الرد على القائلين بأن اختلاف العلماء رحمة وبيان الواجب عند اختلاف العل

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • أبو المظفر السناري
    محاور
    • May 2010
    • 386

    #31
    المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بنت خير الأديان مشاهدة المشاركة
    إنما جاء هذا الموضوع تبيانا للعامة أنا كلمة الاختلاف رحمة ليست علّاقة يعلق عليها كل قول ينسب للدين وقد يكون الدين منه براءً
    ثم تبيان أن الواجب هو الاتحاد في كل أصل وفرع في الدين فنجتهد ليحصل ذلك

    هذا هو محكُّ القضية في تلك البابة كلها! وقد غَبَشتْ أنوارها عن بعض الأفاضل هنا!
    فالاجتماع والتعاضد والاتفاق: هو الأصل الذي تضافرت نصوص الشريعة في الدعوة إليه، وإرشاد المؤمنين عليه.
    وعكس ذلك: هو الفرقة والتنابذ والافتراق والتَشَذُّر.
    وليس الاختلاف - بنوعيه - مرصودًا بالذم لذاته أصلا! وإنما مردُّ ذمه إلى آثاره ونزعات أصحابه.
    وهذا الذي فهمه الصحابة والصدر الأول من سلف الأمة ومن تبعهم بإحسان.
    أما ذمه باعتبار آثاره: فمن تأمل قول ابن مسعود في رواية أبي داود ( الخلاف شر )، لاستبان له سبيل ما نرمي إليه.
    فابن مسعود لا يمكن أن يكون مراده بتلك العبارة ذم الاختلاف البتة! بدليل أنه صح عنه التشدد في خلاف جماعة من الصحابة في قضايا مشهورة، كان يرى أن الصواب فيها حليفُه.
    وإنما أراد من مقولته: هو ذم تلك الآثار المترتبة على هذا الخلاف مما يكون باعثه الفرقة والشقاق بين عُصْبة الموحدين، وذلك أنه بلغه أن الخليفة الراشد عثمان قد أتم الصلاة بمنى أربع ركعات، وكان ابن مسعود يرى أن السنة هي القَصْر، فلما بلغه ذلك أتم الصلاة ثم استرجع وقال: ( الخلاف شر ).
    قال أبو عمر ابن عبد البر في ( تمهيده ): ( فهذا يدلك على أن القصر عند ابن مسعود ليس بفرض، وإنما أنكر لمخالفة عثمان الأفضل عنده، لأن الأفضل عنده اتباع السنة، ثم رأى اتباع إمامه فيما أبيح له أولى من إتيان الأفضل في القصر، لأن مخالفة الأئمة لا تجوز إلا فيما لا يحل، وأما فيما أبيح فلا يجوز فيه مخالفة الأئمة إذا حملهم على ذلك الاجتهاد ).
    قلت: فخشي ابن مسعود إنْ هو خالف خليفة المسلمين في صلاته بالناس في موسم الحج أن يسْتطير من جراء ذلك من الفرقة والمنازعة ما يُودِي بالعامة والدهماء إلى الشر، فقال ما قال.
    وأما ذم الاختلاف باعتبار نَزَعات أصحابه: فهذا مُنْتَثِر في بطون الدفاتر من كتب الأقدمين من سلف الأمة، فلم يكونوا يقبلون الخلاف من كل أحد؟ وربما أنكروا على من يشهدون له بالعلم والفضل = بعضًا من مسائله التي صادم بها صرائح النصوص عندهم!
    ومن تبصَّر في رواج تلك المقولة السائرة في تلك الأيام خاصة: ( الاختلاف رحمة )، لَنَصَعَ له من وراء الستور أقوامًا يتخذون منها ذريعة على التمهيد لمنبوذ الآراء، وبواطيل الأفكار، مما لا يستقيم وشريعة الإسلام؛ ريثما يستقيم ذَنَبُ الضبُّ!
    فمنهم من يتكأ عليها: في سبيل دعوته إلى نبذ النقاب والختان وكونهما عادة من العادات! استنادًا إلى قول كل من دب وهب من مُسْتَشْيِخَة أهل هذا الزمان!
    ومنهم من يتوكأ عليها: للترويج لكل ما يتقيَّأه العصرانيون والعلمانيون والعقلانيون ممن نصب لنفسه كرسيَّ الاجتهاد، وأقام لنفسه سوقًا نافقة في ميادين الأئمة الأمجاد من الأجداد!

    وللحديث بقية.
    Last edited by أبو المظفر السناري; 11-08-2010, 10:25 PM.

    رُوّينا بالإسناد الثابت عن إمام دار الهجرة أنه قال: (ليس في الناس شيء أقل من الإنصاف).

    Comment

    • أبو المظفر السناري
      محاور
      • May 2010
      • 386

      #32
      المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الشهاب العابر مشاهدة المشاركة
      اخي الحبيب، ابن الزبير رحمه الله خرج على عبد الملك تدينا، لا لهوى في نفسه، فهو عندما خرج فعل ذلم لانه يرى وجوب الخروج .... فيا اخي الحبيب، الخلاف في القظايا التنظيرية يترتب عليه امور فعليه يقوم بها الانسان، فأختلاف عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان النظري وهو الاحقية في الخلافة .... ادى الى اختلاف عملي وهو التقاتل .... وكل يرى الحق معه.

      الحق: أن خروج أمثال ابن الزبير والحسين بن علي وأهل بيته وأصحاب ابن الأشعث ومحمد النَّفْسِ الزكية وأخيه إبراهيم وزيد بن علي وغيرهم: إنما كان عن علم وإدراك واجتهاد، وليس عن قصد الفرقة والشقاق والعناد! وهذا الخروج: منخرط في جملة عموم ( الاختلاف ).
      ولا ينفي هذا: أن يكون خلافهم مع غيرهم قد نتج عنه من الويلات ما يصح أن يدرج في قائمة ( الخلاف المذموم ) لا لأصله! لكونه كان قائمًا عن علم واجتهاد من أهله، وإنما لترتب أسباب التفرق عليه.
      والعالم المجتهد: إنما يلزم نفسه بما يرى أن الله قد أمره به، وليس لأحد أن يأخذه بما ترتب على ما ألزم به نفسه مما خالف فيه من خالف.
      فالحسين بن علي: خالف من خالف من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كابن عمر وابن عباس وغيرهما، ونهض خارجًا على أهل الظلم والفساد، محتسبًا في ذلك ومتأولا مجتهدًا، فكان من آثار خروجه من ويلات الشر ما كان! ويكفي فجيعتنا فيه وفي أهل بيته.
      ولا يقال: ما كان له أن يخرج! لأن خروجه من قبيل ( الاختلاف المذموم)! فليس هذا من شِعْبِ ذلك الوادي!
      وأنا أقسم يمينًا بالله: أن خروج أمثال ابن الزبير والحسين ما كان إلا لاحتواء شمل الأمة وضمِّ أطرافها! وإن كانت مَاجْرَيات الأحداث قد أبتْ إلا أن تُظْهِر للناس خلاف ذلك!
      Last edited by أبو المظفر السناري; 11-08-2010, 10:22 PM.

      رُوّينا بالإسناد الثابت عن إمام دار الهجرة أنه قال: (ليس في الناس شيء أقل من الإنصاف).

      Comment

      • الشهاب العابر
        عضو
        • Nov 2010
        • 124

        #33
        أبو المظفر السناري

        كلام جميل وموزون

        بارك الله فيك وعليك
        قال صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار ابدا)

        Comment

        • الشهاب العابر
          عضو
          • Nov 2010
          • 124

          #34
          أبو المظفر السناري

          سؤال من باب المدارسة فقط ..... كلامك جميل ووجهه قوي .... وهو انك فرقت بين الخلاف .... وبين اثر الخلاف .... فجعلت الخلاف بحد ذاته غير مذموم .... ولكن الاثار المترتبة عليه من فرقة ونزاع هي المذمومه.


          لكن برأيك هل يمكن الفصل بين المؤثر وتأثيره؟ وخصوصا في مسائل توجب الخروج والقتال....

          وعلى التفريق الذي ذكرته، بين الخلاف وبين اثره.... هل نستطيع القول بأن الخلاف رحمه؟ حتى ولو لم يترتب عليه مفاسد ... واين وجه الرحمه فيه؟؟
          قال صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار ابدا)

          Comment

          • الشهاب العابر
            عضو
            • Nov 2010
            • 124

            #35
            المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محب ملتقى أهل الحديث مشاهدة المشاركة
            طيب نحن نسألك وهل هذا من الخلاف السائغ أم كيف ؟؟؟؟

            يقول ابن العثيمين رحمه الله
            نعم هو من الخلاف السائغ، لان كل واحد منهم كان له تأويل مقبول


            المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محب ملتقى أهل الحديث مشاهدة المشاركة
            كلام جميل وجيد
            قال صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار ابدا)

            Comment

            • حسام الدين حامد
              محاور
              • Nov 2004
              • 1868

              #36
              حياك الله شيخنا أبا المظفر وحفظكم وجزاكم الله خيرًا ..

              ومن تبصَّر في رواج تلك المقولة السائرة في تلك الأيام خاصة: ( الاختلاف رحمة )، لَنَصَعَ له من وراء الستور أقوامًا يتخذون منها ذريعة على التمهيد لمنبوذ الآراء، وبواطيل الأفكار، مما لا يستقيم وشريعة الإسلام؛ ريثما يستقيم ذَنَبُ الضبُّ!
              فمنهم من يتكأ عليها: في سبيل دعوته إلى نبذ النقاب والختان وكونهما عادة من العادات! استنادًا إلى قول كل من دب وهب من مُسْتَشْيِخَة أهل هذا الزمان!
              ومنهم من يتوكأ عليها: للترويج لكل ما يتقيَّأه العصرانيون والعلمانيون والعقلانيون ممن نصب لنفسه كرسيَّ الاجتهاد، وأقام لنفسه سوقًا نافقة في ميادين الأئمة الأمجاد من الأجداد!
              هذا الباطل المستعلن -شيخنا الكريم- قابلته ردة فعل، أصابت أهل الحق بأوارها، فرأينا بعض أهل العلم ينفى من البلاد لمخالفته علماء البلاد، وإن هان هذا عند قومٍ يرون له مستمسكًا حسنًا، فقد صرنا إلى الزراية على من يخالف مذهب "الإخوة"، وقد سمعتُ الشيخ الفقيه محمد عبد المقصود حفظه الله يذكر أنّ بعض الإخوة طالب الشيخ فوزي السعيد بمنع الشيخ عبد المقصود من المسجد، وذلك لأنّه أفتى امرأةً بجواز كشف وجهها عندما هددها زوجها بالطلاق إن لبست النقاب، وآل الأمر الآن شيخنا إلى ما لا يخفى عليكم من منع موقع كطريق الإسلام عن أهل السعودية، لتوحيد الفتوى، والعجب أن بعض أهل الفضل أثنوا على هذا وأسموه "الأمن الفكري للبلاد"!! ولذلك فمثل هذه الموضوعات لا أعتقد أنه يكفي فيها الاكتفاء بحسن التنظير مع غض البصر عن التمثيل والتطبيق، ولا تكفي النية الحسنة في الرد على طرف التفريط، أن ندع مدخلًا لطرف الإفراط، وجزاكم الله خيرًا على ما أكحلتم به الأعين وأثلجتم به الصدور من تواجد اسمكم في هذا الموضوع، فضلًا عما جاد به قلمكم مما لا يستغرب من مادة هذا المداد.
              " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "
              صفحتي على الفيسبوك - صفحتي على تويتر.

              Comment

              • عياض
                باحث في الفلسفة
                • Jul 2009
                • 1842

                #37
                لو زدت شيخنا ابا المظفر من بيان أمثال هذه المعاني في هذا المنتدى انشاءا للمواضيع و متابعة لها تنظيرا و عقلنة و تطبيقا ان امكن .. باب مقاصد الخلاف و الاجماع و ثمارها ...فهو أحد الأصول الكبار التي ينازعنا عليها الملاحدة في استحقاق اسم الحضارة و الشهادة على الناس فضلا عن حاجة انفسنا الى التعلم و المدارسة و التأدب بمثل هذه القيم و الآداب..لو زدت شيخنا الكريم و تدارست معنا و جالستنا و شاركتنا العلم و الأدب لعل الله ينفع بك المومن و الكافر في هذا المنتدى..فالله أعلم ان جميعنا أحوج الى هذا من حاجتنا الى كثير من الجدل..
                Last edited by عياض; 11-09-2010, 03:13 AM.

                " المعرفة الحقة هي الوصول الى التعرف على الذكاء الذي يتحكم في كل شيء...من خلال كل شيء " هرقليطس.

                Comment

                • أبو المظفر السناري
                  محاور
                  • May 2010
                  • 386

                  #38
                  المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عياض مشاهدة المشاركة
                  لو زدت شيخنا ابا المظفر من بيان أمثال هذه المعاني في هذا المنتدى انشاءا للمواضيع و متابعة لها تنظيرا و عقلنة و تطبيقا ان امكن .. باب مقاصد الخلاف و الاجماع و ثمارها ...فهو أحد الأصول الكبار التي ينازعنا عليها الملاحدة في استحقاق اسم الحضارة و الشهادة على الناس فضلا عن حاجة انفسنا الى التعلم و المدارسة و التأدب بمثل هذه القيم و الآداب..لو زدت شيخنا الكريم و تدارست معنا و جالستنا و شاركتنا العلم و الأدب لعل الله ينفع بك المومن و الكافر في هذا المنتدى..فالله أعلم ان جميعنا أحوج الى هذا من حاجتنا الى كثير من الجدل..

                  نعم: نزيد ما وسعنا السعي إلى الزيادة أيها الفاضل. ولن نبخل على أحدٍ بما عُلِّمْناه من لدن حكيم خبير. فانتظر منا ما يسرك بعون الله.

                  رُوّينا بالإسناد الثابت عن إمام دار الهجرة أنه قال: (ليس في الناس شيء أقل من الإنصاف).

                  Comment

                  • أبو المظفر السناري
                    محاور
                    • May 2010
                    • 386

                    #39
                    المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الشهاب العابر مشاهدة المشاركة
                    لكن برأيك هل يمكن الفصل بين المؤثر وتأثيره؟ وخصوصا في مسائل توجب الخروج والقتال....
                    لو أنك أوضحتَ لي سؤالك قليلا = لكان الجواب عليه حاضرًا؟ ولن أسلك سبيل التكهُّن في بيان مرادك حتى تجلوه بنفسك يا رعاك الله.
                    بالنسبة لمسألة الخروج على الحكام: فمقامها عطِنٌ لا تتسع له كثير من الأفهام؟ لكني أذكر لبابه بإيجاز.
                    فأقول: لا ريب أن هذه القضية كانت مذهبًا قديمًا لبعض السلف، ممن كان يرى وجوب الخروج على الفساق من طغام الحكام والأمراء، ولم يكن أصحاب هذا المذهب يرونه من باب الخروج بالتشقيق بين وحْدَة الأمة الإسلامية، بقدر ما هو جمْعٌ لضم شتاتها، واحتوائها بإقامة سلطان عادل يحكم بين الناس بما أنزل الله.
                    وقد كان لأرباب هذا المذهب من الأدلة الشرعية على دعوتهم: ما كان يجعلهم يخوضون مستنقعات معارك الموت وهم يرون سيوف المنايا تحصد رءوس بعضهم أمام بعض!
                    ونظرة عاجلة فيما يسمونه بــ ( فتنة ابن الأشعث ) و ( وقعة الحَّرَّة ) و ( مذبحة الحسين وأهل بيته ) مع ( قتْل ابن الزبير وحصار الكعبة ) = ينجلي الغبار عن خطب عظيم ضل به جماعة ظنوا أن القوم خارجون عن سلطان الدين! رافعين ألوية السخط على من نادى باتحاد صفوف الموحدين!
                    وقد سبق وذكرنا: أن هؤلاء القوم كانوا في عملهم هذا مجتهدين متأولين، لكن الآثار التي ترتبت على ما أعقب ثورتهم كانت عظيمة الضرر على الإسلام والمسلمين! ولم يتحقق شيء من تلك المصلحة التي خرجوا لأجلها! بل تفاقم الأمر إلى ما ينْدَى لأجله جبين الزمان! مما لا أرغب في شرح مآسيه الآن.
                    فلا جرم: أن كان خلاف هؤلاء الصفوة مع من خرجوا عليهم من باب ( الخلاف المذموم ) الذي نهانا الله عنه في كتابه، وحذرنا من ويلات تبعاته. أعني: آثار الاختلاف دون مَحْضه نفسه.
                    ولما رأى بعض السلف: سوء مغبة هذا الخروج؛ صاروا ينأون عنه وينهون عنه، خشية أن يصيب الإسلام ما أصابه من جرَّاء خروج من خرج من قبل! حتى بلغ الأمر بأكثر السلف إلى التحذير ممن يدعو للخروج أو يتكلم به بين الدهماء!
                    ولذلك كثر كلامهم في تجريح الرواة بقولهم: ( فلان كان يرى السيف ) أو ( كان يرى الخروج ) ثم نبذوه وهجروه!
                    حتى غدا ها الأمر: هو ما انتهى إليه عَقْد السلف الصالح في تلك القضية من عدم القتال والخروج على أولي الأمر! وصاروا يذكرونه في أبواب الاعتقاد من كتبهم. ويوالون ويعادون عليه.
                    فهذا الحسن بن صالح بن حي: أحد أئمة المسلمين الكبار، إلا أنه كان لا يرى بأسًا بالخروج على فسقة الملوك والأمراء! فتكلم فيه غير واحد من النقاد لذلك، وغمزوه به. ووصموه بكونه كان يرى السيف في أمة محمد!
                    وقد تصدى الحافظ ابن حجر للذب عن هذا الإمام في ترجمته من ( تهذيبه ) فقال: ( قولهم : كان يرى السيف ، يعنى : كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور ، و هذا مذهب للسلف قديم ، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه ، ففى وقعة الحرة ، و وقعة ابن الأشعث ، و غيرهما عظة لمن تدبر ... ).
                    قلت: فالحاصل: أن قضية الخروج تلك قد استقر الأمر على أنها من الخلاف المذموم رأسًا وذّنَبًا! لكنهم اختلفوا بعد ذلك في الخارج؟ هل يكون مأجورًا بخروجه طالما أنه من أهل الاجتهاد؟ أم يلحقه الذم لكونه ممن يسعي لتفريق كلمة المسلمين بفعله دون قصده!؟ ولبسْطِ هذا مكان آخر.
                    وعلى التفريق الذي ذكرته، بين الخلاف وبين اثره.... هل نستطيع القول بأن الخلاف رحمه؟ حتى ولو لم يترتب عليه مفاسد ... واين وجه الرحمه فيه؟؟
                    نعم: قد قلتُ سابقا بأن الخلاف لا يذم لذاته أصلا! وإنما الذم لما يترتب عليه من المفاسد، أو لهوى صاحبه وبغيه ، وربما لتقاعده عن علوم الاجتهاد! فمن هنا يكون الخلاف نقمة وعذابًا.
                    أما كون الخلاف ربما يكون رحمة: ففي ذلك نزاع مشهور بين السلف أنفسهم! وذلك بعيدًا عن الحديث التالف: ( اختلاف أمتي رحمة )! فإنه لا يثبت البتة! ولم يعرفه السلف أصلا؛ فلذلك لم يعولوا عليه في إثبات هذا المعنى أو نفيه.
                    وإنما وقع الخلاف في معناه اللفظي؟ والأكثرون على ذم الخلاف مطلقًا! وأن معنى الحديث باطل سندًا ومتنًا! وكان الجاحظ من أوائل من أبطل كون الخلاف رحمة! وتبعه على ذلك إسحاق الموصلي صاحب الأغاني! ثم جاء أبو محمد ابن حزم وانتصر لهذا القول غاية الانتصار بكلام جامع في كتابه ( الإحكام ). ثم تبعه من تبعه من المتأخرين.
                    وذهب بعض السلف وجماعة من أماثل المتأخرين: إلى صحة هذا المعنى ( الاختلاف رحمة ) مع اعتراف أكثرهم بضعف الحديث الوارد في هذا الباب.
                    ولهم في إثبات ذلك: كلام حسن قوي عند التأمل.
                    لعل من أنهضه: أن الله أمر العباد بطلب الحق من جهة معرفة كلامه وكلام رسوله، وجعل الوقوف على مراده من نصوص شريعته هو من أسباب اختلافهم وتباين أقوالهم، ولو كان هذا النزاع مذمومًا في نفسه = لرحم الله عباده من عناء الاختلاف والتنازع، وأنزل كلامه على وجه واحد قاطع لا يخفى المراد منه على أحد من الناس! ولكنه جعل من تنازعهم واختلافهم في مدلول كلامه رحمة من لدنه ولطفًا، طالما لم يقترن هذا الاختلاف بالبغي والعناد، مع صدوره ممن ليس له بأهل!
                    وقالوا أيضًا: بأن ( سَبَبُ الْفُرْقَةِ : تَرْكُ حَظٍّ مِمَّا أُمِرَ الْعَبْدُ بِهِ ، وَالْبَغْيُ بَيْنَهُمْ ) كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية. وليس أصل الفرقة هو مطلق الخلاف! فمجرد الاختلاف من غير بغي ومع درء النفس على طلب الحق = أمر مشروع مرغوب فيه بظواهر دلائل متعددة من نصوص الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح.
                    وفي هذا المعنى: قال القاسم بن محمد أحد الفقهاء السبعة : ( لفد نفع الله باختلاف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه سعة،ورأى خيراً منه قد عمله).
                    وقال عبد العزيز بن عبد الله الماجشون : ( فإذا دخل الحرم، فإن الناس اختلفوا،ونحن نرجو أن يكون ما كان من اختلافهم سعة لمن بعدهم).
                    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( وَلِهَذَا لَمَّا اسْتَشَارَ الرَّشِيدُ مَالِكًا أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى " مُوَطَّئِهِ " فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ : إنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَرَّقُوا فِي الْأَمْصَارِ وَقَدْ أَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ مِنْ الْعِلْمِ مَا بَلَغَهُمْ . وَصَنَّفَ رَجُلٌ كِتَابًا فِي الِاخْتِلَافِ فَقَالَ أَحْمَد : لَا تُسَمِّهِ (( كِتَابَ الِاخْتِلَافِ )) وَلَكِنْ سَمِّهِ (( كِتَابَ السِعة ))
                    وَلِهَذَا كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ : إجْمَاعُهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ وَاخْتِلَافُهُمْ رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ . وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ : مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْتَلِفُوا ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى قَوْلٍ فَخَالَفَهُمْ رَجُلٌ كَانَ ضَالًّا وَإِذَا اخْتَلَفُوا فَأَخَذَ رَجُلٌ بِقَوْلِ هَذَا وَرَجُلٌ بِقَوْلِ هَذَا كَانَ فِي الْأَمْرِ سَعَةٌ
                    ).
                    قلت: وقد كان الإمام أبو سليمان الخطابي هو أحد من انتصر لتصحيح كون الخلاف رحمة سندًا ومتنًا!
                    أما سندًا: فإنه قال بثبوت الحديث الوارد في ذلك! وهذا من أغلاطه! ولا يتابع عليه! لأن الحديث لا يثبت من وجه مبين عند الحذاق من أئمة هذا الشان.
                    وأما متنًا: فقد أثبته بكلام جيد رائق، أنقله هنا من باب الإفادة. فأقول:
                    نقل النووي في ( شرح مسلم ) [9/91-92] عن الخطابي أنه قال: ( قد روى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال " اختلاف أمتي رحمة" ..... وقد اعترض على حديث " اختلاف أمتي رحمة" رجلان؟ أحدهما: مغموض عليه في دينه! وهو عمرو بن بحر الجاحظ! والآخر: معروف بالسخف والخلاعة! وهو إسحاق بن ابراهيم الموصلي! فإنه لما وضع كتابه في الأغاني وأمكن في تلك الأباطيل لم يرض بما تزود من إثمها حتى صدر كتابه بذم أصحاب الحديث، وزعم أنهم يروون ما لا يدرون؟ وقال هو والجاحظ: " لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذابا " ثم زعم أنه إنما كان اختلاف الأمة رحمة في زمن النبي صلى الله عليه و سلم خاصة، فإذا اختلفوا سألوه فبين لهم؟
                    والجواب عن هذا الاعتراض الفاسد: أنه لا يلزم من كون الشيء رحمة أن يكون ضده عذابا، ولا يلتزم هذا ويذكره إلا جاهل أو متجاهل، وقد قال الله تعالى : "ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه" فسمى الليل رحمة ولم يلزم من ذلك أن يكون النهار عذابا! وهو ظاهر لا شك فيه. ..
                    )
                    ثم قال الخطابي: ( والاختلاف في الدين ثلاثة أقسام: أحدها في اثبات الصانع ووحدانيته، وإنكار ذلك كفر.
                    والثاني: في صفاته ومشيئته وإنكارها بدعة.
                    والثالث: في أحكام الفروع المحتملة وجوها، فهذا جعله الله تعالى رحمة وكرامة للعلماء، وهو المراد بحديث اختلاف أمتي رحمة
                    ).
                    قلت: وقال النووي في موضع آخر من ( شرح مسلم ): (وَأَمَّا الِاخْتِلَاف فِي اِسْتِنْبَاط فُرُوع الدِّين مِنْهُ ، وَمُنَاظَرَة أَهْل الْعِلْم فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الْفَائِدَة وَإِظْهَار الْحَقّ ، وَاخْتِلَافهمْ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ ، بَلْ هُوَ مَأْمُور بِهِ ، وَفَضِيلَة ظَاهِرَة ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هَذَا مِنْ عَهْد الصَّحَابَة إِلَى الْآن . وَاَللَّه أَعْلَم )
                    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (شرح العمدة ) [4/569]: (فإن الزام العامة بقول واحد بعينه في جميع الاحكام فيه عسر وحرج عظيم منفي بقوله تعالى :ما جعل عليكم في الدين من حرج" وقد جعل اختلاف العلماء رحمة و توسعة على الأمة وما زال المسلمون في كل عصر ومصر يقلدون من العلماء من علم عندهم بالعلم، وقد كان الصحابة يعلمون فضل بعضهم على بعض في بعض أنواع العلم ثم لم يقصروا العامة على استفتاء ذلك الأفضل في ذلك النوع ).
                    وقبله قال الحافظ ابن بطة في ( الإبانة ): ( اختلاف الفقهاء .... في فروع الأحكام وفضائل السنن رحمة من الله بعباده ).
                    قلت: وأكثر من قصد لفظ الرحمة الواقعة في كلام السلف ممن سبق ذكرهم أولا = إنما مراده التوسعة على الناس في عدم الالتزام بقول واحد من أهل العلم لا يخرجون عنه، لأنه ربما يكون عند سواه من العلم ما ليس بحوزة الآخر!
                    وفي هذا المعنى يقول القاضي إسماعيل المالكي: (إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توسعة في اجتهاد الرأي، فأما أن تكون توسعة لأن يقول الإنسان بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا، ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا ... ).
                    نقله عنه أبو عمر ابن عبد البر في ( جامع بيان العلم وفضله ) ثم قال: (كلام إسماعيل هذا حسن جدا).
                    قلت: وبعض المتأخرين يريد من لفظ ( الرحمة ) معنى آخر بعيدًا! كعدم الإثم عن المخالف المخطيء! كما صرح به بعضهم! كقول الإمام ابن عثيمين: (نعم؛ الاختلاف رحمة بمعنى: أن من خالف الحق لاجتهاد فإنه مرحوم بعفو الله عنه؛ فالمجتهد من هذه الأمة إن أصاب فله أجران؛ وإن أخطأ فله أجر واحد؛ والخطأ معفو عنه ... ). وليس بجيد عندي.
                    وفي المسألة كلام طويل . ويكفي ما ذكرناه . والله المستعان لا رب سواه.

                    رُوّينا بالإسناد الثابت عن إمام دار الهجرة أنه قال: (ليس في الناس شيء أقل من الإنصاف).

                    Comment

                    • أبو المظفر السناري
                      محاور
                      • May 2010
                      • 386

                      #40
                      المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسام الدين حامد مشاهدة المشاركة
                      هذا الباطل المستعلن -شيخنا الكريم- قابلته ردة فعل، أصابت أهل الحق بأوارها، فرأينا بعض أهل العلم ينفى من البلاد لمخالفته علماء البلاد، وإن هان هذا عند قومٍ يرون له مستمسكًا حسنًا، فقد صرنا إلى الزراية على من يخالف مذهب "الإخوة"، وقد سمعتُ الشيخ الفقيه محمد عبد المقصود حفظه الله يذكر أنّ بعض الإخوة طالب الشيخ فوزي السعيد بمنع الشيخ عبد المقصود من المسجد، وذلك لأنّه أفتى امرأةً بجواز كشف وجهها عندما هددها زوجها بالطلاق إن لبست النقاب، وآل الأمر الآن شيخنا إلى ما لا يخفى عليكم من منع موقع كطريق الإسلام عن أهل السعودية، لتوحيد الفتوى، والعجب أن بعض أهل الفضل أثنوا على هذا وأسموه "الأمن الفكري للبلاد"!! ولذلك فمثل هذه الموضوعات لا أعتقد أنه يكفي فيها الاكتفاء بحسن التنظير مع غض البصر عن التمثيل والتطبيق، ولا تكفي النية الحسنة في الرد على طرف التفريط، أن ندع مدخلًا لطرف الإفراط، .
                      أحسنتَ وأصبت يا شيخ حسام. بارك الله فيك.
                      ويعجبني في هذا الصدد قول أبي سليمان الخطابي:
                      ولا تغْلُ في شيءٍ من الأمرِ واقْتَصِدْ *** كلا طرفيْ قَصْدِ الأمورِ ذميمُ!
                      .

                      وهذا الطراز من التفريط والإفراط في جوانب الشريعة في تلك الأيام: لم يكن من هدي السلف الصالح في غابر الأزمان!
                      ولكن: لما بعدتْ الشُّقَّة بيننا وبين سنة الأوائل = طال السبيل على قاطعه! وامتدَّ الطريق على سالكه!

                      والله المأمول: أن يوقظ تلك الأمة من طويل رقدتها، ويأخذ بأيديها حتى تستردَّ نهضتها.
                      فإنه بكل جميل كفيل .. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
                      Last edited by أبو المظفر السناري; 11-09-2010, 02:42 PM.

                      رُوّينا بالإسناد الثابت عن إمام دار الهجرة أنه قال: (ليس في الناس شيء أقل من الإنصاف).

                      Comment

                      • الشهاب العابر
                        عضو
                        • Nov 2010
                        • 124

                        #41
                        المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو المظفر السناري مشاهدة المشاركة


                        لو أنك أوضحتَ لي سؤالك قليلا = لكان الجواب عليه حاضرًا؟ ولن أسلك سبيل التكهُّن في بيان مرادك حتى تجلوه بنفسك يا رعاك الله.

                        بارك الله فيك ونفع بك
                        كان مقصدي من السؤال هو عين ما تفضلت به، بقولك:


                        المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو المظفر السناري مشاهدة المشاركة
                        نعم: قد قلتُ سابقا بأن الخلاف لا يذم لذاته أصلا! وإنما الذم لما يترتب عليه من المفاسد، أو لهوى صاحبه وبغيه ، وربما لتقاعده عن علوم الاجتهاد! فمن هنا يكون الخلاف نقمة وعذابًا.
                        [/color]
                        فأنا معك جملة وتفصيلا، لكن ما اشكل علي هو انه لا يمكن الفصل، بين الخلاف بحد ذاته وبين ما يترتب عليه من مفاسد، لان الخلاف وخصوصا في مسائل الخروج .... لا بد ان يترتب عليه مفاسد ..... فبالتالي لا يمكن القول بأن الخلاف بحد ذاته محمود، وتأثيره مذموم.
                        لاننا لا يمكن ان نفصل بين هذا وذاك، فيصبح حالنا كالذي يقول
                        شرب الخمر ليس مذموما لذاته .... ولكن تأثيره وهو السكر مذموم.

                        فأي خلاف فقهي ,,,,, سيترتب عليه وبلا شك افعال .... وهذا واضح لمن تتبه اعمال الفرق والمذاهب .... فأن اعمالهم انما هي نتيجة ارائهم وعقائدهم.

                        وانا هنا ليس بصدد بيان الحق مع من ..... فلا شك ان الحق مع واحد منهم ..... وانما انا بصدد ان المخالفين الذين خالفوا الحق كان عليهم اتباع هذا الحق

                        القصد اخي الكريم .... بما ان الناتج عن الخلاف (وهو الفرقة) لازم للخلاف، وهو مذموم .... فلا بد من قولنا ان الخلاف ايضا مذموم.
                        هذا ما قصدته.... وقد اكون مخطئا .... لكن هذا قد اشكل علي ... فأن كان ثمة توجيه منكم، فما اسعدني به.

                        بارك الله في علمك وعملك
                        Last edited by الشهاب العابر; 11-09-2010, 03:10 PM.
                        قال صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار ابدا)

                        Comment

                        • أبو المظفر السناري
                          محاور
                          • May 2010
                          • 386

                          #42
                          المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الشهاب العابر مشاهدة المشاركة
                          لكن ما اشكل علي هو انه لا يمكن الفصل، بين الخلاف بحد ذاته وبين ما يترتب عليه من مفاسد،
                          وهل كل خلاف لا بد من مفاسد له؟
                          هناك خلاف: لا يترتب عليه فرقة - بالمعنى الخاص - ولا شقاق بين الأمة، وهذا هو الذي وصفه من وصفه بالسعة والرحمة.
                          وثمة خلاف: ينتج على أعقابه الويلات والمصائب! وهذا هو المذموم في لسان الشريعة.
                          أما الحد الفاصل بين الاختلافين في الغالب: فإنما يكون عندي في النتائج دون المقدمات.
                          لان الخلاف وخصوصا في مسائل الخروج .... لا بد ان يترتب عليه مفاسد .....
                          قد سبق وقلنا: بأن مسئلة الخروج هذه كانت مذهبًا لبعض السلف، ثم استقر الأمر على تركه، لِما شاهدوه من عظيم تبعاته.
                          فبالتالي لا يمكن القول بأن الخلاف بحد ذاته محمود، وتأثيره مذموم.
                          أنا لم أقل بأن الخلاف محمود بإطلاق! كما أني لا أقول بأن تأثيره مذموم بإطلاق!
                          وإنما يُذَم التأثير: إذا كان فيه ما حذرنا الله منه من أجناس التفرق والتحزب والفساد.
                          أما مسئلة كون الخلاف محمودًا: فلم يقله أحدٌ من الأئمة بإطلاق أصلا! والأكثرون على ذمه مطلقا! وخالف في هذا جماعة من السلف وطائفة من المتأخرين رأوا أن منه ما يكون توسعة ورحمة على الناس. كما مضى بيان ذلك.
                          لاننا لا يمكن ان نفصل بين هذا وذاك، فيصبح حالنا كالذي يقول
                          شرب الخمر ليس مذموما لذاته .... ولكن تأثيره وهو السكر مذموم.
                          هذه مقابلة في غير محلها! بل هي أجنبية عن محك الكلام عند التأمل.
                          وأين ما انعقد الإجماع على كونه شرا من أصله = مما اختلف فيه السلف من كونه مذمومًا من أصله؟

                          القصد اخي الكريم .... بما ان الناتج عن الخلاف (وهو الفرقة) لازم للخلاف، وهو مذموم .... فلا بد من قولنا ان الخلاف ايضا مذموم.
                          هذه النتجية قد قامت على مقدمة خاطئة!
                          لأننا لا نسلم أن كل فُرْقة يستلزم منه الشقاق والتدابر بين الأمة!
                          وإنما الفُرْقة الناتجة عن الاختلاف تكون على ضربين:
                          الأول: فُرْقة لازمها - في الغالب - العدوان والبغي والشقاق والنزاع وغيرها من الأدواء التي تشتت شمل المسلمين! وهذه الفُرْقة من جملتها الخروج على الحكام، ولذلك نهى غير واحد من الصحابة الحسينَ بنَ علي - رضي الله عنهما - عن خلافه وخروجه على سلطان يزيد بن معاوية - رضي الله عن أبيه - لما كانوا يعلمونه من شر تبعات هذه الفُرقة الناتجة عن أمثال هذا الخلاف!
                          وأما الفُرقة الثانية: فهي تلك الفُرْقة التي احتملها الصحابة والسلف في اختلافهم مع بعضهم بعضًا في مسائل الأحكام الشرعية وغيرها، وإن كان بعضهم كا ربما تشدد في الإنكار على المخالف، إلا أن تلك الفرقة لم تحملهم على أن يتهاجروا ويتدابروا ويتخذ بعضهم عداوة من أنفسهم! ولو أنهم فعلوا ذلك لفسدت الأرض وذهب الدين! مع اعترافي بأن لهذه القاعدة شواذًا!
                          ومن جميل قول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الصدد: (وأما الاختلاف فى الأحكام فأكثر من أن ينضبط، ولو كان كل ما اختلف مسلمان فى شىء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أُخُوَّة، ولقد كان أبو بكر وعمر رضى الله عنهما سيدا المسلمين يتنازعان فى أشياء لا يقصدان الا الخير وقد قال النبى لأصحابه يوم بنى قريظة لا يصلين أحد العصر إلا فى بنى قريظة فأدركتهم العصر فى الطريق فقال قوم لا نصلى الا فى بنى قريظة وفاتتهم العصر وقال قوم لم يرد منا تأخير الصلاة فصلوا فى الطريق فلم يعب واحدا من الطائفتين أخرجاه فى الصحيحين من حديث ابن عمر ).
                          قلت: ولما غاب هدي السلف في التعامل مع الفُرقة الناتجة من الاختلاف بمعنى الأخير الثاني = ماجت الدنيا بأهلها في تلك الأزمان! ونَجَم الشقاق والتباغض بين المسلمين لأدْون المسائل والقضايا! وهذا كله من شؤم عدم الانتهاج بمناهج أئمة الصدر الأول في الأخذ والرد في مسائل الخلاف، فاتسع الخَرْقُ على الراقع جدًا! و( لُدِغَ الحكيمُ حيث لا يضع الراقي أنَفَه! ).

                          وأرجو أن يكون الكلام قد اتضح الآن وانكشفتْ غَيايات الظلام عنه.

                          رُوّينا بالإسناد الثابت عن إمام دار الهجرة أنه قال: (ليس في الناس شيء أقل من الإنصاف).

                          Comment

                          • أمَة الرحمن
                            عضو فعال
                            • Apr 2009
                            • 3251

                            #43
                            المعذرة اخوتي على مقاطعتكم، لكني أود ذكر نقطة:

                            في أحيان كثيرة يكون الخلاف نفسه لا تترتب عليه بالضرورة تبعات سلبية، لكن لجهل الناس بآداب الاختلاف استعرت الصدور و دبّ النزاع.
                            {قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا، فستعلمون من هو في ضلال مبين}

                            Comment

                            • أبو المظفر السناري
                              محاور
                              • May 2010
                              • 386

                              #44
                              المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أمَة الرحمن مشاهدة المشاركة
                              في أحيان كثيرة يكون الخلاف نفسه لا تترتب عليه بالضرورة تبعات سلبية، لكن لجهل الناس بآداب الاختلاف استعرت الصدور و دبّ النزاع.
                              أحسنتِ يا أمة الرحمن . وفي مشاركتي الأخيرة إشارة إلى هذا المعنى الجليل.
                              ومن بديع هَدْيِ السلف في الخلاف: ما أخبرنا به الشيخ المعمَّر فوق المئة : محمد فؤاد طه الدمشقي ، والشيخ المسند زهير الشاويش ، والشيخ المعمَّر يوسف العتوم، وجماعة غيرهم - كلهم إجازة بالمكاتبة - عن البدر الحسَني عن أبيه يوسف بن عبد الرحمن الحسني عن عبد الرحمن الكزبري عن مرتضى الزَّبيدي عن عمر بن عقيل المكي عن حسن بن عليّ العجيمي عن البرهان إبراهيم الميموني عن الشمس الرملي عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري عن الحافظ ابن حجر قال: أخبرنا أبو هريرة ابن الذهبي إجازة أنبأنا أبو نصر بن الشيرازي إجازة عن جده عن الحافظ أبي القاسم علي ابن عساكر قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين قراءة عن أبي عبد الله القضاعي قال قرأت على أبي عبد الله بن شاكر حدثنا الحسن بن رشيق حدثنا محمد بن سفيان بن سعيد قال: قال لنا يونس بن عبد الأعلى: ( ما رأيتُ أحدا أعقلَ من الشافعي؟ لو جُمِعتْ أمةٌ فَجُعِلَتْ في عقل الشافعي لوسعهم عقله ... ناظرتُ الشافعيَّ يوما في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال لي: يا أبا موسى- هي كنية يونس بن عبد الأعلى - ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة؟ ).
                              .
                              قلت: رحم الله ابن إدريس الشافعي. ما كان أعلمه بالله وأعقله.

                              رُوّينا بالإسناد الثابت عن إمام دار الهجرة أنه قال: (ليس في الناس شيء أقل من الإنصاف).

                              Comment

                              • الشهاب العابر
                                عضو
                                • Nov 2010
                                • 124

                                #45
                                المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو المظفر السناري مشاهدة المشاركة
                                أنا لم أقل بأن الخلاف محمود بإطلاق! كما أني لا أقول بأن تأثيره مذموم بإطلاق!
                                وإنما يُذَم التأثير: إذا كان فيه ما حذرنا الله منه من أجناس التفرق والتحزب والفساد.
                                أما مسئلة كون الخلاف محمودًا: فلم يقله أحدٌ من الأئمة بإطلاق أصلا! والأكثرون على ذمه مطلقا! وخالف في هذا جماعة من السلف وطائفة من المتأخرين رأوا أن منه ما يكون توسعة ورحمة على الناس. كما مضى بيان ذلك.
                                [/size][/color]
                                جزاك الله خيرا ونفع بك

                                لا خلاف بيننا اخي
                                قال صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار ابدا)

                                Comment

                                Working...