اثبات نبوة محمد صلى الله عليه و سلم

Collapse
This topic is closed.
X
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • القلم الحر
    عضو
    • Nov 2004
    • 1056

    #76
    ومن أقسام الفصاحة: الإيجاز .
    وذلك ينقسم إلى قسمين ، قد يكون بتقليل الحروف مع استيفاء المعنى ، وقد يكون بالحذف ، والحذف على أنحاء شتى ،
    فمن الإيجاز بتقليل الحروف ، قوله عز وجل: { وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ } [النمل: 91] ، ومن ذلك قوله عز وجل: { أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) } [النازعات] ، قلَّلَ الحروف في هذا الموضع ، لما أراد الإيجاز ، وبسط حيث أراد البسط في هذا المعنى ، فقال: { أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) } [عبس] ، وقال أيضا: { خَلَقَ الانسان مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (4) } [النحل] .
    فانظر إلى شرف هذا الكلام ، فإنه أوجز هذا الإيجاز ، وذكر للإنسان حالتين:
    إحداهما: أضعف الحالات .
    والأخرى: أقواها .
    ثم نبَّه على ما بينهما . فجمع في الآية وجهين من الإيجاز:
    أحدهما: تقليل الحروف .
    والثاني: حذف الوسائط بين الحالتين ، مع جزالة اللفظ ، وحسن المعنى ، ثم لما أراد عز وجل بسط هذا المعنى قال: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الانسان مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) } [المؤمنون] .
    وهذا باب كبير من الفصاحة ، لأن البليغ هو الذي يبسط الكلام إذا شاء بسطه من غير خطل ، ويرخي عنان الخطاب ، ويتمطى ظهر الاطناب ، ويوجز إذا شاء الإيجاز من غير تحيف للمعنى .
    وحكي عن بعض الفصحاء أنه وصف كاتبا بالبلاغة ، فقال: (( إن أخذ طوبارا ملاه ، وإن أخذ شبرا كفاه )) ، يريد: أنه كان يبسط إذا شاء ، ويوجز إذا شاء .
    ومن هذا الباب قوله عز وجل: { إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) } [الذاريات] ،
    فأراد عز وجل هذا الإيجاز ، ثم لما أراد أن يزيد هذه الصفة يسيرا مع البسط ، قال: { كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ (19) تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ (20) } [القمر] .
    ثم لما أراد أن يزيد على ذلك في البسط ، قال عز من قائل: { فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ (8) } [الحاقة] .
    ثم لما أراد عز وجل البسط التام ، بسط في السورة التي يذكر فيها هودا صلى الله عليه ، والسورة التي يذكر فيها الأعراف ، والسورة التي يذكر فيها الشعراء ، وعلى هذا أوجز ذكر ثمود ، فقال عز وجل: { فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) } [الحاقة] ، ثم بسط ذلك في سائر المواضع ،

    ومن ذلك قوله عز وجل: { وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ } [النحل: 53] . فانظر إلى هذا الإيجاز مع استيفاء المعنى ، تعلم أنه أبلغ ما يمكن في بابه .
    ثم زاد عز وجل بسطه يسيرا ، فقال: { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ } [الجاثية: 13] .
    وقال أيضا: { وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } [لقمان: 20] ، ثم بسط عز وجل ذكر الآية ونعمه في السورة التي يذكر فيها النحل من قوله: { وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ إلى قوله: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) } [النحل] ، ثم من قوله: { وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ الْسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا . . . إلى قوله: أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72) } [النحل]
    ومن ذلك قوله عز وجل: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) } [فصلت] ، وقوله { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) } [الأعراف] ، فدلَّ عز وجل بهاتين الآيتين على حسن العشرة بأوجز اللفظ ، ثم ضبط ذلك في السورة التي يذكر فيها الحجرات أتم بسط .
    ومن الاختصار الحسن قوله عز وجل: { يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ } [المنافقون: 4] ، وقد طلب هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
    ولو أنها عصفورة لحسبتها مسومة ... تدعو عبيدا وأرنما

    وقال آخر: ... ... ... ... ...
    ما زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليكم ورجالا

    وقال آخر: ... ..
    أراني الخوف عدَّتهم ألوفا ... وكان القوم خمسا في ثلاث

    فلم يتفق لهم هذا الاختصار ولا هذه العذوبة .

    Comment

    • القلم الحر
      عضو
      • Nov 2004
      • 1056

      #77
      نواصل مع المؤيد بالله الهارونى ..

      وأما القسم الثاني من الاختصار فهو الذي يكون بالحذف ، وذلك يتنوع أنواعا كثيرة .
      فمن ذلك أن يحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه ، كقوله عز وجل: { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) } [يوسف] ، أراد: أصحاب العير ، وأهل القرية
      وكقوله: { إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ } [الإسراء: 75] ، أي: ضعف عذاب الحياة ، وضعف عذاب الممات .
      وهذا مذهب للعرب مشهور ، وهو في القرءان كثير .
      وقد يكون بحذف اسم أو فعل أو جواب ، كقوله عز وجل: { وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى } [الرعد: 31] ، وتقديره: لكان هذا القرءان ، فحذفه .
      وكقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ } [التوبة] ، تقديره: لكان ذلك خيراً لهم ، فحذفه .
      ومثله قوله عز وجل: { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10) } [النور] ، ومثل ذلك: { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ } [الزمر: 9] ، وتقديره: أيساويه من لا يكون كذلك ؟! فحذفه .
      ومثله في الشعر كثير ، فمن ذلك قول الشاعر:
      فأقسم لو شيٍ أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا(امرؤ القيس )
      معناه: أردناه ولم نقبل منه .
      ومثله قول الشاعر:
      عصاني إليها القلب إني لأمره ... سميع فما أدري أرشد طلابها (1)
      معناه
      عصيت إليها القلب إني لأمرها
      معناه: فما أدري أرشد هو أم غي ؟ فحذف .
      ومثله قول النابغة:
      أزف الترحل غير أن ركابنا ... لما يزل برحالنا وكأن قد

      يريد: كأن قد زالت ، فحذف .
      ومن ذلك أن يضمر أحد المذكورين ويظهر فعل الآخر لهما ، وذلك كقوله عز وجل: { وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ } [البقرة: 6] - إذا قرئ بكسر اللام - المراد: وألحقوا الغسل بأرجلكم .
      وكقوله عز وجل: { يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (18) } [الواقعة] ، ثم قال: { وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (21) } [الواقعة] ، والمراد: ويؤتون بفاكهة ولحم طير ، لأن الفاكهة واللحم لا يطاف بهما .
      وكذلك تأويل من قرأ: { وَحُورٌ عِينٌ (22) } [الواقعة] - بالجر - تقديره: ويتزوجون بحور عين ، فحذف ذلك أجمع .
      ومن الحذف قوله عز وجل: { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) } [الصافات] ، يعني: ذكرا حسنا ، وثناء جميلا .

      Comment

      • القلم الحر
        عضو
        • Nov 2004
        • 1056

        #78
        ومن أقسام الفصاحة: التجنيس ، وهو أن يجمع بين كلمتين التقتا من حروف متجانسة ، وذلك مثل قوله عز وجل ، حاكيا عن صاحبة سليمان صلى الله عليه: { وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44) } [النمل] .
        ومن ذلك قوله عز وجل:{ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى }[ يونس:26] .
        وكذلك قوله:{ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى}[الروم: 1] .
        وقوله عز وجل حاكيا عن يعقوب صلى الله عليه: { يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ } [يوسف: 84] .
        وكذلك قوله عز وجل: { يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) } [النور] .
        وكذلك قوله عز وجل: { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) } [الليل] .
        وقوله: { اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم } [التوبة: 38] ، ولم يكثر هذا الباب في القرءان لما نذكره ، وكذلك في أشعار المتقدمين
        والجمع بين الحروف المتجانسة يوجب للكلام ضربا من التنافر . ألا ترى إلى قول الأعشى:
        وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مشل شلول شلشل شول

        كيف يظهر عليه التنافر ؟
        وكذلك قول الشاعر:
        وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر

        فأما إذا وقع ذلك في الكلام لُمعاً ، فإنه يزيده حسنا وبهجة ، فلذلك - والله أعلم - وجد في القرءان قليلا ولم يكثر .
        Last edited by القلم الحر; 01-12-2011, 05:21 PM.

        Comment

        • القلم الحر
          عضو
          • Nov 2004
          • 1056

          #79
          ومن أقسام الفصاحة: التلاؤم ، وهو نقيض التنافر ، وهذا الباب هو من أكثر أبواب الفصاحة ، وكنا نبهنا عليه في أول هذا الباب عند ذكرنا جزالة الألفاظ ، لكن أعدنا ذكره في آخر الباب لنوضحه فضل إيضاح ، لأنه هو العمدة . وذلك أن عامة ما ذكرنا من أقسام الفصاحة بل كلها غير هذا القسم ، للتكلف والتعمل فيها مجال ومسرح . ويمكن التوصل إليها باحتذاء آثار من تقدم فيها ، بأن يُتعلم طرائقها ، ويستفاد مناهجها ، وهذا القسم الذي هو التلاؤم يتعذر ، إلا أن يسمح به طبع مخصوص ، يعرف ذلك كل من ل‍ه أدنى حظ من الأدب والمعرفة بنقد الكلام .
          وذلك أن التلاؤم به تكون العذوبة والحلاوة ، وعنه تكون حسن ديباجة الكلام ، ولهذا تجد الكلام المنظوم المنثور جيد السبك ، رصين النظم ، صحيح الوضع ، متسق المعنى . ومع ذلك تجده نابيا عن السمع ، نافرا عن الطبع ، إذا لم تحصل ل‍ه العذوبة التي يكون سببها التلاؤم .
          واعلم أن التلاؤم يكون بتلاؤم الحروف ، وتلاؤم الحركات والسكنات ، وتلاؤم المعنى ، فإذا اجتمعت هذه الوجوه ، خرج الكلام غاية في العذوبة ، وفي حصول بعضها انحطاط درجة العذوبة عن الغاية
          ، وسائر أقسام الفصاحة مع عدم التلاؤم يُعد تكلفاً ، وكلما ظهرت الصنعة أكثر ، كان الكلام أقرب إلى أن يكون تعسفاً ، وإذا حسن التلاؤم ، وحسن معه يسير الصنعة أشرق تأليف الكلام ووضعه .
          ألا ترى إلى قول الشاعر:
          تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
          ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريَّا روضه بعد القطار
          شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار

          لما حصل التلاؤم حصل في النفس القبول التام مع قلة الصنعة فيه .
          ومن ذلك قول القائل:
          ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسَّح ركن البيت من هو ماسح
          نزعنا بأطراف الأحاديث بيننا ... ومالت بأعناق المطي الأباطح (لكعب بن زهير )

          ألا ترى إلى ديباجته كيف حسنت ؟ وإلى عذوبته كيف ظهرت ؟ وإلى سلامته كيف استمرت ؟ مع خلوه من الصنعة ، ووقوعه بالبعد عن التعمل .
          وهذا باب تأملته في الأشعار والخطب ، والرسائل والمحاورات ، في الجد والهزل . وصح لك بيانه ، وقام عندك برهانه . وهذا القسم من الفصاحة موجود في القرءان من أوله إلى آخره ، وأهل هذا الشأن يختلفون في أجناس ذلك والتبين ل‍ه .
          ومن كان منهم أعرف بنقد الكلام ، كان إلى تبيين ما ذكرناه أقرب ، فإن ساعده على ذلك الطبعُ الجيد ، كان في طريق تصوره أذهب ، وقد يكون في أهل كل صناعة من الشعر والخطب والرسائل مَن إذا سمع كلام غيره عرف صاحبه ، وميَّز بين طبعه وطبع غيره ، كما حكي أن جريرا رأى ذا الرمة ، وهو ينشد قصيدة أولها:
          نبت عيناك عن طلل بحدوى ... .
          فقال ل‍ه: ألا آمرك بأبيات تلحقها بشعرك ؟ فقال: بلى .
          فقال:
          يعد الناسبون إلى تميم ... بيوت المجد أربعة كبارا
          يعدون الرباب لهم وعمرا ... وسعدا ثم حنظلة الخيارا
          يعد الناسبون بني تميم ... كما ألغيت في الدية الحوارا
          ويهلك بيتها المرئي لغوا

          ثم أنشد ذو الرمة هذه القصيدة الفرزدق مع هذه الأبيات ، فلما انتهى إليها قال ل‍ه: مه ، فإن هذه الأبيات لأكلها أشد لحيين منك .
          فميَّزَ بطبعه بين شعره وشعر جرير ، وهذا ظاهر بين أهله ، وإنما أردت أن أبين بهذا أن غباوة من يغضي عن هذه الحالة التي وصفناها في القرءان لا يؤثر فيها ، لشهرتها وظهورها عند أهله .
          والذي أحوجنا إلى هذا التنبيه على هذا القسم ، أنه لا يظهر لكل من يفهم العربية ، ولا يمكن كما أمكن سائر أقسام الفصاحة ، لأن استدراكه يفتقر إلى العلوم الضرورية المعبَّر عنها بالطبع ، كما أن الاتيان به مفتقر إليه ، ولأن القرءان كله من هذا النمط .
          والأَوجَهُ ذكر آيات منه ، لأنا نريد تنبيه المبتدئ والشادي عليه .
          فمن ذلك قول الله عز وجل: { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) } [النجم] وما بعدها .
          وقوله عز وجل: { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى
          يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) } [القصص] . . . إلى آخر القصة .
          فتأمل هذه الألفاظ ووقوعها مواقعها ، لتعلم شرف هذا الكلام ، وهل تجد لفظة لسوء أبدل مكانها غيرها ، فنابت منابها حسنا وعذوبة ورونقا ؟! ألا ترى أنه عز وجل لو قال: (( والكوكب إذا سقط )) ، أو (( إذا غرب )) ، أو قال: (( إذا أفل )) ، لم يَنُب في الحسن مناب قوله تعالى: { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) } .
          ورأيت في كلام الجهال أنه لو قال: (( والنجم إذا علا )) ، كان أولى . ولن يكون ذلك ، فمن ل‍ه حاسة في هذا الباب . فبين اللفظتين في هذا الموضوع في باب الحلاوة والعذوبة ما لا يخفى على بصير .
          ولو قال: (( ما زاغ نبيكم عن الهدى )) ، أو (( ما أخطأ رسولكم )) ، أو قال: (( ما حاد عن الرشد والهدى )) ، وما أشبه ذلك ، لم يغن غناء قوله عز وجل: { مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) } .
          ولو قال: (( فهرب منها مذعورا )) ، أو قال: (( مرعوبا )) ، أو غير ذلك من الألفاظ التي تؤدي معناها ، لم يسد مسد قوله عز وجل: { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } [القصص: 21] ، حلاوة وعذوبة .
          ولو قيل: (( ولما أخذ على سمت مدين )) ، أو (( مضى حذاء مدين )) ، أو (( جهة مدين )) ، لم يقع موقع قوله عز وجل: { وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ } [القصص: 22] . وكذلك عامة ألفاظ هذه الآيات ، فتأملها تجدها على ما أقول .
          واعلم أن كثيراً من الألفاظ تكون ل‍ه حلاوة وعذوبة ، إذا وقع في بعض المواقع دون بعض ، وإنما حصلت لهذه الآيات العذوبة التامة ، لما حصل لحروفها من التلاؤم ، ولحركاتها وسكناتها من الاعتدال ، ولمعانيها من حسن الاطراد والمقاصد ، لأن الحروف لو لم تتلاءم لكان يحصل للكلام بعض التنافر .
          والحركات والسكنات لو لم تعتدل لم يتم حسن النظم ، لأن كثرة الحركات توجب للكلام بعض الثقل .
          ألا ترى إلى ما روى أهل العروض في جنس البسيط ، وزعموا: أنهم لقيهم رجل فأخذوا ماله وضربوا عنقه ، كيف حصل الثقل لما كثرت حركاته ؟!
          وكثرة السكنات توجب لنسج الكلام بعض الضعف والسخافة . ولهذا صار الكلام موزونا باعتدال الحركات والسكنات ، ويتكسر البيت بخروج الحركات أو السكنات عن الاعتدال .
          وأما حسن أطوار المعاني والمقاصد فلا بد منه ، لأن موضوع العبارة إنما هو للمعنى ، فإذا لم يحسن المعنى ، كان بمنزلة تعليق الحلي على المرأة الشوهاء .
          ومن ذلك قوله عز وجل: { أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) } [النمل] ، وقوله عز وجل في أول السورة: { إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) } [النمل] . . . إلى آخر القصة .
          وعلى نحو من هذا عامة هذه السورة ، وكذلك عامة السورة التي يذكر فيها القصص بعد هذا .
          ومن ذلك قوله عز وجل: { حم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) . . . إلى قوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) . . . إلى قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) } [غافر] (1) .
          وقوله عز وجل بعد هذه الآيات: { وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) } [غافر] . . . إلى آخر القصة .
          ولو تتبعنا الآيات الجارية هذا المجرى في العذوبة ، وحسن الديباجة ، لاحتجنا أن نذكر عامة آيات القرءان ، ولكن نبهنا بما ذكرنا على ما سواه ، فتأمل - رحمك الله - مواقع هذه الألفاظ ، وحسن نظامها ، وخِفَّتها على السمع ، وقبول النفس لها ، واهتزازك لسماعها ، لتعلم حقيقة ما ذكرناه . وأنت إذا راعيت هذا الباب في عامة القرءان إذا تلوته ، تبينت صحة ما قلناه ، وظهر لك شواهده ، ووضحت دلائله .

          Comment

          • القلم الحر
            عضو
            • Nov 2004
            • 1056

            #80
            ومن كبير أقسام الفصاحة: حسن التصرف .
            وهذا الباب أيضا لا يمكن بالتعمل ، ولا يستجيب للمتكلف ، بل لا بد ل‍ه من العلوم الضرورية المعبَّر عنها بالطبع . وبهذا تفاضل الخطباء والشعراء وأصحاب الرسائل .
            وإذا تأملت تصرف القرءان في المعاني المقصودة ، عرفت أنه زائد في الحسن على تصرف جميع أقسام الكلام وأنواعه ، وشهد لك قلبك أنه ليس من كلام البشر ، لمجاوزته في الحسن جميع كلامهم ، لأنك تجد عامة كلام الناس إذا أخذوا في الاقتصاص والتصرف في المعاني المختلفة
            والأغراض المتباينة ، والمقاصد المتغايرة ، يضعف بناؤه ، ويَهِي نسجه ، ويظهر عليه الاختلال ، وحال القرءان بخلاف ذلك .
            ألا ترى إلى قوله عز وجل: { وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) } [الرعد] .
            ومعنى هذه الآية: معنى كلمي ، فإذا أردت أن تعرف حال هذا التصرف ، وشريف موقعه ، فتأمل كلام المتكلمين . هل تجد لشيء منها هذا الجنس الرابع ؟لأنه جمع فيها بين حسن المعنى وشرف الوضوح ، وجزالة اللفظ وعذوبته ، مع جمع المقاصد الكثيرة في ألفاظ يسيرة ، بحيث ربط بعضها ببعض ، وحسم عنها مطاعن المعترضين . من ذلك قوله عز وجل بعد هذه الآية: { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) } [الرعد] ، فتأمل ما جمعت هذه الآية من المعاني ، بأن ذكر جهل القوم باستعجالهم السيئة قبل الحسنة ، ثم بيَّن عز وجل أنه أنزل العذاب بمن كان قبلهم من المنحرفين عن طاعته ، المسرعين إلى معصيته ، زاجراً لهم عما هم فيه ، ومحذراً لهم عواقب مَن قبلهم .
            ثم بَيَّن لهم أنه عز وجل يغفر لعباده وإن كانوا ظالمين ، إذا تابوا وأنابوا ، وأنه عز وجل شديد العقاب ، لمن أصرَّ وأقام على ما نهي عنه . فجمع هذه المعاني وكساها حسن اللفظ ، إذ فيه ما يسميه أهل الصنعة: المطابق . لأنه ذكر الحسنة والسيئة ، والمغفرة والعقاب ، مع الجزالة والعذوبة . فهل يكون في التصرف أحسن من هذا ؟!!
            ثم تأمل من هذه السورة قوله عز وجل: { اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ (8) . . .
            إلى قوله: وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ (14) } [الرعد] ، وتأمل عامة هذه السورة وما في آياتها من حسن التصرف ، وضرب الأمثال .
            وتأمل قول الله عز وجل: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء } [النساء: 1] ، ثم تأمل آية المواريث ، فإن معناها معنى فقهي
            فانظر هل تجد ما يقارب ذلك في شيء من ألفاظ الفقهاء ؟ وإذا أردت ذلك فتأمل أقاصيص القرءان وأحكامه ، لترى من ذلك ما يبهر عقلك ، ويكشف لك أنه كلام مرتفع عن كلام البشر أجمع ، وعلى هذا تجد ما يتضمن الوعد والوعيد ، وأدلة العدل والتوحيد .
            وإذا تأملت ذلك ، فتأمل أشعار العرب من جاهلي ، أو مخضرمي ، أو إسلامي ، وتأمل أشعار المحدثين ، وتأمل الخطب المحفوظة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن أمير المؤمنين ، وسائر الصحابة ، ومن بعدهم أو قبلهم من الفصحاء ، تجد القرءان مبايناً لها ،
            مميزا بمزايا أقسام الفصاحة عليها ، فيتضح عندك أنه على ما ادعيناه في أعلى طبقات الفصاحة ، وأن من ذهب من العلماء إلى أن الاعجاز راجع إلى مجرد الفصاحة لم يبعد عن الصواب كل البعد ، وإن كان الأصح عندي على ما قدمت أنه راجع إلى النظم والفصاحة معاً .

            ومما يبين بلوغ القرءان غاية الفصاحة ، أن الشاعر ربما ضمَّن لفظة من القرءان بيتا من الشعر ، أو حشا الخطيب بها فصلا من الخطب ، أو وشَّح الكاتب بها موضعا من الرسالة ، فيتميز بحسنها عن غيرها ، ويتبين ببهجتها على ما سواها ، ويصير الموضع الذي تضمنها غرة من سائره ، وبحسنه الذي اكتسبه من تلك اللفظة ، وزبرجه الذي استعاره منها .
            ومما يبين ذلك: أن كثيرا من الفصحاء ، وُجِدَ في كلامهم كلمات فصيحة رائعة ، صارت لبلاغتها أمثالاً سائرة ، ووُجِدَ معناها في القرءان ، إلا أنك إذا تأملتها وجدت التفاهم بينها كثيرا ، وظهر لك فضل ألفاظ القرءان على تلك الألفاظ ظهوراً تاماً . فمنها ثلاث كلمات تذكر عن أمير المؤمنين إحداها : (( مَن جهل شيئا عاداه )) ، ومثله قول الله عز وجل: { وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) } [الأحقاف] ، وقوله: { بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ } [يونس: 39] .
            والثانية: (( أبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما )) وفي قريب من معناه قوله عز وجل: { عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً } [الممتحنة] .
            والثالثة: (( المرء مخبوء تحت لسانه )) ، وفي قريب من معناه قوله عز وجل: { وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ } [محمد: 30] . فتأمل التفاوت الذي بين تلك الكلمات الثلاث ، وبين ألفاظ الآيات التي ذكرناها ، يَبِنْ لك صحة ما ادعيناه .
            ومن ذلك قول الله عز وجل: { وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ } [النمل: 88] ، فانظر كم بينه وبين قول الشاعر:
            بأرعن مثل الطود تحسب أنهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج
            (النابغة )
            :
            Last edited by القلم الحر; 01-13-2011, 06:44 PM.

            Comment

            • القلم الحر
              عضو
              • Nov 2004
              • 1056

              #81
              ومن ذلك قوله عز وجل: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ } [البقرة: 179] ، وفي معناه قيل ما قدمنا ذكره: (( بعض القتل أحيا للجميع )) ، وقيل: (( القتل أفلُّ للقتل )) ، فلم تلحق واحدة من الكلمتين بشأوِ قوله عز وجل: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } .
              ومما افتخر به النابغة قوله :
              فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

              فانظر أين يقع ذلك من قوله عز وجل: { واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) } [البقرة] ، ومن قوله: { وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } [الأنعام: 13] .
              وقد ذكرنا فيما مضى ما قيل في معنى قول الله تعالى: { يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ } [المنافقون: 4] .
              وقد عُدَّ من فصيح الكلام ما حكي عن بعض المتقدمين من قوله: (( سل الأرض من شق أنهارك ، وغرس أشجارك ، فأخرج ثمارك ، فإن لم تجبك حوارا ، أجابتك اعتبارا )) . فانظر أين يقع ذلك من قول الله عز وجل: { أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) } [النمل] ؟! بل أين يقع ذلك من قوله: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ (10) رِزْقًا لِّلْعِبَادِ } [ق] ؟!
              ومن الكلام الفصيح قول الشاعر:
              بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل (حسان بن ثابت )

              لكن أين يقع ذلك من قول الله عز وجل ، حاكيا عن أهل النار: { سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ (21) } [إبراهيم] ؟!! وتتبُّعُ هذا مما يطول لكثرته . وفيما ذكرناه كفاية

              Comment

              • القلم الحر
                عضو
                • Nov 2004
                • 1056

                #82
                نختم بنماذج من فصاحة الكتاب العزيز
                1-قوله سبحانه: (وَ مِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ)
                إنّ لهذه الآية تمّيزاً ذاتياً عن كلام البشر، لا يتمارى فيه منصف، ولا يشتبه على من له ذوق في معرفة فصاحة الكلام. وذلك التميز رهن فصاحة أبنيتها،وعذوبة تركيب أحرفها، وكونها مجانبة للوحشي الغريب، وبعدها عن الركيك المسترذل، مضافاً إلى سلاسة صيغها.
                فإنّه سبحانه قال: (الجَوَار)، ولم يقل: «الفُلْك»، لما في الجَرْي من الإشارة إلى باهر القُدرة حيث أجراها بالريح، وهي أرق الأشياء وألطفها، فحرّك ما هو أثقل الأمور، وأعظمها في الجرم. (والفُلْك، وإن كان مثل الجوار في العذوبة، لكنه يفقد النكتة الّتي يشملها الآخر).
                وقال سبحانه (في البحر)، ولم يقل: «في الطمطام». ولا: «في العُباب». والكل من أسماء البحر، لأنّ البحر أسهل وأسلس، وبالتالي أعذب وأجمل.
                وقال سبحانه: (كالأعلام)، ولم يقل: «كالروابي»، ولا: «كالاكام»، إيثاراً للأخف الملتذ به، وعدولاً عن الوحشي المشترك
                2-من عجائب القرآن أنّه يعمد إلى ألفاظ ذات تركيب يغلب عليه الثقل والخشونة، فيجمعها في معرض واحد، ثم ينظم منها آياته، فإذا هي وضيئة مشرقة، متعانقة متناسقة. ومن نماذج ذلك، قوله سبحانه:
                (قَالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ)
                إسمعها، هل تجد نَْبَرةً تخدش أذنك؟. واقرأها، فهل تجد لفظاً يتعسر على شفتيك، أو يضطرب في لسانك، فيا لها من سلاسة وعذوبة واتّساق، مع أنّ فيها كلمات ثقيلة بمفردها ثقلاً واضحاً في الأذن وعلى اللسان، أعني قوله: «تالله... تفتؤا... حَرَضاً». ولكنها حين اجتمعت في نظم قرآني، خفّ ثقيلها، ولان يابسها. وسلس جامحها، وانقاد وذلّ نافرها، فإذا هي عرائس مجلوة، تختال في روض نضير. فهذه ثلاث كلمات من أثقل الكلام، قد انتظمت مع خمس كلمات أخرى، فكان من ثمانيتها عقد نظيم يقطر ملاحة وحسناً.
                3-من بدائع القرآن وغرائبه، أنّه يكرر الحرف الثقيل في آية واحدة، ولكنه يلطفه بحروف خفيفة بنحو يعلو مجموعه العذوبة والخفة، مكان الثقل والخشونة، ومن هذا النوع قوله سبحانه: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَم مِنَّا وَ بَرَكَات عَلَيْكَ وَ عَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَكَ وَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ)
                فقد جمعت هذه الآية ثمانية عشر ميماً، منثورة بين كلماتها، حتى كأنّ الآية مشكلة كلّها من ميمات، كماترى في «أمم ممن معك... وأمم سنمتعهم»، ومع هذا فإنّك إذ ترتل الآية الكريمة على الوجه الّذي يُرَتَّل به القرآن، لاتحسّ أنّ هنا حرفاً ثقيلاً قد تكرر تكراراً غير مألوف، بل تجد الآية قد توازنت كلماتها وتناغمت مقاطعها في أعدل صورة وأكملها فلا تنافر بين حرف وحرف، ولا تباغض بين كلمة وكلمة.
                ونظير هذا قوله سبحانه: (قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)
                ففي الآية عشر ميمات، قد جاءت في مطلعها، ولكنها مع ذلك كأنّها ميم واحدة، ولو أنّ حرفاً آخر دخل في نظم الآية لما انبعث منها هذا الصوت القوي المجلجل، الّذي يقتضيه المقام هنا، ولتفككت أوصال النظم وتخاذلت قواه.
                وهكذا، إنّ القاف من أثقل الحروف نطقاً، تستنفر طاقة الحلق واللسان ليشتركا في حملها وإخراجها مخرج الأصوات. ومع هذا الثقل، فقد جاءت في بعض الآيات مكررة بصورة مأنوسة لا يلتفت قارئها إلى التكرار، ولا يجد فيها الجهد والعناء.

                4-قال سبحانه: (وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)
                فقد جاء فيها أحد عشر قافاً، لو نثرت هذه القافات في كلام أبسط من هذا، لظهر عليه الثقل، ولكنها جاءت في هذه الآية من غير أن تحدث قلقاً واضطراباً. وإنّما حصل هذا، لكثرة الباءات واللامات في الآية، فإنّ الباء مخرجها الشفة، فهي أخفّ الحروف، وتليها اللام في الخفة، فإنّ مخرجها اللسان. وقد بلغت عدّة الباء أحد عشر، واللام خمس عشر، فأوجب كثرة دوران هذين الحرفين، تلطيفاً في الثقل الّذي توجبه القاف في كيان الآية.
                ومثل ذلك، قوله سبحانه: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَ قَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ وَ نَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقَ)
                فقد اجتمعت فيها عشر قافات، وتكررت فيها اللام أحد عشر مرة، فكسرت حدّة الثقل في القاف، فترى ماءَ الحُسْن يترقرق على محياها، والملاحة تقطر من جبينها
                Last edited by القلم الحر; 01-14-2011, 08:30 AM.

                Comment

                • القلم الحر
                  عضو
                  • Nov 2004
                  • 1056

                  #83
                  تم مناقشة الشبهات حول التحدى القرانى
                  و القاء ضوء على اعجاز القران فى الفصاحة بما يعقله العالمون و من ليس له قدم فى ذلك يكفيه ثبوت عجز العرب عن معارضة القران حتى آثروا المقابلة بالسيوف و ركوب الحتوف على المقاومة بالحروف
                  و اختاروا التعرض لحروب طاحنة ، وبذل أموال ، ومفارقة أوطان ، وتحمل شدائد ومكاره و لو امكنهم المعارضة بسورة واحدة لاستراحوا من كل ذلك
                  كيف و قد اصاب منهم موضع عزتهم و فخارهم اعنى البيان و الفصاحة ؟
                  و هم الاعداء الالداء و اباة الضيم الاعزاء
                  لكنهم لم يجدوا ثغرة ينفذون منها الى معارضته بل وجدوا انفسهم منه امام طود شامخ
                  فما اسطاعوا ان يظهروه و ما استطاعوا له نقبا
                  و نشير الى معنى المعارضة التى عجز عنها العرب و خصوم القران العظيم
                  المعارضة التى عرفها العرب أن الرجل إذا أنشأ خطبة أو قال شعرا ، يجي الآخر فيجاريه في لفظه ويباريه في معناه ليوازن بين الكلامين، فيحكم بالفلج على أحد الطرفين.
                  اى ان من طلب معارضة القران عليه الاتيان بكلام يتحد مع الكلام المعارض في جهة من الجهات ، أو غرض من الاغراض ، ولكنه يأتي بكلام مستقل في ألفاظه وتركيبه
                  وليس معنى المعارضة أن يقلد الكلام المعارض في تركيبه ويتصرف فيه بتبديل بعض ألفاظه ببعض ، وإلا لامكنت معارضة كل كلام بهذا النحو من المعارضة .
                  و قد ناقش العبد الفقير نموذجا لمعارضة كتبها بعض الخصوم و عليها فقس ما تراه من مهازل :

                  ( القضايا المتعلقة بالإسلام وتحدياته ووسائل نشره وتطبيقه والشبهات المثارة حوله )
                  Last edited by القلم الحر; 01-14-2011, 09:36 AM.

                  Comment

                  • القلم الحر
                    عضو
                    • Nov 2004
                    • 1056

                    #84
                    تنبيه :
                    ما ذكرناه من معنى المعارضة و التحدى ينطبق على كل سور القران الطوال منها و القصار
                    فمفاده ان البشر عاجزون عن معارضة اى سورة قرانية , بان يطلبوا الابانة عن غرضها بكلام فصيح فانهم لا يقدرون على الاتيان بافصح من تلك السورة بذاك النظم
                    Last edited by القلم الحر; 01-14-2011, 10:24 AM.

                    Comment

                    • القلم الحر
                      عضو
                      • Nov 2004
                      • 1056

                      #85
                      لا يفوتنى التنبيه على اهمية كتاب " النبأ العظيم " للعلامة محمد عبد الله دراز ففيه بغية الرائد و ضالة الناشد
                      و الكتاب متوفر على الشبكة ادعو الجميع لتحميله

                      و من درره فى الحديث عن " الايجاز " الذى سبق تناوله :
                      ان القران يستثمر دائما برفق اقل ما يمكن من لفظ فى توليد اكثر ما يمكن من المعانى
                      اجل تلك ظاهرة بارزة فيه كله
                      يستوى فيها مواضع اجماله التى يسميها الناس مقام الايجاز و مواضع تفصيله التى يسمونها مقام الاطناب و لذلك نسمية ايجازا كله
                      لاننا نراه فى كلا المقامين لا يجاوز سبيل القصد و لا يميل الى الاسراف ميلا ما , و نرى ان مراميه فى كلا المققامين لا يمكن تاديتها كاملة العناصر و الحلى باقل من الفاظه و لا بما يساويها
                      فليس فيه كلمة الا هى مفتاح لفائدة جليلة ,و ليس فيه حرف الا جاء لمعنى "
                      بعد ان اشار الى ان من خصائص القران فى قطعة قطعة منه : القصد فى اللفظ و الوفاء بحق المعنى , فى خصائص اخرى شرحها
                      و من درره :
                      الجديد فى لغة القران انه فى ىء يتناوله من شئون القول يتخير له اشرف المواد و امسها رحما بالمعنى المراد و اجمعها للشوارد و اقبلها للامتزاج , و يضع كل مثقال ذرة فى موضعها الذى هو احق بها : بحيث لا يجد اللفظ فى معناه الا مراته الناصعة و لا يجد اللفظ فى معناه الا وطنه الامين "
                      فهذا غيض من فيض النبا العظيم


                      ملحوظة :
                      يثير بعض اشباه العجم شبهات لغوية حول الكتاب المعجز و مطاعن على روعة فصاحته المعجزة, و ما هى عند العارفين بلسان العرب الا كصرير باب او طنين ذباب
                      و من يك ذا فم مر مريض * يجد مرا به العسل الرضابا
                      ومن اجود ما فى تفنيد تلك الشبهات و امثالها : كتاب "عصمة القران الكريم " للدكتورابراهيم عوض حفظه الله
                      و مما انتقد على الكتاب العزيز ما يسمونه التكرار , و ليس فى الكتاب العزيز تكرار - لمن تدبره - بل هو كما قال تعالى "متشابه مثانى "و المثانى على قول من التثنية , فقد تقرا السورة و السورة فتجد تشابها لكنك لا تلبث ان تجد نفسك امام شىء جديد فانت من تصريف السور فى الغرض الواحد فى استمرار و فى تجدد معا يذكرك بقوله تعالى"كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً "
                      فاللون واحد و الطعم مختلف " يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ "

                      و يكفى ردا قول الخصم معروف الرصافى:
                      (و من العجيب الذى ما فوقه عجب ان القران بتاثيره على نفوس قارئيه و سامعيه مدين لهذا التكرار , فليس من السهل و لا من المتعارف عند اولى البيان ان يكرر كتاب هذا التكرار ,فيخرج منه سليما غير معيب الا القران )

                      و كلامه اقرار بأن فى القران شىء ليس بمقدور البشر الذين عبر عنهم باولى البيان

                      Comment

                      • القلم الحر
                        عضو
                        • Nov 2004
                        • 1056

                        #86
                        هل هناك ادلة تنفى نبوة محمد ؟
                        لقد تقرر عند العقلاء ان اليقينيات لا تتعارض
                        و ما تقدم يثبت نبوة محمد صلى الله عليه و اله و سلم- يقينا
                        و اليقين لا ينقض بالشك وهذا حكم العقل المجرد ، لأن قيمة العلم ذاتية ، وحتى من يقول بأن قيمة العلم عارضة فلا يستطع أن ينقض اليقين بالشك. فإن أدلة الإثبات إذا أوجدت يقينا فلن تستطيع أن تنفيها بالشك والاحتمالات، ولا ينقض اليقين إلا اليقين.
                        و العرش قبل النقش .
                        فالملحد لا معنى لنقاشه امر النبوة لانه لا يؤمن باله اصلا حتى يناقش فى ثبوت نبوة انبياء الله فهل هو مجنون ليبحث عن رسولٍ لمرسِلٍ غير موجود عنده؟
                        و اللادينى المؤمن باله لا يتصل بخلقه يثبت الها مجردا من الحكمة
                        لان الحكمة تقتضى بعثة الانبياء الى البشر
                        فالبشر محتاجون إلى التكليف في طريق تكاملهم ، فإذا لم يكلفهم الله سبحانه ، فإما أن يكون ذلك لعدم علمه بحاجتهم إلى التكليف ، وهذا جهل يتنزه عنه الحق تعالى ، وإما لان الله أراد حجبهم عن الوصول إلى كمالاتهم ، وهذا بخل يستحيل على الجواد المطلق ، وإما لانه أراد تكليفهم فلم يمكنه ذلك ،
                        وهو عجز يمتنع على القادر المطلق ، وإذن فلا بد من تكليف البشر ، ومن الضروري أن التكليف يحتاج إلى مبلغ من نوع البشر يوقفهم على خفي التكليف وجليه
                        كما ان الإنسان «مدني بالطبع و الحياة الإِجتماعية رهن القانون و يجب ان يكون المقنّن عارفاً بالإنسان عرفاناً كاملاً، واقفا على زوايا روحه وأعماق ضميره وخصوصيات بدنه وطاقاته، وما يرجع إليه بالصلاح أو الفساد
                        و الا يكون المقنِّن منتفعاً بالقانون وهذا الشرط بديهي
                        و يضاف لما سبق :إصلاح الباطن فللعقيدة دورها وأثرها في اختيار الفعل وانتخابه وكلُّ ما يصدر من الإنسان من فعل أو ترك فهو وليد عقيدته وتفكيره فالمؤمن بالله وشرائعه يسعى للإتيان بأعمال يرضي بها ربَّه، كما أنّ الملحد والكافر به وبشرائعه يسعى إلى الأعمال الّتي فيها رضى غرائزه ومتطلبات نفسه.
                        فالضمان الكامل لإجراء القانون لا يتحقق إلا بتوجه المقنن إلى إصلاح الباطن مع إصلاح الظاهر، ولا يكون نظره محصوراً بوضع الضوابط الماديَّة الجافّة

                        هذه أبرز الجهات الوافية بكمال القانون فهلمّ نرى أين تتحقق هذه الشرائط، وعند مَنْ؟.
                        أما الشرط الأول، فإنا لن نجد في صفحة الوجود موجوداً أعرف بالإنسان من خالقه، فإن صانع المصنوع أعرف به من غيره. يقول سبحانه: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبيرُ)(.
                        واما الشرط الثاني، فلن نجد أيضا موجوداً مجرداً عن أي فقر وحاجة وانتفاع سواه سبحانه، ووجه ذلك أن الإنسان مجبول على حب الذات، فهو مهما جردّ نفسه من تبعات غرائزه، لن يستطيع التخلص من هذه النزعة، وإلا لزم أن ينسى نفسه، ويَخْرُجَ بالتالي من عداد البشر.
                        وأما الشرط الثالث، أي تشريع القانون على صرح الإيمان والإعتقاد بصحة التشريع، فلن نجده أيضاً في غيره سبحانه، لأنه يدعو إلى ربوبية نفسه وعبوديّة غيره، ويبين للناس أن صلاحهم في إطاعته وشقاءهم في مخالفته وبهذا يسري قانونُه وتشريعُه في الحياة والمجتمعات البشرية سريان الماء في الشجر والنبات، ويكون مضمون الإجراء والتطبيق
                        فمن يثبت الها لا يكلف البشر و يتصل بهم فقد جرد الخالق من الحكمة
                        و على هذا الاساس تنهار شبهات اللادينيين لان مدار اغلبها على ادعاء مخالفة الرسالة او الرسول للحكمة و العدل /وهم لا يؤمنون باله حكيم اصلا فاى قيمة لاشكالاتهم و هم غارقون فى وحل الجهالة و التناقض الفكرى
                        لذا نقول ان النقاش مع هؤلاء يكون في المقدمات لا الموضوعات،


                        و حجة الاسلام اوضح من الشمس فى رائعة النهار لا يطفىء نوره شبهات الخفافيش فكلها تحت قدم الحجة و البرهان
                        و نضرب مثالا لشبهات هؤلاء المتناقضين
                        الشهوانية / يثير الخصوم شبهات حول زيجات النبى و يشنعون
                        لكن تامل حقيقة مدهشة هى ان هؤلاء المشنعين لا يوجد اى مانع لديهم ان ينكحوا امهاتهم طالما انه بالتراضى !
                        - فمن يقبل هذا كيف يستشنع شيئا لولا الحقد و العمى؟
                        و من قرأ حياته صلى الله عليه و اله وهو في شرخ شبابه إلى ان ذرّف العقد السادس من عمره الشريف يقف، على أنّه كان بعيداً عن أيّ عمل يمت إلى ذلك بصلة.

                        «فهو قد تزوج خديجة وهو في الثالثة والعشرين من عمره وهو في شرخ الصبا، وريعان الفتوة، ووسامة الطلعة، وجمال القسمات وكمال الرجولية، ومع ذلك ظلَّت خديجة وحدها زوجه ثماني وعشرين سنة حتى تخطّى الخمسين، هذا على حين كان تعدد الزوجات أمراً شائعاً بين العرب في ذلك العهد وعلى حين كان لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مندوحة في التزويج على خديجة أن لم يعش له منها ذَكَر، في وقت كان تُوأد فيه البنات، وكان الذكور وحدهم هم الذين يعتبرون خلفاً وقد ظل النبي مع خديجة سبع عشرة سنة قبل بعثه وإحدى عشرة سنة بعده وهو لا يفكر قط في أن يُشرك معها غيرها في فراشه، ولم يعرف عنه في حياة خديجة ولم يعرف عنه قبل زواجه منها، انّه كان ممن تغريهم مَفاتن النساء، في وقت لم يكن فيه على النساء حجاب بل كانت النساء يتبرجنَّ فيه ويبدينّ من زينتهنّ ما حرّم الاِسلام من بعد».

                        فمن غير الطبيعي ان تراه وقد تخطى الخمسين ينقلب فجأة هذا الانقلاب ..

                        وأمّا تعدد زوجاته ونسائه، فمن قرأ صفحات تاريخه يقف على أنّه كان لاَجل غايات سياسية أو اجتماعية أو ما يشبههما.

                        مثلاً انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يشرك مع خديجة أحداً مدى 28 سنة، فلمّا قبضها اللّه إليه تزوج سودة بنت زمعة أرملة السكران بن عمرو بن عبد شمس، ولم يرو راو انّ سودة كانت من الجمال أو من الثروة أو من المكانة بما يجعل لمطمع من مطامع الدنيا أثراً في زواجه بها، إنّما كانت سودة زوجاً لرجل من السابقين إلى الاِسلام الذين احتملوا في سبيله الاَذى والذين هاجروا إلى الحبشة بعد ان أمرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالهجرة وراء البحر إليها، وقد أسلمت سودة وهاجرت معه وعانت من المشاق ما عانى، ولقيت من الاَذى مالقي، فإذا تزوّجها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ذلك ليعولها وليرتفع بمكانتها إلى أُمومة الموَمنين، فذلك أمر يستحق من أجله أسمى التقدير وأجلَّ الحمد.)
                        فاغلب زيجاته فرضت عليه لاعتبارات انسانية سامية مثل مواساة وتشريف زوجة شهيد أو مهاجر مات بين اصحابه في هجرته

                        أو توثيق بعض الروابط القبلية بين القبائل التي تعاهد معها

                        أو ايجاد جو مناسب لعتق اسرى قبيلة باكملها _ وقد كانوا بالفعل في ايدى المسلمين واعتقهم المسلمون في الحال نظرا لقرابتهم الجديدة بالرسول ..

                        هذا مع ملاحظة اعباءه وهمومه المختلفة مثل :
                        اقامة الصلوات الخمس من الفجر حتى العشاء،
                        وتعليم القرآن،
                        وتوزيع الصدقات العامة،
                        والفصل في المنازعات،
                        ومقابلة الوفود، ومراسلة الملوك،
                        وقيادة المعارك العسكرية،
                        وسن التشريع، وتاسيس الدولة ..

                        و باختصار العناية بكل شيء وبكل الناس ثم بعد ذلك قيام الليل راكعا أو ساجدا أو قائما

                        كل هذا يدعونا إلى القطع بان الباعث الحقيقى على الزواج هو شيء آخر بعيد كل البعد عن ارضاء الغريزة

                        مثال اخر
                        يثيرون ايضا شبهة الدموية و نحوه و نقول :
                        ان من لا يؤمن بحكمة الاله كيف يعتبر اى تصرف غير حكيم من مدعى نبوة دليلا على انه ليس نبى ؟

                        الا يعقلون ؟

                        و الحق ان القرآن الكريم ينهى عن إهلاك الحرث والنسل
                        قال تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الاَْرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ)
                        كماان الإسلام كرّم بني آدم
                        فالأصل الأوّلي في الإنسان عموماً ، هو أن يكون مكرّماً ، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}، وهذا يشمل المسلمين وغير المسلمين ، هذا هو الأصل الأوّلي ، فاى انسان كما نقل عن الامام على "إمّا أخ لك في الدين ، أو نظير لك في الخلق" والجهاد فى الاسلام اما: دفاعي او ابتداءا ، والجهاد الدفاعي ، هو استخدام لغة القوّة ردّاً على استخدام العدو للغة القوّة ، أمّا الجهاد ابتداءا فهو جهاد دفاعي أيضاً مع فارق أنّ فيه مبادرة باستخدام القوّة العسكرية مع وجود الغطاء الحقوقي ، وبالتالي يكون جهاداً دفاعياً في المصطلح الحقوقي لا الفقهى
                        و من عد من قتل من المشركين فى معارك النبى يدهشه قلتهم
                        و كما يقول الشيخ محمد الغزالى : (ان أشرف قتال وقع على ظهر الأرض هو القتال الذى خاضه محمد وأصحابه ..ولقد شعرت بشىء غير قليل من الضيق وأنا أقرأ قول الكاتب الأسيوطى “ توفى محمد عن ثلاث وستين سنة بعدما رفرفت راية التوحيد وطهرت الأرض من الوثنية فى أعقاب غزوات ضارية، متعددة بلغت تسع عشرة غزوة هى على التوالى: العشيرة، بدر، أحد، الرجيع، رعل وذكوان، الخندق، بنو قريظة، ذات الرقاع، بنو المصطلق، الحديبية، خيبر، مؤتة، تبوك، الفتح، حنين، الطائف، ذات السلاسل، سيف البحر “ .
                        وبغض النظر عن الترتيب التاريخى، ما رأى القارئ إذا قلت له: إن عشراً منها على الأقل لم يقتل فيها أكثر من عشرة أشخاص هم مجموع خسائر المشركين !!!
                        وأن جملة الوثنيين فى شتى المعارك الكبرى تتجاوز المائتين قليلاً .
                        هذه هى الغزوات الضارية خسائرها الحربية عشر، بل نصف عشر الفتنة التى وقعت بين الكاثوليك والبروتستانت فى عيد “ سان بارتلميو “ !! .))

                        الرق
                        و يثيرون شبهة الرق , مع من اعظم مزايا الاسلام انه شجع على تحرير العبيد !
                        وقد وردت الكثير من النصوص الشرعية عند المسلمين ترغّب الإنسان في تحرير العبيد بالثواب الجزيل كما أنّ التشريع الإسلامي جعل بعض الكفارات عتق رقبة عبد ، بل الكثير من الكفارات لا تقع إلاّ بتحرير رقبة لأجل تطويق ظاهرة الرق ، كما أنّ الإسلام قد حثّ على معاملة العبيد بالرفق والحسنى
                        إذن الإسلام كان عنده برنامج للقضاء على هذه الظاهرة ، قد تحمل لون العقوبة في الكفارة على الشخص المخالف للحكم الشرعي ، ولكنّها تحمل في طرفها الآخر تحرير للعبد ، كما أنّ التشريع قد أوجب على السيد الذي يملك الأسير نفقته وضمانه الصحي وضمانه الاجتماعي ومسؤوليته الجنائية ، وسيتحمّل الكثير من أجل أن يبقى هذا العبد تحت عهدته .
                        و القضاء الفورى على الظاهرة مما يقوله السطحيون لأن هناك إقطاعيات كبرى فيها عبيد يمكن أن يكونوا هم أنفسهم اكبر خطر على من يريد تحريرهم. كما حدث لأمريكا وأوربا فقد طافت البلدان معارك عظمى في سبيل تحرير العبيد. قام بها العبيد انفسهم بسبب تجييش ملاكهم لهم.
                        و لم يسترق المسلمون في حروبهم إلا بالمعاهدة
                        والاسترقاق له شروط منها انه حكم مثلي أي المقابلة بالمثل. أي اسر من كان في المعركة من رجال ونساء محاربين وليس هو الهجوم على الآمنين وأسرهم في منازلهم،

                        لكن ما اهمية هذا الرد طالما ان من يثير الاشكال لا يؤمن باله حكيم اصلا ؟
                        و لو اثبت حكمة الخالق لزمه كما سبق اثبات وجود انبياء و لن يجد نبيا كمحمد

                        و من تناقضهم انكارهم معجزات النبى رغم شهرة كثير منها كما سبق بيانه ,و احتجاجهم باحاديث احاد مع تجاهل ما فى كتب الحديث من معجزات النبى و دلائل صدقه و اذا نوقشوا فيه قالوا انها من وضع المسلمين مع ان المنطق ان من يروى ما ظاهره ضد دينه فانه لا يكذب نصرة لدينه ,بل كان عليه كتم ما يحتج به الخصم
                        و تراهم يلغطون حول الزواج من زينب بنت جحش و تحريم التبنى سعيا لاثبات ان النبى كان يشرع لمصلحته , و يقال لهم اذا كان هو مؤلف الوحى فلماذا اذن ايات التشديد للتكليف ؟
                        لماذا الف سورة المزمل فارضا على نفسه قيام نصف الليل حتى تتورم قدماه ؟
                        هل هذا العابد الطاهر هو من تشككون فى صدقه ؟
                        بقى ما يثار من دعاوى اخطاء او تناقضات فى القران و كلها لا تصمد امام النقد العلمى , و قد اثبتنا اعجازه بما يكفى العاقل المنصف
                        و فى ما تقدم ناقشنا شبهات اخرى و لا يعنينا تتبع كل اشكال يثيره الحاقدون او الجهال بعد ما ثبت يقينا نبوة ابى الزهراء
                        فلا يوجد دليل حقيقى ينفى النبوة المحمدية و يصلح لمناهضة ادلتها القاطعة
                        Last edited by القلم الحر; 01-17-2011, 02:10 AM.

                        Comment

                        • القلم الحر
                          عضو
                          • Nov 2004
                          • 1056

                          #87
                          اشرنا الى الفرق المهم بين المؤمنين و بين اللادينيين و هو نفى اللادينية لحكمة الخالق و ذكرنا ادلة على لزوم بعثة الانبياء و تنافى عدم البعثة مع الحكمة ,
                          فان نفى التكليف الالهى و بعثة الانبياء يعنى ان الخالق اوجد البشر عبثا بلا غاية او غرض

                          و البشر كما مر فى حاجة للتكليف و فى حاجة إلى القانون الكامل الذى بينا انه لا بد ان يكون من عند الخالق,و نضيف ان البشر ايضا فى حاجة الى المعرفة
                          فتامل قصور العلم البشري في العلوم الالهية، فان هناك الملايين من البشر يقطنون بلدان جنوب شرق آسيا على مستوى راق في الصناعات والعلوم الطبيعية، إلى حد أوقعوا العالم في إسارة استهلاك مصنوعاتهم، ومع ذلك فهم في الدرجة السفلى في المعارف الالهية. فجلّهم ـ إن لم يكن كلّهم ـ عبّاد الأصنام والأوثان، وأسراء الأحجار والاخشاب.

                          وقد بلغ الحد في بلاد اليابان أن جعلوا لكل حادثة ربّاً، حتى أن هناك رباً باسم «رب الزواج»، يتوسل إليه البنات الذين تأخروا في الزواج، ليؤمن لهم الأزواج المناسبين.

                          وببابك بلاد الهند الشاسعة، وما يعتقده مئات الملايين من أهلها من قداسة وتأله في «البقر». وليست بعيدة عنّا أيام أصاب الجوع تلك البلاد، وأصدر المجلس العام إجازة بذبح قسم من الأبقار لسدّ الجوع ورفع الموت عن أبناء الشعب، فقد ثارت ثائرة الجماهير إلى الحدّ الّذي أجبر الحكومة على إلغاء القانون. فرضوا أنه يموت الإنسان بجوعه، ويعيش البقر بأطيب عيشه، يأكل محاصيلهم ويتلف ممتلكاتهم.

                          فإذا كان هذا هو حال المعارف الإلهية في عصر الفضاء والذرة، وبعد ما جاءت الرسل تترى لهداية البشر، فما هو حالها في غابر القرون والأزمان؟!. بل بأي صورة ياترى كان وضعنا الان لولا الهداية الإلهية عن طريق الرسل؟!.

                          نعم، هناك نوابغ في التاريخ عرفوا الحق وتعرفوا عليه عن طريق التفكير والتعقل، كسقراط وأفلاطون وأرسطو. ولكنهم أُناس استثنائيون، لا يعدون معياراً في البحث، ولا ميزاناً في نفي لزوم البعثة،. وكونهم عارفين بالتوحيد، لا يكون دليلاً على مقدرة الآخرين عليه. على أنه من المحتمل جداً أن يكون وقوفهم على هذه المعارف في ظل ما وصل اليهم من التعاليم السماوية عن طريق رسله سبحانه وأنبيائه.

                          اضف اليه قصور العلم الإنساني عن تشخيص منافع البشر والمجتمعات ومضارّها، ويدل على ذلك: أولاً ـ إن المجتمع الإنساني ـ مع ما بلغه من الغرور العلمي ـ لم يقف بعد على ألفباء الأقتصاد. فقد انقسم العالم الحديث إلى طائفتين: واحدة تزعم أن سعادة البشرية في نظام الرأسمالية والإقتصاد الحر المطلق، وانه هو العامل الوحيد لرفاه المجتمعات وتفجّر الطاقات. والأخرى تدّعي أنّ سعادة البشر في النظام الاشتراكي بدءً والشيوعي غايةً، فالسعادة كلها في سلب الملكية عن أدوات الإنتاج وتفويضها إلى الدولة الحاكمة.

                          فلو كان الإنسان قادراً بحق على تشخيص المصالح والمفاسد، وما ينفعه وما يضره، لما حصل هذا الإختلاف، الّذي انجر إلى انقسام خطير بين دول العالم.

                          وكما أن الإنسان لم يصل إلى النظام الاقتصادي النافع له، فهو كذلك لم يصل إلى وفاق في مجال الأخلاق وقد تعددت المناهج الأخلاقية في العصر الأخير إلى حد التضاد فيما بينها.
                          و قد جاء في الكتاب العزيز إشارة إلى هذا الدليل نذكر منها:

                          قوله سبحانه: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيَما اخْتَلَفُوا فِيهِ...)

                          فإن الاختلاف ـ إن كان عن نوايا صادقة ـ آية عجز البشر عن الوصول إلى الحقيقة.

                          بعثة الأنبياء أولى من الكماليات

                          يعتمد هذا الدليل بنحو رئيسي على مشاهدة النعم الّتي أودعها الخالق في وجود الإنسان وما يحيط به ليُسهِّل عليه معيشتَه وتكاملَه في الحياة. وليست كلّ هذه النعم دخيلة في ضروريات حياته، بحيث ينعدم وجوده بدونها، بل إن كثيراً منها ممّا يدخل في الكماليات، وتسهيل مجاري الحياة. وكثير من هذه الكماليات أُمور جزئية بسيطة لا يلتفت إليها الإنسان إلا بالتأمل والتدبّر. ولأجل زيادة التوضيح نمثِّل ببعض الأَجهزة في بدن الإنسان.

                          إن الصانع الحكيم جهّز العين بأجهزة مختلفة، منها ما هو دخيل في أصل تحقق الرؤية، ومنها ما هو دخيل في سهولتها وتيسرها.

                          1 ـ فجعل العين في أعلى أجزاء بدن الإنسان حتى يتسلط بنحو كامل على ما أمامه .

                          2 ـ وجعل العين بمختلف طبقاتها في إطار جسم شحمي صلب أبيض اللون، حفظاً لها ممّا قد يصيبها.

                          3 ـ وجعل العين بإطارها وجميع طبقاتها في حفرة عظمية، زيادة في صيانتها من الصدمات الطارئة.

                          4 ـ وجعل فوق العين حاجباً يمنع من نزول العرق إليها، وأوجد في ناصية الإنسان خطوطاً ليسهل إنحراف العرق يميناً ويساراً.

                          5 ـ وجعل لكل عين جفنين حافظين لها، وخلق فيهما أشفاراً وأهداباً، صيانة لها عن الدخان والأغبرة. وهما، مع أنهما يمنعان بضمهما دخولَ ما يؤذي العين، لكنهما لا يمنعان من الرؤية. فهما في هذا المجال أشبه بالستائر الحيديديّة تسمح للنور بالدخول من دون دخول أشعة الشمس.

                          6 ـ وجعل في باطن كل جفن غدداً يترشح منها سائل لزج يصون أنسجة العين من الإحتكاك بما يحيطها، ويسهل دوران كرة العين في جميع الجهات.

                          7 ـ وأحاط عدسية العين بمجموعة من الأنسجة العضلية، تجعلها تنقبض أمام الأَنوار القوية وتنبسط أمام الضعيفة منها، صيانة للعين عن دخول أزيد ممّا تتحمله أو أقل ممّا تحتاج إليه من النور.

                          هذا بعض يسير ممّا يرجع إلى العين، وفي الأجهزة الأُخرى بدائع وفوائد لا تحصى نذكر نذراً منها:

                          إنّ يد الخلقة جعلت تحت قدم الإنسان، أخمصاً حتى يَسْهُل عليه الوقوف والسير .

                          وجعلت في اليد أصابع، ثم فاوتت بينهما في الطول، ليسهل على الإنسان القيام بأعماله، وليكون بذلك صانعاً فناناً مبدعاً.

                          وجعلت في بواطن الأنامل خطوطاً وتعاريج ليسهل عليه الإمساك بالأجسام.

                          وهكذا إذا درسنا خلقة الإنسان وجدنا أنها مشتملة على أجهزة مختلفة بين دخيلة في أصل الحياة ودخيلة في كمالها وسهولتها. وكل ذلك يدفعنا إلى التساؤل: هل يمكن لخالق الإنسان أن يسهَل له كل طرق التكامل الظاهرية، ثم يترك ما هو دخيل في تكامله الروحي والمعنوي؟.

                          اضف اليه ان مجموع حمل كل شىء لقانون ربانى و اختصاص الانسان بظاهرة الاختيار يوجب: بعثة انبياء الى البشر و فيه نفى العبث عن الخالق
                          و تفصيل ذلك ان كلّ شيء في هذا الكون الواسع يحمل معه قانونه الربّاني الصارم، الذي يوجّهه ويرتفع به مدى ما يتاح له من ارتفاع وتطوّر، فالبذرة يتحكّم فيها قانونها الذي يحوّلها ضمن شروط معينة إلى شجرة، والنطفة يتحكّم فيها قانونها الذي يطوّرها إلى إنسان، وكلّ شيء من الشمس إلى البروتون، ومن الكواكب السيّارة في مدار الشمس إلى الألكترونات السيّارة في مدار البروتون يسير وفق خطّة، ويتطور وفق إمكاناته الخاصّة.

                          وهذا التنظيم الربّاني الشامل امتدّ ـ بحكم الاستقراء العلمي ـ إلى كلّ جوانب الكون وظواهره.

                          وقد تكون أهمّ ظاهرة في الكون هي ظاهرة الاختيار لدى الإنسان، فإنّ الإنسان كائن مختار، ويعني ذلك أ نّه كائن هادف، أي يعمل من أجل هدف يتوخّى تحقيقه بذلك العمل، فهو يحفر الأرض من أجل أن يستخرج ماءً، ويَطهى الطعام من أجل أن يأكل طعاماً لذيذاً، ويجرّب ظاهرةً طبيعيةً من أجل أن يتعرّف على قانونها، وهكذا، بينما الكائنات الطبيعية البحتة تعمل من أجل أهداف مرسومة من قبل واضع الخطّة، لا من أجل أهداف تعيشها هي وتتوخّى تحقيقها.

                          فالرئة والمعدة والأعصاب في ممارسة وظائفها الفيسيولوجية تعمل عملا
                          هادفاً، ولكنّ الهدف هنا لا تعيشه هي من خلال نشاطها الطبيعي والفيسيولوجي الخاصّ، وإنّما هو هدف الصانع الخبير ; ولمّا كان الإنسان كائناً هادفاً ترتبط مواقفه العملية بأهداف يعيها ويتصرّف بموجبها، فهذا يفترض ضمناً أنّ الإنسان في مواقفه العملية هذه ليس مسيّراً وفق قانون طبيعيّ صارم، كما تسقط قطرة المطر في مسار محدّد وفقاً لقانون الجاذبية ; لأ نّه في حالة من هذا القبيل لا يمكن أن يكون هادفاً، أي يعمل من أجل هدف يعيش في داخل نفسه.

                          فلكي يكون الإنسان هادفاً لابدّ أن يكون حرّاً في التصرّف ; ليتاح له أن يتصرّف وفقاً لما تنشأ في نفسه من أهداف، فالترابط بين المواقف العملية والأهداف هو القانون الذي ينظّم ظاهرة الاختيار لدى الإنسان.

                          كما أنّ الهدف بدوره لا يتواجد بصورة عشوائية، فإنّ كلّ إنسان يحدّد أهدافه وفقاً لما تتطلّبه مصلحته وذاته من حاجات، وهذه الحاجات تحدّدها البيئة والظروف الموضوعية التي تحيط بالإنسان، غير أنّ هذه الظروف الموضوعية لا تحرّك الإنسان مباشرةً كما تحرك العاصفة أوراق الشجر ; لأنّ هذا يعطّل دوره ككائن هادف، فلابدّ للظروف الموضوعية إذن من تحريك الإنسان عن طريق الإثارة والإيحاء بتبنّي أهداف معيّنة، وهذه الإثارة ترتبط بإدراك الإنسان للمصلحة في موقف عمليّ معيّن، ولكن ليست كلّ مصلحة تحقّق إثارةً للفرد، وإنّما تحقّقها تلك المصالح التي يدرك الفرد أ نّها مصالح له بالذات.

                          وذلك أنّ المصالح على قسمين : فهناك مصالح على خطٍّ قصير تعود بالنفع غالباً على الفرد الهادف العامل نفسه، ومصالح على خطّ طويل تعود بالنفع على الجماعة، وكثيراً ما تتعارض مصالح الفرد ومصالح الجماعة، وهكذا نلاحظ من ناحية أنّ الإنسان غالباً لا يتحرك من أجل المصلحة لقيمها الإيجابية، بل بقدر ما تحقّق له من نفع خاصّ، ونلاحظ من ناحية اُخرى أنّ خلق الظروف
                          الموضوعية لضمان تحرك الإنسان وفق مصالح الجماعة شرط ضروري لاستقراء الحياة ونجاحها على الخطّ الطويل، وعلى هذا الأساس واجه الانسان تناقضاً بين ما تفرضه سنّة الحياة واستقرارها من سلوك موضوعيّ واهتمام بمصالح الجماعة، وما تدعو إليه نوازع الفرد واهتمامه بشخصه من سلوك ذاتيّ واهتمام بالمنافع الآنيّة الشخصية.

                          وكان لابدّ من صيغة تحلّ هذا التناقض وتخلق تلك الظروف الموضوعية التي تدعو إلى تحرّك الإنسان وفق مصالح الجماعة.

                          والنبوّة بوصفها ظاهرةً ربّانيةً في حياة الإنسان هي القانون الذي وضع صيغة الحلّ هذه، بتحويل مصالح الجماعة وكلّ المصالح الكبرى التي تتجاوز الخطّ القصير لحياة الإنسان إلى مصالح للفرد على خطّه الطويل ; وذلك عن طريق إشعاره بالامتداد بعد الموت، والانتقال إلى ساحة العدل والجزاء التي يحشر الناس فيها لِيُرَوا أعمالهم : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شرّاً يَرَهُ) ; وبذلك تعود مصالح الجماعة مصالحَ للفرد نفسه على هذا الخطّ الطويل.

                          وصيغة الحلّ هذه تتأ لّف من نظرية وممارسة تربوية معيّنة للإنسان على أساسها، والنظرية هي المعاد يوم القيامة، والممارسة التربوية على هذه النظرية عملية قيادية ربّانية، ولا يمكن إلاّ أن تكون ربانيةً ; لأ نّها عملية تعتمد على اليوم الآخر، أي على الغيب، فلا توجد إلاّ بوحي السماء، وهي النبوّة.

                          ومن هنا كانت النبوّة والمعاد واجهتين لصيغة واحدة، هي الحلّ الوحيد لذلك التناقض الشامل في حياة الإنسان، وتشكّل الشرط الأساسي لتنمية ظاهرة الاختيار وتطويرها في خدمة المصالح الحقيقية للإنسان.
                          و دون واجهتى بعثة الانبياء و المعاد /يلزم عبث الخالق سبحانه فى منحه الاختيار للبشر و خلقه لتناقض بلا حل
                          بل النبوة قانون ربانى لا بد منه تماما ككل قانون اوجده الله لكل شىء فى الكون
                          الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى

                          لذا تصرح بعض الآيات القرانية بأنه لو لم تكن القيامة لكان الخلق عبثاً، وهذا يعني أنها جعلت بمنزلة الغاية. وقد تكرر هذا المفهوم في القرآن الكريم كثيراً. {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون}(المؤمنون/115).

                          والعبث يطلق على الشيء الذي لا غاية حقيقية له، وهو يأتي في قبال الحكمة.
                          Last edited by القلم الحر; 01-17-2011, 11:14 AM.

                          Comment

                          • القلم الحر
                            عضو
                            • Nov 2004
                            • 1056

                            #88
                            مما ينبغى الحاقه ببحث اعجاز القران البيانى رؤية الدكتور عبد الصبور شاهين :
                            حيث التفت الى وجه اعجاز فى اللفظ القرانى كان جديرا بان تخرس امامه السنة العرب
                            يقول رحمه الله :

                            " فان تفسير النصوص الادبية يتم عبر الاجيال بطريقة واحدة هي دراسة دلالات الالفاظ ومتابعة المعنى التركيبى المتالف من معاني المفردات في سياقاتها، وتعتبر المعاجم القديمة مصادر لمعرفة المعانى القديمة وليس من المنطق تفسير بيت قديم شعرى بحمل الفاظه على معان محدثة

                            لكن القرآن يخرج تماما عن هذه القاعدة، حيث تتسع الفاظه للمعانى المحدثة في حالات كثيرة ولا سيما " الالفاظ المفاتيح " والتي تتصل بمعانى الصفات الالهية، والغيب، والعلم الالهى، والموجودات الكونية التي اثبت القرآن وجودها، بل وكثير من الالفاظ الأخرى

                            و من امثلة ذلك كل صفات الله في القرآن، ومن امثلته الفاظ الملك والجن والسماء والعرش والكرسي واللوح والقلم

                            و من امثلته الفاظ الجنة والنار، والحساب والصراط والكتاب والقيامة

                            فكلها الفاظ عربية دات مدلول لغوى محدد، ولكن مدلوها القرآني غير محدد

                            اى اننا نعرف مبتداها ولكنا لا نعرف منتهاها

                            و نرى ان اللفظ يبدا في لسان العرب قبل الاسلام محدود الدلالة، فاذا هو معنى متراحب لا يطيق العقل ان يدركه أو يحدد دلالته في لغة القرآن

                            و كمثال لفظ " القلم "

                            قد كانت لاهل الجاهلية اقلام يستخدمونها في الكتابة ويتخذونها من اعواد النبات، لا يتعدى لفظ القلم هذا المدلول المادى الضئيل

                            و مع ذلك نجد ان القرآن في الآيات الاولى يذكر " القلم " مرتين، مرة في سورة العلق " الذي علم بالقلم "، وبعدها مباشرة في سورة القلم :"ن والقلم وما يسطرون "

                            و المقصود في بالكلمة في الآية الثانية هو المعنى الاصلى الحقيقى، نظرا لارتباطه بما يستخدم فيه على أيديهم " وما يسطرون "

                            و لكن المقصود في الآية الاولى متصل بعلم الله الذي يفيضه على الإنسان

                            فالقلم هنا هو ذلك الوجود المخلوق الذي يسجل كل شيء، والذي علم الله به الإنسان ما لم يعلم

                            و بين المعنى الاصلى والمعنى القرآني مسافة تنتهى إلى المجهول

                            فهو بلا شك البعد الالهى في الدلالة، وهو بعد لا نهائى، على شكل المخروط الذي يبدا بنقطة وينتهى إلى علم الله اللامحدود )


                            و يضيف بما له صلة بما تقدم :
                            كلمات العلم و الحكمة و العمل و التقوى و الحب و حسبك بهذه الاخيرة فى دلالتها على معنى لا نهائى فى قوله تعالى " و الذين امنوا اشد حبا لله "
                            و لا سيما اذا لاحظنا تضامن التركيب كله فى اداء هذه القيمة الدلالية غير المحدودة
                            هذا هو الاعجاز القرانى الذى منح اللفظ امتدادا فى المدلول فاحدث ثورة لغوية لم تعرفها لغة من لغات البشر ...
                            اولا - انه قد احدث بتاثير كتاب فى لغة و هو امر لم يحدث فى تاريخ الانسان منذ عرف اللغة و استخدم اللسان فالعهد بها ان تتطور عبر القرون
                            و ثانيا- ان اساس التحدى فى الاعجاز هو الكلمة
                            و ثالثا – قابلية اللفظ القرانى لتحمل المزيد من الدلالة
                            و هو بذلك يمنح العربية مرونة فى الاداء و مواكبة لتطور العم
                            و قدرةعلى استيعاب حقائقه فى كل جيل " بتصرف

                            و بخصوص النقطة الثالثة يشير رحمه الله الى لفظ السماء فهو يحتمل معناه العربى التقليدى اى كل ما علاك فهو سماء , لكنه يحتمل ايضا ان يكون بمعنى الكون كله " و السماء بنيناها بايد و انا لموسعون " -الصحيح فى نظر الفقير ان السماء الدنيا هى هذا الكون – المهم ان اللفظ القرانى احتمل معنى الفضاء الكونى و انه كروى لاحاطته بكرتنا الارضية , يقول تعالى "عرضها كعرضها السماء و الارض "فاقتصر على ذكر العرض
                            و هو دليل على هذه الكروية الكونية اذ لا طول للكرة و كما يقول رحمه الله : انما هو بعد قطرى عبر عنه القران بالعرض فى هذه الاشارة المعجزة التى طالما غفل عنها المتحدثون فى النص الكريم فتسائلوا من باب التعظيم هذا العرض فما بال الطول "

                            Comment

                            • القلم الحر
                              عضو
                              • Nov 2004
                              • 1056

                              #89
                              من نبوءات القرآن :

                              قوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } [المائدة] ، يعصمه الله عز وجل من الناس كما وعده ، وجرى الأمر فيه إلى قبضه صلى الله عليه وآله وسلم ، على ما دل عليه الخبر .
                              وهذا أمر الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه ، لأن الانسان لا يدري ما يجري عليه إلى أن يموت ، سيما من كان على مثل حاله صلى الله عليه وآله وسلم في كثرة الأعداء .
                              قوله عز وجل: { وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ } [الأنفال: 7] ، وهذه الآية قد تضمنت خبرين من أخبار الغيوب .
                              أحدهما: ما وعدهم الله عز وجل به من كون إحدى الطائفتين لهم ، وأنه يظفر بها ، والطائفتان:
                              أحدهما: العير التي كانت مع أبي سفيان .
                              والثانية: الذين خرجوا للمحاماة عنهم من أحزاب قريش ، فأظفرهم الله تعالى بأحزاب قريش يوم بدر ، وأنجز لهم الموعود .
                              فإن قيل: الآية نزلت بعد الكائنة ، وإذا كان هذا هكذا ، فليس فيه خبر عن الغيب ، لأنه خبر عن الواقع المعلوم ؟!

                              قيل ل‍ه: الآية تضمنت تقدم الوعد على الكائنة ، لأن الوعد لا بد من أن يتقدم الموعود ، ولولا أنه كان معلوما عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ذلك الوعد كان قد حصل لهم ، لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليتلو عليهم ما تلاه ، لأنه جرى مجرى أن يقول لهم: قلت لكم أمس شيئا ، وهم يعلمون أنه لم يقله لهم ، وأنه يفضح القائل ، ويظهر كذبه ، وتقوُّله بين أصحابه . فبان أن الوعد في الأمل والوعيد كان قد تقدم . وأن الموعود جرى على ما وُعِدوا به . ومثل هذا لا يجوز أن يصدر إلا عن علام الغيوب سبحانه وتعالى .
                              ويبين ما قلناه من أن الوعد كان قد تقدم ، قوله عز وجل بعد هذه الآيات: { وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ } [الأنفال: 10] ، والبشرى لا تكون إلا قبل حصول الشيء . فدل ذلك أيضا على أنهم كانوا مبشرين قبل وقوعه .
                              الوجه الثاني الذي تضمنته الآية من الإخبار عن الغيوب ، قوله عز وجل: { وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ } [الأنفال: 7] ، وهي العير التي كانت مع أبي سفيان ، فأخبر عما في نفوسهم ، ولم يقل أحد منهم: إن الذي كان في نفسي خلاف ذلك .

                              على أن ذلك لو لم يكن معلوما أنه صدق ، وأنه من عند علام الغيوب ، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يتلوه عليهم ، خشية أن يكون المخبَر بخلافه فيظهر كذبه .
                              فإن قيل: هذا معلوم لكل عاقل أنكر فيه ، فإن المعلوم من أحوال الناس أن الظفر بالأموال التي لا مدافع عنها ، أحب إليه من الظفر بالمقاتلة للذين لا يظفر بهم إلا بعد شدة ، وبعد أن يقتل منهم من يقتل ، ويجرح من يجرح .

                              قيل ل‍ه: هذا الذي ادعيتم غير مستمر ، وإن كان الأكثر ما ذكرتم . وذلك أن من الناس من يكون قتلُ الأعداء وأسرُهم وجرحُهم والظفر بهم ، أحب إليه من كثير من الأموال التي تأتيه عفوا ، ولهذا ترى الرجل ينفق ماله من طارف وتليد ليتوصل به إلى النكاية في العدو .
                              وإذا ثبت ذلك ، ثبت أن إخباره عن جميعهم - مع كونهم معروفين بشدة الحمية والعصبية - أنهم يودون أن غير ذات الشوكة تكون لهم ، خبر عن الغيب .
                              قوله عز وجل: { الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ } [الروم]
                              وهذه الآية قد تضمنت ثلاثة من الأخبار عن الغيوب .
                              أحدها: قوله عز وجل: { وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) } ، هذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل .
                              والثاني: قوله: { فِي بِضْعِ سِنِينَ } ، والبضع: فوق الثلاثة ودون العشرة ، وهذا التحديد أيضا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله .
                              والثالث: قوله عز وجل: { وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء } ، فأخبر أنهم يفرحون في ذلك الوقت بنصر الله .
                              وهذا أيضا من الغيب ، لأنه خبر عن بقاء المؤمنين إلى ذلك الوقت مع قلتهم ، وطمع الأعداء في ابتسافهم . وعن أنهم يفرحون ، ولا تعرض هناك أحوال تمنعهم الفرح ، لأن هذه الآية نزلت بمكة قبل
                              الهجرة ، في حال ضعف المسلمين وقلتهم ، واستيلاء المشركين عليهم ، والقصة في ذلك مشهورة ، وهي (( أن الفرس كانوا غلبوا الروم ، ففرح لذلك المشركون واغتم المسلمون ، لأن الروم كانوا أهل الكتاب ، فكان المسلمون بهم آنس ، والفرس كانوا مجوسا ، وكان المشركون بهم أشبه . فأنزل الله عز وجل: { وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ } ، ففرح المسلمون ، وأنكره المشركون واستبعدوه ، فخاطر أبو بكر أمية بن خلف الجمحي ، على أن تعود الغلبة للروم على الفرس إلى ثلاث سنين ، وظن أن بضع معناه: ثلاث ، فقال ل‍ه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( زد في الأجل وفي الخطر )) ، وكان ذلك قبل نزول التحليل والتحريم ، وحين كانت المخاطرة مباحة ، ففعل أبو بكر ذلك ، وظهرت الروم على فارس لتمام سبع سنين ، ففرح المسلمون يومئذ ))
                              والنصر الذي ذكر الله عز وجل أن المؤمنين به يفرحون .
                              فقد قيل: إنه نصر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، بما أظهر له من الاعجاز الظاهر ، بإطلاعه على هذا الغيب الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل ، لأن فيه آية بينة ، ودلالة واضحة على نبوته .
                              ويحتمل أيضا أن يكون المراد به أن ذل الفرس كان فيه قوة للمسلمين ، ونصرة لهم على المشركين ، لِمَا كان من ميل المشركين إليهم ، وطمعهم في الإعتضاد بهم ، لأن الله عز وجل لا يجوز أن ينصر الكفار بعضهم على بعض ، وإن كان جائزاً أن يزيد في خذلان بعضهم ، إذا كان في ذلك ضرب من المصلحة .
                              قوله عز وجل: { وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) } [الأحزاب] ، يعني: يوم الأحزاب ، ثم يقول بعد ذلك: { وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ } [الأحزاب: 22] ، فدل بهاتين الآيتين على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان وعد أصحابه وعداً ظاهراً ، أن الأحزاب يأتون ، وأن الله ينصرهم عليهم ، حتى عرفه المؤمنون والمنافقون وانتشر فيهم ، حتى قال المنافقون: { مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) } ، وقال المؤمنون حين رأوا الأحزاب: { هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ } ، وهذا مما لا يعلمه ولا يطلع عليه إلا الله عز وجل ، لأنه لا سبيل إلى العلم بأن الأحزاب يأتونه ، وأنهم مع قوتهم وكثرتهم ينهزمون لا محالة .
                              فإن قيل: هذه الآية نزلت بعد يوم الأحزاب .
                              قيل ل‍ه: هذا وإن كان كذلك ، ففيها دلالة على أن الوعد به كان قد تقدم .
                              ألا ترى إلى ما حكى الله تعالى عن المؤمنين والمنافقين في ذلك . والنبي صلى الله عليه وآله وسلم تلا ذلك عليهم ، ولو لم يكن الأمر كذلك ، لم يكن ليتلو صلى الله عليه وآله ذلك عليهم ويدعيه ، لئلا كون منبهاً لهم على كذبه ، حاشاه صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك !!
                              ومن ذلك قوله عز وجل: { وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) } [الأحزاب] ، فأخبر عما في ضمائرهم من إرادة الفرار ، تعللا بأن بيوتهم عورة ، وهذا لو لم يكن كذلك ، لظهر منهم إنكاره .
                              قوله في السورة التي يذكر فيها { ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) } [ص] ، { جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ (11) } [ص] ، وهي سورة مكية . أولها: ذكر قريش ، وما كان من قولهم: { هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) } [ص] ، فأخبر عز وجل في حال ضعف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقلة أنصاره ، وقوة مشركي قريش ، أنهم جند مهزوم . فكان الأمر على ما أخبر به - عز وجل - هزموا يوم بدر .
                              وكذلك قوله في السورة التي يذكر فيها القمر ، وهي أيضا سورة مكية ، مخاطباً لقريش: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) } [القمر] ، فأخبر أنهم يهزمون ويولُّون الدبر ، وهذا أمر الغيب الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل .
                              ومن ذلك قول الله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ }
                              [الأنفال: 36] ، فكان الأمر على ما أخبر به عز وجل ، لأن الكفار أنفقوا ما أنفقوا من الأموال للخروج إلى أحد ، وصار في آخر الأمر عليهم حسرة .
                              وكذلك ما أنفقوا لجمع الأحزاب ، وما أنفقه مالك بن عوف حين جمع هوازن يوم حنين ، صار جميع ذلك حسرة عليهم ، وغلبوا ، على ما أخبر الله عز وجل ، وهذا أيضا من الغيب الذي لا يطلع عليه أحد إلا الله عز وجل ، وليس لأحد أن يدعي أن هذه الآية نزلت بعد الانفاق ، لقوله عز وجل: { فَسَيُنفِقُونَهَا } ، والسين إذا دخلت على الفعل المضارع حققت أنه للاستقبال . فدلَّ ذلك على أن الآية نزلت قبل الإنفاق .
                              ومن ذلك قول الله عز وجل: { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ } [التوبة] ، فجرى الأمر على ما أخبر الله عز وجل به ، فإنه تبارك وتعالى عذَّب الكفار بأيدي المؤمنين ، إذ أمكنهم من قتلهم وأسرهم وسبي ذراريهم ، وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم وأخزاهم ، كما وعد سبحانه . ونصر المؤمنين عليهم وشفى صدورهم ، وأذهب غيظ قلوبهم كما أخبر . وهذا مما لا يجوز أن يعلمه قبل كونه إلا الله عز وجل .
                              ومن ذلك قوله عز وجل: { أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ } [الحشر] ، وهذه قصة مشهورة ، وهي قصة بني النضير ، وذلك أنهم كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فغدروا ونقضوا العهد ، وهموا باغتيال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأوحى الله بذلك إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وبما تآمروا بينهم . وهذا إحدى المعجزات .
                              ثم تقدم إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمفارقة موضعهم ، والجلاء عنه ، وأعلمهم أنهم نقضوا العهد وبما تآمروه بينهم .
                              فأذعنوا وعزموا على الجلاء ، فراسلهم عبد الله بن أبي بن سلول ، وكان من كبار المنافقين ، ووعدهم بالنصرة . وأنه مع أصحابه معهم ، وأنهم إن خرجوا إلى الجلاء أجلوا معهم ، وإن قاتلوا نصروهم ، وأنهم لا يطيعون فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فشهد الله عز وجل أنهم لكاذبون ، وأنهم لا يفون لليهود بما وعدوهم ، فجرى الأمر في ذلك على ما أخبر الله به عز وجل وشهد به عليهم ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخرج بني نضير عن حصونهم ، فلم يخرج المنافقون معهم ، ولا نصروهم في قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني قريظة صبرا ، وسبي ذراريهم ونسائهم بعد ما حاصرهم ، وحارب أهل خيبر حتى ظفر بهم وبديارهم وأموالهم ، فلم ينصروهم ، كما أخبر الله عز وجل في ذلك عنهم ، فكان في القصة ثلاث من المعجزات:
                              إحداها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مضى إلى بني النضير ، ومعه أمير المؤمنين عليه السلام وأبو بكر وعمر وغيرهم ، في أمر كان عرض ، وجلس مستندا إلى جدار حصنهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فتآمروا فيما بينهم ، واتفقوا على أن يرسلوا عليه من فوقه صخرة تقتله ، فأتاه الوحي في الحال ، وعرف ما كانوا تآمروا ، فقام في الوقت من موضعه ذلك وعاد إلى المدينة ، ولم يعرف أحد من أصحابه السبب في ذلك ، إلى أن عرَّفهم صلى الله عليه وآله وسلم ذلك .
                              فكان ذلك أمرا واضحا في وقوفه على سرهم ، من غير خبر أتاه من جهة أحد من الناس ، ولا يجوز أن يكون إلا من جهة الوحي .
                              والثانية: ما أخبر من سر المنافقين ومراسلتهم ، فإنهم كانوا مجتهدين في إخفاء ذلك .
                              والثالثة: خبره عز وجل عنهم أنهم كاذبون ، وأنهم لا يفون لهم بما وعدوهم ، فجرى الأمر على ذلك .
                              ومن ذلك قوله عز وجل بعد هذه القصة: { لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ } [الحشر: 14] ، فجرى الأمر على ما أخبر عز وجل . فإن من قاتل منهم لم يقاتل إلا من { وَرَاء جُدُرٍ } ، ولم يبرزوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما برز المشركون يوم بدر ، ويوم أحد وحنين . وهذا مما لا يجوز أن يطلع على حقيقته إلا الله عز وجل ، العالم بالمغيبات .

                              Comment

                              • NiceBird
                                عضو
                                • Mar 2010
                                • 9

                                #90
                                جزاك الله خير

                                Comment

                                Working...