*2* باب بدء اسلام الانصار رضي الله عنهم
@
قال ابن اسحاق فلما أراد الله اظهار دينه واعزاز نبيه وانجاز موعده له خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الانصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم فبينا هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم من أنتم قالوا نفر من الخزرج قال أمن موالي يهود قالوا نعم قال افلا تجلسون أكلمكم قالوا بلى فجلسوا معه فدعاهم
إلى الله وعرض عليهم الاسلام وتلا عليهم القرآن قال وكان مما صنع الله بهم في الاسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم وكانوا هم أهل شرك اصحاب أوثان وكانوا قد غزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا إن نبيا مبعوث الآن قد أظل زمانه نتبعه نقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض يا قوم تعلمون والله إنه النبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم اليه فاجابوه فيما دعاهم اليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الاسلام وقالوا له إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فان يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا
قال ابن اسحاق وهم فيما ذكر لي ستة نفر كلهم من الخزرج وهم أبو امامة أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار قال أبو نعيم وقد قيل إنه أول من أسلم من الانصار من الخزرج ومن الأوس أبو الهيثم بن التيهان وقيل إن أول من اسلم رافع بن مالك ومعاذ بن عفراء والله أعلم وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار وهو ابن عفراء النجاريان ورافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن زريق الزرقي وقطبة ابن عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد ابن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج السلمي ثم من بني سواد وعقبة بن عامر بن نابي بن زيد ابن حرام بن كعب بن سلمة السلمي أيضا ثم من بني حرام وجابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان ابن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة السلمي أيضا ثم من بني عبيد رضي الله عنهم وهكذا روي عن الشعبي والزهري وغيرهما أنهم كانوا ليلتئذ ستة نفر من الخزرج
وذكر موسى بن عقبة فيما رواه عن الزهري وعروة بن الزبير أن أول اجتماعه عليه السلام بهم كانوا ثمانية وهم معاذ بن عفراء وأسعد بن زرارة ورافع بن مالك وذكوان وهو ابن عبد قيس وعبادة بن الصامت وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة فأسلموا وواعدوه الى قابل فرجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى الاسلام وأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن عفراء ورافع بن مالك أن ابعث الينا رجلا يفقهنا فبعث اليهم مصعب بن عمير فنزل على أسعد بن زرارة وذكر تمام القصة كما سيوردها ابن اسحاق أتم من سياق موسى بن عقبة والله أعلم
قال ابن اسحاق فلما قدموا المدينة الى قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم الى الاسلام حتى فشا فيهم فلم يبق دار من دور الانصار الا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اذا كان العام المقبل وافى الموسم من الانصار اثنى عشر رجلا وهم أبو امامة أسعد بن زرارة المتقدم ذكره وعوف بن الحارث المتقدم وأخوه معاذ وهما ابنا عفراء ورافع بن مالك المتقدم ايضا وذكوان ابن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق الزرقي قال ابن هشام وهو انصاري مهاجري وعبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج وحليفهم أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم البلوى والعباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان بن يزيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج العجلاني وعقبة بن عامر بن نابي المتقدم وقطبة بن عامر بن حديدة المتقدم فهؤلاء عشرة من الخزرج ومن الاوس اثنان وهما عويم بن ساعدة وأبو الهيثم مالك بن التيهان قال ابن هشام التيهان يخفف ويثقل كميت وميت
قال السهيلي أبو الهيثم بن التيهان اسمه مالك بن مالك بن عتيك بن عمرو بن عبد الاعلم بن عامر بن زعون بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس قال وقيل إنه أراشي وقيل بلوي وهذا لم ينسبه ابن اسحاق ولا ابن هشام قال والهيثم فرخ العقاب وضرب من النبات والمقصود أن هؤلاء الاثني عشر رجلا شهدوا الموسم عامئذ وعزموا على الاجتماع برسول الله صلى الله عليه وسلم فلقوه بالعقبة فبايعوه عندها بيعة النساء وهي العقبة الاولى وروى أبو نعيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم من قوله في سورة ابراهيم وإذ قال ابراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا إلى آخرها وقال ابن اسحاق حدثني يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن عبد الرحمن ابن عسيلة الصنابحي عن عبادة وهو ابن الصامت قال كنت ممن حضر العقبة الاولى وكنا اثني عشر رجلا فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن يفترض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف فان وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق الليث بن سعد عن يزيد ابن أبي حبيب به نحوه
قال ابن اسحاق وذكر ابن شهاب الزهري عن عائذ الله أبي إدريس الخولاني أن عبادة بن الصامت حدثه قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الأولى أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف فإن
وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئا فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق عن الزهري به نحوه وقوله على بيعة النساء يعني وفق على ما نزلت عليه بيعة النساء بعد ذلك عام الحديبية وكان هذا مما نزل على وفق ما بايع عليه أصحابه ليلة العقبة وليس هذا عجيب فان القرآن نزل بموافقة عمر بن الخطاب في غير ما موطن كما بيناه في سيرته وفي التفسير وإن كانت هذه البيعة وقعت عن وحي غير متلو فهو أظهر والله أعلم
قال ابن اسحاق فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الاسلام ويفقههم في الدين وقد روى البيهقي عن ابن اسحاق قال فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث مصعبا حين كتبوا اليه أن يبعثه اليهم وهو الذي ذكره موسى بن عقبة كما تقدم إلا أنه جعل المرة الثانية هي الاولى
قال البيهقي وسياق ابن اسحاق أتم وقال ابن اسحاق فكان عبد الله بن أبي بكر يقول لا أدري ما العقبة الاولى ثم يقول ابن اسحاق بلى لعمري قد كانت عقبة وعقبة قالوا كلهم فنزل مصعب على أسعد بن زرارة فكان يسمى بالمدينة المقرئ قال ابن اسحاق فحدثني عاصم ابن عمر بن قتادة أنه كان يصلي بهم وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض رضي الله عنهم أجمعين
قال ابن اسحاق وحدثني محمد بن أبي امامة بن سهل بن حنيف عن أبيه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال كنت قائد أبي حين ذهب بصره فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الاذان بها صلى على أبي أمامة أسعد بن زرارة قال فمكث حينا على ذلك لا يسمع لأذان الجمعة إلا صلى عليه واستغفر له قال فقلت في نفسي والله إن هذا بي لعجز ألا أسأله فقلت يا أبت مالك إذا سمعت الاذان للجمعة صليت على أبي أمامة فقال أي بني كان أول من جمع بنا بالمدينة في هزم النبيت من حرة بني بياضة في بقيع يقال له بقيع الخضمات قال قلت وكم أنتم يومئذ قال أربعون رجلا وقد روى هذا الحديث أبو داود وابن ماجه من طريق محمد بن اسحاق رحمه الله وقد روى الدارقطني عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى مصعب بن عمير يأمره باقامة الجمعة وفي اسناده غرابة والله أعلم
قال ابن اسحاق وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الاشهل ودار بني ظفر وكان سعد بن معاذ ابن خالة اسعد بن زرارة فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر على بئر يقال له بئر مرق فجلسا في الحائط واجتمع اليهما رجال ممن أسلم وسعد بن معاذ وأسيد بن الحضير يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الاشهل وكلاهما مشرك على دين قومه فلما سمعا به قال سعد لأسيد لا أبالك انطلق الى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما أن يأتيا دارينا فانه لولا أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما قال فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل اليهما فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه وقد جاءك فاصدق الله فيه قال مصعب إن يجلس أكلمه قال فوقف عليهما متشتما فقال ما جاء بكما الينا تسفهان ضعفاءنا اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة وقال موسى بن عقبة فقال له غلام أتيتنا في دارنا بهذا الرعيد الغريب الطريد ليتسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم اليه
قال ابن اسحاق فقال له مصعب أو تجلس فتسمع فان رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره قال أنصفت قال ثم ركز حربته وجلس اليهما فكلمه مصعب بالاسلام وقرأ عليه القرآن فقالا فيما يذكر عنهما والله لعرفنا في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم في اشراقه وتسهله ثم قال ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين قالا له تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين ثم قال لهما إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله اليكما الآن سعد بن معاذ ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم فلما نظر اليه سعد بن معاذ مقبلا قال أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف على النادي قال له سعد ما فعلت قال كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا نفعل ما أحببت وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك قال فقام سعد بن معاذ مغضبا مبادرا مخوفا للذي ذكر له من بني حارثة وأخذ الحربة في يده ثم قال والله ما أراك أغنيت شيئا ثم خرج اليهما سعد فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما فوقف متشتما ثم قال لاسعد بن زرارة والله يا ابا أمامة والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني أتغشانا في دارنا بما نكره قال وقد قال أسعد لمصعب جاءك والله سيد من ورائه قومه إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان قال فقال
له مصعب أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرا رغبت فيه قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره قال سعد أنصفت ثم ركز الحربة وجلس فعرض عليه الاسلام وقرأ عليه القرآن وذكر موسى بن عقبة أنه قرأ عليه أول الزخرف قال فعرفنا والله في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم في اشراقه وتسهله ثم قال لهما كيف تصنعون إذا أنتم اسلمتم ودخلتم في هذا الدين قالا تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين قال فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق ثم ركع ركعتين ثم أخذ حربته فاقبل عائدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن الحضير فلما رآه قومه مقبلا قالوا نحلف بالله لقد رجع اليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف عليهم قال يا بني عبد الاشهل كيف تعلمون أمري فيكم قالوا سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة قال فان كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله قال فوالله ما أمسى في دار بني عبد الاشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة ورجع سعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقاما عنده يدعوان الناس إلى الاسلام حتى لم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف وتلك أوس وهم من الاوس بن حارثة وذلك أنهم كان فيهم أبو قيس بن الاسلت واسمه صيفي وقال الزبير بن بكار اسمه الحارث وقيل عبيد الله واسم أبيه الاسلت عامر بن جشم بن وائل بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الاوس وكذا نسبه الكلبي ايضا وكان شاعرا لهم قائدا يستمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الاسلام حتى كان بعد الخندق
قلت وأبو قيس بن الاسلت هذا ذكر له ابن اسحاق أشعارا بائية حسنة تقرب من أشعار أمية بن الصلت الثقفي
قال ابن اسحاق فيما تقدم ولما انتشر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرب وبلغ البلدان ذكر بالمدينة ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر وقبل أن يذكر من هذا الحي من الاوس والخزرج وذلك لما كان يسمعون من أحبار يهود فلما وقع أمره بالمدينة وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف قال أبو قيس بن الاسلت أخو بني واقف قال السهيلي هو أبو قيس صرمة بن أبي أنس واسم أبي أنس قيس بن صرمة بن مالك بن عدي بن عمرو بن غنم بن عدي ابن النجار قال وهو الذي أنزل فيه وفي عمر أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم الآية قال ابن اسحاق وكان يحب قريشا وكان لهم صهرا كانت تحته أرنب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي وكان يقيم عندهم السنين بامرأته قال قصيدة يعظم فيها الحرمة وينهى قريشا فيها عن الحرب ويذكر فضلهم وأحلامهم ويذكرهم بلاء الله عندهم ودفعه عنهم الفيل وكيده ويأمرهم بالكف
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أيا راكبا إما عرضت فبلغن * مغلغلة عني لؤي بن غالب
رسول امرئ قد راعه ذات بينكم * على النأي محزون بذلك ناصب
وقد كان عندي للهموم معرس * ولم اقض منها حاجتي ومآربي
نبيتكم شرجين كل قبيلة * لها أزمل من بين مذك وحاطب
أعيذكم بالله من شر صنعكم * وشر تباغيكم ودس العقارب
وإظهار أخلاق ونجوى سقيمة * كوخز الأشافي وقعها حق صائب
فذكرهم بالله أول وهلة * واحلال إحرام الظباء الشوازب
وقل لهم والله يحكم حكمه * ذروا الحرب تذهب عنكم في المراجب
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة * هي الغول للأقصين أو للأقارب
تقطع أرحاما وتهلك أمة * وتبري السديف من سنام وغارب
وتستبدلوا بالأتحمية بعدها * شليلا وأصداء ثياب المحارب
وبالمسك والكافور غبرا سوابغا * كأن قتيريها عيون الجنادب
فإياكم والحرب لاتعلقنكم * وحوضا وخيم الماء مر المشارب
تزين للأقوام ثم يرونها * بعاقبة إذ بيتت أم صاحب
تحرق لا تشوي ضعيفا وتنتحي * ذوي العز منكم بالحتوف الصوائب
ألم تعلموا ما كان في حرب داحس * فتعتبروا أو كان في حرب حاطب
وكم ذا أصابت من شريف مسود * طويل العماد ضيفه غير خائب
عظيم رماد النار يحمد أمره * وذي شيمة محض كريم المضارب
وماء هريق في الضلال كأنما * أذاعت به ريح الصبا والجنائب
يخبركم عنها امرؤ حق عالم * بأيامها والعلم علم التجارب
فبيعوا الحراب ملمحارب واذكروا * حسابكم والله خير محاسب
ولي امرئ فاختار دينا فلا يكن * عليكم رقيب غير رب الثواقب
أقيموا لنادينا حنيفا فأنتموا * لنا غاية قد يهتدى بالذوائب
وأنتم لهذا الناس نور وعصمة * تؤمون والاحلام غير عوازب
وأنتم إذا ما حصل الناس جوهر * لكم سرة البطحاء شم الارانب
تصونون أنسابا كراما عتيقة * مهذبة الأنساب غير أشائب
يرى طالب الحاجات نحو بيوتكم * عصائب هلكى تهتدي بعصائب
لقد علم الاقوام أن سراتكم * على كل حال خير أهل الجباجب
وأفضله رأيا وأعلاه سنة * وأقوله للحق وسط المواكب
فقوموا فضلوا ربكم وتمسحوا * بأركان هذا البيت بين الأخاشب
فعندكم منه بلاء ومصدق * غداة أبي يكسوم هادي الكتائب
كتيبته بالسهل تمشي ورجله * على القاذفات في رءوس المناقب
فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم * جنود المليك بين ساف وحاصب
فولوا سراعا هاربين ولم يؤب * إلى أهله ملحبش غير عصائب
فان تهلكوا نهلك وتهلك مواسم * يعاش بها قول امرئ غير كاذب
وحرب داحس الذي ذكرها أبو قيس في شعره كانت في زمن الجاهلية مشهورة وكان سببها فيما ذكره أبو عبيد معمر بن المثنى وغيره أن فرسا يقال لها داحس كانت لقيس بن زهير بن جذيمة ابن رواحة الغطفاني أجراه مع فرس لحذيفة بن بدر بن عمرو بن جؤبة الغطفاني أيضا يقال لها الغبراء فجاءت داحس سابقا فأمر حذيفة من ضرب وجهه فوثب مالك بن زهير فلطم وجه الغبراء فقام حمل بن بدر فلطم مالكا ثم أن أبا جنيدب العبسي لقي عوف بن حذيفة فقتله ثم لقي رجل من بني فزارة مالكا فقتله فشبت الحرب بين بني عبس وفزارة فقتل حذيفة بن بدر وأخوه حمل ابن بدر وجماعات آخرون وقالوا في ذلك أشعارا كثيرة يطول بسطها وذكرها
قال ابن هشام وأرسل قيس داحسا والغبراء وأرسل حذيفة الخطار والحنفاء والاول أصح قال وأما حرب حاطب بن الحارث بن قيس بن هيشة بن الحارث بن أمية بن معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس كان قتل يهوديا جارا للخزرج فخرج اليه زيد بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن مالك بن كعب بن الخزرج ابن الحارث بن الخزرج وهو الذي يقال له ابن قسحم في نفر من بني الحارث بن الخزرج فقتلوه فوقعت الحرب بين الاوس والخزرج فاقتتلوا قتالا شديدا وكان الظفر للخزرج وقتل يومئذ الأسود بن الصامت الاوسي قتله المجذر بن ذياد حليف بني عوف بن الخزرج ثم كانت بينهم حروب
يطول ذكرها أيضا والمقصود أن أبا قيس بن الاسلت مع علمه وفهمه لم ينتفع بذلك حين قدم مصعب بن عمير المدينة ودعا أهلها إلى الاسلام فاسلم من أهلها بشر كثير ولم يبق دار أي محلة من دور المدينة إلا وفيها مسلم ومسلمات غير دار بني واقف قبيلة أبي قيس ثبطهم عن الاسلام وهو القائل أيضا
ارب الناس أشياء ألمت * يلف الصعب منها بالذلول
أرب الناس إما أن ضللنا * فيسرنا لمعروف السبيل
فلولا ربنا كنا يهودا * وما دين اليهود بذي شكول
ولولا ربنا كنا نصارى * مع الرهبان في جبل الجليل
ولكنا خلقنا إذ خلقنا * حنيفا ديننا عن كل جيل
نسوق الهدي ترسف مذعنات * مكشفة المناكب في الجلول
وحاصل ما يقول أنه حائر فيما وقع من الأمر الذي قد سمعه من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوقف الواقفي في ذلك مع علمه ومعرفته وكان الذي ثبطه عن الاسلام أولا عبد الله بن ابي بن سلول بعدما أخبره أبو قيس أنه الذي بشر يهود فمنعه عن الاسلام
قال ابن اسحاق ولم يسلم إلى يوم الفتح هو وأخوه وخرج وأنكر الزبير بن بكار أن يكون أبو قيس أسلم وكذا الواقدي قال كان عزم على الاسلام أول ما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلامه عبد الله بن ابي فحلف لا يسلم إلى حول فمات في ذي القعدة وقد ذكر غيره فيما حكاه ابن الاثير في كتابه اسد الغابة أنه لما حضره الموت دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فسمع يقول لا إله إلا الله وقال الامام احمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من الانصار فقال يا خال قل لا إله إلا الله فقال أخال أم عم قال بل خال قال فخير لي أن أقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم تفرد به احمد رحمه الله وذكر عكرمة وغيره أنه لما توفي أراد ابنه أن يتزوج امرأته كبيشة بنت معن بن عاصم فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فأنزل الله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الآية
وقال ابن اسحاق وسعيد بن يحيى الاموي في مغازيه كان أبو قيس هذا قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح وفارق الاوثان واغتسل من الجنابة وتطهر من الحائض من النساء وهم بالنصرانية ثم أمسك عنها ودخل بيتا له فاتخذه مسجدا لا يدخل عليه فيه حائض ولا جنب وقال أعبد إله ابراهيم حين فارق الاوثان وكرهها حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسلم فحسن اسلامه وكان شيخا كبيرا وكان قوالا بالحق معظما لله في جاهليته يقول في ذلك أشعارا حسانا وهو الذي يقول
يقول أبو قيس وأصبح عاديا * ألا ما استطعتم من وصاتي فافعلوا
فأوصيكم بالله والبر والتقى * وأعراضكم والبر بالله أول
وإن قومكم سادوا فلا تحسدنهم * وإن كنتم أهل الرئاسة فاعدلوا
وإن نزلت إحدى الدواهي بقومكم * فأنفسكم دون العشيرة فاجعلوا
وإن ناب غرم فادح فارفقوهم * وما حملوكم في الملمات فاحملوا
وإن أنتم أمعزتم فتعففوا * وإن كان فضل الخير فيكم فأفضلوا
وقال أبو قيس أيضا * سبحوا الله شرق كل صباح
طلعت شمسه وكل هلال
عالم السر والبيان جميعا * ليس ما قال ربنا بضلال
وله الطير تستزيد وتأوي * في وكور من آمنات الجبال
وله الوحش بالفلاة تراها * في حقاف وفي ظلال الرمال
وله هودت يهود ودانت * كل دين مخافة من عضال
وله شمس النصارى وقاموا * كل عيد لربهم واحتفال
وله الراهب الحبيس تراه * رهن بؤس وكان أنعم بال
يا بني الارحام لا تقطعوها * وصلوها قصيرة من طوال
واتقوا الله في ضعاف اليتامى * وبما يستحل غير الحلال
واعلموا أن لليتيم وليا * عالما يهتدي بغير سؤال
ثم مال اليتيم لا تأكلوه * إن مال اليتيم يرعاه والي
يا بني التخوم لا تجزلوها * إن جزل التخوم ذو عقال
يا بني الأيام لا تأمنوها * واحذروا مكرها ومر الليالي
واعلموا أن أمرها لنفاد * الخلق ما كان من جديد وبالي
واجمعوا أمركم على البر والتق * وى وترك الخنا وأخذ الحلال
قال ابن اسحاق وقال أبو قيس صرمة أيضا يذكر ما أكرمهم الله به من الاسلام وما خصهم به من نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهم
ثوى في قريش بضع عشرة حجة * يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
وسيأتي ذكرها بتمامها فيما بعد إن شاء الله وبه الثقة
*2* قصة بيعة العقبة الثانية
@
قال ابن اسحاق ثم أن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج من خرج من الانصار من المسلمين مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أواسط أيام التشريق حين أراد الله بهم من كرامته والنصر لنبيه واعزاز الاسلام وأهله فحدثني معبد بن كعب بن مالك أن أخاه عبد الله بن كعب وكان من أعلم الأنصار حدثه أن أباه كعبا حدثه وكان ممن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها قال خرجنا في حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفقهنا ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا فلما وجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة قال البراء يا هؤلاء إني قد رأيت رأيا والله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا قلنا وما ذاك قال قد رأيت أن لا أدع هذه البنية مني بظهر يعني الكعبة وأن أصلي اليها قال فقلنا والله ما بلغنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم يصلي إلا إلى الشام وما نريد أن نخالفه فقال إني لمصلي إليها قال فقلنا له لكنا لا نفعل قال فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى هو إلى الكعبة حتى قدمنا مكة قال لي يا ابن أخي انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا فانه قد وقع في نفسي منه شيء لما رأيت من خلافكم اياي فيه قال فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هل تعرفانه فقلنا لا فقال هل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه قال قلنا نعم وقد كنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرا قال فاذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس قال فدخلنا المسجد وإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه فسلمنا ثم جلسنا اليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل قال نعم هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك قال فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاعر قال نعم فقال له البراء بن معرور يا نبي الله إني خرجت في سفري هذا قد هداني الله تعالى للاسلام فرأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر فصليت اليها وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء فماذا ترى قال قد كنت على قبلة لو صبرت عليها قال فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى معنا إلى الشام قال وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات وليس في ذلك كما قالوا نحن أعلم به منهم
قال كعب بن مالك ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ومعنا عبد الله بن عمرو
ابن حرام أبو جابر سيد من سادتنا أخذناه وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر إنك سيد من سادتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ثم دعوناه إلى الاسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة قال فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا
وقد روى البخاري حدثني ابراهيم حدثنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال عطاء قال جابر أنا وأبي وخالي من أصحاب العقبة قال عبد الله بن محمد قال ابن عيينة أحدهم البراء بن معرور حدثنا علي بن المديني حدثنا سفيان قال كان عمرو يقول سمعت جابر بن عبد الله يقول شهد بي خالاي العقبة
وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قال مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم عكاظ ومجنة وفي المواسم يقول من يؤويني من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة فلا يجد أحدا يؤويه ولا ينصره حتى أن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر كذا قال فيه فيأتيه قومه وذوو رحمه فيقولون احذر غلام قريش لا يفتنك ويمضي بين رحالهم وهم يشيرون اليه بالاصابع حتى بعثنا الله اليه من يثرب فآويناه وصدقناه فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون باسلامه حتى لم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الاسلام ثم ائتمروا جميعا فقلنا حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف فرحل اليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه شعب العقبة فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافينا فقلنا يا رسول الله علام نبايعك قال تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر وعلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة فقمنا اليه وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو من أصغرهم وفي رواية البيهقي وهو أصغر السبعين إلا أنا فقال رويدا يا أهل يثرب فانا لم نضرب اليه أكباد الابل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وإن اخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة وقتل خياركم وتعضكم السيوف فاما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله وأما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله قالوا أبط عنا يا أسعد فوالله لا ندع هذه البيعة ولا نسلبها أبدا قال فقمنا اليه فبايعناه وأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة وقد رواه الامام احمد أيضا والبيهقي من طريق داود بن عبد الرحمن العطار زاد البيهقي عن الحاكم بسنده إلى يحيى بن سليم كلاهما
عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي ادريس به نحوه وهذا اسناد جيد على شرط مسلم ولم يخرجوه وقال البزار وروى غير واحد عن ابن خثيم ولا نعلمه يروى عن جابر إلا من هذا الوجه
وقال الامام احمد حدثنا سليمان بن داود حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن موسى بن عبد الله عن أبي الزبير عن جابر قال كان العباس آخذا بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله يواثقنا فلما فرغنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت وأعطيت وقال البزار حدثنا محمد بن معمر حدثنا قبيصة حدثنا سفيان هو الثوري عن جابر يعني الجعفي عن داود وهو ابن أبي هند عن الشعبي عن جابر يعني أبن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنقباء من الانصار تؤووني وتمنعوني قالوا نعم قالوا فما لنا قال الجنة ثم قال لا نعلمه يروي الا بهذا الاسناد عن جابر ثم قال ابن اسحاق عن معبد عن عبد الله عن أبيه كعب بن مالك قال فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني مازن بن النجار واسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع وقد صرح ابن اسحاق في رواية يونس بن بكير عنه بأسمائهم وأنسابهم وما ورد في بعض الاحاديث أنهم كانوا سبعين والعرب كثيرا ما تحذف الكسر وقال عروة بن الزبير وموسى بن عقبة كانوا سبعين رجلا وامرأة واحدة قال منهم أربعون من ذوي أسنانهم وثلاثون من شبابهم قال وأصغرهم أبو مسعود وجابر بن عبد الله قال كعب بن مالك فلما اجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب فقال يا معشر الخزرج قال وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها إن محمدا منا حيث علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه فهو في عزة من قومه ومنعة في بلده وإنه قد أبى إلا الانحياز اليكم واللحوق بكم فان كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه اليه ومانعوه ممن خالفه فانتم وما تحملتم من ذلك وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج اليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده قال فقلنا له قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت قال فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الاسلام قال ابايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم قال فأخذ البراء بن معرور بيده و قال نعم فوالذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب ورثناها كابرا عن كابر قال فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبو الهيثم بن التيهان فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها يعني اليهود فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم قال كعب وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجوا إلى منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم فاخرجوا منهم اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس
قال ابن اسحاق وهم أبو أمامة أسعد بن زرارة المتقدم وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج وعبد الله بن رواحة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج ورافع بن مالك بن العجلان المتقدم والبراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي ابن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج وعبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة وعبادة بن الصامت المتقدم وسعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج والمنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب ابن الخزرج فهؤلاء تسعة من الخزرج ومن الاوس ثلاثة وهم أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الاشهل بن جشم بن الخزرج بن عمرو بن مالك ابن الاوس وسعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النحاط بن كعب بن حارثة بن غنم بن السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الاوس ورفاعة بن عبد المنذر بن زنير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس
قال ابن هشام وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان بدل رفاعة هذا وهو كذلك في رواية يونس عن ابن اسحاق واختاره السهيلي وابن الاثير في الغابة ثم استشهد ابن هشام على ذلك بما رواه عن أبي زيد الانصاري فيما ذكره من شعر كعب بن مالك في ذكر النقباء الاثني عشر هذه الليلة ليلة العقبة الثانية حين قال
أبلغ أبيا أنه قال رأيه * وحان غداة الشعب والحين واقع
أبى الله ما منتك نفسك إنه * بمرصاد أمر الناس راء وسامع
وابلغ أبا سفيان أن قد بدالنا * بأحمد نور من هدى الله ساطع
فلا ترغبن في حشد أمر تريده * وألب وجمع كل ما أنت جامع
ودونك فاعلم أن نقض عهودنا * اباه عليك الرهط حين تبايعوا
اباه البراء وابن عمرو كلاهما * وأسعد يأباه عليك ورافع
وسعد أباه الساعدي ومنذر * لأنفك إن حاولت ذلك جادع
وما ابن ربيع إن تناولت عهده * بمسلمه لا يطمعن ثم طامع
وأيضا فلا يعطيكه ابن رواحة * وإخفاره من دونه السم ناقع
وفاء به والقوقلي بن صامت * بمندوحة عما تحاول يافع
أبو هيثم أيضا وفي بمثلها * وفاء بما أعطى من العهد خانع
وما ابن حضير إن أردت بمطمع * فهل أنت عن أحموقة الغي نازع
وسعد أخو عمرو بن عوف فإنه * ضروح لما حاولت ملأمر مانع
أولاك نجوم لا يغبك منهم * عليك بنحس في دجى الليل طالع
قال ابن هشام فذكر فيهم أبا الهيثم بن التيهان ولم يذكر رفاعة
قلت وذكر سعد بن معاذ وليس من النقباء بالكلية في هذه الليلة وروى يعقوب بن سفيان عن يونس بن عبد الاعلى عن ابن وهب عن مالك قال كان الانصار ليلة العقبة سبعون رجلا وكان نقباؤهم اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس وحدثني شيخ من الانصار أن جبرائيل كان يشير الى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من يجعله نقيبا ليلة العقبة وكان أسيد بن حضير أحد النقباء تلك الليلة رواه البيهقي وقال ابن اسحاق فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنقباء أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي قالوا نعم وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة الانصاري أخو بني سالم بن عوف يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل قالوا نعم قال إنكم تبايعونه على حرب الاحمر والاسود من الناس فان كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه اليه على نهكة الاموال وقتل الاشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة قالوا فإنا نأخذه على مصيبة الاموال وقتل الأشراف فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا قال الجنة قالوا ابسط يدك فبسط يده فبايعوه قال عاصم ابن عمر بن قتادة وإنما قال العباس بن عبادة ذلك ليشد العقد في أعناقهم وزعم عبد الله بن أبي
بكر أنه إنما قال ذلك ليؤخر البيعة تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبي بن سلول سيد الخزرج ليكون أقوى لأمر القوم فالله أعلم أي ذلك كان
قال ابن اسحاق فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يده وبنو عبد الاشهل يقولون بل أبو الهيثم بن التيهان
قال ابن اسحاق وحدثني معبد بن كعب عن أخيه عبد الله عن أبيه كعب بن مالك قال فكان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور ثم بايع القوم وقال ابن الاثير في اسد الغابة وبنو سلمة يزعمون أن أول من بايعه ليلتئذ كعب بن مالك وقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن أبيه عن كعب بن مالك في حديثه حين تخلف عن غزوة تبوك قال ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الاسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدرا كثير في الناس منها وقال البيهقي أخبرنا أبو الحسين بن بشران أخبرنا عمرو بن السماك حدثنا حنبل بن اسحاق حدثنا أبو نعيم حدثنا زكريا بن ابي زائدة عن عامر الشعبي قال انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العباس عمه إلى السبعين من الانصار عند العقبة تحت الشجرة فقال ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة فان عليكم من المشركين عينا وإن يعلموا بكم يفضحوكم فقال قائلهم وهو أبو امامة سل يا محمد لربك ما شئت ثم سل لنفسك بعد ذلك ما شئت ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك قال أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم قالوا فما لنا اذا فعلنا ذلك قال لكم الجنة قالوا فلك ذلك ثم رواه حنبل عن الامام احمد عن يحيى بن زكريا عن مجالد عن الشعبي عن أبي مسعود الانصاري فذكره قال وكان أبو مسعود أصغرهم وقال احمد عن يحيى عن اسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال فما سمع الشيب والشبان خطبة مثلها وقال البيهقي أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمد بن محمش أخبرنا محمد بن ابراهيم بن الفضل الفحام أخبرنا محمد بن يحيى الذهلي أخبرنا عمرو بن عثمان الرقي حدثنا زهير ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن اسماعيل بن عبيد الله بن رفاعة عن أبيه قال قدمت روايا خمر فاتاها عبادة بن الصامت فخرقها وقال إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر وعلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب مما نمنع به أنفسنا وأرواحنا وأبناءنا ولنا الجنة فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بايعناه عليها وهذا اسناد جيد قوي ولم يخرجوه وقد روى يونس عن ابن اسحاق حدثني عبادة بن
الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم
قال ابن اسحاق في حديثه عن معبد بن كعب عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك قال فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بانفذ صوت سمعته قط يا أهل الجباجب والجباجب المنازل هل لكم في مذمم والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أزب العقبة هذا ابن أزبب قال ابن هشام ويقال ابن أزبب أتسمع أي عدو الله أما والله لا تفرغن لك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفضوا الى رحالكم قال فقال العباس بن عبادة بن نضلة يا رسول الله والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم قال فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا فيها حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤنا في منازلنا فقالوا يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم الى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم قال فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون ما كان من هذا شيء وما عملناه قال وصدقوا لم يعلموا قال وبعضنا ينظر الى بعض قال ثم قام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان له جديدان قال فقلت له كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من سادتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما الي قال والله لتنتعلنهما قال يقول أبو جابر مه أحفظت والله الفتى فأردد اليه نعليه قال قلت والله لا أردهما فأل والله صالح لئن صدق الفأل لاسلبنه
قال ابن اسحاق وحدثني عبد الله بن أبي بكر أنهم أتوا عبد الله بن أبي سلول فقالوا مثل ما ذكر كعب من القول فقال لهم إن هذا الامر جسيم ما كان قومي ليتفرقوا على مثل هذا وما علمته كان قال فانصرفوا عنه قال ونفر الناس من منى فتنطس القوم الخبر فوجدوه قد كان فخرجوا في طلب القوم فادركوا سعد بن عبادة باذاخر والمنذر بن عمرو أخا بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وكلاهما كان نقيبا فأما المنذر فأعجز القوم وأما سعد بن عبادة فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته وكان ذا شعر كثير قال سعد
فوالله إني لفي أيديهم إذ طلع علي نفر من قريش فيهم رجل وضيء أبيض شعشاع حلو من الرجال فقلت في نفسي إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمة شديدة فقلت في نفسي لا والله ما عندهم بعد هذا من خير فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ أوى لي رجل ممن معهم قال ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد قال قلت بلى والله لقد كنت أجير لجبير بن مطعم تجارة وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس فقال ويحك فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما قال ففعلت وخرج ذلك الرجل اليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة فقال لهما إن رجلا من الخزرج الآن ليضرب بالابطح ليهتف بكما قالا ومن هو قال سعد بن عبادة قالا صدق والله إن كان ليجير لنا تجارنا ويمنعهم أن يظلموا ببلده قال فجاء فخلصا سعدا من أيديهم فانطلق وكان الذي لكم سعدا سهيل بن عمرو قال ابن هشام وكان الذي أوى له أبو البختري بن هشام وروى البيهقي بسنده عن عيسى بن أبي عيسى بن جبير قال سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبي قبيس
فإن يسلم السعدان يصبح محمد * بمكة لا يخشى خلاف المخالف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان من السعدان أسعد بن بكر أم سعد بن هذيم فلما كانت الليلة الثانية سمعوا قائلا يقول
أيا سعد الاوس كن أنت ناصرا * ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا * على الله في الفردوس منية عارف
فإن ثواب الله للطالب الهدى * جنان من الفردوس ذات رفارف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة
*2* فصل ( إظهار الأنصار إسلامهم بعد بيعة العقبة الثانية ) .
@ قال ابن اسحاق فلما رجع الانصار الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الثانية إلى المدينة أظهروا الاسلام بها وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك منهم عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة وكان ابنه معاذ بن عمرو ممن شهد العقبة وكان عمرو بن الجموح من سادات بني سلمة وأشرافهم وكان قد اتخذ صنما من خشب في داره يقال له مناة كما كانت الاشراف يصنعون يتخذه إلهآ يعظمه ويظهره فلما اسلم فتيان بني سلمة ابنه معاذ ومعاذ بن جبل كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عذر الناس منكسا على رأسه فاذا أصبح عمرو قال ويلكم من عدا على إلهنا هذه
الليلة ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطيبه وطهره ثم قال أما والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينه فاذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه ففعلوا مثل ذلك فيغدوا فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى فيغسله ويطيبه ويطهره ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه يوما فغسله وطهره وطيبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم قال له إني والله ما أعلم من يصنع بك ما أرى فان كان فيك خير فامتنع هذا السيف معك فلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر من عذر الناس وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به فخرج يتبعه حتى إذا وجده في تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت فلما رآه أبصر شأنه وكلمه من أسلم من قومه فأسلم برحمة الله وحسن إسلامه فقال حين اسلم وعرف من الله ما عرف وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره ويشكر الله الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة ويقول
والله لو كنت إلهآ لم تكن * أنت وكلب وسط بئر في قرن
اف لملقاك إلها مستدن * الآن فتشناك عن سوء الغبن
الحمد لله العلي ذي المنن * الواهب الرزاق ديان الدين
هو الذي أنقذني من قبل أن * أكون في ظلمة قبر مرتهن
فصل يتضمن أسماء من شهد بيعة العقبة الثانية ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان
فمن الاوس أحد عشر رجلا أسيد بن حضير أحد النقباء وأبو الهيثم بن التيهان بدري أيضا وسلمة بن سلامة بن وقش بدري وظهير بن رافع وأبو بردة بن دينار بدري ونهير بن الهيثم بن نابي بن مجدعة بن حارثة وسعد بن خيثمة أحد النقباء بدري وقتل بها شهيدا ورفاعة ابن عبد المنذر بن زنير نقيب بدري وعبد الله بن جبير بن النعمان بن أمية بن البرك بدري وقتل يوم أحد شهيدا أميرا على الرماة ومعن بن عدي بن الجد بن عجلان بن الحارث بن ضبيعة البلوي حليف للأوس شهد بدرا وما بعدها وقتل باليمامة شهيدا وعويم بن ساعدة شهد بدرا وما بعدها ومن الخزرج اثنان وستون رجلا أبو ايوب خالد بن زيد وشهد بدرا وما بعدها ومات بأرض الروم زمن معاوية شهيدا ومعاذ بن الحارث وأخواه عوف ومعوذ وهم بنو عفراء بدريون وعمارة بن حزم شهد بدرا وما بعدها وقتل باليمامة وأسعد بن زرارة أبو أمامة أحد النقباء مات قبل بدر وسهل بن عتيك بدري وأوس بن ثابت بن المنذر بدري وأبو طلحة زيد بن سهل بدري وقيس بن أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن كان أميرا علىالساقة يوم بدر وعمرو بن غزية وسعد بن الربيع أحد النقباء شهد بدرا وقتل يوم أحد وخارجة ابن زيد شهد بدرا وقتل يوم أحد وعبد الله بن رواحة أحد النقباء شهد بدرا وأحد والخندق وقتل يوم مؤتة أميرا وبشير بن سعد بدري وعبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه الذي أرى النداء وهو بدري وخلاد بن سويد بدري أحدي خندقي وقتل يوم بني قريظة شهيدا طرحت عليه رحى فشدخته فيقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن له لأجر شهيدين وأبو مسعود عقبة بن عمرو البدري قال ابن اسحاق وهو أحدث من شهد العقبة سنا ولم يشهد بدرا وزياد بن لبيد بدري وفروة بن عمرو بن ودفة وخالد بن قيس بن مالك بدري ورافع بن مالك أحد النقباء وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن رزيق وهو الذي يقال له مهاجري أنصاري لانه أقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة حتى هاجر منها وهو بدري قتل يوم أحد وعباد بن قيس بن عامر بن خالد ابن عامر بن رزيق بدري وأخوه الحارث بن قيس بن عامر بدري أيضا والبراء بن معرور أحد النقباء وأول من بايع فيما تزعم بنو سلمة وقد مات قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وأوصى له بثلث ماله فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم على ورثته وابنه بشر بن البراء وقد شهد بدرا وأحدا والخندق ومات بخيبر شهيدا من أكله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الشاة المسمومة رضي الله عنه وسنان بن صيفي بن صخر بدري والطفيل بن النعمان بن خنساء بدري قتل يوم الخندق ومعقل بن المنذر بن سرح بدري وأخوه يزيد بن المنذر بدري ومسعود بن زيد بن سبيع والضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بدري ويزيد بن خذام بن سبيع وجبار بن صخر بن أمية بن خنساء بن سنان بن عبيد بدري والطفيل بن مالك بن خنساء بدري وكعب بن مالك وسليم بن عامر بن حديدة بذري وقطبة بن عامر بن حديدة بدري وأخوه أبو المنذر يزيد بدري أيضا وأبو اليسر كعب بن عمرو بدري وصيفي بن سواد بن عباد وثعلبة بن غنمة بن عدي بن نابي بدري واستشهد بالخندق وأخوه عمرو بن غنمة بن عدي وعبس بن عامر بن عدي بدري وخالد بن عمرو بن عدي بن نابي وعبد الله بن أنيس حليف لهم من قضاعة وعبد الله بن عمرو بن حرام أحد النقباء بدري واستشهد يوم أحد وابنه جابر بن عبد الله ومعاذ بن عمرو بن الجموح بدري وثابت بن الجذع بدري وقتل شهيدا بالطائف وعمير بن الحارث بن ثعلبة بدري وخديج بن سلامة حليف لهم من بلي ومعاذ بن جبل شهد بدرا وما بعدها ومات بطاعون عمواس في خلافة عمر بن الخطاب وعبادة ابن الصامت أحد النقباء شهد بدرا وما بعدها والعباس بن عبادة بن نضلة وقد أقام بمكة حتى هاجر منها فكان يقال له مهاجري أنصاري أيضا وقتل يوم أحد شهيدا وأبو عبد الرحمن يزيد ابن ثعلبة بن خزمة بن أصرم حليف لهم من بلي وعمرو بن الحارث بن كندة ورفاعة بن عمرو بن
زيد بدري وعقبة بن وهب بن كلدة حليف لهم بدري وكان ممن خرج إلى مكة فاقام بها حتى هاجر منها فهو ممن يقال له مهاجري أنصاري أيضا وسعد بن عبادة بن دليم أحد النقباء والمنذر بن عمرو نقيب بدري احدي وقتل يوم بئر معونة أميرا وهو الذي يقال له أعتق ليموت وأما المرأتان فام عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار المازنية النجارية قال ابن اسحاق وقد كانت شهدت الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت معها أختها وزوجها زيد بن عاصم بن كعب وابناها خبيب وعبد الله وابنها خبيب هذا هو الذي قتله مسيلمة الكذاب حين جعل يقول له أتشهد ان محمدا رسول الله فيقول نعم فيقول أتشهد أني رسول الله فيقول لا أسمع فجعل يقطعه عضوا عضوا حتى مات في يديه لا يزيده على ذلك فكانت أم عمارة ممن خرج إلى اليمامة مع المسملين حين قتل مسيلمة ورجعت وبها اثني عشر جرحا من بين طعنة وضربة رضي الله عنها والاخرى أم منيع أسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي بن عمرو بن سواد ابن غنم بن كعب بن سلمة رضي الله عنها
*2* باب الهجرة من مكة الى المدينة
@ قال الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ بمكة للمسلمين قد اريت دار هجرتكم أريت سبخة ذات نخل بين لابتين فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى المدينة من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين رواه البخاري وقال أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب وهذا الحديث قد أسنده البخاري في مواضع أخر بطوله ورواه مسلم كلاهما عن أبي كريب زاد مسلم وعبد الله بن مراد كلاهما عن أبي أسامة عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى عبد الله بن قيس الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث بطوله
قال الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو العباس القاسم بن القاسم السياري بمرو حدثنا ابراهيم بن هلال حدثنا علي بن الحسن بن شقيق حدثنا عيسى بن عبيد الكندي عن غيلان بن عبد الله العامري عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله أوحى إلي أي هؤلاء البلاد الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك المدينة أو البحرين أو قنسرين قال أهل العلم ثم عزم له على المدينة فأمر أصحابه بالهجرة اليها
هذا حديث غريب جدا وقد رواه الترمذي في المناقب من جامعه منفردا به عن أبي عمار الحسين بن حريث عن الفضل بن موسى عن عيسى بن عبيد عن غيلان بن عبد الله العامري عن أبي زرعة بن عمر بن جرير عن جرير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أوحى إلى أي هؤلاء الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك المدينة أو البحرين أو قنسرين ثم قال غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل تفرد به أبو عمار
قلت وغيلان بن عبد الله العامري هذا ذكره ابن حبان في الثقات إلا أنه قال روى عن أبي زرعة حديثا منكرا في الهجرة والله أعلم
قال ابن اسحاق لما أذن الله تعالى في الحرب بقوله أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله الآية فلما أذن الله في الحرب وتابعه هذا الحي من الانصار على الاسلام والنصرة له ولمن اتبعه وأوى اليهم من المسلمين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة اليها واللحوق باخوانهم من الانصار وقال إن الله قد جعل لكم اخوانا ودارا تأمنون بها فخرجوا اليها أرسالا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة فكان أول من هاجر الى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من قريش من بني مخزوم أبو سلمة عبدالله بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكانت هجرته اليها قبل بيعة العقبة بسنة حين آذته قريش مرجعه من الحبشة فعزم على الرجوع اليها ثم بلغه أن بالمدينة لهم اخوانا فعزم اليها
قال ابن اسحاق فحدثني أبي عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن ابي سلمة عن جدته أم سلمة قالت لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره ثم حملني عليه وجعل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري ثم حرج يقود بي بعيره فلما رأته رجال بني المغيرة قاموا اليه فقالوا هذه نفسك غلبتنا عليها أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد قالت فنزعوا خطام البعير من يده وأخذوني منه قالت وغضب عند ذلك بنو عبد الاسد رهط أبي سلمة وقالوا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا قالت فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده وانطلق به بنو عبد الاسد وحبسني بنو المغيرة عندهم وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة قالت ففرق بيني وبين ابني وبين زوجي قالت فكنت أخرج كل غداة فاجلس في الابطح فما أزال أبكي حتى أمسي سنة أو قريبا منها حتى مر بي رجل من بني عمي أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة ألا تخرجون من هذه المسكينة فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها قالت فقالوا لي الحقي
بزوجك إن شئت قالت فرد بنو عبد الاسد الي عند ذلك ابني قالت فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة قالت وما معي أحد من خلق الله حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار فقال الى أين يا ابنة أبي أمية قلت أريد زوجي بالمدينة قال أوما معك أحد قلت ما معي أحد إلا الله بني هذا فقال والله مالك من مترك فاخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي فوالله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عني حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه ثم قيده في الشجر ثم تنحى الى الشجرة فاضطجع تحتها فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله ثم استأخر عني وقال اركبي فاذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فاخذ بخطامه فقادني حتى ينزل بي فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة فلما نظر إلى قرية بني عمرو ابن عوف بقباء قال زوجك في هذه القرية وكان أبو سلمة بها نازلا فادخليها على بركة الله ثم انصرف راجعا إلى مكة فكانت تقول ما أعلم أهل بيت في الاسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة أسلم عثمان بن طلحة بن ابي طلحة العبدري هذا بعد الحديبية وهاجر هو وخالد بن الوليد معا وقتل يوم أحد أبوه وأخوته الحارث وكلاب ومسافع وعمه عثمان بن ابي طلحة ودفع اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وإلى ابن عمه شيبة والد بني شيبة مفاتيح الكعبة أقرها عليهم في الاسلام كما كانت في الجاهلية ونزل في ذلك قوله تعالى إن الله يأمركم ان تؤدوا الأمانات إلى أهلها الآية
قال ابن اسحاق ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبي سلمة عامر بن ربيعة حليف بني عدي معه امرأته ليلى بنت أبي حسنة العدوية ثم عبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة ابن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة حليف بني أمية بن عبد شمس احتمل بأهله وبأخيه عبد أبي احمد اسمه عبد كما ذكره ابن اسحاق وقيل ثمامة قال السهيلي والاول أصح وكان أبو احمد رجلا ضرير البصر وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد وكان شاعرا وكانت عنده الفارعة بنت أبي سفيان بن حرب وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم فغلقت دار بني جحش هجرة فمر بها عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام وهم مصعدون إلى أعلى مكة فنظر اليها عتبة تخفق أبوابها يبابا ليس بها ساكن فلما رآها كذلك تنفس الصعداء وقال
وكل دار وإن طالت سلامتها * يوما ستدركها النكباء والحوب
قال ابن هشام وهذا البيت لابي داود الايادي في قصيدة له قال السهيلي واسم أبي داود
حنظلة بن شرقي وقيل حارثة ثم قال عتبة أصبحت دار بني جحش خلاء من أهلها فقال أبو جهل وما تبكي عليه من فل بن فل ثم قال يعني للعباس هذا من عمل ابن أخيك هذا فرق جماعتنا وشتت أمرنا وقطع بيننا
قال ابن اسحاق فنزل ابو سلمة وعامر بن ربيعة وبنو جحش بقباء على مبشر بن عبد المنذر ثم قدم المهاجرون ارسالا قال وكان بنو غنم بن دودان أهل اسلام قد أوعبوا إلى المدينة هجرة رجالهم ونساؤهم وهم عبد الله بن جحش وأخوه أبو أحمد وعكاشة بن محصن وشجاع وعقبة ابنا وهب وأربد بن جميرة ومنقذ بن نباتة وسعيد بن رقيش ومحرز بن نضلة وزيد بن رقيش وقيس بن جابر وعمرو بن محصن ومالك بن عمرو وصفوان بن عمرو وثقف بن عمرو وربيعة بن أكثم والزبير بن عبيدة وتمام بن عبيدة وسخبرة بن عبيدة ومحمد بن عبد الله بن جحش ومن نسائهم زينب بنت جحش وحمنة بنت جحش وأم حبيب بنت جحش وجدامة بنت جندل وأم قيس بنت محصن وأم حبيب بنت ثمامة وآمنة بنت رقيش وسخبرة بنت تميم قال أبو أحمد بن جحش في هجرتهم إلى المدينة
ولما رأتني أم أحمد غاديا * بذمة من أخشى بغيب وأرهب
تقول فإما كنت لا بد فاعلا * فيمم بنا البلدان ولننأ يثرب
فقلت لها ما يثرب بمظنة * وما يشأ الرحمن فالعبد يركب
إلى الله وجهي والرسول ومن يقم * إلى الله يوما وجهه لا يخيب
فكم قد تركنا من حميم مناصح * وناصحة تبكي بدمع وتندب
ترى أن وترا نائيا عن بلادنا * ونحن نرى أن الرغائب نطلب
دعوت بني غنم لحقن دمائهم * وللحق لما لاح للناس ملحب
أجابوا بحمد الله لما دعاهم * إلى الحق داع والنجاح فأوعبوا
وكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى * أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا
كفوجين إما منهما فموفق * على الحق مهدي وفوج معذب
طغوا وتمنوا كذبة وأزلهم * عن الحق ابليس فخابوا وخيبوا
ورعنا إلى قول النبي محمد * فطاب ولاة الحق منا وطيبوا
نمت بارحام اليهم قريبة * ولا قرب بالأرحام إذ لا تقرب
فأي ابن أخت بعدنا يأمننكم * وأية صهر بعد صهري يرقب
ستعلم يوما أينا إذ تزايلوا * وزيل أمر الناس للحق اصوب
قال ابن اسحاق ثم خرج عمر بن الخطاب وعياش بن أبي ربيعة حتى قدما المدينة فحدثني نافع عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال اتعدنا لما أردت الهجرة الى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص التناضب من إضاة بني غفار فوق سرف وقلنا أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه قال فأصبحت أنا وعياش عند التناضب وحبس هشام وفتن فافتتن فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام الى عياش وكان ابن عمهما وأخاهما لامهما حتى قدما المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فكلماه وقالا له إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك ولا تستظل من شمس حتى تراك فرق لها فقلت له إنه والله إن يريدك القوم الا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت قال فقال أبر قسم أمي ولي هنالك مال فآخذه قال قلت والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالا فلك نصف مالي ولا تذهب معهما قال فأبى علي إلا أن يخرج معهما فلما أبى إلا ذلك قلت أما إذ فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها فان رابك من أمر القوم ريب فانج عليها فخرج عليها معهما حتى اذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل يا أخي والله لقد استغلظت بعيري هذا أفلا تعقبني على ناقتك هذه قال بلى فأناخ وأناخا ليتحول عليها فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه رباطا ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن قال عمر فكنا نقول لا يقبل الله ممن افتتن توبة وكانوا يقولون ذلك لانفسهم حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنزل الله قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل اليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون
وقال ابن هشام وحدثني بعض أهل العلم أن الحسن بن أبي الحسن البصري قال انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار ليلا فدخل أبو بكر قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمس الغار لينظر افيه سبع أو حية يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وهذا فيه انقطاع من طرفيه وقد قال أبو القاسم البغوي حدثنا داود بن عمرو الضبي ثنا نافع بن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج هو وأبو بكر إلى ثور فجعل أبو بكر يكون أمام النبي صلى الله عليه وسلم مرة وخلفه مرة فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن
ذلك فقال إذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من امامك وإذا كنت امامك خشيت أن تؤتى من خلفك حتى إذا انتهى إلى الغار من ثور قال أبو بكر كما أنت حتى أدخل يدي فاحسه وأقصه فان كانت فيه دابة اصابتني قبلك قال نافع فبلغني أنه كان في الغار جحر فألقم أبو بكر رجله ذلك الجحر تخوفا أن يخرج منه دابة أو شيء يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مرسل وقد ذكرنا له شواهد أخر في سيرة الصديق رضي الله عنه
وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر احمد بن اسحاق أنا موسى بن الحسن ثنا عباد ثنا عفان بن مسلم ثنا السري بن يحيى ثنا محمد بن سيرين قال ذكر رجال على عهد عمر فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر فبلغ ذلك عمر فقال والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر وليوم من أبي بكر خير من آل عمر لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه حتى فطن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا بكر مالك تمشي ساعة خلفي وساعة بين يدي فقال يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ثم اذكر الرصد فأمشي بين يديك فقال يا أبا بكر لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني قال نعم والذي بعثك بالحق فلما انتهينا إلى الغار قال أبو بكر مكانك يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار فدخل فاستبرأه حتى إذا كان ذكر أنه لم يستبرئ الجحرة فقال مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ فدخل فاستبرأ ثم قال انزل يا رسول الله فنزل ثم قال عمر والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر وقد رواه البيهقي من وجه آخر عن عمر وفيه أن أبا بكر جعل يمشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة وخلفه أخرى وعن يمينه وعن شماله وفيه أنه لما حفيت رجلا رسول الله صلى الله عليه وسلم حمله الصديق على كاهله وأنه لما دخل الغار سدد تلك الأجحرة كلها وبقي منها جحر واحد فألقمه كعبه فجعلت الافاعي تنهشه ودموعه تسيل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحزن إن الله معنا وفي هذا السياق غرابة ونكارة وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وابو سعيد بن أبي عمرو قالا ثنا أبو العباس الاصم ثنا عباس الدوري ثنا اسود بن عامر شاذان ثنا اسرائيل عن الاسود عن جندب بن عبد الله قال كان أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار فأصاب يده حجر فقال
إن أنت إلا أصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت
وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرني عثمان الجزري أن مقسما مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس في قوله تعالى وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك قال تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم بل اقتلوه وقال بعضهم بل أخرجوه فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فبات علي على فراش
النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم فلما أصبحوا ثاروا عليه فلما رأوا عليا رد الله عليهم مكرهم فقالوا أين صاحبك هذا فقال لاأدري فاقتفوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه فمكث فيه ثلاث ليال وهذا اسناد حسن وهو من أجود ما وري في قصة نسج العنكبوت على فم الغار وذلك من حماية الله رسوله صلى الله عليه وسلم
وقال الحافظ أبو بكر احمد بن علي بن سعيد القاضي في مسند أبي بكر حدثنا بشار الخفاف ثنا جعفر وسليمان ثنا ابو عمران الجوني حدثنا المعلى بن زياد عن الحسن البصري قال انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وابو بكر الى الغار وجاءت قريش يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا اذا رأوا على باب الغار نسج العنكبوت قالوا لم يدخل احد وكان النبي صلى الله عليه وسلم قائما يصلي وأبو بكر يرتقب فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء قومك يطلبونك أما الله ما على نفسي أثل ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا ابا بكر لا تخف إن الله معنا وهذا مرسل عن الحسن وهو حسن بحاله من الشاهد وفيه زيادة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الغار وقد كان عليه السلام إذا أحزنه أمر صلى وروى هذا الرجل اعني أبو بكر احمد بن علي القاضي عن عمرو الناقد عن خلف بن تميم عن موسى بن مطر عن أبيه عن ابي هريرة أن أبا بكر قال لابنه يا بني اذا حدث في الناس حدث فأت الغار الذي اختبأت فيه أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فكن فيه فانه سيأتيك رزقك فيه بكرة وعشيا وقد نظم بعضهم هذا في شعره حيث يقول
نسج داود ما حمى صاحب الغا * ر وكان الفخار للعنكبوت
وقد ورد أن حمامتين عششتا على بابه أيضا وقد نظم ذلك الصرصري في شعره حيث يقول
فغمى عليه العنكبوت بنسجه * وظل على الباب الحمام يبيض
والحديث بذلك رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا عمرو بن علي ثنا عون بن عمرو ابو عمرو القيسي ويلقب عوين حدثني أبو مصعب المكي قال أدركت زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك يذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر الله شجرة
فخرجت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم تستره وأن الله بعث العنكبوت فنسجت ما بينهما فسترت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الله حمامتين وحشيتين فأقبلتا يدفان حتى وقعتا بين العنكبوت وبين الشجرة وأقبلت فتيان قريش من كل بطن منهم رجل معهم عصيهم وقسيهم وهراواتهم حتى اذا كانوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر مائتي ذراع قال الدليل وهو سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي هذا الحجر ثم لا أدري أين وضع رجله فقال الفتيان أنت لم تخطئ منذ الليلة حتى اذا أصبحن قال انظروا في الغار فاستبقه القوم حتى اذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم قدر خمسين ذراعا فاذا الحمامتان ترجع فقالوا ما ردك أن تنظر في الغار قال رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فعرف ان الله قد درأ عنهما بهما فسمت عليهما أي برك عليهما وأحدرهما الله إلى الحرم فأفرخا كما ترى وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه قد رواه الحافظ أبو نعيم من حديث مسلم بن ابراهيم وغيره عن عون بن عمرو وهو الملقب بعوين باسناده مثله وفيه أن جميع حمام مكة من نسل تيك الحمامتين وفي هذا الحديث أن القائف الذي اقتفى لهم الاثر سراقة بن مالك المدلجي وقد روى الواقدي عن موسى بن محمد بن ابراهيم عن أبيه أن الذي اقتفى لهم الاثر كرز بن علقمة
قلت ويحتمل أن يكونا جميعا اقتفيا الاثر والله أعلم وقد قال الله تعالى إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم يقول تعالى مؤنبا لمن تخلف عن الجهاد مع الرسول إلا تنصروه أنتم فان الله ناصره ومؤيده ومظفره كما نصره إذ أخرجه الذين كفروا من أهل مكة هاربا ليس معه غير صاحبه وصديقه أبي بكر ليس غيره ولهذا قال ثاني اثنين اذ هما في الغار أي وقد لجآ إلى الغار فأقاما فيه ثلاثة أيام ليسكن الطلب عنهما وذلك لأن المشركين حين فقدوهما كما تقدم ذهبوا في طلبهما كل مذهب من سائر الجهات وجعلوا لمن ردهما أو أحدهما مائة من الابل واقتصوا آثارهما حتى اختلط عليهم وكان الذي يقتص الاثر لقريش سراقة بن مالك بن جعشم كما تقدم فصعدوا الجبل الذي هما فيه وجعلوا يمرون على باب الغار فتحاذى أرجلهم لباب الغار ولا يرونهما حفظا من الله لهما كما قال الامام احمد حدثنا عفان ثنا همام أنا ثابت عن أنس بن مالك أن أبا بكر حدثه قال قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لابصرنا تحت قدميه فقال يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث همام به وقد ذكر
بعض أهل السير أن أبا بكر لما قال ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لو جاؤنا من ههنا لذهبنا من هنا فنظر الصديق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر وإذا البحر قد اتصل به وسفينة مشدودة إلى جانبه وهذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة ولكن لم يرد ذلك باسناد قوي ولا ضعيف ولسنا نثبت شيئا من تلقاء أنفسنا ولكن ما صح أو حسن سنده قلنا به والله أعلم
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا الفضل بن سهل ثنا خلف بن تميم ثنا موسى بن مطير القرشي عن أبيه عن أبي هريرة أن أبا بكر قال لابنه يا بني إن حدث في الناس حدث فأت الغار الذي رأيتني اختبأت فيه أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فكن فيه فانه سيأتيك فيه رزقك غدوة وعشية ثم قال البزار لا نعلم يرويه غير خلف بن تميم
قلت وموسى بن مطير هذا ضعيف متروك وكذبه يحيى بن معين فلا يقبل حديثه وقد ذكر يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق أن الصديق قال في دخولهما الغار وسيرهما بعد ذلك وما كان من قصة سراقة كما سيأتي شعرا فمنه قوله
قال النبي ولم أجزع يوقرني * ونحن في سدف من ظلمة الغار
لا تخش شيئا فإن الله ثالثنا * وقد توكل لي منه بإظهار
وقد روى أبو نعيم هذه القصيدة من طريق زياد عن محمد بن اسحاق فذكرها مطولة جدا وذكر معها قصيدة أخرى والله أعلم وقد روى ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير قال فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحج يعني الذي بايع فيه الانصار بقية ذي الحجة والمحرم وصفر ثم إن مشركي قريش أجمعوا أمرهم ومكرهم على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يحبسوه أو يخرجوه فأطلعه الله على ذلك فأنزل عليه وإذ يمكر بك الذين كفروا الآية فأمر عليا فنام على فراشه وذهب هو وأبو بكر فلما أصبحوا ذهبوا في طلبهما في كل وجه يطلبونهما وهكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه وان خروجه هو وابو بكر الى الغار كان ليلا وقد تقدم عن الحسن البصري فيما ذكره ابن هشام التصريح بذلك ايضا وقال البخاري حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن عقيل قال ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لم أعقل أبوى قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية فلما ابتلى المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى اذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فذكرت ما كان من رده لأبي بكر إلى مكة وجواره له كما قدمناه عند هجرة الحبشة إلى قوله فقال أبو بكر فاني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله قالت والنبي صلى الله عليه وسلم
يومئذ بمكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع بعض من كان هاجر قبل الحبشة الى المدينة وتجهز أبو بكر مهاجرا قبل المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على رسلك فاني أرجو أن يؤذن لي فقال أبو بكر وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي قال نعم فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو الخبط أربعة أشهر وذكر بعضهم أنه علفهما ستة أشهر قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في حر الظهيرة فقال قائل لابي بكر هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر فداء له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم أخرج من عندك فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله قال فانه قد أذن لي في الخروج فقال ابو بكر الصحبة بأبي أنت وأمي قال النبي صلى الله عليه وسلم نعم قال أبو بكر فخذ انت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن قالت عائشة فجهزناهما أحث الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فلذلك سميت ذات النطاقين قالت ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت لا يسمع أمرا يكاد ان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيعهما حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الدئل وهو من بني عبد ابن عدي هاديا خريتا والخريت الماهر بالهداية قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا اليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث ليال وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل قال ابن شهاب فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك
ابن جعشم يقول جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال يا سراقة إني رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه قال سراقة فعرفت أنهم هم فقلت له إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها علي وأخذت رمحي فخرجت من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها ففرت بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت يدي الى كنانتي فاستخرجت منها الازلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصبت الازلام فجعل فرسي يقرب بي حتى اذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الارض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها فأهويت ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت الازلام فخرج الذي اكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرداني ولم يسألاني إلا أن قالا اخف عنا فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر ابن فهيرة فكتب لي رقعة من أدم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقد روى محمد بن اسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم عن أبيه عن عمه سراقة فذكر هذه القصة إلا أنه ذكر أنه استقسم بالازلام أول ما خرج من منزله فخرج السهم الذي يكره لا يضره وذكر أنه عثر به فرسه أربع مرات وكل ذلك يستقسم بالازلام ويخرج الذي يكره لا يضره حتى ناداهم بالامان وسأل أن يكتب له كتابا يكون أمارة ما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فكتب لي كتابا في عظم أو رقعة أو خرقة وذكر أنه جاء به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة مرجعه من الطائف فقال له يوم وفاء وبر أدنه فدنوت منه وأسلمت قال ابن هشام هو عبد الرحمن بن الحارث بن مالك بن جعشم وهذا الذي قاله جيد
ولما رجع سراقة جعل لا يلقى أحدا من الطلب إلا رده وقال كفيتم هذا الوجه فلما ظهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصل الى المدينة جعل سراقة يقص على الناس ما رأى وما شاهد من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما كان من قضية جواده واشتهر هذا عنه فخاف رؤساء قريش معرته وخشوا أن يكون ذلك سببا
لاسلام كثير منهم وكان سراقة أمير بني مدلج ورئيسهم فكتب أبو جهل لعنه الله إليهم
بني مدلج إني أخاف سفيهكم * سراقة مستغو لنصر محمد
عليكم به ألا يفرق جمعكم * فيصبح شتى بعد عز وسؤدد
قال فقال سراقة بن مالك يجيب أبا جهل في قوله هذا
ابا حكم والله لو كنت شاهدا * لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
عجيب ولم تشكك بأن محمدا * رسول وبرهان فمن ذا يقاومه
عليك فكف القوم عنه فإنني * أخال لنا يوما ستبدو معالمه
بأمر تود النصر فيه فإنهم * وإن جميع الناس طرا مسالمه
وذكر هذا الشعر الاموي في مغازيه بسنده عن أبي اسحاق وقد رواه أبو نعيم بسنده من طريق زياد عن ابن اسحاق وزاد في شعر أبي جهل أبياتا تتضمن كفرا بليغا
وقال البخاري بسنده إلى ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام فكسى الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم اوفى رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر اليه فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه مبيضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلا صوته يا معشرالعرب هذا جدكم الذي تنتظرون فثار المسلمون الى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الاول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا فطفق من جاء من الانصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل ابو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ركب راحلته وسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر اسعد بن زرارة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته هذا إن شاء الله المنزل ثم دعا صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا بل نهبه لك
يا رسول الله فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدا فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنيانه وهو يقول حين ينقل اللبن
هذا الحمال لا حمال خيبر * هذا أبر ربنا وأطهر
ويقول * لاهم إن الأجر أجر الآخرة
فارحم الأنصار والمهاجره
فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي قال ابن شهاب ولم يبلغنا في الاحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذه الابيات هذا لفظ البخري وقد تفرد بروايته دون مسلم وله شواهد من وجوه أخر وليس فيه قصة أم معبد الخزاعية ولنذكر هنا ما يناسب ذلك مرتبا أولا فأولا
قال الامام احمد حدثنا عمرو بن محمد ابو سعيد العنقزي ثنا اسرائيل عن أبي اسحاق عن البراء بن عازب قال اشترى أبو بكر من عازب سرجا بثلاثة عشر درهما فقال أبو بكر لعازب مر البراء فيلحمله إلى منزلي فقال لا حتى تحدثنا كيف صنعت حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت معه فقال أبو بكر خرجنا فأدلجنا فأحثثنا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة فضربت بصري هل أرى ظلا نأوي اليه فاذا أنا بصخرة فأهويت اليها فإذا هي بقية ظلها فسويته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرشت له فروة وقلت اضطجع يا رسول الله فاضطجع ثم خرجت أنظر هل أرى أحدا من الطلب فاذا أنا براعي غنم فقلت لمن أنت يا غلام فقال لرجل من قريش فسماه فعرفته فقلت هل في غنمك من لبن قال نعم قلت هل أنت حالب لي قال نعم فأمرته فاعتقل شاة منها ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار ثم أمرته فنفض كفيه من الغبار ومعي أداوة على فمها خرقة فحلب لي كثبة من اللبن فصببت على القدح حتى برد أسفله ثم اتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافيته وقد استيقظ فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت ثم قلت هل آن الرحيل فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم إلا سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له فقلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا قال لا تحزن إن الله معنا حتى إذا دنا منا فكان بيننا وبينه قدر رمح أو
رمحين أو قال رمحين أو ثلاثة قلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا وبكيت قال لم تبكي قلت اما والله ما على نفسي أبكي ولكن ابكي عليك فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم اكفناه بما شئت فساخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صلد ووثب عنها وقال يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله ان ينجيني مما أنا فيه فوالله لاعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهما فانك ستمر بابلي وغنمي بموضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حاجة لي فيها ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق ورجع إلى اصحابه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى قدمنا المدينة وتلقاه الناس فخرجوا في الطرق على الاناجير واشتد الخدم والصبيان في الطريق يقولون الله أكبر جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء محمد قال وتنازع القوم أيهم ينزل عليه قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الليلة على بني النجار أخوال عبد المطلب لاكرمهم بذلك فلما أصبح غدا حيث أمر قال البراء أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار ثم قدم علينا ابن أم مكتوم الأعمى أحد بني فهر ثم قدم علينا عمر بن الخطاب في عشرين راكبا فقلنا ما فعل رسول الله قال هو على أثري ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه قال البراء ولم يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قرأت سورا من المفصل أخرجاه في الصحيحين من حديث اسرائيل بدون قول البراء أول من قدم علينا الخ فقد انفرد به مسلم فرواه من طريق اسرائيل به
وقال ابن اسحاق فاقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن رده عليهم فلما مضت الثلاث وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيريهما وبعير له وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها عصاما فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فاذا ليس فيها عصام فتحل نطاقها فتجعله عصاما ثم علقتها به فكان يقال لها ذات النطاقين لذلك
قال ابن اسحاق فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم له افضلهما ثم قال اركب فداك أبي وأمي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لا أركب بعيرا ليس لي قال فهي لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي قال لا ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به قال كذا وكذا قال أخذتها بذلك قال هي لك يا رسول الله
وروى الواقدي بأسانيده أنه عليه السلام أخذ القصواء قال وكان أبو بكر اشتراهما بثمانمائة درهم وروى ابن عساكر من طريق أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت وهي الجدعاء
وهكذا حكى السهيلي عن ابن اسحاق أنها الجدعاء والله أعلم
قال ابن اسحاق فركبا وانطلقا وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه ليخدمهما في الطريق فحدثت عن اسماء أنها قالت لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش منهم أبو جهل فذكر ضربه لها على خدها لطمة طرح منها قرطها من اذنها كما تقدم قالت فمكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل رجل من الجن من اسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج من أعلا مكة وهو يقول
جزى الله رب الناس خير جزائه * رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر ثم تروحا * فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد
قالت أسماء فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن وجهه إلى المدينة
قال ابن اسحاق وكانوا أربعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر وعبد الله بن أرقد كذا يقول ابن اسحاق والمشهور عبد الله بن أريقط الدئلي وكان إذ ذاك مشركا
قال ابن اسحاق ولما خرج بهما دليلهما عبد الله بن ارقد سلك بهما أسفل مكة ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عسفان ثم سلك بهما على اسفل أمج ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعد أن أجاز قديدا ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخرار ثم أجاز بهما ثنية المرة ثم سلك بهما لقفا ثم اجاز بهما مدلجة لقف ثم استبطن بهما مدلجة مجاج ثم سلك بهما مرجح مجاج ثم تبطن بهما مرجح من ذي العضوين ثم بطن ذي كشد ثم أخذ بهما على الجداجد ثم على الاجرد ثم سلك بهما ذا سلم من بطن أعداء مدلجة تعهن ثم على العبابيد ثم أجاز بهما القاحة ثم هبط بهما العرج وقد ابطأ عليهم بعض ظهرهم فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أسلم يقال له أوس بن حجر على جمل يقال له ابن الرداء إلى المدينة وبعث معه غلاما يقال له مسعود بن هنيدة خرج بهما دليلهما من العرج فسلك بها ثنية العائر عن يمين ركوبة
ويقال ثنية الغائر فيما قال ابن هشام حتى هبط بهما بطن ريم ثم قدم بهما قباء على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول يوم الاثنين حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل
وقد روى أبو نعيم من طريق الواقدي نحوا من ذكر هذه المنازل وخالفه في بعضها والله أعلم قال أبو نعيم حدثنا أبو حامد بن جبلة حدثنا محمد بن اسحاق عن السراج حدثنا محمد بن عبادة ابن موسى العجلي حدثني أخي موسى بن عبادة حدثني عبد الله بن سيار حدثني إياس بن مالك بن الاوس الاسلمي عن أبيه قال لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مروا بابل لنا بالجحفة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن هذه الابل فقال لرجل من أسلم فالتفت إلى ابي بكر فقال سلمت إن شاء الله فقال ما اسمك قال مسعود فالتفت إلى ابي بكر فقال سعدت إن شاء الله قال فاتاه أبي فحمله على جمل يقال له ابن الرداء
قلت وقد تقدم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من مكة يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين والظاهر أن بين خروجه عليه السلام من مكة ودخوله المدينة خمسة عشر يوما لانه أقام بغار ثور ثلاثة أيام ثم سلك طريق الساحل وهي أبعد من الطريق الجادة واجتاز في مروره على أم معبد بنت كعب من بني كعب بن خزاعة قال ابن هشام وقال يونس عن ابن اسحاق اسمها عاتكة بنت خلف بن معبد بن ربيعة بن أصرم وقال الاموي هي عاتكة بنت تبيع حليف بني منقذ بن ربيعة بن اصرم بن صنبيس بن حرام بن خيسة بن كعب بن عمرو ولهذه المرأة من الولد معبد ونضرة وحنيدة بنو أبي معبد واسمه أكتم بن عبد العزى بن معبد بن ربيعة بن اصرم ابن صنبيس وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضا
وهذه قصة أم معبد الخزاعية قال يونس عن ابن اسحاق فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيمة أم معبد واسمها عاتكة بنت خلف بن معبد بن ربيعة بن أصرم فأرادوا القرى فقالت والله ما عندنا طعام ولا لنا منحة ولا لنا شاة إلا حائل فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض غنمها فمسح ضرعها بيده ودعا الله وحلب في العس حتى أرغى وقال اشربي يا أم معبد فقالت اشرب فانت أحق به فرده
عليها فشربت ثم دعا بحائل أخرى ففعل مثل ذلك بها فشربه ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى دليله ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى عامرا ثم تروح وطلبت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغوا أم معبد فسألوا عنه فقالوا أرأيت محمدا من حليته كذا وكذا فوصفوه لها فقالت ما أدري ما تقولون قدمنا فتى حالب الحائل قالت قريش فذاك الذي نريد
وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا محمد بن معمر حدثنا يعقوب بن محمد حدثنا عبد الرحمن بن عقبة ابن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله ثنا أبي عن أبيه عن جابر قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مهاجرين فدخلا الغار إذا في الغار جحر فالقمه أبو بكر عقبه حتى أصبح مخافة أن يخرج على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء فأقاما في الغار ثلاث ليال ثم خرجا حتى نزلا بخيمات أم معبد فارسلت اليه أم معبد أني أرى وجوها حسانا وإن الحي أقوى على كرامتكم مني فلما أمسوا عندها بعثت مع ابن لها صغير بشفرة وشاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أردد الشفرة وهات لنا فرقا يعنى القدح فارسلت إليه أن لا لبن فيها ولا ولد قال هات لنا فرقا فجاءت بفرق فضرب ظهرها فاجترت ودرت فحلب فملأ القدح فشرب وسقى أبا بكر ثم حلب فبعث فيه الى أم معبد ثم قال البزار لا نعلمه يروى إلا بهذا الاسناد وعبد الرحمن بن عقبة لا نعلم أحدا حدث عنه إلا يعقوب بن محمد وان كان معروفا في النسب
وروى الحافظ البيهقي من حديث يحيى بن زكريا بن ابي زائدة حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ثنا عبد الرحمن بن الاصبهاني سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بكر الصديق قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فانتهينا إلى حي من أحياء العرب فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت منتحيا فقصد اليه فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة فقالت يا عبد الله إنما أنا امرأة وليس معي أحد فعليكما بعظيم الحي إن أردتم القرى قال فلم يجبها وذلك عند المساء فجاء ابن لها باعنز يسوقها فقالت يا بني انطلق بهذه العنز والشفرة إلى هذين الرجلين فقل لهما تقول لكما أمي اذبحا هذه وكلا وأطعمانا فلما جاء قال له النبي صلى الله عليه وسلم انطلق بالشفرة وجئني بالقدح قال إنها قد عزبت وليس بها لبن قال انطلق فجاء بقدح فمسح النبي صلى الله عليه وسلم ضرعها ثم حلب حتى ملأ القدح ثم قال انطلق به إلى أمك فشربت حتى رويت ثم جاء به فقال انطلق بهذه وجئني بأخرى ففعل بها كذلك ثم سقى أبا بكر ثم جاء باخرى ففعل بها كذلك ثم شرب النبي صلى الله عليه وسلم فبتنا ليلتنا ثم انطلقنا فكانت تسميه المبارك وكثرت غنمها حتى جلبت جلبا إلى المدينة فمر أبو بكر فرأى ابنها فعرفه فقال يا أمه هذا الرجل الذي كان مع المبارك فقامت اليه فقالت يا عبد الله من الرجل الذي كان معك قال أو ما تدرين من هو قالت لا قال هو نبي الله قالت فأدخلني عليه قال فأدخلها
فأطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاها زاد ابن عبدان في روايته قالت فدلني عليه فانطلقت معي وأهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من أقط ومتاع الاعراب قال فكساها وأعطاها قال ولا أعلمه إلا قال وأسلمت اسناد حسن
وقال البيهقي هذه القصة شبيهة بقصة أم معبد والظاهر أنها هي والله أعلم وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر احمد بن الحسن القاضي قالا ثنا أبو العباس الاصم ثنا الحسن بن مكرم حدثني أبو احمد بشر بن محمد السكري ثنا عبد الملك بن وهب المذحجي ثنا أبجر بن الصباح عن أبي معبد الخزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة هاجر من مكة الى المدينة هو وأبو بكر وعامر ابن فهيرة مولى أبي بكر ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي فمروا بخيمتي أم معبد الخزاعية وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة تحتبي وتجلس بفناء الخيمة فتطعم وتسقي فسألوها هل عندها لحم أو لبن يشترونه منها فلم يجدوا عندها شيء من ذلك وقالت لو كان عندنا شيء ما أعوذكم القرى وإذا القوم مرملون مسنتون فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا شاة في كسر خيمتها فقال ما هذه الشاة يا أم معبد فقالت شاة خلفها الجهد عن الغنم قال فهل بها من لبن قالت هي أجهد من ذلك قال تأذنين لي أن أحلبها قالت إن كان بها حلب فاحلبها فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاة فمسحها وذكر اسم الله ومسح ضرعها وذكر اسم الله ودعا بإناء لها يربض الرهط فتفاجت واجترت فحلب فيها تجا حتى ملأه وأرسله اليها فسقاها وسقى أصحابه فشربوا عللا بعد نهل حتى إذا رووا شرب آخرهم وقال ساقي القوم آخرهم ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها ثم ارتحلوا قال فقلما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلى لا نقي بهن مخهن قليل فلما رأى اللبن عجب وقال من اين هذا اللبن يا أم معبد ولا حلوبة في البيت والشاة عازب فقالت لا والله إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت فقال صفيه لي فوالله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلب فقالت رأيت رجلا ظاهر الوضاءة حسن الخلق مليح الوجه لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة قسيم وسيم في عينيه دعج وفي اشفاره وطف وفي صوته صحل أحول أكحل أزج أقرن في عنقه سطع وفي لحيته كثاثة اذا صمت فعليه الوقار واذا تكلم سما وعلاه البهاء حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن أبهى الناس وأجمله من بعيد وأحسنه من قريب ربعة لا تنساه عين من طول ولا تقتحمه عين من قصر غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدا له رفقاء يحفون به إن قال استمعوا لقوله وإن أمر تبادروا
لأمره محفود محشود لا عابس ولا معتد فقال يعني بعلها هذا والله صاحب قريش الذي تطلب ولو صادفته لالتمست أن أصحبه ولاجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا قال وأصبح صوت بمكة عال بين السماء والارض يسمعونه ولا يرون من يقول وهو يقول
جزى الله رب الناس خير جزائه * رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به * فافلح من أمسى رفيق محمد
فيال قصي ما روى الله عنكم * به من فعال لا تجارى وسؤدد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها * فانكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت * له بصريح ضرة الشاة مزبد
فغادره رهنا لديها لحالب * يدر لها في مصدر ثم مورد
قال وأصبح الناس يعني بمكة وقد فقدوا نبيهم فاخذوا على خيمتي أم معبد حتى لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأجابه حسان بن ثابت
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم * وقد سر من يسري اليهم ويغتدي
ترحل عن قوم فزالت عقولهم * وحل على قوم بنور مجدد
هداهم به بعد الضلالة ربهم * وأرشدهم من يتبع الحق يرشد
وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا * عمي وهداة يهتدون بمهتد
نبي يرى مالا يرى الناس حوله * ويتلو كتاب الله في كل مشهد
وإن قال في يوم مقالة غائب * فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
ليهن أبا بكر سعادة جده * بصحبته من يسعد الله يسعد
ويهن بني كعب مكان فتاتهم * ومقعدها للمسلمين بمرصد
قال يعني عبد الملك بن وهب فبلغني أن أبا معبد أسلم وهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهكذا
روى الحافظ أبو نعيم من طريق عبد الملك بن وهب المذحجي فذكر مثله سواء وزاد في آخره قال عبد الملك بلغني أن أم معبد هاجرت وأسلمت ولحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رواه أبو نعيم من طرق عن بكر بن محرز الكلبي الخزاعي عن أبيه محرز بن مهدي عن حرام بن هشام بن حبيش بن خالد عن أبيه عن جده حبيش بن خالد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخرج من مكة منها مهاجرا هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة ودليلهما عبد الله بن أريقط الليثي فمروا بخيمة أم معبد وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء القبة وذكر مثل ما تقدم سواء قال وحدثناه فيما أظن محمد بن أحمد بن علي بن مخلد ثنا محمد بن يونس بن موسى يعني الكديمي ثنا عبد العزيز ابن يحيى بن عبد العزيز مولى العباس بن عبد المطلب ثنا محمد بن سليمان بن سليط الانصاري حدثني أبي عن أبيه سليط البدري قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة وابن أريقط يدلهم على الطريق مر بأم معبد الخزاعية وهي لا تعرفه فقال لها يا أم معبد هل عندك من لبن قالت لا والله إن الغنم لعازبة قال فما هذه الشاة قالت خلفها الجهد عن الغنم ثم ذكر تمام الحديث كنحو ما تقدم
ثم قال البيهقي يحتمل أن هذه القصص كلها واحدة ثم ذكر قصة شبيهة بقصة شاة أم معبد الخزاعية فقال حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء حدثنا أبو بكر احمد بن اسحاق بن أيوب أخبرنا محمد بن غالب ثنا أبو الوليد ثنا عبد الله بن إياد بن لقيط ثنا إياد بن لقيط عن قيس بن النعمان قال لما انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مستخفين مروا بعبد يرعى غنما فاستسقياه اللبن فقال ما عندي شاة تحلب غير أن ههنا عناقا حملت أول الشتاء وقد أخدجت وما بقي لها من لبن فقال ادع بها فدعا بها فاعتقلها النبي صلى الله عليه وسلم ومسح ضرعها ودعا حتى أنزلت وجاء أبو بكر بمجن فحلب فسقى أبا بكر ثم حلب فسقى الراعي ثم حلب فشرب فقال الراعي بالله من أنت فوالله ما رأيت مثلك قط قال أوتراك تكتم علي حتى أخبرك قال نعم قال فإني محمد رسول الله فقال أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ قال إنهم ليقولون ذلك قال فإني أشهد أنك نبي واشهد أن ما جئت به حق وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي وأنا متبعك قال إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا ورواه أبو يعلى الموصلي عن جعفر بن حميد الكوفي عن عبد الله بن إياد بن لقيط به وقد ذكر أبو نعيم ههنا قصة عبد الله بن مسعود فقال حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود قال
كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعتبة بن أبي معيط بمكة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وقد فرا من المشركين فقال يا غلام عندك لبن تسقينا فقلت إني مؤتمن ولست بساقيكما فقالا هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد قلت نعم فأتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الضرع فدعا فحفل الضرع وجاء أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها ثم شرب هو وأبو بكر وسقياني ثم قال للضرع اقلص فقلص فلما كان بعد أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت علمني من هذا القول الطيب يعني القرآن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك غلام معلم فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد فقوله في هذا السياق وقد فرا من المشركين ليس المراد منه وقت الهجرة إنما ذلك في بعض الاحوال قبل الهجرة فإن ابن مسعود ممن أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة ورجع إلى مكة كما تقدم وقصته هذه صحيحة ثابتة في الصحاح وغيرها والله أعلم
وقال الامام أحمد حدثنا عبد الله بن مصعب بن عبد الله هو الزبيري حدثني أبي عن فائد مولى عبادل قال خرجت مع ابراهيم بن عبد الرحمن بن سعد حتى إذا كنا بالعرج أتى ابن سعد وسعد هو الذي دل رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق ركوبة فقال ابراهيم أخبرني ما حدثك أبوك قال ابن سعد حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم ومعه أبو بكر وكانت لابي بكر عندنا بنت مسترضعة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الاختصار في الطريق إلى المدينة فقال له سعد هذا الغامر من ركوبة وبه لصان من اسلم يقال لهما المهانان فان شئت أخذنا عليهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم خذ بنا عليهما قال سعد فخرجنا حتى إذا أشرفنا إذا أحدهما يقول لصاحبه هذا اليماني فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهما الاسلام فأسلما ثم سألهما عن أسمائهما فقالا نحن المهانان فقال بل أنتما المكرمان وأمرهما أن يقدما عليه المدينة فخرجنا حتى إذا أتينا ظاهر قباء فتلقاه بنو عمرو بن عوف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اين أبو امامة أسعد بن زرارة فقال سعد ابن خيثمة إنه أصاب قبلي يا رسول الله أفلا أخبره ذلك ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا طلع على النخل فاذا الشرب مملوء فالتفت رسول الله إلى أبي بكر فقال يا أبا بكر هذا المنزل رأيتني أنزل إلى حياض كحياض بني مدلج انفرد به احمد
*2* فصل في دخوله عليه السلام المدينة واين استقر منزله
@ قد تقدم فيما رواه البخاري عن الزهري عن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة عند الظهيرة قلت ولعل ذلك كان بعد الزوال لما ثبت في الصحيحين من حديث اسرائيل عن أبي إسحاق البراء بن عازب عن أبي بكر في حديث الهجرة قال فقدمنا ليلا فتنازعه القوم أيهم ينزل عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل على بني النجار أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك وهذا والله أعلم إما أن يكون يوم قدومه إلى قباء فيكون حال وصوله إلى قرب المدينة كان في حر الظهيرة وأقام تحت تلك النخلة ثم سار بالمسلمين فنزل قباء وذلك ليلا وأنه أطلق على ما بعد الزوال ليلا فان العشى من الزوال وإما أن يكون المراد بذلك لما رحل من قباء كما سيأتي فسار فما انتهى إلى بني النجار الاعشاء كما سيأتي بيانه والله أعلم
وذكر البخاري عن الزهري عن عروة أنه نزل في بني عمرو بن عوف بقباء وأقام فيهم بضع عشرة ليلة وأسس مسجد قباء في تلك الايام ثم ركب ومعه الناس حتى بركت به راحلته في مكان مسجده وكان مربدا لغلامين يتيمين وهما سهل وسهيل فابتاعه منهما واتخذه مسجدا وذلك في دار بني النجار رضي الله عنهم
وقال محمد بن اسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن ابن عويم بن ساعدة قال حدثني رجال من قومي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لما بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وتوكفنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال فإذا لم نجد ظلا دخلنا وذلك في أيام حارة حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله جلسنا كما كنا نجلس حتى إذ لم يبق ظل دخلنا بيوتنا وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه رجل من اليهود فصرخ بأعلا صوته يا بني قيلة هذا جدكم قد جاء فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر في مثل سنه وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك وركبه الناس وما يعرفونه من أبي بكر حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أبو بكر فأظله بردائه فعرفناه عند ذلك وقد تقدم مثل ذلك في سياق البخاري وكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه وقال الامام احمد حدثنا هاشم ثنا سليمان عن
ثابت عن أنس بن مالك قال إني لاسعى في الغلمان يقولون جاء محمد فاسعى ولا أرى شيئا ثم يقولون جاء محمد فاسعى ولا أرى شيئا قال حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر فكمنا في بعض خراب المدينة ثم بعثا رجلا من أهل البادية يؤذن بهما الانصار فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الانصار حتى انتهوا اليهما فقالت الانصار انطلقنا آمنين مطاعين فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بين أظهرهم فخرج اهل المدينة حتى أن العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن أيهم هو أيهم هو فما رأينا منظرا شبيها به قال أنس فلقد رأيته يوم دخل علينا ويوم قبض فلم أر يومين شبيها بهما ورواه البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن محمد بن اسحاق الصنعاني عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بنحوه أو مثله وفي الصحيحين من طريق اسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء عن أبي بكر في حديث الهجرة قال وخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق وعلى البيوت والغلمان والخدم يقولون الله أكبر جاء رسول الله الله أكبر جاء محمد الله أكبر جاء محمد الله أكبر جاء رسول الله فلما أصبح انطلق وذهب حيث أمر وقال البيهقي أخبرنا أبو عمرو والاديب أخبرنا الاسماعيلي سمعت أبا خليفة يقول سمعت ابن عائشة يقول لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جعل النساء والصبيان يقلن
طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا * ما دعا لله داع
قال محمد بن اسحاق فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون يعني حين نزل بقباء على كلثوم ابن الهدم أخي بني عمرو بن عوف ثم أحد بني عبيد ويقال بل نزل على سعد بن خيثمة ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن الهدم إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من منزل كلثوم بن الهدم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة وذلك أنه كان عزبا لا أهل له وكان يقال لبيته بيت العزاب والله أعلم ونزل أبو بكر رضي الله عنه على خبيب بن إساف أحد بني الحارث بن الخزرج بالسنح وقيل على خارجة بن زيد بن ابي زهير أخي بني الحارث بن الخزرج
قال ابن اسحاق وأقام علي بن أبي طالب بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل معه على كلثوم بن الهدم فكان علي بن ابي طالب إنما كانت اقامته بقباء ليلة أو ليلتين يقول كانت بقباء امرأة لا زوج لها مسلمة فرأيت انسانا يأتيها من جوف الليل فيضرب عليها بابها فتخرج اليه فيعطيها شيئا معه فتأخذه فاستربت بشأنه فقلت لها يا أمة الله من هذا الذي يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين اليه فيعطيك شيئا لا أدري ما هو وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك قالت هذا سهل بن حنيف
وقد عرف أني امرأة لا أحد لي فاذا امسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءني بها فقال احتطبي بهذا فكان علي رضي الله عنه يأثر ذلك من شأن سهل بن حنيف حين هلك عنده بالعراق
قال ابن اسحاق فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الاربعاء ويوم الخميس وأسس مسجده ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة وبنو عمرو ابن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك وقال عبد الله بن إدريس عن محمد بن اسحاق قال وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه عليه السلام أقام فيهم ثماني عشر ليلة
قلت وقد تقدم فيما رواه البخاري من طريق الزهري عن عروة أنه عليه السلام أقام فيهم بضع عشرة ليلة وحكى موسى بن عقبة عن مجمع بن يزيد بن حارثة أنه قال أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا يعني في بني عمرو بن عوف بقباء اثنتين وعشرين ليلة وقال الواقدي ويقال اقام فيهم أربع عشرة ليلة
قال ابن اسحاق فادركت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي وادي رانوناء فكان أول جمعة صلاها بالمدينة فأتاه عتبان بن مالك وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بني سالم فقالوا يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة قال خلوا سبيلها فإنها مأمورة لناقته فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا وازت دار بني بياضة تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة فقالوا يا رسول الله هلم الينا إلى العدد والعدة والمنعة قال خلوا سبيلها فانها مأمورة فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني ساعدة اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة فقالوا يا رسول الله هلم الينا في العدد والمنعة قال خلوا سبيلها فانها مأمورة فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا وازت دار بني الحارث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بني الحارث بن الخزرج فقالوا يا رسول الله هلم الينا إلى العدد والعدة والمنعة قال خلوا سبيلها فانها مأمورة فخلوا سبيلها فانطلقت حتى اذا مرت بدار عدي بن النجار وهم أخواله دنيا أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو إحدى نسائهم اعترضه سليط بن قيس وأبو سليط اسيرة بن خارجة في رجال من بني عدي بن النجار فقالوا يا رسول الله هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدة والمنعة قال خلوا سبيلها فإنها مأمورة فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا أتت دار بني مالك بن
النجار بركت على باب مسجده عليه السلام اليوم وكان يومئذ مربدا لغلامين يتيمين من بني مالك ابن النجار وهما سهل وسهيل ابنا عمرو وكانا في حجر معاذ بن عفراء
قلت وقد تقدم في رواية البخاري من طريق الزهري عن عروة أنهما كانا في حجر أسعد بن زرارة والله أعلم
وذكر موسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في طريقه بعبد الله بن ابي سلول وهو في بيت فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أن يدعوه إلى المنزل وهو يومئذ سيد الخزرج في أنفسهم فقال عبد الله أنظرالذين دعوك فانزل عليهم فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفر من الانصار فقال سعد بن عبادة يعتذر عنه لقد من الله علينا بك يا رسول الله وإنا نريد أن نعقد على رأسه التاج ونملكه علينا
قال موسى بن عقبة وكانت الانصار قد اجتمعوا قبل أن يركب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عمرو بن عوف فمشوا حول ناقته لا يزال أحدهم ينازع صاحبه زمام الناقة شحا على كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما له وكلما مر بدار من دور الانصار دعوه إلى المنزل فيقول صلى الله عليه وسلم دعوها فانها مأمورة فإنما أنزل حيث أنزلني الله فلما انتهت إلى دار أبي أيوب بركت به على الباب فنزل فدخل بيت أبي أيوب حتى ابتنى مسجده ومساكنه
قال ابن اسحاق لما بركت الناقة برسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل عنها حتى وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحتمل أبو ايوب خالد بن زيد رحله فوضعه في بيته ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأل عن المربد لمن هو فقال له معاذ بن عفراء هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو وهما يتيمان لي وسأرضيهما منه فاتخذه مسجدا فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من المهاجرين والانصار
وستأتي قصة بناء المسجد قريبا إن شاء الله وقال البيهقي في الدلائل وقال أبو عبد الله أخبرنا أبو الحسن علي بن عمرو الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد الدوري ثنا محمد بن سليمان بن اسماعيل ابن أبي الورد ثنا ابراهيم بن صرمة ثنا يحيى بن سعيد عن اسحاق بن عبد الله بن ابي طلحة عن أنس قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلما دخلنا جاء الانصار برجالها ونسائها فقالوا الينا يا رسول الله فقال دعوا الناقة فإنها مأمورة فبركت على باب أبي أيوب فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن
نحن جوار من بني النجار * يا حبذا محمد من جار
فخرج اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتحبونني فقالوا أي والله يا رسول الله فقال وإنا والله أحبكم وانا والله أحبكم وأنا والله أحبكم هذا حديث غريب من هذا الوجه لم يروه أحد من أصحاب السنن وقد خرجه الحاكم في مستدركه كما يروى ثم قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن سليمان النحاس المقرئ ببغداد ثنا عمر بن الحسن الحلبي حدثنا أبو خيثمة المصيصي ثنا عيسى بن يونس عن عوف الأعرابي عن ثمامة عن أنس قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بحي من بني النجار وإذا جوار يضربن بالدفوف يقلن
نحن جوار من بني النجار * يا حبذا محمد من جار
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الله أن قلبي يحبكم ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار عن عيسى بن يونس به وفي صحيح البخاري عن معمر عن عبد الوارث عن عبد العزيز عن أنس قال رأى النبي صلى الله عليه وسلم النساء والصبيان مقبلين حسبت أنه قال من عرس فقام النبي صلى الله عليه وسلم ممثلا فقال اللهم أنتم من أحب الناس إلي قالها ثلاث مرات وقال الامام احمد حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني أبي حدثني عبد العزيز بن صهيب ثنا أنس بن مالك قال اقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة وهو مردف ابا بكر وأبو بكر شيخ يعرف ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف قال فيلقى الرجل أبا بكر فيقول يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك فيقول هذا الرجل يهديني السبيل فيحسب الحاسب إنما يهديه الطريق وإنما يعني سبيل الخير فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم فقال يا نبي الله هذا فارس قد لحق بنا فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم اصرعه فصرعته فرسه ثم قامت تحمحم ثم قال مرني يا نبي الله بما شئت فقال قف مكانك ولا تتركن أحدا يلحق بنا قال فكان أول النهار جاهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان آخر النهار مسلحة له قال فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم جانب الحرة ثم بعث الى الانصار فجاؤا فسلموا عليهما وقالوا اركبا آمنين مطاعين فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وحفوا حولهما بالسلاح وقيل في المدينة جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم فاستشرفوا نبي الله ينظرون اليه ويقولون جاء نبي الله قال فاقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب قال فانه ليحدث أهله اذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لاهله يحترف لهم فعجل أن يضع الذي يحترف فيها فجاء وهي معه وسمع من نبي الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى أهله وقال نبي الله أي بيوت أهلنا أقرب فقال أبو ايوب أنا يا نبي الله هذه داري وهذا بابي قال فانطلق فهيء لنا مقيلا فذهب فهيأ ثم جاء فقال يا رسول الله قد هيأت مقيلا قوما على بركة الله فقيلا فلما جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم جاء عبد الله بن سلام فقال اشهد انك نبي الله حقا وإنك جئت
بحق ولقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فادعهم فسلهم فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا وأني جئت بحق أسلموا فقالوا ما نعلمه ثلاثا وكذا رواه البخاري منفردا به عن محمد غير منسوب عن عبد الصمد به
قال ابن اسحاق وحدثني يزيد بن ابي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي رهم السماعي حدثني أبو أيوب قال لما نزل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي نزل في السفل وأنا وأم أيوب في العلو فقلت له بأبي أنت وأمي يا رسول الله إني أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي فاظهر انت فكن في العلو وننزل نحن فنكون في السفل فقال يا ابا أيوب أن ارفق بنا وبمن يغشانا أن أكون في سفل البيت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفله وكنا فوقه في المسكن فلقد انكسر حب لنا فيه ماء فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا مالنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفا أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء فيؤذيه قال وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث اليه فإذا رد علينا فضلة تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة حتى بعثنا اليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أر ليده فيه أثرا قال فجئته فزعا فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك فقال إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة وأنا رجل أناجي فاما أنتم فكلوه قال فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد وكذلك رواه البيهقي من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الحسن أو أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي رهم عن أبي أيوب فذكره ورواه أبو بكر بن أبي شيبة عن يونس بن محمد المؤدب عن الليث وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو عمرو الحيري ثنا عبد الله بن محمد ثنا احمد بن سعيد الدارمي ثنا أبو النعمان ثنا ثابت بن يزيد ثنا عاصم الاحول عن عبد الله بن الحارث عن افلح مولى أبي أيوب عن أبي أيوب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عليه فنزل في السفل وأبو أيوب في العلو فانتبه أبو أيوب فقال نمشي فوق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنحوا فباتوا في جانب ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم يعني في ذلك فقال السفل أرفق بنا فقال لا أعلو سقيفة أنت تحتها فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم في العلو وأبو أيوب في السفل فكان يصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فإذا جيء به سأل عن موضع أصابعه فيتتبع موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصنع له طعاما فيه ثوم فلما رد اليه سأل عن موضع اصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له لم يأكل ففزع وصعد اليه فقال أحرام فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا ولكني أكرهه قال فاني اكره ما تكره أو ما كرهت قال وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه الملك رواه مسلم عن احمد بن سعيد به وثبت في
الصحيحين عن أنس بن مالك قال جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر وفي رواية بقدر فيه خضروات من بقول قال فسأل فأخبر بما فيها فلما رآها كره أكلها قال كل فإني أناجي من لا تناجي وقد روى الواقدي أن أسعد بن زرارة لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار أبي أيوب اخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت عنده وروى عن زيد بن ثابت أنه قال أول هدية أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل دار أبي أيوب أنا جئت بها قصعة فيها خبز مثرود بلبن وسمن فقلت ارسلت بهذه القصعة أمي فقال بارك الله فيك ودعا أصحابه فأكلوا ثم جاءت قصعة سعد بن عبادة ثريد وعراق لحم وما كانت من ليلة إلا وعلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاث والاربعة يحملون الطعام يتناوبون وكان مقامه في دار أبي أيوب سبعة أشهر قال وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل في دار أبي أيوب مولاه زيد بن حارثة وأبا رافع ومعهما بعيران وخمسمائة درهم ليجئا بفاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسودة بنت زمعة زوجته وأسامة بن زيد وكانت رقية قد هاجرت مع زوجها عثمان وزينب عند زوجها بمكة أبي العاص بن الربيع وجاءت معهم أم أيمن امرأة زيد بن حارثة وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر وفيهم عائشة أم المؤمنين ولم يدخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال البيهقي أخبرنا علي بن احمد بن عبدان أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار حدثنا خلف بن عمرو العكبري ثنا سعيد بن منصور ثنا عطاف بن خالد ثنا صديق بن موسى عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فاستناخت به راحلته بين دار جعفر بن محمد بن علي وبين دار الحسن بن زيد فأتاه الناس فقالوا يا رسول الله المنزل فانبعثت به راحلته فقال دعوها فانها مأمورة ثم خرجت به حتى جاءت موضع المنبر فاستناخت ثم تحللت وثم عريش كانوا يعرشونه ويعمرونه ويتبردون فيه فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن راحلته فيه فآوى إلى الظل فأتاه أبو أيوب فقال يا رسول الله إن منزلي أقرب المنازل اليك فأنقل رحلك إلي قال نعم فذهب برحله إلى المنزل ثم أتاه رجل فقال يا رسول الله أين تحل قال إن الرجل مع رحله حيث كان وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش اثنتي عشرة ليلة حتى بنى المسجد وهذه منقبة عظيمة لابي أيوب خالد بن زيد رضي الله عنه حيث نزل في داره رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روينا من طريق يزيد بن أبي حبيب عن محمد ابن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أنه لما قدم أبو أيوب البصرة وكان ابن عباس نائبا عليها من جهة علي بن أبي طالب رضي الله عنه فخرج له ابن عباس عن داره حتى أنزله فيها كما أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره وملكه كل ما أغلق عليها بابها ولما أراد الإنصراف أعطاه ابن
يتبع ...
@
قال ابن اسحاق فلما أراد الله اظهار دينه واعزاز نبيه وانجاز موعده له خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الانصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم فبينا هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم من أنتم قالوا نفر من الخزرج قال أمن موالي يهود قالوا نعم قال افلا تجلسون أكلمكم قالوا بلى فجلسوا معه فدعاهم
إلى الله وعرض عليهم الاسلام وتلا عليهم القرآن قال وكان مما صنع الله بهم في الاسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم وكانوا هم أهل شرك اصحاب أوثان وكانوا قد غزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا إن نبيا مبعوث الآن قد أظل زمانه نتبعه نقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض يا قوم تعلمون والله إنه النبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم اليه فاجابوه فيما دعاهم اليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الاسلام وقالوا له إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فان يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا
قال ابن اسحاق وهم فيما ذكر لي ستة نفر كلهم من الخزرج وهم أبو امامة أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار قال أبو نعيم وقد قيل إنه أول من أسلم من الانصار من الخزرج ومن الأوس أبو الهيثم بن التيهان وقيل إن أول من اسلم رافع بن مالك ومعاذ بن عفراء والله أعلم وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار وهو ابن عفراء النجاريان ورافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن زريق الزرقي وقطبة ابن عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد ابن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج السلمي ثم من بني سواد وعقبة بن عامر بن نابي بن زيد ابن حرام بن كعب بن سلمة السلمي أيضا ثم من بني حرام وجابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان ابن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة السلمي أيضا ثم من بني عبيد رضي الله عنهم وهكذا روي عن الشعبي والزهري وغيرهما أنهم كانوا ليلتئذ ستة نفر من الخزرج
وذكر موسى بن عقبة فيما رواه عن الزهري وعروة بن الزبير أن أول اجتماعه عليه السلام بهم كانوا ثمانية وهم معاذ بن عفراء وأسعد بن زرارة ورافع بن مالك وذكوان وهو ابن عبد قيس وعبادة بن الصامت وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة فأسلموا وواعدوه الى قابل فرجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى الاسلام وأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن عفراء ورافع بن مالك أن ابعث الينا رجلا يفقهنا فبعث اليهم مصعب بن عمير فنزل على أسعد بن زرارة وذكر تمام القصة كما سيوردها ابن اسحاق أتم من سياق موسى بن عقبة والله أعلم
قال ابن اسحاق فلما قدموا المدينة الى قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم الى الاسلام حتى فشا فيهم فلم يبق دار من دور الانصار الا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اذا كان العام المقبل وافى الموسم من الانصار اثنى عشر رجلا وهم أبو امامة أسعد بن زرارة المتقدم ذكره وعوف بن الحارث المتقدم وأخوه معاذ وهما ابنا عفراء ورافع بن مالك المتقدم ايضا وذكوان ابن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق الزرقي قال ابن هشام وهو انصاري مهاجري وعبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج وحليفهم أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم البلوى والعباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان بن يزيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج العجلاني وعقبة بن عامر بن نابي المتقدم وقطبة بن عامر بن حديدة المتقدم فهؤلاء عشرة من الخزرج ومن الاوس اثنان وهما عويم بن ساعدة وأبو الهيثم مالك بن التيهان قال ابن هشام التيهان يخفف ويثقل كميت وميت
قال السهيلي أبو الهيثم بن التيهان اسمه مالك بن مالك بن عتيك بن عمرو بن عبد الاعلم بن عامر بن زعون بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس قال وقيل إنه أراشي وقيل بلوي وهذا لم ينسبه ابن اسحاق ولا ابن هشام قال والهيثم فرخ العقاب وضرب من النبات والمقصود أن هؤلاء الاثني عشر رجلا شهدوا الموسم عامئذ وعزموا على الاجتماع برسول الله صلى الله عليه وسلم فلقوه بالعقبة فبايعوه عندها بيعة النساء وهي العقبة الاولى وروى أبو نعيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم من قوله في سورة ابراهيم وإذ قال ابراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا إلى آخرها وقال ابن اسحاق حدثني يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن عبد الرحمن ابن عسيلة الصنابحي عن عبادة وهو ابن الصامت قال كنت ممن حضر العقبة الاولى وكنا اثني عشر رجلا فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن يفترض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف فان وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق الليث بن سعد عن يزيد ابن أبي حبيب به نحوه
قال ابن اسحاق وذكر ابن شهاب الزهري عن عائذ الله أبي إدريس الخولاني أن عبادة بن الصامت حدثه قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الأولى أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف فإن
وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئا فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق عن الزهري به نحوه وقوله على بيعة النساء يعني وفق على ما نزلت عليه بيعة النساء بعد ذلك عام الحديبية وكان هذا مما نزل على وفق ما بايع عليه أصحابه ليلة العقبة وليس هذا عجيب فان القرآن نزل بموافقة عمر بن الخطاب في غير ما موطن كما بيناه في سيرته وفي التفسير وإن كانت هذه البيعة وقعت عن وحي غير متلو فهو أظهر والله أعلم
قال ابن اسحاق فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الاسلام ويفقههم في الدين وقد روى البيهقي عن ابن اسحاق قال فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث مصعبا حين كتبوا اليه أن يبعثه اليهم وهو الذي ذكره موسى بن عقبة كما تقدم إلا أنه جعل المرة الثانية هي الاولى
قال البيهقي وسياق ابن اسحاق أتم وقال ابن اسحاق فكان عبد الله بن أبي بكر يقول لا أدري ما العقبة الاولى ثم يقول ابن اسحاق بلى لعمري قد كانت عقبة وعقبة قالوا كلهم فنزل مصعب على أسعد بن زرارة فكان يسمى بالمدينة المقرئ قال ابن اسحاق فحدثني عاصم ابن عمر بن قتادة أنه كان يصلي بهم وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض رضي الله عنهم أجمعين
قال ابن اسحاق وحدثني محمد بن أبي امامة بن سهل بن حنيف عن أبيه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال كنت قائد أبي حين ذهب بصره فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الاذان بها صلى على أبي أمامة أسعد بن زرارة قال فمكث حينا على ذلك لا يسمع لأذان الجمعة إلا صلى عليه واستغفر له قال فقلت في نفسي والله إن هذا بي لعجز ألا أسأله فقلت يا أبت مالك إذا سمعت الاذان للجمعة صليت على أبي أمامة فقال أي بني كان أول من جمع بنا بالمدينة في هزم النبيت من حرة بني بياضة في بقيع يقال له بقيع الخضمات قال قلت وكم أنتم يومئذ قال أربعون رجلا وقد روى هذا الحديث أبو داود وابن ماجه من طريق محمد بن اسحاق رحمه الله وقد روى الدارقطني عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى مصعب بن عمير يأمره باقامة الجمعة وفي اسناده غرابة والله أعلم
قال ابن اسحاق وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الاشهل ودار بني ظفر وكان سعد بن معاذ ابن خالة اسعد بن زرارة فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر على بئر يقال له بئر مرق فجلسا في الحائط واجتمع اليهما رجال ممن أسلم وسعد بن معاذ وأسيد بن الحضير يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الاشهل وكلاهما مشرك على دين قومه فلما سمعا به قال سعد لأسيد لا أبالك انطلق الى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما أن يأتيا دارينا فانه لولا أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما قال فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل اليهما فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه وقد جاءك فاصدق الله فيه قال مصعب إن يجلس أكلمه قال فوقف عليهما متشتما فقال ما جاء بكما الينا تسفهان ضعفاءنا اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة وقال موسى بن عقبة فقال له غلام أتيتنا في دارنا بهذا الرعيد الغريب الطريد ليتسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم اليه
قال ابن اسحاق فقال له مصعب أو تجلس فتسمع فان رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره قال أنصفت قال ثم ركز حربته وجلس اليهما فكلمه مصعب بالاسلام وقرأ عليه القرآن فقالا فيما يذكر عنهما والله لعرفنا في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم في اشراقه وتسهله ثم قال ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين قالا له تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين ثم قال لهما إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله اليكما الآن سعد بن معاذ ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم فلما نظر اليه سعد بن معاذ مقبلا قال أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف على النادي قال له سعد ما فعلت قال كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا نفعل ما أحببت وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك قال فقام سعد بن معاذ مغضبا مبادرا مخوفا للذي ذكر له من بني حارثة وأخذ الحربة في يده ثم قال والله ما أراك أغنيت شيئا ثم خرج اليهما سعد فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما فوقف متشتما ثم قال لاسعد بن زرارة والله يا ابا أمامة والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني أتغشانا في دارنا بما نكره قال وقد قال أسعد لمصعب جاءك والله سيد من ورائه قومه إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان قال فقال
له مصعب أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرا رغبت فيه قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره قال سعد أنصفت ثم ركز الحربة وجلس فعرض عليه الاسلام وقرأ عليه القرآن وذكر موسى بن عقبة أنه قرأ عليه أول الزخرف قال فعرفنا والله في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم في اشراقه وتسهله ثم قال لهما كيف تصنعون إذا أنتم اسلمتم ودخلتم في هذا الدين قالا تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين قال فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق ثم ركع ركعتين ثم أخذ حربته فاقبل عائدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن الحضير فلما رآه قومه مقبلا قالوا نحلف بالله لقد رجع اليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف عليهم قال يا بني عبد الاشهل كيف تعلمون أمري فيكم قالوا سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة قال فان كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله قال فوالله ما أمسى في دار بني عبد الاشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة ورجع سعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقاما عنده يدعوان الناس إلى الاسلام حتى لم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف وتلك أوس وهم من الاوس بن حارثة وذلك أنهم كان فيهم أبو قيس بن الاسلت واسمه صيفي وقال الزبير بن بكار اسمه الحارث وقيل عبيد الله واسم أبيه الاسلت عامر بن جشم بن وائل بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الاوس وكذا نسبه الكلبي ايضا وكان شاعرا لهم قائدا يستمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الاسلام حتى كان بعد الخندق
قلت وأبو قيس بن الاسلت هذا ذكر له ابن اسحاق أشعارا بائية حسنة تقرب من أشعار أمية بن الصلت الثقفي
قال ابن اسحاق فيما تقدم ولما انتشر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرب وبلغ البلدان ذكر بالمدينة ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر وقبل أن يذكر من هذا الحي من الاوس والخزرج وذلك لما كان يسمعون من أحبار يهود فلما وقع أمره بالمدينة وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف قال أبو قيس بن الاسلت أخو بني واقف قال السهيلي هو أبو قيس صرمة بن أبي أنس واسم أبي أنس قيس بن صرمة بن مالك بن عدي بن عمرو بن غنم بن عدي ابن النجار قال وهو الذي أنزل فيه وفي عمر أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم الآية قال ابن اسحاق وكان يحب قريشا وكان لهم صهرا كانت تحته أرنب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي وكان يقيم عندهم السنين بامرأته قال قصيدة يعظم فيها الحرمة وينهى قريشا فيها عن الحرب ويذكر فضلهم وأحلامهم ويذكرهم بلاء الله عندهم ودفعه عنهم الفيل وكيده ويأمرهم بالكف
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أيا راكبا إما عرضت فبلغن * مغلغلة عني لؤي بن غالب
رسول امرئ قد راعه ذات بينكم * على النأي محزون بذلك ناصب
وقد كان عندي للهموم معرس * ولم اقض منها حاجتي ومآربي
نبيتكم شرجين كل قبيلة * لها أزمل من بين مذك وحاطب
أعيذكم بالله من شر صنعكم * وشر تباغيكم ودس العقارب
وإظهار أخلاق ونجوى سقيمة * كوخز الأشافي وقعها حق صائب
فذكرهم بالله أول وهلة * واحلال إحرام الظباء الشوازب
وقل لهم والله يحكم حكمه * ذروا الحرب تذهب عنكم في المراجب
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة * هي الغول للأقصين أو للأقارب
تقطع أرحاما وتهلك أمة * وتبري السديف من سنام وغارب
وتستبدلوا بالأتحمية بعدها * شليلا وأصداء ثياب المحارب
وبالمسك والكافور غبرا سوابغا * كأن قتيريها عيون الجنادب
فإياكم والحرب لاتعلقنكم * وحوضا وخيم الماء مر المشارب
تزين للأقوام ثم يرونها * بعاقبة إذ بيتت أم صاحب
تحرق لا تشوي ضعيفا وتنتحي * ذوي العز منكم بالحتوف الصوائب
ألم تعلموا ما كان في حرب داحس * فتعتبروا أو كان في حرب حاطب
وكم ذا أصابت من شريف مسود * طويل العماد ضيفه غير خائب
عظيم رماد النار يحمد أمره * وذي شيمة محض كريم المضارب
وماء هريق في الضلال كأنما * أذاعت به ريح الصبا والجنائب
يخبركم عنها امرؤ حق عالم * بأيامها والعلم علم التجارب
فبيعوا الحراب ملمحارب واذكروا * حسابكم والله خير محاسب
ولي امرئ فاختار دينا فلا يكن * عليكم رقيب غير رب الثواقب
أقيموا لنادينا حنيفا فأنتموا * لنا غاية قد يهتدى بالذوائب
وأنتم لهذا الناس نور وعصمة * تؤمون والاحلام غير عوازب
وأنتم إذا ما حصل الناس جوهر * لكم سرة البطحاء شم الارانب
تصونون أنسابا كراما عتيقة * مهذبة الأنساب غير أشائب
يرى طالب الحاجات نحو بيوتكم * عصائب هلكى تهتدي بعصائب
لقد علم الاقوام أن سراتكم * على كل حال خير أهل الجباجب
وأفضله رأيا وأعلاه سنة * وأقوله للحق وسط المواكب
فقوموا فضلوا ربكم وتمسحوا * بأركان هذا البيت بين الأخاشب
فعندكم منه بلاء ومصدق * غداة أبي يكسوم هادي الكتائب
كتيبته بالسهل تمشي ورجله * على القاذفات في رءوس المناقب
فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم * جنود المليك بين ساف وحاصب
فولوا سراعا هاربين ولم يؤب * إلى أهله ملحبش غير عصائب
فان تهلكوا نهلك وتهلك مواسم * يعاش بها قول امرئ غير كاذب
وحرب داحس الذي ذكرها أبو قيس في شعره كانت في زمن الجاهلية مشهورة وكان سببها فيما ذكره أبو عبيد معمر بن المثنى وغيره أن فرسا يقال لها داحس كانت لقيس بن زهير بن جذيمة ابن رواحة الغطفاني أجراه مع فرس لحذيفة بن بدر بن عمرو بن جؤبة الغطفاني أيضا يقال لها الغبراء فجاءت داحس سابقا فأمر حذيفة من ضرب وجهه فوثب مالك بن زهير فلطم وجه الغبراء فقام حمل بن بدر فلطم مالكا ثم أن أبا جنيدب العبسي لقي عوف بن حذيفة فقتله ثم لقي رجل من بني فزارة مالكا فقتله فشبت الحرب بين بني عبس وفزارة فقتل حذيفة بن بدر وأخوه حمل ابن بدر وجماعات آخرون وقالوا في ذلك أشعارا كثيرة يطول بسطها وذكرها
قال ابن هشام وأرسل قيس داحسا والغبراء وأرسل حذيفة الخطار والحنفاء والاول أصح قال وأما حرب حاطب بن الحارث بن قيس بن هيشة بن الحارث بن أمية بن معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس كان قتل يهوديا جارا للخزرج فخرج اليه زيد بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن مالك بن كعب بن الخزرج ابن الحارث بن الخزرج وهو الذي يقال له ابن قسحم في نفر من بني الحارث بن الخزرج فقتلوه فوقعت الحرب بين الاوس والخزرج فاقتتلوا قتالا شديدا وكان الظفر للخزرج وقتل يومئذ الأسود بن الصامت الاوسي قتله المجذر بن ذياد حليف بني عوف بن الخزرج ثم كانت بينهم حروب
يطول ذكرها أيضا والمقصود أن أبا قيس بن الاسلت مع علمه وفهمه لم ينتفع بذلك حين قدم مصعب بن عمير المدينة ودعا أهلها إلى الاسلام فاسلم من أهلها بشر كثير ولم يبق دار أي محلة من دور المدينة إلا وفيها مسلم ومسلمات غير دار بني واقف قبيلة أبي قيس ثبطهم عن الاسلام وهو القائل أيضا
ارب الناس أشياء ألمت * يلف الصعب منها بالذلول
أرب الناس إما أن ضللنا * فيسرنا لمعروف السبيل
فلولا ربنا كنا يهودا * وما دين اليهود بذي شكول
ولولا ربنا كنا نصارى * مع الرهبان في جبل الجليل
ولكنا خلقنا إذ خلقنا * حنيفا ديننا عن كل جيل
نسوق الهدي ترسف مذعنات * مكشفة المناكب في الجلول
وحاصل ما يقول أنه حائر فيما وقع من الأمر الذي قد سمعه من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوقف الواقفي في ذلك مع علمه ومعرفته وكان الذي ثبطه عن الاسلام أولا عبد الله بن ابي بن سلول بعدما أخبره أبو قيس أنه الذي بشر يهود فمنعه عن الاسلام
قال ابن اسحاق ولم يسلم إلى يوم الفتح هو وأخوه وخرج وأنكر الزبير بن بكار أن يكون أبو قيس أسلم وكذا الواقدي قال كان عزم على الاسلام أول ما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلامه عبد الله بن ابي فحلف لا يسلم إلى حول فمات في ذي القعدة وقد ذكر غيره فيما حكاه ابن الاثير في كتابه اسد الغابة أنه لما حضره الموت دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فسمع يقول لا إله إلا الله وقال الامام احمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من الانصار فقال يا خال قل لا إله إلا الله فقال أخال أم عم قال بل خال قال فخير لي أن أقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم تفرد به احمد رحمه الله وذكر عكرمة وغيره أنه لما توفي أراد ابنه أن يتزوج امرأته كبيشة بنت معن بن عاصم فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فأنزل الله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الآية
وقال ابن اسحاق وسعيد بن يحيى الاموي في مغازيه كان أبو قيس هذا قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح وفارق الاوثان واغتسل من الجنابة وتطهر من الحائض من النساء وهم بالنصرانية ثم أمسك عنها ودخل بيتا له فاتخذه مسجدا لا يدخل عليه فيه حائض ولا جنب وقال أعبد إله ابراهيم حين فارق الاوثان وكرهها حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسلم فحسن اسلامه وكان شيخا كبيرا وكان قوالا بالحق معظما لله في جاهليته يقول في ذلك أشعارا حسانا وهو الذي يقول
يقول أبو قيس وأصبح عاديا * ألا ما استطعتم من وصاتي فافعلوا
فأوصيكم بالله والبر والتقى * وأعراضكم والبر بالله أول
وإن قومكم سادوا فلا تحسدنهم * وإن كنتم أهل الرئاسة فاعدلوا
وإن نزلت إحدى الدواهي بقومكم * فأنفسكم دون العشيرة فاجعلوا
وإن ناب غرم فادح فارفقوهم * وما حملوكم في الملمات فاحملوا
وإن أنتم أمعزتم فتعففوا * وإن كان فضل الخير فيكم فأفضلوا
وقال أبو قيس أيضا * سبحوا الله شرق كل صباح
طلعت شمسه وكل هلال
عالم السر والبيان جميعا * ليس ما قال ربنا بضلال
وله الطير تستزيد وتأوي * في وكور من آمنات الجبال
وله الوحش بالفلاة تراها * في حقاف وفي ظلال الرمال
وله هودت يهود ودانت * كل دين مخافة من عضال
وله شمس النصارى وقاموا * كل عيد لربهم واحتفال
وله الراهب الحبيس تراه * رهن بؤس وكان أنعم بال
يا بني الارحام لا تقطعوها * وصلوها قصيرة من طوال
واتقوا الله في ضعاف اليتامى * وبما يستحل غير الحلال
واعلموا أن لليتيم وليا * عالما يهتدي بغير سؤال
ثم مال اليتيم لا تأكلوه * إن مال اليتيم يرعاه والي
يا بني التخوم لا تجزلوها * إن جزل التخوم ذو عقال
يا بني الأيام لا تأمنوها * واحذروا مكرها ومر الليالي
واعلموا أن أمرها لنفاد * الخلق ما كان من جديد وبالي
واجمعوا أمركم على البر والتق * وى وترك الخنا وأخذ الحلال
قال ابن اسحاق وقال أبو قيس صرمة أيضا يذكر ما أكرمهم الله به من الاسلام وما خصهم به من نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهم
ثوى في قريش بضع عشرة حجة * يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
وسيأتي ذكرها بتمامها فيما بعد إن شاء الله وبه الثقة
*2* قصة بيعة العقبة الثانية
@
قال ابن اسحاق ثم أن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج من خرج من الانصار من المسلمين مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أواسط أيام التشريق حين أراد الله بهم من كرامته والنصر لنبيه واعزاز الاسلام وأهله فحدثني معبد بن كعب بن مالك أن أخاه عبد الله بن كعب وكان من أعلم الأنصار حدثه أن أباه كعبا حدثه وكان ممن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها قال خرجنا في حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفقهنا ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا فلما وجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة قال البراء يا هؤلاء إني قد رأيت رأيا والله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا قلنا وما ذاك قال قد رأيت أن لا أدع هذه البنية مني بظهر يعني الكعبة وأن أصلي اليها قال فقلنا والله ما بلغنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم يصلي إلا إلى الشام وما نريد أن نخالفه فقال إني لمصلي إليها قال فقلنا له لكنا لا نفعل قال فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى هو إلى الكعبة حتى قدمنا مكة قال لي يا ابن أخي انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا فانه قد وقع في نفسي منه شيء لما رأيت من خلافكم اياي فيه قال فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هل تعرفانه فقلنا لا فقال هل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه قال قلنا نعم وقد كنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرا قال فاذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس قال فدخلنا المسجد وإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه فسلمنا ثم جلسنا اليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل قال نعم هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك قال فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاعر قال نعم فقال له البراء بن معرور يا نبي الله إني خرجت في سفري هذا قد هداني الله تعالى للاسلام فرأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر فصليت اليها وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء فماذا ترى قال قد كنت على قبلة لو صبرت عليها قال فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى معنا إلى الشام قال وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات وليس في ذلك كما قالوا نحن أعلم به منهم
قال كعب بن مالك ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ومعنا عبد الله بن عمرو
ابن حرام أبو جابر سيد من سادتنا أخذناه وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر إنك سيد من سادتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ثم دعوناه إلى الاسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة قال فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا
وقد روى البخاري حدثني ابراهيم حدثنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال عطاء قال جابر أنا وأبي وخالي من أصحاب العقبة قال عبد الله بن محمد قال ابن عيينة أحدهم البراء بن معرور حدثنا علي بن المديني حدثنا سفيان قال كان عمرو يقول سمعت جابر بن عبد الله يقول شهد بي خالاي العقبة
وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قال مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم عكاظ ومجنة وفي المواسم يقول من يؤويني من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة فلا يجد أحدا يؤويه ولا ينصره حتى أن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر كذا قال فيه فيأتيه قومه وذوو رحمه فيقولون احذر غلام قريش لا يفتنك ويمضي بين رحالهم وهم يشيرون اليه بالاصابع حتى بعثنا الله اليه من يثرب فآويناه وصدقناه فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون باسلامه حتى لم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الاسلام ثم ائتمروا جميعا فقلنا حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف فرحل اليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه شعب العقبة فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافينا فقلنا يا رسول الله علام نبايعك قال تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر وعلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة فقمنا اليه وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو من أصغرهم وفي رواية البيهقي وهو أصغر السبعين إلا أنا فقال رويدا يا أهل يثرب فانا لم نضرب اليه أكباد الابل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وإن اخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة وقتل خياركم وتعضكم السيوف فاما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله وأما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله قالوا أبط عنا يا أسعد فوالله لا ندع هذه البيعة ولا نسلبها أبدا قال فقمنا اليه فبايعناه وأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة وقد رواه الامام احمد أيضا والبيهقي من طريق داود بن عبد الرحمن العطار زاد البيهقي عن الحاكم بسنده إلى يحيى بن سليم كلاهما
عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي ادريس به نحوه وهذا اسناد جيد على شرط مسلم ولم يخرجوه وقال البزار وروى غير واحد عن ابن خثيم ولا نعلمه يروى عن جابر إلا من هذا الوجه
وقال الامام احمد حدثنا سليمان بن داود حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن موسى بن عبد الله عن أبي الزبير عن جابر قال كان العباس آخذا بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله يواثقنا فلما فرغنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت وأعطيت وقال البزار حدثنا محمد بن معمر حدثنا قبيصة حدثنا سفيان هو الثوري عن جابر يعني الجعفي عن داود وهو ابن أبي هند عن الشعبي عن جابر يعني أبن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنقباء من الانصار تؤووني وتمنعوني قالوا نعم قالوا فما لنا قال الجنة ثم قال لا نعلمه يروي الا بهذا الاسناد عن جابر ثم قال ابن اسحاق عن معبد عن عبد الله عن أبيه كعب بن مالك قال فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني مازن بن النجار واسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع وقد صرح ابن اسحاق في رواية يونس بن بكير عنه بأسمائهم وأنسابهم وما ورد في بعض الاحاديث أنهم كانوا سبعين والعرب كثيرا ما تحذف الكسر وقال عروة بن الزبير وموسى بن عقبة كانوا سبعين رجلا وامرأة واحدة قال منهم أربعون من ذوي أسنانهم وثلاثون من شبابهم قال وأصغرهم أبو مسعود وجابر بن عبد الله قال كعب بن مالك فلما اجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب فقال يا معشر الخزرج قال وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها إن محمدا منا حيث علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه فهو في عزة من قومه ومنعة في بلده وإنه قد أبى إلا الانحياز اليكم واللحوق بكم فان كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه اليه ومانعوه ممن خالفه فانتم وما تحملتم من ذلك وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج اليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده قال فقلنا له قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت قال فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الاسلام قال ابايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم قال فأخذ البراء بن معرور بيده و قال نعم فوالذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب ورثناها كابرا عن كابر قال فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبو الهيثم بن التيهان فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها يعني اليهود فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم قال كعب وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجوا إلى منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم فاخرجوا منهم اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس
قال ابن اسحاق وهم أبو أمامة أسعد بن زرارة المتقدم وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج وعبد الله بن رواحة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج ورافع بن مالك بن العجلان المتقدم والبراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي ابن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج وعبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة وعبادة بن الصامت المتقدم وسعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج والمنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب ابن الخزرج فهؤلاء تسعة من الخزرج ومن الاوس ثلاثة وهم أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الاشهل بن جشم بن الخزرج بن عمرو بن مالك ابن الاوس وسعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النحاط بن كعب بن حارثة بن غنم بن السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الاوس ورفاعة بن عبد المنذر بن زنير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس
قال ابن هشام وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان بدل رفاعة هذا وهو كذلك في رواية يونس عن ابن اسحاق واختاره السهيلي وابن الاثير في الغابة ثم استشهد ابن هشام على ذلك بما رواه عن أبي زيد الانصاري فيما ذكره من شعر كعب بن مالك في ذكر النقباء الاثني عشر هذه الليلة ليلة العقبة الثانية حين قال
أبلغ أبيا أنه قال رأيه * وحان غداة الشعب والحين واقع
أبى الله ما منتك نفسك إنه * بمرصاد أمر الناس راء وسامع
وابلغ أبا سفيان أن قد بدالنا * بأحمد نور من هدى الله ساطع
فلا ترغبن في حشد أمر تريده * وألب وجمع كل ما أنت جامع
ودونك فاعلم أن نقض عهودنا * اباه عليك الرهط حين تبايعوا
اباه البراء وابن عمرو كلاهما * وأسعد يأباه عليك ورافع
وسعد أباه الساعدي ومنذر * لأنفك إن حاولت ذلك جادع
وما ابن ربيع إن تناولت عهده * بمسلمه لا يطمعن ثم طامع
وأيضا فلا يعطيكه ابن رواحة * وإخفاره من دونه السم ناقع
وفاء به والقوقلي بن صامت * بمندوحة عما تحاول يافع
أبو هيثم أيضا وفي بمثلها * وفاء بما أعطى من العهد خانع
وما ابن حضير إن أردت بمطمع * فهل أنت عن أحموقة الغي نازع
وسعد أخو عمرو بن عوف فإنه * ضروح لما حاولت ملأمر مانع
أولاك نجوم لا يغبك منهم * عليك بنحس في دجى الليل طالع
قال ابن هشام فذكر فيهم أبا الهيثم بن التيهان ولم يذكر رفاعة
قلت وذكر سعد بن معاذ وليس من النقباء بالكلية في هذه الليلة وروى يعقوب بن سفيان عن يونس بن عبد الاعلى عن ابن وهب عن مالك قال كان الانصار ليلة العقبة سبعون رجلا وكان نقباؤهم اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس وحدثني شيخ من الانصار أن جبرائيل كان يشير الى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من يجعله نقيبا ليلة العقبة وكان أسيد بن حضير أحد النقباء تلك الليلة رواه البيهقي وقال ابن اسحاق فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنقباء أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي قالوا نعم وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة الانصاري أخو بني سالم بن عوف يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل قالوا نعم قال إنكم تبايعونه على حرب الاحمر والاسود من الناس فان كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه اليه على نهكة الاموال وقتل الاشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة قالوا فإنا نأخذه على مصيبة الاموال وقتل الأشراف فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا قال الجنة قالوا ابسط يدك فبسط يده فبايعوه قال عاصم ابن عمر بن قتادة وإنما قال العباس بن عبادة ذلك ليشد العقد في أعناقهم وزعم عبد الله بن أبي
بكر أنه إنما قال ذلك ليؤخر البيعة تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبي بن سلول سيد الخزرج ليكون أقوى لأمر القوم فالله أعلم أي ذلك كان
قال ابن اسحاق فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يده وبنو عبد الاشهل يقولون بل أبو الهيثم بن التيهان
قال ابن اسحاق وحدثني معبد بن كعب عن أخيه عبد الله عن أبيه كعب بن مالك قال فكان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور ثم بايع القوم وقال ابن الاثير في اسد الغابة وبنو سلمة يزعمون أن أول من بايعه ليلتئذ كعب بن مالك وقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن أبيه عن كعب بن مالك في حديثه حين تخلف عن غزوة تبوك قال ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الاسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدرا كثير في الناس منها وقال البيهقي أخبرنا أبو الحسين بن بشران أخبرنا عمرو بن السماك حدثنا حنبل بن اسحاق حدثنا أبو نعيم حدثنا زكريا بن ابي زائدة عن عامر الشعبي قال انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العباس عمه إلى السبعين من الانصار عند العقبة تحت الشجرة فقال ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة فان عليكم من المشركين عينا وإن يعلموا بكم يفضحوكم فقال قائلهم وهو أبو امامة سل يا محمد لربك ما شئت ثم سل لنفسك بعد ذلك ما شئت ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك قال أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم قالوا فما لنا اذا فعلنا ذلك قال لكم الجنة قالوا فلك ذلك ثم رواه حنبل عن الامام احمد عن يحيى بن زكريا عن مجالد عن الشعبي عن أبي مسعود الانصاري فذكره قال وكان أبو مسعود أصغرهم وقال احمد عن يحيى عن اسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال فما سمع الشيب والشبان خطبة مثلها وقال البيهقي أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمد بن محمش أخبرنا محمد بن ابراهيم بن الفضل الفحام أخبرنا محمد بن يحيى الذهلي أخبرنا عمرو بن عثمان الرقي حدثنا زهير ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن اسماعيل بن عبيد الله بن رفاعة عن أبيه قال قدمت روايا خمر فاتاها عبادة بن الصامت فخرقها وقال إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر وعلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب مما نمنع به أنفسنا وأرواحنا وأبناءنا ولنا الجنة فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بايعناه عليها وهذا اسناد جيد قوي ولم يخرجوه وقد روى يونس عن ابن اسحاق حدثني عبادة بن
الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم
قال ابن اسحاق في حديثه عن معبد بن كعب عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك قال فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بانفذ صوت سمعته قط يا أهل الجباجب والجباجب المنازل هل لكم في مذمم والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أزب العقبة هذا ابن أزبب قال ابن هشام ويقال ابن أزبب أتسمع أي عدو الله أما والله لا تفرغن لك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفضوا الى رحالكم قال فقال العباس بن عبادة بن نضلة يا رسول الله والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم قال فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا فيها حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤنا في منازلنا فقالوا يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم الى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم قال فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون ما كان من هذا شيء وما عملناه قال وصدقوا لم يعلموا قال وبعضنا ينظر الى بعض قال ثم قام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان له جديدان قال فقلت له كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من سادتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما الي قال والله لتنتعلنهما قال يقول أبو جابر مه أحفظت والله الفتى فأردد اليه نعليه قال قلت والله لا أردهما فأل والله صالح لئن صدق الفأل لاسلبنه
قال ابن اسحاق وحدثني عبد الله بن أبي بكر أنهم أتوا عبد الله بن أبي سلول فقالوا مثل ما ذكر كعب من القول فقال لهم إن هذا الامر جسيم ما كان قومي ليتفرقوا على مثل هذا وما علمته كان قال فانصرفوا عنه قال ونفر الناس من منى فتنطس القوم الخبر فوجدوه قد كان فخرجوا في طلب القوم فادركوا سعد بن عبادة باذاخر والمنذر بن عمرو أخا بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وكلاهما كان نقيبا فأما المنذر فأعجز القوم وأما سعد بن عبادة فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته وكان ذا شعر كثير قال سعد
فوالله إني لفي أيديهم إذ طلع علي نفر من قريش فيهم رجل وضيء أبيض شعشاع حلو من الرجال فقلت في نفسي إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمة شديدة فقلت في نفسي لا والله ما عندهم بعد هذا من خير فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ أوى لي رجل ممن معهم قال ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد قال قلت بلى والله لقد كنت أجير لجبير بن مطعم تجارة وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس فقال ويحك فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما قال ففعلت وخرج ذلك الرجل اليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة فقال لهما إن رجلا من الخزرج الآن ليضرب بالابطح ليهتف بكما قالا ومن هو قال سعد بن عبادة قالا صدق والله إن كان ليجير لنا تجارنا ويمنعهم أن يظلموا ببلده قال فجاء فخلصا سعدا من أيديهم فانطلق وكان الذي لكم سعدا سهيل بن عمرو قال ابن هشام وكان الذي أوى له أبو البختري بن هشام وروى البيهقي بسنده عن عيسى بن أبي عيسى بن جبير قال سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبي قبيس
فإن يسلم السعدان يصبح محمد * بمكة لا يخشى خلاف المخالف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان من السعدان أسعد بن بكر أم سعد بن هذيم فلما كانت الليلة الثانية سمعوا قائلا يقول
أيا سعد الاوس كن أنت ناصرا * ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا * على الله في الفردوس منية عارف
فإن ثواب الله للطالب الهدى * جنان من الفردوس ذات رفارف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة
*2* فصل ( إظهار الأنصار إسلامهم بعد بيعة العقبة الثانية ) .
@ قال ابن اسحاق فلما رجع الانصار الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الثانية إلى المدينة أظهروا الاسلام بها وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك منهم عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة وكان ابنه معاذ بن عمرو ممن شهد العقبة وكان عمرو بن الجموح من سادات بني سلمة وأشرافهم وكان قد اتخذ صنما من خشب في داره يقال له مناة كما كانت الاشراف يصنعون يتخذه إلهآ يعظمه ويظهره فلما اسلم فتيان بني سلمة ابنه معاذ ومعاذ بن جبل كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عذر الناس منكسا على رأسه فاذا أصبح عمرو قال ويلكم من عدا على إلهنا هذه
الليلة ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطيبه وطهره ثم قال أما والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينه فاذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه ففعلوا مثل ذلك فيغدوا فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى فيغسله ويطيبه ويطهره ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه يوما فغسله وطهره وطيبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم قال له إني والله ما أعلم من يصنع بك ما أرى فان كان فيك خير فامتنع هذا السيف معك فلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر من عذر الناس وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به فخرج يتبعه حتى إذا وجده في تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت فلما رآه أبصر شأنه وكلمه من أسلم من قومه فأسلم برحمة الله وحسن إسلامه فقال حين اسلم وعرف من الله ما عرف وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره ويشكر الله الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة ويقول
والله لو كنت إلهآ لم تكن * أنت وكلب وسط بئر في قرن
اف لملقاك إلها مستدن * الآن فتشناك عن سوء الغبن
الحمد لله العلي ذي المنن * الواهب الرزاق ديان الدين
هو الذي أنقذني من قبل أن * أكون في ظلمة قبر مرتهن
فصل يتضمن أسماء من شهد بيعة العقبة الثانية ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان
فمن الاوس أحد عشر رجلا أسيد بن حضير أحد النقباء وأبو الهيثم بن التيهان بدري أيضا وسلمة بن سلامة بن وقش بدري وظهير بن رافع وأبو بردة بن دينار بدري ونهير بن الهيثم بن نابي بن مجدعة بن حارثة وسعد بن خيثمة أحد النقباء بدري وقتل بها شهيدا ورفاعة ابن عبد المنذر بن زنير نقيب بدري وعبد الله بن جبير بن النعمان بن أمية بن البرك بدري وقتل يوم أحد شهيدا أميرا على الرماة ومعن بن عدي بن الجد بن عجلان بن الحارث بن ضبيعة البلوي حليف للأوس شهد بدرا وما بعدها وقتل باليمامة شهيدا وعويم بن ساعدة شهد بدرا وما بعدها ومن الخزرج اثنان وستون رجلا أبو ايوب خالد بن زيد وشهد بدرا وما بعدها ومات بأرض الروم زمن معاوية شهيدا ومعاذ بن الحارث وأخواه عوف ومعوذ وهم بنو عفراء بدريون وعمارة بن حزم شهد بدرا وما بعدها وقتل باليمامة وأسعد بن زرارة أبو أمامة أحد النقباء مات قبل بدر وسهل بن عتيك بدري وأوس بن ثابت بن المنذر بدري وأبو طلحة زيد بن سهل بدري وقيس بن أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن كان أميرا علىالساقة يوم بدر وعمرو بن غزية وسعد بن الربيع أحد النقباء شهد بدرا وقتل يوم أحد وخارجة ابن زيد شهد بدرا وقتل يوم أحد وعبد الله بن رواحة أحد النقباء شهد بدرا وأحد والخندق وقتل يوم مؤتة أميرا وبشير بن سعد بدري وعبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه الذي أرى النداء وهو بدري وخلاد بن سويد بدري أحدي خندقي وقتل يوم بني قريظة شهيدا طرحت عليه رحى فشدخته فيقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن له لأجر شهيدين وأبو مسعود عقبة بن عمرو البدري قال ابن اسحاق وهو أحدث من شهد العقبة سنا ولم يشهد بدرا وزياد بن لبيد بدري وفروة بن عمرو بن ودفة وخالد بن قيس بن مالك بدري ورافع بن مالك أحد النقباء وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن رزيق وهو الذي يقال له مهاجري أنصاري لانه أقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة حتى هاجر منها وهو بدري قتل يوم أحد وعباد بن قيس بن عامر بن خالد ابن عامر بن رزيق بدري وأخوه الحارث بن قيس بن عامر بدري أيضا والبراء بن معرور أحد النقباء وأول من بايع فيما تزعم بنو سلمة وقد مات قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وأوصى له بثلث ماله فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم على ورثته وابنه بشر بن البراء وقد شهد بدرا وأحدا والخندق ومات بخيبر شهيدا من أكله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الشاة المسمومة رضي الله عنه وسنان بن صيفي بن صخر بدري والطفيل بن النعمان بن خنساء بدري قتل يوم الخندق ومعقل بن المنذر بن سرح بدري وأخوه يزيد بن المنذر بدري ومسعود بن زيد بن سبيع والضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بدري ويزيد بن خذام بن سبيع وجبار بن صخر بن أمية بن خنساء بن سنان بن عبيد بدري والطفيل بن مالك بن خنساء بدري وكعب بن مالك وسليم بن عامر بن حديدة بذري وقطبة بن عامر بن حديدة بدري وأخوه أبو المنذر يزيد بدري أيضا وأبو اليسر كعب بن عمرو بدري وصيفي بن سواد بن عباد وثعلبة بن غنمة بن عدي بن نابي بدري واستشهد بالخندق وأخوه عمرو بن غنمة بن عدي وعبس بن عامر بن عدي بدري وخالد بن عمرو بن عدي بن نابي وعبد الله بن أنيس حليف لهم من قضاعة وعبد الله بن عمرو بن حرام أحد النقباء بدري واستشهد يوم أحد وابنه جابر بن عبد الله ومعاذ بن عمرو بن الجموح بدري وثابت بن الجذع بدري وقتل شهيدا بالطائف وعمير بن الحارث بن ثعلبة بدري وخديج بن سلامة حليف لهم من بلي ومعاذ بن جبل شهد بدرا وما بعدها ومات بطاعون عمواس في خلافة عمر بن الخطاب وعبادة ابن الصامت أحد النقباء شهد بدرا وما بعدها والعباس بن عبادة بن نضلة وقد أقام بمكة حتى هاجر منها فكان يقال له مهاجري أنصاري أيضا وقتل يوم أحد شهيدا وأبو عبد الرحمن يزيد ابن ثعلبة بن خزمة بن أصرم حليف لهم من بلي وعمرو بن الحارث بن كندة ورفاعة بن عمرو بن
زيد بدري وعقبة بن وهب بن كلدة حليف لهم بدري وكان ممن خرج إلى مكة فاقام بها حتى هاجر منها فهو ممن يقال له مهاجري أنصاري أيضا وسعد بن عبادة بن دليم أحد النقباء والمنذر بن عمرو نقيب بدري احدي وقتل يوم بئر معونة أميرا وهو الذي يقال له أعتق ليموت وأما المرأتان فام عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار المازنية النجارية قال ابن اسحاق وقد كانت شهدت الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت معها أختها وزوجها زيد بن عاصم بن كعب وابناها خبيب وعبد الله وابنها خبيب هذا هو الذي قتله مسيلمة الكذاب حين جعل يقول له أتشهد ان محمدا رسول الله فيقول نعم فيقول أتشهد أني رسول الله فيقول لا أسمع فجعل يقطعه عضوا عضوا حتى مات في يديه لا يزيده على ذلك فكانت أم عمارة ممن خرج إلى اليمامة مع المسملين حين قتل مسيلمة ورجعت وبها اثني عشر جرحا من بين طعنة وضربة رضي الله عنها والاخرى أم منيع أسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي بن عمرو بن سواد ابن غنم بن كعب بن سلمة رضي الله عنها
*2* باب الهجرة من مكة الى المدينة
@ قال الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ بمكة للمسلمين قد اريت دار هجرتكم أريت سبخة ذات نخل بين لابتين فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى المدينة من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين رواه البخاري وقال أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب وهذا الحديث قد أسنده البخاري في مواضع أخر بطوله ورواه مسلم كلاهما عن أبي كريب زاد مسلم وعبد الله بن مراد كلاهما عن أبي أسامة عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى عبد الله بن قيس الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث بطوله
قال الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو العباس القاسم بن القاسم السياري بمرو حدثنا ابراهيم بن هلال حدثنا علي بن الحسن بن شقيق حدثنا عيسى بن عبيد الكندي عن غيلان بن عبد الله العامري عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله أوحى إلي أي هؤلاء البلاد الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك المدينة أو البحرين أو قنسرين قال أهل العلم ثم عزم له على المدينة فأمر أصحابه بالهجرة اليها
هذا حديث غريب جدا وقد رواه الترمذي في المناقب من جامعه منفردا به عن أبي عمار الحسين بن حريث عن الفضل بن موسى عن عيسى بن عبيد عن غيلان بن عبد الله العامري عن أبي زرعة بن عمر بن جرير عن جرير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أوحى إلى أي هؤلاء الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك المدينة أو البحرين أو قنسرين ثم قال غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل تفرد به أبو عمار
قلت وغيلان بن عبد الله العامري هذا ذكره ابن حبان في الثقات إلا أنه قال روى عن أبي زرعة حديثا منكرا في الهجرة والله أعلم
قال ابن اسحاق لما أذن الله تعالى في الحرب بقوله أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله الآية فلما أذن الله في الحرب وتابعه هذا الحي من الانصار على الاسلام والنصرة له ولمن اتبعه وأوى اليهم من المسلمين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة اليها واللحوق باخوانهم من الانصار وقال إن الله قد جعل لكم اخوانا ودارا تأمنون بها فخرجوا اليها أرسالا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة فكان أول من هاجر الى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من قريش من بني مخزوم أبو سلمة عبدالله بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكانت هجرته اليها قبل بيعة العقبة بسنة حين آذته قريش مرجعه من الحبشة فعزم على الرجوع اليها ثم بلغه أن بالمدينة لهم اخوانا فعزم اليها
قال ابن اسحاق فحدثني أبي عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن ابي سلمة عن جدته أم سلمة قالت لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره ثم حملني عليه وجعل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري ثم حرج يقود بي بعيره فلما رأته رجال بني المغيرة قاموا اليه فقالوا هذه نفسك غلبتنا عليها أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد قالت فنزعوا خطام البعير من يده وأخذوني منه قالت وغضب عند ذلك بنو عبد الاسد رهط أبي سلمة وقالوا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا قالت فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده وانطلق به بنو عبد الاسد وحبسني بنو المغيرة عندهم وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة قالت ففرق بيني وبين ابني وبين زوجي قالت فكنت أخرج كل غداة فاجلس في الابطح فما أزال أبكي حتى أمسي سنة أو قريبا منها حتى مر بي رجل من بني عمي أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة ألا تخرجون من هذه المسكينة فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها قالت فقالوا لي الحقي
بزوجك إن شئت قالت فرد بنو عبد الاسد الي عند ذلك ابني قالت فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة قالت وما معي أحد من خلق الله حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار فقال الى أين يا ابنة أبي أمية قلت أريد زوجي بالمدينة قال أوما معك أحد قلت ما معي أحد إلا الله بني هذا فقال والله مالك من مترك فاخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي فوالله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عني حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه ثم قيده في الشجر ثم تنحى الى الشجرة فاضطجع تحتها فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله ثم استأخر عني وقال اركبي فاذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فاخذ بخطامه فقادني حتى ينزل بي فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة فلما نظر إلى قرية بني عمرو ابن عوف بقباء قال زوجك في هذه القرية وكان أبو سلمة بها نازلا فادخليها على بركة الله ثم انصرف راجعا إلى مكة فكانت تقول ما أعلم أهل بيت في الاسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة أسلم عثمان بن طلحة بن ابي طلحة العبدري هذا بعد الحديبية وهاجر هو وخالد بن الوليد معا وقتل يوم أحد أبوه وأخوته الحارث وكلاب ومسافع وعمه عثمان بن ابي طلحة ودفع اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وإلى ابن عمه شيبة والد بني شيبة مفاتيح الكعبة أقرها عليهم في الاسلام كما كانت في الجاهلية ونزل في ذلك قوله تعالى إن الله يأمركم ان تؤدوا الأمانات إلى أهلها الآية
قال ابن اسحاق ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبي سلمة عامر بن ربيعة حليف بني عدي معه امرأته ليلى بنت أبي حسنة العدوية ثم عبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة ابن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة حليف بني أمية بن عبد شمس احتمل بأهله وبأخيه عبد أبي احمد اسمه عبد كما ذكره ابن اسحاق وقيل ثمامة قال السهيلي والاول أصح وكان أبو احمد رجلا ضرير البصر وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد وكان شاعرا وكانت عنده الفارعة بنت أبي سفيان بن حرب وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم فغلقت دار بني جحش هجرة فمر بها عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام وهم مصعدون إلى أعلى مكة فنظر اليها عتبة تخفق أبوابها يبابا ليس بها ساكن فلما رآها كذلك تنفس الصعداء وقال
وكل دار وإن طالت سلامتها * يوما ستدركها النكباء والحوب
قال ابن هشام وهذا البيت لابي داود الايادي في قصيدة له قال السهيلي واسم أبي داود
حنظلة بن شرقي وقيل حارثة ثم قال عتبة أصبحت دار بني جحش خلاء من أهلها فقال أبو جهل وما تبكي عليه من فل بن فل ثم قال يعني للعباس هذا من عمل ابن أخيك هذا فرق جماعتنا وشتت أمرنا وقطع بيننا
قال ابن اسحاق فنزل ابو سلمة وعامر بن ربيعة وبنو جحش بقباء على مبشر بن عبد المنذر ثم قدم المهاجرون ارسالا قال وكان بنو غنم بن دودان أهل اسلام قد أوعبوا إلى المدينة هجرة رجالهم ونساؤهم وهم عبد الله بن جحش وأخوه أبو أحمد وعكاشة بن محصن وشجاع وعقبة ابنا وهب وأربد بن جميرة ومنقذ بن نباتة وسعيد بن رقيش ومحرز بن نضلة وزيد بن رقيش وقيس بن جابر وعمرو بن محصن ومالك بن عمرو وصفوان بن عمرو وثقف بن عمرو وربيعة بن أكثم والزبير بن عبيدة وتمام بن عبيدة وسخبرة بن عبيدة ومحمد بن عبد الله بن جحش ومن نسائهم زينب بنت جحش وحمنة بنت جحش وأم حبيب بنت جحش وجدامة بنت جندل وأم قيس بنت محصن وأم حبيب بنت ثمامة وآمنة بنت رقيش وسخبرة بنت تميم قال أبو أحمد بن جحش في هجرتهم إلى المدينة
ولما رأتني أم أحمد غاديا * بذمة من أخشى بغيب وأرهب
تقول فإما كنت لا بد فاعلا * فيمم بنا البلدان ولننأ يثرب
فقلت لها ما يثرب بمظنة * وما يشأ الرحمن فالعبد يركب
إلى الله وجهي والرسول ومن يقم * إلى الله يوما وجهه لا يخيب
فكم قد تركنا من حميم مناصح * وناصحة تبكي بدمع وتندب
ترى أن وترا نائيا عن بلادنا * ونحن نرى أن الرغائب نطلب
دعوت بني غنم لحقن دمائهم * وللحق لما لاح للناس ملحب
أجابوا بحمد الله لما دعاهم * إلى الحق داع والنجاح فأوعبوا
وكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى * أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا
كفوجين إما منهما فموفق * على الحق مهدي وفوج معذب
طغوا وتمنوا كذبة وأزلهم * عن الحق ابليس فخابوا وخيبوا
ورعنا إلى قول النبي محمد * فطاب ولاة الحق منا وطيبوا
نمت بارحام اليهم قريبة * ولا قرب بالأرحام إذ لا تقرب
فأي ابن أخت بعدنا يأمننكم * وأية صهر بعد صهري يرقب
ستعلم يوما أينا إذ تزايلوا * وزيل أمر الناس للحق اصوب
قال ابن اسحاق ثم خرج عمر بن الخطاب وعياش بن أبي ربيعة حتى قدما المدينة فحدثني نافع عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال اتعدنا لما أردت الهجرة الى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص التناضب من إضاة بني غفار فوق سرف وقلنا أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه قال فأصبحت أنا وعياش عند التناضب وحبس هشام وفتن فافتتن فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام الى عياش وكان ابن عمهما وأخاهما لامهما حتى قدما المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فكلماه وقالا له إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك ولا تستظل من شمس حتى تراك فرق لها فقلت له إنه والله إن يريدك القوم الا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت قال فقال أبر قسم أمي ولي هنالك مال فآخذه قال قلت والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالا فلك نصف مالي ولا تذهب معهما قال فأبى علي إلا أن يخرج معهما فلما أبى إلا ذلك قلت أما إذ فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها فان رابك من أمر القوم ريب فانج عليها فخرج عليها معهما حتى اذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل يا أخي والله لقد استغلظت بعيري هذا أفلا تعقبني على ناقتك هذه قال بلى فأناخ وأناخا ليتحول عليها فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه رباطا ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن قال عمر فكنا نقول لا يقبل الله ممن افتتن توبة وكانوا يقولون ذلك لانفسهم حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنزل الله قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل اليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون
وقال ابن هشام وحدثني بعض أهل العلم أن الحسن بن أبي الحسن البصري قال انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار ليلا فدخل أبو بكر قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمس الغار لينظر افيه سبع أو حية يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وهذا فيه انقطاع من طرفيه وقد قال أبو القاسم البغوي حدثنا داود بن عمرو الضبي ثنا نافع بن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج هو وأبو بكر إلى ثور فجعل أبو بكر يكون أمام النبي صلى الله عليه وسلم مرة وخلفه مرة فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن
ذلك فقال إذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من امامك وإذا كنت امامك خشيت أن تؤتى من خلفك حتى إذا انتهى إلى الغار من ثور قال أبو بكر كما أنت حتى أدخل يدي فاحسه وأقصه فان كانت فيه دابة اصابتني قبلك قال نافع فبلغني أنه كان في الغار جحر فألقم أبو بكر رجله ذلك الجحر تخوفا أن يخرج منه دابة أو شيء يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مرسل وقد ذكرنا له شواهد أخر في سيرة الصديق رضي الله عنه
وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر احمد بن اسحاق أنا موسى بن الحسن ثنا عباد ثنا عفان بن مسلم ثنا السري بن يحيى ثنا محمد بن سيرين قال ذكر رجال على عهد عمر فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر فبلغ ذلك عمر فقال والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر وليوم من أبي بكر خير من آل عمر لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه حتى فطن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا بكر مالك تمشي ساعة خلفي وساعة بين يدي فقال يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ثم اذكر الرصد فأمشي بين يديك فقال يا أبا بكر لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني قال نعم والذي بعثك بالحق فلما انتهينا إلى الغار قال أبو بكر مكانك يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار فدخل فاستبرأه حتى إذا كان ذكر أنه لم يستبرئ الجحرة فقال مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ فدخل فاستبرأ ثم قال انزل يا رسول الله فنزل ثم قال عمر والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر وقد رواه البيهقي من وجه آخر عن عمر وفيه أن أبا بكر جعل يمشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة وخلفه أخرى وعن يمينه وعن شماله وفيه أنه لما حفيت رجلا رسول الله صلى الله عليه وسلم حمله الصديق على كاهله وأنه لما دخل الغار سدد تلك الأجحرة كلها وبقي منها جحر واحد فألقمه كعبه فجعلت الافاعي تنهشه ودموعه تسيل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحزن إن الله معنا وفي هذا السياق غرابة ونكارة وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وابو سعيد بن أبي عمرو قالا ثنا أبو العباس الاصم ثنا عباس الدوري ثنا اسود بن عامر شاذان ثنا اسرائيل عن الاسود عن جندب بن عبد الله قال كان أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار فأصاب يده حجر فقال
إن أنت إلا أصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت
وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرني عثمان الجزري أن مقسما مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس في قوله تعالى وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك قال تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم بل اقتلوه وقال بعضهم بل أخرجوه فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فبات علي على فراش
النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم فلما أصبحوا ثاروا عليه فلما رأوا عليا رد الله عليهم مكرهم فقالوا أين صاحبك هذا فقال لاأدري فاقتفوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه فمكث فيه ثلاث ليال وهذا اسناد حسن وهو من أجود ما وري في قصة نسج العنكبوت على فم الغار وذلك من حماية الله رسوله صلى الله عليه وسلم
وقال الحافظ أبو بكر احمد بن علي بن سعيد القاضي في مسند أبي بكر حدثنا بشار الخفاف ثنا جعفر وسليمان ثنا ابو عمران الجوني حدثنا المعلى بن زياد عن الحسن البصري قال انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وابو بكر الى الغار وجاءت قريش يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا اذا رأوا على باب الغار نسج العنكبوت قالوا لم يدخل احد وكان النبي صلى الله عليه وسلم قائما يصلي وأبو بكر يرتقب فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء قومك يطلبونك أما الله ما على نفسي أثل ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا ابا بكر لا تخف إن الله معنا وهذا مرسل عن الحسن وهو حسن بحاله من الشاهد وفيه زيادة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الغار وقد كان عليه السلام إذا أحزنه أمر صلى وروى هذا الرجل اعني أبو بكر احمد بن علي القاضي عن عمرو الناقد عن خلف بن تميم عن موسى بن مطر عن أبيه عن ابي هريرة أن أبا بكر قال لابنه يا بني اذا حدث في الناس حدث فأت الغار الذي اختبأت فيه أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فكن فيه فانه سيأتيك رزقك فيه بكرة وعشيا وقد نظم بعضهم هذا في شعره حيث يقول
نسج داود ما حمى صاحب الغا * ر وكان الفخار للعنكبوت
وقد ورد أن حمامتين عششتا على بابه أيضا وقد نظم ذلك الصرصري في شعره حيث يقول
فغمى عليه العنكبوت بنسجه * وظل على الباب الحمام يبيض
والحديث بذلك رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا عمرو بن علي ثنا عون بن عمرو ابو عمرو القيسي ويلقب عوين حدثني أبو مصعب المكي قال أدركت زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك يذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر الله شجرة
فخرجت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم تستره وأن الله بعث العنكبوت فنسجت ما بينهما فسترت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الله حمامتين وحشيتين فأقبلتا يدفان حتى وقعتا بين العنكبوت وبين الشجرة وأقبلت فتيان قريش من كل بطن منهم رجل معهم عصيهم وقسيهم وهراواتهم حتى اذا كانوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر مائتي ذراع قال الدليل وهو سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي هذا الحجر ثم لا أدري أين وضع رجله فقال الفتيان أنت لم تخطئ منذ الليلة حتى اذا أصبحن قال انظروا في الغار فاستبقه القوم حتى اذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم قدر خمسين ذراعا فاذا الحمامتان ترجع فقالوا ما ردك أن تنظر في الغار قال رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فعرف ان الله قد درأ عنهما بهما فسمت عليهما أي برك عليهما وأحدرهما الله إلى الحرم فأفرخا كما ترى وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه قد رواه الحافظ أبو نعيم من حديث مسلم بن ابراهيم وغيره عن عون بن عمرو وهو الملقب بعوين باسناده مثله وفيه أن جميع حمام مكة من نسل تيك الحمامتين وفي هذا الحديث أن القائف الذي اقتفى لهم الاثر سراقة بن مالك المدلجي وقد روى الواقدي عن موسى بن محمد بن ابراهيم عن أبيه أن الذي اقتفى لهم الاثر كرز بن علقمة
قلت ويحتمل أن يكونا جميعا اقتفيا الاثر والله أعلم وقد قال الله تعالى إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم يقول تعالى مؤنبا لمن تخلف عن الجهاد مع الرسول إلا تنصروه أنتم فان الله ناصره ومؤيده ومظفره كما نصره إذ أخرجه الذين كفروا من أهل مكة هاربا ليس معه غير صاحبه وصديقه أبي بكر ليس غيره ولهذا قال ثاني اثنين اذ هما في الغار أي وقد لجآ إلى الغار فأقاما فيه ثلاثة أيام ليسكن الطلب عنهما وذلك لأن المشركين حين فقدوهما كما تقدم ذهبوا في طلبهما كل مذهب من سائر الجهات وجعلوا لمن ردهما أو أحدهما مائة من الابل واقتصوا آثارهما حتى اختلط عليهم وكان الذي يقتص الاثر لقريش سراقة بن مالك بن جعشم كما تقدم فصعدوا الجبل الذي هما فيه وجعلوا يمرون على باب الغار فتحاذى أرجلهم لباب الغار ولا يرونهما حفظا من الله لهما كما قال الامام احمد حدثنا عفان ثنا همام أنا ثابت عن أنس بن مالك أن أبا بكر حدثه قال قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لابصرنا تحت قدميه فقال يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث همام به وقد ذكر
بعض أهل السير أن أبا بكر لما قال ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لو جاؤنا من ههنا لذهبنا من هنا فنظر الصديق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر وإذا البحر قد اتصل به وسفينة مشدودة إلى جانبه وهذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة ولكن لم يرد ذلك باسناد قوي ولا ضعيف ولسنا نثبت شيئا من تلقاء أنفسنا ولكن ما صح أو حسن سنده قلنا به والله أعلم
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا الفضل بن سهل ثنا خلف بن تميم ثنا موسى بن مطير القرشي عن أبيه عن أبي هريرة أن أبا بكر قال لابنه يا بني إن حدث في الناس حدث فأت الغار الذي رأيتني اختبأت فيه أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فكن فيه فانه سيأتيك فيه رزقك غدوة وعشية ثم قال البزار لا نعلم يرويه غير خلف بن تميم
قلت وموسى بن مطير هذا ضعيف متروك وكذبه يحيى بن معين فلا يقبل حديثه وقد ذكر يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق أن الصديق قال في دخولهما الغار وسيرهما بعد ذلك وما كان من قصة سراقة كما سيأتي شعرا فمنه قوله
قال النبي ولم أجزع يوقرني * ونحن في سدف من ظلمة الغار
لا تخش شيئا فإن الله ثالثنا * وقد توكل لي منه بإظهار
وقد روى أبو نعيم هذه القصيدة من طريق زياد عن محمد بن اسحاق فذكرها مطولة جدا وذكر معها قصيدة أخرى والله أعلم وقد روى ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير قال فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحج يعني الذي بايع فيه الانصار بقية ذي الحجة والمحرم وصفر ثم إن مشركي قريش أجمعوا أمرهم ومكرهم على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يحبسوه أو يخرجوه فأطلعه الله على ذلك فأنزل عليه وإذ يمكر بك الذين كفروا الآية فأمر عليا فنام على فراشه وذهب هو وأبو بكر فلما أصبحوا ذهبوا في طلبهما في كل وجه يطلبونهما وهكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه وان خروجه هو وابو بكر الى الغار كان ليلا وقد تقدم عن الحسن البصري فيما ذكره ابن هشام التصريح بذلك ايضا وقال البخاري حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن عقيل قال ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لم أعقل أبوى قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية فلما ابتلى المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى اذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فذكرت ما كان من رده لأبي بكر إلى مكة وجواره له كما قدمناه عند هجرة الحبشة إلى قوله فقال أبو بكر فاني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله قالت والنبي صلى الله عليه وسلم
يومئذ بمكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع بعض من كان هاجر قبل الحبشة الى المدينة وتجهز أبو بكر مهاجرا قبل المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على رسلك فاني أرجو أن يؤذن لي فقال أبو بكر وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي قال نعم فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو الخبط أربعة أشهر وذكر بعضهم أنه علفهما ستة أشهر قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في حر الظهيرة فقال قائل لابي بكر هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر فداء له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم أخرج من عندك فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله قال فانه قد أذن لي في الخروج فقال ابو بكر الصحبة بأبي أنت وأمي قال النبي صلى الله عليه وسلم نعم قال أبو بكر فخذ انت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن قالت عائشة فجهزناهما أحث الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فلذلك سميت ذات النطاقين قالت ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت لا يسمع أمرا يكاد ان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيعهما حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الدئل وهو من بني عبد ابن عدي هاديا خريتا والخريت الماهر بالهداية قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا اليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث ليال وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل قال ابن شهاب فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك
ابن جعشم يقول جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال يا سراقة إني رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه قال سراقة فعرفت أنهم هم فقلت له إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها علي وأخذت رمحي فخرجت من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها ففرت بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت يدي الى كنانتي فاستخرجت منها الازلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصبت الازلام فجعل فرسي يقرب بي حتى اذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الارض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها فأهويت ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت الازلام فخرج الذي اكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرداني ولم يسألاني إلا أن قالا اخف عنا فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر ابن فهيرة فكتب لي رقعة من أدم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقد روى محمد بن اسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم عن أبيه عن عمه سراقة فذكر هذه القصة إلا أنه ذكر أنه استقسم بالازلام أول ما خرج من منزله فخرج السهم الذي يكره لا يضره وذكر أنه عثر به فرسه أربع مرات وكل ذلك يستقسم بالازلام ويخرج الذي يكره لا يضره حتى ناداهم بالامان وسأل أن يكتب له كتابا يكون أمارة ما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فكتب لي كتابا في عظم أو رقعة أو خرقة وذكر أنه جاء به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة مرجعه من الطائف فقال له يوم وفاء وبر أدنه فدنوت منه وأسلمت قال ابن هشام هو عبد الرحمن بن الحارث بن مالك بن جعشم وهذا الذي قاله جيد
ولما رجع سراقة جعل لا يلقى أحدا من الطلب إلا رده وقال كفيتم هذا الوجه فلما ظهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصل الى المدينة جعل سراقة يقص على الناس ما رأى وما شاهد من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما كان من قضية جواده واشتهر هذا عنه فخاف رؤساء قريش معرته وخشوا أن يكون ذلك سببا
لاسلام كثير منهم وكان سراقة أمير بني مدلج ورئيسهم فكتب أبو جهل لعنه الله إليهم
بني مدلج إني أخاف سفيهكم * سراقة مستغو لنصر محمد
عليكم به ألا يفرق جمعكم * فيصبح شتى بعد عز وسؤدد
قال فقال سراقة بن مالك يجيب أبا جهل في قوله هذا
ابا حكم والله لو كنت شاهدا * لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
عجيب ولم تشكك بأن محمدا * رسول وبرهان فمن ذا يقاومه
عليك فكف القوم عنه فإنني * أخال لنا يوما ستبدو معالمه
بأمر تود النصر فيه فإنهم * وإن جميع الناس طرا مسالمه
وذكر هذا الشعر الاموي في مغازيه بسنده عن أبي اسحاق وقد رواه أبو نعيم بسنده من طريق زياد عن ابن اسحاق وزاد في شعر أبي جهل أبياتا تتضمن كفرا بليغا
وقال البخاري بسنده إلى ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام فكسى الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم اوفى رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر اليه فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه مبيضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلا صوته يا معشرالعرب هذا جدكم الذي تنتظرون فثار المسلمون الى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الاول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا فطفق من جاء من الانصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل ابو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ركب راحلته وسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر اسعد بن زرارة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته هذا إن شاء الله المنزل ثم دعا صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا بل نهبه لك
يا رسول الله فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدا فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنيانه وهو يقول حين ينقل اللبن
هذا الحمال لا حمال خيبر * هذا أبر ربنا وأطهر
ويقول * لاهم إن الأجر أجر الآخرة
فارحم الأنصار والمهاجره
فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي قال ابن شهاب ولم يبلغنا في الاحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذه الابيات هذا لفظ البخري وقد تفرد بروايته دون مسلم وله شواهد من وجوه أخر وليس فيه قصة أم معبد الخزاعية ولنذكر هنا ما يناسب ذلك مرتبا أولا فأولا
قال الامام احمد حدثنا عمرو بن محمد ابو سعيد العنقزي ثنا اسرائيل عن أبي اسحاق عن البراء بن عازب قال اشترى أبو بكر من عازب سرجا بثلاثة عشر درهما فقال أبو بكر لعازب مر البراء فيلحمله إلى منزلي فقال لا حتى تحدثنا كيف صنعت حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت معه فقال أبو بكر خرجنا فأدلجنا فأحثثنا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة فضربت بصري هل أرى ظلا نأوي اليه فاذا أنا بصخرة فأهويت اليها فإذا هي بقية ظلها فسويته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرشت له فروة وقلت اضطجع يا رسول الله فاضطجع ثم خرجت أنظر هل أرى أحدا من الطلب فاذا أنا براعي غنم فقلت لمن أنت يا غلام فقال لرجل من قريش فسماه فعرفته فقلت هل في غنمك من لبن قال نعم قلت هل أنت حالب لي قال نعم فأمرته فاعتقل شاة منها ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار ثم أمرته فنفض كفيه من الغبار ومعي أداوة على فمها خرقة فحلب لي كثبة من اللبن فصببت على القدح حتى برد أسفله ثم اتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافيته وقد استيقظ فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت ثم قلت هل آن الرحيل فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم إلا سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له فقلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا قال لا تحزن إن الله معنا حتى إذا دنا منا فكان بيننا وبينه قدر رمح أو
رمحين أو قال رمحين أو ثلاثة قلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا وبكيت قال لم تبكي قلت اما والله ما على نفسي أبكي ولكن ابكي عليك فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم اكفناه بما شئت فساخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صلد ووثب عنها وقال يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله ان ينجيني مما أنا فيه فوالله لاعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهما فانك ستمر بابلي وغنمي بموضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حاجة لي فيها ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق ورجع إلى اصحابه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى قدمنا المدينة وتلقاه الناس فخرجوا في الطرق على الاناجير واشتد الخدم والصبيان في الطريق يقولون الله أكبر جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء محمد قال وتنازع القوم أيهم ينزل عليه قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الليلة على بني النجار أخوال عبد المطلب لاكرمهم بذلك فلما أصبح غدا حيث أمر قال البراء أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار ثم قدم علينا ابن أم مكتوم الأعمى أحد بني فهر ثم قدم علينا عمر بن الخطاب في عشرين راكبا فقلنا ما فعل رسول الله قال هو على أثري ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه قال البراء ولم يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قرأت سورا من المفصل أخرجاه في الصحيحين من حديث اسرائيل بدون قول البراء أول من قدم علينا الخ فقد انفرد به مسلم فرواه من طريق اسرائيل به
وقال ابن اسحاق فاقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن رده عليهم فلما مضت الثلاث وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيريهما وبعير له وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها عصاما فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فاذا ليس فيها عصام فتحل نطاقها فتجعله عصاما ثم علقتها به فكان يقال لها ذات النطاقين لذلك
قال ابن اسحاق فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم له افضلهما ثم قال اركب فداك أبي وأمي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لا أركب بعيرا ليس لي قال فهي لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي قال لا ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به قال كذا وكذا قال أخذتها بذلك قال هي لك يا رسول الله
وروى الواقدي بأسانيده أنه عليه السلام أخذ القصواء قال وكان أبو بكر اشتراهما بثمانمائة درهم وروى ابن عساكر من طريق أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت وهي الجدعاء
وهكذا حكى السهيلي عن ابن اسحاق أنها الجدعاء والله أعلم
قال ابن اسحاق فركبا وانطلقا وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه ليخدمهما في الطريق فحدثت عن اسماء أنها قالت لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش منهم أبو جهل فذكر ضربه لها على خدها لطمة طرح منها قرطها من اذنها كما تقدم قالت فمكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل رجل من الجن من اسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج من أعلا مكة وهو يقول
جزى الله رب الناس خير جزائه * رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر ثم تروحا * فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد
قالت أسماء فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن وجهه إلى المدينة
قال ابن اسحاق وكانوا أربعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر وعبد الله بن أرقد كذا يقول ابن اسحاق والمشهور عبد الله بن أريقط الدئلي وكان إذ ذاك مشركا
قال ابن اسحاق ولما خرج بهما دليلهما عبد الله بن ارقد سلك بهما أسفل مكة ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عسفان ثم سلك بهما على اسفل أمج ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعد أن أجاز قديدا ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخرار ثم أجاز بهما ثنية المرة ثم سلك بهما لقفا ثم اجاز بهما مدلجة لقف ثم استبطن بهما مدلجة مجاج ثم سلك بهما مرجح مجاج ثم تبطن بهما مرجح من ذي العضوين ثم بطن ذي كشد ثم أخذ بهما على الجداجد ثم على الاجرد ثم سلك بهما ذا سلم من بطن أعداء مدلجة تعهن ثم على العبابيد ثم أجاز بهما القاحة ثم هبط بهما العرج وقد ابطأ عليهم بعض ظهرهم فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أسلم يقال له أوس بن حجر على جمل يقال له ابن الرداء إلى المدينة وبعث معه غلاما يقال له مسعود بن هنيدة خرج بهما دليلهما من العرج فسلك بها ثنية العائر عن يمين ركوبة
ويقال ثنية الغائر فيما قال ابن هشام حتى هبط بهما بطن ريم ثم قدم بهما قباء على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول يوم الاثنين حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل
وقد روى أبو نعيم من طريق الواقدي نحوا من ذكر هذه المنازل وخالفه في بعضها والله أعلم قال أبو نعيم حدثنا أبو حامد بن جبلة حدثنا محمد بن اسحاق عن السراج حدثنا محمد بن عبادة ابن موسى العجلي حدثني أخي موسى بن عبادة حدثني عبد الله بن سيار حدثني إياس بن مالك بن الاوس الاسلمي عن أبيه قال لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مروا بابل لنا بالجحفة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن هذه الابل فقال لرجل من أسلم فالتفت إلى ابي بكر فقال سلمت إن شاء الله فقال ما اسمك قال مسعود فالتفت إلى ابي بكر فقال سعدت إن شاء الله قال فاتاه أبي فحمله على جمل يقال له ابن الرداء
قلت وقد تقدم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من مكة يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين والظاهر أن بين خروجه عليه السلام من مكة ودخوله المدينة خمسة عشر يوما لانه أقام بغار ثور ثلاثة أيام ثم سلك طريق الساحل وهي أبعد من الطريق الجادة واجتاز في مروره على أم معبد بنت كعب من بني كعب بن خزاعة قال ابن هشام وقال يونس عن ابن اسحاق اسمها عاتكة بنت خلف بن معبد بن ربيعة بن أصرم وقال الاموي هي عاتكة بنت تبيع حليف بني منقذ بن ربيعة بن اصرم بن صنبيس بن حرام بن خيسة بن كعب بن عمرو ولهذه المرأة من الولد معبد ونضرة وحنيدة بنو أبي معبد واسمه أكتم بن عبد العزى بن معبد بن ربيعة بن اصرم ابن صنبيس وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضا
وهذه قصة أم معبد الخزاعية قال يونس عن ابن اسحاق فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيمة أم معبد واسمها عاتكة بنت خلف بن معبد بن ربيعة بن أصرم فأرادوا القرى فقالت والله ما عندنا طعام ولا لنا منحة ولا لنا شاة إلا حائل فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض غنمها فمسح ضرعها بيده ودعا الله وحلب في العس حتى أرغى وقال اشربي يا أم معبد فقالت اشرب فانت أحق به فرده
عليها فشربت ثم دعا بحائل أخرى ففعل مثل ذلك بها فشربه ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى دليله ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى عامرا ثم تروح وطلبت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغوا أم معبد فسألوا عنه فقالوا أرأيت محمدا من حليته كذا وكذا فوصفوه لها فقالت ما أدري ما تقولون قدمنا فتى حالب الحائل قالت قريش فذاك الذي نريد
وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا محمد بن معمر حدثنا يعقوب بن محمد حدثنا عبد الرحمن بن عقبة ابن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله ثنا أبي عن أبيه عن جابر قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مهاجرين فدخلا الغار إذا في الغار جحر فالقمه أبو بكر عقبه حتى أصبح مخافة أن يخرج على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء فأقاما في الغار ثلاث ليال ثم خرجا حتى نزلا بخيمات أم معبد فارسلت اليه أم معبد أني أرى وجوها حسانا وإن الحي أقوى على كرامتكم مني فلما أمسوا عندها بعثت مع ابن لها صغير بشفرة وشاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أردد الشفرة وهات لنا فرقا يعنى القدح فارسلت إليه أن لا لبن فيها ولا ولد قال هات لنا فرقا فجاءت بفرق فضرب ظهرها فاجترت ودرت فحلب فملأ القدح فشرب وسقى أبا بكر ثم حلب فبعث فيه الى أم معبد ثم قال البزار لا نعلمه يروى إلا بهذا الاسناد وعبد الرحمن بن عقبة لا نعلم أحدا حدث عنه إلا يعقوب بن محمد وان كان معروفا في النسب
وروى الحافظ البيهقي من حديث يحيى بن زكريا بن ابي زائدة حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ثنا عبد الرحمن بن الاصبهاني سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بكر الصديق قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فانتهينا إلى حي من أحياء العرب فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت منتحيا فقصد اليه فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة فقالت يا عبد الله إنما أنا امرأة وليس معي أحد فعليكما بعظيم الحي إن أردتم القرى قال فلم يجبها وذلك عند المساء فجاء ابن لها باعنز يسوقها فقالت يا بني انطلق بهذه العنز والشفرة إلى هذين الرجلين فقل لهما تقول لكما أمي اذبحا هذه وكلا وأطعمانا فلما جاء قال له النبي صلى الله عليه وسلم انطلق بالشفرة وجئني بالقدح قال إنها قد عزبت وليس بها لبن قال انطلق فجاء بقدح فمسح النبي صلى الله عليه وسلم ضرعها ثم حلب حتى ملأ القدح ثم قال انطلق به إلى أمك فشربت حتى رويت ثم جاء به فقال انطلق بهذه وجئني بأخرى ففعل بها كذلك ثم سقى أبا بكر ثم جاء باخرى ففعل بها كذلك ثم شرب النبي صلى الله عليه وسلم فبتنا ليلتنا ثم انطلقنا فكانت تسميه المبارك وكثرت غنمها حتى جلبت جلبا إلى المدينة فمر أبو بكر فرأى ابنها فعرفه فقال يا أمه هذا الرجل الذي كان مع المبارك فقامت اليه فقالت يا عبد الله من الرجل الذي كان معك قال أو ما تدرين من هو قالت لا قال هو نبي الله قالت فأدخلني عليه قال فأدخلها
فأطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاها زاد ابن عبدان في روايته قالت فدلني عليه فانطلقت معي وأهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من أقط ومتاع الاعراب قال فكساها وأعطاها قال ولا أعلمه إلا قال وأسلمت اسناد حسن
وقال البيهقي هذه القصة شبيهة بقصة أم معبد والظاهر أنها هي والله أعلم وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر احمد بن الحسن القاضي قالا ثنا أبو العباس الاصم ثنا الحسن بن مكرم حدثني أبو احمد بشر بن محمد السكري ثنا عبد الملك بن وهب المذحجي ثنا أبجر بن الصباح عن أبي معبد الخزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة هاجر من مكة الى المدينة هو وأبو بكر وعامر ابن فهيرة مولى أبي بكر ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي فمروا بخيمتي أم معبد الخزاعية وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة تحتبي وتجلس بفناء الخيمة فتطعم وتسقي فسألوها هل عندها لحم أو لبن يشترونه منها فلم يجدوا عندها شيء من ذلك وقالت لو كان عندنا شيء ما أعوذكم القرى وإذا القوم مرملون مسنتون فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا شاة في كسر خيمتها فقال ما هذه الشاة يا أم معبد فقالت شاة خلفها الجهد عن الغنم قال فهل بها من لبن قالت هي أجهد من ذلك قال تأذنين لي أن أحلبها قالت إن كان بها حلب فاحلبها فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاة فمسحها وذكر اسم الله ومسح ضرعها وذكر اسم الله ودعا بإناء لها يربض الرهط فتفاجت واجترت فحلب فيها تجا حتى ملأه وأرسله اليها فسقاها وسقى أصحابه فشربوا عللا بعد نهل حتى إذا رووا شرب آخرهم وقال ساقي القوم آخرهم ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها ثم ارتحلوا قال فقلما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلى لا نقي بهن مخهن قليل فلما رأى اللبن عجب وقال من اين هذا اللبن يا أم معبد ولا حلوبة في البيت والشاة عازب فقالت لا والله إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت فقال صفيه لي فوالله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلب فقالت رأيت رجلا ظاهر الوضاءة حسن الخلق مليح الوجه لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة قسيم وسيم في عينيه دعج وفي اشفاره وطف وفي صوته صحل أحول أكحل أزج أقرن في عنقه سطع وفي لحيته كثاثة اذا صمت فعليه الوقار واذا تكلم سما وعلاه البهاء حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن أبهى الناس وأجمله من بعيد وأحسنه من قريب ربعة لا تنساه عين من طول ولا تقتحمه عين من قصر غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدا له رفقاء يحفون به إن قال استمعوا لقوله وإن أمر تبادروا
لأمره محفود محشود لا عابس ولا معتد فقال يعني بعلها هذا والله صاحب قريش الذي تطلب ولو صادفته لالتمست أن أصحبه ولاجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا قال وأصبح صوت بمكة عال بين السماء والارض يسمعونه ولا يرون من يقول وهو يقول
جزى الله رب الناس خير جزائه * رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به * فافلح من أمسى رفيق محمد
فيال قصي ما روى الله عنكم * به من فعال لا تجارى وسؤدد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها * فانكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت * له بصريح ضرة الشاة مزبد
فغادره رهنا لديها لحالب * يدر لها في مصدر ثم مورد
قال وأصبح الناس يعني بمكة وقد فقدوا نبيهم فاخذوا على خيمتي أم معبد حتى لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأجابه حسان بن ثابت
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم * وقد سر من يسري اليهم ويغتدي
ترحل عن قوم فزالت عقولهم * وحل على قوم بنور مجدد
هداهم به بعد الضلالة ربهم * وأرشدهم من يتبع الحق يرشد
وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا * عمي وهداة يهتدون بمهتد
نبي يرى مالا يرى الناس حوله * ويتلو كتاب الله في كل مشهد
وإن قال في يوم مقالة غائب * فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
ليهن أبا بكر سعادة جده * بصحبته من يسعد الله يسعد
ويهن بني كعب مكان فتاتهم * ومقعدها للمسلمين بمرصد
قال يعني عبد الملك بن وهب فبلغني أن أبا معبد أسلم وهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهكذا
روى الحافظ أبو نعيم من طريق عبد الملك بن وهب المذحجي فذكر مثله سواء وزاد في آخره قال عبد الملك بلغني أن أم معبد هاجرت وأسلمت ولحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رواه أبو نعيم من طرق عن بكر بن محرز الكلبي الخزاعي عن أبيه محرز بن مهدي عن حرام بن هشام بن حبيش بن خالد عن أبيه عن جده حبيش بن خالد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخرج من مكة منها مهاجرا هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة ودليلهما عبد الله بن أريقط الليثي فمروا بخيمة أم معبد وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء القبة وذكر مثل ما تقدم سواء قال وحدثناه فيما أظن محمد بن أحمد بن علي بن مخلد ثنا محمد بن يونس بن موسى يعني الكديمي ثنا عبد العزيز ابن يحيى بن عبد العزيز مولى العباس بن عبد المطلب ثنا محمد بن سليمان بن سليط الانصاري حدثني أبي عن أبيه سليط البدري قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة وابن أريقط يدلهم على الطريق مر بأم معبد الخزاعية وهي لا تعرفه فقال لها يا أم معبد هل عندك من لبن قالت لا والله إن الغنم لعازبة قال فما هذه الشاة قالت خلفها الجهد عن الغنم ثم ذكر تمام الحديث كنحو ما تقدم
ثم قال البيهقي يحتمل أن هذه القصص كلها واحدة ثم ذكر قصة شبيهة بقصة شاة أم معبد الخزاعية فقال حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء حدثنا أبو بكر احمد بن اسحاق بن أيوب أخبرنا محمد بن غالب ثنا أبو الوليد ثنا عبد الله بن إياد بن لقيط ثنا إياد بن لقيط عن قيس بن النعمان قال لما انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مستخفين مروا بعبد يرعى غنما فاستسقياه اللبن فقال ما عندي شاة تحلب غير أن ههنا عناقا حملت أول الشتاء وقد أخدجت وما بقي لها من لبن فقال ادع بها فدعا بها فاعتقلها النبي صلى الله عليه وسلم ومسح ضرعها ودعا حتى أنزلت وجاء أبو بكر بمجن فحلب فسقى أبا بكر ثم حلب فسقى الراعي ثم حلب فشرب فقال الراعي بالله من أنت فوالله ما رأيت مثلك قط قال أوتراك تكتم علي حتى أخبرك قال نعم قال فإني محمد رسول الله فقال أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ قال إنهم ليقولون ذلك قال فإني أشهد أنك نبي واشهد أن ما جئت به حق وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي وأنا متبعك قال إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا ورواه أبو يعلى الموصلي عن جعفر بن حميد الكوفي عن عبد الله بن إياد بن لقيط به وقد ذكر أبو نعيم ههنا قصة عبد الله بن مسعود فقال حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود قال
كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعتبة بن أبي معيط بمكة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وقد فرا من المشركين فقال يا غلام عندك لبن تسقينا فقلت إني مؤتمن ولست بساقيكما فقالا هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد قلت نعم فأتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الضرع فدعا فحفل الضرع وجاء أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها ثم شرب هو وأبو بكر وسقياني ثم قال للضرع اقلص فقلص فلما كان بعد أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت علمني من هذا القول الطيب يعني القرآن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك غلام معلم فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد فقوله في هذا السياق وقد فرا من المشركين ليس المراد منه وقت الهجرة إنما ذلك في بعض الاحوال قبل الهجرة فإن ابن مسعود ممن أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة ورجع إلى مكة كما تقدم وقصته هذه صحيحة ثابتة في الصحاح وغيرها والله أعلم
وقال الامام أحمد حدثنا عبد الله بن مصعب بن عبد الله هو الزبيري حدثني أبي عن فائد مولى عبادل قال خرجت مع ابراهيم بن عبد الرحمن بن سعد حتى إذا كنا بالعرج أتى ابن سعد وسعد هو الذي دل رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق ركوبة فقال ابراهيم أخبرني ما حدثك أبوك قال ابن سعد حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم ومعه أبو بكر وكانت لابي بكر عندنا بنت مسترضعة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الاختصار في الطريق إلى المدينة فقال له سعد هذا الغامر من ركوبة وبه لصان من اسلم يقال لهما المهانان فان شئت أخذنا عليهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم خذ بنا عليهما قال سعد فخرجنا حتى إذا أشرفنا إذا أحدهما يقول لصاحبه هذا اليماني فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهما الاسلام فأسلما ثم سألهما عن أسمائهما فقالا نحن المهانان فقال بل أنتما المكرمان وأمرهما أن يقدما عليه المدينة فخرجنا حتى إذا أتينا ظاهر قباء فتلقاه بنو عمرو بن عوف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اين أبو امامة أسعد بن زرارة فقال سعد ابن خيثمة إنه أصاب قبلي يا رسول الله أفلا أخبره ذلك ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا طلع على النخل فاذا الشرب مملوء فالتفت رسول الله إلى أبي بكر فقال يا أبا بكر هذا المنزل رأيتني أنزل إلى حياض كحياض بني مدلج انفرد به احمد
*2* فصل في دخوله عليه السلام المدينة واين استقر منزله
@ قد تقدم فيما رواه البخاري عن الزهري عن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة عند الظهيرة قلت ولعل ذلك كان بعد الزوال لما ثبت في الصحيحين من حديث اسرائيل عن أبي إسحاق البراء بن عازب عن أبي بكر في حديث الهجرة قال فقدمنا ليلا فتنازعه القوم أيهم ينزل عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل على بني النجار أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك وهذا والله أعلم إما أن يكون يوم قدومه إلى قباء فيكون حال وصوله إلى قرب المدينة كان في حر الظهيرة وأقام تحت تلك النخلة ثم سار بالمسلمين فنزل قباء وذلك ليلا وأنه أطلق على ما بعد الزوال ليلا فان العشى من الزوال وإما أن يكون المراد بذلك لما رحل من قباء كما سيأتي فسار فما انتهى إلى بني النجار الاعشاء كما سيأتي بيانه والله أعلم
وذكر البخاري عن الزهري عن عروة أنه نزل في بني عمرو بن عوف بقباء وأقام فيهم بضع عشرة ليلة وأسس مسجد قباء في تلك الايام ثم ركب ومعه الناس حتى بركت به راحلته في مكان مسجده وكان مربدا لغلامين يتيمين وهما سهل وسهيل فابتاعه منهما واتخذه مسجدا وذلك في دار بني النجار رضي الله عنهم
وقال محمد بن اسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن ابن عويم بن ساعدة قال حدثني رجال من قومي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لما بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وتوكفنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال فإذا لم نجد ظلا دخلنا وذلك في أيام حارة حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله جلسنا كما كنا نجلس حتى إذ لم يبق ظل دخلنا بيوتنا وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه رجل من اليهود فصرخ بأعلا صوته يا بني قيلة هذا جدكم قد جاء فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر في مثل سنه وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك وركبه الناس وما يعرفونه من أبي بكر حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أبو بكر فأظله بردائه فعرفناه عند ذلك وقد تقدم مثل ذلك في سياق البخاري وكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه وقال الامام احمد حدثنا هاشم ثنا سليمان عن
ثابت عن أنس بن مالك قال إني لاسعى في الغلمان يقولون جاء محمد فاسعى ولا أرى شيئا ثم يقولون جاء محمد فاسعى ولا أرى شيئا قال حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر فكمنا في بعض خراب المدينة ثم بعثا رجلا من أهل البادية يؤذن بهما الانصار فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الانصار حتى انتهوا اليهما فقالت الانصار انطلقنا آمنين مطاعين فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بين أظهرهم فخرج اهل المدينة حتى أن العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن أيهم هو أيهم هو فما رأينا منظرا شبيها به قال أنس فلقد رأيته يوم دخل علينا ويوم قبض فلم أر يومين شبيها بهما ورواه البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن محمد بن اسحاق الصنعاني عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بنحوه أو مثله وفي الصحيحين من طريق اسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء عن أبي بكر في حديث الهجرة قال وخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق وعلى البيوت والغلمان والخدم يقولون الله أكبر جاء رسول الله الله أكبر جاء محمد الله أكبر جاء محمد الله أكبر جاء رسول الله فلما أصبح انطلق وذهب حيث أمر وقال البيهقي أخبرنا أبو عمرو والاديب أخبرنا الاسماعيلي سمعت أبا خليفة يقول سمعت ابن عائشة يقول لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جعل النساء والصبيان يقلن
طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا * ما دعا لله داع
قال محمد بن اسحاق فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون يعني حين نزل بقباء على كلثوم ابن الهدم أخي بني عمرو بن عوف ثم أحد بني عبيد ويقال بل نزل على سعد بن خيثمة ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن الهدم إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من منزل كلثوم بن الهدم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة وذلك أنه كان عزبا لا أهل له وكان يقال لبيته بيت العزاب والله أعلم ونزل أبو بكر رضي الله عنه على خبيب بن إساف أحد بني الحارث بن الخزرج بالسنح وقيل على خارجة بن زيد بن ابي زهير أخي بني الحارث بن الخزرج
قال ابن اسحاق وأقام علي بن أبي طالب بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل معه على كلثوم بن الهدم فكان علي بن ابي طالب إنما كانت اقامته بقباء ليلة أو ليلتين يقول كانت بقباء امرأة لا زوج لها مسلمة فرأيت انسانا يأتيها من جوف الليل فيضرب عليها بابها فتخرج اليه فيعطيها شيئا معه فتأخذه فاستربت بشأنه فقلت لها يا أمة الله من هذا الذي يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين اليه فيعطيك شيئا لا أدري ما هو وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك قالت هذا سهل بن حنيف
وقد عرف أني امرأة لا أحد لي فاذا امسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءني بها فقال احتطبي بهذا فكان علي رضي الله عنه يأثر ذلك من شأن سهل بن حنيف حين هلك عنده بالعراق
قال ابن اسحاق فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الاربعاء ويوم الخميس وأسس مسجده ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة وبنو عمرو ابن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك وقال عبد الله بن إدريس عن محمد بن اسحاق قال وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه عليه السلام أقام فيهم ثماني عشر ليلة
قلت وقد تقدم فيما رواه البخاري من طريق الزهري عن عروة أنه عليه السلام أقام فيهم بضع عشرة ليلة وحكى موسى بن عقبة عن مجمع بن يزيد بن حارثة أنه قال أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا يعني في بني عمرو بن عوف بقباء اثنتين وعشرين ليلة وقال الواقدي ويقال اقام فيهم أربع عشرة ليلة
قال ابن اسحاق فادركت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي وادي رانوناء فكان أول جمعة صلاها بالمدينة فأتاه عتبان بن مالك وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بني سالم فقالوا يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة قال خلوا سبيلها فإنها مأمورة لناقته فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا وازت دار بني بياضة تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة فقالوا يا رسول الله هلم الينا إلى العدد والعدة والمنعة قال خلوا سبيلها فانها مأمورة فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني ساعدة اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة فقالوا يا رسول الله هلم الينا في العدد والمنعة قال خلوا سبيلها فانها مأمورة فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا وازت دار بني الحارث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بني الحارث بن الخزرج فقالوا يا رسول الله هلم الينا إلى العدد والعدة والمنعة قال خلوا سبيلها فانها مأمورة فخلوا سبيلها فانطلقت حتى اذا مرت بدار عدي بن النجار وهم أخواله دنيا أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو إحدى نسائهم اعترضه سليط بن قيس وأبو سليط اسيرة بن خارجة في رجال من بني عدي بن النجار فقالوا يا رسول الله هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدة والمنعة قال خلوا سبيلها فإنها مأمورة فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا أتت دار بني مالك بن
النجار بركت على باب مسجده عليه السلام اليوم وكان يومئذ مربدا لغلامين يتيمين من بني مالك ابن النجار وهما سهل وسهيل ابنا عمرو وكانا في حجر معاذ بن عفراء
قلت وقد تقدم في رواية البخاري من طريق الزهري عن عروة أنهما كانا في حجر أسعد بن زرارة والله أعلم
وذكر موسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في طريقه بعبد الله بن ابي سلول وهو في بيت فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أن يدعوه إلى المنزل وهو يومئذ سيد الخزرج في أنفسهم فقال عبد الله أنظرالذين دعوك فانزل عليهم فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفر من الانصار فقال سعد بن عبادة يعتذر عنه لقد من الله علينا بك يا رسول الله وإنا نريد أن نعقد على رأسه التاج ونملكه علينا
قال موسى بن عقبة وكانت الانصار قد اجتمعوا قبل أن يركب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عمرو بن عوف فمشوا حول ناقته لا يزال أحدهم ينازع صاحبه زمام الناقة شحا على كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما له وكلما مر بدار من دور الانصار دعوه إلى المنزل فيقول صلى الله عليه وسلم دعوها فانها مأمورة فإنما أنزل حيث أنزلني الله فلما انتهت إلى دار أبي أيوب بركت به على الباب فنزل فدخل بيت أبي أيوب حتى ابتنى مسجده ومساكنه
قال ابن اسحاق لما بركت الناقة برسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل عنها حتى وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحتمل أبو ايوب خالد بن زيد رحله فوضعه في بيته ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأل عن المربد لمن هو فقال له معاذ بن عفراء هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو وهما يتيمان لي وسأرضيهما منه فاتخذه مسجدا فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من المهاجرين والانصار
وستأتي قصة بناء المسجد قريبا إن شاء الله وقال البيهقي في الدلائل وقال أبو عبد الله أخبرنا أبو الحسن علي بن عمرو الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد الدوري ثنا محمد بن سليمان بن اسماعيل ابن أبي الورد ثنا ابراهيم بن صرمة ثنا يحيى بن سعيد عن اسحاق بن عبد الله بن ابي طلحة عن أنس قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلما دخلنا جاء الانصار برجالها ونسائها فقالوا الينا يا رسول الله فقال دعوا الناقة فإنها مأمورة فبركت على باب أبي أيوب فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن
نحن جوار من بني النجار * يا حبذا محمد من جار
فخرج اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتحبونني فقالوا أي والله يا رسول الله فقال وإنا والله أحبكم وانا والله أحبكم وأنا والله أحبكم هذا حديث غريب من هذا الوجه لم يروه أحد من أصحاب السنن وقد خرجه الحاكم في مستدركه كما يروى ثم قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن سليمان النحاس المقرئ ببغداد ثنا عمر بن الحسن الحلبي حدثنا أبو خيثمة المصيصي ثنا عيسى بن يونس عن عوف الأعرابي عن ثمامة عن أنس قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بحي من بني النجار وإذا جوار يضربن بالدفوف يقلن
نحن جوار من بني النجار * يا حبذا محمد من جار
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الله أن قلبي يحبكم ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار عن عيسى بن يونس به وفي صحيح البخاري عن معمر عن عبد الوارث عن عبد العزيز عن أنس قال رأى النبي صلى الله عليه وسلم النساء والصبيان مقبلين حسبت أنه قال من عرس فقام النبي صلى الله عليه وسلم ممثلا فقال اللهم أنتم من أحب الناس إلي قالها ثلاث مرات وقال الامام احمد حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني أبي حدثني عبد العزيز بن صهيب ثنا أنس بن مالك قال اقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة وهو مردف ابا بكر وأبو بكر شيخ يعرف ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف قال فيلقى الرجل أبا بكر فيقول يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك فيقول هذا الرجل يهديني السبيل فيحسب الحاسب إنما يهديه الطريق وإنما يعني سبيل الخير فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم فقال يا نبي الله هذا فارس قد لحق بنا فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم اصرعه فصرعته فرسه ثم قامت تحمحم ثم قال مرني يا نبي الله بما شئت فقال قف مكانك ولا تتركن أحدا يلحق بنا قال فكان أول النهار جاهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان آخر النهار مسلحة له قال فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم جانب الحرة ثم بعث الى الانصار فجاؤا فسلموا عليهما وقالوا اركبا آمنين مطاعين فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وحفوا حولهما بالسلاح وقيل في المدينة جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم فاستشرفوا نبي الله ينظرون اليه ويقولون جاء نبي الله قال فاقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب قال فانه ليحدث أهله اذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لاهله يحترف لهم فعجل أن يضع الذي يحترف فيها فجاء وهي معه وسمع من نبي الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى أهله وقال نبي الله أي بيوت أهلنا أقرب فقال أبو ايوب أنا يا نبي الله هذه داري وهذا بابي قال فانطلق فهيء لنا مقيلا فذهب فهيأ ثم جاء فقال يا رسول الله قد هيأت مقيلا قوما على بركة الله فقيلا فلما جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم جاء عبد الله بن سلام فقال اشهد انك نبي الله حقا وإنك جئت
بحق ولقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فادعهم فسلهم فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا وأني جئت بحق أسلموا فقالوا ما نعلمه ثلاثا وكذا رواه البخاري منفردا به عن محمد غير منسوب عن عبد الصمد به
قال ابن اسحاق وحدثني يزيد بن ابي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي رهم السماعي حدثني أبو أيوب قال لما نزل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي نزل في السفل وأنا وأم أيوب في العلو فقلت له بأبي أنت وأمي يا رسول الله إني أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي فاظهر انت فكن في العلو وننزل نحن فنكون في السفل فقال يا ابا أيوب أن ارفق بنا وبمن يغشانا أن أكون في سفل البيت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفله وكنا فوقه في المسكن فلقد انكسر حب لنا فيه ماء فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا مالنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفا أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء فيؤذيه قال وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث اليه فإذا رد علينا فضلة تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة حتى بعثنا اليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أر ليده فيه أثرا قال فجئته فزعا فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك فقال إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة وأنا رجل أناجي فاما أنتم فكلوه قال فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد وكذلك رواه البيهقي من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الحسن أو أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي رهم عن أبي أيوب فذكره ورواه أبو بكر بن أبي شيبة عن يونس بن محمد المؤدب عن الليث وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو عمرو الحيري ثنا عبد الله بن محمد ثنا احمد بن سعيد الدارمي ثنا أبو النعمان ثنا ثابت بن يزيد ثنا عاصم الاحول عن عبد الله بن الحارث عن افلح مولى أبي أيوب عن أبي أيوب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عليه فنزل في السفل وأبو أيوب في العلو فانتبه أبو أيوب فقال نمشي فوق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنحوا فباتوا في جانب ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم يعني في ذلك فقال السفل أرفق بنا فقال لا أعلو سقيفة أنت تحتها فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم في العلو وأبو أيوب في السفل فكان يصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فإذا جيء به سأل عن موضع أصابعه فيتتبع موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصنع له طعاما فيه ثوم فلما رد اليه سأل عن موضع اصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له لم يأكل ففزع وصعد اليه فقال أحرام فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا ولكني أكرهه قال فاني اكره ما تكره أو ما كرهت قال وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه الملك رواه مسلم عن احمد بن سعيد به وثبت في
الصحيحين عن أنس بن مالك قال جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر وفي رواية بقدر فيه خضروات من بقول قال فسأل فأخبر بما فيها فلما رآها كره أكلها قال كل فإني أناجي من لا تناجي وقد روى الواقدي أن أسعد بن زرارة لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار أبي أيوب اخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت عنده وروى عن زيد بن ثابت أنه قال أول هدية أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل دار أبي أيوب أنا جئت بها قصعة فيها خبز مثرود بلبن وسمن فقلت ارسلت بهذه القصعة أمي فقال بارك الله فيك ودعا أصحابه فأكلوا ثم جاءت قصعة سعد بن عبادة ثريد وعراق لحم وما كانت من ليلة إلا وعلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاث والاربعة يحملون الطعام يتناوبون وكان مقامه في دار أبي أيوب سبعة أشهر قال وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل في دار أبي أيوب مولاه زيد بن حارثة وأبا رافع ومعهما بعيران وخمسمائة درهم ليجئا بفاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسودة بنت زمعة زوجته وأسامة بن زيد وكانت رقية قد هاجرت مع زوجها عثمان وزينب عند زوجها بمكة أبي العاص بن الربيع وجاءت معهم أم أيمن امرأة زيد بن حارثة وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر وفيهم عائشة أم المؤمنين ولم يدخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال البيهقي أخبرنا علي بن احمد بن عبدان أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار حدثنا خلف بن عمرو العكبري ثنا سعيد بن منصور ثنا عطاف بن خالد ثنا صديق بن موسى عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فاستناخت به راحلته بين دار جعفر بن محمد بن علي وبين دار الحسن بن زيد فأتاه الناس فقالوا يا رسول الله المنزل فانبعثت به راحلته فقال دعوها فانها مأمورة ثم خرجت به حتى جاءت موضع المنبر فاستناخت ثم تحللت وثم عريش كانوا يعرشونه ويعمرونه ويتبردون فيه فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن راحلته فيه فآوى إلى الظل فأتاه أبو أيوب فقال يا رسول الله إن منزلي أقرب المنازل اليك فأنقل رحلك إلي قال نعم فذهب برحله إلى المنزل ثم أتاه رجل فقال يا رسول الله أين تحل قال إن الرجل مع رحله حيث كان وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش اثنتي عشرة ليلة حتى بنى المسجد وهذه منقبة عظيمة لابي أيوب خالد بن زيد رضي الله عنه حيث نزل في داره رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روينا من طريق يزيد بن أبي حبيب عن محمد ابن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أنه لما قدم أبو أيوب البصرة وكان ابن عباس نائبا عليها من جهة علي بن أبي طالب رضي الله عنه فخرج له ابن عباس عن داره حتى أنزله فيها كما أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره وملكه كل ما أغلق عليها بابها ولما أراد الإنصراف أعطاه ابن
يتبع ...
Comment