حكمت فعدلت فأمنت فنمت ياعمر.
- في يوم شديد الحرارة وفي الصحراء الحارقة خرج عمر_بن_الخطاب مهرولاً يبحث عن شئ، فلمحه عثمان بن عفان رضي الله عنه فناداه وقال:
ما أخرجك في هذه الساعة يا أمير المؤمنين؟
- فقال عمر والقلق يعتريه: بعير من بعير الصدقة شرد يا عثمان وأبحث عنه!
- فقال عثمان: فلتأوى إلى الظل وتناول كوبا من الماء البارد وسأرسل خادمي ورائها...
- فقال الفاروق بكل خوف ووجل: لكنّي أنا من سأُسئل عنها أمام الله ..
ثم تابع سعيه وراء الدابة..
- سبحان من أحيا تلك القلوب!
خلع رداء الخلافة وهرع وراء الدابة بنفسه خوفا من يوم الحساب!
منقوله
===========
**التقي المغمور**
/سعيد بن عامر الجمحي القرشي/
خرجت قريش عن بكرة أبيها كبيرها وصغيرها لتشاهد مقتل خبيب بن عدي وفي منطقة التنعيم من ظاهر مكة يشهد الزمان هزيمة نكراء من رجل مقبل على الموت مقيد بالسلاسل مربوط إلى خشبة ، يهزم قريش بصلفها وغرورها يهزمها في نفسها وفي حقيقتها فهو يطلب منهم أن يصلي ركعتين لله تعالى قبل أن يقتلوه يواجههم بعقيدته لتبقى حية نابضة وإن قتلوه.
ثم يوجهون له سؤالا ليتهم ماسألوه لان السؤال ارتد إليهم سهما ينفذ إلى صدورهم حين قالوا له : أتحب أن يكون محمد في مكانك وأنت ناجٍ؟
فيقول :والله ما أحب أن أكون آمنا وادعا في أهلي وولدي وأن محمدا تشوكه شوكة وهو في بيته وأهله. ثم تنهال عليه السهام والنبال تمزق جسده الشريف ليلقى الله شهيدا مُحبا لله ولرسوله.
ظل هذا المشهد بكل تفاصيله في عقل وقلب واحد من خيرة شباب مكة أيقظ في نفسه ألف سؤال وسؤال..
إلى هذا الحد يزرع هذا الدين في أتباعه بذور القوة والصلابة والعزيمة لتُنبت مثل خبيب بن عدي حتى في أحلك اللحظات....
إلى هذا الحد يُحب أتباع هذا الدين نبيهم ...فياله من دين ويالها من عقيدة ....ياله من رجل يُحبه اصحابه كل هذا الحب....
وهكذا ظلت الأسئلة تذهب وتجيء في نفسه حتى كان القرار وكان خُبيب بن عدي نعم الداعية إلى الله والمُعلم حيا وشهيدا .
وهكذا دخل الإسلام قلب صاحبنا سعيد بن عامر الجمحي القرشي وهاجر إلى المدينة يلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليشهد معهم خيبر ثم المشاهد جميعها.
وظل هكذا مع الصديق في حروبه مع المرتدين حتى تولى الفاروق عمر الخلافة فيدخل عليه سعيد بن عامر وهو دون الثلاثين من عمره وقد كان فيهم العابد الزاهد البعيد عن الأضواء لا يلتفت إلى الدنيا إلا بقدر مايقيم حياته...يدخل على أمير المؤمنين ناصحا أمينا غير هياب ولا طامح ،فيقول له نصيحة ما أحوج الحكام إليها لو سمعوها، وكان فيما قاله: ياعمر(يخاطبه باسمه مجردا)أوصيك أن تخشى الله في الناس ولا تخشى الناس في الله.
وألا يخالف قولك فعلك فإن خير القول ما صدقه العمل....ويمضي سعيد في إسداء النصح ويستمر عمر في الإنصات والإستماع،
هكذا كان الرجل وهكذا كان الفاروق، إن عمر يعرف للرجل مكانه فهو من زهاد الصحابة وفضلائهم ولم تصبُ نفسه يوما لمغنم . وهاهو الفاروق أمام رجل امتلك صولة الحق ولب الحقيقة وحكمة الشيوخ وروح المبادرة ،فانتهزها الفاروق فرصة فكيف يُترك مثل سعيد..
فقال له: ياسعيد إنا مولوك على أهل حمص.....يدخل الرجل على الأمير ناصحا فيعينه واليا !!!!...ولكن ليس سعيد بالرجل الذي يفرح بهذا ،،
فَعَلا الحزن وجهه ورفض قائلا:ياعمر نشدتك بالله لا تفتنني!!
الولاية فتنة ؟؟...المناصب مغرم يخشاه سعيد ؟؟...يالك من رجل أيها التقي !
ولكن الفاروق يرد عليه قائلا: ويحكم وضعتم هذا الأمر في عنقي ثم تخليتم عني والله لا أدعك.....وظل به حتى قَبِل ،،فأراد أن يجعل له راتبا كواحد من الولاة على الأمصار فقال:
سأجعل لك رزقا.
فيقول سعيد:وماذا أفعل به يا أمير المؤمنين ؟ عطائي من بيت المال يزيد عن حاجتي(نموذج لمن زادت قدرته عن رغبته)
ويستقر سعيد واليا على حمص يبادله أهلها المحبة والتقدير فقد كان يواسيهم ويعينهم ويعدل بينهم ...
وحين طلب منهم أمير المؤمنين عمر أن يكتبوا أسماء فقرائهم حتى يسد حاجتهم وجد في الأسماء إسم سعيد بن عامر فسأل في دهشة ومن هو سعيد بن عامر؟
فزادت الدهشه والعجب حين سمعهم وهم يقولون:إنه أميرنا...
(يا ألله أمير البلد في كشف فقراء البلد...)
يقول عمر:أميركم فقير؟!!!
يقولون:نعم والله إنه لتمر عليه الأيام الطوال ولا توقد في بيته نار.
فيرسل الفاروق إلى سعيد الف دينار تكفي حاجته ...فيدخل بيته منتحبا يقول :إنا لله وإنا إليه راجعون....تخرج عليه زوجته وهي فزعة تسأله :أمات أمير المؤمنين؟
فيقول لها :بل أشد...أهُزم جند للمسلمين؟؟ فيقول لها بل أشد.
وتظل به حتى يقول لها:إنها الفتنة تدخل بيتي...إنها الفتنة...ويخبرها بالأمر. ولم يهدأ له بال ولم يغمض له جفن حتى قام بتوزيعها على فقراء حمص جميعها .فغضبت زوجته وكانت إمرأة حسناء جميلة يحبها سعيد فقالت له: ألا أبقيت لنا منها شيئا يارجل؟! ..وظلت تلح عليه وهي غاضبة عليه في إبقاء شيء منها للبيت .وظلت به حتى قال لها أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول". لو أن حوراء أطلعت أصبعا من أصابعها لوجد ريحها كل ذي روح" فأنا أدعهن؟
لا والله لأنتن أحق أن أدعكن .
وهنا فقط سكنت وسكتت عنه.
كانت حمص تسمى الكويفة لتشابه أهلها مع أهل الكوفة في كثرة شكواهم من أمرائهم .وحين اشتكوا سعيد بن عامر للفاروق جمع بينه وبينهم ، فوجده وليس معه غير عكاز وقدح فيسأله عمر:أليس معك غير هذا؟
فيقول :ومالي حاجة في غيرهم عكاز احمل عليه الزاد وقدح آكل فيه.
ولنستمع إلى شكايتهم وإلى دفاع سعيد(أميرهم)عن نفسه.
قالوا:لا يخرج على الناس إلا حين يتعالى النهار(يتأخر في الخروج إليهم).
قال:ليس لي خادم وأقوم بخدمة اهلى ثم اتوضأ وأخرج إليهم.
قالوا:لا يجيب احدا بليل.
قال:جعلت النهار لهم وجعلت الليل لله عز وجل.
قالوا:تصيبه من حين لآخر غشية(إغماءة) فيغيب عمن حوله.
قال:شهدت مصرع أخي خبيب بن عدي وانا مشرك ورأيت قريش تقطع جسده وهي تقول اتحب ان يكون محمد في مكانك وانك ناج؟
فيقول :والله ما احب ان اكون في اهلي وولدي آمنا وادعا ومحمد تصيبه شوكة وهو في بيته واهله.
يقول سعيد وإني والله ماذكرت ذلك اليوم وكيف اني تركت نصرته إلا ظننت أن الله لن يغفر لي اصابتني تلك الغشية....
فيقول عمر :الحمد لله الذي لم يُخب ظني فيه.ويأمر له بألف دينار لايكون فعله فيها إلا كما فعل في سابقتها....وزعها جميعا على فقراء حمص.
وهكذا كان حقا سيدنا سعيد بن عامر التقي المغمور يعيش على الأرض ولكن يسكن بيقينه وإيمانه الجنة التي وعد الله عباده المتقين، وهكذا كان حقا لؤلؤة مكنونة في صدف لاتبدو لنا إلا إذا بذلنا جهدا لاستخراجها..
عاش سعيد عمره كله في خوف من الله وكان دائما ما يقول: إن لي أصحابا سبقوني إلى الله وما احب أن اتخلف عن طريقهم ولو كانت لي الدنيا بما فيها .ويغادر سعيد الدنيا بعد أن ضرب لنا أروع المثل في كيفية تقوى الله حاكما كنت أو محكوما.
فقد انتقل سعيد إلى جوار ربه في بلدة الرقة من اعمال قيسارية وهو لم يبلغ الأربعين من عمره ب تاركا لنا أيضا مثالا حيا للحاكم الزاهد العادل
..فسلام على هذا الصحابي الجليل ورضوان الله تعالى على سادتنا أصحاب رسول الله وقد تركوا لنا إرثا لا ينتهي ومعينا لا ينضب من دروس الدين والدنيا.
دمتم بخير
أحمد سعيد عبد الله
Comment