والقول بأن لكل حادثة سببا قول بديهي يدركه الإنسان تلقائيا ،وبلا دليل ومقدمات و لا يحتاج في تصوره أو التصديق به إلى اكتساب أو معرفة سابقة بل يؤمن به بمجرد تصوره دون روية وتأمل ودون معرفة سابقة ،ويشترك في هذا الإدراك جميع الناس العالم منهم والجاهل الكبير منهم والصغير .
ومن يرى كتابة يعرف أن لها كاتب و لو كانت أول كتابة يراها في حياته ،و من يرى كرسي يعرف أن له صانع و لو كان أول كرسي يراه في حياته ،و من يرى لوحة فنية يعرف أن لها فنان ولو كانت أول لوحة فنية يراها في حياته ،و حتى الطفل الصغير إذا سمع صوتا انتبه إلي مكانه ليعرف سببه و إذا جاع طلب الطعام ليسد جوعته فالعقل يدرك بصورة فطرية وقبلية مستقلة عن الحس والتجربة أن لكل حادثة سببا [1] .
و لأن السببية إحدى مبادئ العقل فهي تتصف بما تتصف به المبادئ العقلية ،و المبادئ العقلية تتصف بصفتين رئيسيتين:
أ- أنها ضرورية، أي لا تقبل التعديل ولا الاحتمال، ولا تتوقف على الأفراد والظروف، ولذا فهي فطرية في الإنسان .
ب- أنها كلية ، إذ تسلِّم بها كل العقول و تحكم كل الأشياء[2] . .
والسببية مبدأ عام وحكم عام على جميع الأشياء المحدثة ،و الزعم بعدم صحة مبدأ السببية في بعض الأشياء المحدثة كالزعم بعدم صحة مبدأ عدم التناقض في بعض الأشياء أي الزعم بوجود بعض الأشياء المحدثة تحدث بلا سبب كالزعم بأن بعض الأشياء يمكن أن تتصف بصفة، وبنقيض تلك الصفة في وقت واحد و لا يخفى ما في هذا الزعم من الخطأ المبين .
و من المغالطات التي وقع الكاتب فيها أيضا أنه قدح في كلية مبدأ السببية العقلي البديهي بكلام نظري عن التأثير النفقي ، ولا يجوز القدح في المبادئ العقلية البديهية بالكلام النظري ؛ لأن المبادئ العقلية هي الأسس التي يستند إليها العقل في تفكيره و لو جاز القدح في البديهيات بالنظريات لزم فساد البديهيات والنظريات، فإن فساد الأصل يستلزم فساد فرعه، فتبين أن من سوغ القدح في القضايا البديهية الأولية الفطرية بقضايا نظرية فقوله باطل[3] .
وقد توهم الكاتب أن بإمكانه التشكيك في كلية مبدأ السببية ببعض التجارب و الملاحظات مع أن مبدأ السببية مبدأ عقلي نابع من العقل ،وليس الحس والتجربة فلا يعتمد على استقراء التجارب أو المشاهدات ،والانتقال من الجزء إلى الكل حتى يطعن في تعميمه على جميع المشاهدات وجميع التجارب عن طريق تجربة أو ملاحظة تخالف الاستقراء .
و قول الملحد – هداه الله - : ( هناك أشياء في عالمنا تحدث دون أي سبب ) يخالف البديهية القاضية أن لكل حادثة سببا ،ولكل أثر مؤثر و لكل فعل فاعل ولكل نتيجة سبب.
و قوله : ( هناك أشياء في عالمنا تحدث دون أي سبب ) كمن يقول : هناك أشياء تحدث بسبب اللاشيء ،وكمن يقول : أن اللاشيء يمكن أن ينتج شيئا وهذا يخالف البديهة القاضية أن اللاشيء لا يمكن أن يحدث شيئا و أن اللاشيء لا يمكن أن ينتج شيئا ،ولا يمكن لشيء أن يأتي من العدم، وفاقد الشيء إذا كان لا يملكه ولا يملك أسبابه لا يعطيه فكيف يعطي العدم الوجود ؟!!، و كيف يعطي اللاشيء شيئا ؟!! وكيف يحدث اللاشيء شيئا ؟!!
و من المغالطات التي وقع الكاتب فيها أيضا الاحتجاج بالجهل ،ومن المعلوم أن الجهل بالشيء ليس دليلا على أن هذا الشيء غير موجود[4] إذ عدم العلم ليس علماً بالعدم، وعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في أنفسها [5] ،وقد يكون الشيء موجودًا ولا يعلم دليل وجوده، وقد يكون له أكثر من دليل لكن هذه الأدلة غير معروفة و غير معلومة فعدم العلم بدليل إثبات وجود الشيء ليس دليلا على نفي وجوده , بل دليل على الجهل بدليل إثبات وجوده ، وما يجهله قوم قد يعلمه غيرهم .
و إذا كان الكاتب لا يعلم سببا للتأثير النفقي فبدل من أن يقول التأثير النفقي لا أعلم له سبب أو التأثير النفقي بلا سبب معروف أو بلا سبب معلوم حتى الآن جزم بأن التأثير النفقي ليس له سبب وكأن العلم بميكانيكا الكم قد وصل إلى منتهاه ومن ثم يغلق باب البحث في مسائل ميكانيكا الكم ،و هذا لا يقول به أحد إذ ما يعرفه العلم عن الأشياء أقل كثيرا مما يجهله ،وكم من أمور كان العلم لا يعرف سببها في الماضي ثم اكتشف مؤخرا سببها .
و إن كان لا يمكن تفسير ظاهرة النفق الكمومي أو الاختراق النفقي أو التأثير النفقي Tunneling effect على أسس الميكانيكا الكلاسيكية لكن يمكن تفسيرها على أسس ميكانيكا الكم و ما تقرره ميكانيكا الكم من ازدواجية الموجة والجسيم فالأمواج يمكن أن تسلك كالجسيمات والجسيمات تظهر صفات موجية [6] ،و كما تنص فرضية دي برولي De Broglie hypothesis أن الجسيمات المتحركة تتمتع بخواص ازدواجية[7] فالإليكترون ذو طبيعة مزدوجة بمعنى أنه جسيم مادى له خواص موجية فيمكن أن يتصرف في بعض الأحيان كموجة ويمكن أن يتصرف في البعض الآخر كجسيم .
وظاهرة الاختراق ظاهرة من ظواهر الموجات ،وبسبب الطبيعة المزدوجة للإليكترون فإنه يمكن أن يخترق حاجز الجهد potential energy barrier دون أن يكتسب طاقة إضافية تجعله يخترقه أي أن التأثير النفقي للإليكترون سببه طبيعته المزدوجة Dual nature of electron ،وحمله خصائص موجية .
أيها الأخوة : إن عبور الإلكترون حاجز الجهد ليس معضلة ولم يكسر أي مسلمة طبيعية؛ باختصار فإن سلوك الإلكترون كان موجيا عند التجربة لطبيعته المزدوجة فالتأثير النفقي ناتج من الخواص الموجية للجسيمات .
[1] - مذاهب فلسفية وقاموس مصطلحات لمحمد جواد ص 171
[2] - مدخل جديد إلى الفلسفة للدكتور عبد الرحمن بدوي ص 156
[3] - منهاج السنة النبوية لابن تيمية 2/151
[4] - موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن صالح المحمود ص 245
[5] - الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق لسليمان بن سحمان ص 331
[6] - الكيمياء العامة: المفاهيم الأساسية لريموند تشانغ ص 218
[7] - أساسيات ميكانيكا الكم أ.د. إبراهيم محمود أحمد ناصر د. عفاف السيد عبد الهادي ص 35
كي لا تنخدع بالإلحاد ( متجدد )
Collapse
This is a sticky topic.
X
X
-
مغالطات أكذوبة أن ظاهرة النفق الكمومي تدمر مبدأ السببية
مغالطات أكذوبة أن ظاهرة النفق الكمومي تدمر مبدأ السببية
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى أصحابه الغر الميامين ، و على من أتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد :
فقد انتشر في عصرنا مرض الإلحاد ، وهو أحد الأمراض الفكرية الفتاكة إذ يفتك بالإيمان و يعمي الحواس عن أدلة وجود الخالق الرحمن ،و تجد المريض يجادل في البديهيات و يجمع بين النقيضين ويفرق بين المتماثلين ،ويجعل من الظن علما و من العلم جهلا و من الحق باطلا و من الباطل حقا .
ومن عوامل انتشار هذا المرض الجهل بالدين و ضعف العقيدة واليقين والاسترسال في الوساوس الكفرية والسماع والقراءة لشبهات أهل الإلحاد دون أن يكون لدى الإنسان علم شرعي مؤصل .
وشبهات أهل الإلحاد ما هي إلا أقوال بلا دليل وادعاءات بلا مستند ،ورغم ضعفها و بطلانها إلا أنها قد تؤثر في بعض المسلمين لقلة العلم وازدياد الجهل بالدين ولذلك كان لابد من كشف شبهات ومغالطات ودعاوي أهل الإلحاد شبهة تلو الأخرى و مغالطة تلو المغالطة ودعوى تلو الدعوى حتى لا ينخدع أحد بكلامهم وشبههم .
و في هذا المقال سنتناول بإذن الله إحدى الأكاذيب التي يرددها الملاحدة ،وهي أكذوبة أن ظاهرة النفق الكمومي تدمر السببية يقول أحد المروجين لهذه الأكذوبة :
( لنفرض أن لدينا كرة بينغ بونغ (كرة تنس طاولة) نرميها لتضرب بسطح طاولة خشبية. نحن نعرف من حياتنا أن هذه الكرة لن تعبر إلى الطرف الآخر من الطاولة إلّا إذا كسرت الطاولة واخترقتها إلى الطرف الآخر، وستبقى فوق الطاولة ترتد إلى الأعلى. هذا المشهد مختلف إذا كانت كرة تنس الطاولة التي نتكلم عنها هي جسيم أولي أو ذري كالإلكترون، فالإلكترون يملك ما يسمى تابع كثافة احتمالية يسمح له بالعبور عبر أي حاجز صلب أو حاجز طاقة أو أي نوع آخر. فمع أن الإلكترون موضوع فوق الحاجز، فهناك احتمال صغير أن يصبح الإلكترون في الطرف الآخر من الحاجز دون أي سبب على الإطلاق، والسبب الوحيد هو العشوائية التي تعيش فيها الجسيمات الأولية والتي هي نتيجة للطبيعة الموجية للجسيمات الذرية، أي أن الإلكترون يعبر الحاجز وكأن الحاجز غير موجود.
وليس فقط ذلك، فتخيل أنك وضعت تفاحة في علبة زجاجية مغلقة، فهذه التفاحة سبتقى في العلبة ولن تخرج منها إلا إذا أخرجها شخص ما وهذا ما نعرفه نحن بمبدأ السببية، فلكل فعل مسبب، لكن في حالة الجسيمات الأولية هذا غير صحيح، فهناك دوماً احتمال أن يخرج هذا الجسيم من العلبة دون أي سبب على الإطلاق.
هذا الكلام تم إثباته تجريبياً، فقد تم حبس إلكترون فيما يسمى “نقطة كوانتية” أو Quantum Dot، وفيها تمت دراسة خروج الإلكترون من “العلبة” المحبوس بها، وذلك يحدث دون أي سبب!
نعم عزيزي القارئ، مبدأ السببية غير مطلق وغير صحيح دوماً، فهناك أشياء في عالمنا تحدث دون أي سبب.
,نشوء هذا الكون أيضاً قد يكون قد حدث بدون سبب، فنشوء الكون تتم دراسته في ميكانيك الكم، والذي يدعم ظاهرة النفق والكثير من الظواهر التي تحدث دون سبب. ولذلك نشوء الكون من العدم فكرة مقبولة علمياً ).
وقد احتوى كلام هذا الملحد على العديد من المغالطات منها الطعن و التشكيك في مطلقية و كلية إحدى مبادئ العقل و إحدى البديهيات العقلية إذ من مبادئ العقل و من البديهيات العقلية مبدأ السببية فلكل ظاهرة سبب أو علة لوجودها ،وما من شيء حادث إلا كان لوجوده سبب يفسر وجوده [1] ،والعقل يدرك ذلك تلقائيا ،وبلا معونة الحس و التجربة كالتلازم والتلاحم بين وجود البناء ووجود الباني ،والجناية والجاني[2] .
[1] - انظر المعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا 1/649
[2] - مذاهب فلسفية وقاموس مصطلحات لمحمد جواد ص 169
Leave a comment:
-
ولا يمكن لقوانين ميكانيكا الكم أن تنتج شيئا للوجود ،ولا يمكن لقوانين ميكانيكا الكم أن تنتج حدثا من الأحداث بل غاية قوانين ميكانيكا الكم تفسير الظواهر التي تحدث على مستوى الذرة والجسيمات تحت الذرية بعدما أوجدتها الأسباب .
ومن يعتقد أن قوانين ميكانيكا الكم تستطيع أن تسبب شيئا من الأشياء كمن يعتقد أن القوانين الحسابية يمكن أن توجد مالا ،و كمن يعتقد أن القوانين التي تعمل بها السيارة يمكن أن تخلق السيارة أو تسير السيارة دون الحاجة لمن يقودها و هذا قول في غاية السخف والسقوط .
ومن البديهيات أن وجود قانون ما يدل على وجود مقنن واضع لهذا القانون سن هذا القانون ،وواضع القانون ( الفاعل ) لابد أن يسبق القانون ( المفعول ) ،وإذا كانت ميكانيكا الكم لها مجموعة من القوانين فلابد أن يكون لهذه القوانين مقنن فمن الذي فرض و سن هذه القوانين ؟
والجواب الذي سن هذه القوانين التي تحكم الذرة والجسيمات تحت الذرية إما أن تكون الذرة والجسيمات تحت الذرية نفسها أو القوانين نفسها أو شيء آخر خارج عن الذرة والجسيمات تحت الذرية .
و إن قالوا الذرة والجسيمات تحت الذرية نفسها فمقتضى قولهم أن الذرة والجسيمات تحت الذرية وضعت القوانين لنفسها قبل أن توجد و هذا محال .
و إن قالوا من سن هذه القوانين القوانين نفسها فهذا تصوير للقوانين على أنها فاعل محرك و هذا فاسد ؛ لأن القوانين مجرد وصف سلوك لظاهرة في الكون يتكرر تحت نفس الظروف .
و إما أن يكون من سن القوانين شيء خارج عن الذرة والجسيمات تحت الذرية فهذا إثبات لشيء خارج عن الذرة والجسيمات تحت الذرية ونحن نقول أنه الله .
و توهم الملحد أن نشأة الكون لا تحتاج سوى قوانين الطبيعة مع أن نشأة الكون تحتاج إلى مادة لينشأ منها و منشئ للمادة التي ينشأ منها الكون و منشئ للكون ،و إن قالوا أصل الكون طاقة فمن الذي أوجد هذه الطاقة و من الذي صير هذه الطاقة مادة ؟.
و القضية ليست نشأة الكون فقط إذ بعد نشأة الكون الكون بحاجة إلى حفظ و رعاية فمن الذي يحافظ عليه ويرعاه ؟ و من الذي جعل الكون مستمرا في الوجود ؟ ومن الذي جعل الكون صالحا لحياة البشر و سائر الكائنات الحية ؟ ومن الذي جعل الكائنات الحية تنمو وتتكاثر ،و من الذي وضع فيها القابلية للنمو والتكاثر ؟ و من الذي وضع غريزة في الذكر للأنثى ،وغريزة في الأنثى للذكر ؟!! ومن الذي خلق للذكر أنثى و للأنثى ذكر ؟ و من الذي أعطى لكل كائن حي ما يصلحه في حياته ، وكأن الكون معد له قبل أن يوجد على الأرض ؟،و من الذي علم الكائن الحي كيف ينتفع بالشيء الذي يصلحه في حياته خاصة أوائل الكائنات الحية ؟
ونسي هذا الملحد أن الزمان و المكان وجدا بعد نشأة الكون ،وقبل نشأة الكون لم يكن للمكان و لا للزمان و لا للفراغ الكمي وجود ،و بعد نشأة الكون وجد الزمان والمكان و الفراغ الكمي ،وعليه فدعوى أن الكون نشأ من تذبذبات كمومية في الفراغ الكمي دعوى باطلة بينة البطلان .
هذا والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
Leave a comment:
-
وهذا الملحد - هداه الله – قدح في قضية بديهية وهي وجوب وجود خالق للكون بإحدى نظريات ميكانيكا الكم ، و بما أن النظريات مؤلفة من البديهيات، فلو جاز القدح في البديهيات بالنظريات لزم فساد البديهيات والنظريات، فإن فساد الأصل يستلزم فساد فرعه، فتبين أن من سوغ القدح في القضايا البديهية الأولية الفطرية بقضايا نظرية فقوله باطل[1] .
و قول الملحد أن الكون نشأ من لا شيء دون الحاجة لخالق يستلزم أن اللاشيء يتحول إلى شيء وهذا يخالف البديهة القاضية أن اللاشيء لا يمكن أن ينتج شيئا ،ولا يمكن لشيء أن يأتي من العدم، وفاقد الشيء إذا كان لا يملكه ولا يملك أسبابه لا يعطيه فكيف يعطي العدم الوجود ؟!!، و كيف يعطي اللاشيء شيئا ؟!!
و اعتبر الملحد الفراغ لا شيء و خلط بين اللاشيء و الفراغ الكمي ،و الفراغ الكمي - حسب ميكانيكا الكم -يعتبر شيئا موجودا ممتلئ بجسيمات افتراضية من المادة والمادة المضادة و يحدث فيه تموجات ومن هذه التموجات يمكن أن تتخلق أزواج من الجسيمات والجسيمات المضادّة ،ولا يمكن فصل هذا الفراغ الكمي عن الكون أما اللاشيء أو العدم فهو ضد الوجود أو اللاوجود أو انعدام الوجود بجميع صوره و أشكاله أي لا يوجد أي شيء تماما لا مادة و لا طاقة ولا زمان ولا مكان ،و نحن نعلم أن الشيء هو ما يتصور أو يخبر عنه ،ويراد به أساسا الموجود و يقابل المعدوم [2] .
و قد أدعي أن أغلب الناس تعتبر الفضاء الفارغ لا شيء وهذا غير صحيح فإذا فرضنا تجريد المكان من الإشعاعات والجزيئات والجسيمات والمادة بحيث لا يكون فيه أي شيء من هذه الأشياء فالمكان الذي كان يحوي هذه الأشياء التي جردت منه مازال موجودا ،وهو شيء موجود و ليس لا شيء ،و إن كان ليس بشيء مادي أو جسماني ،و الفراغ ليس معناه اللامكان بل معناه مكان جُرِد من الإشعاعات والجزيئات والجسيمات والمادة .
و يحدث في الفضاء الفارغ أو الفراغ الكمي quantum vacuum تذبذبات كمومية quantum fluctuation و التي تؤدي إلى وجود جسيمات افتراضية virtual particles تظهر وتختفي من الوجود في كل لحظة ،و بالتالي الفراغ الكمي شيء يحدث فيه أشياء .
و حسب مبدأ عدم التأكد لهيزنبرج يستحيل أن يخلو الفراغ من الطاقة وأنه سيبقى حد أدنى من الطاقة zero point energy لا يمكن النزول عنه ولا يمكن أن تصل الطاقة إلى صفر ،وهذا القدر من الطاقة يعتبر شيئا من ضمن الأشياء مع العلم أن المادة والطاقة وجهان لعملة واحدة أو يمكن اعتبارهما صيغتين مختلفتين لجوهر واحد قابلتين للاستحالة من إحداهما إلى الأخرى[3].
و أدعي الملحد وجود فضاء فارغ خال من كل شيء - أي فراغ محض – فراغ خال من المادة والطاقة ،وهذا يخالف مبدأ عدم التأكد إذ يستحيل أن يخلو الفراغ أو الخواء من الطاقة تماما وأنه سيبقى حد أدنى من الطاقة لا يمكن النزول عنه ولا يمكن أن تصل الطاقة إلى صفر وبالتالي لا يوجد مكان طاقته صفر حقيقي .
والطاقة في الخواء vacuum أمر حقيقي، وليس الخواء في الفيزياء الحديثة جيبا لا يحوي شيئا فهو يمخض بنشاط غير مرئي حتى في درجة حرارة الصفر المطلق التي تتوقف عندها - حسب التعريف- حركة الجزيئات[4].
و لو بذلنا كل قدرتنا في إفراغ منطقة معينة من الفضاء من كل الطاقات فإن هناك قدر من الطاقة سيبقى ولا يمكن إخراجه وهذا القدر من الطاقة يعتبر شيئا من ضمن الأشياء ، وبالتالي ليس هناك شيء اسمه فراغ محض في هذا الكون ولا عدم تام من كل شيء في هذا الكون .
و هذا الملحد يناقض نفسه إذ كيف يدعي أن الكون خلق من لا شيء ،وهو يشرح آلية نشأة الكون من الفضاء الفارغ عبر التموج الكمومي quantum fluctuation ؟!! والفضاء الفارغ شيء موجود في الزمكان المحيط به ،وليس عدما و ليس لا شيء أضف إلى ذلك أن آلية نشأة الكون تطوي في معناه وجود فاعل منشئ للكون .
و أدعي الملحد أن الجسيمات الافتراضية تخرج من لا شيء ،وهذا غير صحيح فهذه الجسيمات الافتراضية خرجت من مكان ما في الكون - و ليس خارج الكون - خلال فترات قصيرة جدا من الزمن ، والمكان الذي خرجت منه له طاقة إذ لا يمكن أن يوجد مكان خال من الطاقة تماما حسب مبدأ عدم التأكد .
ومجرد ظهور الجسيمات تحت الذرية في الفراغ الكمي و اختفائها عبر التموجات الكمومية لا يستلزم أن يكون الكون بأكمله قد نشأ عبر التموجات الكمومية .
وأدعي الملحد أن قوانين ميكانيكا الكم يمكن أن تخلق الكون بدلا من أن يقول أن قوانين ميكانيكا الكم يمكن أن تفسر كيفية نشأة الكون ،و العلم يعرفنا كيف تعمل الأشياء ، و ليس لماذا تعمل الأشياء ومن الذي عملها ؟ أي يعرفنا آلية عمل الأشياء ،وطريقة عملها ،ولا يفسر العلم لنا لماذا تعمل الأشياء ؟ ، ومن الذي جعلها تعمل بهذه الطريقة ؟ فلا يبحث العلم عن الفاعل بل يبحث عن الفعل ،ولا يبحث عن الحادث بل يبحث عن الحدث ،ولا يبحث عن موجِد القوانين بل يبحث عن القوانين نفسها .
وما أجمل ما قاله الشيخ عبد الرحمن بن حَبَنَّكَة الميداني : ( قد يعض الكلب الحجر الذي رآه يتجه نحوه ليصيبه، أما الإنسان المفكر فإنه يبحث عن الذي رمى الحجر نحوه بقصد، فإذا عرفه واستبان أنه قد قصد قتله أو إيذاءه حاول أن ينتقم منه دفاعاً عن نفسه، ولم يفكر بالانتقام من الحجر مطلقاً.
وهنا نقول: إن الماديين الذين يقفون عند الأسباب المادية للظواهر الكونية التي يتجلى فيها القصد، ولا يبحثون عن السبب الحقيقي، مع أن هذه الأسباب تحتاج هي أنفسها إلى أسباب تفسر ظاهراتها وتعلل حدوثها، إنما يفكرون بمثل دماغ الحيوان الذي يعض الحجر الذي قُذف عليه )[5].
[1] - منهاج السنة النبوية لابن تيمية 2/151
[2] - المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية ص 104
[3] - تأملات في الفيزياء الحديثة لعلي الشوك ص244 الطبعة الأولى 2012 م
[4] - اتجاهات في الفيزياء استغلال طاقة نقطة الصفر مجلة العلوم يوليو 1998 مجلد 14
[5] - كواشف زيوف للشيخ عبد الرحمن الميداني ص 522
Leave a comment:
-
مغالطات أكذوبة أن الكون نشأ من لا شيء دون الحاجة لخالق
مغالطات أكذوبة أن الكون نشأ من لا شيء دون الحاجة لخالق
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى أصحابه الغر الميامين ، و على من أتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد :
فقد انتشر في عصرنا مرض الإلحاد ، وهو أحد الأمراض الفكرية الفتاكة إذ يفتك بالإيمان و يعمي الحواس عن أدلة وجود الخالق الرحمن ،و تجد المريض يجادل في البديهيات و يجمع بين النقيضين ويفرق بين المتماثلين ،ويجعل من الظن علما و من العلم جهلا و من الحق باطلا و من الباطل حقا .
ومن عوامل انتشار هذا المرض الجهل بالدين و ضعف العقيدة واليقين والاسترسال في الوساوس الكفرية والسماع والقراءة لشبهات أهل الإلحاد دون أن يكون لدى الإنسان علم شرعي مؤصل .
وشبهات أهل الإلحاد ما هي إلا أقوال بلا دليل وادعاءات بلا مستند ،ورغم ضعفها و بطلانها إلا أنها قد تؤثر في بعض المسلمين لقلة العلم وازدياد الجهل بالدين ولذلك كان لابد من كشف شبهات ومغالطات ودعاوي أهل الإلحاد شبهة تلو الأخرى و مغالطة تلو المغالطة ودعوى تلو الدعوى حتى لا ينخدع أحد بكلامهم وشبههم .
و في هذا المقال سنتناول أكذوبة يرددها بعض الملاحدة هذه الأكذوبة يغني فسادها عن إفسادها و يغني بطلانها عن إبطالها وهي أكذوبة أن الكون نشأ من لا شيء دون الحاجة لخالق يقول صاحب الأكذوبة: " نحن نعرف الآن وبدقة أن الكون مسطح ،ومجموع الطاقة فيه صفر ،ومن الممكن أن يبدأ من لا شيء ...لا حاجة لله لخلق الكون " .
ويتحدث هذا الملحد عن اللاشيء فيقول : " أبسط أنواع اللاشيء لاشيء في داخله لا جزئيات لا إشعاعات لاشيء هذا النوع من اللاشيء تبين أنه مليء بالأشياء ؛ لأنه نظرا لقوانين ميكانيكا الكم والنسبية الفراغ كالمشروب المغلي الذي يبقبق بالجسيمات الافتراضية والتي تظهر وتختفي من الوجود في كل لحظة .
في واقع الأمر هذا النوع من اللاشيء إذا انتظرت فترة طويلة كافية فستضمن لك قوانين ميكانيكا الكم إنتاج شيئا ما . في الواقع : بمجرد تطبيق قوانين ميكانيكا الكم على الجاذبية نفسها الفضاء نفسه يصبح متغير ميكانيكي كمي ،ويتقلب داخل وخارج الوجود ،ويمكنك من خلال قوانين ميكانيكا الكم خلق الأكوان خلق الزمان خلق المكان حيث لم يكن هناك أي من المكان والزمان من قبل " .
و يتكلم هذا الملحد عن أحد كتبه ، وهو كتاب كون من لا شيء : A Universe from Nothing فيقول : " كتابي الجديد كون من لاشيء يصف التغير الثوري في تفكيرنا حول بعض المبادئ التي كانت متواجدة منذ أمد بعيد ،وهي الشيء واللاشيء .السؤال القائل : لماذا الشيء موجود واللاشيء غير موجود ؟ كان متواجدا بيننا على طول التاريخ البشري بشكل أو بآخر من خلال الفلسفة و الدين .
ما فعله العلم أنه غير حقل هذا السؤال ؛ لأننا اكتشفنا أن ما يعتبره أغلب الناس لا شيء هو ليس فقط مثير للاهتمام ،وإنما اللاشيء ممكن أن يكون شيئا . وفي الواقع اللاشيء غير مستقر ما أقصده من كلامي هو أننا اكتشفنا أن الفضاء الفارغ ،وهو ما يعتبره أغلب الناس لا شيء إذا أخذنا جزء منه ،وجردناه من الإشعاعات والجزيئات بحيث لا يكون فيه أي شيء سيكون لهذا الجزء وزن .
نحن حتى لا نفهم السبب ،ولكن عندنا تلميحات لأننا نعلم أنه بسبب ميكانيكا الكم وبسبب النسبية على مستوى أساسي الفضاء الفارغ هو عبارة عن مزيج يغلي مكون من جزيئات ظاهرية /افتراضية تتواجد وتتوقف عن الوجود على مدى فترة زمنية قصيرة جدا بحيث أننا لا نراها هذا يبدو كأنه فلسفة كأنه محاولة لعد الملائكة على رأس إبرة لكنه ليس كذلك ؛ لأنه مع أننا لا نرى هذه الجزئيات الافتراضية بشكل مباشر لكننا نرى أثرها بشكل غير مباشر .
في الواقع نستطيع أن نحسب أثرها و أثر خاصيات الذرات ،وهذا قاد إلى أفضل التوقعات في العلم نستطيع أن نقارن نماذجنا النظرية مع ملاحظاتنا ،ونصل إلى اتفاق حول تسع أرقام عشرية لا نستطيع في أي مجال آخر بالعلم أن نفعل هذا أي أن نتوقع شيء من المبادئ الأولية بهذه الدقة ،ولكننا لا نحصل على الجواب الصحيح إلا إذا شملنا آثار الجزيئات النظرية مع أنه هذا يبدو من الجنون لكنه حقيقي و بسبب هذا الجنون ..نعلم أن الفضاء الفارغ قد يكون له خاصيات لم نتخيلها من قبل .
مازلنا لم نصل إلى الجواب الصحيح عندما نحاول أن نحسب طاقة الفضاء الفارغ كاملة في الكون ،وهو لغز كبير بل هو أكبر لغز في كل العلوم لكننا نعلم أن له خاصيات غريبة ،وعندما نضيف الجاذبية إلى هذا المزيج ،والجاذبية لها أن تعطي الأشياء طاقة سالبة وموجبة نجد أن الفضاء الفارغ الذي ليس فيه جزيئات ينتج جزيئات بشكل عفوي من دون خرق قانون حفظ الطاقة .
في البداية كانت الطاقة الكلية صفر ،وفي النهاية مازالت صفر لكن في البداية كان عندك فراغ ،وبالنهاية أصبح عندك كون مليء بالأشياء تبدو العملية وكأنها معجزة ،ولكنها ليست معجزة كل ما تحتاجه هو قانون الطبيعة .
في الواقع إذا انتظرت مدة كافية من المضمون أن الفضاء الفارغ سينتج جزيئات بالتالي اللاشيء هو غير مستقر ،وسيكون من المفاجئ أن نجد اللاشيء لكن لو كان اللاشيء موجودا ما كنا هنا لنسأل هذه الأسئلة .
وهناك جوانب كثيرة مذهلة حول اللاشيء ؛ لأنه بإمكانك أن تقول والكثير يقولون أن الفضاء الفارغ بحد ذاته هو ليس لاشيء ،وبالطبع تبين أننا إذا طبقنا قوانين الفيزياء وميكانيكا الكم على الجاذبية الفضاء نفسه سيكون جزءا متحركا .
نحن نعلم بشكل عام أن الفضاء يتمدد وينقبض و ينحني بحضور المادة ،وإذا جعلته من ضمن ميكانيكا الكم فحتى الفضاء يمكنه أن يتواجد ،ويتوقف عن الوجود فتستطيع أن تخلق أكوان حيث لم يكن هناك أكوان من قبل ،وبالطبع قد تتخيل كونا حرفيا من لاشيء لا فضاء ولا زمن ...
ومن المذهل أن يكون عندنا مجموعة من المنظومات الفيزيائية العادية التي تأخذنا من اللا فضاء واللا جزيئات إلى كون كالذي نعيش فيه ،والذي يحتوي على كل خصائص الكون الذي نتوقع أنها خلقت من لا شيء " .
و في كلام هذا الملحد العديد من المغالطات فقوله أن الكون نشأ من لا شيء دون الحاجة لخالق يخالف البديهة القاضية أن أي الفعل لا بد أن يكون له فاعل ، وأي حدث لا بد أن يكون له محدِث و أي أثر لابد أن يكون له مؤثِر ،و لا يمكن أن يحدث الفعل بلا فاعل .
Leave a comment:
-
جزاكم الله خيراالمشاركة الأصلية كتبت بواسطة مشرف 3 مشاهدة المشاركةقررت الإدارة تثبيت هذا الموضوع لما فيه من جهد بارز و فوائد جامعة متعددة للقارئ و الباحث و جزى الله الأخ الكريم الدكتور ربيع أحمد خيرا
Leave a comment:
-
قررت الإدارة تثبيت هذا الموضوع لما فيه من جهد بارز و فوائد جامعة متعددة للقارئ و الباحث و جزى الله الأخ الكريم الدكتور ربيع أحمد خيرا
Leave a comment:
-
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
جزاكم الله خيرا و أحسن إليكم دكتور ربيع و جعل هذا الجهد العظيم في ميزان حسناتك
Leave a comment:
-
ومن الأدلة على وجود خالق للكون ظاهرة العدل فمن الملاحظ في أحداث تاريخ الإنسان، أن مظاهر الجزاء العادل للأمم من السنن الثابتة في الكون.
والجزاء العادل لا يكون من مادة صماء عمياء لا تعلم من أحداث الناس ونياتهم شيئاً.
إذن: فلا بد من موجود عظيم عليم يرقب أعمال الناس، ويعلم نياتهم ومقاصدهم، ويجازيهم بعدله. وهذه الصفات لا بد أن تكون صفات موجودٍ ليس جزءاً من الكون المدروس، ولا مشبها له، لأن شيئاً منه لا يصلح لمثل هذه الصفات.
وشواهد مظاهر الجزاء العادل الذي ليس له سبب إنساني ظاهر كثيرة في تاريخ الناس و هذا دليل ظاهرة العدل [1].
و الحياة في المخلوقات الحية دليل على وجود خالق لها فمن الذي وهب الحياة للمخلوقات الحية ؟
و العقل في المخلوقات العاقلة دليل على وجود خالق له فمن الذي وهب العقل لهذه المخلوقات ؟
و الحكمة في المخلوقات الحكيمة دليل على وجود خالق لها فمن الذي وهب الحكمة لهذه المخلوقات ؟
و البصر في المخلوقات ذي البصر دليل على وجود خالق له فمن الذي وهب البصر لهذه المخلوقات ؟
و السمع في المخلوقات التي تسمع دليل على وجود خالق له فمن الذي وهب السمع لهذه المخلوقات ؟
و الضحك في المخلوقات التي تضحك و تبكي دليل على وجود خالق له فمن الذي وهبه لهذه المخلوقات ؟
و لا يصح القول بأن المادة أو الطبيعة هي الخالقة فهي ليست حية و ليست عاقلة و ليست حكيمة و ليست سميعة و ليست بصيرة ،وفاقد الشيء لا يعطيه .
وبهذا يتبين فساد قول أحدهم : " أن الله غير موجود لأنكم لا تستطيعون إثبات وجوده "،وفساد قول الآخر عندما سئل عن أدلته في نفي وجود الله فقال : "ما يقال بغير دليل، ينقض بغير دليل " فالأدلة على وجود الله كثيرة لكن الملاحدة لا يعلمون أو يتجاهلون تلك الأدلة استكبار وعنادا .
فساد قولهم القول بوجود خالق للكون يقضي بوجود خالق لهذا الخالق
يقول الملاحدة قولكم أيها المؤمنون بوجود خالق للكون يقضي بوجود خالق لهذا الخالق لكنكم لا تقرون بذلك فلماذا تقفون بمبدأ السببية وتعطلونه عندما يتعلق الأمر بالخالق ؟ والجواب على سؤالهم من وجوه :
الوجه الأول : أن الأصل في الخالق الوجود إذ لو كان الأصل فيه العدم لما أوجد الكون ؛ لأن فاقد الشيء الذي لا يملكه، ولا يملك سبباً لإعطائه لا يعطيه ، و إذا كان الأصل في الخالق الوجود فلايصح أن نسأل عن سبب وجوده .
الوجه الثاني : أن الخالق أزلي فوجوده ذاتي لا ينفك عنه فلايصح أن نسأل عن سبب وجوده ، ووجوده ليس له بداية .
الوجه الثالث : أن الخالق له الكمال المطلق إذ هو واهب الكمال لمخلوقاته فهو أحق بالاتصاف بها من الموهوب ، وكل كمال ثبت للمخلوق المحدث المربوب الممكن، فإنه يكون ثابتا للخالق من باب أولى ،وإذا كان الكمال المطلق للخالق ،والاحتياج يناقض الكمال المطلق فالكامل المطلق لا يحتاج إلى غيره ،وعليه فالخالق لا يحتاج إلى غيره ،وإذا لم يحتج إلى غيره فهو غير معلول ،و إذا كان غير معلول فلا يصح أن نسأل عن علته .
الوجه الرابع : أن السؤال عن سبب وجود شيء يصح فيما كان الأصل فيه الحدوث و أنه لم يكن موجودا ثم أصبح موجودا بعد عدم ،والخالق قديم وليس حادثا .
الوجه الخامس : لو قلنا بأن كل خالق له من خلقه أي خالق الكون له من خلقه،ومن خلق خالق الكون له من خلقه ومن خلق خالق خالق الكون له من خلقه وهكذا إلى ما لا نهاية فهذا يستلزم أن لا خلق للكون ،وهذا باطل لوجود الكون فوجود الكون يستلزم عدم تسلسل الفاعلين إلى ما لانهاية ، إذ لا بد أن تصل سلسلة الفاعلين إلى علة غير معلولة ، و لا بد من سبب تنتهي إليه الأسباب وليس هناك أسباب لا تنتهي إلى شيء ، وإلا لم يكن هناك شيء أي أن التسلسل في الفاعلين ممنوع، بل لابد أن نصل إِلَى نهاية ، وهذه النهاية في الفاعلين أو المؤثرين هي إِلَى الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
و للتقريب نأخذ مثال الجندي والرصاصة الجندي يريد أن يطلق النار ،و لكن حتى يطلق النار، يجب على الجندي أن يستأذن من الجندي الذي خلفه ، و هذا الجندي حتى يعطي الإذن يجب أن يستأذن من الجندي الذي خلفه، و هكذا إلى ما لا نهاية. السؤال، هل سيطلق الجندي النار ؟ الجواب لا ؛ لأنه لن يصل إلى الجندي الذي سيعطيه الإذن بإطلاق النار أما إذا انتهت السلسلة إلى شخص لا يوجد فوقه أحد ليعطيه الإذن بإطلاق النار فستنطلق الرصاصة و بدون هذا الشخص ومهما كثر عدد الأشخاص لن تنطلق الرصاصة فهم كالأصفار إذ وضعتها بجانب بعضها البعض فمهما كثرت وبلغت حدا لا نهاية له : فستظل لا تساوي شيئا إلا أن يوضع قبلها رقم 1 فأكثر .
فساد قولهم هناك نظريات تفسر وجود الكون دون الحاجة إلى خالق
يقول الملاحدة القول بوجود خالق للكون احتجاج بالجهل فلأن المؤمنين جهلوا آلية نشأة الكون ادعوا أن سبب الكون هو الإله ،واليوم هناك العديد من النظريات تفسر نشأة الكون بمعزل عن الإله ،والجواب أن القول بوجود خالق للكون احتجاج بعلم وليس بجهل فيوجد عشرات الأدلة الدالة على وجود خالق و إذا كان أصغر شيء مصنوع في الكون يستحيل أن يكون بلا صانع فكيف يصح أن يقال هذا الكون بأكمله بلا خالق ؟!!!
ولا تعارض بين وجود تفسير لنشأة الكون وبين وجود منشئ للكون كما لا تعارض بين مخترع الشيء و آلية عمل الشيء ، ووجود حدث لا ينفي وجود محدِث له بل يؤكد على وجوده .
و لا تعارض بين وجود قوانين تتحكم في عمل الكون و بين وجود خالق للكون فالخالق يدير الكون من خلال قوانين قد سنها للكون ،ولا يدير الكون بالمعجزات ،وهذا لا يمنع من التدخل الإلهي المباشر في بعض الأحيان.
و الاعتقاد بوجود خالق و أنه مسبب الأسباب و أنه خالق القوانين الفيزيائية لا يعني الاستغناء عن الأسباب الطبيعية أو التمرّد على شيء من حقائق العلم الصحيح ، وإنّما هو اعتقاد بأن الخالق هو المسبب لهذه الأسباب الطبيعية ، ومسبب لهذه القوانين الفيزيائية ،و حتى لو سلمنا جدلا أن العلم وصل إلى معرفة كل الأسباب الطبيعية و كل القوانين التي تدير الكون فهذا لا ينفي وجود الخالق بل هذه الأسباب الطبيعية و هذه القوانين دالة على موجد لها فكل سبب له مسبب ، وكل قانون له مقنن و الخالق عز و جل مسبب هذه الأسباب الطبيعية ،وخالق هذه القوانين .
خالق الكون هو الله لا أحد سواه
إذا ثبت أن للكون إله فلابد أن يعرفنا هذا الإله بنفسه وبصفاته و بخلقه للكون وبما يحبه و بما يكره و الإله لا يعرفنا نفسه و ما يحبه و ما يكره عن طريق نزوله بنفسه لنا لعظمته و ملكه فإذا كان ملوك الدنيا لا يعرفون الناس أنفسهم بأنفسهم بل عن طريق رسل فلخالقهم المثل الأعلى فلابد أن يرسل الإله الملك المعبود رسولا يعرف الناس به وبما يحبه وما يكرهه و كيفية عبادته ،وبذلك يكون الأنبياء و الرسل الواسطة بين الإله وبين خلقه في تعريفهم به و ما يحبه و ما يكرهه و كيفية عبادته .
و لا أحد يعرف صفات الإله و ما يحبه وما يكره إلا من عرفه الإله ذلك ، و الذي يعرفه الإله ذلك هو الرسول و النبي كي يعلِم من بعث فيهم بذلك .
وكل دين ليس مبلغه هو الرسول و النبي المبعوث من قبل الإله فليس دين حق إذ كيف يعرف صفات الإله و ما يحبه وما يكره ، والإله لم يعرفه .
و من الأدلة على أن مدعي الرسالة صادق في دعواه تأييد الإله له بالأدلة الدالة على صدق دعوته كتأييده بالمعجزات فلا يبعث الخالق رسولا من الرسل إلا ومعه آية و علامة تدل على صدقه فيما أخبر به عنه .
وقد عرفنا خالق الكون بنفسه وبأسمائه وبصفاته و بخلقه للكون وبما يحبه و بما يكره من خلال رسله وأنبيـائه المؤيدين بالمعجزات وأخبرنا أنه الله ،وأخبرنا أنه هو الذي خلقنـا و لو كان هناك خالق غير الله لأدعى الخلق ، و لم يدع أحد غير الله لنفسه الخلق إلا خذله الله في الدنيا و افتضح أمره ، أما الله سبحانه فقد قال أنه الخالق لكل شيء عن طريق رسله و أنبيائه و لم ينازعه أحد قال تعالى : ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [ فاطر : 3 ] ،وقال تعالى: ﴿ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأعراف: 54] ، وقال تعالى: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الزمر: 62] و قال تعالى : ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ [الرعد : 16] و قال تعالى : ﴿ خلق السَّماوات بغير عمدٍ ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبثَّ فيها من كل دابةٍ وأنزلنا من السَّماء ماءً فأنبتنا فيها من كلّ زوجٍ كريم هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظَّالمون في ضلالٍ مبينٍ ﴾ [ لقمان : 10-11] .
وقد أمرنا الله بعبادته وحده دون ما سواه قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾[ النحل :36] و قال تعالى : ﴿ يا أيَّها النَّاس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلَّكم تتَّقون الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسَّماء بناءً وأنزل من السَّماء ماءً فأخرج به من الثَّمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: 21-22] ،و قال تعالى : ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾[ الأعراف : 158]
فساد قول من يدعي أن هناك خالقا غير الله
إن القول بوجود خالق غير الله قول مردود لا أثارة عليه من علم إذ خالق الكون قد عرفنا بنفسه عن طريق أنبيائه ورسله أنه الله وقد أيد أنبيائه ورسله بالمعجزات الدالة على صدقهم ،و لم يأت أحد من البشر غيرهم بمعجزة مثلهم ،وقال بخلاف ما قالوا .
ولا يعقل أن من خلق هذا الكون بهذا الإبداع وهذا التناسق وهذا الجمال وهذا النظام و هذا الاتساع لا يعرف البشر بنفسه ليحمدوه على بديع صنعه ،ويشكروه على كثير إنعامه وفضله .
وإذا كان من اخترع شيئا من الأشياء يبين للناس أنه مخترع ذلك الشيء بل ويغضب إذا نسب الاختراع لغيره فكيف بمن أبدع السموات و الأرض ،ولله المثل الأعلى ؟!!
و يقال لكل من يدعي أن هناك خالق غير الله صف لنا هذا الخالق ،واذكر برهانك على أنه الخالق و ليس غيره ،وإلا فأنت تتكلم بلا علم ،وبلا برهان قال تعالى : ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ﴾ [الرعد: 33] وليس المراد أن يذكروا أساميها نحو اللّات والعزّى، وإنما المعنى إظهار تحقيق ما تدعونه إلها، وأنه هل يوجد معاني تلك الأسماء فيها، ولهذا قال بعده: ﴿ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ﴾ [2]ومعنى الآية يا من تدعون أن هناك آلهة غير الله صفوا هذه الآلهة بالصفات التي يستحقونها، هل هي خالقة رازقة محيية مميتة، أم هي مخلوقة لا تملك ضرًا ولا نفعًا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فإذا وصفوها بما تستحقه من الصفات تبين ضلالهم .
و القرءان الكريم الذي بين أيدينا يثبت وبدون شك عند تفحصه و مقارنته بكلام البشر أنه ليس من كلامهم و في الوقت ذاته فهو رسالة من خالق هذا الكون لنا يبلغنا فيه أنه خالقنا ويبلغنا فيه عن صفاته فإن لم يكن هناك خالق فمن أرسل بهذه الرسالة ؟ وإذا كان هناك خالق آخر فلماذا لم يتفضل بإبلاغنا عن وجوده؟! وبهذا يتبين فساد قول أحد الملاحدة : " وجود علة أولى لا يعني وجود إلهك الديني ...خلق الكون ليس مسجلا كبراءة اختراع للإله الإسلامي ولا لأي إله آخر ...لماذا يفترض أن الفرضية المقبولة هي فكرة أحد آلهة الأديان وليس مثلا وحش السباغيتي الطائر " و فساد قول من قال : " لا مانع من وجود إله لكن لماذا لا يكون هذا الإله هو وحش السباجيتي الطائر ؟ "
فساد القول بترك عبادة جميع الآلهة لتعددها
و قد يقول قائل لأن الآلهة كثيرة والكل يدعي أنه الإله فالأسلم ترك جميع الآلهة ،والجواب ليس تعدد الآلهة ذريعة لترك عبادة الإله الحق فلو كنت قاضيا و أمامك أشخاص و كل منهم يدعي أيحق لك أن تقول لا يوجد حق ، بسبب تعدد مدعي الحق و البينة على المدعي و الحق له نور تعرفه به .
شتان ما بين وجود الخالق ووجود الوحش الاسباجيتي
إن من يشبه وجود الله خالق الكون بوجود الوحش الاسباجيتي قد شبه الحقيقة الثابتة بالباطل المضطرب ،وشبه ما ثبت بالبداهة بما ثبت بالأوهام والظنون والخيالات ،وشبه ما تضافرت عليه الأدلة و البراهين بما لا دليل عليه ،ولا برهان ،وشبه من لنا به علم بما ليس لنا به علم وشبه من له الأسماء الحسنى والصفات العلى بمن ليس له الأسماء الحسنى ولا الصفات العلى و لمن تأنس القلوب لله الغفور الرحيم الحكيم الخبير الذي له الكمال المطلق أم للوحش الأسباجيتي ؟! ،و ما من إنسان يسمع كلمة وحش إلا و اشمئز وفزع .
وهل عرفنا الوحش الاسباجيتي بنفسه عن طريق رسل مؤيدين بالمعجزات ؟ وهل أنزل لنا كتب يعرفنا فيها بنفسه وبصفاته وبخلقه للكون و بما يحبه وبما يكرهه ؟ وهل له صفات الكمال والجلال والعظمة ،وكيف تكون له صفات الكمال وهو وحش اسباجيتي ؟ وصدق الله القائل : ﴿إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ﴾ [النجم: 23] .
هذا و الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات
[1] - كواشف زيوف للشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني ص 551
[2] - المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص423
Leave a comment:
-
إبطال قولهم لو كان وجود خالق للكون أمرا بديهيا لما أنكر وجوده أحد
وقد يقول قائل لو كان وجود خالق للكون أمرا بديهيا لما أنكر وجوده أحد والجواب أن الإقرار بوجود خالق للكون إنما يكون بديهيا ضرورياَ في حق من سلم من المؤثرات الخارجية والشبه التي قد تجعله ينحرف عن الحق ، و قد يحتاج بعض الناس إلى ذكر الأدلة على وجود خالق للكون لوجود بعض الشبه لديهم أو لزيادة إيمانهم بوجود خالق .
و قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله : ( إن الإقرار والاعتراف بالخالق فطري ضروري في نفوس الناس، وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته حتى يحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة)[1] .
بعض الأدلة على وجود الخالق
إن الأدلة على وجود الخالق كثيرة ومتنوعة لتناسب جميع المتلقين العالم منهم والجاهل الصغير منهم والكبير ، و هذا التعدد في الأدلة يزيد في التصديق بوجود خالق ، واليقين بوجوده ،ومن الأدلة على وجود خالق للكون قوله تعالى : ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ ﴾ [ الطور الآية 35 - 36 ] و قد ذكر الله هذا الدليل بصيغة استفهام الإنكار ليتبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية بديهية مستقرة في النفوس ، لا يمكن إنكارها ، فلا يمكن لصحيح الفطرة أن يدعي وجود حادث بدون محدث أحدثه ، و لا يمكنه أن يقول : هو أحدث نفسه .
وكأن القرآن الكريم يقول لهذا المنكر: إذا لم يكن الله هو الذي خلقك، وخلق هذا الكون حولك؛ فهل خلقت من غير شيء خلقك؟ أي جئت من العدم المحض؟
سيقول كل عاقل في نفسه : كلا .. فإن هذا مستحيل.
أو أنك أنت الذي خلقت نفسك؟ سيقول: كلا .. فإن هذا يبدو أكثر استحالة.
هل كنت أنت الذي خلق السموات والأرض؟ سيقول: كلا .. فالقول بغير هذا مكابرة.
هذه حجة فطرية يدركها الناس بعقولهم؛ لذلك قرر القرآن الكريم مقدماتها في شكل أسئلة استنكارية. وهذه هي طريقة القرآن في تقرير كل حقيقة معروفة بالبديهية العقلية، يقررها بسؤال استنكاري ليدل على أن منكرها ينكر البدائه. ...
هذه الحجة القرآنية - التي أسميناها دليل الآيات - يمكن وضعها هي الأخرى في صيغة من الصيغ المنطقية العقلية المعروفة... كأن نقول مخاطبين الملحد:
أنت تعلم من نفسك أنك حادث وجدت بعد أن لم تكن.
فإما أن تكون قد وجدت من العدم أو أن شيئاً أوجدك.
من المستحيل أن توجد من العدم.
إذن فقد أوجدك شيء.
هذا الموجد إما أن يكون نفسك أو أن يكون غيرك.
من المستحيل أن تكون أنت الذي أوجدت نفسك.
إذن لابد أن يكون شيء غيرك هو الذي أوجدك .
هذا الغير إما أن يكون مثلك في حاجته إلى من يوجده أو لا يكون .
لا يمكن أن يكون مثلك؛ إذ ما قيل عنك سيقال عنه أيضاً. لابد إذن أن يكون خالقاً بنفسه غير مفتقر إلى من يوجده؛ وهذا هو الله تعالى[2].
ومن الأدلة على وجود خالق للكون دليل الحدوث فقد أثبت العلم وأثبتت الملاحظة أن الكون وحوادثه المستمرة، أمورٌ لم تكن ثم كانت، وكل شيءٍ لم يكن شيئاً مذكوراً ثم كان لا بد له حتماً من موجد أوجده، ولا بد أن يتصف هذا الموجد بالصفات التي تؤهله لعمليات الإيجاد، ولا بد أن يكون أزلياً غير حادث، وإلا احتاج هو أيضاً إلى موجد يوجده[3].
و من المعلوم أن كل الكائنات في الكون لها ساعة ميلاد، ويوم هلاك. فمن الذي أوجدها ومن الذي يفنيها؟
هل جاءت من العدم؟ كلا .. فإن هذا مستحيل عقلاً.
لا بد لها إذن من سبب أحدثها. لكن هذا السبب لا يمكن أن يكون الشيء المحدث نفسه؛ إذ كيف يسوغ عقلاً أن يكون الحادث المعين سبباً في إحداث نفسه؟
لا بد إذن أن يكون سببه شيئا غيره.
لكن إذا كان ذلك السبب الخارجي هو نفسه حادثا كالأسباب الطبيعية التي نشاهدها؛ فإنه سيحتاج – كالحادث الأول – إلى سبب، وسيحتاج سببه إذا كان حادثا إلى سبب .. وهكذا. لكن هذا التسلسل في العلل والمؤثرات مستحيل عقلاً.
لابد – إذن – من أن يكون السبب الحقيقي للحوادث سببا غير حادث. أي لا بد أن يكون شيئاً أزلياً ليس لوجوده ابتداء. ولا يمكن أن يكون هذا السبب الأزلي شيئاً غير الله[4]
و قال الشيخ عبد الرحمن الميداني – رحمه الله - : ( فالأدلة العقلية الفلسفية تثبت لنا حدوث العالم من ظاهرة التغير الملازمة لكل شيء فيه، وذلك لأن التغير نوع من الحدوث للصورة والهيئة والصفات، وهذا الحدوث لا بد له من علة ، وتسلسلاً مع العلل للمتغيرات الأولى، سنصل حتماً إلى نقطة بدء نقرر فيها أن هذا الكون له بداية، في صفاته وأعراضه، وفي ذاته ومادته الأولى، وحينما نصل إلى هذه الحقيقة لا بد أن نقرر أن خالقاً أزلياً لا يمكن أن يتصف بصفات تقتضي حدوثه، وهذا الخالق هو الذي خلق هذا الكون وأمده بالصفات التي هو عليها )[5].
ومن الأدلة على وجود خالق للكون دليل الإمكان فهذا الكون بكل ما فيه من مجرات و نجوم وكواكب وبحار و أنهار و محيطات و نباتات وحيوانات وغير ذلك يقبل الوجود و العدم فإننا نرى أعيان ما في الكون تموت وتحيى ، و توجد و تنعدم ،و كانت غير موجودة ثم وجدت .
ونعلم أن المجرات و النجوم و الكواكب و الحيوانات و النباتات و الجمادات لم تكن موجودة ثم وجدت ،وعليه فلا مانع عقلا من انعدام الكون ،و لا يلزم من فرض وجود الكون محال ،و لا يلزم من فرض عدمه محال ،وهذه صفات ممكن الوجود .
وممكن الوجود الأصل فيه العدم إذ لو كان الأصل فيه الوجود لكان واجب الوجود فلا يكون مع ذلك ممكن الوجود والعدم ، وإذ كان الكون مسبوقا بالعدم فلابد من وجود من رجح وجود الكون على عدمه لبطلان الترجيح بلا مرجح ،و الممكن لا يوجد بنفسه بل بغيره ولا يكون كذلك إلا ما كان محدثاً و من المعلوم ببداهة العقول أن كل محدَث لا بد له من محدِث و كل ممكن لا بد له من واجب فتعين أن يكون للكون خالق أحدثه .
ومن الأدلة على وجود خالق للكون دليل النظام ففروع العلم كافة تثبت أن هنالك نظاما معجزا يسود هذا الكون، أساسه القوانين والسنن الكونية الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل، والتي يعمل العلماء جاهدين على كشفها والإحاطة بها، وقد بلغت كشوفنا من الدقة قدرا يمكننا من التنبؤ بالكسوف والخسوف وغيرهما من الظواهر قبل وقوعها بمئات السنين.
فمن الذي سن هذه القوانين وأودعها كل ذرة من ذرات الوجود، بل في كل ما هو دون الذرة عند نشأتها الأولى؟ ومن الذي خلق كل ذلك النظام والتوافق والانسجام؟ من الذي صمم فأبدع وقدر فأحسن التقدير؟ هل خلق كل ذلك من غير خالق أم هم الخالقون؟ إن النظام والقانون وذلك الإبداع الذي نلمسه في الكون حيثما اتجهت أبصارنا يدل على أنه القدير وعلى أنه العليم الخبير من وراء كل شيء[6] .
ومن الأدلة على وجود خالق للكون دليل العناية إذ تثبت الملاحظة المستمرة في أشياء هذا الكون أن العناية إحدى الصفات البارزة فيه. فما من حاجة لحي من الأحياء في الكون إلا لها ما يسدها، ويلبي مطالبها على أكمل وضع وأتقنه.
فما من حاجة لدى نبات أو حيوان إلى غذاء إلا لها الغذاء الملائم لها على أحسن وجه وأتقنه.
وما من حاجة لدى ذي حياة إلى كساء يدفع عنه الحر والبرد والضر، إلا لها ما يحقق مطالبها على أحسن وجه وأتقنه.
وما من نزعة إلى رفاهية وترف واستمتاعٍ بجمال إلا لها في الكون ما يُلبّي رغبتها، سواءً للسائلين.
وما من داء إلا له دواء، وما من قوة إلا لها ضد مكافئ، ما لم يكن للقضاء والقدر في الحكمة العامة مرادٌ ما.
إلى غير ذلك من أمور كثيرة لا تحصى. وكل هذا من العناية، والعناية لا تكون إلا صفة لذي علم وحكمة ورحمة، وهذه صفات عليم حكيم رحيم، وهو الله عز وجل [7].
[1] - مجموع الفتاوى لابن تيمية 16/328
[2] - الفيزياء ووجود الخالق للدكتور جعفر شيخ إدريس ص 53-54
[3] - كواشف زيوف للشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني ص 549
[4] - الفيزياء ووجود الخالق للدكتور جعفر شيخ إدريس ص 48-49
[5] - صراع مع الملاحدة حتى العظم للشيخ عبد الرحمن الميداني ص 97
[6] - من مقدمة مترجم كتاب الله يتجلى في عصر العلم الدكتور الدمرداش عبد المجيد ص 7
[7] - كواشف زيوف للشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني ص 550
Leave a comment:
-
فساد أكذوبة الملاحدة أن وجود الله مجرد فرضية كفرضية وجود الوحش الاسباج
فساد أكذوبة الملاحدة أن وجود الله مجرد فرضية كفرضية وجود الوحش الاسباجيتي
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى أصحابه الغر الميامين ، و على من أتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد :
فقد انتشر في عصرنا مرض الإلحاد ، وهو أحد الأمراض الفكرية الفتاكة إذ يفتك بالإيمان و يعمي الحواس عن أدلة وجود الخالق الرحمن ،و تجد المريض يجادل في البديهيات و يجمع بين النقيضين ويفرق بين المتماثلين ،ويجعل من الظن علما و من العلم جهلا و من الحق باطلا و من الباطل حقا .
ومن عوامل انتشار هذا المرض الجهل بالدين و ضعف العقيدة واليقين والاسترسال في الوساوس الكفرية والسماع والقراءة لشبهات أهل الإلحاد دون أن يكون لدى الإنسان علم شرعي مؤصل .
وشبهات أهل الإلحاد ما هي إلا أقوال بلا دليل وادعاءات بلا مستند ،ورغم ضعفها و بطلانها إلا أنها قد تؤثر في بعض المسلمين لقلة العلم وازدياد الجهل بالدين ولذلك كان لابد من كشف شبهات ومغالطات ودعاوي أهل الإلحاد شبهة تلو الأخرى و مغالطة تلو المغالطة ودعوى تلو الدعوى حتى لا ينخدع أحد بكلامهم وشبههم .
وفي هذا المقال سنتناول بإذن الله الرد على دعوى الملاحدة أن وجود الله مجرد فرضية كفرضية وجود الوحش الاسباجيتي الطائر يقول أحد الملاحدة هداه الله : " هل تستطيعون إثبات أن وحش المكرونة ( أو السباغيتي ) الطائر الذي يأكل البسكويت غير موجود؟ أليس السؤال المنطقي هنا هو كوني أملك دليلاً على وجوده أم لا؟ هل عدم قدرتكم على إثبات أنه غير موجود يعني أنه موجود؟ بنفس الطريقة، الله غير موجود لأنكم لا تستطيعون إثبات وجوده. والبرهان لا يقع على عاتقنا للإثبات بأن الله غير موجود، بل يقع على عاتق المؤمن أن يثبت أن الله موجود بالدليل، بنفس الطريقة التي يقع على عاتقي إثبات أن وحش السباغيتي الطائر موجود إذا ادعيت ذلك. وما قلته أنا هو قاعدة علمية، فعبئ الإثبات يقع على عاتق المدعي، وليس عبئ الإنكار يقع على عاتق المستمع "
ويقول آخر : " وجود علة أولى لا يعني وجود إلهك الديني ...خلق الكون ليس مسجلا كبراءة اختراع للإله الإسلامي ولا لأي إله آخر ...لماذا يفترض أن الفرضية المقبولة هي فكرة أحد آلهة الأديان وليس مثلا وحش السباغيتي الطائر أو إذا أردنا فرضية اقترحها بعض علماء الفيزياء النظرية فلدينا "نظرية-أم" التي يرى ستيفن هوكنج أنها تفسر وجود الكون دون حاجة إلى خالق؟ "
و قال أحدهم عندما سئل عن أدلته في نفي وجود الله : "ما يقال بغير دليل، ينقض بغير دليل " ،وقال آخر : " لا مانع من وجود إله لكن لماذا لا يكون هذا الإله هو وحش السباجيتي الطائر ؟ "
،وقال آخر : " هل تستطيع إثبات أن الله ليس موجوداً ؟ بالطبع لا.. البينة على من ادعى, القصة أشبه بقصة رجل ذهب إلى الغابة, وعندما عاد قال أنه رأى وحشاً بسبعة أرجل وعشرون جناح, ونظراً لاستحالة الأمر كذبه الجميع, لكن بدلاً من أن يثبت لهم أن الوحش موجود طلب منهم محاولة نفي وجوده, فإن لم يستطيعوا نفي وجوده فهذا يعني أنه موجود المنطق الذي قام عليه السؤال غبي جداً, إذا ادعيت أن عندي إله اسمه وحش السباغيتي الطائر, هذا الإله أوحى برسالة لنا وطلب منا أن نعبده, هل تستطيع أن تكذب كلامي ؟ هل علي أن اثبت لك أن وحش السباغيتي الطائر موجود أم عليك أنت أن تحاول نفي وجوده ؟"
وجود خالق للكون ليس فرضية من الفرضيات
إن قضية وجود خالق للكون ليس فرضية من الفرضيات قد يثبت الدليل صحتها وقد يثبت خطأها بل قضية وجود خالق للكون قضية بديهية و حقيقة ثابتة مستقرة في النفوس والفطر ، ولا يمكن إنكار وجوده إذ العلم بوجود خالق للكون كالعلم بوجود كاتب للكتابة و بانٍ للبناء و مؤثر للأثر وفاعل للفعل ومحدث للحدث ،وهذه القضايا المعينة الجزئية لا يشك فيها أحد من العقلاء ولا يفتقر في العلم بها إلى دليل فهي واضحة ظاهرة ،والواضح لا يحتاج إلى توضيح ، والظاهر لا يحتاج إلى استظهار .
قال سيد سابق – رحمه الله - : ( إن وجود الله حقيقة لا شك في أمرها ، ولا مجال لإنكارها ، فهو ظاهر كالشمس باهر كفلق الصبح، وكل ما في الكون شاهد على هذا الوجود الإلهي ، ومواد الطبيعة وعناصرها تؤكد أن لها خالقًا ومدبرًا .
فالعالم العلوي، وما فيه من شموس وأقمار ونجوم وكواكب، والعالم الأرضي وما فيه من إنسان وحيوان ونبات وجماد، والترابط الوثيق، والتوازن الدقيق، الذي يؤلف بين هذه العوالم، ويحكم أمرها .. ما هو إلا آية وجود الله، ومظهر تفرده بالخلق، ولا يتصور العقل أن توجد هذه الأشياء بدون موجد، كما لا يتصور أن توجد الصنعة بدون صانع.
فإذا كان العقل يحيل أن تطير طائرة في الهواء، أو تغوص غواصة في الماء دون أن يكون فيه صانع للطائرة، ومنشئ للغواصة، فإنه يجزم جزمًا قاطعًا باستحالة وجود هذا الكون البديع، وهذه الطبيعة الجميلة من غير خالق خلقها، ومدبر دبر أمرها )[1].
وقال د .جعفر شيخ إدريس – حفظه الله - : ( إن وجود الإله الخالق أمر تعرفه العقول بداهة، لذلك لم يكن ينكر وجود الإله الخالق فيما مضى إلا فئات قليلة من البشر، ولذلك كانت الرسالات السماوية تُبنى على إقرار الناس بوجود الرب تعالى، وأنه هو الذي خلقهم ويرزقهم ويحييهم و يميتهم، ثم تزيدهم علمًا به، وتدعوهم إلى عبادته وحده دون سواه مما يعلمون أن أنه لم يخلق ولم يرزق، ولا يحيي ولا يميت، ولا يتصف بشيء من صفات الإله الخالق .
﴿ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [العنكبوت : 16- 17]
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة : 21 -22]
حتى الذين أنكروا وجود الخالق ، والذين يسمَّون في عصرنا بالملحدين ، لا ينكر معظمهم وجود الخالق أي خالق ، وإنما ينكرون وجود الخالق الحق الذي دعتهم إلى الإيمان به رسالات السماء ، والذي كان يؤمن بربوبيته من يشرك معه غيره في عبادته . انظر إلى حال الملحدين في عصرنا : تراهم – إذا أنكروا وجود الخالق الحق – يعزون حدوث الأشياء إلى أشياء أخر ، وهم وإن لم يسموها بالخالقة إلا أنهم يقيمونها مقام الخالق سبحانه ، بل ويضفون عليها بعض صفاته !! ) [2].
[1] - العقائد الإسلامية لسيد سابق ص 39
[2] - الفيزياء ووجود الخالق للدكتور جعفر شيخ إدريس ص 36-37
Leave a comment:
-
مقولة البعرة تدل على البعير من باب ضرب المثل
إن قول الأعرابي البعرة تدل على البعير كانت على سبيل ضرب المثل والقياس ليتضح قوله ،ويزداد الكلام بالمثل وضوحا كما قيل بالمثال يتضح المقال .
ولسان حال الأعربي يقول إذا كانت البعرة تدل على فاعلها ،وهي أقل شأنا من وجود الليل والنهار والسماء والنجوم فمن باب أولي وجود الليل والنهار والسماء والنجوم والكون بأكمله يدل على وجود فاعله ،وهو الإله الخالق .
وإذا كان أثر السير يدل على فاعله ،وهو أقل شأنا من وجود الليل والنهار والسماء والنجوم فمن باب أولي وجود الليل والنهار والسماء والنجوم والكون بأكمله يدل على وجود فاعله ،وهو الإله الخالق قال تعالى : ﴿ إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [ البقرة : 164 ]
والإنسان حين ينظر في الكون وفي آياته لا بُدَّ أنْ يصل من خلالها إلى الخالق عَزَّ وَجَلَّ، فما كان لها أنْ تتأتى وحدها، ثم إنه لم يدَّعها أحدٌ لنفسه ممَّنْ ينكرون وجود الله، وقلنا: إن أتفه الأشياء التي نراها لا يمكن أن توجد هكذا بدون صانع، فمثلاً الكوب الذي نشرب فيه، هل رأينا مثلاً شجرة تطرح لنا أكواباً ؟
إذن: لا بُدَّ أن لها صانعاً فكر في الحاجة إليها، فصنعها بعد أنْ كان الإنسان يشرب الماء عباً، أو نزحاً بالكفن وما توصلنا إلى هذا الكوب الرقيق النظيف إلا بعد بحث العلماء في عناصر الوجود، أيها يمكن أنْ يعطيني هذه الزجاجة الشفافة، فوجدوا أنها تُصنَع من الرمل بعد صَهْره تحت درجة حرارة عالية، فهذا الكوب الذي يمكن أنْ نستغني عنه أخذ منا خبرة وقدرة وعلماً . إلخ فما بالك بالشمس التي تنير الكون كله منذ خلق الله هذا الكون دون أنْ تكلّ أو تملَّ أو تتخلف يوماً واحداً، وهي لا تحتاج إلى صيانة ولا إلى قطعة غيار، أليست جديرة بأن نسأل عمَّنْ خلقها وأبدعها على هذه الصورة، خاصة وانها فوق قدرتنا ولا تنالها إمكاناتنا[1].
وليس في مقولة البعرة تدل على البعير إهانة للذات الإلهية ،ولا تشبيه الكون ببعرة أو تشبيه الخالق ببعير كما يزعم الملاحدة هداهم الله ؛ لأن المقولة أتت على سبيل ضرب المثل ،وتشبيه حال أمر بحال أمر آخر ،وتنبيه الذهن على قياس النظير على النظير .
والعربي يضرب مثلا لسوء الْجَزَاء بقوله : جزاه جَزَاء سنمار ،وَكَانَ سنمار بِنَاء مجيداً من الرّوم فَبنى الخورنق للنعمان بن امرئ الْقَيْس فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ النُّعْمَان استحسنه وَكره أَن يعْمل مثله لغيره فَأَلْقَاهُ من أَعْلَاهُ فَخر مَيتا[2] قال النعمان لسنمار: ما رأيت مثل هذا البناء قط. فقال له سنمار: إني أعلم موضع آجرة لو زالت لسقط القصر كله. فقال النعمان أيعرفها أحد غيرك. قال: لا. قال: لأدعنها وما يعرفها أحد.وأمر به قفذف من أعلى القصر[3]،وعندما يقال هذا المثل على شخص لا يقصد بذلك تشبيه هذا الشخص بسنمار ،ولكن تشبيه حاله بحال سنمار .
والعربي يضرب مثلا لمن يرجع بالخيبة بقوله رجع بِخُفَّيْ حنين ،و حنين هو اسم إسكاف من أهل الحيرة، ساومه أعرابي بخفين ولم يشترهما، فغاظه ذلك وعلق أحد الخفين في طريقه، وتقدم فطرح الآخر وكمنَ له، وجاء الأعرابي فرأى أحد الخفين فقال: ما أشبه هذا بخف حنين، لو كان معه آخر لاشتريته. فتقدم فرأى الخف الثاني مطروحا في الطريق فنزل وعقل بعيره ورجع إلى الاول، فذهب الإسكاف براحلته وجاء إلى الحي بخفي حنين[4] فكان هذا مثلا يضرب عند الرجوع بالخيبة[5]. وعندما يقال هذا المثل على شخص لا يقصد بذلك تشبيه هذا الشخص بالأعرابي الذي رجع بِخُفَّيْ حنين ،ولكن تشبيه حاله بحال الأعرابي .
والعربي يضرب مثلا لما يكتفي بمنظره عن تعرف حاله بقوله كفى برغائها[6] منادياً و،َأَصله أَن ضيفاً أَنَاخَ[7] بِفنَاء رجل فَجعلت رَاحِلَته ترغو فَقَالَ الرجل مَا هَذَا الرُّغَاء أضيفٌ أَنَاخَ بِنَا فَلم يعرفنا مَكَانَهُ فَقدم قراه فَقَالَ الضَّيْف كفى برغائها منادياً[8] قَال أبو عبيد: هذا مَئَلٌ مشهور عند العرب يضرب في قَضَاء الحاجة قبل سؤلها، ويضرب أيضاً للرجل تحتاج إلى نُصرتَه أوْ مَعُوْنَتَهُ فلا يحضرك، ويعتلُّ بأنه لم يعلم، ويضرب لمن يقف بباب الرجل فيقَال: أرْسِلْ مَنْ يستأذن لك ويقول: كفى بعلمه بوقوفي ببابه مستأذنا لي، أي قد علِم بمكاني فلو أراد أذِنَ لي[9].
ومما يؤكد عدم قصد الأعرابي الأهانة للذات الإلهية أنه لم يذكر البعرة تدل على البعير وحدها بل اتبعها بقوله وأثر السير يدل على المسير ، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير فلما تغافل الملاحدة عن باقي كلام الأعرابي ؟!!
بطلان سؤال من خلق الله ؟ وكيف جاء الله ؟ومن أوجد الله ؟
إن العقل السليم يبطل سؤال من خلق الله أو كيف جاء الله ؟ أو من أوجد الله ؟، إذ كون الله خالقا يستلزم ألا يكون مخلوقا ،وعليه فلا يصح سؤال من خلق الله أو كيف جاء الله ؟ أو من أوجد الله ؟ ، والأصل في الخالق الوجود إذ لو كان الأصل فيه العدم لما أوجد الكون ؛ لأن فاقد الشيء الذي لا يملكه، ولا يملك سبباً لإعطائه لا يعطيه ، و إذا كان الأصل في الخالق الوجود فلا يصح أن نسأل عن سبب وجوده أو كيف جاء .
و الخلق يفتقرون إلى خالق ، و لو كان الخالق يفتقر إلى غيره ،وهكذا للزم التسلسل في الفاعلين إلى ما لا نهاية و بالتالي لا يوجد خالق للخلق ، و الخلق فعل و الفعل لا بد أن يكون له فاعلا ،و عدم وجود خالق للخلق يستلزم ألا يوجد فاعل للفعل وهذا باطل .
و سؤال السائل : من خلق الله ؟ يساوي سؤال : ما الذي سبق الشيء الذي لا شيء قبله ؟ و يساوي سؤال : ما بداية الشيء الذي لا بداية له ؟ ويساوى سؤال : ما بداية وجود الشيء الذي لا بداية لوجوده ؟ .
هذا و الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات
[1] - تفسير الشعراوي 19/11691
[2] - جمهرة الأمثال للعسكري 1/305
[3] - الحيوان للجاحظ 7/460
[4] - الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري 5/2106
[5] - اللباب في قواعد اللغة وآلات الأدب لمحمد علي السراج ص 274
[6] - الرغاء صوت الأبل
[7] - أناخ بالمكان أقام بالمكان واستقر
[8] - جمهرة الأمثال للعسكري 2/151
[9] - مجمع الأمثال لأبي الفضل الميداني النيسابوري 2/142
Leave a comment:
Leave a comment: