى غيرهما من الصحابة الذين حكى أقوالهم مع استمرار العمل به استمرارا شائعا هذا من أبعد الأشياء ثم لو كانت السنة جارية بذلك لم تأت الفريعة تستأذنه صلى الله عليه وسلم أن تلحق بأهلها ولما أذن لها في ذلك ثم يأمر بردها بعد ذهابها ويأمرها بأن تمكث في بيتها فلو كان ذلك أمرا مستمرا ثابتا لكان قد نسخ بإذنه لها في اللحاق بأهلها ثم نسخ ذلك الإذن بأمره لها بالمكث في بيتها فيفضي إلى تغيير الحكم مرتين وهذا لا عهد لنا به في الشريعة في موضع متيقن .

              قال الآخرون ليس في هذا ما يوجب رد هذه السنة الصحيحة الصريحة التي تلقاها أمير المؤمنين عثمان بن عفان وأكابر الصحابة بالقبول ونفذها عثمان وحكم بها ولو كنا لا نقبل رواية النساء عن النبي صلى الله عليه وسلم لذهبت سنن كثيرة من سنن الإسلام لا يعرف أنه رواها عنه إلا النساء وهذا كتاب الله ليس فيه ما ينبغي وجوب الاعتداد في المنزل حتى تكون السنة مخالفة له بل غايتها أن تكون بيانا لحكم سكت عنه الكتاب ومثل هذا لا ترد به السنن وهذا الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينه أن تترك السنة إذا لم يكن نظير حكمها في الكتاب .

              وأما ترك أم المؤمنين رضي الله عنها لحديث الفريعة - فلعله لم يبلغها ولو بلغها فلعلها تأولته ولو لم تتأوله فلعله قام عندها معارض له وبكل حال فالقائلون به في تركهم لتركها لهذا الحديث أعذر من التاركين له لترك أم المؤمنين له فبين التركين فرق عظيم .

              وأما من قتل مع النبي صلى الله عليه وسلم ومن مات في حياته فلم يأت قط أن نساءهم كن يعتددن حيث شئن ولم يأت عنهن ما يخالف حكم حديث فريعة البتة فلا يجوز ترك السنة الثابتة لأمر لا يعلم كيف كان ولو علم أنهن كن يعتددن حيث شئن ولم يأت عنهن ما يخالف حكم حديث الفريعة فلعل ذلك قبل استقرار هذا الحكم وثبوته حيث كان الأصل براءة الذمة وعدم الوجوب .

              وقد ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير قال قال مجاهد : استشهد رجال يوم أحد فجاء نساؤهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن إنا نستوحش يا رسول الله بالليل فنبيت عند إحدانا حتى إذا أصبحنا تبددنا في بيوتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن فإذا أردتن النوم فلتؤب كل امرأة إلى بيتها

              وهذا وإن كان مرسلا فالظاهر أن مجاهدا إما أن يكون سمعه من تابعي ثقة أو من صحابي والتابعون لم يكن الكذب معروفا فيهم وهم ثاني القرون المفضلة وقد شاهدوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذوا العلم عنهم وهم خير الأمة بعدهم فلا يظن بهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الرواية عن الكذابين ولا سيما العالم منهم إذا جزم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرواية وشهد له بالحديث فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر ونهى فيبعد كل البعد أن يقدم على ذلك مع كون الواسطة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم كذابا أو مجهولا وهذا بخلاف مراسيل من بعدهم فكلما تأخرت القرون ساء الظن بالمراسيل ولم يشهد بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالجملة فليس الاعتماد على هذا المرسل وحده وبالله التوفيق .



              ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحداد المعتدة نفيا وإثباتا
              ثبت في " الصحيحين " : عن حميد بن نافع عن زينب بنت أبي سلمة أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة قالت زينب : دخلت على أم حبيبة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان فدعت أم حبيبة رضي الله عنها بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا

              قالت زينب : ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست منه ثم قالت والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا

              قالت زينب : وسمعت أمي أم سلمة رضي الله عنها تقول جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن بنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا " مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول " لا " ثم قال إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول

              فقالت زينب : كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى يمر بها سنة ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره . قال مالك تفتض تمسح به جلدها .

              وفي " الصحيحين " : عن أم سلمة رضي الله عنها أن امرأة توفي عنها زوجها فخافوا على عينها فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنوه في الكحل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد كانت إحداكن تكون في شر بيتها أو في شر أحلاسها في بيتها حولا فإذا مر كلب رمت ببعرة فخرجت أفلا أربعة أشهر وعشرا

              وفي " الصحيحين " عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تحد المرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار

              وفي " سنن أبي داود " : من حديث الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تكتحل ولا تختضب

              وفي " سننه " أيضا : من حديث ابن وهب أخبرني مخرمة عن أبيه قال سمعت المغيرة بن الضحاك يقول أخبرتني أم حكيم بنت أسيد عن أمها أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينيها فتكتحل بالجلاء .

              قال أحمد بن صالح رحمه الله الصواب بكحل الجلاء فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة رضي الله عنها فسألتها عن كحل الجلاء فقالت لا تكتحلي به إلا من أمر لا بد منه يشتد عليك فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار ثم قالت عند ذلك أم سلمة دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرا فقال " ما هذا يا أم سلمة ؟ فقلت : إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب . فقال " إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب " قالت قلت : بأي شيء امتشط يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال " بالسدر تغلفين به رأسك



              [وجوب الإحداد وجوازه ]

              وقد تضمنت هذه السنة أحكاما عديدة . أحدها : أنه لا يجوز الإحداد على ميت فوق ثلاثة أيام كائنا من كان إلا الزوج وحده .

              وتضمن الحديث الفرق بين الإحدادين من وجهين .

              أحدهما : من جهة الوجوب والجواز فإن الإحداد على الزوج واجب وعلى غيره جائز .



              [مدة الإحداد ]

              الثاني : من مقدار مدة الإحداد فالإحداد على الزوج عزيمة وعلى غيره رخصة وأجمعت الأمة على وجوبه على المتوفى عنها زوجها إلا ما حكي عن الحسن والحكم بن عتيبة .

              أما الحسن فروى حماد بن سلمة عن حميد عنه أن المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها زوجها تكتحلان وتمتشطان وتتطيبان وتختضبان وتنتقلان وتصنعان ما شاءتا وأما الحكم فذكر عنه شعبة : أن المتوفى عنها لا تحد

              قال ابن حزم : واحتج أهل هذه المقالة ثم ساق من طريق أبي الحسن محمد بن عبد السلام حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة حدثنا الحكم بن عتيبة عن عبد الله بن شداد بن الهاد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لامرأة جعفر بن أبي طالب : إذا كان ثلاثة أيام فالبسي ما شئت أو إذا كان بعد ثلاثة أيام شعبة شك .

              ومن طريق حماد بن سلمة حدثنا الحجاج بن أرطاة عن الحسن بن سعد عن عبد الله بن شداد أن أسماء بنت عميس استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تبكي على جعفر وهي امرأته فأذن لها ثلاثة أيام ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام أن تطهري واكتحلي

              قالوا : وهذا ناسخ لأحاديث الإحداد لأنه بعدها فإن أم سلمة رضي الله عنها روت حديث الإحداد وأنه صلى الله عليه وسلم أمرها به إثر موت أبي سلمة ولا خلاف أن موت أبي سلمة كان قبل موت جعفر رضي الله عنهما .

              وأجاب الناس عن ذلك بأن هذا حديث منقطع فإن عبد الله بن شداد بن الهاد لم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رآه فكيف يقدم حديثه على الأحاديث الصحيحة المسندة التي لا مطعن فيها ؟ وفي الحديث الثاني : الحجاج بن أرطاة ولا يعارض بحديثه حديث الأئمة الأثبات الذين هم فرسان الحديث .




              فصل [ تبعية الإحداد للعدة ]
              الحكم الثاني : إن الإحداد تابع للعدة بالشهور أما الحامل فإذا انقضى حملها سقط وجوب الإحداد عنها اتفاقا فإن لها أن تتزوج وتتجمل وتتطيب لزوجها وتتزين له ما شاءت .

              فإن قيل فإذا زادت مدة الحمل على أربعة أشهر وعشر فهل يسقط وجوب الإحداد أم يستمر إلى حين الوضع ؟ قيل بل يستمر الإحداد إلى حين الوضع فإنه من توابع العدة ولهذا قيد بمدتها وهو حكم من أحكام العدة وواجب من واجباتها فكان معها وجودا وعدما .




              فصل [تستوي الزوجات بالإحداد حتى الكافرة والأمة والصغيرة ]
              الحكم الثالث أن الإحداد تستوي فيه جميع الزوجات المسلمة والكافرة والحرة والأمة الصغيرة والكبيرة وهذا قول الجمهور أحمد والشافعي ومالك . إلا أن أشهب وابن نافع قالا لا إحداد على الذمية رواه أشهب عن مالك وهو قول أبي حنيفة ولا إحداد عنده على الصغيرة .

              واحتج أرباب هذا القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإحداد من أحكام من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا تدخل فيه الكافرة ولأنها غير مكلفة بأحكام الفروع .

              قالوا : وعدوله عن اللفظ العام المطلق إلى الخاص المقيد بالإيمان يقتضي أن هذا من أحكام الإيمان ولوازمه وواجباته فكأنه قال من التزم الإيمان فهذا من شرائعه وواجباته .

              والتحقيق أن نفي حل الفعل عن المؤمنين لا يقتضي نفي حكمه عن الكفار ولا إثبات لهم أيضا وإنما يقتضي أن من التزم الإيمان وشرائعه فهذا لا يحل له ويجب على كل حال أن يلزم الإيمان وشرائعه ولكن لا يلزمه الشارع شرائع الإيمان إلا بعد دخوله فيه وهذا كما لو قيل لا يحل لمؤمن أن يترك الصلاة والحج والزكاة فهذا لا يدل على أن ذلك حل للكافر وهذا كما قال في لباس الحرير لا ينبغي هذا للمتقين فلا يدل أنه ينبغي لغيرهم .

              وكذا قوله لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانا

              وسر المسألة أن شرائع الحلال والحرام والإيجاب إنما شرعت لمن التزم أصل الإيمان ومن لم يلتزمه وخلي بينه وبين دينه فإنه يخلى بينه وبين شرائع الدين الذي التزمه كما خلي بينه وبين أصله ما لم يحاكم إلينا وهذه القاعدة متفق عليها بين العلماء ولكن عذر الذين أوجبوا الإحداد على الذمية أنه يتعلق به حق الزوج المسلم وكان منه إلزامها به كأصل العدة ولهذا لا يلزمونها به في عدتها من الذمي ولا يتعرض لها فيها فصار هذا كعقودهم مع المسلمين فإنهم يلزمون فيها بأحكام الإسلام وإن لم يتعرض لعقودهم مع بعضهم بعضا ومن ينازعهم في ذلك يقولون الإحداد حق لله تعالى ولهذا لو اتفقت هي والأولياء والمتوفى على سقوطه بأن أوصاها بتركه لم يسقط ولزمها الإتيان به فهو جار مجرى العبادات وليست الذمية من أهلها فهذا سر المسألة .



              فصل [ لا يجب الإحداد على الأمة ولا أم الولد ]
              الحكم الرابع أن الإحداد لا يجب على الأمة ولا أم الولد إذا مات سيدهما لأنهما ليسا بزوجين . قال ابن المنذر : لا أعلمهم يختلفون في ذلك .

              فإن قيل فهل لهما أن تحدا ثلاثة أيام ؟ قيل نعم لهما ذلك فإن النص إنما حرم الإحداد فوق الثلاث على غير الزوج وأوجبه أربعة أشهر وعشرا على الزوج فدخلت الأمة وأم الولد فيمن يحل لهن الإحداد لا فيمن يحرم عليهن ولا فيمن يجب .



              [لا إحداد على غير المتوفى عنها زوجها ]
              فإن قيل فهل يجب على المعتدة من طلاق أو وطء شبهة أو زنى أو استبراء إحداد ؟

              قلنا : هذا هو الحكم الخامس الذي دلت عليه السنة أنه لا إحداد على واحدة من هؤلاء لأن السنة أثبتت ونفت فخصت بالإحداد الواجب الزوجات وبالجائز غيرهن على الأموات خاصة وما عداهما فهو داخل في حكم التحريم على الأموات فمن أين لكم دخوله في الإحداد على المطلقة البائن ؟ وقد قال سعيد بن المسيب وأبو عبيد وأبو ثور وأبو حنيفة وأصحابه والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه اختارها الخرقي إن البائن يجب عليها الإحداد وهو محض القياس لأنها معتدة بائن من نكاح فلزمها الإحداد كالمتوفى عنها لأنهما اشتركا في العدة واختلفا في سببها ولأن العدة تحرم النكاح فحرمت دواعيه .

              قالوا : ولا ريب أن الإحداد معقول المعنى وهو أن إظهار الزينة والطيب والحلي مما يدعو المرأة إلى الرجال ويدعو الرجال إليها : فلا يؤمن أن تكذب في انقضاء عدتها استعجالا لذلك فمنعت من دواعي ذلك وسدت إليه الذريعة هذا مع أن الكذب في عدة الوفاة يتعذر غالبا بظهور موت الزوج وكون العدة أياما معدودة بخلاف عدة الطلاق فإنها بالأقراء وهي لا تعلم إلا من جهتها فكان الاحتياط لها أولى .

              قيل قد أنكر الله سبحانه وتعالى على من حرم زينته التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق . وهذا يدل على أنه لا يجوز أن يحرم من الزينة إلا ما حرمه الله ورسوله والله سبحانه قد حرم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم زينة الإحداد على المتوفى عنها مدة العدة وأباح رسوله الإحداد بتركها على غير الزوج فلا يجوز تحريم غير ما حرمه بل هو على أصل الإباحة وليس الإحداد من لوازم العدة ولا توابعها ولهذا لا يجب على الموطوءة بشبهة ولا المزني بها ولا المستبرأة ولا الرجعية اتفاقا وهذا القياس أولى من قياسها على المتوفى عنها لما بين العدتين من القروء قدرا أو سببا وحكما فإلحاق عدة الأقراء بالأقراء أولى من إلحاق عدة الأقراء بعدة الوفاة وليس المقصود من الإحداد على الزوج الميت مجرد ما ذكرتم من طلب الاستعجال فإن العدة فيه لم تكن لمجرد العلم ببراءة الرحم ولهذا تجب قبل الدخول وإنما هو من تعظيم هذا العقد وإظهار خطره وشرفه وأنه عند الله بمكان فجعلت العدة حريما له وجعل الإحداد من تمام هذا المقصود وتأكده ومزيد الاعتناء به حتى جعلت الزوجة أولى بفعله على زوجها من أبيها وابنها وأخيها وسائر أقاربها وهذا من تعظيم هذا العقد وتشريفه وتأكد الفرق بينه وبين السفاح من جميع أحكامه ولهذا شرع في ابتدائه إعلانه والإشهاد عليه والضرب بالدف لتحقق المضادة بينه وبين السفاح وشرع في آخره وانتهائه من العدة والإحداد ما لم يشرع في غيره .



              فصل [الخصال التي تجتنبها الحادة ]
              الحكم السادس في الخصال التي تجتنبها الحادة وهي التي دل عليها النص دون الآراء والأقوال التي لا دليل عليها وهي أربعة .

              الطيب أحدها : الطيب بقوله في الحديث الصحيح لا تمس طيبا ولا خلاف في تحريمه عند من أوجب الإحداد ولهذا لما خرجت أم حبيبة رضي الله عنها من إحدادها على أبيها أبي سفيان دعت بطيب فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها ثم ذكرت الحديث ويدخل في الطيب المسك والعنبر والكافور والند والغالية والزباد والذريرة والبخور والأدهان المطيبة كدهن البان والورد والبنفسج والياسمين والمياه المعتصرة من الأدهان الطيبة كماء الورد وماء القرنفل وماء زهر النارنج فهذا كله طيب ولا يدخل فيه الزيت ولا الشيرج ولا السمن ولا تمنع من الأدهان بشيء من ذلك .



              فصل [ تجتنب الحادة الزينة في بدنها ]

              الحكم السابع وهي ثلاثة أنواع . أحدها : الزينة في بدنها فيحرم عليها الخضاب والنقش والتطريف والحمرة والاسفيداج فإن النبي صلى الله عليه وسلم نص على الخضاب منبها به على هذه الأنواع التي هي أكثر زينة منه وأعظم فتنة وأشد مضادة لمقصود الإحداد ومنها : الكحل والنهي عنه ثابت بالنص بالصريح الصحيح .

              ثم قال طائفة من أهل العلم من السلف والخلف منهم أبو محمد بن حزم : لا تكتحل ولو ذهبت عيناها لا ليلا ولا نهارا ويساعد قولهم حديث أم سلمة المتفق عليه أن امرأة توفي عنها زوجها فخافوا على عينها فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنوه في الكحل فما أذن فيه بل قال " لا " مرتين أو ثلاثا ثم ذكر لهم ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من الإحداد البليغ سنة ويصبرن على ذلك أفلا يصبرن أربعة أشهر وعشرا

              ولا ريب أن الكحل من أبلغ الزينة فهو كالطيب أو أشد منه . وقال بعض الشافعية : للسوداء أن تكتحل وهذا تصرف مخالف للنص والمعنى وأحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفرق بين السود والبيض كما لا تفرق بين الطوال والقصار ومثل هذا القياس بالرأي الفاسد الذي اشتد نكير السلف له وذمهم إياه .

              وأما جمهور العلماء كمالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي وأصحابهم فقالوا : إن اضطرت إلى الكحل بالإثمد تداويا لا زينة فلها أن تكتحل به ليلا وتمسحه نهارا وحجتهم حديث أم سلمة المتقدم رضي الله عنها فإنها قالت في كحل الجلاء لا تكتحل إلا لما لا بد منه يشتد عليك فتكتحلين بالليل وتغسلينه بالنهار

              ومن حجتهم حديث أم سلمة رضي الله عنها الآخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وقد جعلت عليها صبرا فقال ما هذا يا أم سلمة ؟ فقلت : صبر يا رسول الله ليس فيه طيب فقال إنه يشب الوجه فقال " لا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار وهما حديث واحد فرقه الرواة وأدخل مالك هذا القدر منه في " موطئه " بلاغا وذكر أبو عمر في " التمهيد " له طرقا يشد بعضها بعضا ويكفي احتجاج مالك به وأدخله أهل السنن في كتبهم واحتج به الأئمة وأقل درجاته أن يكون حسنا ولكن حديثها هذا مخالف في الظاهر لحديثها المسند المتفق عليه فإنه يدل على المتوفى عنها لا تكتحل بحال فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن للمشتكية عينها في الكحل لا ليلا ولا نهارا ولا من ضرورة ولا غيرها وقال " لا " مرتين أو ثلاثا ولم يقل إلا أن تضطر .

              وقد ذكر مالك عن نافع عن صفية ابنة عبيد أنها اشتكت عينها وهي حاد على زوجها عبد الله بن عمر فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمصان

              قال أبو عمر وهذا عندي وإن كان ظاهره مخالفا لحديثها الآخر لما فيه من إباحته بالليل وقوله في الحديث الآخر " لا " مرتين أو ثلاثا على الإطلاق أن ترتيب الحديثين والله أعلم على أن الشكاة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لا لم تبلغ - والله أعلم - منها مبلغا لا بد لها فيه من الكحل فلذلك نهاها ولو كانت محتاجة مضطرة تخاف ذهاب بصرها لأباح لها ذلك كما فعل بالتي قال لها : اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار والنظر يشهد لهذا التأويل لأن الضرورات تنقل المحظورات إلى حال المباح في الأصول ولهذا جعل مالك فتوى أم سلمة رضي الله عنها تفسيرا للحديث المسند في الكحل لأن أم سلمة رضي الله عنها روته وما كانت لتخالفه إذا صح عندها وهي أعلم بتأويله ومخرجه والنظر يشهد لذلك لأن المضطر إلى شيء لا يحكم له بحكم المرفه المتزين بالزينة وليس الدواء والتداوي من الزينة في شيء وإنما نهيت الحادة عن الزينة لا عن التداوي وأم سلمة رضي الله عنها أعلم بما روت مع صحته في النظر وعليه أهل الفقه وبه قال مالك والشافعي وأكثر الفقهاء .

              وقد ذكر مالك رحمه الله في " موطئه " أنه بلغه عن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار أنهما كانا يقولان في المرأة يتوفى عنها زوجها : إنها إذا خشيت على بصرها من رمد بعينيها أو شكوى أصابتها أنها تكتحل وتتداوى بالكحل وإن كان فيه طيب .

              قال أبو عمر لأن القصد إلى التداوي لا إلى التطيب والأعمال بالنيات .

              وقال الشافعي رحمه الله الصبر يصفر فيكون زينة وليس بطيب وهو كحل الجلاء فأذنت أم سلمة رضي الله عنها للمرأة بالليل حيث لا ترى وتمسحه بالنهار حيث يرى وكذلك ما أشبهه .

              وقال أبو محمد ابن قدامة في " المغني " : وإنما تمنع الحادة من الكحل بالإثمد لأنه الذي تحصل به الزينة فأما الكحل بالتوتيا والعنزروت ونحوهما فلا بأس به لأنه لا زينة فيه بل يقبح العين ويزيدها مرها .

              قال ولا تمنع من جعل الصبر على غير وجهها من بدنها لأنه إنما منع منه في الوجه لأنه يصفره فيشبه الخضاب فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إنه يشب الوجه

              قال ولا تمنع من تقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق الشعر المندوب إلى حلقه ولا من الاغتسال بالسدر والامتشاط به لحديث أم سلمة رضي الله عنها ولأنه يراد للتنظيف لا للتطيب وقال إبراهيم بن هانئ النيسابوري في " مسائله " قيل لأبي عبد الله المتوفى عنها تكتحل بالإثمد ؟ قال لا ولكن إذا أرادت اكتحلت بالصبر إذا خافت على عينها واشتكت شكوى شديدة .


              افتراضي

              فصل [تجتنب الحادة زينة الثياب ]

              النوع الثاني : زينة الثياب فيحرم عليها ما نهاها عنه النبي صلى الله عليه وسلم وما هو أولى بالمنع منه وما هو مثله . وقد صح عنه أنه قال " ولا تلبس ثوبا مصبوغا " . وهذا يعم المعصفر والمزعفر وسائر المصبوغ بالأحمر والأصفر والأخضر والأزرق الصافي وكل ما يصبغ للتحسين والتزيين .

              وفي اللفظ الآخر ولا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشق وههنا نوعان آخران .

              أحدهما : مأذون فيه وهو ما نسج من الثياب على وجهه ولم يدخل فيه صبغ من خز أو قز أو قطن أو كتان أو صوف أو وبر أو شعر أو صبغ غزله ونسج مع غيره كالبرود .

              والثاني : ما لا يراد بصبغه الزينة مثل السواد وما صبغ لتقبيح أو ليستر الوسخ فهذا لا يمنع منه .

              قال الشافعي رحمه الله في الثياب زينتان . إحداهما : جمال الثياب على اللابسين والسترة للعورة . فالثياب زينة لمن يلبسها وإنما نهيت الحادة عن زينة بدنها ولم تنه عن ستر عورتها فلا بأس أن تلبس كل ثوب من البياض لأن البياض ليس بمزين وكذلك الصوف والوبر وكل ما ينسج على وجهه ولم يدخل عليه صبغ من خز أو غيره وكذلك كل صبغ لم يرد به تزيين الثوب مثل السواد وما صبغ لتقبيحه أو لنفي الوسخ عنه فأما ما كان من زينة أو وشي في ثوبه أو غيره فلا تلبسه الحادة وذلك لكل حرة أو أمة كبيرة أو صغيرة مسلمة أو ذمية . انتهى كلامه .

              قال أبو عمر : وقول الشافعي رحمه الله في هذا الباب نحو قول مالك وقال أبو حنيفة : لا تلبس ثوب عصب ولا خز وإن لم يكن مصبوغا إذا أرادت به الزينة وإن لم ترد بلبس الثوب المصبوغ الزينة فلا بأس أن تلبسه .

              وإذا اشتكت عينها اكتحلت بالأسود وغيره وإن لم تشتك عينها لم تكتحل .



              فصل

              وأما الإمام أحمد رحمه الله فقال في رواية أبي طالب ولا تتزين المعتدة ولا تتطيب بشيء من الطيب ولا تكتحل بكحل زينة وتدهن بدهن ليس فيه طيب ولا تقرب مسكا ولا زعفرانا للطيب والمطلقة واحدة أو اثنتين تتزين وتتشوف لعله أن يراجعها . وقال أبو داود في " مسائله " : سألت أحمد قال المتوفى عنها زوجها والمطلقة ثلاثا والمحرمة يجتنبن الطيب والزينة .

              وقال حرب في " مسائله " : سألت أحمد رحمه الله قلت : المتوفى عنها زوجها والمطلقة هل تلبسان البرد ليس بحرير ؟ فقال لا تتطيب المتوفى عنها ولا تتزين بزينة وشدد في الطيب إلا أن يكون قليلا عند طهرها .

              ثم قال وشبهت المطلقة ثلاثا بالمتوفى عنها لأنه ليس لزوجها عليها رجعة ثم ساق حرب بإسناده إلى أم سلمة قال المتوفى عنها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا تختضب ولا تكتحل ولا تتطيب ولا تمتشط بطيب .

              وقال إبراهيم بن هانئ النيسابوري في " مسائله " : سألت أبا عبد الله عن المرأة تنتقب في عدتها أو تدهن في عدتها ؟ قال لا بأس به وإنما كره للمتوفى عنها زوجها أن تتزين .

              وقال أبو عبد الله : كل دهن فيه طيب فلا تدهن به فقد دار كلام الإمام أحمد والشافعي وأبي حنيفة رحمهم الله على أن الممنوع منه من الثياب ما كان من لباس الزينة من أي نوع كان وهذا هو الصواب قطعا فإن المعنى الذي منعت من المعصفر والممشق لأجله مفهوم والنبي صلى الله عليه وسلم خصه بالذكر مع المصبوغ تنبيها على ما هو مثله وأولى بالمنع فإذا كان الأبيض والبرود المحبرة الرفيعة الغالية الأثمان مما يراد للزينة لارتفاعهما وتناهي جودتهما كان أولى بالمنع من الثوب المصبوغ .

              وكل من عقل عن الله ورسوله لم يسترب في ذلك لا كما قال أبو محمد بن حزم : إنها تجتنب الثياب المصبغة فقط ومباح لها أن تلبس بعد ما شاءت من حرير أبيض وأصفر من لونه الذي لم يصبغ وصوف البحر الذي هو لونه وغير ذلك .

              ومباح لها أن تلبس المنسوج بالذهب والحلي كله من الذهب والفضة والجوهر والياقوت والزمرد وغير ذلك فهي خمسة أشياء تجتنبها فقط وهي الكحل كله لضرورة أو لغير ضرورة ولو ذهبت عيناها لا ليلا ولا نهارا وتجتنب فرضا كل ثوب مصبوغ مما يلبس في الرأس والجسد أو على شيء منه سواء في ذلك السواد والخضرة والحمرة والصفرة وغير ذلك إلا العصب وحده وهي ثياب موشاة تعمل في اليمن فهو مباح لها .

              وتجتنب أيضا : فرضا الخضاب كله جملة وتجتنب الامتشاط حاشا التسريح بالمشط فقط فهو حلال لها وتجتنب أيضا : فرضا الطيب كله ولا تقرب شيئا حاشا شيئا من قسط أو أظفار عند طهرها فقط فهذه الخمسة التي ذكرها حكينا كلامه فيها بنصه .




              [الرد على ابن حزم في تضعيفه إبراهيم بن طهمان ]

              وليس بعجيب منه تحريم لبس ثوب أسود عليها من الزينة في شيء وإباحة ثوب يتقد ذهبا ولؤلؤا وجوهرا ولا تحريم المصبوغ الغليظ لحمل الوسخ وإباحة الحرير الذي يأخذ بالعيون حسنه وبهاؤه ورواؤه وإنما العجب منه أن يقول هذا دين الله في نفس الأمر وأنه لا يحل لأحد خلافه .

              وأعجب من هذا إقدامه على خلاف الحديث الصحيح في نهيه صلى الله عليه وسلم لها عن لباس الحلي .

              وأعجب من هذا أنه ذكر الخبر بذلك ثم قال ولا يصح ذلك لأنه من رواية إبراهيم بن طهمان وهو ضعيف ولو صح لقلنا به فلله ما لقي إبراهيم بن طهمان من أبي محمد بن حزم وهو من الحفاظ الأثبات الثقات الذين اتفق الأئمة الستة على إخراج حديثه واتفق أصحاب الصحيح وفيهم الشيخان على الاحتجاج بحديثه وشهد له الأئمة بالثقة والصدق ولم يحفظ عن أحد منهم فيه جرح ولا خدش ولا يحفظ عن أحد من المحدثين قط تعليل حديث رواه ولا تضعيفه به .

              وقرئ على شيخنا أبي الحجاج الحافظ في " التهذيب " وأنا أسمع قال إ براهيم بن طهمان بن سعيد الخراساني أبو سعيد الهروي ولد بهراة وسكن نيسابور وقدم بغداد وحدث بها ثم سكن بمكة حتى مات بها ثم ذكر عمن روى ومن روى عنه ثم قال قال نوح بن عمرو بن المروزي عن سفيان بن عبد الملك عن ابن المبارك صحيح الحديث وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه وأبي حاتم : ثقة وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن يحيى بن معين : لا بأس به وكذلك قال العجلي وقال أبو حاتم صدوق حسن الحديث وقال عثمان بن سعيد الدارمي : كان ثقة في الحديث ثم لم تزل الأئمة يشتهون حديثه ويرغبون فيه ويوثقونه .

              وقال أبو داود : ثقة . وقال إسحاق بن راهويه : كان صحيح الحديث حسن الرواية كثير السماع ما كان بخراسان أكثر حديثا منه وهو ثقة وروى له الجماعة .

              وقال يحيى بن أكثم القاضي : كان من أنبل من حدث بخراسان والعراق والحجاز وأوثقهم وأوسعهم علما .

              وقال المسعودي : سمعت مالك بن سليمان يقول مات إبراهيم بن طهمان سنة ثمان وستين ومائة بمكة ولم يخلف مثله .

              وقد أفتى الصحابة رضي الله عنهم بما هو مطابق لهذه النصوص وكاشف عن معناها ومقصودها فصح عن ابن عمر أنه قال لا تكتحل ولا تتطيب ولا تختضب ولا تلبس المعصفر ولا ثوبا مصبوغا ولا بردا ولا تتزين بحلي ولا تلبس شيئا تريد به الزينة ولا تكتحل بكحل تريد به الزينة إلا أن تشتكي عينها

              وصح عنه من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر : ولا تمس المتوفى عنها طيبا ولا تختضب ولا تكتحل ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب تتجلبب به وصح عن أم عطية : لا تلبس الثياب المصبغة إلا العصب ولا تمس طيبا إلا أدنى الطيب بالقسط والأظفار ولا تكتحل بكحل زينة

              وصح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال تجتنب الطيب والزينة

              وصح عن أم سلمة رضي الله عنها : لا تلبس من الثياب المصبغة شيئا ولا تكتحل ولا تلبس حليا ولا تختضب ولا تتطيب

              وقالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : لا تلبس معصفرا ولا تقرب طيبا وتكتحل وتلبس حليا وتلبس إن شاءت ثياب العصب



              فصل [هل تجتنب الحادة النقاب ]
              وأما النقاب فقال الخرقي في " مختصره " : وتجتنب الزوجة المتوفى عنها زوجها الطيب والزينة والبيتوتة في غير منزلها والكحل بالإثمد والنقاب .

              ولم أجد بهذا نصا عن أحمد . وقد قال إسحاق بن هانئ في " مسائله " : سألت أبا عبد الله عن المرأة تنتقب في عدتها أو تدهن في عدتها ؟ قال لا بأس به وإنما كره للمتوفى عنها زوجها أن تتزين .

              ولكن قد قال أبو داود في " مسائله " عن المتوفى عنها زوجها والمطلقة ثلاثا والمحرمة تجتنبن الطيب والزينة .

              فجعل المتوفى عنها بمنزلة المحرمة فيما تجتنبه فظاهر هذا أنها تجتنب النقاب فلعل أبا القاسم أخذ من نصه هذا - والله أعلم - وبهذا علله أبو محمد في " المغني " فقال فصل الثالث فيما تجتنبه الحادة النقاب وما في معناه مثل البرقع ونحوه لأن المعتدة مشبهة بالمحرمة والمحرمة تمتنع من ذلك .

              وإذا احتاجت إلى ستر وجهها سدلت عليه كما تفعل المحرمة .



              فصل هل تلبس الحادة الثوب إذا صبغ غزله ثم نسج ؟
              فإن قيل فما تقولون في الثوب إذا صبغ غزله ثم نسج هل لها لبسه ؟ قيل فيه وجهان وهما احتمالان في المغني أحدهما : يحرم لبسه لأنه أحسن وأرفع ولأنه مصبوغ للحسن فأشبه ما صبغ بعد نسجه والثاني : لا يحرم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة رضي الله عنها : إلا ثوب عصب وهو ما صبغ غزله قبل نسجه ذكره القاضي

              قال الشيخ والأول أصح وأما العصب فالصحيح أنه نبت تصبغ به الثياب قال السهيلي الورس والعصب نبتان باليمن لا ينبتان إلا به فأرخص النبي صلى الله عليه وسلم للحادة في لبس ما يصبغ بالعصب لأنه في معنى ما يصبغ لغير تحسين كالأحمر والأصفر فلا معنى لتجويز لبسه مع حصول الزينة بصبغه كحصولها بما صبغ بعد نسجه . والله أعلم .




              ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستبراء
              ثبت في " صحيح مسلم " : من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس فلقي عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا سبايا فكأن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله عز وجل في ذلك والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم [ النساء 24 ] أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن .

              وفي " صحيحه " أيضا : من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة مجح على باب فسطاط فقال " لعله يريد أن يلم بها " . فقالوا : نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له .

              وفي الترمذي : من حديث عرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن

              وفي " المسند " و " سنن أبي داود " : من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبايا أوطاس : لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة .

              وفي الترمذي : من حديث رويفع بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره . قال الترمذي : حديث حسن .

              ولأبي داود من حديثه أيضا : لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها .

              ولأحمد : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحن ثيبا من السبايا حتى تحيض . وذكر البخاري في " صحيحه " : قال ابن عمر : إذا وهبت الوليدة التي توطأ أو بيعت أو عتقت فلتستبرأ بحيضة ولا تستبرأ العذراء .

              وذكر عبد الرزاق عن معمر عن عمرو بن مسلم عن طاووس : أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا في بعض مغازيه لا يقعن رجل على حامل ولا حائل حتى تحيض .

              وذكر عن سفيان الثوري : عن زكريا عن الشعبي قال أصاب المسلمون سبايا يوم أوطاس فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يقعوا على حامل حتى تضع ولا على غير حامل حتى تحيض .




              فصل [ لا يجوز وطء المسبية حتى يعلم براءة رحمها ]
              فتضمنت هذه السنن أحكاما عديدة . أحدها : أنه لا يجوز وطء المسبية حتى يعلم براءة رحمها فإن كانت حاملا فبوضع حملها وإن كانت حائلا فبأن تحيض حيضة . فإن لم تكن من ذوات الحيض فلا نص فيها واختلف فيها وفي البكر وفي التي يعلم براءة رحمها بأن حاضت عند البائع ثم باعها عقيب الحيض ولم يطأها ولم يخرجها عن ملكه أو كانت عند امرأة وهي مصونة فانتقلت عنها إلى رجل فأوجب الشافعي وأبو حنيفة وأحمد الاستبراء في ذلك كله أخذا بعموم الأحاديث واعتبارا بالعدة حيث تجب مع العلم ببراءة الرحم واحتجاجا بآثار الصحابة كما ذكر عبد الرزاق . حدثنا ابن جريج قال قال عطاء تداول ثلاثة من التجار جارية فولدت فدعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه القافة فألحقوا ولدها بأحدهم ثم قال عمر رضي الله عنه من ابتاع جارية قد بلغت المحيض فليتربص بها حتى تحيض فإن كانت لم تحض فليتربص بها خمسا وأربعين ليلة

              قالوا : وقد أوجب الله العدة على من يئست من المحيض وعلى من لم تبلغ سن المحيض وجعلها ثلاثة أشهر والاستبراء عدة الأمة فيجب على الآيسة ومن لم تبلغ سن المحيض .

              وقال آخرون . المقصود من الاستبراء العلم ببراءة الرحم فحيث تيقن المالك براءة رحم الأمة فله وطؤها ولا استبراء عليه كما رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال إذا كانت الأمة عذراء لم يستبرئها إن شاء وذكره البخاري في " صحيحه " عنه .

              وذكر حماد بن سلمة حدثنا علي بن زيد عن أيوب بن عبد الله اللخمي عن ابن عمر قال وقعت في سهمي جارية يوم جلولاء كأن عنقها إبريق فضة قال ابن عمر فما ملكت نفسي أن جعلت أقبلها والناس ينظرون

              ومذهب مالك إلى هذا يرجع وهاك قاعدته وفروعها : قال أبو عبد الله المازري وقد عقد قاعدة لباب الاستبراء فنذكرها بلفظها . والقول الجامع في ذلك أن كل أمة أمن عليها الحمل فلا يلزم فيها الاستبراء وكل من غلب على الظن كونها حاملا أو شك في حملها أو تردد فيه فالاستبراء لازم فيها وكل من غلب الظن ببراءة رحمها لكنه مع الظن الغالب يجوز حصوله فإن المذهب على قولين في ثبوت الاستبراء وسقوطه .

              ثم خرج على ذلك الفروع المختلفة فيها كاستبراء الصغيرة التي تطيق الوطء والآيسة وفيه روايتان عن مالك قال صاحبا الجواهر " : ويجب في الصغيرة إذا كانت ممن قارب سن الحمل كبنت ثلاث عشرة أو أربع عشرة وفي إيجاب الاستبراء إذا كانت ممن تطيق الوطء ولا يحمل مثلها كبنت تسع وعشر روايتان أثبته في رواية ابن القاسم ونفاه في رواية ابن عبد الحكم وإن كانت ممن لا يطيق الوطء فلا استبراء فيها . قال ويجب الاستبراء فيمن جاوزت سن الحيض ولم تبلغ سن الآيسة مثل ابنة الأربعين والخمسين .

              وأما التي قعدت عن المحيض ويئست عنه فهل يجب فيها الاستبراء أو لا يجب ؟ روايتان لابن القاسم وابن عبد الحكم . قال المازري ووجه استبراء الصغيرة التي تطيق الوطء والآيسة أنه يمكن فيهما الحمل على الندور أو لحماية الذريعة لئلا يدعى في مواضع الإمكان أن لا إمكان .

              قال ومن ذلك استبراء الأمة خوفا أن تكون زنت وهو المعبر عنه بالاستبراء لسوء الظن وفيه قولان والنفي لأشهب . قال ومن ذلك استبراء الأمة الوخش فيه قولان الغالب عدم وطء السادات لهن وإن كان يقع في النادر .

              ومن ذلك استبراء من باعها مجبوب أو امرأة أو ذو محرم ففي وجوبه روايتان عن مالك . ومن ذلك استبراء المكاتبة إذا كانت تتصرف ثم عجزت فرجعت إلى سيدها فابن القاسم يثبت الاستبراء وأشهب ينفيه .

              ومن ذلك استبراء البكر قال أبو الحسن اللخمي : هو مستحب على وجه الاحتياط غير واجب وقال غيره من أصحاب مالك هو واجب .

              ومن ذلك إذا استبرأ البائع الأمة وعلم المشتري أنه قد استبرأها فإنه يجزئ استبراء البائع عن استبراء المشتري .

              ومن ذلك إذا أودعه أمة فحاضت عند المودع حيضة ثم استبرأها لم يحتج إلى استبراء ثان وأجزأت تلك الحيضة عن استبرائها وهذا بشرط أن لا تخرج ولا يكون سيدها يدخل عليها .

              ومن ذلك أن يشتريها من زوجته أو ولد له صغير في عياله وقد حاضت عند البائع فابن القاسم يقول إن كانت لا تخرج أجزأه ذلك وأشهب يقول إن كان مع المشتري في دار وهو الذاب عنها والناظر في أمرها أجزأه ذلك سواء كانت تخرج أو لا تخرج . ومن ذلك إن كان سيد الأمة غائبا فحين قدم اشتراها منه رجل قبل أن تخرج أو خرجت وهي حائض فاشتراها قبل أن تطهر فلا استبراء عليه . ومن ذلك إذا بيعت وهي حائض في أول حيضها فالمشهور من مذهبه أن ذلك يكون استبراء لها لا يحتاج إلى حيضة مستأنفة . ومن ذلك الشريك يشتري نصيب شريكه من الجارية وهي تحت يد المشتري منهما وقد حاضت في يده فلا استبراء عليه .

              وهذه الفروع كلها من مذهبه تنبيك عن مأخذه في الاستبراء وأنه إنما يجب حيث لا يعلم ولا يظن براءة الرحم فإن علمت أو ظنت فلا استبراء وقد قال أبو العباس ابن سريج وأبو العباس ابن تيمية : إنه لا يجب استبراء البكر كما صح عن ابن عمر رضي الله عنهما وبقولهم نقول وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم نص عام في وجوب استبراء كل من تجدد له عليها ملك على أي حالة كانت وإنما نهى عن وطء السبايا حتى تضع حواملهن وتحيض حوائلهن .

              فإن قيل فعمومه يقتضي تحريم وطء أبكارهن قبل الاستبراء كما يمتنع وطء الثيب ؟ قيل نعم وغايته أنه عموم أو إطلاق ظهر القصد منه فيخص أو يقيد عند انتفاء موجب الاستبراء ويخص أيضا بمفهوم قوله في حديث رويفع من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكح ثيبا من السبايا حتى تحيض ويخص أيضا بمذهب الصحابي ولا يعلم له مخالف .

              وفي " صحيح البخاري " : من حديث بريدة قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه إلى خالد يعني باليمين ليقبض الخمس فاصطفى علي منها سبيه فأصبح وقد اغتسل فقلت لخالد أما ترى إلى هذا ؟ وفي رواية فقال خالد لبريدة ألا ترى ما صنع هذا ؟ قال بريدة . وكنت أبغض عليا رضي الله عنه فلما قدمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له فقال " يا بريدة أتبغض عليا ؟ قلت : نعم قال " لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك " . فهذه الجارية إما أن تكون بكرا فلم ير علي وجوب استبرائها وإما أن تكون في آخر حيضها فاكتفى بالحيضة قبل تملكه لها . وبكل حال فلا بد أن يكون تحقق براءة رحمها بحيث أغناه عن الاستبراء .

              فإذا تأملت قول النبي حق التأمل وجدت قوله ولا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض ظهر لك منه أن المراد بغير ذات الحمل من يجوز أن تكون حاملا وأن لا تكون فيمسك عن وطئها مخافة الحمل لأنه لا علم له بما اشتمل عليه رحمها وهذا قاله في المسبيات لعدم علم السابي بحالهن .




              [عدة أم الولد ]

              وعلى هذا فكل من ملك أمة لا يعلم حالها قبل الملك هل اشتمل رحمها على حمل أم لا ؟ لم يطأها حتى يستبرئها بحيضة هذا أمر معقول وليس بتعبد محض لا معنى له فلا معنى لاستبراء العذراء والصغيرة التي لا يحمل مثلها والتي اشتراها من امرأته وهي في بيته لا تخرج أصلا ونحوها ممن يعلم براءة رحمها فكذلك إذا زنت المراة وأرادت أن تتزوج استبرأها بحيضة ثم تزوجت وكذلك إذا زنت وهي مزوجة أمسك عنها زوجها حتى تحيض حيضة . وكذلك أم الولد إذا مات عنها سيدها اعتدت بحيضة .

              قال عبد الله بن أحمد سألت أبي كم عدة أم الولد إذا توفي عنها مولاها أو أعتقها ؟ قال عدتها حيضة وإنما هي أمة في كل أحوالها إن جنت فعلى سيدها قيمتها وإن جني عليها فعلى الجاني ما نقص من قيمتها . وإن ماتت فما تركت من شيء فلسيدها وإن أصابت حدا فحد أمة وإن زوجها سيدها فما ولدت فهم بمنزلتها يعتقون بعتقها ويرقون برقها . وقد اختلف الناس في عدتها فقال بعض الناس أربعة أشهر وعشرا فهذه عدة الحرة وهذه عدة أمة خرجت من الرق إلى الحرية فيلزم من قال أربعة أشهر وعشرا أن يورثها وأن يجعل حكمها حكم الحرة لأنه قد أقامها في العدة مقام الحرة .

              وقال بعض الناس عدتها ثلاث حيض وهذا قول ليس له وجه إنما تعتد ثلاث حيض المطلقة وليست هي بمطلقة ولا حرة وإنما ذكر الله العدة فقال والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [ البقرة 234 ] وليست أم الولد بحرة ولا زوجة فتعتد بأربعة أشهر وعشر . قال والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وإنما هي أمة خرجت من الرق إلى الحرية وهذا لفظ أحمد رحمه الله .

              وكذلك قال في رواية صالح تعتد أم الولد إذا توفي عنها مولاها أو أعتقها حيضة وإنما هي أمة في كل أحوالها .

              وقال في رواية محمد بن العباس عدة أم الولد أربعة أشهر وعشر إذا توفي عنها سيدها .

              وقال الشيخ في " المغني " : وحكى أبو الخطاب رواية ثالثة عن أحمد أنها تعتد بشهرين وخمسة أيام . قال ولم أجد هذه الرواية عن أحمد رحمه الله في " الجامع " ولا أظنها صحيحة عن أحمد رحمه الله وروي ذلك عن عطاء وطاووس وقتادة لأنها حين الموت أمة فكانت عدتها عدة الأمة كما لو مات رجل عن زوجته الأمة فعتقت بعد موته فليست هذه رواية إسحاق بن منصور عن أحمد .

              قال أبو بكر عبد العزيز في " زاد المسافر " : باب القول في عدة أم الولد من الطلاق والوفاة . قال أبو عبد الله في رواية ابن القاسم إذا مات السيد وهي عند زوج فلا عدة عليها كيف تعتد وهي مع زوجها ؟ وقال في رواية مهنا إذا أعتق أم الولد فلا يتزوج أختها حتى تخرج من عدتها . وقال في رواية إسحاق بن منصور وعدة أم الولد عدة الأمة في الوفاة والطلاق والفرقة انتهى كلامه .

              وحجة من قال عدتها أربعة أشهر وعشر ما رواه أبو داود عن عمرو بن العاص أنه قال لا تفسدوا علينا سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر وهذا قول السعيدين ومحمد بن سيرين ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وخلاس بن عمرو والزهري والأوزاعي وإسحاق . قالوا : لأنها حرة تعتد للوفاة فكانت عدتها أربعة أشهر وعشرا كالزوجة الحرة .

              وقال عطاء والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه تعتد بثلاث حيض وحكي عن علي وابن مسعود قالوا : لأنها لا بد لها من عدة وليست زوجة فتدخل في آية الأزواج المتوفى عنهن ولا أمة فتدخل في نصوص استبراء الإماء بحيضة فهي أشبه شيء بالمطلقة فتعتد بثلاثة أقراء .

              والصواب من هذه الأقوال أنها تستبرأ بحيضة وهو قول عثمان بن عفان وعائشة وعبد الله بن عمر والحسن والشعبي والقاسم بن محمد وأبي قلابة ومكحول ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل في أشهر الروايات عنه وهو قول أبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر فإن هذا إنما هو لمجرد الاستبراء لزوال الملك عن الرقبة فكان حيضة واحدة في حق من تحيض كسائر استبراءات المعتقات والمملوكات والمسبيات . وأما حديث عمرو بن العاص فقال ابن المنذر ضعف أحمد وأبو عبيد حديث عمرو بن العاص .

              وقال محمد بن موسى : سألت أبا عبد الله عن حديث عمرو بن العاص فقال لا يصح . وقال الميموني رأيت أبا عبد الله يعجب من حديث عمرو بن العاص هذا ثم قال أين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا ؟ وقال أربعة أشهر وعشرا إنما هي عدة الحرة من النكاح وإنما هذه أمة خرجت من الرق إلى الحرية ويلزم من قال بهذا أن يورثها وليس لقول من قال تعتد ثلاث حيض وجه إنما تعتد بذلك المطلقة انتهى كلامه .

              وقال المنذري في إسناد حديث عمرو مطر بن طهمان أبو رجاء الوراق وقد ضعفه غير واحد وأخبرنا شيخنا أبو الحجاج الحافظ في كتاب " التهذيب " قال أبو طالب سألت أحمد بن حنبل عن مطر الوراق . فقال كان يحيى بن سعيد يضعف حديثه عن عطاء وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل سألت أبي عن مطر الوراق قال كان يحيى بن سعيد يشبه حديث مطر الوراق بابن أبي ليلى في سوء الحفظ قال عبد الله فسألت أبي عنه ؟ فقال ما أقربه من ابن أبي ليلى في عطاء خاصة .

              وقال مطر في عطاء ضعيف الحديث قال عبد الله قلت ليحيى بن معين مطر الوراق ؟ فقال ضعيف في حديث عطاء بن أبي رباح وقال النسائي ليس بالقوي . وبعد فهو ثقة قال أبو حاتم الرازي صالح الحديث وذكره ابن حبان في كتاب الثقات واحتج به مسلم فلا وجه لضعف الحديث به . وإنما علة الحديث أنه من رواية قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص رضي الله عنه ولم يسمع منه قاله الدارقطني وله علة أخرى وهي أنه موقوف لم يقل لا تلبسوا علينا سنة نبينا .

              قال الدارقطني والصواب لا تلبسوا علينا ديننا . موقوف . وله علة أخرى وهي اضطراب الحديث واختلافه عن عمرو على ثلاثة أوجه
              أحدها : هذا .
              والثاني : عدة أم الولد عدة الحرة .
              والثالث عدتها إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشرا فإذا أعتقت فعدتها ثلاث حيض والأقاويل الثلاثة عنه ذكرها البيهقي . قال الإمام أحمد هذا حديث منكر حكاه البيهقي عنه وقد روى خلاس عن علي مثل رواية قبيصة عن عمرو أن عدة أم الولد أربعة أشهر وعشر ولكن خلاس بن عمرو قد تكلم في حديثه فقال أيوب لا يروى عنه فإنه صحفي وكان مغيرة لا يعبأ بحديثه .

              وقال أحمد روايته عن علي يقال إنه كتاب وقال البيهقي روايات خلاس عن علي ضعيفة عند أهل العلم بالحديث فقال هي من صحيفة . ومع ذلك فقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر في أم الولد يتوفى عنها سيدها قال تعتد بحيضة .

              فإن ثبت عن علي وعمرو ما روي عنهما فهي مسألة نزاع بين الصحابة والدليل هو الحاكم وليس مع من جعلها أربعة أشهر وعشرا إلا التعلق بعموم المعنى إذ لم يكن معهم لفظ عام ولكن شرط عموم المعنى تساوي الأفراد في المعنى الذي ثبت الحكم لأجله فما لم يعلم ذلك لا يتحقق الإلحاق والذين ألحقوا أم الولد بالزوجة رأوا أن الشبه الذي بين أم الولد وبين الزوجة أقوى من الشبه الذي بينها وبين الأمة من جهة أنها بالموت صارت حرة فلزمتها العدة مع حريتها بخلاف الأمة ولأن المعنى الذي جعلت له عدة الزوجة أربعة أشهر وعشرا موجود في أم الولد وهو أدنى الأوقات الذي يتيقن فيها خلق الولد وهذا لا يفترق الحال فيه بين الزوجة وأم الولد والشريعة لا تفرق بين متماثلين ومنازعوهم يقولون أم الولد أحكامها أحكام الإماء لا أحكام الزوجات ولهذا لم تدخل في قوله ولكم نصف ما ترك أزواجكم [ النساء 12 ] وغيرها فكيف تدخل في قوله والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا [ البقرة 234 ] ؟ قالوا : والعدة لم تجعل أربعة أشهر وعشرا لأجل مجرد براءة الرحم فإنها تجب على من يتيقن براءة رحمها وتجب قبل الدخول والخلوة فهي من حريم عقد النكاح وتمامه .

              وأما استبراء الأمة فالمقصود منه العلم ببراءة رحمها وهذا يكفي فيه حيضة ولهذا لم يجعل استبراؤها ثلاثة قروء كما جعلت عدة الحرة كذلك تطويلا لزمان الرجعة ونظرا للزوج وهذا المعنى مقصود في المستبرأة فلا نص يقتضي إلحاقها بالزوجات ولا معنى فأولى الأمور بها أن يشرع لها ما شرعه صاحب الشرع في المسبيات والمملوكات ولا تتعداه وبالله التوفيق .



              فصل [ لا يحصل استبراء المسبية بطهر بل لا بد من حيضة ]
              الحكم الثاني : أنه لا يحصل الاستبراء بطهر البتة بل لا بد من حيضة وهذا قول الجمهور وهو الصواب وقال أصحاب مالك والشافعي في قول له يحصل بطهر كامل ومتى طعنت في الحيضة تم استبراؤها بناء على قولهما : إن الأقراء الأطهار ولكن يرد هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة

              وقال رويفع بن ثابت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم حنين : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يطأ جارية من السبي حتى يستبرئها بحيضة رواه الإمام أحمد وعنده فيه ثلاثة ألفاظ هذا أحدها .

              الثاني : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا توطأ الأمة حتى تحيض وعن الحبالى حتى تضعن .

              الثالث من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحن ثيبا من السبايا حتى تحيض فعلق الحل في ذلك كله بالحيض وحده لا بالطهر فلا يجوز إلغاء ما اعتبره واعتبار ما ألغاه ولا تعويل على ما خالف نصه وهو مقتضى القياس المحض فإن الواجب هو الاستبراء والذي يدل على البراءة هو الحيض فأما الطهر فلا دلالة فيه على البراءة فلا يجوز أن يعول في الاستبراء على ما لا دلالة له فيه عليه دون ما يدل عليه وبناؤهم هذا على أن الأقراء هي الأطهار بناء على الخلاف للخلاف وليس بحجة ولا شبهة ثم لم يمكنهم بناء هذا على ذاك حتى خالفوه فجعلوا الطهر الذي طلقها فيه قرءا ولم يجعلوا طهر المستبرأة التي تجدد عليها الملك فيه أو مات سيدها فيه قرءا وحتى خالفوا الحديث أيضا كما تبين وحتى خالفوا المعنى كما بيناه ولم يمكنهم هذا البناء إلا بعد هذه الأنواع الثلاثة من المخالفة وغاية ما قالوا : إن بعض الحيضة المقترن بالطهر يدل على البراءة فيقال لهم فيكون الاعتماد عليهم حينئذ على بعض الحيضة وليس ذلك قرءا عند أحد ؟ فإن قالوا : هو اعتماد على بعض حيضة وطهر .

              قلنا : هذا قول ثالث في مسمى القروء ولا يعرف وهو أن تكون حقيقته مركبة من حيض وطهر .

              فإن قالوا : بل هو اسم للطهر بشرط الحيض . فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط قلنا : هذا إنما يمكن لو علق الشارع الاستبراء بقرء فأما مع تصريحه على التعليق بحيضة فلا .



              فصل [ لا يحصل ببعض حيضة في يد المشتري اكتفاء بها ]
              الحكم الثالث أنه لا يحصل ببعض حيضة في يد المشتري اكتفاء بها . قال صاحب " الجواهر " : فإن بيعت الأمة في آخر أيام حيضها لم يكن ما بقي من أيام حيضها استبراء لها من غير خلاف وإن بيعت وهي في أول حيضتها فالمشهور من المذهب أن ذلك يكون استبراء لها .

              وقد احتج من نازع مالكا بهذا الحديث فإنه علق الحل بحيضة فلا بد من تمامها ولا دليل فيه على بطلان قوله فإنه لا بد من الحيضة بالاتفاق ولكن النزاع في أمر آخر وهو أنه هل يشترط أن يكون جميع الحيضة وهي في ملكه أو يكفي أن يكون معظمها في ملكه فهذا لا ينفيه الحديث ولا يثبته ولكن لمنازعيه أن يقولوا : لما اتفقنا على أنه لا يكفي أن يكون بعضها في ملك المشتري وبعضها في ملك البائع إذا كان أكثرها عند البائع علم أن الحيضة المعتبرة أن تكون وهي عند المشتري ولهذا لو حاضت عند البائع لم يكن ذلك كافيا في الاستبراء .

              ومن قال بقول مالك يجيب عن هذا بأنها إذا حاضت قبل البيع وهي مودعة عند المشتري ثم باعها عقيب الحيضة ولم تخرج من بيته اكتفي بتلك الحيضة ولم يجب على المشتري استبراء ثان وهذا أحد القولين في مذهب مالك كما تقدم فهو يجوز أن يكون الاستبراء واقعا قبل البيع في صور منها هذه .

              ومنها إذا وضعت للاستبراء عند ثالث فاستبرأها ثم بيعت بعده . قال في " الجواهر " : ولا يجزئ الاستبراء قبل البيع إلا في حالات منها أن تكون تحت يده للاستبراء أو بالوديعة فتحيض عنده ثم يشتريها حينئذ أو بعد أيام وهي لا تخرج ولا يدخل عليها سيدها .

              ومنها : أن يشتريها ممن هو ساكن معه من زوجته أو ولد له صغير في عياله . وقد حاضت فابن القاسم يقول إن كانت لا تخرج أجزأه ذلك . وقال أشهب إن كانت معه في دار وهو الذاب عنها والناظر في أمرها فهو استبراء سواء كانت تخرج أو لا تخرج .

              ومنها : إذا كان سيدها غائبا فحين قدم استبرأها قبل أن تخرج أو خرجت وهي حائض فاشتراها منه قبل أن تطهر .

              ومنها : الشريك يشتري نصيب شريكه من الجارية وهي تحت يد المشتري منهما وقد حاضت في يده . وقد تقدمت هذه المسائل فهذه وما في معناها تضمنت الاستبراء قبل البيع واكتفى به مالك عن استبراء ثان .

              فإن قيل فكيف يجتمع قوله هذا وقوله إن الحيضة إذا وجد معظمها عند البائع لم يكن استبراء ؟ قيل لا تناقض بينهما وهذه لها موضع وهذه لها موضع فكل موضع يحتاج فيه المشتري إلى استبراء مستقل لا يجزئ إلا حيضة لم يوجد معظمها عند البائع وكل موضع لا يحتاج فيه إلى استبراء مستقل لا يحتاج فيه إلى حيضة ولا بعضها ولا اعتبار بالاستبراء قبل البيع كهذه الصور ونحوها .




              فصل [ استبراء المسبية الحامل بوضع الحمل ]
              الحكم الرابع أنها إذا كانت حاملا فاستبراؤها بوضع الحمل وهذا كما أنه حكم النص فهو مجمع عليه بين الأمة .

              فصل [ لا يجوز وطء المسبية الحامل قبل وضع حملها ]
              الحكم الخامس أنه لا يجوز وطؤها قبل وضع حملها أي حمل كان سواء كان يلحق بالواطئ كحمل الزوجة والمملوكة والموطوءة بشبهة أو لا يلحق به كحمل الزانية فلا يحل وطء حامل من غير الواطئ البتة كما صرح به النص وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره وهذا يعم الزرع الطيب والخبيث ولأن صيانة ماء الواطئ عن الماء الخبيث حتى لا يختلط به أولى من صيانته عن الماء الطيب ولأن حمل الزاني وإن كان لا حرمة له ولا لمائه فحمل هذا الواطئ وماؤه محترم فلا يجوز له خلطه بغيره ولأن هذا مخالف لسنة الله في تمييز الخبيث من الطيب وتخليصه منه وإلحاق كل قسم بمجانسه ومشاكله .

              والذي يقضي منه العجب تجويز من جوز من الفقهاء الأربعة العقد على الزانية قبل استبرائها ووطئها عقيب العقد فتكون الليلة عند الزاني وقد علقت منه والليلة التي تليها فراشا للزوج .

              ومن تأمل كمال هذه الشريعة علم أنها تأبى ذلك كل الإباء وتمنع منه كل المنع




              [ تحريم نكاح الزانية ]
              ومن محاسن مذهب الإمام أحمد أن حرم نكاحها بالكلية حتى تتوب ويرتفع عنها اسم الزانية والبغي والفاجرة فهو رحمه الله لا يجوز أن يكون الرجل زوج بغي ومنازعوه يجوزون ذلك وهو أسعد منهم في هذه المسألة بالأدلة كلها من النصوص والآثار والمعاني والقياس والمصلحة والحكمة وتحريم ما رآه المسلمون قبيحا .

              والناس إذا بالغوا في سب الرجل صرحوا له بالزاي والقاف فكيف تجوز الشريعة مثل هذا مع ما فيه من تعرضه لإفساد فراشه وتعليق أولاد عليه من غيره وتعرضه للاسم المذموم عند جميع الأمم ؟ وقياس قول من جوز العقد على الزانية ووطئها قبل استبرائها حتى لو كانت حاملا أن لا يوجب استبراء الأمة إذا كانت حاملا من الزنى بل يطؤها عقيب ملكها وهو مخالف لصريح السنة .

              فإن أوجب استبراءها نقض قوله بجواز وطء الزانية قبل استبرائها وإن لم يوجب استبراءها خالف النصوص ولا ينفعه الفرق بينهما بأن الزوج لا استبراء عليه بخلاف السيد فإن الزوج إنما لم يجب عليه الاستبراء لأنه لم يعقد على معتدة ولا حامل من غيره بخلاف السيد ثم إن الشارع إنما حرم الوطء بل العقد في العدة خشية إمكان الحمل فيكون واطئا حاملا من غيره وساقيا ماءه لزرع غيره مع احتمال أن لا يكون كذلك فكيف إذا تحقق حملها .

              وغاية ما يقال إن ولد الزانية ليس لاحقا بالواطئ الأول فإن الولد للفراش وهذا لا يجوز إقدامه على خلط مائه ونسبه بغيره وإن لم يلحق بالواطئ الأول فصيانة مائة ونسبه عن نسب لا يلحق بواضعه لصيانته عن نسب يلحق به .

              والمقصود أن الشرع حرم وطء الأمة الحامل حتى تضع سواء كان حملها محرما أو غير محرم وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الرجل والمرأة التي تزوج بها فوجدها حبلى وجلدها الحد وقضى لها بالصداق وهذا صريح في بطلان العقد على الحامل من الزنى .

              وصح عنه أنه مر بامرأة مجح على باب فسطاط فقال " لعل سيدها يريد أن يلم بها " ؟ قالوا : نعم . قال لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يستخدمه وهو لا يحل له كيف يورثه وهو لا يحل له ؟

              فجعل سبب همه بلعنته وطأه للأمة الحامل ولم يستفصل عن حملها هل هو لاحق بالواطئ أم غير لاحق به ؟ وقوله كيف يستخدمه وهو لا يحل له أي كيف يجعله عبدا له يستخدمه وذلك لا يحل فإن ماء هذا الواطئ يزيد في خلق الحمل فيكون بعضه منه قال الإمام أحمد يزيد وطؤه في سمعه وبصره .

              وقوله كيف يورثه وهو لا يحل له سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول فيه أي كيف يجعله تركة موروثة عنه فإنه يعتقده عبده فيجعله تركة تورث عنه ويحل له ذلك لأن ماءه زاد في خلقه ففيه جزء منه .

              وقال غيره المعنى : كيف يورثه على أنه ابنه ولا يحل له ذلك لأن الحمل من غيره وهو بوطئه يريد أن يجعله منه فيورثه ماله وهذا يرده أول الحديث وهو قوله كيف يستعبده ؟ أي كيف يجعله عبده ؟ وهذا إنما يدل على المعنى الأول .

              وعلى القولين فهو صريح في تحريم وطء الحامل من غيره سواء كان الحمل من زنى أو من غيره وأن فاعل ذلك جدير باللعن بل قد صرح جماعة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم بأن الرجل إذا ملك زوجته الأمة لم يطأها حتى يستبرئها خشية أن تكون حاملا منه في صلب النكاح فيكون على ولده الولاء لموالي أمه بخلاف ما علقت به في ملكه فإنه لا ولاء عليه وهذا كله احتياط لولده هل هو صريح الحرية لا ولاء عليه أو عليه ولاء ؟ فكيف إذا كانت حاملا من غيره ؟


              افتراضي

              فصل [ لا تحيض الحامل ]
              الحكم السادس استنبط من قوله لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة أن الحامل لا تحيض وأن ما تراه من الدم يكون دم فساد بمنزلة الاستحاضة تصوم وتصلي وتطوف بالبيت وتقرأ القرآن وهذه مسألة اختلف فيها الفقهاء فذهب عطاء والحسن وعكرمة ومكحول وجابر بن زيد ومحمد بن المنكدر والشعبي والنخعي والحكم وحماد والزهري وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر والإمام أحمد في المشهور من مذهبه والشافعي في أحد قوليه إلى أنه ليس دم حيض .

              وقال قتادة وربيعة ومالك والليث بن سعد وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه : إنه دم حيض وقد ذكره البيهقي في " سننه " وقال إسحاق بن راهويه : قال لي أحمد بن حنبل : ما تقول في الحامل ترى الدم ؟ فقلت : تصلي واحتججت بخبر عطاء عن عائشة رضي الله عنها . قال فقال أحمد بن حنبل أين أنت عن خبر المدنيين خبر أم علقمة مولاة عائشة رضي الله عنها ؟ فإنه أصح .

              قال إسحاق فرجعت إلى قول أحمد وهو كالتصريح من أحمد بأن دم الحامل دم حيض وهو الذي فهمه إسحاق عنه والخبر الذي أشار إليه أحمد وهو ما رويناه من طريق البيهقي أخبرنا الحاكم حدثنا أبو بكر بن إسحاق حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا ابن بكير حدثنا الليث عن بكير بن عبد الله عن أم علقمة مولاة عائشة أن عائشة رضي الله عنها سئلت عن الحامل ترى الدم فقالت لا تصلي قال البيهقي : ورويناه عن أنس بن مالك . وروينا عن عمر بن الخطاب ما يدل على ذلك .

              وروينا عن عائشة رضي الله عنها أنها أنشدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بيت أبي كبير الهذلي


              ومبرأ من كل غبر حيضة

              وفساد مرضعة وداء مغيل


              قال وفي هذا دليل على ابتداء الحمل في حال الحيض حيث لم ينكر الشعر .

              قال وروينا عن مطر عن عطاء عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت الحبلى لا تحيض إذا رأت الدم صلت قال وكان يحيى القطان ينكر هذه الرواية ويضعف رواية ابن أبي ليلى ومطر عن عطاء .

              قال وروى محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عطاء عن عائشة رضي الله عنها نحو رواية مطر فإن كانت محفوظة فيشبه أن تكون عائشة كانت تراها لا تحيض ثم كانت تراها تحيض فرجعت إلى ما رواه المدنيون والله أعلم .



              [ أدلة من منع كون دم الحامل دم حيض ]
              قال المانعون من كون دم الحامل دم حيض قد قسم النبي صلى الله عليه وسلم الإماء قسمين حاملا وجعل عدتها وضع الحمل وحائلا فجعل عدتها حيضة فكانت الحيضة علما على براءة رحمها فلو كان الحيض يجامع الحمل لما كانت الحيضة علما على عدمه قالوا : ولذلك جعل عدة المطلقة ثلاثة أقراء ليكون دليلا على عدم حملها فلو جامع الحمل الحيض لم يكن دليلا على عدمه قالوا : وقد ثبت في " الصحيح " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين طلق ابنه امرأته وهي حائض مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسكها بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء


              افتراضي

              [ طلاق الحامل ليس ببدعة ]
              ووجه الاستدلال به أن طلاق الحامل ليس ببدعة في زمن الدم وغيره إجماعا فلو كانت تحيض لكان طلاقها فيه وفي طهرها بعد المسيس بدعة عملا بعموم الخبر قالوا : وروى مسلم في " صحيحه " من حديث ابن عمر أيضا مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا وهذا يدل على أن ما تراه من الدم لا يكون حيضا فإنه جعل الطلاق في وقته نظير الطلاق في وقت الطهر سواء .

              فلو كان ما تراه من الدم حيضا لكان لها حالان حال طهر وحال حيض ولم يجز طلاقها في حال حيضها فإنه يكون بدعة قالوا : وقد روى أحمد في " مسنده " من حديث رويفع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لأحد أن يسقي ماءه زرع غيره ولا يقع على أمة حتى تحيض أو يتبين حملها

              فجعل وجود الحيض علما على براءة الرحم من الحمل . قالوا : وقد روي عن علي أنه قال إن الله رفع الحيض عن الحبلى وجعل الدم مما تغيض الأرحام

              وقال ابن عباس رضي الله عنه إن الله رفع الحيض عن الحبلى وجعل الدم رزقا للولد رواهما أبو حفص بن شاهين .

              قالوا : وروى الأثرم والدارقطني بإسنادهما عن عائشة رضي الله عنها في الحامل ترى الدم فقالت الحامل لا تحيض وتغتسل وتصلي

              وقولها : وتغتسل بطريق الندب لكونها مستحاضة قالوا : ولا يعرف عن غيرهم خلافهم لكن عائشة قد ثبت عنها أنها قالت الحامل لا تصلي . وهذا محمول على ما تراه قريبا من الولادة باليومين ونحوهما وأنه نفاس جمعا بين قوليها قالوا : ولأنه دم لا تنقضي به العدة فلم يكن حيضا كالاستحاضة .

              وحديث عائشة رضي الله عنها يدل على أن الحائض قد تحبل ونحن نقول بذلك لكنه يقطع حيضها ويرفعه . قالوا : ولأن الله سبحانه أجرى العادة بانقلاب دم الطمث لبنا غذاء للولد فالخارج وقت الحمل يكون غيره فهو دم فساد .



              [ أدلة من جوز كون دم الحامل دم حيض ]
              قال المحيضون لا نزاع أن الحامل قد ترى الدم على عادتها لا سيما في أول حملها وإنما النزاع في حكم هذا الدم لا في وجوده . وقد كان حيضا قبل الحمل بالاتفاق فنحن نستصحب حكمه حتى يأتي ما يرفعه بيقين . قالوا : والحكم إذا ثبت في محل فالأصل بقاؤه حتى يأتي ما يرفعه فالأول استصحاب لحكم الإجماع في محل النزاع والثاني استصحاب للحكم الثابت في المحل حتى يتحقق ما يرفعه والفرق بينهما ظاهر .

              قالوا : وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف . وهذا أسود يعرف فكان حيضا . قالوا : وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أليست إحداكن إذا حاضت لم تصم ولم تصل ؟ . وحيض المرأة خروج دمها في أوقات معلومة من الشهر لغة وشرعا وهذا كذلك لغة والأصل في الأسماء تقريرها لا تغييرها .

              قالوا : ولأن الدم الخارج من الفرج الذي رتب الشارع عليه الأحكام قسمان حيض واستحاضة ولم يجعل لهما ثالثا وهذا ليس باستحاضة فإن الاستحاضة الدم المطبق والزائد على أكثر الحيض أو الخارج عن العادة وهذا ليس واحدا منها فبطل أن يكون استحاضة فهو حيض قالوا : ولا يمكنكم إثبات قسم ثالث في هذا المحل وجعله دم فساد فإن هذا لا يثبت إلا بنص أو إجماع أو دليل يجب المصير إليه وهو منتف .

              قالوا : وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم المستحاضة إلى عادتها وقال اجلسي قدر الأيام التي كنت تحيضين .

              فدل على أن عادة النساء معتبرة في وصف الدم وحكمه فإذا جرى دم الحامل على عادتها المعتادة ووقتها من غير زيادة ولا نقصان ولا انتقال دلت عادتها على أنه حيض ووجب تحكيم عادتها وتقديمها على الفساد الخارج عن العبادة .

              قالوا : وأعلم الأمة بهذه المسألة نساء النبي صلى الله عليه وسلم وأعلمهن عائشة وقد صح عنها من رواية أهل المدينة أنها لا تصلي وقد شهد له الإمام أحمد بأنه أصح من الرواية الأخرى عنها ولذلك رجع إليه إسحاق وأخبر أنه قول أحمد بن حنبل قالوا : ولا تعرف صحة الآثار بخلاف ذلك عمن ذكرتم من الصحابة ولو صحت فهي مسألة نزاع بين الصحابة ولا دليل يفصل .

              قالوا : ولأن عدم مجامعة الحيض للحمل إما أن يعلم بالحس أو بالشرع وكلاهما منتف أما الأول فظاهر وأما الثاني : فليس عن صاحب الشرع ما يدل على أنهما لا يجتمعان .

              وأما قولكم إنه جعله دليلا على براءة الرحم من الحمل في العدة والاستبراء .

              قلنا : جعل دليلا ظاهرا أو قطعيا الأول صحيح .

              والثاني : باطل فإنه لو كان دليلا قطعيا لما تخلف عنه مدلوله ولكانت أول مدة الحمل من حين انقطاع الحيض وهذا لم يقله أحد بل أول المدة من حين الوطء ولو حاضت بعده عدة حيض فلو وطئها ثم جاءت بولد لأكثر من ستة أشهر من حين الوطء ولأقل منها من حين انقطاع الحيض لحقه النسب اتفاقا فعلم أنه أمارة ظاهرة قد يتخلف عنها مدلولها تخلف المطر عن الغيم الرطب وبهذا يخرج الجواب عما استدللتم به من السنة فإنا بها قائلون وإلى حكمها صائرون وهي الحكم بين المتنازعين .

              والنبي صلى الله عليه وسلم ؟ قسم النساء إلى قسمين حامل فعدتها وضع حملها وحائل فعدتها بالحيض ونحن قائلون بموجب هذا غير منازعين فيه ولكن أين فيه ما يدل على أن ما تراه الحامل من الدم على عادتها تصوم معه وتصلي ؟ هذا أمر آخر لا تعرض للحديث به وهذا يقول القائلون بأن دمها دم حيض هذه العبارة بعينها ولا يعد هذا تناقضا ولا خللا في العبارة .

              قالوا : وهكذا قوله في شأن عبد الله بن عمر رضي الله عنه مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا قبل أن يمسها إنما فيه إباحة الطلاق إذا كانت حائلا بشرطين الطهر وعدم المسيس فأين في هذا التعرض لحكم الدم الذي تراه على حملها ؟ وقولكم إن الحامل لو كانت تحيض لكان طلاقها في زمن الدم بدعة وقد اتفق الناس على أن طلاق الحامل ليس ببدعة وإن رأت الدم ؟ قلنا : إن النبي صلى الله عليه وسلم قسم أحوال المرأة التي يريد طلاقها إلى حال حمل وحال خلو عنه وجوز طلاق الحامل مطلقا من غير استثناء وأما غير ذات الحمل فإنما أباح طلاقها بالشرطين المذكورين وليس في هذا ما يدل على أن دم الحامل دم فساد بل على أن الحامل تخالف غيرها في الطلاق وأن غيرها إنما تطلق طاهرا غير مصابة ولا يشترط في الحامل شيء من هذا بل تطلق عقيب الإصابة وتطلق وإن رأت الدم فكما لا يحرم طلاقها عقيب إصابتها لا يحرم حال حيضها .

              وهذا الذي تقتضيه حكمة الشارع في وقت الطلاق إذنا ومنعا فإن المرأة متى استبان حملها كان المطلق على بصيرة من أمره ولم يعرض له من الندم ما يعرض لهن كلهن بعد الجماع ولا يشعر بحملها فليس ما منع منه نظير ما أذن فيه لا شرعا ولا واقعا ولا اعتبارا ولا سيما من علل المنع من الطلاق في الحيض بتطويل العدة فهذا لا أثر له في الحامل .

              قالوا : وأما قولكم إنه لو كان حيضا لانقضت به العدة فهذا لا يلزم لأن الله سبحانه جعل عدة الحامل بوضع الحمل وعدة الحائل بالأقراء ولا يمكن انقضاء عدة الحامل بالأقراء لإفضاء ذلك إلى أن يملكها الثاني ويتزوجها وهي حامل من غيره فيسقي ماءه زرع غيره .

              قالوا : وإذا كنتم سلمتم لنا أن الحائض قد تحبل وحملتم على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها ولا يمكنكم منع ذلك لشهادة الحس به فقد أعطيتم أن الحيض والحبل يجتمعان فبطل استدلالكم من رأسه لأن مداره على أن الحيض لا يجامع الحبل . فإن قلتم نحن إنما جوزنا ورود الحمل على الحيض وكلامنا في عكسه وهو ورود الحيض على الحمل وبينهما فرق .

              قيل إذا كانا متنافيين لا يجتمعان فأي فرق بين ورود هذا على هذا وعكسه ؟ وأما قولكم إن الله سبحانه أجرى العادة بانقلاب دم الطمث لبنا يتغذى به الولد ولهذا لا تحيض المراضع . قلنا : وهذا من أكبر حجتنا عليكم فإن هذا الانقلاب والتغذية باللبن إنما يستحكم بعد الوضع وهو زمن سلطان اللبن وارتضاع المولود وقد أجرى الله العادة بأن المرضع لا تحيض . ومع هذا فلو رأت دما في وقت عادتها لحكم له بحكم الحيض بالاتفاق فلأن يحكم له بحكم الحيض في الحال التي لم يستحكم فيها انقلابه ولا تغذى الطفل به أولى وأحرى .

              قالوا : وهب أن هذا كما تقولون فهذا إنما يكون عند احتياج الطفل إلى التغذية باللبن وهذا بعد أن ينفخ فيه الروح . فأما قبل ذلك فإنه لا ينقلب لبنا لعدم حاجة الحمل إليه . وأيضا فإنه لا يستحيل كله لبنا بل يستحيل بعضه ويخرج الباقي وهذا القول هو الراجح كما تراه نقلا ودليلا والله المستعان .


              افتراضي

              هل يمنع من الاستمتاع بالمستبرأة بغير الوطء في الموضع الذي يجب فيه الاستبراء ؟

              فإن قيل فهل تمنعون من الاستمتاع بالمستبرأة بغير الوطء في الموضع الذي يجب فيه الاستبراء ؟ قيل أما إذا كانت صغيرة لا يوطأ مثلها فهذه لا تحرم قبلتها ولا مباشرتها وهذا منصوص أحمد في إحدى الروايتين عنه اختارها أبو محمد المقدسي وشيخنا وغيرهما فإنه قال إن كانت صغيرة بأي شيء تستبرأ إذا كانت رضيعة ؟

              وقال في رواية أخرى : تستبرأ بحيضة إن كانت تحيض وإلا ثلاثة أشهر إن كانت ممن توطأ وتحبل . قال أبو محمد فظاهر هذا أنه لا يجب استبراؤها ولا تحرم مباشرتها وهذا اختيار ابن أبي موسى وقول مالك وهو الصحيح لأن سبب الإباحة متحقق وليس على تحريمها دليل فإنه لا نص فيها ولا معنى نص فإن تحريم مباشرة الكبيرة إنما كان لكونه داعيا إلى الوطء المحرم أو خشية أن تكون أم ولد لغيره ولا يتوهم هذا في هذه فوجب العمل بمقتضى الإباحة انتهى كلامه .




              فصل [ مباشرة البكر في وقت الاستبراء ]
              وإن كانت ممن يوطأ مثلها فإن كانت بكرا وقلنا : لا يجب استبراؤها فظاهر وإن قلنا : يجب استبراؤها فقال أصحابنا : تحرم قبلتها ومباشرتها وعندي أنه لا يحرم ولو قلنا بوجوب استبرائها لأنه لا يلزم من تحريم الوطء تحريم دواعيه كما في حق الصائم لا سيما وهم إنما حرموا تحريم مباشرتها لأنها قد تكون حاملا فيكون مستمتعا بأمة الغير هكذا عللوا تحريم المباشرة ثم قالوا : ولهذا لا يحرم الاستمتاع بالمسبية بغير الوطء قبل الاستبراء في إحدى الروايتين لأنها لا يتوهم فيها انفساخ الملك لأنه قد استقر بالسبي فلم يبق لمنع الاستمتاع بالقبلة وغيرها من البكر معنى .

              وإن كانت ثيبا فقال أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم يحرم الاستمتاع بها قبل الاستبراء قالوا : لأنه استبراء يحرم الوطء فحرم الاستمتاع بها قبل الاستبراء كالعدة ولأنه لا يأمن كونها حاملا فتكون أم ولد والبيع باطل فيكون مستمتعا بأم ولد غيره . قالوا : ولهذا فارق وطء تحريم الحائض والصائم .

              وقال الحسن البصري : لا يحرم من المستبرأة إلا فرجها وله أن يستمتع منها بما شاء ما لم يطأ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما منع من الوطء قبل الاستبراء ولم يمنع مما دونه ولا يلزم من تحريم الوطء تحريم ما دونه كالحائض والصائمة وقد قيل إن ابن عمر قبل جاريته من السبي حين وقعت في سهمه قبل استبرائها . ولمن نصر هذا القول أن يقول الفرق بين المشتراة والمعتدة أن المعتدة قد صارت أجنبية منه فلا يحل وطؤها ولا دواعيه بخلاف المملوكة فإن وطأها إنما يحرم قبل الاستبراء خشية اختلاط مائه بماء غيره وهذا لا يوجب تحريم الدواعي فهي أشبه بالحائض والصائمة ونظير هذا أنه لو زنت امرأته أو جاريته حرم عليه وطؤها قبل الاستبراء ولا يحرم دواعيه وكذلك المسبية كما سيأتي . وأكثر ما يتوهم كونها حاملا من سيدها فينفسخ البيع فهذا بناء على تحريم بيع أمهات الأولاد على علاته ولا يلزم القائل به لأنه لما استمتع بها كانت ملكه ظاهرا وذلك يكفي في جواز الاستمتاع كما يخلو بها ويحدثها وينظر منها ما لا يباح من الأجنبية وما كان جوابكم عن هذه الأمور فهو الجواب عن القبلة والاستمتاع ولا يعلم في جواز هذا نزاع فإن المشتري لا يمنع من قبض أمته وحوزها إلى بيته وإن كان وحده قبل الاستبراء ولا يجب عليها أن تستر وجهها منه ولا يحرم عليه النظر إليها والخلوة بها والأكل معها واستخدامها والانتفاع بمنافعها وإن لم يجز له ذلك في ملك الغير .


              فصل [ الاستمتاع بغير الوطء للمسبية ]
              وإن كانت مسبية ففي جواز الاستمتاع بغير الوطء قولان للفقهاء وهما روايتان عن أحمد رحمه الله .

              إحداهما : أنها كغير المسبية فيحرم الاستمتاع منها بما دون الفرج وهو ظاهر كلام الخرقي لأنه قال ومن ملك أمة لم يصبها ولم يقبلها حتى يستبرئها بعد تمام ملكه لها .

              والثانية لا يحرم وهو قول ابن عمر رضي الله عنه . والفرق بينها وبين المملوكة بغير السبي أن المسبية لا يتوهم فيها كونها أم ولد بل هي مملوكة له على كل حال بخلاف غيرها كما تقدم والله أعلم .

              [ هل تبدأ مدة الاستبراء من حين البيع ]

              فإن قيل فهل يكون أول مدة الاستبراء من حين البيع أو من حين القبض ؟

              قيل فيه قولان وهما وجهان في مذهب أحمد رحمه الله . أحدهما : من حين البيع لأن الملك ينتقل به .

              والثاني : من حين القبض لأن القصد معرفة براءة رحمها من ماء البائع وغيره ولا يحصل ذلك مع كونها في يده وهذا على أصل الشافعي وأحمد . أما على أصل مالك فيكفي عنده الاستبراء قبل البيع في المواضع التي تقدمت . فإن قيل فإن كان في البيع خيار فمتى يكون ابتداء مدة الاستبراء ؟

              قيل هذا ينبني على الخلاف في انتقال الملك في مدة الخيار فمن قال ينتقل فابتداء المدة عنده من حين البيع ومن قال لا ينتقل فابتداؤها عنده من حين انقطاع الخيار . فإن قيل فما تقولون لو كان الخيار خيار عيب ؟ قيل ابتداء المدة من حين البيع قولا واحدا لأن خيار العيب لا يمنع نقل الملك بغير خلاف والله أعلم .



              فصل [ هل سكتت السنة عن استبراء الآيسة والتي لم تحض ]
              فإن قيل قد دلت السنة على استبراء الحامل بوضع الحمل وعلى استبراء الحائل بحيضة فكيف سكتت عن استبراء الآيسة والتي لم تحض ولم تسكت عنهما في العدة ؟ قيل لم تسكت عنهما بحمد الله بل بينتهما بطريق الإيماء والتنبيه فإن الله سبحانه جعل عدة الحرة ثلاثة قروء ثم جعل عدة الآيسة والتي لم تحض ثلاثة أشهر فعلم أنه سبحانه جعل في مقابلة كل قرء شهرا . ولهذا أجرى سبحانه عادته الغالبة في إمائه أن المرأة تحيض في كل شهر حيضة وبينت السنة أن استبراء الأمة الحائض بحيضة فيكون الشهر قائما مقام الحيضة وهذا إحدى الروايات عن أحمد وأحد قولي الشافعي .

              وعن أحمد رواية ثانية أنها تستبرأ بثلاثة أشهر وهي المشهورة عنه وهو أحد قولي الشافعي . ووجه هذا القول ما احتج به أحمد في رواية أحمد بن القاسم فإنه قال قلت لأبي عبد الله كيف جعلت ثلاثة أشهر مكان حيضة وإنما جعل الله سبحانه في القرآن مكان كل حيضة شهرا ؟

              فقال أحمد إنما قلنا : ثلاثة أشهر من أجل الحمل فإنه لا يتبين في أقل من ذلك فإن عمر بن عبد العزيز سأل عن ذلك وجمع أهل العلم والقوابل فأخبروا أن الحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر فأعجبه ذلك ثم قال ألا تسمع قول ابن مسعود : إن النطفة تكون أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما مضغة بعد ذلك فإذا خرجت الثمانون صارت بعدها مضغة وهي لحم فيتبين حينئذ

              قال ابن القاسم : قال لي : هذا معروف عند النساء . فأما شهر فلا معنى فيه انتهى كلامه .

              وعنه رواية ثالثة أنها تستبرأ بشهر ونصف فإنه قال في رواية حنبل قال عطاء إن كانت لا تحيض فخمسة وأربعون ليلة . قال حنبل قال عمي : لذلك أذهب لأن عدة المطلقة الآيسة كذلك انتهى كلامه .

              ووجه هذا القول أنها لو طلقت وهي آيسة اعتدت بشهر ونصف في رواية فلأن تستبرأ الأمة بهذا القدر أولى .

              وعن أحمد رواية رابعة أنها تستبرأ بشهرين حكاها القاضي عنه واستشكلها كثير من أصحابه حتى قال صاحب " المغني " : ولم أر لذلك وجها .

              قال ولو كان استبراؤها بشهرين لكان استبراء ذات القروء بقرأين ولم نعلم به قائلا .

              ووجه هذه الرواية أنها اعتبرت بالمطلقة ولو طلقت وهي أمة لكانت عدتها شهرين هذا هو المشهور عن أحمد رحمه الله واحتج فيه بقول عمر رضي الله عنه وهو الصواب لأن الأشهر قائمة مقام القروء وعدة ذات القروء قرءان فبدلهما شهران وإنما صرنا إلى استبراء ذات القرء بحيضة لأنها علم ظاهر على براءتها من الحمل ولا يحصل ذلك بشهر واحد فلا بد من مدة تظهر فيها براءتها وهي إما شهران أو ثلاثة فكانت الشهران أولى لأنها جعلت علما على البراءة في حق المطلقة ففي حق المستبرأة أولى فهذا وجه هذه الرواية .

              وبعد فالراجح من الدليل الاكتفاء بشهر واحد وهو الذي دل عليه إيماء النص وتنبيهه وفي جعل مدة استبرائها ثلاثة أشهر تسوية بينها وبين الحرة وجعلها بشهرين تسوية بينها وبين المطلقة فكان أولى المدد بها شهرا فإنه البدل التام والشارع قد اعتبر نظير هذا البدل في نظير الأمة وهي الحرة واعتبره الصحابة في الأمة المطلقة فصح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال عدتها حيضتان فإن لم تكن تحيض فشهران احتج به أحمد رحمه الله . وقد نص أحمد رحمه الله في أشهر الروايات عنه على أنها إذا ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه اعتدت بعشرة أشهر تسعة للحمل وشهر مكان الحيضة .

              وعنه رواية ثانية تعتد بسنة هذه طريقة الشيخ أبي محمد قال وأحمد هاهنا جعل مكان الحيضة شهرا لأن اعتبار تكرارها في الآيسة لتعلم براءتها من الحمل وقد علم براءتها منه هاهنا بمضي غالب مدته فجعل الشهر مكان الحيضة على وفق القياس وهذا هو الذي ذكره الخرقي مفرقا بين الآيسة وبين من ارتفع حيضها فقال فإن كانت آيسة فبثلاثة أشهر وإن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه اعتدت بتسعة أشهر للحمل وشهر مكان الحيضة .

              وأما الشيخ أبو البركات فجعل الخلاف في الذي ارتفع حيضها كالخلاف في الآيسة وجعل فيها الروايات الأربع بعد غالب مدة الحمل تسوية بينها وبين الآيسة فقال في " محرره " : والآيسة والصغيرة بمضي شهر . وعنه بمضي ثلاثة أشهر . وعنه شهرين وعنه شهر ونصف . وإن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه فبذلك بعد تسعة أشهر .

              وطريقة الخرقي والشيخ أبي محمد أصح وهذا الذي اخترناه من الاكتفاء بشهر هو الذي مال إليه الشيخ في " المغني " فإنه قال ووجه استبرائها بشهر أن الله جعل الشهر مكان الحيضة ولذلك اختلفت الشهور باختلاف الحيضات فكانت عدة الحرة الآيسة ثلاثة أشهر مكان الثلاثة قروء وعدة الأمة شهرين مكان القرأين وللأمة المستبرأة التي ارتفع حيضها عشرة أشهر تسعة للحمل وشهر مكان الحيضة فيجب أن يكون مكان الحيضة هنا شهر كما في حق من ارتفع حيضها .

              قال فإن قيل فقد وجدتم ما دل على البراءة وهو تربص تسعة أشهر .

              قلنا : وهاهنا ما يدل على البراءة وهو الإياس فاستويا .



              ذكر أحكامه صلى الله عليه وسلم في البيوع
              ذكر حكمه صلى الله عليه وسلم فيما يحرم بيعه
              ثبت في " الصحيحين " : من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام

              فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس ؟ فقال " لا هو حرام " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه

              وفيهما أيضا : عن ابن عباس قال بلغ عمر رضي الله عنه أن سمرة باع خمرا فقال قاتل الله سمرة ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها

              فهذا من " مسند عمر " رضي الله عنه وقد رواه البيهقي والحاكم في " مستدركه " فجعلاه من " مسند ابن عباس " وفيه زيادة ولفظه عن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد يعني الحرام فرفع بصره إلى السماء فتبسم فقال لعن الله اليهود لعن الله اليهود لعن الله اليهود إن الله عز وجل حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه وإسناده صحيح فإن البيهقي رواه عن ابن عبدان عن الصفار عن إسماعيل القاضي حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا خالد الحذاء عن بركة أبي الوليد عن ابن عباس . وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . نحوه دون قوله إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه

              [ أجناس المحرمات ]

              فاشتملت هذه الكلمات الجوامع على تحريم ثلاثة أجناس مشارب تفسد العقول ومطاعم تفسد الطباع وتغذي غذاء خبيثا ؟ وأعيان تفسد الأديان وتدعو إلى الفتنة والشرك .

              فصان بتحريم النوع الأول العقول عما يزيلها ويفسدها وبالثاني : القلوب عما يفسدها من وصول أثر الغذاء الخبيث إليها والغاذي شبيه بالمغتذي وبالثالث الأديان عما وضع لإفسادها .

              فتضمن هذا التحريم صيانة العقول والقلوب والأديان .

              ولكن الشأن في معرفة حدود كلامه صلوات الله عليه وما يدخل فيه وما لا يدخل فيه لتستبين عموم كلماته وجمعها وتناولها لجميع الأنواع التي شملها عموم كلماته وتأويلها بجميع الأنواع التي شملها عموم لفظه ومعناه وهذه خاصية الفهم عن الله ورسوله التي تفاوت فيه العلماء ويؤتيه الله من يشاء .



              [ تحرم بيع الخمر ]
              فأما تحريم بيع الخمر فيدخل فيه تحريم بيع كل مسكر مائعا كان أو جامدا عصيرا أو مطبوخا فيدخل فيه عصير العنب وخمر الزبيب والتمر والذرة والشعير والعسل والحنطة واللقمة الملعونة لقمة الفسق والقلب التي تحرك القلب الساكن إلى أخبث الأماكن فإن هذا كله خمر بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح الصريح الذي لا مطعن في سنده ولا إجمال في متنه إذ صح عنه قوله كل مسكر خمر

              وصح عن أصحابه رضي الله عنهم الذين هم أعلم الأمة بخطابه ومراده أن الخمر ما خامر العقل فدخول هذه الأنواع تحت اسم الخمر كدخول جميع أنواع الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والزبيب تحت قوله لا تبيعوا الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا مثلا بمثل

              فكما لا يجوز إخراج صنف من هذه الأصناف عن تناول اسمه له فهكذا لا يجوز إخراج صنف من أصناف المسكر عن اسم الخمر فإنه يتضمن محذورين . أحدهما : أن يخرج من كلامه ما قصد دخوله فيه .

              والثاني : أن يشرع لذلك النوع الذي أخرج حكم غير حكمه فيكون تغييرا لألفاظ الشارع ومعانيه فإنه إذا سمى ذلك النوع بغير الاسم الذي سماه به الشارع أزال عنه حكم ذلك المسمى وأعطاه حكما آخر . ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم من أمته من يبتلى بهذا كما قال ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها قضى قضية كلية عامة لا يتطرق إليها إجمال ولا احتمال بل هي شافية كافية فقال كل مسكر خمر هذا ولو أن أبا عبيدة والخليل وأضرابهما من أئمة اللغة ذكروا هذه الكلمة هكذا لقالوا : قد نص أئمة اللغة على أن كل مسكر خمر وقولهم حجة وسيأتي إن شاء الله تعالى عند ذكر هديه في الأطعمة والأشربة مزيد تقرير لهذا وأنه لو لم يتناوله لفظه لكان القياس الصريح الذي استوى فيه الأصل والفرع من كل وجه حاكما بالتسوية بين أنواع المسكر في تحريم البيع والشرب فالتفريق بين نوع ونوع تفريق بين متماثلين من جميع الوجوه .


              افتراضي

              فصل [ تحريم بيع الميتة ]
              [ تحريم بيع شحم الميتة ]

              وأما تحريم بيع الميتة فيدخل فيه كل ما يسمى ميتة سواء مات حتف أنفه أو ذكي ذكاة لا تفيد حله . ويدخل فيه أبعاضها أيضا ولهذا استشكل الصحابة رضي الله عنهم تحريم بيع الشحم مع ما لهم فيه من المنفعة فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرام وإن كان فيه ما ذكروا من المنفعة وهذا موضع اختلف الناس فيه لاختلافهم في فهم مراده صلى الله عليه وسلم وهو أن قوله لا هو حرام هل هو عائد إلى البيع أو عائد إلى الأفعال التي سألوا عنها ؟ فقال شيخنا : هو راجع إلى البيع فإنه صلى الله عليه وسلم لما أخبرهم أن الله حرم بيع الميتة قالوا : إن في شحومها من المنافع كذا وكذا يعنون فهل ذلك مسوغ لبيعها ؟ فقال لا هو حرام

              قلت : كأنهم طلبوا تخصيص الشحوم من جملة الميتة بالجواز كما طلب العباس رضي الله عنه تخصيص الإذخر من جملة تحريم نبات الحرم بالجواز فلم يجبهم إلى ذلك فقال لا هو حرام

              وقال غيره من أصحاب أحمد وغيرهم التحريم عائد إلى الأفعال المسئول عنها وقال هو حرام ولم يقل هي لأنه أراد المذكور جميعه ويرجح قولهم عود الضمير إلى أقرب مذكور ويرجحه من جهة المعنى أن إباحة هذه الأشياء ذريعة إلى اقتناء الشحوم وبيعها ويرجحه أيضا : أن في بعض ألفاظ الحديث فقال لا هي حرام وهذا الضمير إما أن يرجع إلى الشحوم وإما إلى هذه الأفعال وعلى التقديرين فهو حجة على تحريم الأفعال التي سألوا عنها .

              ويرجحه أيضا قوله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الفأرة التي وقعت في السمن إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوه وإن كان مائعا فلا تقربوه وفي الانتفاع به في الاستصباح وغيره قربان له . ومن رجح الأول يقول ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنما حرم من الميتة أكلها وهذا صريح في أنه لا يحرم الانتفاع بها في غير أكل كالوقيد وسد البثوق ونحوهما . قالوا : والخبيث إنما تحرم ملابسته باطنا وظاهرا كالأكل واللبس وأما الانتفاع به من غير ملابسة فلأي شيء يحرم ؟

              قالوا : ومن تأمل سياق حديث جابر علم أن السؤال إنما كان منهم عن البيع وأنهم طلبوا منه أن يرخص لهم في بيع الشحوم لما فيها من المنافع فأبى عليهم وقال هو حرام فإنهم لو سألوه عن حكم هذه الأفعال لقالوا : أرأيت شحوم الميتة هل يجوز أن يستصبح بها الناس وتدهن بها الجلود ؟ ولم يقولوا : فإنه يفعل بها كذا وكذا فإن هذا إخبار منهم لا سؤال وهم لم يخبروه بذلك عقيب تحريم هذه الأفعال عليهم ليكون قوله " لا هو حرام " صريحا في تحريمها وإنما أخبروه به عقيب تحريم بيع الميتة فكأنهم طلبوا منه أن يرخص لهم في بيع الشحوم لهذه المنافع التي ذكروها فلم يفعل . ونهاية الأمر أن الحديث يحتمل الأمرين فلا يحرم ما لم يعلم أن الله ورسوله حرمه .

              قالوا : وقد ثبت عنه أنه نهاهم عن الاستسقاء من آبار ثمود وأباح لهم أن يطعموا ما عجنوا منه من تلك الآبار للبهائم قالوا : ومعلوم أن إيقاد النجاسة والاستصباح بها انتفاع خال عن هذه المفسدة وعن ملابستها باطنا وظاهرا فهو نفع محض لا مفسدة فيه . وما كان هكذا فالشريعة لا تحرمه فإن الشريعة إنما تحرم المفاسد الخالصة أو الراجحة وطرقها وأسبابها الموصلة إليها .

              قالوا : وقد أجاز أحمد في إحدى الروايتين الاستصباح بشحوم الميتة إذا خالطت دهنا طاهرا فإنه في أكثر الروايات عنه يجوز الاستصباح بالزيت النجس وطلي السفن به وهو اختيار طائفة من أصحابه منهم الشيخ أبو محمد وغيره واحتج بأن ابن عمر أمر أن يستصبح به .

              وقال في رواية ابنيه صالح وعبد الله لا يعجبني بيع النجس ويستصبح به إذا لم يمسوه لأنه نجس وهذا يعم النجس والمتنجس ولو قدر أنه إنما أراد به المتنجس فهو صريح في القول بجواز الاستصباح بما خالطه نجاسة ميتة أو غيرها وهذا مذهب الشافعي وأي فرق بين الاستصباح بشحم الميتة إذا كان منفردا وبين الاستصباح به إذا خالطه دهن طاهر فنجسه ؟ فإن قيل إذا كان مفردا فهو نجس العين وإذا خالطه غيره تنجس به فأمكن تطهيره بالغسل فصار كالثوب النجس ولهذا يجوز بيع الدهن المتنجس على أحد القولين دون دهن الميتة .

              قيل لا ريب أن هذا هو الفرق الذي عول عليه المفرقون بينهما ولكنه ضعيف لوجهين .

              أحدهما : أنه لا يعرف عن الإمام أحمد ولا عن الشافعي البتة غسل الدهن النجس وليس عنهم في ذلك كلمة واحدة وإنما ذلك من فتوى بعض المنتسبين وقد روي عن مالك أنه يطهر بالغسل هذه رواية ابن نافع وابن القاسم عنه .

              الثاني : أن هذا الفرق وإن تأتى لأصحابه في الزيت والشيرج ونحوهما فلا يتأتى لهم في جميع الأدهان فإن منها ما لا يمكن غسله وأحمد والشافعي قد أطلقا القول بجواز الاستصباح بالدهن النجس من غير تفريق .

              وأيضا فإن هذا الفرق لا يفيد في دفع كونه مستعملا للخبيث والنجاسة سواء كانت عينية أو طارئة فإنه إن حرم الاستصباح به لما فيه من استعمال الخبيث فلا فرق وإن حرم لأجل دخان النجاسة فلا فرق وإن حرم لكون الاستصباح به ذريعة إلى اقتنائه فلا فرق فالفرق بين المذهبين في جواز الاستصباح بهذا دون هذا لا معنى له .

              وأيضا فقد جوز جمهور العلماء الانتفاع بالسرقين النجس في عمارة الأرض للزرع والثمر والبقل مع نجاسة عينه وملابسة المستعمل له أكثر من ملابسة الموقد وظهور أثره في البقول والزروع والثمار فوق ظهور أثر الوقيد وإحالة النار أتم من إحالة الأرض والهواء والشمس للسرقين فإن كان التحريم لأجل دخان النجاسة فمن سلم أن دخان النجاسة نجس وبأي كتاب أم بأية سنة ثبت ذلك ؟ وانقلاب النجاسة إلى الدخان أتم من انقلاب عين السرقين والماء النجس ثمرا أو زرعا وهذا أمر لا يشك فيه بل معلوم بالحس والمشاهدة حتى جوز بعض أصحاب مالك وأبي حنيفة رحمهما الله بيعه فقال ابن الماجشون لا بأس ببيع العذرة لأن ذلك من منافع الناس . وقال ابن القاسم : لا بأس ببيع الزبل . قال اللخمي وهذا يدل من قوله على أنه يرى بيع العذرة . وقال أشهب في الزبل المشتري أعذر فيه من البائع يعني في اشترائه . وقال ابن عبد الحكم : لم يعذر الله واحدا منهما وهما سيان في الإثم .

              قلت : وهذا هو الصواب وأن بيع ذلك حرام وإن جاز الانتفاع به والمقصود أنه لا يلزم من تحريم بيع الميتة تحريم الانتفاع بها في غير ما حرم الله ورسوله منها كالوقيد وإطعام الصقور والبزاة وغير ذلك . وقد نص مالك على جواز الاستصباح بالزيت النجس في غير المساجد وعلى جواز عمل الصابون منه وينبغي أن يعلم أن باب الانتفاع أوسع من باب البيع فليس كل ما حرم بيعه حرم الانتفاع به بل لا تلازم بينهما فلا يؤخذ تحريم الانتفاع من تحريم البيع .



              فصل [ تحريم بيع أجزاء الميتة التي تحلها الحياة وتفارقها بالموت وحل بيع الشعر والوبر والصوف ]
              ويدخل في تحريم بيع الميتة بيع أجزائها التي تحلها الحياة وتفارقها بالموت كاللحم والشحم والعصب وأما الشعر والوبر والصوف فلا يدخل في ذلك لأنه ليس بميتة ولا تحله الحياة . وكذلك قال جمهور أهل العلم إن شعور الميتة وأصوافها وأوبارها طاهرة إذا كانت من حيوان طاهر هذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والليث والأوزاعي والثوري وداود وابن المنذر والمزني ومن التابعين الحسن وابن سيرين وأصحاب عبد الله بن مسعود وانفرد الشافعي بالقول بنجاستها واحتج له بأن اسم الميتة يتناولها كما يتناول سائر أجزائها بدليل الأثر والنظر أما الأثر ففي " الكامل " لابن عدي من حديث ابن عمر يرفعه ادفنوا الأظفار والدم والشعر فإنها ميتة

              وأما النظر فإنه متصل بالحيوان ينمو بنمائه فينجس بالموت كسائر أعضائه وبأنه شعر نابت في محل نجس فكان نجسا كشعر الخنزير وهذا لأن ارتباطه بأصله خلقة يقتضي أن يثبت له حكمه تبعا فإنه محسوب منه عرفا والشارع أجرى الأحكام فيه على وفق ذلك فأوجب غسله في الطهارة وأوجب الجزاء يأخذه من الصيد كالأعضاء وألحقه بالمرأة في النكاح والطلاق حلا وحرمة وكذلك هاهنا وبأن الشارع له تشوف إلى إصلاح الأموال وحفظها وصيانتها وعدم إضاعتها .

              وقد قال لهم في شاة ميمونة هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ولو كان الشعر طاهرا لكان إرشادهم إلى أخذه أولى لأنه أقل كلفة وأسهل تناولا .

              قال المطهرون للشعور قال الله تعالى : ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين [ النحل 80 ] وهذا يعم أحياءها وأمواتها وفي " مسند أحمد " : عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس رضي الله عنه قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بشاة لميمونة ميتة فقال ألا انتفعتم بإهابها قالوا : وكيف وهي ميتة ؟ قال إنما حرم لحمها وهذا ظاهر جدا في إباحة ما سوى اللحم والشحم والكبد والطحال والألية كلها داخلة في اللحم كما دخلت في تحريم لحم الخنزير ولا ينتقض هذا بالعظم والقرن والظفر والحافر فإن الصحيح طهارة ذلك كما سنقرره عقيب هذه المسألة .

              قالوا : ولأنه لو أخذ حال الحياة لكان طاهرا فلم ينجس بالموت كالبيض وعكسه الأعضاء . قالوا : ولأنه لما لم ينجس بجزه في حال حياة الحيوان بالإجماع دل على أنه ليس جزءا من الحيوان وأنه لا روح فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أبين من حي فهو ميتة رواه أهل السنن . ولأنه لا يتألم بأخذه ولا يحس بمسه وذلك دليل عدم الحياة فيه وأما النماء فلا يدل على الحياة والحيوانية التي يتنجس الحيوان بمفارقتها فإن مجرد النماء لو دل على الحياة ونجس المحل بمفارقة هذه الحياة لتنجس الزرع بيبسه لمفارقة حياة النمو والاغتذاء له .

              قالوا : فالحياة نوعان حياة حس وحركة وحياة نمو واغتذاء فالأولى : هي التي يؤثر فقدها في طهارة الحي دون الثانية .

              قالوا : واللحم إنما ينجس لاحتقان الرطوبات والفضلات الخبيثة فيه والشعور والأصواف بريئة من ذلك ولا ينتقض بالعظام والأظفار لما سنذكره .

              قالوا : والأصل في الأعيان الطهارة وإنما يطرأ عليها التنجيس باستحالتها كالرجيع المستحيل عن الغذاء وكالخمر المستحيل عن العصير وأشباهها والشعور في حال استحالتها كانت طاهرة ثم لم يعرض لها ما يوجب نجاستها بخلاف أعضاء الحيوان فإنها عرض لها ما يقتضي نجاستها وهو احتقان الفضلات الخبيثة .

              قالوا : وأما حديث عبد الله بن عمر ففي إسناده عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد . قال أبو حاتم الرازي : أحاديثه منكرة ليس محله عندي الصدق وقال علي بن الحسين بن الجنيد : لا يساوي فلسا يحدث بأحاديث كذب .

              وأما حديث الشاة الميتة وقوله ألا انتفعتم بإهابها ولم يتعرض للشعر فعنه ثلاثة أجوبة .

              أحدها : أنه أطلق الانتفاع بالإهاب ولم يأمرهم بإزالة ما عليه من الشعر مع أنه لا بد فيه من شعر وهو صلى الله عليه وسلم لم يقيد الإهاب المنتفع به بوجه دون وجه فدل على أن الانتفاع به فروا وغيره مما لا يخلو من الشعر .

              والثاني : أنه صلى الله عليه وسلم قد أرشدهم إلى الانتفاع بالشعر في الحديث نفسه حيث يقول إنما حرم من الميتة أكلها أو لحمها

              والثالث أن الشعر ليس من الميتة ليتعرض له في الحديث لأنه لا يحله الموت وتعليلهم بالتبعية يبطل بجلد الميتة إذا دبغ وعليه شعر فإنه يطهر دون الشعر عندهم وتمسكهم بغسله في الطهارة يبطل بالجبيرة وتمسكهم بضمانه من الصيد يبطل بالبيض وبالحمل . وأما في النكاح فإنه يتبع الجملة لاتصاله وزوال الجملة بانفصاله عنها وهاهنا لو فارق الجملة بعد أن تبعها في التنجس لم يفارقها فيه عندهم فعلم الفرق .



              فصل [ هل يحرم بيع عظم الميتة وقرنها وجلدها بعد الدباغ ]
              فإن قيل فهل يدخل في تحريم بيعها تحريم بيع عظمها وقرنها وجلدها بعد الدباغ لشمول اسم الميتة لذلك ؟ قيل الذي يحرم بيعه منها هو الذي يحرم أكله واستعماله كما أشار إليه النبي بقوله إن الله تعالى إذا حرم شيئا حرم ثمنه وفي اللفظ الآخر إذا حرم أكل شيء " حرم ثمنه فنبه على أن الذي يحرم بيعه يحرم أكله .



              [ بيع جلد الميتة ]

              وأما الجلد إذا دبغ فقد صار عينا طاهرة ينتفع في اللبس والفرش وسائر وجوه الاستعمال فلا يمتنع جواز بيعه وقد نص الشافعي في كتابه القديم على أنه لا يجوز بيعه واختلف أصحابه فقال القفال لا يتجه هذا إلا بتقدير قول يوافق مالكا في أنه يطهر ظاهره دون باطنه وقال بعضهم لا يجوز بيعه وإن طهر ظاهره وباطنه على قوله الجديد فإنه جزء من الميتة حقيقة فلا يجوز بيعه كعظمها ولحمها .

              وقال بعضهم بل يجوز بيعه بعد الدبغ لأنه عين طاهرة ينتفع بها فجاز بيعها كالمذكى وقال بعضهم بل هذا ينبني على أن الدبغ إزالة أو إحالة فإن قلنا : إحالة جاز بيعه لأنه قد استحال من كونه جزء ميتة إلى عين أخرى وإن قلنا : إزالة لم يجز بيعه لأن وصف الميتة هو المحرم لبيعه وذلك باق لم يستحل .

              وبنوا على هذا الخلاف جواز أكله ولهم فيه ثلاثة أوجه أكله مطلقا وتحريمه مطلقا والتفصيل بين جلد المأكول وغير المأكول فأصحاب الوجه الأول غلبوا حكم الإحالة وأصحاب الوجه الثاني غلبوا حكم الإزالة وأصحاب الوجه الثالث أجروا الدباغ مجرى الذكاة فأباحوا بها ما يباح أكله بالذكاة إذا ذكي دون غيره والقول بجواز أكله باطل مخالف لصريح السنة ولهذا لم يمكن قائله القول به إلا بعد منعه كون الجلد بعد الدبغ ميتة وهذا منع باطل فإنه جلد ميتة حقيقة وحسا وحكما ولم يحدث له حياة بالدبغ ترفع عنه اسم الميتة وكون الدبغ إحالة باطل حسا فإن الجلد لم يستحل ذاته وأجزاؤه وحقيقته بالدباغ فدعوى أن الدباغ إحالة عن حقيقة إلى حقيقة أخرى كما تحيل النار الحطب إلى الرماد والملاحة ما يلقى فيها من الميتات إلى الملح دعوى باطلة .

              وأما أصحاب مالك رحمه الله ففي " المدونة " لابن القاسم المنع من بيعها وإن دبغت وهو الذي ذكره صاحب " التهذيب " . وقال المازري هذا هو مقتضى القول بأنها لا تطهر بالدباغ . قال وأما إذا فرعنا على أنها تطهر بالدباغ طهارة كاملة فإنا نجيز بيعها لإباحة جملة منافعها .

              قلت : عن مالك في طهارة الجلد المدبوغ روايتان . إحداهما : يطهر ظاهره وباطنه وبها قال وهب وعلى هذه الرواية جوز أصحابه بيعه . والثانية - وهي أشهر الروايتين عنه - أنه يطهر طهارة مخصوصة يجوز معها استعماله في اليابسات وفي الماء وحده دون سائر المائعات قال أصحابه وعلى هذه الرواية لا يجوز بيعه ولا الصلاة فيه ولا الصلاة عليه .

              وأما مذهب الإمام أحمد : فإنه لا يصح عنده بيع جلد الميتة قبل دبغه . وعنه في جوازه بعد الدبغ روايتان هكذا أطلقهما الأصحاب وهما عندي مبنيتان على اختلاف الرواية عنه في طهارته بعد الدباغ .




              [ بيع الدهن النجس ]

              وأما بيع الدهن النجس ففيه ثلاثة أوجه في مذهبه .

              أحدها : أنه لا يجوز بيعه .

              والثاني : أنه يجوز بيعه لكافر يعلم نجاسته وهو المنصوص عنه . قلت : والمراد بعلم النجاسة العلم بالسبب المنجس لا اعتقاد الكافر نجاسته .

              والثالث يجوز بيعه لكافر ومسلم . وخرج هذا الوجه من جواز إيقاده وخرج أيضا من طهارته بالغسل فيكون كالثوب النجس وخرج بعض أصحابه وجها ببيع السرقين النجس للوقيد من بيع الزيت النجس له وهو تخريج صحيح .

              [ بيع السرجين النجس ]

              وأما أصحاب أبي حنيفة فجوزوا بيع السرقين النجس إذا كان تبعا لغيره ومنعوه إذا كان مفردا .



              فصل [ بيع عظم الميتة ]
              وأما عظمها فمن لم ينجسه بالموت كأبي حنيفه وبعض أصحاب أحمد واختيار ابن وهب من أصحاب مالك فيجوز بيعه عندهم وإن اختلف مأخذ الطهارة فأصحاب أبي حنيفة قالوا : لا يدخل في الميتة ولا يتناوله اسمها ومنعوا كون الألم دليل حياته قالوا : وإنما تؤلمه لما جاوره من اللحم لا ذات العظم وحملوا قوله تعالى : قال من يحيي العظام وهي رميم [ يس : 78 ] على حذف مضاف أي أصحابها . وغيرهم ضعف هذا المأخذ جدا وقال العظم يألم حسا وألمه أشد من ألم اللحم ولا يصح حمل الآية على حذف مضاف لوجهين أحدهما : أنه تقدير ما لا دليل عليه فلا سبيل إليه . الثاني : أن هذا التقدير يستلزم الإضراب عن جواب سؤال السائل الذي استشكل حياة العظام فإن أبي بن خلف أخذ عظما باليا ثم جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ففته في يده فقال يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما رم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم ويبعثك ويدخلك النار

              فمأخذ الطهارة أن سبب تنجيس الميتة منتف في العظام فلم يحكم بنجاستها ولا يصح قياسها على اللحم لأن احتقان الرطوبات والفضلات الخبيثة يختص به دون العظام كما أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت وهو حيوان كامل لعدم سبب التنجيس فيه . فالعظم أولى وهذا المأخذ أصح وأقوى من الأول وعلى هذا فيجوز بيع عظام الميتة إذا كانت من حيوان طاهر العين .

              وأما من رأى نجاستها فإنه لا يجوز بيعها إذ نجاستها عينية قال ابن القاسم : قال مالك لا أرى أن تشترى عظام الميتة ولا تباع ولا أنياب الفيل ولا يتجر فيها ولا يمتشط بأمشاطها ولا يدهن بمداهنها وكيف يجعل الدهن في الميتة ويمشط لحيته بعظام الميتة وهي مبلولة وكره أن يطبخ بعظام الميتة وأجاز مطرف وابن الماجشون بيع أنياب الفيل مطلقا وأجازه ابن وهب وأصبغ إن غليت وسلقت وجعلا ذلك دباغا لها .
              يتبع
              أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
              وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

              Comment

              • اخت مسلمة
                محاور
                • Nov 2005
                • 6338

                #52
                فصل [ تحريم بيع الخنزير ]
                وأما تحريم بيع الخنزير فيتناول جملته وجميع أجزائه الظاهرة والباطنة وتأمل كيف ذكر لحمه عند تحريم الأكل إشارة إلى تحريم أكله ومعظمه اللحم فذكر اللحم تنبيها على تحريم أكله دون ما قبله بخلاف الصيد فإنه لم يقل فيه وحرم عليكم لحم الصيد بل حرم نفس الصيد ليتناول ذلك أكله وقتله . وههنا لما حرم البيع ذكر جملته ولم يخص التحريم بلحمه ليتناول بيعه حيا وميتا .




                فصل [ تحريم بيع الأصنام ]
                وأما تحريم بيع الأصنام فيستفاد منه تحريم بيع كل آلة متخذة للشرك على أي وجه كانت ومن أي نوع كانت صنما أو وثنا أو صليبا وكذلك الكتب المشتملة على الشرك وعبادة غير الله فهذه كلها يجب إزالتها وإعدامها وبيعها ذريعة إلى اقتنائها واتخاذها فهو أولى بتحريم البيع من كل ما عداها فإن مفسدة بيعها بحسب مفسدتها في نفسها والنبي صلى الله عليه وسلم لم يؤخر ذكرها لخفة أمرها ولكنه تدرج من الأسهل إلى ما هو أغلظ منه فإن الخمر أحسن حالا من الميتة فإنها قد تصير مالا محترما إذا قلبها الله سبحانه ابتداء خلا أو قلبها الآدمي بصنعته عند طائفة من العلماء وتضمن إذا أتلفت على الذمي عند طائفة بخلاف الميتة وإنما لم يجعل الله في أكل الميتة حدا اكتفاء بالزاجر الذي جعله الله في الطباع من كراهتها والنفرة عنها وإبعادها عنها بخلاف الخمر .

                والخنزير أشد تحريما من الميتة ولهذا أفرده الله تعالى بالحكم عليه أنه رجس في قوله قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو [ الأنعام 145 ] فالضمير في قوله " فإنه " وإن كان عوده إلى الثلاثة المذكورة باعتبار لفظ المحرم فإنه يترجح اختصاص لحم الخنزير به لثلاثة أوجه . أحدها : قربه منه والثاني : تذكيره دون قوله فإنها رجس والثالث أنه أتى " بالفاء " و " إن " تنبيها على علة التحريم لتزجر النفوس عنه ويقابل هذه العلة ما في طباع بعض الناس من استلذاذه واستطابته فنفى عنه ذلك وأخبر أنه رجس وهذا لا يحتاج إليه في الميتة والدم لأن كونهما رجسا أمر مستقر معلوم عندهم ولهذا في القرآن نظائر فتأملها . ثم ذكر بعد تحريم بيع الأصنام وهو أعظم تحريما وإثما وأشد منافاة للإسلام من بيع الخمر والميتة والخنزير .




                فصل [ تحريم الشيء تحريم لثمنه ]
                وفي قوله إن الله إذا حرم شيئا أو حرم أكل شيء حرم ثمنه يراد به أمران أحدهما : ما هو حرام العين والانتفاع جملة كالخمر والميتة والدم والخنزير وآلات الشرك فهذه ثمنها حرام كيفما اتفقت .

                والثاني : ما يباح الانتفاع به في غير الأكل وإنما يحرم أكله كجلد الميتة بعد الدباغ وكالحمر الأهلية والبغال ونحوها مما يحرم أكله دون الانتفاع به فهذا قد يقال إنه لا يدخل في الحديث وإنما يدخل فيه ما هو حرام على الإطلاق . وقد يقال إنه داخل فيه ويكون تحريم ثمنه إذا بيع لأجل المنفعة التي حرمت منه فإذا بيع البغل والحمار لأكلهما حرم ثمنهما بخلاف ما إذا بيعا للركوب وغيره وإذا بيع جلد الميتة للانتفاع به حل ثمنه . وإذا بيع لأكله حرم ثمنه وطرد هذا ما قاله جمهور من الفقهاء كأحمد ومالك وأتباعهما : إنه إذا بيع العنب لمن يعصره خمرا حرم أكل ثمنه . بخلاف ما إذا بيع لمن يأكله وكذلك السلاح إذا بيع لمن يقاتل به مسلما حرم أكل ثمنه وإذا بيع لمن يغزو به في سبيل الله فثمنه من الطيبات وكذلك ثياب الحرير إذا بيعت لمن يلبسها ممن يحرم عليه حرم أكل ثمنها بخلاف بيعها ممن يحل له لبسها .




                هل يجوز بيع المسلم الخمر والخنزير للذمي ]

                فإن قيل فهل تجوزون للمسلم بيع الخمر والخنزير من الذمي لاعتقاد الذمي حلهما كما جوزتم بيعه الدهن المتنجس إذا بين حاله لاعتقاده طهارته وحله ؟ قيل لا يجوز ذلك وثمنه حرام والفرق بينهما : أن الدهن المتنجس عين طاهرة خالطها نجاسة ويسوغ فيها النزاع . وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أنه لا ينجس إلا بالتغير . وإن تغير فذهب طائفة إلى إمكان تطهيره بالغسل بخلاف العين التي حرمها الله في كل ملة وعلى لسان كل رسول كالميتة والدم والخنزير فإن استباحته مخالفة لما أجمعت الرسل على تحريمه وإن اعتقد الكافر حله - فهو كبيع الأصنام للمشركين وهذا هو الذي حرمه الله ورسوله بعينه وإلا فالمسلم لا يشتري صنما .

                فإن قيل فالخمر حلال عند أهل الكتاب فجوزوا بيعها منهم .

                قيل هذا هو الذي توهمه من توهمه من عمال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى كتب إليهم عمر رضي الله عنه ينهاهم عنه وأمر عماله أن يولوا أهل الكتاب بيعها بأنفسهم وأن يأخذوا ما عليهم من أثمانها فقال أبو عبيد : حدثنا عبد الرحمن عن سفيان بن سعيد عن إبراهيم بن عبد الأعلى الجعفي عن سويد بن غفلة قال بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ناسا يأخذون الجزية من الخنازير فقام بلال فقال إنهم ليفعلون فقال عمر رضي الله عنه لا تفعلوا ولوهم بيعها

                قال أبو عبيد : وحدثنا الأنصاري عن إسرائيل عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة أن بلالا قال لعمر رضي الله عنه إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج فقال لا تأخذوا منهم ولكن ولوهم بيعها وخذوا أنتم من الثمن

                قال أبو عبيد : يريد أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمة الخمر والخنازير من جزية رءوسهم وخراج أرضهم بقيمتها ثم يتولى المسلمون بيعها فهذا الذي أنكره بلال ونهى عنه عمر ثم رخص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها إذا كان أهل الذمة هم المتولين لبيعها لأن الخمر والخنازير مال من أموال أهل الذمة ولا تكون مالا للمسلمين .

                قال ومما يبين ذلك حديث آخر لعمر رضي الله عنه حدثنا علي بن معبد عن عبيد الله بن عمرو عن ليث بن أبي سليم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى العمال يأمرهم بقتل الخنازير وقبض أثمانها لأهل الجزية من جزيتهم .

                قال أبو عبيد : فهو لم يجعلها قصاصا من الجزية إلا وهو يراها من أموالهم . فأما إذا مر الذمي بالخمر والخنازير على العاشر فإنه لا يطيب له أن يعشرها ولا يأخذ ثمن العشر منها . وإن كان الذمي هو المتولي لبيعها أيضا وهذا ليس من الباب الأول ولا يشبهه لأن ذلك حق وجب على رقابهم وأرضيهم وأن العشر هاهنا إنما هو شيء يوضع على الخمر والخنازير أنفسها وكذلك ثمنها لا يطيب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أفتى في مثل هذا بغير ما أفتى به في ذاك وكذلك قال عمر بن عبد العزيز .

                حدثنا أبو الأسود المصري حدثنا عبد الله بن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة السبائي أن عتبة بن فرقد بعث إلى عمر بن الخطاب بأربعين ألف درهم صدقة الخمر فكتب إليه عمر رضي الله عنه بعثت إلي بصدقة الخمر وأنت أحق بها من المهاجرين وأخبر بذلك الناس وقال والله لا استعملتك على شيء بعدها قال فتركه

                حدثنا عبد الرحمن عن المثنى بن سعيد الضبعي قال كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة أن ابعث إلي بتفصيل الأموال التي قبلك من أين دخلت ؟ فكتب إليه بذلك وصنفه له وكان فيما كتب إليه من عشر الخمر أربعة آلاف درهم . قال فلبثنا ما شاء الله ثم جاء جواب كتابه إنك كتبت إلي تذكر من عشور الخمر أربعة آلاف درهم وإن الخمر لا يعشرها مسلم ولا يشتريها ولا يبيعها فإذا أتاك كتابي هذا فاطلب الرجل فارددها عليه فهو أولى بما كان فيها . فطلب الرجل فردت عليه .

                قال أبو عبيد : فهذا عندي الذي عليه العمل وإن كان إبراهيم النخعي قد قال غير ذلك . ثم ذكر عنه في الذمي يمر بالخمر على العاشر قال يضاعف عليه العشور .

                قال أبو عبيد : وكان أبو حنيفة يقول إذا مر على العاشر بالخمر والخنازير عشر الخمر ولم يعشر الخنازير سمعت محمد بن الحسن يحدث بذلك عنه قال أبو عبيد : وقول الخليفتين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما أولى بالاتباع والله أعلم



                حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمن الكلب والسنور
                في " الصحيحين " : عن أبي مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن

                وفي " صحيح مسلم " : عن أبي الزبير قال سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور فقال زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك

                وفي " سنن أبي داود " : عنه أن النبي نهى عن ثمن الكلب والسنور

                وفي " صحيح مسلم " : من حديث رافع بن خديج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال شر الكسب مهر البغي وثمن الكلب وكسب الحجام

                فتضمنت هذه السنن أربعة أمور .

                [ تحريم بيع الكلب ]
                أحدها : تحريم بيع الكلب وذلك يتناول كل كلب صغيرا كان أو كبيرا للصيد أو للماشية أو للحرث وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث قاطبة والنزاع في ذلك معروف عن أصحاب مالك وأبي حنيفة فجوز أصحاب أبي حنيفة بيع الكلاب وأكل أثمانها وقال القاضي عبد الوهاب اختلف أصحابنا في بيع ما أذن في اتخاذه من الكلاب فمنهم من قال يكره ومنهم من قال يحرم انتهى .

                وعقد بعضهم فصلا لما يصح بيعه وبنى عليه اختلافهم في بيع الكلب فقال ما كانت منافعه كلها محرمة لم يجز بيعه إذ لا فرق بين المعدوم حسا والممنوع شرعا وما تنوعت منافعه إلى محللة ومحرمة فإن كان المقصود من العين خاصة كان الاعتبار بها والحكم تابع لها فاعتبر نوعها وصار الآخر كالمعدوم . وإن توزعت في النوعين لم يصح البيع لأن ما يقابل ما حرم منها أكل مال بالباطل وما سواه من بقية الثمن يصير مجهولا .

                قال وعلى هذا الأصل مسألة بيع كلب الصيد فإذا بني الخلاف فيها على هذا الأصل قيل في الكلب من المنافع كذا وكذا وعددت جملة منافعه ثم نظر فيها فمن رأى أن جملتها محرمة منع ومن رأى جميعها محللة أجاز ومن رآها متنوعة نظر هل المقصود المحلل أو المحرم فجعل الحكم للمقصود ومن رأى منفعة واحدة منها محرمة وهي مقصودة منع أيضا ومن التبس عليه كونها مقصودة وقف أو كره فتأمل هذا التأصيل والتفصيل وطابق بينهما يظهر لك ما فيهما من التناقض والخلل وأن بناء بيع كلب الصيد على هذا الأصل من أفسد البناء فإن قوله من رأى أن جملة منافع كلب الصيد محرمة بعد تعديدها لم يجز بيعه فإن هذا لم يقله أحد من الناس قط وقد اتفقت الأمة على إباحة منافع كلب الصيد من الاصطياد والحراسة وهما جل منافعه ولا يقتنى إلا لذلك فمن الذي رأى منافعه كلها محرمة ولا يصح أن تراد منافعه الشرعية ؟ فإن إعارته جائزة .

                وقوله ومن رأى جميعها محللة أجاز كلام فاسد أيضا فإن منافعه المذكورة محللة اتفاقا والجمهور على عدم جواز بيعه .

                وقوله ومن رآها متنوعة نظر هل المقصود المحلل أو المحرم ؟ كلام لا فائدة تحته البتة فإن منفعة كلب الصيد هي الاصطياد دون الحراسة فأين التنوع وما يقدر في المنافع من التحريم يقدر مثله في الحمار والبغل ؟ وقوله ومن رأى منفعة واحدة محرمة وهي مقصودة منع . أظهر فسادا مما قبله فإن هذه المنفعة المحرمة ليست هي المقصودة من كلب الصيد وإن قدر أن مشتريه قصدها فهو كما لو قصد منفعة محرمة من سائر ما يجوز بيعه وتبين فساد هذا التأصيل وأن الأصل الصحيح هو الذي دل عليه النص الصريح الذي لا معارض له البتة من تحريم بيعه .



                فإن قيل كلب الصيد مستثنى من النوع الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل ما رواه الترمذي من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد

                وقال النسائي : أخبرني إبراهيم بن الحسن المصيصي حدثنا حجاج بن محمد عن حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب الصيد

                وقال قاسم بن أصبغ : حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا ابن أبي مريم أخبرنا يحيى بن أيوب حدثنا المثنى بن الصباح عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثمن الكلب سحت إلا كلب صيد

                وقال ابن وهب عمن أخبره عن ابن شهاب عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث هن سحت حلوان الكاهن ومهر الزانية وثمن الكلب العقور

                وقال ابن وهب : حدثني الشمر بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب العقور

                ويدل على صحة هذا الاستثناء أيضا أن جابرا أحد من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن ثمن الكلب وقد رخص جابر نفسه في ثمن كلب الصيد وقول الصحابي صالح لتخصيص عموم الحديث عند من جعله حجة فكيف إذا كان معه النص باستثنائه والقياس ؟ وأيضا لأنه يباح الانتفاع به ويصح نقل اليد فيه بالميراث والوصية والهبة وتجوز إعارته وإجارته في أحد قولي العلماء وهما وجهان للشافعية فجاز بيعه كالبغل والحمار .

                فالجواب أنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم استثناء كلب الصيد بوجه أما حديث جابر رضي الله عنه فقال الإمام أحمد وقد سئل عنه هذا من الحسن بن أبي جعفر وهو ضعيف وقال الدارقطني : الصواب أنه موقوف على جابر . وقال الترمذي لا يصح إسناد هذا الحديث . وقال في حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا لا يصح أبو المهزم ضعيف يريد راويه عنه . وقال البيهقي : روى عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن ثمن الكلب جماعة منهم ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبو هريرة ورافع بن خديج وأبو جحيفة اللفظ مختلف والمعنى واحد . والحديث الذي روي في استثناء كلب الصيد لا يصح وكأن من رواه أراد حديث النهي عن اقتنائه فشبه عليه والله أعلم .

                وأما حديث حماد بن سلمة عن أبي الزبير فهو الذي ضعفه الإمام أحمد رحمه الله بالحسن بن أبي جعفر وكأنه لم يقع له طريق حجاج بن محمد وهو الذي قال فيه الدارقطني : الصواب أنه موقوف وقد أعله ابن حزم بأن أبا الزبير لم يصرح فيه بالسماع من جابر وهو مدلس وليس من رواية الليث عنه . وأعله البيهقي بأن أحد رواته وهم من استثناء كلب الصيد مما نهي عن اقتنائه من الكلاب فنقله إلى البيع .

                قلت : ومما يدل على بطلان حديث جابر هذا وأنه خلط عليه أنه صح عنه أنه قال أربع من السحت ضراب الفحل وثمن الكلب ومهر البغي وكسب الحجام وهذا علة أيضا للموقوف عليه من استثناء كلب الصيد فهو علة للموقوف والمرفوع .

                وأما حديث المثنى بن الصباح عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه فباطل لأن فيه يحيى بن أيوب وقد شهد مالك عليه بالكذب وجرحه الإمام أحمد . وفيه المثنى بن الصباح وضعفه عندهم مشهور ويدل على بطلان الحديث ما رواه النسائي حدثنا الحسن بن أحمد بن حبيب حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أسباط حدثنا الأعمش عن عطاء بن أبي رباح قال قال أبو هريرة رضي الله عنه أربع من السحت ضراب الفحل وثمن الكلب ومهر البغي وكسب الحجام

                وأما الأثر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فلا يدرى من أخبر ابن وهب عن ابن شهاب ولا من أخبر ابن شهاب عن الصديق رضي الله عنه ومثل هذا لا يحتج به .

                وأما الأثر عن علي رضي الله عنه ففيه ابن ضميرة في غاية الضعف ومثل هذه الآثار الساقطة المعلولة لا تقدم على الآثار التي رواها الأئمة الثقات الأثبات حتى قال بعض الحفاظ إن نقلها نقل تواتر وقد ظهر أنه لم يصح عن صحابي خلافها البتة بل هذا جابر وأبو هريرة وابن عباس يقولون ثمن الكلب خبيث قال وكيع : حدثنا إسرائيل عن عبد الكريم عن قيس بن حبتر عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه ثمن الكلب ومهر البغي وثمن الخمر حرام

                وهذا أقل ما فيه أن يكون قول ابن عباس . وأما قياس الكلب على البغل والحمار فمن أفسد القياس بل قياسه على الخنزير أصح من قياسه عليهما لأن الشبه الذي بينه وبين الخنزير أقرب من الشبه الذي بينه وبين البغل والحمار وله تعارض القياسان لكان القياس المؤيد بالنص الموافق له أصح وأولى من القياس المخالف له .

                فإن قيل كان النهي عن ثمنها حين كان الأمر بقتلها فلما حرم قتلها وأبيح اتخاذ بعضها نسخ النهي فنسخ تحريم البيع .

                قيل هذه دعوى باطلة ليس مع مدعيها لصحتها دليل ولا شبهة وليس في الأثر ما يدل على صحة هذه الدعوى البتة بوجه من الوجوه ويدل على بطلانها : أن أحاديث تحريم بيعها وأكل ثمنها مطلقة عامة كلها وأحاديث الأمر بقتلها والنهي عن اقتنائها نوعان نوع كذلك وهو المتقدم ونوع مقيد مخصص وهو المتأخر فلو كان النهي عن بيعها مقيدا مخصوصا لجاءت به الآثار كذلك فلما جاءت عامة مطلقة علم أن عمومها وإطلاقها مراد فلا يجوز إبطاله . والله أعلم .



                فصل [ تحريم بيع السنور ]
                الحكم الثاني : تحريم بيع السنور كما دل عليه الحديث الصحيح الصريح الذي رواه جابر وأفتى بموجبه كما رواه قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا محمد بن آدم حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أنه كره ثمن الكلب والسنور قال أبو محمد فهذه فتيا جابر بن عبد الله أنه كره بما رواه ولا يعرف له مخالف من الصحابة وكذلك أفتى أبو هريرة رضي الله عنه وهو مذهب طاووس ومجاهد وجابر بن زيد وجميع أهل الظاهر وإحدى الروايتين عن أحمد وهي اختيار أبي بكر عبد العزيز وهو الصواب لصحة الحديث بذلك وعدم ما يعارضه فوجب القول به .

                قال البيهقي : ومن العلماء من حمل الحديث على أن ذلك حين كان محكوما بنجاستها فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم الهرة ليست بنجس صار ذلك منسوخا في البيع .

                ومنهم من حمله على السنور إذا توحش ومتابعة ظاهر السنة أولى . ولو سمع الشافعي رحمه الله الخبر الواقع فيه لقال به إن شاء الله وإنما لا يقول به من توقف في تثبيت روايات أبي الزبير وقد تابعه أبو سفيان عن جابر على هذه الرواية من جهة عيسى بن يونس وحفص بن غياث عن الأعمش عن أبي سفيان انتهى كلامه .

                ومنهم من حمله على الهر الذي ليس بمملوك ولا يخفى ما في هذه المحامل من الوهن .




                فصل [ تحريم مهر البغي ]
                [ هل للحرة المكرهة على الزنى مهر ]

                والحكم الثالث مهر البغي وهو ما تأخذه الزانية في مقابلة الزنى بها فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذلك خبيث على أي وجه كان حرة كانت أو أمة ولا سيما فإن البغاء إنما كان على عهدهم في الإماء دون الحرائر ولهذا قالت هند : وقت البيعة " أو تزني الحرة ؟ " ولا نزاع بين الفقهاء في أن الحرة البالغة العاقلة إذا مكنت رجلا من نفسها فزنى بها أنه لا مهر لها واختلف في مسألتين

                إحداهما : الحرة المكرهة .

                والثانية الأمة المطاوعة فأما الحرة المكرهة على الزنى ففيها أربعة أقوال وهي روايات منصوصات عن أحمد .

                أحدها : أن لها المهر بكرا كانت أو ثيبا سواء وطئت في قبلها أو دبرها .

                والثاني : أنها إن كانت ثيبا فلا مهر لها وإن كانت بكرا فلها المهر وهل يجب معه أرش البكارة ؟ على روايتين منصوصتين وهذا القول اختيار أبي بكر

                والثالث أنها إن كانت ذات محرم فلا مهر لها وإن كانت أجنبية فلها المهر

                والرابع أن من تحرم ابنتها كالأم والبنت والأخت فلا مهر لها ومن تحل ابنتها كالعمة والخالة فلها المهر .

                وقال أبو حنيفة رحمه الله لا مهر للمكرهة على الزنى بحال بكرا كانت أو ثيبا فمن أوجب المهر قال إن استيفاء هذه المنفعة جعل مقوما في الشرع بالمهر وإنما لم يجب للمختارة لأنها باذلة للمنفعة التي عوضها لها فلم يجب لها شيء كما لو أذنت في إتلاف عضو من أعضائها لمن أتلفه .

                ومن لم يوجبه قال الشارع إنما جعل هذه المنفعة متقومة بالمهر في عقد أو شبهة عقد ولم يقومها بالمهر في الزنى البتة وقياس السفاح على النكاح من أفسد القياس . قالوا : وإنما جعل الشارع في مقابلة هذا الاستمتاع الحد والعقوبة فلا يجمع بينه وبين ضمان المهر . قالوا : والوجوب إنما يتلقى من الشارع من نص خطابه أو عمومه أو فحواه أو تنبيهه أو معنى نصه وليس شيء من ذلك ثابتا متحققا عنه .

                وغاية ما يدعى قياس السفاح على النكاح ويا بعد ما بينهما . قالوا : والمهر إنما هو من خصائص النكاح لفظا ومعنى ولهذا إنما يضاف إليه فيقال مهر النكاح ولا يضاف إلى الزنى فلا يقال مهر الزنا وإنما أطلق النبي صلى الله عليه وسلم المهر وأراد به العقد كما قال إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام . وكما قال ورجل باع حرا فأكل ثمنه ونظائره كثيرة .

                والأولون يقولون الأصل في هذه المنفعة أن تقوم بالمهر وإنما أسقطه الشارع في حق البغي وهي التي تزني باختيارها وأما المكرهة على الزنى فليست بغيا فلا يجوز إسقاط بدل منفعتها التي أكرهت على استيفائها كما لو أكره الحر على استيفاء منافعه فإنه يلزمه عوضها وعوض هذه المنفعة شرعا هو المهر فهذا مأخذ القولين .

                ومن فرق بين البكر والثيب رأى أن الواطئ لم يذهب على الثيب شيئا وحسبه العقوبة التي ترتبت على فعله وهذه المعصية لا يقابلها شرعا مال يلزم من أقدم عليها بخلاف البكر فإنه أزال بكارتها فلا بد من ضمان ما أزاله فكانت هذه الجناية مضمونة عليه في الجملة فضمن ما أتلفه من جزء منفعة وكانت المنفعة تابعة للجزء في الضمان كما كانت تابعة له في عدمه من البكر المطاوعة .

                ومن فرق بين ذوات المحارم وغيرهن رأى أن تحريمهن لما كان تحريما مستقرا وأنهن غير محل الوطء شرعا كان استيفاء هذه المنفعة منهن بمنزلة التلوط فلا يوجب مهرا وهذا قول الشعبي وهذا بخلاف تحريم المصاهرة فإنه عارض يمكن زواله .

                قال صاحب المغني وهكذا ينبغي أن يكون الحكم فيمن حرمت بالرضاع لأنه طارئ أيضا . ومن فرق في ذوات المحارم بين من تحرم ابنتها وبين من لا تحرم فكأنه رأى أن من لا تحرم ابنتها تحريمها أخف من تحريم الأخرى فأشبه العارض .

                فإن قيل فما حكم المكرهة على الوطء في دبرها أو الأمة المطاوعة على ذلك ؟ قيل هو أولى بعدم الوجوب فهذا كاللواط لا يجب فيه المهر اتفاقا . – 689 –

                وقد اختلف في هذه المسألة الشيخان أبو البركات ابن تيمية وأبو محمد بن قدامة فقال أبو البركات في " محرره " ويجب مهر المثل للموطوءة بشبهة والمكرهة على الزنى في قبل أو دبر وقال أبو محمد في المغني لا يجب المهر بالوطء في الدبر ولا اللواط لأن الشرع لم يرد ببدله ولا هو إتلاف لشيء فأشبه القبلة والوطء دون الفرج وهذا القول هو الصواب قطعا فإن هذا الفعل لم يجعل له الشارع قيمة أصلا ولا قدر له مهرا بوجه من الوجوه وقياسه على وطء الفرج من أفسد القياس ولازم من قاله إيجاب المهر لمن فعلت به اللوطية من الذكور وهذا لم يقل به أحد البتة .



                فصل [ هل للأمة المطاوعة على الزنا مهر ]
                وأما المسألة الثانية وهى الأمة المطاوعة فهل يجب لها المهر ؟ فيه قولان . أحدهما : يجب وهو قول الشافعي وأكثر أصحاب أحمد رحمه الله . قالوا : لأن هذه المنفعة لغيرها فلا يسقط بدلها مجانا كما لو أذنت في قطع طرفها . والصواب المقطوع به أنه لا مهر لها وهذه هي البغي التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مهرها وأخبر أنه خبيث وحكم عليه وعلى ثمن الكلب وأجر الكاهن بحكم واحد والأمة داخلة في هذا الحكم دخولا أوليا فلا يجوز تخصيصها من عمومه لأن الإماء هن اللاتي كن يعرفن بالبغاء وفيهن وفي ساداتهن أنزل الله تعالى : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا [ النور 33 ] فكيف يجوز أن تخرج الإماء من نص أردن به قطعا ويحمل على غيرهن .

                وأما قولكم إن منفعتها لسيدها ولم يأذن في استيفائها فيقال هذه المنفعة يملك السيد استيفاءها بنفسه ويملك المعاوضة عليها بعقد النكاح أو شبهته ولا يملك المعاوضة عليها إلا إذا أذنت ولم يجعل الله ورسوله للزنى عوضا قط غير العقوبة فيفوت على السيد حتى يقضى له بل هذا تقويم مال أهدره الله ورسوله وإثبات عوض حكم الشارع بخبثه وجعله بمنزلة ثمن الكلب وأجر الكاهن وإن كان عوضا خبيثا شرعا لم يجز أن يقضي به .

                ولا يقال فأجر الحجام خبيث ويقضى له به لأن منفعة الحجامة منفعة مباحة وتجوز بل يجب على مستأجره أن يوفيه أجره فأين هذا من المنفعة الخبيثة المحرمة التي عوضها من جنسها وحكمه حكمها وإيجاب عوض في مقابلة هذه المعصية كإيجاب عوض في مقابلة اللواط إذ الشارع لم يجعل في مقابلة هذا الفعل عوضا .

                فإن قيل فقد جعل في مقابلة الوطء في الفرج عوضا وهو المهر من حيث الجملة بخلاف اللواطة .

                قلنا : إنما جعل في مقابلته عوضا إذا استوفي بعقد أو بشبهة عقد ولم يجعل له عوضا إذا استوفي بزنى محض لا شبهة فيه وبالله التوفيق . ولم يعرف في الإسلام قط أن زانيا قضي عليه بالمهر للمزني بها ولا ريب أن المسلمين يرون هذا قبيحا فهو عند الله عز وجل قبيح .



                فصل [ ما تفعل الزانية بكسبها إذا قبضته ثم تابت ]
                فإن قيل فما تقولون في كسب الزانية إذا قبضته ثم تابت هل يجب عليها رد ما قبضته إلى أربابه أم يطيب لها أم تصدق به ؟

                قيل هذا ينبني على قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهي أن من قبض ما ليس له قبضه شرعا ثم أراد التخلص منه فإن كان المقبوض قد أخذ بغير رضى صاحبه ولا استوفى عوضه رده عليه . فإن تعذر رده عليه قضى به دينا يعلمه عليه فإن تعذر ذلك رده إلى ورثته فإن تعذر ذلك تصدق به عنه فإن اختار صاحب الحق ثوابه يوم القيامة كان له . وإن أبى إلا أن يأخذ من حسنات القابض استوفى منه نظير ماله وكان ثواب الصدقة للمتصدق بها كما ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم .

                وإن كان المقبوض برضى الدافع وقد استوفى عوضه المحرم كمن عاوض على خمر أو خنزير أو على زنى أو فاحشة فهذا لا يجب رد العوض على الدافع لأنه أخرجه باختياره واستوفى عوضه المحرم فلا يجوز أن يجمع له بين العوض والمعوض فإن في ذلك إعانة له على الإثم والعدوان وتيسير أصحاب المعاصي عليه . وماذا يريد الزاني وفاعل الفاحشة إذا علم أنه ينال غرضه ويسترد ماله فهذا مما تصان الشريعة عن الإتيان به ولا يسوغ القول به وهو يتضمن الجمع بين الظلم والفاحشة والغدر . ومن أقبح القبيح أن يستوفي عوضه من المزني بها ثم يرجع فيما أعطاها قهرا وقبح هذا مستقر في فطر جميع العقلاء فلا تأتي به شريعة ولكن لا يطيب للقابض أكله بل هو خبيث كما حكم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن خبثه لخبث مكسبه لا لظلم من أخذ منه فطريق التخلص منه وتمام التوبة بالصدقة به فإن كان محتاجا إليه فله أن يأخذ قدر حاجته ويتصدق بالباقي فهذا حكم كل كسب خبيث لخبث عوضه عينا كان أو منفعة ولا يلزم من الحكم بخبثه وجوب رده على الدافع فإن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بخبث كسب الحجام ولا يجب رده على دافعه .

                فإن قيل فالدافع ماله في مقابلة العوض المحرم دفع ما لا يجوز دفعه بل حجر عليه فيه الشارع فلم يقع قبضه موقعه بل وجود هذا القبض كعدمه فيجب رده على مالكه كما لو تبرع المريض لوارثه بشيء أو لأجنبي بزيادة على الثلث أو تبرع المحجور عليه بفلس أو سفه أو تبرع المضطر إلى قوته بذلك ونحو ذلك .

                وسر المسألة أنه محجور عليه شرعا في هذا الدفع فيجب رده .

                قيل هذا قياس فاسد لأن الدفع في هذه الصور تبرع محض لم يعاوض عليه والشارع قد منعه منه لتعلق حق غيره به أو حق نفسه المقدمة على غيره وأما ما نحن فيه فهو قد عاوض بماله على استيفاء منفعة أو استهلاك عين محرمة فقد قبض عوضا محرما وأقبض مالا محرما فاستوفى ما لا يجوز استيفاؤه وبذل فيه ما لا يجوز بذله فالقابض قبض مالا محرما والدافع استوفى عوضا محرما وقضية العدل تراد العوضين لكن قد تعذر رد أحدهما فلا يوجب رد الآخر من غير رجوع عوضه . نعم لو كان الخمر قائما بعينه لم يستهلكه أو دفع إليها المال ولم يفجر بها وجب رد المال في الصورتين قطعا كما في سائر العقود الباطلة إذا لم يتصل بها القبض .

                فإن قيل وأي تأثير لهذا القبض المحرم حتى جعل له حرمة ومعلوم أن قبض ما لا يجوز قبضه بمنزلة عدمه إذ الممنوع شرعا كالممنوع حسا فقابض المال قبضه بغير حق فعليه أن يرده إلى دافعه ؟

                قيل والدافع قبض العين واستوفى المنفعة بغير حق كلاهما قد اشتركا في دفع ما ليس لهما دفعه وقبض ما ليس لهما قبضه وكلاهما عاص لله فكيف يخص أحدهما بأن يجمع له بين العوض والمعوض عنه ويفوت على الآخر العوض والمعوض .

                فإن قيل هو فوت المنفعة على نفسه باختياره . قيل والآخر فوت العوض على نفسه باختياره فلا فرق بينهما وهذا واضح بحمد الله .

                وقد توقف شيخنا في وجوب رد عوض هذه المنفعة المحرمة على باذله أو الصدقة به في كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم " وقال الزاني ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم فاستوفوا العوض المحرم والتحريم الذي فيه ليس لحقهم وإنما هو لحق الله تعالى وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض والأصول تقتضي أنه إذا رد أحد العوضين رد الآخر فإذا تعذر على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال وهذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أخذ منفعته وأخذ عوضها جميعا منه بخلاف ما إذا كان العوض خمرا أو ميتة فإن تلك لا ضرر عليه في فواتها فإنها لو كانت باقية لأتلفناها عليه ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت لتوفرت عليه بحيث كان يتمكن من صرف تلك المنفعة في أمر آخر أعني من صرف القوة التي عمل بها . ثم أورد على نفسه سؤالا فقال فيقال على هذا فينبغي أن تقضوا بها إذا طالب بقبضها .

                وأجاب عنه بأن قال قيل نحن لا نأمر بدفعها ولا بردها كعقود الكفار المحرمة فإنهم إذا أسلموا قبل القبض لم يحكم بالقبض ولو أسلموا بعد القبض لم يحكم بالرد ولكن المسلم تحرم عليه هذه الأجرة لأنه كان معتقدا لتحريمها بخلاف الكافر وذلك لأنه إذا طلب الأجرة فقلنا له أنت فرطت حيث صرفت قوتك في عمل يحرم فلا يقضى لك بالأجرة . فإذا قبضها وقال الدافع هذا المال اقضوا لي برده فإني أقبضته إياه عوضا عن منفعة محرمة قلنا له دفعته معاوضة رضيت بها فإذا طلبت استرجاع ما أخذ فاردد إليه ما أخذت إذا كان له في بقائه معه منفعة فهذا محتمل . قال وإن كان ظاهر القياس ردها لأنها مقبوضة بعقد فاسد انتهى .



                [ هل لمن حمل خمرا أو ميتة أو خنزيرا لنصراني كراء ]
                وقد نص أحمد في رواية أبي النضر فيمن حمل خمرا أو خنزيرا أو ميتة لنصراني أكره أكل كرائه ولكن يقضى للحمال بالكراء . وإذا كان لمسلم فهو أشد كراهة . فاختلف أصحابه في هذا النص على ثلاث طرق .

                إحداها : إجراؤه على ظاهره وأن المسألة رواية واحدة . قال ابن أبي موسى : وكره أحمد أن يؤجر المسلم نفسه لحمل ميتة أو خنزير لنصراني . فإن فعل قضي له بالكراء وهل يطيب له أم لا ؟ على وجهين . أوجههما : أنه لا يطيب له ويتصدق به وكذا ذكر أبو الحسن الآمدي قال إذا أجر نفسه من رجل في حمل خمر أو خنزير أو ميتة كره نص عليه وهذه كراهة تحريم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن حاملها . إذا ثبت ذلك فيقضى له بالكراء وغير ممتنع أن يقضى له بالكراء وإن كان محرما كإجارة الحجام انتهى . فقد صرح هؤلاء بأنه يستحق الأجرة مع كونها محرمة عليه على الصحيح .

                الطريقة الثانية تأويل هذه الرواية بما يخالف ظاهرها وجعل المسألة رواية واحدة وهي أن هذه الإجارة لا تصح وهذه طريقة القاضي في " المجرد " وهي طريقة ضعيفة وقد رجع عنها في كتبه المتأخرة فإنه صنف " المجرد " قديما .




                الطريقة الثالثة تخريج هذه المسألة على روايتين إحداهما : أن هذه الإجارة صحيحة يستحق بها الأجرة مع الكراهة للفعل والأجرة . والثانية لا تصح الإجارة ولا يستحق بها أجرة وإن حمل . وهذا على قياس قوله في الخمر لا يجوز إمساكها وتجب إراقتها . قال في رواية أبي طالب ؟ إذا أسلم وله خمر أو خنازير تصب الخمر وتسرح الخنازير وقد حرما عليه وإن قتلها فلا بأس . فقد نص أحمد أنه لا يجوز إمساكها ولأنه قد نص في رواية ابن منصور أنه يكره أن يؤاجر نفسه لنطارة كرم لنصراني لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر إلا أن يعلم أنه يباع لغير الخمر فقد منع من إجارة نفسه على حمل الخمر وهذه طريقة القاضي في " تعليقه " وعليها أكثر أصحابه والمنصور عندهم الرواية المخرجة وهي عدم الصحة وأنه لا يستحق أجرة ولا يقضى له بها وهي مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد .

                وهذا إذا استأجر على حملها إلى بيته للشرب أو لأكل الخنزير أو مطلقا فأما إذا استأجره لحملها ليريقها أو لينقل الميتة إلى الصحراء لئلا يتأذى بها فإن الإجارة تجوز حينئذ لأنه عمل مباح لكن إن كانت الأجرة جلد الميتة لم تصح واستحق أجرة المثل وإن كان قد سلخ الجلد وأخذه رده على صاحبه هذا قول شيخنا وهو مذهب مالك . والظاهر أنه مذهب الشافعي .

                وأما مذهب أبي حنيفة رحمه الله فمذهبه كالرواية الأولى أنه تصح الإجارة ويقضى له بالأجرة ومأخذه في ذلك أن الحمل إذا كان مطلقا لم يكن المستحق نفس حمل الخمر فذكره وعدم ذكره سواء وله أن يحمل شيئا آخر غيره كخل وزيت وهكذا قال فيما لو أجره داره أو حانوته ليتخذها كنيسة أو ليبيع فيها الخمر قال أبو بكر الرازي : لا فرق عند أبي حنيفة بين أن يشترط أن يبيع فيها الخمر أو لا يشترط وهو يعلم أنه يبيع - فيه الخمر أن الإجارة تصح لأنه لا يستحق عليه بعقد الإجارة فعل هذه الأشياء وإن شرط ذلك لأن له أن لا يبيع فيه الخمر ولا يتخذ الدار كنيسة ويستحق عليه الأجرة بالتسليم في المدة فإذا لم يستحق عليه فعل هذه الأشياء كان ذكرها وتركها سواء كما لو اكترى دارا لينام فيها أو ليسكنها فإن الأجرة تستحق عليه وإن لم يفعل ذلك وكذا يقول فيما إذا استأجر رجلا ليحمل خمرا أو ميتة أو خنزيرا : أنه يصح لأنه لا يتعين حمل الخمر بل لو حمله بدله عصيرا استحق الأجرة فهذا التقييد عندهم لغو فهو بمنزلة الإجارة المطلقة والمطلقة عنده جائزة . وإن غلب على ظنه أن المستأجر يعصي فيها كما يجوز بيع العصير لمن يتخذه خمرا ثم إنه كره بيع السلاح في الفتنة . قال لأن السلاح معمول للقتال لا يصلح لغيره وعامة الفقهاء خالفوه في المقدمة الأولى وقالوا : ليس المقيد كالمطلق بل المنفعة المعقود عليها هي المستحقة فتكون هي المقابلة بالعوض وهي منفعة محرمة وإن كان للمستأجر أن يقيم غيرها مقامها وألزموه فيما لو اكترى دارا ليتخذها مسجدا فإنه لا يستحق عليه فعل المعقود عليه ومع هذا فإنه أبطل هذه الإجارة بناء على أنها اقتضت فعل الصلاة وهي لا تستحق بعقد إجارة .

                ونازعه أصحاب أحمد ومالك في المقدمة الثانية وقالوا : إذا غلب على ظنه أن المستأجر ينتفع بها في محرم حرمت الإجارة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن عاصر الخمر ومعتصرها والعاصر إنما يعصر عصيرا ولكن لما علم أن المعتصر يريد أن يتخذه خمرا فيعصره له استحق اللعنة .

                قالوا : وأيضا فإن في هذا معاونة على نفس ما يسخطه الله ويبغضه ويلعن فاعله فأصول الشرع وقواعده تقتضي تحريمه وبطلان العقد عليه وسيأتي مزيد تقرير هذا عند الكلام على حكمه صلى الله عليه وسلم بتحريم العينة وما يترتب عليها من العقوبة . قال شيخنا : والأشبه طريقة ابن موسى يعني أنه يقضى له بالأجرة وإن كانت المنفعة محرمة ولكن لا يطيب له أكلها . قال فإنها أقرب إلى مقصود أحمد وأقرب إلى القياس وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن عاصر الخمر ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه . فالعاصر والحامل قد عاوضا على منفعة تستحق عوضا وهي ليست محرمة في نفسها وإنما حرمت بقصد المعتصر والمستحمل فهو كما لو باع عنبا وعصيرا لمن يتخذه خمرا وفات العصير والخمر في يد المشتري فإن مال البائع لا يذهب مجانا بل يقضى له بعوضه . كذلك هنا المنفعة التي وفاها المؤجر لا تذهب مجانا بل يعطى بدلها فإن تحريم الانتفاع بها إنما كان من جهة المستأجر لا من جهة المؤجر فإنه لو حملها للإراقة أو لإخراجها إلى الصحراء خشية التأذي بها جاز . ثم نحن نحرم الأجرة عليه لحق الله سبحانه لا لحق المستأجر والمشتري بخلاف من استؤجر للزنى أو التلوط أو القتل أو السرقة فإن نفس هذا العمل محرم لأجل قصد المستأجر فهو كما لو باع ميتة أو خمرا فإنه لا يقضى له بثمنها لأن نفس هذه العين محرمة وكذلك لا يقضى له بعوض هذه المنفعة المحرمة .

                قال شيخنا : ومثل هذه الإجارة والجعالة يعني الإجارة على حمل الخمر والميتة لا توصف بالصحة مطلقا ولا بالفساد مطلقا بل يقال هي صحيحة بالنسبة إلى المستأجر بمعنى أنه يجب عليه العوض وفاسدة بالنسبة إلى الأجير بمعنى أنه يحرم عليه الانتفاع بالأجر ولهذا في الشريعة نظائر . قال ولا ينافي هذا نص أحمد على كراهة نطارة كرم النصراني فإنا ننهاه عن هذا الفعل وعن عوضه ثم نقضي له بكرائه قال ولو لم يفعل هذا لكان في هذا منفعة عظيمة للعصاة فإن كل من استأجروه على عمل يستعينون به على المعصية قد حصلوا غرضهم منه فإذا لم يعطوه شيئا ووجب أن يرد عليهم ما أخذ منهم كان ذلك أعظم العون لهم وليسوا بأهل أن يعاونوا على ذلك بخلاف من سلم إليهم عملا لا قيمة له بحال يعني كالزانية والمغني والنائحة فإن هؤلاء لا يقضى لهم بأجرة ولو قبضوا منهم المال فهل يلزمهم رده عليهم أم يتصدقون به ؟ فقد تقدم الكلام مستوفى في ذلك وبينا أن الصواب أنه لا يلزمهم رده ولا يطيب لهم أكله والله الموفق للصواب .



                فصل [ تحريم حلوان الكاهن ]
                الحكم الخامس حلوان الكاهن . قال أبو عمر بن عبد البر : لا خلاف في حلوان الكاهن أنه ما يعطاه على كهانته وهو من أكل المال بالباطل والحلوان في أصل اللغة العطية . قال علقمة

                فمن رجل أحلوه رحلي وناقتي

                يبلغ عني الشعر إذ مات قائله


                انتهى .

                وتحريم حلوان الكاهن تنبيه على تحريم حلوان المنجم والزاجر وصاحب القرعة التي هي شقيقة الأزلام وضاربة الحصا والعراف والرمال ونحوهم ممن تطلب منهم الأخبار عن المغيبات وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان الكهان وأخبر أن من أتى عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم ولا ريب أن الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وبما يجيء به هؤلاء لا يجتمعان في قلب واحد وإن كان أحدهم قد يصدق أحيانا فصدقه بالنسبة إلى كذبه قليل من كثير وشيطانه الذي يأتيه بالأخبار لا بد له أن يصدقه أحيانا ليغوي به الناس ويفتنهم به .

                وأكثر الناس مستجيبون لهؤلاء مؤمنون بهم ولا سيما ضعفاء العقول كالسفهاء والجهال والنساء وأهل البوادي ومن لا علم لهم بحقائق الإيمان فهؤلاء هم المفتونون بهم وكثير منهم يحسن الظن بأحدهم ولو كان مشركا كافرا بالله مجاهرا بذلك ويزوره وينذر له ويلتمس دعاءه . فقد رأينا وسمعنا من ذلك كثيرا وسبب هذا كله خفاء ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق على هؤلاء وأمثالهم ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور وقد قال الصحابة رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم إن هؤلاء يحدثوننا أحيانا بالأمر فيكون كما قالوا فأخبرهم أن ذلك من جهة الشياطين يلقون إليهم الكلمة تكون حقا فيزيدون هم معها مائة كذبة فيصدقون من أجل تلك الكلمة .

                وأما أصحاب الملاحم فركبوا ملاحمهم من أشياء .

                أحدها : من أخبار الكهان .

                والثاني : من أخبار منقولة عن الكتب السالفة متوارثة بين أهل الكتاب .

                والثالث من أمور أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم بها جملة وتفصيلا .

                والرابع من أمور أخبر بها من له كشف من الصحابة ومن بعدهم .

                والخامس من منامات متواطئة على أمر كلي وجزئي . فالجزئي يذكرونه بعينه والكلي يفصلونه بحدس وقرائن تكون حقا أو تقارب .

                والسادس من استدلال بآثار علوية جعلها الله تعالى علامات وأدلة وأسبابا لحوادث أرضية لا يعلمها أكثر الناس فإن الله سبحانه لم يخلق شيئا سدى ولا عبثا . وربط سبحانه العالم العلوي بالسفلي وجعل علويه مؤثرا في سفليه دون العكس فالشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته وإن كان كسوفهما لسبب شر يحدث في الأرض ولهذا شرع سبحانه تغيير الشر عند كسوفهما بما يدفع ذلك الشر المتوقع من الصلاة والذكر والدعاء والتوبة والاستغفار والعتق فإن هذه الأشياء تعارض أسباب الشر وتقاومها وتدفع موجباتها إن قويت عليها .

                وقد جعل الله سبحانه حركة الشمس والقمر واختلاف مطالعهما سببا للفصول التي هي سبب الحر والبرد والشتاء والصيف وما يحدث فيهما مما يليق بكل فصل منها فمن له اعتناء بحركاتهما واختلاف مطالعهما يستدل بذلك على ما يحدث في النبات والحيوان وغيرهما وهذا أمر يعرفه كثير من أهل الفلاحة والزراعة ونواتي السفن لهم استدلالات بأحوالهما وأحوال الكواكب على أسباب السلامة والعطب من اختلاف الرياح وقوتها وعصوفها لا تكاد تختل .

                والأطباء لهم استدلالات بأحوال القمر والشمس على اختلاف طبيعة الإنسان وتهيئها لقبول التغير واستعدادها لأمور غريبة ونحو ذلك .

                وواضعو الملاحم لهم عناية شديدة بهذا وأمور متوارثة عن قدماء المنجمين ثم يستنتجون من هذا كله قياسات وأحكاما تشبه ما تقدم ونظيره . وسنة الله في خلقه جارية على سنن اقتضته حكمته فحكم النظير حكم نظيره وحكم الشيء حكم مثله وهؤلاء صرفوا قوى أذهانهم إلى أحكام القضاء والقدر واعتبار بعضه ببعض والاستدلال ببعضه على بعض " كما صرف أئمة الشرع قوى أذهانهم إلى أحكام الأمر والشرع واعتبار بعضه ببعض والاستدلال ببعضه على بعض والله سبحانه له الخلق والأمر ومصدر خلقه وأمره عن حكمة لا تختل ولا تتعطل ولا تنتقض ومن صرف قوى ذهنه وفكره واستنفد ساعات عمره في شيء من أحكام هذا العالم وعلمه كان له فيه من النفوذ والمعرفة والاطلاع ما ليس لغيره .

                ويكفي الاعتبار بفرع واحد من فروعه وهو عبارة الرؤيا فإن العبد إذا نفذ فيها وكمل اطلاعه جاء بالعجائب .



                وقد شاهدنا نحن وغيرنا من ذلك أمورا عجيبة يحكم فيها المعبر بأحكام متلازمة صادقة سريعة وبطيئة ويقول سامعها : هذه علم غيب .

                وإنما هي معرفة ما غاب عن غيره بأسباب انفرد هو بعلمها وخفيت على غيره والشارع صلوات الله عليه حرم من تعاطي ذلك ما مضرته راجحة على منفعته أو ما لا منفعة فيه أو ما يخشى على صاحبه أن يجره إلى الشرك وحرم بذل المال في ذلك وحرم أخذه به صيانة للأمة عما يفسد عليها الإيمان أو يخدشه بخلاف علم عبارة الرؤيا فإنه حق لا باطل لأن الرؤيا مستندة إلى الوحي المنامي وهي جزء من أجزاء النبوة ولهذا كلما كان الرائي أصدق كانت رؤياه أصدق وكلما كان المعبر أصدق وأبر وأعلم كان تعبيره أصح بخلاف الكاهن والمنجم وأضرابهما ممن لهم مدد من إخوانهم من الشياطين فإن صناعتهم لا تصح من صادق ولا بار ولا متقيد بالشريعة بل هم أشبه بالسحرة الذين كلما كان أحدهم أكذب وأفجر وأبعد عن الله ورسوله ودينه كان السحر معه أقوى وأشد تأثيرا بخلاف علم الشرع والحق فإن صاحبه كلما كان أبر وأصدق وأدين كان علمه به ونفوذه فيه أقوى وبالله التوفيق .



                فصل [خبث كسب الحجام ]
                الحكم السادس خبث كسب الحجام ويدخل فيه الفاصد والشارط وكل من يكون كسبه من إخراج الدم ولا يدخل فيه الطبيب ولا الكحال ولا البيطار لا في لفظه ولا في معناه وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه حكم بخبثه وأمر صاحبه أن يعلفه ناضحه أو رقيقه وصح عنه أنه احتجم وأعطى الحجام أجره

                فأشكل الجمع بين هذين على كثير من الفقهاء وظنوا أن النهي عن كسبه منسوخ بإعطائه أجره وممن سلك هذا المسلك الطحاوي فقال في احتجاجه للكوفيين في إباحة بيع الكلاب وأكل أثمانها : لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم قال ما لي وللكلاب ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم وكان بيع الكلاب إذ ذاك والانتفاع به حراما وكان قاتله مؤديا للفرض عليه في قتله ثم نسخ ذلك وأباح الاصطياد به فصار كسائر الجوارح في جواز بيعه قال ومثل ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام وقال كسب الحجام خبيث ثم أعطى الحجام أجره وكان ذلك ناسخا لمنعه وتحريمه ونهيه . انتهى كلامه .

                وأسهل ما في هذه الطريقة أنها دعوى مجردة لا دليل عليها فلا تقبل كيف وفي الحديث نفسه ما يبطلها فإنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب ثم قال ما بالهم وبال الكلاب ثم رخص لهم في كلب الصيد .

                وقال ابن عمر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب إلا كلب الصيد أو كلب غنم أو ماشية وقال عبد الله بن مغفل : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم قال ما بالهم وبال الكلاب ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم

                والحديثان في " الصحيح " فدل على أن الرخصة في كلب الصيد وكلب الغنم وقعت بعد الأمر بقتل الكلاب فالكلب الذي أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقتنائه هو الذي حرم ثمنه وأخبر أنه خبيث دون الكلب الذي أمر بقتله فإن المأمور بقتله غير مستبقى حتى تحتاج الأمة إلى بيان حكم ثمنه ولم تجر العادة ببيعه وشرائه بخلاف الكلب المأذون في اقتنائه فإن الحاجة داعية إلى بيان حكم ثمنه أولى من حاجتهم إلى بيان ما لم تجر عادتهم ببيعه بل قد أمروا بقتله .

                ومما يبين هذا أنه صلى الله عليه وسلم ذكر الأربعة التي تبذل فيها الأموال عادة لحرص النفوس عليها وهي ما تأخذه الزانية والكاهن والحجام وبائع الكلب فكيف يحمل هذا على كلب لم تجر العادة ببيعه وتخرج منه الكلاب التي إنما جرت العادة ببيعها هذا من الممتنع البين امتناعه وإذا تبين هذا ظهر فساد ما شبه به من نسخ خبث أجرة الحجام بل دعوى النسخ فيها أبعد .

                وأما إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الحجام أجره فلا يعارض قوله كسب الحجام خبيث فإنه لم يقل إن إعطاءه خبيث بل إعطاؤه إما واجب وإما مستحب وإما جائز ولكن هو خبيث بالنسبة إلى الآخذ وخبثه بالنسبة إلى أكله فهو خبيث الكسب ولم يلزم من ذلك تحريمه فقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الثوم والبصل خبيثين مع إباحة أكلهما ولا يلزم من إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الحجام أجره حل أكله فضلا عن كون أكله طيبا فإنه قال إني لأعطي الرجل العطية يخرج بها يتأبطها نارا والنبي صلى الله عليه وسلم قد كان يعطي المؤلفة قلوبهم من مال الزكاة والفيء مع غناهم وعدم حاجتهم إليه ليبذلوا من الإسلام والطاعة ما يجب عليهم بذله بدون العطاء ولا يحل لهم توقف بذله على الأخذ بل يجب عليهم المبادرة إلى بذله بلا عوض .

                وهذا أصل معروف من أصول الشرع أن العقد والبذل قد يكون جائزا أو مستحبا أو واجبا من أحد الطرفين مكروها أو محرما من الطرف الآخر فيجب على الباذل أن يبذل ويحرم على الآخذ أن يأخذه .

                وبالجملة فخبث أجر الحجام من جنس خبث أكل الثوم والبصل لكن هذا خبيث الرائحة وهذا خبيث لكسبه .




                [أطيب المكاسب وأحلها ]
                فإن قيل فما أطيب المكاسب وأحلها ؟ قيل هذا فيه ثلاثة أقوال للفقهاء .

                أحدها : أنه كسب التجارة

                والثاني : أنه عمل اليد في غير الصنائع الدنيئة كالحجامة ونحوها .

                والثالث أنه الزراعة ولكل قول من هذه وجه من الترجيح أثرا ونظرا والراجح أن أحلها الكسب الذي جعل منه رزق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كسب الغانمين وما أبيح لهم على لسان الشارع وهذا الكسب قد جاء في القرآن مدحه أكثر من غيره وأثني على أهله ما لم يثن على غيرهم ولهذا اختاره الله لخير خلقه وخاتم أنبيائه ورسله حيث يقول بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري وهو الرزق المأخوذ بعزة وشرف وقهر لأعداء الله وجعل أحب شيء إلى الله فلا يقاومه كسب غيره . والله أعلم .



                فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في بيع عسب الفحل وضرابه
                في " صحيح البخاري " عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن عسب الفحل

                وفي " صحيح مسلم " عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ضراب الفحل

                وهذا الثاني تفسير للأول وسمى أجرة ضرابه بيعا إما لكون المقصود هو الماء الذي له فالثمن مبذول في مقابلة عين مائه وهو حقيقة البيع وإما أنه سمى إجارته لذلك بيعا إذ هي عقد معاوضة وهي بيع المنافع والعادة أنهم يستأجرون الفحل للضراب وهذا هو الذي نهي عنه والعقد الوارد عليه باطل سواء كان بيعا أو إجارة وهذا قول جمهور العلماء منهم أحمد والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم .

                وقال أبو الوفاء بن عقيل : ويحتمل عندي الجواز لأنه عقد على منافع الفحل ونزوه على الأنثى وهي منفعة مقصودة وماء الفحل يدخل تبعا والغالب حصوله عقيب نزوه فيكون كالعقد على الظئر ليحصل اللبن في بطن الصبي وكما لو استأجر أرضا وفيها بئر ماء فإن الماء يدخل تبعا وقد يغتفر في الأتباع ما لا يغتفر في المتبوعات .

                وأما مالك فحكي عنه جوازه والذي ذكره أصحابه التفصيل فقال صاحب " الجواهر " في باب فساد العقد من جهة نهي الشارع ومنها بيع عسب الفحل ويحمل النهي فيه على استئجار الفحل على لقاح الأنثى وهو فاسد لأنه غير مقدور على تسليمه فأما أن يستأجره على أن ينزو عليه دفعات معلومة فذلك جائز إذ هو أمد معلوم في نفسه ومقدور على تسليمه .




                [علة النهي عن عسب الفحل ]
                والصحيح تحريمه مطلقا وفساد العقد به على كل حال ويحرم على الآخر أخذ أجرة ضرابه ولا يحرم على المعطي لأنه بذل ماله في تحصيل مباح يحتاج إليه ولا يمنع من هذا كما في كسب الحجام وأجرة الكساح والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عما يعتادونه من استئجار الفحل للضراب وسمى ذلك بيع عسبه فلا يجوز حمل كلامه على غير الواقع والمعتاد وإخلاء الواقع من البيان مع أنه الذي قصد بالنهي ومن المعلوم أنه ليس للمستأجر غرض صحيح في نزو الفحل على الأنثى الذي له دفعات معلومة وإنما غرضه نتيجة ذلك وثمرته ولأجله بذل ماله . وقد علل التحريم بعدة علل .

                إحداها : أنه لا يقدر على تسليم المعقود عليه فأشبه إجارة الآبق فإن ذلك متعلق باختيار الفحل وشهوته .

                الثانية أن المقصود هو الماء وهو مما لا يجوز إفراده بالعقد فإنه مجهول القدر والعين وهذا بخلاف إجارة الظئر فإنها احتملت بمصلحة الآدمي فلا يقاس عليها غيرها وقد يقال - والله أعلم - إن النهي عن ذلك من محاسن الشريعة وكمالها فإن مقابلة ماء الفحل بالأثمان وجعله محلا لعقود المعاوضات مما هو مستقبح ومستهجن عند العقلاء وفاعل ذلك عندهم ساقط من أعينهم في أنفسهم وقد جعل الله سبحانه فطر عباده لا سيما المسلمين ميزانا للحسن والقبيح فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح .

                ويزيد هذا بيانا أن ماء الفحل لا قيمة له ولا هو مما يعاوض عليه ولهذا لو نزا فحل الرجل على رمكة غيره فأولدها فالولد لصاحب الرمكة اتفاقا لأنه لم ينفصل عن الفحل إلا مجرد الماء وهو لا قيمة له فحرمت هذه الشريعة الكاملة المعاوضة على ضرابه ليتناوله الناس بينهم مجانا لما فيه من تكثير النسل المحتاج إليه من غير إضرار بصاحب الفحل ولا نقصان من ماله فمن محاسن الشريعة إيجاب بذل هذا مجانا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن من حقها إطراق فحلها وإعارة دلوها فهذه حقوق يضر بالناس منعها إلا بالمعاوضة فأوجبت الشريعة بذلها مجانا .

                فإن قيل فإذا أهدى صاحب الأنثى إلى صاحب الفحل هدية أو ساق إليه كرامة فهل له أخذها ؟ قيل إن كان ذلك على وجه المعاوضة والاشتراط في الباطن لم يحل له أخذه وإن لم يكن كذلك فلا بأس به قال أصحاب أحمد والشافعي : وإن أعطى صاحب الفحل هدية أو كرامة من غير إجارة جاز واحتج أصحابنا بحديث روي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا كان إكراما فلا بأس ذكره صاحب " المغني " ولا أعرف حال هذا الحديث ولا من خرجه وقد نص أحمد في رواية ابن القاسم على خلافه فقيل له ألا يكون مثل الحجام يعطى وإن كان منهيا عنه ؟ فقال لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى في مثل هذا شيئا كما بلغنا في الحجام .

                واختلف أصحابنا في حمل كلام أحمد رحمه الله على ظاهره أو تأويله فحمله القاضي على ظاهره وقال هذا مقتضى النظر لكن ترك مقتضاه في الحجام فبقي فيما عداه على مقتضى القياس . وقال أبو محمد في " المغني " : كلام أحمد يحمل على الورع لا على التحريم والجواز أرفق بالناس وأوفق للقياس .

                ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنع من بيع الماء الذي يشترك فيه الناس
                ثبت في " صحيح مسلم " من حديث جابر رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع فضل الماء .

                وفيه عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ضراب الفحل وعن بيع الماء والأرض لتحرث فعن ذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ وفي لفظ آخر لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ وقال البخاري في بعض طرقه لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلإ

                وفي " المسند " من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من منع فضل مائه أو فضل كلئه منعه الله فضله يوم القيامة

                وفي " سنن ابن ماجه " من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث لا يمنعن الماء والكلأ والنار

                وفي " سننه " أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمون شركاء في ثلاث : الماء والنار والكلأ وثمنه حرام

                وفي " صحيح البخاري " من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل ورجل بايع إمامه لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سخط ورجل أقام سلعة بعد العصر فقال والله الذي لا إله غيره لقد أعطيت بها كذا وكذا فصدقه رجل ثم قرأ هذه الآية إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا الآية .

                وفي " سنن أبي داود " عن بهيسة قالت استأذن أبي النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يدنو منه ويلتزمه ثم قال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه ؟ قال الماء قال " يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه ؟ قال الملح قال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه ؟ قال أن تفعل الخير خير لك

                الماء خلقه الله في الأصل مشتركا بين العباد والبهائم وجعله سقيا لهم فلا يكون أحد أخص به من أحد ولو أقام عليه وتنأ عليه قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابن السبيل أحق بالماء من التانئ عليه ذكره أبو عبيد عنه . وقال أبو هريرة : ابن السبيل أول شارب



                [جواز بيع الماء إذا كان في قربته أو إنائه ]
                فأما من حازه في قربته أو إنائه فذاك غير المذكور في الحديث وهو بمنزلة سائر المباحات إذا حازها إلى ملكه ثم أراد بيعها كالحطب والكلأ والملح وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه رواه البخاري .

                وفي " الصحيحين " عن علي رضي الله عنه قال أصبت شارفا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغنم يوم بدر وأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شارفا آخر فأنختهما يوما عند باب رجل من الأنصار وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخرا لأبيعه

                وذكر الحديث فهذا في الكلأ والحطب المباح بعد أخذه وإحرازه وكذلك السمك وسائر المباحات وليس هذا محل النهي بالضرورة ولا محل النهي أيضا بيع مياه الأنهار الكبار المشتركة بين الناس فإن هذا لا يمكن منعها والحجر عليها وإنما محل النهي صور أحدها : المياه المنتقعة من الأمطار إذا اجتمعت في أرض مباحة فهي مشتركة بين الناس وليس أحد أحق بها من أحد إلا بالتقديم لقرب أرضه كما سيأتي إن شاء الله تعالى فهذا النوع لا يحل بيعه ولا منعه ومانعه عاص مستوجب لوعيد الله ومنع فضله إذ منع فضل ما لم تعمل يداه .

                فإن قيل فلو اتخذ في أرضه المملوكة له حفرة يجمع فيها الماء أو حفر بئرا فهل يملكه بذلك ويحل له بيعه ؟ قيل لا ريب أنه أحق به من غيره ومتى كان الماء النابع في ملكه والكلأ والمعدن فوق كفايته لشربه وشرب ماشيته ودوابه لم يجب عليه بذله نص عليه أحمد وهذا لا يدخل تحت وعيد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه إنما توعد من منع فضل الماء ولا فضل في هذا .



                فصل [يجب بذل ما فضل من الماء عن حاجته وحاجة بهائمه وزرعه لمن طلبه لحاجته أو حاجة بهائمه والاختلاف في بذله لزرع غيره ]
                وما فضل منه عن حاجته وحاجة بهائمه وزرعه واحتاج إليه آدمي مثله أو بهائمه بذله بغير عوض ولكل واحد أن يتقدم إلى الماء ويشرب . ويسقي ماشيته وليس لصاحب الماء منعه من ذلك ولا يلزم الشارب وساقي البهائم عوض . وهل يلزمه أن يبذل له الدلو والبكرة والحبل مجانا أو له أن يأخذ أجرته ؟ على قولين وهما وجهان لأصحاب أحمد في وجوب إعارة المتاع عند الحاجة إليه أظهرهما دليلا وجوبه وهو من الماعون .

                قال أحمد : إنما هذا في الصحاري والبرية دون البنيان يعني : أن البنيان إذا كان فيه الماء فليس لأحد الدخول إليه إلا بإذن صاحبه وهل يلزمه بذل فضل مائه لزرع غيره ؟ فيه وجهان وهما روايتان عن أحمد .

                أحدهما : لا يلزمه وهو مذهب الشافعي لأن الزرع لا حرمة له في نفسه ولهذا لا يجب على صاحبه سقيه بخلاف الماشية .

                والثاني : يلزمه بذله واحتج لهذا القول بالأحاديث المتقدمة وعمومها ومما روي عن عبد الله بن عمرو أن قيم أرضه بالوهط كتب إليه يخبره أنه سقى أرضه وفضل له من الماء فضل يطلب بثلاثين ألفا فكتب إليه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : أقم قلدك ثم اسق الأدنى فالأدنى فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع فضل الماء

                قالوا : وفي منعه من سقي الزرع إهلاكه وإفساده فحرم كالماشية . وقولكم لا حرمة له فلصاحبه حرمة فلا يجوز التسبب إلى إهلاك ماله ومن سلم لكم أنه لا حرمة للزرع ؟ قال أبو محمد المقدسي : ويحتمل أن يمنع نفي الحرمة عنه فإن إضاعة المال منهي عنها وإتلافه محرم وذلك دليل على حرمته .



                [هل تملك البئر النابعة أو العين المستنبطة والمعادن في أرضه ]

                فإن قيل فإذا كان في أرضه أو داره بئر نابعة أو عين مستنبطة فهل تكون ملكا له تبعا لملك الأرض والدار ؟ قيل أما نفس البئر وأرض العين فمملوكة لمالك الأرض وأما الماء ففيه قولان وهما روايتان عن أحمد ووجهان لأصحاب الشافعي .

                أحدهما : أنه غير مملوك لأنه يجري من تحت الأرض إلى ملكه فأشبه الجاري في النهر إلى ملكه .

                والثاني : أنه مملوك له قال أحمد في رجل له أرض ولآخر ماء فاشترك صاحب الأرض وصاحب الماء في الزرع يكون بينهما ؟ فقال لا بأس وهذا القول اختيار أبي بكر .

                وفي معنى الماء المعادن الجارية في الأملاك كالقار والنفط والموميا والملح وكذلك الكلأ النابت في أرضه كل ذلك يخرج على الروايتين في الماء وظاهر المذهب أن هذا الماء لا يملك وكذلك هذه الأشياء قال أحمد : لا يعجبني بيع الماء البتة وقال الأثرم : سمعت أبا عبد الله يسأل عن قوم بينهم نهر تشرب منه أرضهم لهذا يوم ولهذا يومان يتفقون عليه بالحصص فجاء يومي ولا أحتاج إليه أكريه بدراهم ؟ قال ما أدري أما النبي صلى الله عليه وسلم فنهى عن بيع الماء قيل إنه ليس يبيعه إنما يكريه قال إنما احتالوا بهذا ليحسنوه فأي شيء هذا إلا البيع انتهى .

                [ ترجيح المصنف المنع من البيع ]

                وأحاديث اشتراك الناس في الماء دليل ظاهر على المنع من بيعه وهذه المسألة التي سئل عنها أحمد هي التي قد ابتلي بها الناس في أرض الشام وبساتينه وغيرها فإن الأرض والبستان يكون له حق من الشرب من نهر فيفصل عنه أو يبنيه دورا وحوانيت ويؤجر ماءه فقد توقف أحمد أولا ثم أجاب بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الماء فلما قيل له إن هذه إجارة قال هذه التسمية حيلة وهي تحسين اللفظ وحقيقة العقد البيع وقواعد الشريعة تقتضي المنع من بيع هذا الماء فإنه إنما كان له حق التقديم في سقي أرضه من هذا الماء المشترك بينه وبين غيره فإذا استغنى عنه لم يجز له المعاوضة عنه وكان المحتاج إليه أولى به بعده وهذا كمن أقام على معدن فأخذ منه حاجته لم يجز له أن يبيع باقيه بعد نزعه عنه .

                وكذلك من سبق إلى الجلوس في رحبة أو طريق واسعة فهو أحق بها ما دام جالسا فإذا استغنى عنها وأجر مقعده لم يجز وكذلك الأرض المباحة إذا كان فيها كلأ أو عشب فسبق بدوابه إليه فهو أحق برعيه ما دامت دوابه فيه فإذا طلب الخروج منها وبيع ما فضل عنه لم يكن له ذلك وهكذا هذا الماء سواء فإنه إذا فارق أرضه لم يبق له فيه حق وصار بمنزلة الكلأ الذي لا اختصاص له به ولا هو في أرضه .

                فإن قيل الفرق بينهما أن هذا الماء في نفس أرضه فهو منفعة من منافعها فملكه بملكها كسائر منافعها بخلاف ما ذكرتم من الصور فإن تلك الأعيان ليست من ملكه وإنما له حق الانتفاع والتقديم إذا سبق خاصة .

                قيل هذه النكتة التي لأجلها جوز من جوز بيعه وجعل ذلك حقا من حقوق أرضه فملك المعاوضة عليه وحده كما يملك المعاوضة عليه مع الأرض فيقال حق أرضه في الانتفاع لا في ملك العين التي أودعها الله فيها بوصف الاشتراك وجعل حقه في تقديم الانتفاع على غيره في التحجر والمعاوضة فهذا القول هو الذي تقتضيه قواعد الشرع وحكمته واشتماله على مصالح العالم وعلى هذا فإذا دخل غيره بغير إذنه فأخذ منه شيئا ملكه لأنه مباح في الأصل فأشبه ما لو عشش في أرضه طائر أو حصل فيها ظبي أو نضب ماؤها عن سمك فدخل إليه فأخذه .



                [يجوز الدخول في ملك غيره بغير إذنه للرعي وسقي البهائم ]

                فإن قيل فهل له منعه من دخول ملكه وهل يجوز دخوله في ملكه بغير إذنه ؟

                قيل قد قال بعض أصحابنا : لا يجوز له دخول ملكه لأخذ ذلك بغير إذنه وهذا لا أصل له في كلام الشارع ولا في كلام الإمام أحمد بل قد نص أحمد على جواز الرعي في أرض غير مباحة مع أن الأرض ليست مملوكة له ولا مستأجرة ودخولها لغير الرعي ممنوع منه . فالصواب أنه يجوز له دخولها لأخذ ما له أخذه وقد يتعذر عليه غالبا استئذان مالكها ويكون قد احتاج إلى الشرب وسقي بهائمه ورعي الكلأ ومالك الأرض غائب فلو منعناه من دخولها إلا بإذنه كان في ذلك إضرار ببهائمه .

                وأيضا فإنه لا فائدة لهذا الإذن لأنه ليس لصاحب الأرض منعه من الدخول بل يجب عليه تمكينه فغاية ما يقدر أنه لم يأذن له وهذا حرام عليه شرعا لا يحل له منعه من الدخول فلا فائدة في توقف دخوله على الإذن .

                وأيضا فإنه إذا لم يتمكن من أخذ حقه الذي جعله له الشارع إلا بالدخول فهو مأذون فيه شرعا بل لو كان دخوله بغير إذنه لغيرة على حريمه وعلى أهله فلا يجوز له الدخول بغير إذن فأما إذا كان في الصحراء أو دار فيها بئر ولا أنيس بها فله الدخول بإذن وغيره وقد قال الله تعالى : ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم [ النور 29 ] وهذا الدخول الذي رفع عنه الجناح هو الدخول بلا إذن فإنه قد منعهم قبل من الدخول لغير بيوتهم حتى يستأنسوا ويسلموا على أهلها والاستئناس هنا : الاستئذان وهي في قراءة بعض السلف كذلك ثم رفع عنهم الجناح في دخول البيوت غير المسكونة لأخذ متاعهم فدل ذلك على جواز الدخول إلى بيت غيره وأرضه غير المسكونة لأخذ حقه من الماء والكلأ فهذا ظاهر القرآن وهو مقتضى نص أحمد وبالله التوفيق .



                [ يجوز بيع البئر والعين ومشتريها أحق بمائها ]
                [شراء عثمان بئر رومة ]

                فإن قيل فما تقولون في بيع البئر والعين نفسها : هل يجوز ؟ قال الإمام أحمد : إنما نهي عن بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره ويجوز بيع البئر نفسها والعين ومشتريها أحق بمائها وهذا الذي قاله الإمام أحمد هو الذي دلت عليه السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال من يشتري بئر رومة يوسع بها على المسلمين وله الجنة أو كما قال فاشتراها عثمان بن عفان رضي الله عنه من يهودي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وسبلها للمسلمين وكان اليهودي يبيع ماءها . وفي الحديث أن عثمان رضي الله عنه اشترى منه نصفها باثني عشر ألفا ثم قال لليهودي اختر إما أن تأخذها يوما وآخذها يوما وإما أن تنصب لك عليها دلوا وأنصب عليها دلوا فاختار يوما ويوما فكان الناس يستقون منها في يوم عثمان لليومين فقال اليهودي أفسدت علي بئري فاشتر باقيها فاشتراه بثمانية آلاف فكان في هذا حجة على صحة بيع البئر وجواز شرائها وتسبيلها وصحة بيع ما يسقى منها وجواز قسمة الماء بالمهايأة وعلى كون المالك أحق بمائها وجواز قسمة ما فيه حق وليس بمملوك .

                [ كان إقرار اليهودي على بيع الماء في أول الإسلام ]

                فإن قيل فإذا كان الماء عندكم لا يملك ولكل واحد أن يستقي منه حاجته فكيف أمكن اليهودي تحجره حتى اشترى عثمان البئر وسبلها فإن قلتم اشترى نفس البئر وكانت مملوكة ودخل الماء تبعا أشكل عليكم من وجه آخر وهو أنكم قررتم أنه يجوز للرجل دخول أرض غيره لأخذ الكلأ والماء وقضية بئر اليهودي تدل على أحد أمرين ولا بد إما ملك الماء بملك قراره وإما على أنه لا يجوز دخول الأرض لأخذ ما فيها من المباح إلا بإذن مالكها .

                قيل هذا سؤال قوي وقد يتمسك به من ذهب إلى واحد من هذين المذهبين ومن منع الأمرين يجيب عنه بأن هذا كان في أول الإسلام وحين قدم النبي صلى الله عليه وسلم وقبل تقرر الأحكام وكان اليهود إذ ذاك لهم شوكة بالمدينة ولم تكن أحكام الإسلام جارية عليهم والنبي صلى الله عليه وسلم لما قدم صالحهم وأقرهم على ما بأيديهم ولم يتعرض له ثم استقرت الأحكام وزالت شوكة اليهود لعنهم الله وجرت عليهم أحكام الشريعة وسياق قصة هذه البئر ظاهر في أنها كانت حين مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في أول الأمر .


                افتراضي

                فصل [ هل يملك ماء البرك والمصانع ] ؟
                وأما المياه الجارية فما كان نابعا من غير ملك كالأنهار الكبار وغير ذلك لم يملك بحال ولو دخل إلى أرض رجل لم يملكه بذلك وهو كالطير يدخل إلى أرضه فلا يملك بذلك ولكل واحد أخذه وصيده فإن جعل له في أرضه مصنعا أو بركة يجتمع فيها ثم يخرج منها فهو كنقع البئر سواء وفيه من النزاع ما فيه وإن كان لا يخرج منها فهو أحق به للشرب والسقي وما فضل عنه فحكمه حكم ما تقدم .

                وقال الشيخ في " المغني " : وإن كان ماء يسير في البركة لا يخرج منها فالأولى أنه يملكه بذلك على ما سنذكره في مياه الأمطار .

                ثم قال فأما المصانع المتخذة لمياه الأمطار تجتمع فيها ونحوها من البرك وغيرها فالأولى أن يملك ماؤها ويصح بيعه إذا كان معلوما لأنه مباح حصله في شيء معد له فلا يجوز أخذ شيء منه إلا بإذن مالكه .

                وفي هذا نظر مذهبا ودليلا أما المذهب فإن أحمد قال إنما نهى عن بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره ومعلوم أن ماء البئر لا يفارقها فهو كالبركة التي اتخذت مقرا كالبئر سواء ولا فرق بينهما وقد تقدم من نصوص أحمد ما يدل على المنع من بيع هذا وأما الدليل فما تقدم من النصوص التي سقناها وقوله في الحديث الذي رواه البخاري في وعيد الثلاثة والرجل على فضل ماء يمنعه ابن السبيل ولم يفرق بين أن يكون ذلك الفضل في أرضه المختصة به أو في الأرض المباحة وقوله الناس شركاء في ثلاث ولم يشترط في هذه الشركة كون مقره مشتركا وقوله وقد سئل ما الشيء الذي لا يحل منعه ؟ فقال الماء ولم يشترط كون مقره مباحا فهذا مقتضى الدليل في هذه المسألة أثرا ونظرا .



                ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في منع الرجل من بيع ما ليس عنده
                في " السنن " و " المسند " من حديث حكيم بن حزام قال قلت يا رسول الله يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي فأبيعه منه ثم أبتاعه من السوق فقال لا تبع ما ليس عندك قال الترمذي : حديث حسن .

                وفي " السنن " نحوه من حديث ابن عمرو رضي الله عنه ولفظه لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك قال الترمذي : حديث حسن صحيح .

                فاتفق لفظ الحديثين على نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عنده فهذا هو المحفوظ من لفظه صلى الله عليه وسلم وهو يتضمن نوعا من الغرر فإنه إذا باعه شيئا معينا وليس في ملكه ثم مضى ليشتريه أو يسلمه له كان مترددا بين الحصول وعدمه فكان غررا يشبه القمار فنهي عنه .

                وقد ظن بعض الناس أنه إنما نهى عنه لكونه معدوما فقال لا يصح بيع المعدوم وروى في ذلك حديثا أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المعدوم وهذا الحديث لا يعرف في شيء من كتب الحديث ولا له أصل والظاهر أنه مروي بالمعنى من هذا الحديث وغلط من ظن أن معناهما واحد وأن هذا المنهي عنه في حديث حكيم وابن عمرو رضي الله عنه لا يلزم أن يكون معدوما وإن كان فهو معدوم خاص فهو كبيع حبل الحبلة وهو معدوم يتضمن غررا وترددا في حصوله .




                [ أقسام المعدوم ]
                [ أولها بيع السلم ]

                والمعدوم ثلاثة أقسام معدوم موصوف في الذمة فهذا يجوز بيعه اتفاقا وإن كان أبو حنيفة شرط في هذا النوع أن يكون وقت العقد في الوجود من حيث الجملة وهذا هو السلم وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى .

                [ ثانيها بيع الثمار بعد بدو صلاحها ]

                والثاني : معدوم تبع للموجود وإن كان أكثر منه وهو نوعان نوع متفق عليه ونوع مختلف فيه فالمتفق عليه بيع الثمار بعد بدو صلاح ثمرة واحدة منها فاتفق الناس على جواز بيع ذلك الصنف الذي بدا صلاح واحدة منه وإن كانت بقية أجزاء الثمار معدومة وقت العقد ولكن جاز بيعها تبعا للموجود وقد يكون المعدوم متصلا بالموجود وقد يكون أعيانا أخر منفصلة عن الوجود لم تخلق بعد .

                [ الاختلاف في بيع المقاثئ والمباطخ إذا طابت ]

                والنوع المختلف فيه كبيع المقاثئ والمباطخ إذا طابت فهذا فيه قولان أحدهما : أنه يجوز بيعها جملة ويأخذها المشتري شيئا بعد شيء كما جرت به العادة ويجري مجرى بيع الثمرة بعد بدو صلاحها وهذا هو الصحيح من القولين الذي استقر عليه عمل الأمة ولا غنى لهم عنه ولم يأت بالمنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا أثر ولا قياس صحيح وهو مذهب مالك وأهل المدينة وأحد القولين في مذهب أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية .

                والذين قالوا : لا يباع إلا لقطة لقطة لا ينضبط قولهم شرعا ولا عرفا ويتعذر العمل به غالبا وإن أمكن ففي غاية العسر ويؤدي إلى التنازع والاختلاف الشديد فإن المشتري يريد أخذ الصغار والكبار ولا سيما إذا كان صغاره أطيب من كباره والبائع لا يؤثر ذلك وليس في ذلك عرف منضبط وقد تكون المقثأة كثيرة فلا يستوعب المشتري اللقطة الظاهرة حتى يحدث فيها لقطة أخرى ويختلط المبيع بغيره ويتعذر تمييزه ويتعذر أو يتعسر على صاحب المقثأة أن يحضر لها كل وقت من يشتري ما تجدد فيها ويفرده بعقد وما كان هكذا فإن الشريعة لا تأتي به فهذا غير مقدور ولا مشروع ولو ألزم الناس به لفسدت أموالهم وتعطلت مصالحهم ثم إنه يتضمن التفريق بين متماثلين من كل الوجوه فإن بدو الصلاح في المقاثئ بمنزلة بدو الصلاح في الثمار وتلاحق أجزائها كتلاحق أجزاء الثمار وجعل ما لم يخلق منها تبعا لما خلق في الصورتين واحد فالتفريق بينهما تفريق بين متماثلين .

                ولما رأى هؤلاء ما في بيعها لقطة لقطة من الفساد والتعذر قالوا : طريق رفع ذلك بأن يبيع أصلها معها ويقال إذا كان بيعها جملة مفسدة عندكم وهو بيع معدوم وغرر فإن هذا لا يرتفع ببيع العروق التي لا قيمة لها وإن كان لها قيمة فيسيرة جدا بالنسبة إلى الثمن المبذول وليس للمشتري قصد في العروق ولا يدفع فيها الجملة من المال وما الذي حصل ببيع العروق معها من المصلحة لهما حتى شرط وإذا لم يكن بيع أصول الثمار شرطا في صحة بيع الثمرة المتلاحقة كالتين والتوت وهي مقصودة فكيف يكون بيع أصول المقاثئ شرطا في صحة بيعها وهي غير مقصودة والمقصود أن هذا المعدوم يجوز بيعه تبعا للموجود ولا تأثير للمعدوم وهذا كالمنافع المعقود عليها في الإجارة فإنها معدومة وهي مورد العقد لأنها لا يمكن أن تحدث دفعة واحدة والشرائع مبناها على رعاية مصالح العباد وعدم الحجر عليهم فيما لا بد لهم منه ولا تتم مصالحهم في معاشهم إلا به .



                فصل [ الثالث من أقسام المعدوم التفريق بين هذا وبين السلم ]
                الثالث معدوم لا يدرى يحصل أو لا يحصل ولا ثقة لبائعه بحصوله بل يكون المشتري منه على خطر فهذا الذي منع الشارع بيعه لا لكونه معدوما بل لكونه غررا فمنه صورة النهي التي تضمنها حديث حكيم بن حزام وابن عمر رضي الله عنهما فإن البائع إذا باع ما ليس في ملكه ولا له قدرة على تسليمه ليذهب ويحصله ويسلمه إلى المشتري كان ذلك شبيها بالقمار والمخاطرة من غير حاجة بهما إلى هذا العقد ولا تتوقف مصلحتهما عليه وكذلك بيع حبل الحبلة - وهو بيع حمل ما تحمل ناقته - ولا يختص هذا النهي بحمل الحمل بل لو باعه ما تحمل ناقته أو بقرته أو أمته كان من بيوع الجاهلية التي يعتادونها وقد ظن طائفة أن بيع السلم مخصوص من النهي عن بيع ما ليس عنده وليس هو كما ظنوه فإن السلم يرد على أمر مضمون في الذمة ثابت فيها مقدور على تسليمه عند محله ولا غرر في ذلك ولا خطر بل هو جعل المال في ذمة المسلم إليه يجب عليه أداؤه عند محله فهو يشبه تأجيل الثمن في ذمة المشتري فهذا شغل لذمة المشتري بالثمن المضمون وهذا شغل لذمة البائع بالمبيع المضمون فهذا لون وبيع ما ليس عنده لون ورأيت لشيخنا في هذا الحديث فصلا مفيدا وهذه سياقته .



                [ كلام لابن تيمية عن حديث النهي عن بيع ما ليس عندك ]
                قال للناس في هذا الحديث أقوال قيل المراد بذلك أن يبيع السلعة المعينة التي هي مال الغير فيبيعها ثم يتملكها ويسلمها إلى المشتري والمعنى : لا تبع ما ليس عندك من الأعيان ونقل هذا التفسير عن الشافعي فإنه يجوز السلم الحال وقد لا يكون عند المسلم إليه ما باعه فحمله على بيع الأعيان ليكون بيع ما في الذمة غير داخل تحته سواء كان حالا أو مؤجلا .

                وقال آخرون هذا ضعيف جدا فإن حكيم بن حزام ما كان يبيع شيئا معينا هو ملك لغيره ثم ينطلق فيشتريه منه ولا كان الذين يأتونه يقولون نطلب عبد فلان ولا دار فلان وإنما الذي يفعله الناس أن يأتيه الطالب فيقول أريد طعاما كذا وكذا أو ثوبا كذا وكذا أو غير ذلك فيقول نعم أعطيك فيبيعه منه ثم يذهب فيحصله من عند غيره إذا لم يكن عنده هذا هو الذي يفعله من يفعله من الناس ولهذا قال " يأتيني فيطلب مني المبيع ليس عندي " لم يقل يطلب مني ما هو مملوك لغيري فالطالب طلب الجنس لم يطلب شيئا معينا كما جرت به عادة الطالب لما يؤكل ويلبس ويركب إنما يطلب جنس ذلك ليس له غرض في ملك شخص بعينه دون ما سواه مما هو مثله أو خير منه ولهذا صار الإمام أحمد وطائفة إلى القول الثاني فقالوا : الحديث على عمومه يقتضي النهي عن بيع ما في الذمة إذا لم يكن عنده وهو يتناول النهي عن السلم إذا لم يكن عنده لكن جاءت الأحاديث بجواز السلم المؤجل فبقي هذا في السلم الحال .

                والقول الثالث - وهو أظهر الأقوال - إن الحديث لم يرد به النهي عن السلم المؤجل ولا الحال مطلقا وإنما أريد به أن يبيع ما في الذمة مما ليس هو مملوكا له ولا يقدر على تسليمه ويربح فيه قبل أن يملكه ويضمنه ويقدر على تسليمه فهو نهي عن السلم الحال إذا لم يكن عند المستسلف ما باعه فيلزم ذمته بشيء حال ويربح فيه وليس هو قادرا على إعطائه وإذا ذهب يشتريه فقد يحصل وقد لا يحصل فهو من نوع الغرر والمخاطرة وإذا كان السلم حالا وجب عليه تسليمه في الحال وليس بقادر على ذلك ويربح فيه على أن يملكه ويضمنه وربما أحاله على الذي ابتاع منه فلا يكون قد عمل شيئا بل أكل المال بالباطل وعلى هذا فإذا كان السلم الحال والمسلم إليه قادرا على الإعطاء فهو جائز وهو كما قال الشافعي إذا جاز المؤجل فالحال أولى بالجواز .

                ومما يبين أن هذا مراد النبي صلى الله عليه وسلم أن السائل إنما سأله عن بيع شيء مطلق في الذمة كما تقدم لكن إذا لم يجز بيع ذلك فبيع المعين الذي لم يملكه أولى بالمنع وإذا كان إنما سأله عن بيع شيء في الذمة فإنما سأله عن بيعه حالا فإنه قال أبيعه ثم أذهب فأبتاعه فقال له لا تبع ما ليس عندك فلو كان السلف الحال لا يجوز مطلقا لقال له ابتداء لا تبع هذا سواء كان عنده أو ليس عنده فإن صاحب هذا القول يقول بيع ما في الذمة حالا لا يجوز ولو كان عنده ما يسلمه بل إذا كان عنده فإنه لا يبيع إلا معينا لا يبيع شيئا في الذمة فلما لم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك مطلقا بل قال لا تبع ما ليس عندك علم أنه صلى الله عليه وسلم فرق بين ما هو عنده ويملكه ويقدر على تسليمه وما ليس كذلك وإن كان كلاهما في الذمة .

                ومن تدبر هذا تبين له أن القول الثالث هو الصواب فإن قيل إن بيع المؤجل جائز للضرورة وهو بيع المفاليس لأن البائع احتاج أن يبيع إلى أجل وليس عنده ما يبيعه الآن فأما الحال فيمكنه أن يحضر المبيع فيراه فلا حاجة إلى بيع موصوف في الذمة أو بيع عين غائبة موصوفة لا يبيع شيئا مطلقا ؟ . قيل لا نسلم أن السلم على خلاف الأصل بل تأجيل المبيع كتأجيل الثمن كلاهما من مصالح العالم .



                [ الاختلاف في مبيع الغائب ]
                والناس لهم في مبيع الغائب ثلاثة أقوال منهم من يجوزه مطلقا ولا يجوزه معينا موصوفا كالشافعي في المشهور عنه ومنهم من يجوزه معينا موصوفا ولا يجوزه مطلقا كأحمد وأبي حنيفة والأظهر جواز هذا وهذا ويقال للشافعي مثل ما قال هو لغيره إذا جاز بيع المطلق الموصوف في الذمة فالمعين الموصوف أولى بالجواز فإن المطلق فيه من الغرر والخطر والجهل أكثر مما في المعين فإذا جاز بيع حنطة مطلقة بالصفة فجواز بيعها معينة بالصفة أولى بل لو جاز بيع المعين بالصفة فللمشتري الخيار إذا رآه جاز أيضا كما نقل عن الصحابة وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين وقد جوز القاضي وغيره من أصحاب أحمد السلم الحال بلفظ البيع .



                [ بيع السلف ]
                والتحقيق أنه لا فرق بين لفظ ولفظ فالاعتبار في العقود بحقائقها ومقاصدها لا بمجرد ألفاظها ونفس بيع الأعيان الحاضرة التي يتأخر قبضها يسمى سلفا إذا عجل له الثمن كما في " المسند " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يسلم في الحائط بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحه فإذا بدا صلاحه وقال أسلمت إليك في عشرة أوسق من تمر هذا الحائط جاز كما يجوز أن يقول ابتعت عشرة أوسق من هذه الصبرة ولكن الثمن يتأخر قبضه إلى كمال صلاحه فإذا عجل له الثمن قيل له سلف لأن السلف هو الذي تقدم والسالف المتقدم قال الله تعالى : فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين [ الزخرف 56 ] .

                والعرب تسمي أول الرواحل السالفة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون . وقول الصديق رضي الله عنه لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي . وهي العنق .

                722 - ولفظ السلف يتناول القرض والسلم لأن المقرض أيضا أسلف القرض أي قدمه ومنه هذا الحديث لا يحل سلف وبيع .

                ومنه الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم استلف بكرا وقضى جملا رباعيا والذي يبيع ما ليس عنده لا يقصد إلا الربح وهو تاجر فيستلف بسعر ثم يذهب فيشتري بمثل ذلك الثمن فإنه يكون قد أتعب نفسه لغيره بلا فائدة وإنما يفعل هذا من يتوكل لغيره فيقول أعطني فأنا أشتري لك هذه السلعة فيكون أمينا أما أنه يبيعها بثمن معين يقبضه ثم يذهب فيشتريها بمثل ذلك الثمن من غير فائدة في الحال فهذا لا يفعله عاقل نعم إذا كان هناك تاجر فقد يكون محتاجا إلى الثمن فيستسلفه وينتفع به مدة إلى أن يحصل تلك السلعة فهذا يقع في السلم المؤجل وهو الذي يسمى بيع المفاليس فإنه يكون محتاجا إلى الثمن وهو مفلس وليس عنده في الحال ما يبيعه ولكن له ما ينتظره من مغل أو غيره فيبيعه في الذمة فهذا يفعل مع الحاجة ولا يفعل بدونها إلا أن يقصد أن يتجر بالثمن في الحال أو يرى أنه يحصل به من الربح أكثر مما يفوت بالسلم فإن المستسلف يبيع السلعة في الحال بدون ما تساوي نقدا والمسلف يرى أن يشتريها إلى أجل بأرخص مما يكون عند حصولها وإلا فلو علم أنها عند طرد الأصل تباع بمثل رأس مال السلم لم يسلم فيها فيذهب نفع ماله بلا فائدة وإذا قصد الأجر أقرضه ذلك قرضا ولا يجعل ذلك سلما إلا إذا ظن أنه في الحال أرخص منه وقت حلول الأجل فالسلم المؤجل في الغالب لا يكون إلا مع حاجة المستسلف إلى الثمن وأما الحال فإن كان عنده فقد يكون محتاجا إلى الثمن فيبيع ما عنده معينا تارة وموصوفا أخرى وأما إذا لم يكن عنده فإنه لا يفعله إلا إذا قصد التجارة والربح فيبيعه بسعر ويشتريه بأرخص منه .

                ثم هذا الذي قدره قد يحصل كما قدره وقد لا يحصل له تلك السلعة التي يسلف فيها إلا بثمن أغلى مما أسلف فيندم وإن حصلت بسعر أرخص من ذلك قدم السلف إذ كان يمكنه أن يشتريه هو بذلك الثمن فصار هذا من نوع الميسر والقمار والمخاطرة كبيع العبد الآبق والبعير الشارد يباع بدون ثمنه فإن حصل ندم البائع وإن لم يحصل ندم المشتري وكذلك بيع حبل الحبلة وبيع الملاقيح والمضامين ونحو ذلك مما قد يحصل وقد لا يحصل فبائع ما ليس عنده من جنس بائع الغرر الذي قد يحصل وقد لا يحصل وهو من جنس القمار والميسر .

                والمخاطرة مخاطرتان مخاطرة التجارة وهو أن يشتري السلعة بقصد أن يبيعها ويربح ويتوكل على الله في ذلك والخطر
                الثاني : الميسر الذي يتضمن أكل المال بالباطل فهذا الذي حرمه الله تعالى ورسوله مثل بيع الملامسة والمنابذة وحبل الحبلة والملاقيح والمضامين وبيع الثمار قبل بدو صلاحها ومن هذا النوع يكون أحدهما قد قمر الآخر وظلمه ويتظلم أحدهما من الآخر بخلاف التاجر الذي قد اشترى السلعة ثم بعد هذا نقص سعرها فهذا من الله سبحانه ليس لأحد فيه حيلة ولا يتظلم مثل هذا من البائع وبيع ما ليس عنده من قسم القمار والميسر لأنه قصد أن يربح على هذا لما باعه ما ليس عنده والمشتري لا يعلم أنه يبيعه ثم يشتري من غيره وأكثر الناس لو علموا ذلك لم يشتروا منه بل يذهبون ويشترون من حيث اشترى هو وليست هذه المخاطرة مخاطرة التجار بل مخاطرة المستعجل بالبيع قبل القدرة على التسليم فإذا اشترى التاجر السلعة وصارت عنده ملكا وقبضا فحينئذ دخل في خطر التجارة وباع بيع التجارة كما أحله الله بقوله لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [ النساء 29 ] والله أعلم .



                ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيع الحصاة والغرر والملامسة والمنابذة
                في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر

                وفي " الصحيحين " عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الملامسة والمنابذة زاد مسلم أما الملامسة فأن يلمس كل منهما ثوب صاحبه بغير تأمل والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه الآخر .

                وفي " الصحيحين " عن أبي سعيد قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين ولبستين نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع .
                والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه إلا بذلك والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر ثوبه ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض .




                [ بيع الحصاة ]
                أما بيع الحصاة فهو من باب إضافة المصدر إلى نوعه كبيع الخيار وبيع النسيئة ونحوهما وليس من باب إضافة المصدر إلى مفعوله كبيع الميتة والدم .

                والبيوع المنهي عنها ترجع إلى هذين القسمين ولهذا فسر بيع الحصاة بأن يقول ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بدرهم وفسر بأن بيعه من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة وفسر بأن يقبض على كف من حصا ويقول لي بعدد ما خرج في القبضة من الشيء المبيع أو يبيعه سلعة ويقبض على كف من الحصا ويقول لي بكل حصاة درهم وفسر بأن يمسك أحدهما حصاة في يده ويقول أي وقت سقطت الحصاة وجب البيع وفسر بأن يتبايعا ويقول أحدهما : إذا نبذت إليك الحصاة فقد وجب البيع وفسر بأن يعترض القطيع من الغنم فيأخذ حصاة ويقول أي شاة أصبتها فهي لك بكذا وهذه الصور كلها فاسدة لما تتضمنه من أكل المال بالباطل ومن الغرر والخطر الذي هو شبيه بالقمار .

                فصل [ بيع الغرر ]
                وأما بيع الغرر فمن إضافة المصدر إلى مفعوله كبيع الملاقيح والمضامين والغرر هو المبيع نفسه وهو فعل بمعنى مفعول أي مغرور به كالقبض والسلب بمعنى المقبوض والمسلوب وهذا كبيع العبد الآبق الذي لا يقدر على تسليمه والفرس الشارد والطير في الهواء وكبيع ضربة الغائص وما تحمل شجرته أو ناقته أو ما يرضى له به زيد أو يهبه له أو يورثه إياه ونحو ذلك مما لا يعلم حصوله أو لا يقدر على تسليمه أو لا يعرف حقيقته ومقداره ومنه بيع حبل الحبلة كما ثبت في " الصحيحين " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه وهو نتاج النتاج في أحد الأقوال والثاني : أنه أجل فكانوا يتبايعون إليه هكذا رواه مسلم وكلاهما غرر والثالث أنه بيع حمل الكرم قبل أن يبلغ قاله المبرد .

                قال والحبلة الكرم بسكون الباء وفتحها وأما ابن عمر رضي الله عنه فإنه فسره بأنه أجل كانوا يتبايعون إليه وإليه ذهب مالك والشافعي وأما أبو عبيدة ففسره ببيع نتاج النتاج وإليه ذهب أحمد ومنه بيع الملاقيح والمضامين كما ثبت في حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المضامين والملاقيح . قال أبو عبيد الملاقيح ما في البطون من الأجنة والمضامين ما في أصلاب الفحول وكانوا يبيعون الجنين في بطن الناقة وما يضربه الفحل في عام أو أعوام وأنشد

                إن المضامين التي في الصلب

                ماء الفحول في الظهور الحدب


                ومنه بيع المجر فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه . قال ابن الأعرابي المجر ما في بطن الناقة والمجر الربا والمجر القمار والمجر المحاقلة والمزابنة .




                [ بيع الملامسة والمنابذة ]
                ومنه بيع الملامسة والمنابذة وقد جاء تفسيرهما في نفس الحديث ففي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه نهى عن بيعتين الملامسة والمنابذة أما الملامسة فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه هذا لفظ مسلم .

                وفي " الصحيحين " عن أبي سعيد قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين ولبستين في البيع والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه إلا بذلك والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض

                وفسرت الملامسة بأن يقول بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته فهو عليك بكذا والمنابذة بأن يقول أي ثوب نبذته إلي فهو علي بكذا وهذا أيضا نوع من الملامسة والمنابذة وهو ظاهر كلام أحمد رحمه الله والغرر في ذلك ظاهر وليس العلة تعليق البيع شرط بل ما تضمنه من الخطر والغرر .




                فصل [ بيع المغيبات ]
                وليس من بيع الغرر بيع المغيبات في الأرض كاللفت والجزر والفجل والقلقاس والبصل ونحوها فإنها معلومة بالعادة يعرفها أهل الخبرة بها وظاهرها عنوان باطنها فهو كظاهر الصبرة مع باطنها ولو قدر أن في ذلك غررا فهو غرر يسير يغتفر في جنب المصلحة العامة التي لا بد للناس منها فإن ذلك غرر لا يكون موجبا للمنع فإن إجارة الحيوان والدار والحانوت مساناة لا تخلو عن غرر لأنه يعرض فيه موت الحيوان وانهدام الدار وكذا دخول الحمام وكذا الشرب من فم السقاء فإنه غير مقدر مع اختلاف الناس في قدره وكذا بيوع السلم وكذا بيع الصبرة العظيمة التي لا يعلم مكيلها وكذا بيع البيض والرمان والبطيخ والجوز واللوز والفستق وأمثال ذلك مما لا يخلو من الغرر فليس كل غرر سببا للتحريم والغرر إذا كان يسيرا أو لا يمكن الاحتراز منه لم يكن مانعا من صحة العقد فإن الغرر الحاصل في أساسات الجدران وداخل بطون الحيوان أو آخر الثمار التي بدا صلاح بعضها دون بعض لا يمكن الاحتراز منه والغرر الذي في دخول الحمام والشرب من السقاء ونحوه غرر يسير فهذان النوعان لا يمنعان البيع بخلاف الغرر الكثير الذي يمكن الاحتراز منه وهو المذكور في الأنواع التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان مساويا لها لا فرق بينها وبينه فهذا هو المانع من صحة العقد .

                فإذا عرف هذا فبيع المغيبات في الأرض انتفى عنه الأمران فإن غرره يسير ولا يمكن الاحتراز منه فإن الحقول الكبار لا يمكن بيع ما فيها من ذلك إلا وهو في الأرض فلو شرط لبيعه إخراجه دفعة واحدة كان في ذلك من المشقة وفساد الأموال ما لا يأتي به شرع وإن منع بيعه إلا شيئا فشيئا كلما أخرج شيئا باعه ففي ذلك من الحرج والمشقة وتعطيل مصالح أرباب تلك الأموال ومصالح المشتري ما لا يخفى وذلك مما لا يوجبه الشارع ولا تقوم مصالح الناس بذلك البتة حتى إن الذين يمنعون من بيعها في الأرض إذا كان لأحدهم خراج كذلك أو كان ناظرا عليه لم يجد بدا من بيعه في الأرض اضطرارا إلى ذلك وبالجملة فليس هذا من الغرر الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نظيرا لما نهى عنه من البيوع .




                فصل [ بيع المسك في فأرته ]
                وليس منه بيع المسك في فأرته بل هو نظير ما مأكوله في جوفه كالجوز واللوز والفستق وجوز الهند فإن فأرته وعاء له تصونه من الآفات وتحفظ عليه رطوبته ورائحته وبقاؤه فيها أقرب إلى صيانته من الغش والتغير والمسك الذي في الفأرة عند الناس خير من المنفوض وجرت عادة التجار ببيعه وشرائه فيها ويعرفون قدره وجنسه معرفة لا تكاد تختلف فليس من الغرر في شيء فإن الغرر هو ما تردد بين الحصول والفوات وعلى القاعدة الأخرى : هو ما طويت معرفته وجهلت عينه وأما هذا ونحوه فلا يسمى غررا لا لغة ولا شرعا ولا عرفا ومن حرم بيع شيء وادعى أنه غرر طولب بدخوله في مسمى الغرر لغة وشرعا وجواز بيع المسك في الفأرة أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وهو الراجح دليلا والذين منعوه جعلوه مثل بيع النوى في التمر والبيض في الدجاج واللبن في الضرع والسمن في الوعاء والفرق بين النوعين ظاهر .

                ومنازعوهم يجعلونه مثل بيع قلب الجوز واللوز والفستق في صوانه لأنه من مصلحته ولا ريب أنه أشبه بهذا منه بالأول فلا هو مما نهى عنه الشارع ولا في معناه فلم يشمله نهيه لفظا ولامعنى .



                [ بيع السمن في الوعاء ]
                وأما بيع السمن في الوعاء ففيه تفصيل فإنه إن فتحه ورأى رأسه بحيث يدله على جنسه ووصفه جاز بيعه في السقاء لكنه يصير كبيع الصبرة التي شاهد ظاهرها وإن لم يره ولم يوصف له لم يجز بيعه لأنه غرر فإنه يختلف جنسا ونوعا ووصفا وليس مخلوقا في وعائه كالبيض والجوز واللوز والمسك في أوعيتها فلا يصح إلحاقه بها .

                [ بيع اللبن في الضرع ]
                وأما بيع اللبن في الضرع فمنعه أصحاب أحمد والشافعي وأبي حنيفة والذي يجب فيه التفصيل فإن باع الموجود المشاهد في الضرع فهذا لا يجوز مفردا ويجوز تبعا للحيوان لأنه إذا بيع مفردا تعذر تسليم المبيع بعينه لأنه لا يعرف مقدار ما وقع عليه البيع فإنه وإن كان مشاهدا كاللبن في الظرف لكنه إذا حلبه خلفه مثله مما لم يكن في الضرع فاختلط المبيع بغيره على وجه لا يتميز وإن صح الحديث الذي رواه الطبراني في " معجمه " من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع صوف على ظهر أو لبن في ضرع فهذا إن شاء الله محمله وأما إن باعه آصعا معلومة من اللبن يأخذه من هذه الشاة أو باعه لبنها أياما معلومة فهذا بمنزلة بيع الثمار قبل بدو صلاحها لا يجوز وأما إن باعه لبنا مطلقا موصوفا في الذمة واشترط كونه من هذه الشاة أو البقرة فقال شيخنا : هذا جائز واحتج بما في " المسند " من أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يسلم في حائط بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحه قال فإذا بدا صلاحه وقال أسلمت إليك في عشرة أوسق من تمر هذا الحائط جاز كما يجوز أن يقول ابتعت منك عشرة أوسق من هذه الصبرة ولكن الثمن يتأخر قبضه إلى كمال صلاحه هذا لفظه .




                فصل [ إجارة الحلوبة مدة معلومة لأخذ لبنها ]
                وأما إن أجره الشاة أو البقرة أو الناقة مدة معلومة لأخذ لبنها في تلك المدة فهذا لا يجوزه الجمهور واختار شيخنا جوازه وحكاه قولا لبعض أهل العلم وله فيها مصنف مفرد قال إذا استأجر غنما أو بقرا أو نوقا أيام اللبن بأجرة مسماة وعلفها على المالك أو بأجرة مسماة مع علفها على أن يأخذ اللبن جاز ذلك في أظهر قولي العلماء كما في الظئر
                قال وهذا يشبه البيع ويشبه الإجارة ولهذا يذكره بعض الفقهاء في البيع وبعضهم في الإجارة لكن إذا كان اللبن يحصل بعلف المستأجر وقيامه على الغنم فإنه يشبه استئجار الشجر وإن كان المالك هو الذي يعلفها وإنما يأخذ المشتري لبنا مقدرا فهذا بيع محض وإن كان يأخذ اللبن مطلقا فهو بيع أيضا فإن صاحب اللبن يوفيه اللبن بخلاف الظئر فإنما هي تسقي الطفل وليس هذا داخلا فيما نهى عنه صلى الله عليه وسلم من بيع الغرر لأن الغرر تردد بين الوجود والعدم فنهى عن بيعه لأنه من جنس القمار الذي هو الميسر والله حرم ذلك لما فيه من أكل المال بالباطل وذلك من الظلم الذي حرمه الله تعالى وهذا إنما يكون قمارا إذا كان أحد المتعاوضين يحصل له مال والآخر قد يحصل له وقد لا يحصل فهذا الذي لا يجوز كما في بيع العبد الآبق والبعير الشارد وبيع حبل الحبلة فإن البائع يأخذ مال المشتري والمشتري قد يحصل له شيء وقد لا يحصل ولا يعرف قدر الحاصل فأما إذا كان شيئا معروفا بالعادة كمنافع الأعيان بالإجارة مثل منفعة الأرض والدابة ومثل لبن الظئر المعتاد ولبن البهائم المعتاد ومثل الثمر والزرع المعتاد فهذا كله من باب واحد وهو جائز .

                ثم إن حصل على الوجه المعتاد وإلا حط عن المستأجر بقدر ما فات من المنفعة المقصودة وهو مثل وضع الجائحة في البيع ومثل ما إذا تلف بعض المبيع قبل التمكن من القبض في سائر البيوع .

                [ إيراد على جواز هذه الإجارة ]

                فإن قيل مورد عقد الإجارة إنما هو المنافع لا الأعيان ولهذا لا يصح استئجار الطعام ليأكله والماء ليشربه وأما إجارة الظئر فعلى المنفعة وهي وضع الطفل في حجرها وإلقامه ثديها واللبن يدخل ضمنا وتبعا فهو كنقع البئر في إجارة الدار ويغتفر فيما دخل ضمنا وتبعا ما لا يغتفر في الأصول والمتبوعات .

                [ الجواب عن هذا الإيراد ]

                قيل الجواب عن هذا من وجوه .



                [ ثبوت ورود الإجارة على الأعيان ]
                أحدها : منع كون عقد الإجارة لا يرد إلا على منفعة فإن هذا ليس ثابتا بالكتاب ولا بالسنة ولا بالإجماع بل الثابت عن الصحابة خلافه كما صح عن عمر رضي الله عنه أنه قبل حديقة أسيد بن حضير ثلاث سنين وأخذ الأجرة فقضى بها دينه والحديقة هي النخل فهذه إجارة الشجر لأخذ ثمرها وهو مذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولا يعلم له في الصحابة مخالف واختاره أبو الوفاء بن عقيل من أصحاب أحمد واختيار شيخنا فقولكم إن مورد عقد الإجارة لا يكون إلا منفعة غير مسلم ولا ثابت بالدليل وغاية ما معكم قياس محل النزاع على إجارة الخبز للأكل والماء للشرب وهذا من أفسد القياس فإن الخبز تذهب عينه ولا يستخلف مثله بخلاف اللبن ونقع البئر فإنه لما كان يستخلف ويحدث شيئا فشيئا كان بمنزلة المنافع .

                [ الثمر يجري مجرى المنافع ]

                يوضحه الوجه الثاني : وهو أن الثمر يجري مجرى المنافع والفوائد في الوقف والعارية ونحوها فيجوز أن يقف الشجرة لينتفع أهل الوقف بثمراتها كما يقف الأرض لينتفع أهل الوقف بغلتها ويجوز إعارة الشجرة كما يجوز إعارة الظهر وعارية الدار ومنيحة اللبن وهذا كله تبرع بنماء المال وفائدته فإن من دفع عقاره إلى من يسكنه فهو بمنزلة من دفع دابته إلى من يركبها وبمنزلة من دفع شجرة إلى من يستثمرها وبمنزلة من دفع أرضه إلى من يزرعها وبمنزلة من دفع شاته إلى من يشرب لبنها فهذه الفوائد تدخل في عقود التبرع سواء كان الأصل محبسا بالوقف أو غير محبس . ويدخل أيضا في عقود المشاركات فإنه إذا دفع شاة أو بقرة أو ناقة إلى من يعمل عليها بجزء من درها ونسلها صح على أصح الروايتين عن أحمد فكذلك يدخل في العقود للإجارات .

                [ المرتبة الوسطى بين المنافع والأعيان ]

                يوضحه الوجه الثالث وهو أن الأعيان نوعان نوع لا يستخلف شيئا فشيئا بل إذا ذهب ذهب جملة ونوع يستخلف شيئا فشيئا كلما ذهب منه شيء خلفه شيء مثله فهذا رتبة وسطى بين المنافع وبين الأعيان التي لا تستخلف فينبغي أن ينظر في شبهه بأي النوعين فيلحق به ومعلوم أن شبهه بالمنافع أقوى فإلحاقه بها أولى .

                [ نص القرآن على إجازة الظئر ]
                يوضحه الوجه الرابع وهو أن الله سبحانه نص في كتابه على إجارة الظئر وسمى ما تأخذه أجرا وليس في القرآن إجارة منصوص عليها في شريعتنا إلا إجارة الظئر بقوله تعالى : فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف [ الطلاق 6 ] .

                قال شيخنا : وإنما ظن الظان أنها خلاف القياس حيث توهم أن الإجارة لا تكون إلا على منفعة وليس الأمر كذلك بل الإجارة تكون على كل ما يستوفى مع بقاء أصله سواء كان عينا أو منفعة كما أن هذه العين هي التي توقف وتعار فيما استوفاه الموقوف عليه والمستعير بلا عوض يستوفيه المستأجر وبالعوض فلما كان لبن الظئر مستوفى مع بقاء الأصل جازت الإجارة عليه كما جازت على المنفعة وهذا محض القياس فإن هذه الأعيان يحدثها الله شيئا بعد شيء وأصلها باق كما يحدث الله المنافع شيئا بعد شيء وأصلها باق .



                [ الأصل في العقود وجوب الوفاء ]

                ويوضحه الوجه الخامس وهو أن الأصل في العقود وجوب الوفاء إلا ما حرمه الله ورسوله فإن المسلمين على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا فلا يحرم من الشروط والعقود إلا ما حرمه الله ورسوله وليس مع المانعين نص بالتحريم البتة وإنما معهم قياس قد علم أن بين الأصل والفرع فيه من الفرق ما يمنع الإلحاق وأن القياس الذي مع من أجاز ذلك أقرب إلى مساواة الفرع لأصله وهذا ما لا حيلة فيه وبالله التوفيق .

                [ ما تمحله المانعون لعلة جواز إجارة الظئر ]

                يوضحه الوجه السادس وهو أن الذين منعوا هذه الإجارة لما رأوا إجارة الظئر ثابتة بالنص والإجماع والمقصود بالعقد إنما هو اللبن وهو عين تمحلوا لجوازها أمرا يعلمون هم والمرضعة والمستأجر بطلانه فقالوا : العقد إنما وقع على وضعها الطفل في حجرها وإلقامه ثديها فقط واللبن يدخل تبعا والله يعلم والعقلاء قاطبة أن الأمر ليس كذلك وأن وضع الطفل في حجرها ليس مقصودا أصلا ولا ورد عليه عقد الإجارة لا عرفا ولا حقيقة ولا شرعا ولو أرضعت الطفل وهو في حجر غيرها أو في مهده لاستحقت الأجرة ولو كان المقصود إلقام الثدي المجرد لاستؤجر له كل امرأة لها ثدي ولو لم يكن لها لبن فهذا هو القياس الفاسد حقا والفقه البارد فكيف يقال إن إجارة الظئر على خلاف القياس ويدعى أن هذا هو القياس الصحيح .

                [ ندبه صلى الله عليه وسلم إلى منيحة الغنم للبنها ]

                الوجه السابع أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب إلى منيحة العنز والشاة للبنها وحض على ذلك وذكر ثواب فاعله ومعلوم أن هذا ليس ببيع ولا هبة فإن هبة المعدوم المجهول لا تصح وإنما هو عارية الشاة للانتفاع بلبنها كما يعيره الدابة لركوبها فهذا إباحة للانتفاع بدرها وكلاهما في الشرع واحد وما جاز أن يستوفى بالعارية جاز أن يستوفى بالإجارة فإن موردهما واحد وإنما يختلفان في التبرع بهذا والمعاوضة على الآخر .



                [ إجارة الشجر لأخذ ثمرها ]
                والوجه الثامن ما رواه حرب الكرماني في " مسائله " : حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عباد بن عباد عن هشام بن عروة عن أبيه أسيد بن حضير توفي وعليه ستة آلاف درهم دين فدعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه " غرماءه فقبلهم أرضه سنتين " وفيها الشجر والنخل وحدائق المدينة الغالب عليها النخل والأرض البيضاء فيها قليل فهذا إجارة الشجر لأخذ ثمرها ومن ادعى أن ذلك خلاف الإجماع فمن عدم علمه بل ادعاء الإجماع على جواز ذلك أقرب فإن عمر رضي الله عنه فعل ذلك بالمدينة النبوية بمشهد المهاجرين والأنصار وهي قصة في مظنة الاشتهار ولم يقابلها أحد بالإنكار بل تلقاها الصحابة بالتسليم والإقرار وقد كانوا ينكرون ما هو دونها وإن فعله عمر رضي الله عنه كما أنكر عليه عمران بن حصين وغيره شأن متعة الحج ولم ينكر أحد هذه الواقعة وسنبين إن شاء الله تعالى أنها محض القياس وأن المانعين منها لا بد لهم منها وأنهم يتحيلون عليها بحيل لا تجوز .

                [ تشابه إجارة الأرض بإجارة الحيوان ]

                الوجه التاسع أن المستوفى بعقد الإجارة على زرع الأرض هو عين من الأعيان وهو المغل الذي يستغله المستأجر وليس له مقصود في منفعة الأرض غير ذلك وإن كان له قصد جرى في الانتفاع بغير الزرع فذلك تبع .

                فإن قيل المعقود عليه هو منفعة شق الأرض وبذرها وفلاحتها والعين تتولد من هذه المنفعة كما لو استأجر لحفر بئر فخرج منها الماء فالمعقود عليه هو نفس العمل لا الماء .

                قيل مستأجر الأرض ليس له مقصود في غير المغل والعمل وسيلة مقصودة لغيرها ليس له فيه منفعة بل هو تعب ومشقة وإنما مقصوده ما يحدثه الله من الحب بسقيه وعمله وهكذا مستأجر الشاة للبنها سواء مقصوده ما يحدثه الله من لبنها بعلفها وحفظها والقيام عليها فلا فرق بينهما البتة إلا ما لا تناط به الأحكام من الفروق الملغاة وتنظيركم بالاستئجار لحفر البئر تنظير فاسد بل نظير حفر البئر أن يستأجر أكارا لحرث أرضه ويبذرها ويسقيها ولا ريب أن تنظير إجارة الحيوان للبنه بإجارة الأرض لمغلها هو محض القياس وهو كما تقدم أصح من التنظير بإجارة الخبز للأكل .

                [ الغرر في إجارة الأرض أعظم منه في إجارة الحيوان ]

                يوضحه الوجه العاشر وهو أن الغرر والخطر الذي في إجارة الأرض لحصول مغلها أعظم بكثير من الغرر الذي في إجارة الحيوان للبنه فإن الآفات والموانع التي تعرض للزرع أكثر من آفات اللبن فإذا اغتفر ذلك في إجارة الأرض فلأن يغتفر في إجارة الحيوان للبنه أولى وأحرى .



                فصل [ الاختلاف في العقد على اللبن في الضرع ]
                فالأقوال في العقد على اللبن في الضرع ثلاثة .

                أحدها : منعه بيعا وإجارة وهو مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة .

                والثاني : جوازه بيعا وإجارة .

                والثالث جوازه إجارة لا بيعا وهو اختيار شيخنا رحمه الله .

                وفي المنع من بيع اللبن في الضرع حديثان أحدهما حديث عمر بن فروخ وهو ضعيف عن حبيب بن الزبير عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا نهى أن يباع صوف على ظهر أو سمن في لبن أو لبن في ضرع وقد رواه أبو إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله دون ذكر السمن رواه البيهقي وغيره .

                [ جملة بيوع منهي عنها ]
                والثاني حديث رواه ابن ماجه عن هشام بن عمار حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا جهضم بن عبد الله اليماني عن محمد بن إبراهيم الباهلي عن محمد بن زيد العبدي عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع وعما في ضروعها إلا بكيل أو وزن وعن شراء العبد وهو آبق وعن شراء المغانم حتى تقسم وعن شراء الصدقات حتى تقبض وعن ضربة الغائص

                ولكن هذا الإسناد لا تقوم به حجة والنهي عن شراء ما في بطون الأنعام ثابت بالنهي عن الملاقيح والمضامين والنهي عن شراء العبد الآبق وهو آبق معلوم بالنهي عن بيع الغرر والنهي عن شراء المغانم حتى تقسم داخل في النهي عن بيع ما ليس عنده فهو بيع غرر ومخاطرة وكذلك الصدقات قبل قبضها وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع انتقاله إلى المشتري وثبوت ملكه عليه وتعيينه له وانقطاع تعلق غيره به فالمغانم والصدقات قبل قبضها أولى بالنهي . وأما ضربة الغائص فغرر ظاهر لا خفاء به .



                [ بيع اللبن في الضرع ]
                وأما بيع اللبن في الضرع فإن كان معينا لم يمكن تسليم المبيع بعينه وإن كان بيع لبن موصوف في الذمة فهو نظير بيع عشرة أقفزة مطلقة من هذه الصبرة وهذا النوع له جهتان جهة إطلاق وجهة تعيين ولا تنافي بينهما وقد دل على جوازه نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلم في حائط بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحه رواه الإمام أحمد فإذا أسلم إليه في كيل معلوم من لبن هذه الشاة وقد صارت لبونا جاز ودخل تحت قوله ونهى عن بيع ما في ضروعها إلا بكيل أو وزن فهذا إذن لبيعه بالكيل والوزن معينا أو مطلقا لأنه لم يفصل ولم يشترط سوى الكيل والوزن ولو كان التعيين شرطا لذكره .

                فإن قيل فما تقولون لو باعه لبنها أياما معلومة من غير كيل ولا وزن .

                قيل إن ثبت الحديث لم يجز بيعه إلا بكيل أو وزن وإن لم يثبت وكان لبنها معلوما لا يختلف بالعادة جاز بيعه أياما وجرى حكمه بالعادة مجرى كيله أو وزنه وإن كان مختلفا فمرة يزيد ومرة ينقص أو ينقطع فهذا غرر لا يجوز وهذا بخلاف الإجارة فإن اللبن يحدث على ملكه بعلفه الدابة كما يحدث الحب على ملكه بالسقي فلا غرر في ذلك نعم إن نقص اللبن عن العادة أو انقطع فهو بمنزلة نقصان المنفعة في الإجارة أو تعطيلها يثبت للمستأجر حق الفسخ أو ينقص عنه من الأجرة بقدر ما نقص عليه من المنفعة هذا قياس المذهب وقال ابن عقيل وصاحب " المغني " : إذا اختار الإمساك لزمته جميع الأجرة لأنه رضي بالمنفعة ناقصة فلزمه جميع العوض كما لو رضي بالمبيع معيبا والصحيح أنه يسقط عنه من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة لأنه إنما بذل العوض الكامل في منفعة كاملة سليمة فإذا لم تسلم له لم يلزمه جميع العوض .

                وقولهم إنه رضي بالمنفعة معيبة فهو كما لو رضي بالبيع معيبا جوابه من وجهين .

                أحدهما : أنه إن رضي به معيبا بأن يأخذ أرشه كان له ذلك على ظاهر المذهب فرضاه بالعيب مع الأرش لا يسقط حقه .

                الثاني : إن قلنا : إنه لا أرش لممسك له الرد لم يلزم سقوط الأرش في الإجارة لأنه قد استوفى بعض المعقود عليه فلم يمكنه رد المنفعة كما قبضها ولأنه قد يكون عليه ضرر في رد باقي المنفعة وقد لا يتمكن من ذلك فقد لا يجد بدا من الإمساك فإلزامه بجميع الأجرة مع العيب المنقص ظاهرا ومنعه من استدراك ظلامته إلا بالفسخ ضرر عليه ولا سيما لمستأجر الزرع والغرس والبناء أو مستأجر دابة للسفر فتتعيب في الطريق فالصواب أنه لا أرش في المبيع لممسك له الرد وأنه في الإجارة له الأرش .

                والذي يوضح هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بوضع الجوائح وهي أن يسقط عن مشتري الثمار من الثمرة بقدر ما أذهبت عليه الجائحة من ثمرته ويمسك الباقي بقسطه من الثمن وهذا لأن الثمار لم تستكمل صلاحها دفعة واحدة ولم تجر العادة بأخذها جملة واحدة وإنما تؤخذ شيئا فشيئا فهي بمنزلة المنافع في الإجارة سواء والنبي صلى الله عليه وسلم في المصراة خير المشتري بين الرد وبين الإمساك بلا أرش وفي الثمار جعل له الإمساك مع الأرش والفرق ما ذكرناه والإجارة أشبه ببيع الثمار وقد ظهر اعتبار هذا الشبه في وضع الشارع الجائحة قبل قبض الثمن .

                فإن قيل فالمنافع لا توضع فيها الجائحة باتفاق العلماء .

                قيل ليس هذا من باب وضع الجوائح في المنافع ومن ظن ذلك فقد وهم قال شيخنا : وليس هذا من باب وضع الجائحة في المبيع كما في الثمر المشترى بل هو من باب تلف المنفعة المقصودة بالعقد أو فواتها .



                وقد اتفق العلماء على أن المنفعة في الإجارة إذا تلفت قبل التمكن من استيفائها فإنه لا تجب الأجرة مثل أن يستأجر حيوانا فيموت قبل التمكن من قبضه وهو بمنزلة أن يشتري قفيزا من صبرة فتتلف الصبرة قبل القبض والتمييز فإنه من ضمان البائع بلا نزاع ولهذا لو لم يتمكن المستأجر من ازدراع الأرض لآفة حصلت لم يكن عليه الأجرة .

                وإن نبت الزرع ثم حصلت آفة سماوية أتلفته قبل التمكن من حصاده ففيه نزاع فطائفة ألحقته بالثمرة والمنفعة وطائفة فرقت والذين فرقوا بينه وبين الثمرة والمنفعة قالوا : الثمرة هي المعقود عليها وكذلك المنفعة وهنا الزرع ليس معقودا عليه بل المعقود عليه هو المنفعة وقد استوفاها والذين سووا بينهما قالوا المقصود بالإجارة هو الزرع فإذا حالت الآفة السماوية بينه وبين المقصود بالإجارة كأن قد تلف المقصود بالعقد قبل التمكن من قبضه وإن لم يعاوض على زرع فقد عاوض على المنفعة التي يتمكن بها المستأجر من حصول الزرع فإذا حصلت الآفة السماوية المفسدة للزرع قبل التمكن من حصاده لم تسلم المنفعة المعقود عليها بل تلفت قبل التمكن من الانتفاع ولا فرق بين تعطيل منفعة الأرض في أول المدة أو في آخرها إذا لم يتمكن من استيفاء شيء من المنفعة ومعلوم أن الآفة السماوية إذا كانت بعد الزرع مطلقا بحيث لا يتمكن من الانتفاع بالأرض مع تلك الآفة فلا فرق بين تقدمها وتأخرها .


                فصل [ بيع الصوف على الظهر ]
                وأما بيع الصوف على الظهر فلو صح هذا الحديث بالنهي عنه لوجب القول به ولم تسغ مخالفته وقد اختلف الرواية فيه عن أحمد فمرة منعه ومرة أجازه بشرط جزه في الحال ووجه هذا القول أنه معلوم يمكن تسليمه فجاز بيعه كالرطبة وما يقدر من اختلاط المبيع الموجود بالحادث على ملك البائع يزول بجزه في الحال والحادث يسير جدا لا يمكن ضبطه هذا ولو قيل بعدم اشتراط جزه في الحال ويكون كالرطبة التي تؤخذ شيئا فشيئا وإن كانت تطول في زمن أخذها كان له وجه صحيح وغايته بيع معدوم لم يخلق تبعا للموجود فهو كأجزاء الثمار التي لم تخلق فإنها تتبع الموجود منها فإذا جعلا للصوف وقتا معينا يؤخذ فيه كان بمنزلة أخذ الثمرة وقت كمالها .

                ويوضح هذا أن الذين منعوه قاسوه على أعضاء الحيوان وقالوا : متصل - 740 بالحيوان فلم يجز إفراده بالبيع كأعضائه وهذا من أفسد القياس لأن الأعضاء لا يمكن تسليمها مع سلامة الحيوان .

                فإن قيل فما الفرق بينه وبين اللبن في الضرع وقد سوغتم هذا دونه ؟ قيل اللبن في الضرع يختلط ملك المشتري فيه بملك البائع سريعا فإن اللبن سريع الحدوث كلما حلبه در بخلاف الصوف . والله أعلم وأحكم .

                يتبع ..
                أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
                وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

                Comment

                • اخت مسلمة
                  محاور
                  • Nov 2005
                  • 6338

                  #53
                  انتهى الكتاب وهو كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد

                  لا تنسونا من صالح دعائكم

                  والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


                  تحياتي
                  أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
                  وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

                  Comment

                  • خادمة القرآن الكريم
                    عضو
                    • Jan 2009
                    • 109

                    #54
                    حفظك المولى عز وجل وعفى عنك في الدنيا والآخرة
                    (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) 16 النحل
                    الملحد انسان مسكين تائه عن الحق وغارق في ضوضاء فكرية ونفسية ومفتقد لغذاء الروح وللسكينة وللاستقرار ومن حقه علينا نحن المسلمون المتنعمون بحلاوة الإيمان أن ننيردربه ونأخذ بيده الى بر الأمان بحسن المجادلة وبالحكمة والموعظة الحسنة بمحاكاة وجدانية نفسية ورؤيا تحليلية موضوعية تخاطب العقل والروح.

                    Comment

                    Working...