المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بنت خير الأديان
مشاهدة المشاركة
هذا هو محكُّ القضية في تلك البابة كلها! وقد غَبَشتْ أنوارها عن بعض الأفاضل هنا!
فالاجتماع والتعاضد والاتفاق: هو الأصل الذي تضافرت نصوص الشريعة في الدعوة إليه، وإرشاد المؤمنين عليه.
وعكس ذلك: هو الفرقة والتنابذ والافتراق والتَشَذُّر.
وليس الاختلاف - بنوعيه - مرصودًا بالذم لذاته أصلا! وإنما مردُّ ذمه إلى آثاره ونزعات أصحابه.
وهذا الذي فهمه الصحابة والصدر الأول من سلف الأمة ومن تبعهم بإحسان.
أما ذمه باعتبار آثاره: فمن تأمل قول ابن مسعود في رواية أبي داود ( الخلاف شر )، لاستبان له سبيل ما نرمي إليه.
فابن مسعود لا يمكن أن يكون مراده بتلك العبارة ذم الاختلاف البتة! بدليل أنه صح عنه التشدد في خلاف جماعة من الصحابة في قضايا مشهورة، كان يرى أن الصواب فيها حليفُه.
وإنما أراد من مقولته: هو ذم تلك الآثار المترتبة على هذا الخلاف مما يكون باعثه الفرقة والشقاق بين عُصْبة الموحدين، وذلك أنه بلغه أن الخليفة الراشد عثمان قد أتم الصلاة بمنى أربع ركعات، وكان ابن مسعود يرى أن السنة هي القَصْر، فلما بلغه ذلك أتم الصلاة ثم استرجع وقال: ( الخلاف شر ).
قال أبو عمر ابن عبد البر في ( تمهيده ): ( فهذا يدلك على أن القصر عند ابن مسعود ليس بفرض، وإنما أنكر لمخالفة عثمان الأفضل عنده، لأن الأفضل عنده اتباع السنة، ثم رأى اتباع إمامه فيما أبيح له أولى من إتيان الأفضل في القصر، لأن مخالفة الأئمة لا تجوز إلا فيما لا يحل، وأما فيما أبيح فلا يجوز فيه مخالفة الأئمة إذا حملهم على ذلك الاجتهاد ).
قلت: فخشي ابن مسعود إنْ هو خالف خليفة المسلمين في صلاته بالناس في موسم الحج أن يسْتطير من جراء ذلك من الفرقة والمنازعة ما يُودِي بالعامة والدهماء إلى الشر، فقال ما قال.
وأما ذم الاختلاف باعتبار نَزَعات أصحابه: فهذا مُنْتَثِر في بطون الدفاتر من كتب الأقدمين من سلف الأمة، فلم يكونوا يقبلون الخلاف من كل أحد؟ وربما أنكروا على من يشهدون له بالعلم والفضل = بعضًا من مسائله التي صادم بها صرائح النصوص عندهم!
ومن تبصَّر في رواج تلك المقولة السائرة في تلك الأيام خاصة: ( الاختلاف رحمة )، لَنَصَعَ له من وراء الستور أقوامًا يتخذون منها ذريعة على التمهيد لمنبوذ الآراء، وبواطيل الأفكار، مما لا يستقيم وشريعة الإسلام؛ ريثما يستقيم ذَنَبُ الضبُّ!
فمنهم من يتكأ عليها: في سبيل دعوته إلى نبذ النقاب والختان وكونهما عادة من العادات! استنادًا إلى قول كل من دب وهب من مُسْتَشْيِخَة أهل هذا الزمان!
ومنهم من يتوكأ عليها: للترويج لكل ما يتقيَّأه العصرانيون والعلمانيون والعقلانيون ممن نصب لنفسه كرسيَّ الاجتهاد، وأقام لنفسه سوقًا نافقة في ميادين الأئمة الأمجاد من الأجداد!
وللحديث بقية.

Comment