و إن قال الملاحدة قول المؤمنين كل حادث يحتاج إلى محدث قول بلا دليل و لا سبيل للبرهنة عليه و مهما جمع من أدلة من العالم فإنها لا تكفي للوصول إلى الكلية لاستحالة اختبار كل الحوادث و معرفة هل هي محتاجة إلى محدث أو لا فالجواب هذه سفسطة لا أثارة عليها من علم إذ مقولة الحادث لا بد له من محدِث من البديهيات .
و البدهيات هي حقائق ضرورية لا تحتاج إلى برهان، أي أنها تفرض نفسها على الذهن بحيث لا يحتاج إلى برهان لإثباتها ويجمع العقلاء على صحتها واعتمادها كأصول ضرورية لازمة ، و هي تعتبر أسسا و قواعد أولية ومقاييس تبنى عليها باقي الأفكار، وبراهين لإثبات صدق غيرها من الأفكار .
و مقولة كل حادث لابد له من محدث هي كمقولة كل كتابة لابد لها من كاتب و لو رأي شخص كتابة فقال لابد لها من كاتب فاعترض عليه آخر قائلا : ( أثبت لي أن هذه الكتابة تحتاج لكاتب و هل اختبرت كل الكتابات لتعرف هل تحتاج إلى كاتب أم لا ) لعده الناس مجنونا .
و مقولة كل حادث لابد له من محدث بديهية مستغنية أن يذب عنها يستدل بها و لا يستدل لها فالسؤال عن إثباتها يعتبر خطأ فادح كالتصديق بأن النار حارة فهذا التصديق لا يحتاج إلى إثبات و جمع الأدلة عليه من كل العالم .
و إني أسأل عن شخص يفكر في وجود جهاز دقيق الحجم معقد التركيب محكم الوظائف وجد بلا موجد ما حكمه عند العقلاء و أيهما أعظم في الحكم هذا الجهاز الدقيق أم هذه خلية الإنسان الحية ،وهي دقيقة الحجم معقدة التركيب محكمة الوظائف أضف إلى ذلك أنها تنمو و تتكاثر و تتنفس و تتغذى و تقوم بعمليات حيوية تعجز عن محاكاتها أكبر المصانع في العالم ، و الأعجب من هذا أن المواد الميتة خارج الخلية كالكربوهيدرات و البروتينات عندما تعبر غشاء الخلية و يسمح لها بالاندماج مع مكونات الخلية وعضياتها تتحول هذه المواد من مواد ميتة لا حياة فيها إلى عضيات حية تتغذى ، وتتنفس ؟!!
والكون الذي نعيش فيه محكوم بقوانين لا يحيد عنها ،ولاينفك عنها فهي مفروضة عليه فرضا فلابد أن يكون لها من قننها و سنها وفرضها و عندنا ثلاث احتمالات لمن سن هذه القوانين إما أن يكون الكون نفسه هو الذي سن هذه القوانين أو القوانين نفسها أو شيء آخر خارج عن الكون .
و الاحتمال الأول مرفوض إذ يلزم منه وجود الكون قبل وجوده .
و الاحتمال الثاني مرفوض ؛ لأنه تصوير للقوانين على أنها فاعلة محركة ،و القوانين مجرد وصف سلوك لظاهرة في الكون يتكرر تحت نفس الظروف .
و الاحتمالان السابقان باطلان فتعين الاحتمال الثالث لفساد ما ينقضه ،وهو أن يكون من سن قوانين الكون شيء خارج عن الكون فهذا إثبات لشيء خارج عن الكون ،وهو الإله الخالق .
و نجد هذا الكون الذي نعيش فيه في غاية الانتظام فتجد المطر لا يستطيع أن يمتنع عن الأرض فتنعدم الحياة ويهلك الناس ،و الأرض لا تستطيع أن تمتنع عن إنبات الزرع و ما رأينا يوما تعطل الشمس أو سقوط نجم من السماء على الأرض و غير ذلك من الأمور ،و كل هذا يدل على وجود خالق قدير يحفظ نظام هذا الكون فلابد للتنظيم من منظم ، قال تعالى : ﴿ إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [ البقرة : 164 ] ، وقال تعالى : ﴿ لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ﴾ و إذا كان العقل يحيل انتظام عمل مصنع من المصانع دون منظم لهذا المصنع فكيف بهذا الكون الشاسع ؟!
و إن قال الملاحدة الاستدلال بدليل النظام قائم على التشابه بين الكائنات الطبيعية و المصنوعات البشرية فلأننا شاهدنا أن جميع المصنوعات البشرية لا تخلو من صانع ، فلا بد أن يكون للكون المنظَّم من صانع خالق ، و هذا التشابه بمجرده لا يكفي لسحب و تعْدِيَة حكم أحدهما إلى الآخر لاختلافهما ، فإن مصنوعات البشر موجودات صناعية ، بينما الكون موجود طبيعي .
و الجواب أن العقل المدُقّق في حقيقة النظم و المتتبع لعلته ، سيحكم فورا بأن مصدر النظام هو خالق حكيم عالم قد أوجد الأجزاء المختلفة كمّا وكيفا ، ورتبها ونسقها بحيث يمكن أن تتفاعل في ما بينها ، وتتعاون لتحقيق الهدف المطلوب والغاية المقصودة من إيجادها وهذا الحكم الذي يصدر عن العقل لا يستند إلى شيء سوى إلى ماهية النظام وطبيعته الرافضة للتحقق بلا فاعل عالم ومدبر، ولا يستند إلى التشابه ، ولا إلى التجربة كما زعموا فبرهان النظم قائم على إدراك الحس بوجود النظام في الكون بملاحظة العقل للنَّظم و التناسق و الانضباط بين أَجزاء الوجود أي ملاحظة نفس ماهية النظام من دون تنظيرها بشيء ، فيحكم بما هو هو، من دون دخالة لأَية تجربة و مشابهة ، بأَنَّ موجد النَّظم لا محالة يكون موجوداً حكيما قديرا .
و برهان النظام قائم أيضا على البديهة العقلية القاضية بأن النظام لا يكون إلا من منظم ذي إرادة و قدرة وحكمة و ما ذكروه من أن هذا مصنوع ، و هذا طبيعي لا يلغي وجود النظام في كليهما ، و لا يلغي البديهة العقلية القاضية بوجود منظم للكون .
و الفارق الذي ذكروه بين الأحداث التي تكون في الطبيعة و التي يفعلها الانسان غير مؤثر إذ لا فارق بين الأحداث التي تكون في الطبيعة و التي يفعلها الانسان من حيث السبب و العلة .
و إن قال الملاحدة لا يمكن الحكم على الكون أنه منتظم فهل لدينا كون آخر يمكن مقارنته بهذا الكون حتى يمكننا القول بأن كوننا منظم و الجواب لا يشترط في القول بأن الكون منتظم وجود كون آخر يقارن بكوننا ، فوصف أي شيء بصفة لا يستلزم وجود مماثل له لكي يوصف و الشيء يوصف عن طريق رؤيته بالبصر أو الإحساس به عن طريق الحواس الأخرى أو رؤية الشبيه بالبصر أو الإحساس بالشبيه عن طريق الحواس الأخرى .
و لعل الملاحدة خلطوا بين وصف الشيء و مقارنة الشيء بغيره فالمقارنة تحتاج وجود شيء آخر يقارن بالشيء مثل فلان جميل هذا وصف و عند مقارنة فلان بغيره تقول فلان أجمل من فلان و هذا الشيء منظم و هذا الشيء أكثر نظاما من هذا الشيء .
و إن قال الملاحدة لو كان هناك كيان صمم هذا النظام فهذا يعني أن هذا الكيان بنفس الفرض هو محكم ومعقد أكثر من الكون فمن أين أتى هذا الكيان ؟ و الجواب أن القول بوجود منظم للكون لا يفرض وجود سبب لهذا المنظم ؛ لأن الذي نظم الكون هو الخالق و الخالق ليس كالمخلوق و لا يصح أن يُقاس القديم الأزلي الذي لا أول له على الحادث الذي له أول و هل يوجد لله شبيه حتى نشبه الله به و الله ليس له شبيه .
و إن قال الملاحدة لا يصح أن يقال أن الكون منظم لوجود الفوضى في الكون و الجواب هذه الظواهر التي يدعون أنها فوضوية لا تلغي وجود نظام في الكون فكم يوجد في الكون من أشياء منظمة منسقة حتى أبهرت علماء الفيزياء و الأحياء و الكيمياء و الفلك و الجولوجيا و غيرهم .
و الفوضى تستلزم عدم وجود أنظمة و قوانين تحكم هذه الظواهر الفوضوية و إمكان استنتاج قوانين عامة تحكم هذه الأمور يدل على انتظامها و ليس على عدم انتظامها ، و لا يوجد شيء في الكون في الغالب لا يخضع لقوانين ،و ما لم يتم معرفة قوانينه فهذا لقصور العلم في الوقت الحالي و مع مرور الزمن سيكشف لنا العلم وجود نظام لهذه الظواهر .
و ما دامت الفوضى تخضع لقوانين فليست فوضى ، و لكن نظام مرتب لم يتم الكشف عن ماهيته الحقيقية ، و هل وجود ظواهر فوضوية في الكون كما يدعون ينفى وجود موجد لها ؟!!
و النظام هو السائد في الكون بدليل إمكان العلماء من وضع قوانين للظواهر الفيزيائية و الطبيعية فلو كانت الفوضى هي السائدة لما تمكن العلماء من وضع قوانين تحكم الكون .
ووجود الكائنات الحية دليل على وجود خالق حي وهب الحياة لها فالحياة لا تأتي إلا من حي ،و من يقول من الملاحدة: " نشأة الحياة ليست دليلا على وجود خالق ؛ لأنها نشأت صدفة عبر سلسلة طويلة من التطور الكيميائي ما قبل الحيوي استمر لملايين السنين ابتداء من الكيميائيات البسيطة مروراً بالجزيئات المتعددة و الجزيئات المتعددة الناسخة ذاتياً داخلةً بدورات تحفيزية وصولاً إلى كائنات ما قبل بكتيرية وأخيراً وصولاً إلى بكتريا بسيطة " فالجواب هذا الكلام لا يصح ،و ينم عن الجهل بمفهوم الصدفة إذ على التسليم الجدلي تنزلا مع الملاحدة أن الحياة نشأة صدفة نتيجة سلسلة من التفاعلات فهذا لا ينفي وجود خالق للحياة ؛ لأن الصدفة ليست فاعلة ،ولكنها صفة للفعل الصادر من الفاعل ،والفعل لا يوجد بدون فاعل .
وعلى التسليم الجدلي أن الملاحدة قدموا الآلية الصحيحة لنشأة الحياة فهم تكلموا عن كيفية نشأة الحياة ، و ليس لماذا نشأة الحياة ومن الذي أنشأها ؟ ، ومن الذي جعلها تنشأ بهذه الطريقة ؟ إذ العلم يبحث عن الفعل ،و لا يبحث عن الفاعل ،و يبحث عن الحدث ،و لا يبحث عن الحادث.
و لو كانت الحياة قد نشأت نتيجة سلسلة من التفاعلات فلابد من وجود موجِد للمواد التي تتفاعل ، ولابد من وجود من أعطى هذه المواد القابلية للتفاعل ،وهذه السلسلة من التفاعلات لها شروط معينة للحدوث فتحتاج إلى من يهيئ لها الشروط المعينة لحدوثها ،وهذه السلسلة من التفاعلات تحتاج إلى من يحافظ عليها كي تعطي نتائجها .
ولو كانت الحياة قد تطورت من مادة غير حية فمن الذي طور هذه المادة ؟ إذ أي تطور لابد له من مطور ، و إن قيل المادة هي التي طورت نفسها عبر ملايين السنين ،فالجواب هذا الكلام يستلزم أن الأدنى يتطور بنفسه إلى الأعلى ،و التطور الذاتي إلى الأكمل دون تدبير حكيم عليم قدير خالق، أمرٌ مستحيل عقلاً، إذ الناقص لا ينتج الكامل في خطةٍ ثابتة ، وهو بمثابة إنتاج العدم للوجود[1] ،و يلزم من هذا الكلام قبول تحول الناقص إلى الكامل بنفسه، وهذا نظير وجود الشيء من العدم الكلي المحض[2].
ومن يدعي من الملاحدة أن توافر الظروف لنشأة الحياة أدى لنشأة الحياة دون الحاجة لمسبب فدعواه في غاية السخف والسقوط ،وهو كمن يقول توافر الظروف لحدوث الجريمة أدي لحدوث الجريمة ،وعليه فليس للجريمة مرتكب .
وقد عرفنا خالق الكون بنفسه وبأسمائه وبصفاته و بخلقه للكون وبما يحبه و بما يكره من خلال رسله وأنبيـائه المؤيدين بالمعجزات وأخبرنا أنه الله ،وأخبرنا أنه هو الذي خلقنـا و لو كان هناك خالق غير الله لأدعى الخلق ، و لم يدع أحد غير الله لنفسه الخلق إلا خذله الله في الدنيا و افتضح أمره ، أما الله سبحانه فقد قال أنه الخالق لكل شيء عن طريق رسله و أنبيائه و لم ينازعه أحد قال تعالى : ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [ فاطر : 3 ] ،وقال تعالى: ﴿ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأعراف: 54] ، وقال تعالى: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الزمر: 62] و قال تعالى : ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ [الرعد : 16]
[1] - كواشف زيوف للشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني ص 331
[2] - كواشف زيوف للشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني ص 446
كي لا تنخدع بالإلحاد ( متجدد )
Collapse
This is a sticky topic.
X
X
-
عدم تعيين الفاعل على وجه التحديد لا يستلزم عدم وجود الفاعل
من البديهيات أن حدوث أي فعل يستلزم وجود فاعل له فحدوث الكتابة يستلزم وجود كاتب ،وحدوث البناء يستلزم وجود بان ،وحدوث الضرب يستلزم وجود ضارب ،وحدوث السرقة يستلزم وجود سارق وحدوث القتل يستلزم وجود قاتل .
والجزم بوجود فاعل للفعل لا يعني القدرة على تعيين فاعل الفعل دون الحاجة لأدلة وبراهين تفيد ذلك إذ تعيين فاعل الفعل يحتاج لأدلة وبراهين تفيد تعيين ذلك الفاعل دون غيره ،فحدوث جريمة ما يستلزم وجود مرتكب لها أما معرفة مرتكب الجريمة بعينه وتحديده دون غيره فيحتاج لأدلة وبراهين تفيد ذلك ،وحدوث كتابة على ورقة يستلزم وجود كاتب لها أما معرفة كاتب الورقة بعينه وتحديده دون غيره فيحتاج لأدلة وبراهين تفيد ذلك ،ورسم منظر طبيعي خلاب يستلزم وجود رسام مبدع أما معرفة من رسم هذا المنظر الطبيعي بعينه وتحديده دون غيره فيحتاج لأدلة وبراهين تفيد ذلك.
وهذا الكون الذي نعيش فيه له لحظة بداية ولحظة تكوين ولحظة إنشاء ،وهذا يستلزم وجود مبدئ ومكون و منشئ له ،وهو الإله الخالق ،ومعرفة من هو هذا الإله الخالق وتعيينه يحتاج لأدلة وبراهين تفيد ذلك ،وهذه الأدلة والبراهين لابد أن تكون موجودة ظاهرة واضحة إذ لا يعقل أن من خلق هذا الكون بهذا الإبداع وهذا التناسق وهذا الجمال وهذا النظام و هذا الاتساع لا يضع للناس أدلة تدل عليه و تعرف الناس به ،وإذا كان من اخترع شيئا من الأشياء يبين للناس أنه مخترع ذلك الشيء بل ويغضب إذا نسب الاختراع لغيره فكيف بمن أبدع السموات و الأرض ،وخلق هذا الجمال على غير مثال ؟!!
ولا يصح الاعتراض على مقولة البعرة تدل على البعير بأنها لم تبين من الفاعل على وجه التحديد ؛ لأن تعيين الفاعل على وجه التحديد يحتاج لأدلة وبراهين تفيد التحديد والتعيين ،ولا يلزم من عدم تعيين الفاعل على وجه التحديد عدم وجود الفاعل أي عدم تعيين الفاعل لا ينفي وجود الفاعل بمعنى أن الاختلاف في تعيين و تحديد الفاعل لا يمنع من الإقرار بوجود الفاعل .
ومنطق هؤلاء الملاحدة هداهم الله أن مادام يوجد عدة احتمالات للبعير فلا يصح أن يقال البعرة تدل على البعير مع أن الإقرار بوجود بعير بعر البعرة شيء ،وتحديد من ذلك البعير الذي بعر هذه البعرة شيء آخر ، وعدم معرفتي بالبعير الذي بعر البعرة لا يمنع من إقراري بوجود بعير بعر البعرة .
ومنطق الملاحدة في نشأة الكون أن مادام يوجد عدة احتمالات لمنشئ الكون فلا يصح أن يقال أن للكون منشئ مع أن الإقرار بوجود منشئ للكون شيء ،وتعيين ذلك المنشئ على وجه التحديد شيء آخر ،وعلى التسليم الجدلي تنزلا مع الملاحدة أني لا أعرف من منشئ الكون على وجه التحديد فهذا لا ينفي أن للكون منشئ .
مقولة البعرة تدل على البعير مقولة بديهية
إن مقولة البعرة تدل على البعير مقولة بديهية أوضح من أن توضح وهي مثل الكتابة تدل على كاتب ،والبناء يدل على بان ،وهذه معارف أولية لا تحتاج في تصورها أو التصديق بها إلى اكتساب أو معرفة سابقة أي علم الإنسان بأن البعرة تدل على البعير ليس موقوفا على معرفة سابقة للبعير وإنتاجها للبعرة كقولنا الكل أكبر من الجزء ،و النقيضان لا يجتمعان ، والخطّان المُتوازيان لا يتقابلان .
وبمجرد أن يرى الإنسان بعرة يدرك أن لها سبب ولها محدث ولها فاعل حتى وإن كانت أول بعرة يراها في حياته كما أن الإنسان إذا رأى كتابة يدرك أن لها سبب ولها محدث ولها فاعل حتى وإن كانت أول كتابة يراها في حياته .
وبمجرد أن يدرك الإنسان أن شيء من الأشياء أثر يعلم أن سببه مؤثر ، وبمجرد أن يدرك الإنسان أن شيء من الأشياء فعل يعلم أن سببه فاعل ،وهذا العلم لا يحتاج إلى رؤية سابقة للمؤثر أو الفاعل ،و عليه فالعلم بأن البعرة سببها البعير لا يحتاج إلى رؤية سابقة لبعير يبعر كي يعلم بأن للبعرة باعر ، وهو مثل العلم بأن الكتابة سببها كاتب ،ولا يحتاج الإنسان لرؤية سابقة لإنسان يكتب كي يعلم بأن للكتابة كاتب ،ومثل العلم بأن البناء سببه بان ،ولا يحتاج الإنسان لرؤية سابقة لإنسان يبني كي يعلم بأن للبناء بان ،ومثل العلم بأن الضرب سببه ضارب ،ولا يحتاج الإنسان لرؤية سابقة لإنسان يضرب كي يعلم بأن للضرب ضارب ،ولو رأى إنسان كرسيا لأول مرة علم أن له صانع ،ولا يحتاج ذلك لرؤية نجار يصنع الكرسي .
وهذا الكون الذي نعيش فيه له لحظة تكوين و إنشاء ووجد بعد أن لم يكن موجودا ،وهذا يستلزم وجود مكون و منشئ و موجِد له ،وهو الإله الخالق ،والعلم بذلك لا يحتاج إلى رؤية سابقة للإله ،وهو يكون الكون وينشئه و يوجده ،و إذا كان أصغر شيء مصنوع في الكون لم نر صانعه يستحيل أن يكون بلا صانع فكيف يصح أن يقال هذا الكون بأكمله بلا خالق لأننا لم نر الخالق وهو يخلق الكون ؟!!!
عدم تصور فاعل الفعل لا يستلزم عدم تعقل وجوده
و عدم تصور السبب لا يستلزم عدم تعقل وجوده
إن الإقرار بوجود فاعل للفعل ،وتعقل وجوده لا يستلزم تصور ذلك الفاعل ،وعدم تصور فاعل الفعل لا يستلزم عدم تعقل وجوده بمعنى آخر عدم تصور السبب لا يستلزم عدم تعقل وجوده ولا ينفي وجوده، و معنى التصور استحضار صورة الشيء في الذهن [1] أو حصول صورة الشيء في العقل [2] ،و قد يطرق باب بيتي طارقا فأجزم أن هناك طارقا بالباب وأعقل أن هناك طارقا بالباب لكن لا أدري من هذا الطارق ولا أتصور من هذا الطارق قد يكون إنسانا قد يكون رجلا قد يكون امرأة قد يكون طفلا قد يكون قطة قد يكون كلبا ،وعليه فعدم تصوري للطارق الذي بالباب لا ينفي تعقلي بوجود طارق بالباب ،ولا ينفي وجود طارق بالباب .
و الأجسام تسقط على الأرض بفعل الجاذبية الأرض ،ونحن نعقل وجود الجاذبية ،ولكننا لا نستطيع تصور هذه الجاذبية الأرضية رغم وجودها ،وعدم تصورنا لهذه الجاذبية الأرضية لا ينفي وجودها .
والمغناطيس يجذب المواد المصنوعة من الحديد ، والكوبلت ، والنيكل ، والكروم والمنجنيز والجادولينيوم وغيرها بفعل الظاهرة المغناطيسية ،ونحن نعقل وجود الظاهرة المغناطيسية ،ولكننا لا نستطيع تصور هذه الظاهرة المغناطيسية رغم وجودها ،وعدم تصورنا لهذه الظاهرة المغناطيسية لا ينفي وجودها .
وبالعقل يدرك الإنسان الأشياء و يميز بين الحسن و القبيح و الخير والشر ،ونحن نعقل وجود العقل ولكننا لا نستطيع تصور هذا العقل رغم وجوده ،وعدم تصورنا للعقل لا ينفي وجوده .
يقول الشعراوي – رحمه الله - : ( وفَرْق بين التعقُّل والتصوُّر، والذي أتعب الفلاسفة أنهم خلطوا بينهما، فالتعقل أن أنظر في آيات الكون، وأرى أن لها موجداً، أمّا التصور فبأنْ أتصور هذا الموجِد: شكله، اسمه، صفاته. . إلخ وهذه لا تتأتى بالعقل، إنما بالرسول الذي يأتي من قِبَل الإله الموجد.
وسبق أن ضربنا مثلاً - ولله تعالى المثل الأعلى - قلنا: لو أننا نجلس في مكان مغلق، وطرق الباب طارق، فكلنا يتفق على أن طارقاً بالباب لا خلاف في هذه، لكن نختلف في تصوُّره، فواحد يتصور أنه رجل، وآخر يقول: طفل، وآخر يتصوَّره امرأة، وواحد يتصوره بشيراً، وآخر يتصوره نذيراً. . إلخ.
إذن: اتفقنا في التعقُّل، واختلفنا في التصور، ولكي تعرف مَن الطارق فعلينا أن نقول: من الطارق ؟ ليعلن هو عن نفسه ويخبرنا مَنْ هو؟ ولماذا جاء؟ ويُنهي لنا في هذا الخلاف.
كذلك الحق - تبارك وتعالى - هو الذي يخبرنا عن نفسه، لكن كيف يتم ذلك؟ من خلال رسول من البشر يستطيع أنْ يتجلى الله عليه بالخطاب، بأن يكون مُعدّاً لتلقِّي هذا الخطاب، لا أنْ يخاطب كل الناس.
وقد مثَّلْنا لذلك أيضاً (بلمبة) الكهرباء الصغيرة أو (الراديو) الذي لا يتحمل التيار المباشر، بل يحتاج إلى (ترانس) أو منظم يعطيه الكهرباء على قَدْره وإلا حُرق، فحتى في الماديات لا بد من قوي يستقبل ليعطي الضعيف.
والحق سبحانه يُعد من خَلْقه مَنْ يتلقى عنه، ويُبلِّغ الناس، فيكلم الله الملائكة، والملائكة تكلم الرسل من البشر )[3].
قول المؤمنين بوجود خالق للكون مبني على علم وليس على جهل
إن قول المؤمنين بوجود خالق للكون قول مبني على علم ،وليس قولا مبنيا على جهل ، والكون نفسه وُجِد بعد أن لم يكن موجودا ،وأُحدِث بعد أن لم يكن حادثا فلابد أن يكون له موجِد ومحدِث ،وعندنا أربعة احتمالات لوجود الكون فإما أن يكون الكون قد وجد صدفة أو يكون الكون قد أوجد نفسه بنفسه أو الطبيعة أوجدته أو هناك خالق خلقه .
والاحتمال الأول مرفوض ؛ لأن الصدفة ليست بشيء حتى تستطيع أن توجد شيئا ،و الصدفة ليست فاعلة ،ولكنها صفة للفعل الصادر من الفاعل ،والفعل لا يوجد بدون فاعل ،ومعنى أن الفعل حدث صدفة أي الفعل حدث دون قصد وترتيب مسبق من الفاعل ووصف كيفية حدوث الفعل لا ينفي وجود فاعل له ،وعندما نسمع أن أثرا من الآثار الفرعونية اكتشف صدفة لا نفهم من ذلك أن الأثر ليس له مكتشف [4]،وعندما نسمع أن أحد القوانين الفيزيائية اكتشف صدفة لا نفهم من ذلك أن القانون ليس له مكتشف[5] ،وعندما نسمع أن شيئا من الأشياء اخترع صدفة لا نفهم من ذلك أن هذا الشيء ليس له مخترع [6] .
والاحتمال الثاني مرفوض ؛ لأن الكون لم يكن موجوداً قبل أن يوجد فكيف يوجد شيئاً وهو غير موجود أصلا ،وفاقد الشيء إذا كان لا يملِكه ولا يملك أسبابه لا يعطيه ؟ ، والقول بأن الكون أوجد نفسه بنفسه يلزم منه وجود الكون قبل وجوده ، و هذا محال .
والاحتمال الثالث مرفوض إذ الطبيعة قد تعني ذوات الأشياء المادية المحسوسة الموجودة في الكون حولنا من جماد وحيوان ونبات ،وقد تعني صفات الأشياء الموجودة في الكون من حركة وسكون, وحرارة وبرودة, وليونة ويبوسة, وغير ذلك وقد تعني مجموع السنن و القوانين المتحكمة في ظواهر العالم المشاهد المحسوس السارية على جميع موجوداته فإن عني بالطبيعة ذوات الأشياء المادية المحسوسة الموجودة في الكون حولنا من جماد وحيوان ونبات فهذا مقتضاه أن الكون قد أوجد نفسه بنفسه و الكون علة لنفسه وهذا فاسد ،ومن المعلوم أن الشيء لا يخلق شيئاً أرقى منه، فالطبيعة من سماء وأرض ونجوم وشموس وأقمار وغير ذلك لا تملك عقلاً ولا سمعاً ولا بصراً، فكيف تخلق إنساناً سميعاً عليماً بصيراً ! وإن عني بالطبيعة صفات الأشياء فهذا التفسير أفسد من التفسير السابق ؛ لأنه إذا عجزت ذات الأشياء عن إيجاد نفسها فعجز صفاتها من باب أولى ،وإن عني بالطبيعة القوانين التي تتحكم في الكون فهذا باطل ؛ لأن القوانين تحتاج لمن يسنها و يقننها ،و لا يمكن لقوانين الطبيعة أن تنتج شيئا للوجود ،ولا يمكن لقوانين الطبيعة أن تنتج حدثا من الأحداث بل غاية قوانين الطبيعة وصف العلاقة بين أحداث معينة بعدما أوجدتها الأسباب ،ومن يعتقد أن القوانين تستطيع أن تسبب شيئا من الأشياء كمن يعتقد أن القوانين الحسابية يمكن أن توجد مالا ،و كمن يعتقد أن القوانين التي تعمل بها السيارة يمكن أن تخلق السيارة أو تسير السيارة دون الحاجة لمن يقودها و هذا قول في غاية السخف والسقوط .
و إذا بطلت الاحتمالات الثلاثة تعين أن يكون الاحتمال الرابع ،وهو وجود خالق للكون هو الصحيح لفساد ما ينقضه .
[1] - انظر المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية ص 45
[2] - المعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا ص 281
[3] - تفسير الشعراوي 19/11692
[4] - يوجد الكثير من المقابر الفرعونية التي اكتشفت صدفة ، ومن ذلك اكتشاف أهالي أحد قرى أشمون المنوفية مصر بالصدفة مدخل مقبرة فرعونية إثناء إجراء حفائر لتشييد مسجد وقاموا بإبلاغ مسئولي المجلس الأعلى للآثار الذين أوفدوا لجنة فنية وأثرية متخصصة وتبين لهم أنه من الاكتشافات الأثرية المهمة ويعود إلي العصر الفرعوني المتأخر للدولة الفرعونية القديمة .
[5] - يوجد الكثير من القوانين الفيزيائية التي اكتشفت صدفة ،ومن ذلك اكتشاف أرشميدس لقانون الطفو ،واكتشاف نيوتن للجاذبية .
[6] - من الأشياء التي اخترعت عن طريق الصدفة اختراع هانز ليبرش للنظارة الطبية ،و اختراع جون واكر لأعواد الثقاب واختراع ليبارون سبنسر للميكروويف
Leave a comment:
-
سفسطة الملاحدة حول مقولة البعرة تدل على البعير
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى أصحابه الغر الميامين ، و على من أتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد :
فقد انتشر في عصرنا مرض الإلحاد ، وهو أحد الأمراض الفكرية الفتاكة إذ يفتك بالإيمان و يعمي الحواس عن أدلة وجود الخالق الرحمن ،و تجد المريض يجادل في البديهيات و يجمع بين النقيضين ويفرق بين المتماثلين ،ويجعل من الظن علما و من العلم جهلا و من الحق باطلا و من الباطل حقا .
ومن عوامل انتشار هذا المرض الجهل بالدين و ضعف العقيدة واليقين والاسترسال في الوساوس الكفرية والسماع والقراءة لشبهات أهل الإلحاد دون أن يكون لدى الإنسان علم شرعي مؤصل .
وشبهات أهل الإلحاد ما هي إلا أقوال بلا دليل وادعاءات بلا مستند ،ورغم ضعفها و بطلانها إلا أنها قد تؤثر في بعض المسلمين لقلة العلم وازدياد الجهل بالدين ولذلك كان لابد من كشف شبهات ومغالطات ودعاوي أهل الإلحاد شبهة تلو الأخرى و مغالطة تلو المغالطة ودعوى تلو الدعوى حتى لا ينخدع أحد بكلامهم وشبههم .
وفي هذا المقال سنتناول بإذن الله الرد على سفسطة الملاحدة حول مقولة الأعرابي الذي سئل بم عرفت ربك؟ فقال البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير[1].
يعلق أحدهم على مقولة : البعرة تدل على البعير فيقول : " أنها مليئة بالمغالطات المنطقية ... 1 -المشكلة الأولى تكمن في ضرب مثال بمقياس خاطئ حيث أنه عندما يقول البعرة تدل على البعير فالرد على ذلك هو أي بعير؟؟ الجاموس أم البقر أم الماعز أم الجمل الخ...
و هذا ينطبق على الكون فلماذا هو الله؟ لم ليس فيشنو أو أودين أو زيوس أو اهووا مازدا؟؟
....
2- المشكلة الثانية هي الاعتماد على الخبرات السابقة بمعنى إننا نعرف شكل البعرة من الخبرات السابقة و نعلم كيف يتم تكوينها لذا عندما نراها يساعدنا دماغنا على إمدادنا بمعلومة سابقة تمكننا من التعرف على الجسم الموجود أمامنا و الآن تأملوا معي ذلك الأعرابي الذي وجد البعرة و أثر السير.تخيلوا لو انه رأى حفرة على شكل مثلث...ماذا كان سيقول؟؟ البعرة تدل على البعير و الحفرة تلك تدل على..........????????????? ببساطة لن يعلم ؛ لأنه ليست لديه خبرات سابقة تمكنه من التعرف عليه .
3- الاستنتاج على جهل يعد من أكبر المشاكل التي تواجه المتدين بشكل عام فهو يقول البعرة تدل على البعير ...و هذا الكون لا اعرف من أين جاء إذن...الله خلقه..هذه مغالطة منطقية أخرى
4- سذاجة الطرح..فقد ساوى الأعرابي الكون بما فيه ببعرة و بعير و المثالان مقياسهما مختلف تماما و قد اوضحنا ذلك سابقا
5- ... السؤال الأزلي من خلق الله؟؟ ... و في الحقيقة هذا ليس هو السؤال الصحيح بل السؤال الصحيح هو....كيف جاء الله...اخبرني بالطريقة التي جاء بها و سأفهم و أكف عن سؤالك لأني حينها سأقوم بتطبيق الفكرة على كل ما سبق .. عندما أسألك كيف جئت إلى الدنيا؟ ستقول بالتكاثر هنا سأتوقف عن السؤال فورا و افهم أن تلك هي طريقة الإنجاب و أطبقها على أبوك و جدك و سلالتك ...دعنا نرتب أفكارنا (كيف جاء الكون يا ملحد؟؟ جاء بالانفجار العظيم,,,و كيف جاءت المادة التي سببت الانفجار العظيم؟؟ لا اعلم ما زلنا نكتشف....هاها أجل دعني أخبرك إذن أن الله هو الذي جاء بها...إذن و كيف جاء الله؟؟؟ "
ويقول ملحد آخر عن مقولة : البعرة تدل على البعير : " أنها تعرض إهانة بالغة للذات الإلهية التي يحاولون إثبات وجودها، فلا الكون بعرة ولا الله بعير ...إن مقولة ( البعرة تدل على البعير) تستند في حقيقتها على معرفة سابقة للبعير وإنتاجها للبعرة، وهو ما يجعل البدوي يفرّق بين بعرة البعير وروث بقية البهائم الأخرى. وهذه الفكرة البسيطة تنسف من الأساس أيّ استدلال منطقي قائم للاستشهاد بهذه المقولة في مسألة غاية في التعقيد كمسألة نشوء الكون ووجود إله لهذا الكون، هذا إضافة إلى أن عملية إنتاج البعرة ليست عملية واعية، في حين إنتاج الكون تفترض إرادة ووعياً يُلصقها المؤمنون بآلهتهم، وهذا الأمر يجعل الاستدلال بهذه المقولة غير مقبول منطقياً.
ولنأخذ مثالاً على سذاجة هذه المقولة لنفهم منها استحالة الاعتماد عليها في الاستدلال بوجود الله بهذا المنطق. فإذا وجد أحدنا مادة كريهة الرائحة بالقرب من ضفة نهر، فإنه قد يُخمّن أن تكون هذه المادة روثاً لحيوان ما، ولكنه من المستحيل أن يُجزم لمن يعود هذا الروث؛ إلا أن يكون على معرفة سابقة. ولكن سكان المناطق النهرية يعرفون مثلاً أن هذا الروث روث تمساح، لأنهم على معرفة بشكل ورائحة روث التمساح، وعندها يُمكنهم أن يقولوا إن روث التمساح يدل على وجود التمساح، أو أن وجود بيض السلحفاة يدل على وجود السلحفاة، ولكن هنالك اشتراط واحد واجب الإمكان ألا وهو (المعرفة السابقة)، فكيف يُفرّق السكان الأصليون بين روث التمساح وروث فرس النهر؟ وبين بيض السلحفاة وبيض الزقزاق؟ وهل للمؤمنين معرفة سابقة بالله، تجعلهم يقولون إن (الكون يدل على وجود الله)؟ الواقع يقول إن لا أحد يمتلك هذه المعرفة السابقة على الإطلاق.
إن مقولة (البعرة تدل على البعير) تمت إعادة صياغتها بطريقة رياضية وفقاً للتغيّرات المعرفية المتقدمة في تاريخ حركة الإنسان، وتمثل فيما يُسمى بمبدأ (السببية) أو العلّية، وهي تقضي بأن لكل موجود موجد بالضرورة، ولكن من غرائب العقلية الدينية أنه يرفض تطبيق هذا المبدأ بكُلياته، بحيث يتم استثناء الإله من هذا المبدأ عندما نطرح السؤال المنطقي: إذا كانت البعرة تدل على البعير، فعلى مَن يدل البعير؟ وبالتالي فعلى مَن يدل الله؟ والسؤال بصيغة أقل حدّة (من أوجد الله؟) وتكون الإجابة الصادمة للعقل هو أن الله هو الشيء الوحيد الذي وُجد من غير مُوجد! والمؤمنون متصالحون تماماً مع هذا الانقطاع المنطقي لهذا المبدأ العام "
ويقول ملحد آخر : " يستخدم المتدين مثال الساعة والبعرة للاستدلال على مسبب، ويشبه الخنفساء مثلاً بالساعة، فهذه أيضاً معقدة التركيب ولها نظام دقيق وهدف، وهو التكاثر والبقاء.
ولكن هناك مغالطة ضخمة وخداع مشين للذات في هذا التشبيه. وهو أننا نعرف تمام المعرفة أن الساعة مصنوعة ولها مسبب، فقد شاهدنا (أي بعضنا) من ركبها، وكيف ركبها، وكيف صنعت قطعها، وكيف جاءت ومن أين جاءت. وكذلك نعرف أن البعرة سببها البعير، فقد شاهدناه وهو يتبرزها. ولكن لم يشاهد أو يشعر أو يتحسس أحد منا بأي كيان، ميتافيزيقي بالخصوص، وهو يصنع الخنفساء أو الطير أو القطة أو الإنسان أو أي كائن طبيعي آخر ".
ويقول ملحد آخر : " عندما تدل البعرة على البعير فهذا البعير نعرفه وقد رأيناه من قبل ، ولكن لو أتى شخص غريب ولم ير من قبل أي بعير في حياته من قبل أو حتى سمع عنه وهذا الشخص قد أتى إلى الصحراء وقد رأى براز البعير لأول مرة.. فهل سيتمكن هذا الشخص من الاستدلال على البعير الذي لم يراه من قبل ! ، بالطبع لم يتمكن من معرفة من هو صاحب هذا البراز أبدا ما لم ير صاحبه ( البعير ) بأم عينه وهو يتبرز أمام عينيه ! وكذلك الأمر ينطبق على الساعة أو أي آلة معقدة عندما يراها رجلا من سكان الأدغال لأول مرة في حياته فإنه سوف ينسب تلك الساعة إلى الجن أو الأشباح أو أي آلهة قد سمع عنها أو عبدها ! دون أن يخطر على باله بأنها من صناعة البشر مثله ! ولكنه أكثر تطورا وتعلما منه بأشواط كثيرة جدا ! بحيث لو بقيت تلك الساعة بحوزة ذلك الرجل ساكن الأدغال مدى حياته كلها ! فلم يهتدي ابدا من هو صاحبها الحقيقي وكيف نشأت ! ولو كان هذا الرجل من أذكى رجال قومه ! وهذا الأمر أيضا ينطبق على الإنسان المؤمن برب السموات والأرض !! عندما يرى حجم الكون المذهل وتعقيد جميع الكائنات الحية.. فأنه سوف يقع وقد وقع بالفعل في نفس الخطأ الذي وقع به الرجلان الافتراضيان كما أسلفت في المثالين السابقين عندما نسب كل ما رآه إلى ربه الوهمي ( الله ) ! ولم يستوعب عقله أبدا أن يكون كل ما يراه هو نتيجة طبيعية بحتة والكائنات الحية مهما بلغت من تعقيد فهي لا تحتاج إلى أي رب على الإطلاق لينشئها وهي تنشأ حيث الظروف المناسبة لنشأتها ! وهذا الشيء قد تم إثباته تباعا عن طريق أجيال من العلماء العباقرة والباحثين " .
[1] - البيان والتبيين للجاحظ 1/163.
Leave a comment:
-
و من أدلة القرآن على إثبات البعث أيضا قوله تعالى : ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [فصلت : 39] فمن يقدر على إحياء الأرض بعد موتها , يقدر أيضاً على بعث الأجساد بعد موتها
و إن قال الملحد كيف يحيى الله الإنسان من جديد بعد أن يضمحل و يتلاشى بدنه فيستحيل إعادة الإنسان بعد أن يصير عدما ؟ و الجواب : أن الملحد هداه الله يعتقد بأن حقيقة الإنسان هي عبارة عن هذا البدن المادي الذي يهلك و يتلاشى بالموت، وإذا ردت له الحياة من جديد بعد الموت، فهو إنسان آخر لا هو عين الأول ، لأن إعادة المعدوم أمر محال .
و هذا لجهله أن المعاد ليس من باب إعادة للمعدوم ، بل عودة الروح الموجودة إلى نفس الجسد المادي التي كانت متصلة به مرة أخرى فالبعث إعادة و ليس خلقا جديدا البعث إعادة لما زال و تحول ؛ فإن الجسد يتحول إلى تراب ، و العظام تكون رميما ؛ يجمع الله تعالى هذا المتفرق ، حتى يتكون الجسد ، فتعاد الأرواح إلى أجسادها ، و أما من زعم بأن الأجساد تخلق خلقا جديدا ؛ فإن هذا زعم باطل بنص القرآن قال تعالى : ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ [ الأعراف: 29]
وقال تعالى : ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [ النور : 24 ] وهذه الآية تدل صراحة على أن جوارح الإنسان التي كانت في الدنيا من لسان و يدين ورجلين هي نفس التي تبعث يوم القيامة فتشهد عليه بما اقترف من أعمال إذ الشاهد يكون حاضرا على ما يشهد به مما يدل أن هذه الجوارح التي تشهد على الإنسان، هي الجوارح التي كانت موجودة في الدنيا بعينها لا جوارح جديدة .
وقال تعالى : ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾[ الروم : 27 ]
وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : « إنَّ في الإنسان عظماً لا تأكله الأرضُ أبداً فيه يركب يوم القيامة. قالوا: أيُّ عظم هو يا رسول الله؟ قال: عجب الذنب» [1]فقوله " فيه يركب " أي يعود الجسم إلى ما كان عليه، بعد ما دفن في قبره وأكلته الأرض مما يدل أنه نفس الجسد الذي كان في الدنيا .
وإن قال قائل: فما فائدة إبقاء عجب الذنب دون سائر الجسد؟ فقد أجاب ابن عقيل فقال: لله سبحانه في هذا سر لا نعلمه، لأن من ينحت الوجود من العدم لا يحتاج أن يكون لفعله شيء يبنى عليه، فإن علل هذا، فيجوز أن يكون الباري سبحانه جعل ذلك للملائكة علامة على أنه يحيي كل إنسان بجواهره بأعيانها، ولا يحصل العلم للملائكة بذلك إلا بإبقاء عظم من كل شخص ليعلم أنه إنما أراد بذلك إعادة الأرواح إلى تلك الأعيان التي هذا جزء منها، كما أنه لما أمات عزيرا وحماره، أبقى عظام الحمار وكساها ليعلم أن هذا المنشأ ذلك الحمار لا غيره، ولولا إبقاء شيء لجوزت الملائكة أن تكون الإعادة للأرواح إلى أمثال الأجساد لا إلى أعيانها[2].
و إن استدل البعض بأن أشكال الناس وقاماتهم ستغير في الآخرة على أن الأجسام تخلق خلقا جديدا فهذا لا يصح ؛ لأن تغير هيئة الشخص ليس معناه تحوله لشخص آخر ،ومعلوم أن من رأى شخصا وهو صغير، ثم رآه وقد صار شيخا، علم أن هذا هو ذاك، مع أنه دائما في تحلل واستحالة, وكذلك سائر الحيوان والنبات، فمن رأى شجرة وهي صغيرة، ثم رآها كبيرة، قال: هذه تلك [3].
لقد جهل الملحد حقيقة الإنسان أنها من روح وبدن , و أن الروح باقية لا تنعدم , و إنما كانت متلبسة بالبدن ثم تفارقه عند الموت , و أما البدن فإنه لا ينعدم و إنما يتحلل إلى عناصره بعد أن كان مركباً والتحلل إلى العناصر الأصلية لا يسمى عدماً. فلو فرضنا أن هناك مهندس فكك سيارة بصورة تامة إلى أجزائها الأولية ثم أعاد تركيبها فهل هذا يسمى عدماً للسيارة ؟! فتحصل لدينا أن الموت لا يعني عدم الإنسان أما الروح فهي باقية,وأما البدن فهو يتحلل إلى عناصره ولا تنعدم هذه العناصر.
و إذا قيل : ربما تأكل السباع الإنسان ، و يتحول جسمه الذي أكله السبع إلى تغذية لهذا الآكل تختلط بدمه ولحمه وعظمه وتخرج في روثه وبوله فكيف يعاد هذا الجسد ؟ و الجواب : أن الأمر هين على الله ؛ يقول للشيء كن فيكون ، و يتخلص هذا الجسم الذي سيبعث من كل هذه الأشياء التي اختلط بها ، وقدرة الله عز وجل فوق ما نتصوره ؛ فالله على كل شيء قدير ، وقال رسول اللَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إِنَّ رَجُلًا حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَلَمَّا يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ أَوْصَى أَهْلَهُ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا كَثِيرًا، وَأَوْقِدُوا فِيهِ نَارًا حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي، وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي فَامْتُحِشَتْ فَخُذُوهَا فَاطْحَنُوهَا، ثُمَّ انْظُرُوا يَوْمًا رَاحًا فَاذْرُوهُ فِي الْيَمِّ فَفَعَلُوا، فَجَمَعَهُ اللَّهُ فَقَالَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ»[4] .
و إن قال الملحد لا أتصور إعادة جسدي بعدما يهلك ويتحلل ،و الحكم على الشيء فرع عن تصوره فالجواب عدم تصورك إعادة جسدك بعدما يهلك ويتحلل لا يعني امتناعه في نفسه، فقد تعجز العقول عن تصور أمور كثيرة كعجزها عن تصور حقيقة العقل رغم أنه داخلنا ولا يمكن أن نفكر بلا عقل و عجزها عن تصور حقيقة الروح رغم أنها بداخلنا ، فإذا كان هذا الشأن في معرفة أقرب الأشياء من الإنسان وألصقها به، فهل يطمع الإنسان أن يخضع بعقله أفعال الله سبحانه لقوانين البشر وقدراتهم ،و الشيء الذي لا نشاهده في الواقع الحسي لا يلزم عقلاً أن يكون غير ممكن الوجود ، فعدم الوجود لا يدل على استحالة الوجود .
وختاما اذكر هذا الملحد بقوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئاً وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [ آل عمران : 116] ، وقوله تعالى: ﴿ وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ [التوبة : 68 ]،وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [ الأحزاب : 64 - 65 ] .
هذا و الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات
[1] - رواه مسلم في صحيحه حديث رقم 2955
[2] - كشف المشكل من حديث الصحيحين 3/454
[3] - شرح الطحاوية لابن أبي العز 1/411
[4] - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 3479
Leave a comment:
-
وقد ذكر القرآن شبهة منكري البعث ،ورد عليها بأبلغ رد و أقوى رد في العديد من الآيات منها قوله تعالى : ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [ يس: 78 - 83] .
ومعنى الآيات أن هذا الكافر ذكر أمرا عجيبا ينفى به قدرة الله عز وجل على إحياء الخلق، فقال: من يحيى العظام وهي رميم ؟ ونسى خلق الله عز وجل له ، أفلم يكن هذا المجادل في يوم من الأيام نطفة من ماء مهين فجعله الله خلقا سويا ناطقا ؟! ولا شك أن من فعل ذلك لا يعجزه أن يعيد الميت حيا، والعظام الرميم بشرا كهيئته التي كان عليها قبل الموت.
وقد أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب هذا الكافر المنكر للبعث عن استبعاده لإعادة الأجسام بعينها بعد الموت بعد أن تصير تراباً وعظاماً بتذكيره بما نساه من حقيقة أمره وخلقه من العدم فقال: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ أي قل يا محمد لمن قال لك: من يحيى العظام وهى رميم؟ يحييها الذي ابتدع خلقها أول مرة ولم تكن شيئا .
ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على المخلوق، وعلمه بتفاصيل خلقه أتبع ذلك بقوله: ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ فهو عليم بتفاصيل الخلق الأول وجزئياته، ومواده وصورته، فكذلك الثاني، فإذا كان تام العلم، كامل القدرة ، كيف يتعذر عليه أن يحي العظام وهي رميم؟[1] كيف يعجز عن إعادة العظام بعدما تفرقت وهو -سُبحانه وتعالى- يَعلم كيف يَخلق الأشياء، وكيف يُكوِّنها ،ويعلم أجزاء العظام بعد تفرقها و يعلم أين ذهبت تلك الأجزاء وكيف تفرقت فلا يَعجز عن إعادة خلقه لها وجمع هذه الأجزاء المتفرقة إلى ما كانت عليه قبل ذلك .
و من المسلم به أن القادر على ابتداء صنع شيء قادر على إعادة صنعه ،و من ينشئ شيئاً يسهل عليه أن يعيد إنشائه ،والقادر على إنشاء الإنسان ثم إحلال الحياة فيه لا يعجزه إعادته مرة أخرى كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه ﴾ [ الروم : 27 ] ،وكل شيء هين على الله ، وكل شيء يسير على الله ،و إعادة الخلق عنده عز وجل أقل شأناً من ابتدائه ،و إعادة الخلق تعني إرجاع الخلق إلى الحالة التي كان عليها في البداية، والإعادة فرع عن البداية.
وبعد الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة ذكر سبحانه وتعالى دليلا ثانيا على إثبات البعث يرفع استبعاد هذا المجادل بالباطل ويبطل إنكاره فقال : ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴾ فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر ( النار ) ، الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة، من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة ، فالذي يخرج الشيء من ضده ، وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها، ولا تستعصي عليه، هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه، من إحياء العظام وهي رميم[2] فإذا أخرج النار اليابسة من الشجر الأخضر الذي هو غاية الرطوبة مع تضادهما وشدة تخالفهما، فإخراجه الموتى من قبورهم مثل ذلك[3].
و في قوله تعالى : ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴾ قال ابن عباس: هما شجرتان يقال لإحداهما المَرْخُ وللأخرى العَفَار فمن أراد منهما النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خَصْراوان يقطران الماء فيسحق المرخ على العفار فيخرج منهما النار بإذن الله تعالى[4].
وبعد الاستدلال بإخراج النار من الشجر الأخضر ذكر سبحانه وتعالى دليلا ثالثا على إثبات البعث يرفع استبعاد هذا المجادل بالباطل ويبطل إنكاره فقال : ﴿ أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾ فاستدل بخلق السماوات والأرض على القدرة على البعث فإن خلق مثلكم من العظام الرميم ليس بأعظم من خلق السَّمَواتِ والأرض كما قال تعالى : ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [ غافر : 57 ] ،و من لم يتعذر عليه خلق ما هو أعظم من خلقكم، فكيف يتعذر عليه إحياء العظام بعد ما قد رمَّت وبلِيَت؟ [5] .
و إذا نظرنا إلى السموات السبع وما فيها من خلق عجيب وإلى الأرض وما فيها كذلك ونظرنا إلى الإنسان فإننا نجده لا شيء إذا قوبل بالسموات والأرض فنحكم بأن من خلق السموات والأرض على عظمها قادر من باب أولى على خلق الإنسان مرة أخرى بعد موته وبلاه وفنائه[6] كما قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الأحقاف :33 ] أي من قدر على خلق السموات و الأرض و هما في غاية العظم قادر من باب أولى على إعادة خلق الإنسان إذ القادر على الأعلى قادر على ما دونه .
و بعد الاستدلال بخلق السماوات والأرض على القدرة على البعث ذكر سبحانه ما هو كالنتيجة لما سبق من تقرير واسع قدرته، وإثبات عظيم سلطانه فقال : ﴿ إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ أي إنما شأنه سبحانه وتعالى في إيجاد الأشياء أن يقول لما يريد إيجاده: تكوّن فيتكوّن ويحدث فورا بلا تأخير فالله عز وجل لا يستعصي عليه شيء أراده فلا يستعصي عليه إعادة خلق الإنسان مرة أخرى .
وبعد أن أثبت سبحانه وتعالى لنفسه القدرة التامة والسلطة العامة، نزّه نفسه عن العيب ، والنقص ، والأوهام الفاسدة ، والظنون الكاذبة فقال : ﴿ فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أي تنزه ربنا عن كل سوء .
وقوله تعالى : ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ أي وإليه يرجع العباد يوم المعاد، فيجازى كل عامل بما عمل، وهو العادل المنعم المتفضل[7].
[1] - شرح الطحاوية لابن أبي العز 2/594
[2] - شرح الطحاوية لابن أبي العز 2/595
[3] - تفسير السعدي ص 699
[4] - اللباب في علوم الكتاب لابن عادل 16/267
[5] - تفسير الطبري 20/556
[6] - أيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري 4/395
[7] - تفسير المراغي 23/39
Leave a comment:
-
نعم ستعذب في الآخرة يا ملحد إن لم تتب
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى أصحابه الغر الميامين ، و على من أتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد :
فقد انتشر في عصرنا مرض الإلحاد ، وهو أحد الأمراض الفكرية الفتاكة إذ يفتك بالإيمان و يعمي الحواس عن أدلة وجود الخالق الرحمن ،و تجد المريض يجادل في البديهيات و يجمع بين النقيضين ويفرق بين المتماثلين ،ويجعل من الظن علما و من العلم جهلا و من الحق باطلا و من الباطل حقا .
ومن عوامل انتشار هذا المرض الجهل بالدين و ضعف العقيدة واليقين والاسترسال في الوساوس الكفرية والسماع والقراءة لشبهات أهل الإلحاد دون أن يكون لدى الإنسان علم شرعي مؤصل .
وشبهات أهل الإلحاد ما هي إلا أقوال بلا دليل وادعاءات بلا مستند ،ورغم ضعفها و بطلانها إلا أنها قد تؤثر في بعض المسلمين لقلة العلم وازدياد الجهل بالدين ولذلك كان لابد من كشف شبهات ومغالطات ودعاوي أهل الإلحاد شبهة تلو الأخرى و مغالطة تلو المغالطة ودعوى تلو الدعوى حتى لا ينخدع أحد بكلامهم وشبههم .
و في هذا المقال سنتناول بإذن الله الرد على سؤال سأله أحد الملاحدة العرب في مدونته الكفرية ،وهذا السؤال هو : "هل سيعذب في الآخرة ؟" و قد ذكر السؤال خلال كلامه بصيغة أخرى وهي : " هل من سيعذبون يوم القيامة أو ينعمون هم من كانوا يعيشون على الأرض أم نسخ أخرى لمخلوقات مخلوقة لغرض التنعيم أو العذاب ؟" ورجح هذا الملحد أن النعيم أو العذاب سيقع لمخلوقات جديدة مستنسخة من البشر مخلوقة لغرض التنعيم أو العذاب ،واستدل على فريته بأن المشاهد أن من يموت يهلك و يتحلل ،ومن ثم فمن سينعم أو يعذب مخلوق جديد مستنسخ من الإنسان الذي مات ،وليس الإنسان نفسه .
وعلى كلامه الخاطئ يعترض هذا الملحد على قوله تعالى : ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [ النور : 24 ] ،ويقول : " كيف يقول القرآن أن أيديهم و أرجلهم ستشهد عليهم بما كانوا يكسبون ،و هي أيدي و أرجل جديدة لم تكن في الدنيا و لم ترتكب أي شيء و عيون لم تر شيئا و آذان لم تسمع شيئا ... بل هو كائن أخر جديد مزود بنسخة لذكريات كائن أخر كان يعيش في عالم أخر ليعذب هو بما فعله هذا الكائن الأخر للأبد "
وقد قال الملحد بمثل ما قال الكفار الأولون ،واستدل بمثل ما استدل به الكفار الأولون ، فقد ذكر الله سبحانه و تعالى مقولة قوم عاد : ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: 35] , وَقَالَ تَعَالَى مبيناً مقولة منكري البعث من كفار مكة: ﴿ بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [ الْمُؤْمِنُونَ: 81-83 ] ،وجاء أبي بن خلف بعظم نخر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يذروه في الريح , فقال: أيحيي الله هذا يا محمد؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: « نعم يحيي الله هذا ويميتك ويدخلك النار»[1] .
و من هنا ندرك أن إنكار الكفار قديما وحديث للبعث سببه استبعادهم إعادة الأجسام بعد الموت بعد أن تصير تراباً وعظاماً على ما يعهد من عادة البشر فيقولون كيف يبعث الإنسان بعد أن بلي وصار ترابا وعظاما ،وهو استبعاد ناشئ عن جهلهم بقدرة الله ،وعلم الله ،وقياسهم قدرة الخالق على قدرة المخلوق ، وعلم الخالق على علم المخلوق .
[1] - انظر تفسير عبد الرزاق 3/87 رقم 2498 ،وتفسير مقاتل بن سليمان 4/30
Leave a comment:
-
مفاسد استبدال عقوبة قطع يد السارق بحبسه لمدة معينة
إن استبدال عقوبة قطع يد السارق بالحبس لمدة معينة له العديد من المفاسد والسلبيات ،ولقد لخص "عبد القادر عودة"رحمه الله عيوب عقوبة الحبس بعدة نقاط مؤيدة بالأرقام الإحصائية فذكر منها :
أولا: إرهاق خزانة الدولة وتعطيل الإنتاج فلاشك أن الدولة سوف تتحمل نفقات كبيرة لإعداد السجون وصيانتها والعناية بها، ومع ذلك فلا يزال السجناء يعانون في كثير من الدول من قلة العناية والرعاية.
ثانيا: إفساد المسجونين ويقول بهذا الصدد وكان من الممكن أن تتحمل الجماعة هذه الخسارة الكبيرة سنوياً أي نفقات هذا السجن والسجناء لو كانت عقوبة الحبس تؤدي إلى إصلاح المسجونين، ولكنها في الواقع تؤدي بالصالح إلى الفساد وتزيد الفاسد فساداَ على فساده، فالسجن يجمع بين المجرم الذي ألف الإجرام وتمرس بأساليبه، وبين المجرم المتخصص في نوع من الإجرام وبين المجرم العادي، كما يضم السجن أشخاصاً ليسوا بمجرمين حقيقين، وإنما جعلهم القانون مجرمين اعتبارا كالمحكوم عليهم في حمل الأسلحة أو لعدم زراعة نسبة معينة من القمح والشعير، وكالمحكوم عليهم في جرائم الخطأ والإهمال، إلى آخر ما ذكره رحمه الله. فحاصل ما ذكر أن السجن أصبح مدرسة إجرامية يلقن فيها المجرمون العتاة والمعتادون المبتدئين من المجرمين.
إلى أن قال: ولقد دلت المشاهدات على أن الرجل يدخل السجن لأمر لا يعتبره العرف جريمة كضبط قطعة سلاح معه، وكان المعروف عنه قبل دخوله السجن أنه يكره المجرمين ويأنف أن يكون منهم، فإذا خرج من السجن حبب إليه الإجرام واحترافه بل صار يتباهى به إلى آخر ما ذكر، وهو كلام جيد مدعم بالإحصائيات فيحسن الرجوع إليه.
ثالثا: قتل الشعور بالمسئولية: وعقوبة الحبس فوق أنها غير رادعة فإنها تؤدى إلى قتل الشعور بالمسئولية في نفوس المجرمين، وتحبب إليهم التعطل، خاصة من يقضى منهم مدة طويلة في السجن.
رابعا: انعدام قوة الردع: إن عقوبة الحبس قد فرضت على أساس أنها عقوبة رادعة ولكن الواقع قد أثبت أنها لا فائدة منها ولا أثر لها في نفوس المجرمين، فالذين يعاقبون بالأشغال الشاقة وهى أقصى أنواع الحبس لا يكادون يخرجون من السجن حتى يعودوا لارتكاب الجرائم، ولو كانت العقوبة رادعة لما عادوا، لما عوقبوا عليه بهذه السرعة ثم ذكر إحصائيات تدعم ذلك.
ومن الطريف ما ذكره بعض الكتاب أنهم في أمريكا قاموا بعرض أفلام على السجناء عن بعض المجرمين وكيف كانت نهايتهم المحزنة، وأن الجريمة لم تجرهم إلا إلى الخيبة والفشل، ثم استطلعوا آراء السجناء ليعرفوا مدى تأثرهم بهذه الأفلام وتأثيرها في سلوكهم، وكان الباحثون يتوقعون أن يعتبر السجناء بمصير المجرمين ويتعظوا، ولكن الذي حصل هو أن السجناء كانوا يركزون على البحث في نقاط الضعف في الخطط التي سلكها المجرمون، ويركزون على الأخطاء التي صدرت عنهم، وكانت سببا في القبض عليهم، فكانوا يقولون لو أن المجرم عمل كذا لنجا، ولو أنه لم يعمل كذا لما قبض عليه وهكذا، مما يدل على تأصل الروح الإجرامية في هؤلاء، وأن السجن لم يزدهم إلا عتوا وتمردا، مصادقا لما ذكره عودة رحمه الله.
خامسا: ازدياد سلطان المجرمين بعد خروجهم من السجن وتمردهم على المجتمع.
سادسا: انخفاض المستوى الصحي والأخلاقي نظرا لأن السجون ثابتة المساحة. بينما السجناء يزداد عددهم يوما بعد يوم، وبالتالي ينخفض مستوى الخدمات التي تقدم لهم.
سابعا: ازدياد الجرائم: وقد وضعت عقوبة الحبس على اختلاف أنواعها لمحاربة الجريمة ولكن الإحصائيات التي لا تكذب تدل على أن الجرائم تزداد عاماً بعد عام زيادة تسترعى النظر وتبعث على التفكير الطويل ثم أورد الإحصائيات الرسمية التي تؤيد ذلك.
ثامنا: وأمر مهم أغفله "عودة"رحمه الله ألا وهو وضع عوائل المسجونين. من ينفق عليها، ومن يقوم بشأنها، ومن يتولى تصريف شئونها وتدبير أمورها، من يغمر صغارهم بالعطف والمودة، لاشك أن أسرة السجين سوف تتعرض للضياع، وربما لحقت بوليها في ركاب الإجرام نتيجة الانحراف الذي ينجرف بها إلى الإجرام، وبسبب الحاجة الماسة وانعدام الشفقة والعطف، وربما قيل إن المجرم وجوده كعدمه في الأسرة. بل قد يكون وجوده وبالا عليها وسببا في ضلالها وانحرافها إن كان وليا لها أو مجرد فرد من أفرادها ربما قيل ذلك.
ولكننا نقول أولا : إن أكثر المسجونين والعدد الأكبر منهم ليسوا مجرمين بمعنى الكلمة كما ذكر "عودة"رحمه الله، وليست قضاياهم بالقضايا الإجرامية الخطيرة، بل قد لا تكون جريمة على الإطلاق، ولكنها مخالفة بسيطة وبالتالي فلا خوف على السجين لأنه ليس مجرما.
ثانيا: إن المجرم مهما كان متماديا في الأجرام فإنه أولى برعاية أسرته وهو أشفق عليها وأرحم بها من غيره، كما أن الحيوانات المتوحشة تعطف على أبنائها وتربيهم رغم ما فيها من القسوة والوحشية، فكذلك هذا الإنسان المجرم اللهم إلا في الجرائم الخطيرة جدا وهي قليلة نادرة فقد تقتضي المصلحة عزلة الَمجرم وإبعاده عن أسرته لألا يفسدها وهذا نادر[1].
و قد يقول قائل : " إذا قطع يد شخص بريء ظنا من القضاء انه سارق فلا يمكن رد يده إليه لكن في عقوبة الحبس يمكن أن يتم تعويض الشخص عنها فلابد من استبدال القطع بالحبس" ،والجواب أن الشرع اشترط شروطا صارمة لإثبات حد السرقة على المدعى عليه فلا يثبت حد السرقة إلا بالإقرار من السارق أو شهادة عدلين ، ، وألزم القاضي بعدم الحكم بعلمه الشخصي، بل بالقرائن الظاهرة و الأدلة المقدمة في الدعوى ، وبذلك يندر أن يحدث خطأ في الحكم،والعبرة بالغالب لا بالقليل النادر .
وإن حدث خطأ في الحكم فلا يسأل القاضي في هذه الحالة؛ لأنه حكم بمقتضى ما توفر له من أدلة ،والعقوبة بالحبس غير رادعة ولها العديد من السلبيات ،واستبدال حد السرقة بالحبس بحجة إمكانية الخطأ في الحكم ،وأن اليد لا ترد إن قطعت كمثل من يريد استبدال عملية بتر عضو لوجود ورم خبيث به يخشى تفشيه في الجسد بالدواء بحجة إمكانية خطأ الطبيب في التشخيص أو البتر .
هذا و الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات
[1] - دفاع عن العقوبات الإسلامية لمحمد ناصر السحيباني 81-83
Leave a comment:
-
في قطع يد السارق ردع لمن تسول له نفسه بالسرقة
إن من تسول له نفسه بالسرقة إذا استحضر عقوبة السرقة ،وأنه إذا سرق ستقطع يده فقد يستيقظ ضميره و ويؤنب نفسه ويرجع عن السرقة ،وبذلك تكون عقوبة قطع يد السارق وسيلة لكف الناس عن الإقدام على السرقة وليرتدعوا أشد الردع فكلما اشتدت العقوبة قوى المنع ،وكم من إنسان يرتدع عن السرقة إذا علم أنه إذا سرق قطعت يده فصار في ذلك حفظ لأموال الناس .
و قطع يد السارق خير له و للمجتمع من أن يعاقب بعقوبة أخف من قطع اليد فيتجرأ بعض الناس على السرقة وتستشري السرقة في المجتمع إذ من أمن العقوبة الرادعة أساء الأدب ،ومن المعلوم أن عقوبة الجناة والمفسدين لا تتم إلا بمؤلم يردعهم، ويجعل الجاني نكالا وعظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله، وعند هذا فلا بد من إفساد شيء منه بحسب جريمته في الكبر والصغر والقلة والكثرة[1].
وقطع اليد الذي يفضح صاحبه طول حياته ويسمه بميسم الذل والعار وهو أجدر العقوبات بمنع السرقة وتأمين الناس على أموالهم ، وكذا على أرواحهم ؛ لأن الأرواح كثيرا ما تتبع الأموال، إذا قاوم أهلها السراق عند العلم بهم[2] .
ولأن الداعي إلى السرقة في الغالب رغبة الكسب والثراء وهو داع قوي في الطباع ،ومن يسرق مرة كثير ما يتشوق إلى السرقة مرة أخرى إذا لم يجد عقاباً يردعه ويمنعه ،و من يأخذ القليل كثير ما يتدرج على سرقة الكثير ،ولذلك غلظت عقوبة السرقة لمقابلة قوة الداعي رحمة بضعاف النفوس ،وإعانة لهم على النفور من السرقة فلا يقدمون عليها فإذا أقدموا عليها بعد هذا التحذير الشديد كان العقاب شديدا .
في قطع يد السارق معاقبة له بنقيض قصده
إن السارق حينما يفكر في السرقة إنما يفكر أن يزيد كسبه بكسب غيره، فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال، ويريد أن ينميه عن طريق الحرام ، وهو لا يكتفي بثمرة عمله فيطمع في ثمرة عمل غيره، وهو يفعل ذلك ليزيد من قدرته على الإنفاق ، أو الظهور ليرتاح من عناء الكد والعمل ، أو ليأمن على مستقبله ، فالدافع الذي يدفع إلى السرقة ويرجع إلى هذه الاعتبارات وهو زيادة الكسب أو زيادة الثراء .
وقد حاربت الشريعة الإسلامية هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع؛ لأن قطع اليد أو الرجل يؤدي إلى نقص الكسب؛ إذ اليد والرجل كلاهما أداة العمل أيا كان، ونقص الكسب يؤدي إلى نقص الثراء ، وهذا يؤدي إلى نقص القدرة على الإنفاق وعلى الظهور ، ويدعو إلى شدة الكدح وكثرة العمل والتخوف الشديد على المستقبل .
فالشريعة الإسلامية بتقريرها عقوبة القطع دفعت العوامل النفسية التي تدعو لارتكاب الجريمة بعوامل نفسية مضادة تصرف عن جريمة السرقة، فإذا تغلبت العوامل النفسية الداعية، وارتكب الإنسان جريمة مرة كان في العقوبة والمرارة التي تصيبه منها ما يغلب العوامل النفسية الصارفة، فلا يعود للجريمة مرة ثانية [3].
قطع يد السارق فيه قسوة هي عين الرحمة
لا ننكر أن قطع يد السارق فيه ضرب من القسوة والغلظة ،ولكن هذا الضرب من القسوة والغلظة لمصلحته ومصلحة المجتمع الذي يعيش فيه فقبل الإقدام على السرقة إذا تذكر المرء أنه ستقطع يده ربما خاف وارتدع فيمتنع عن السرقة ويكف عنها فيسلم ،ويسلم المجتمع من شره .
والتشديد في عقوبة السرقة فيه ردع لأفراد المجتمع عن اقتراف هذه الفعلة المشينة وبذلك يأمن كل فرد من أفراد المجتمع من أن تسرق أمواله فتحفظ أموال الناس وبذلك يكون إقامة حد السرقة أنفى للسرقة ويشعر كل إنسان في المجتمع بأنه مصون في ماله .
وفي قطع يد السارق صيانة للمجتمع باستئصال اليد الخبيثة منه ليدفع شرها البالغ غاية الخطورة عن المجتمع ،وفي ذلك رحمة بالمجتمع .
ومن يدعي أن قطع اليد ليس من قوانين الرحمة فقد نظر إلى الرحمة بالسارق وترك الرحمة بالمسروق ،و بين أيدينا اثنين: سارقاً ومسروقاً معتديا ومعتديا عليه جانيا ومجنيا عليه ووراء ذلك مجتمع يجب أن يسوده الأمن والأمان لا الفوضى والاضطراب والقلق، فإذا أراد ذو عقل أن يخص برحمته أحد الفريقين، أيخص برحمته من اعتدى وسرق وروع الآمنين أم يخص برحمته من اعتدى عليه، والمجتمع الذي يجب أن يبدل خوفه أمنا، ويسوده الأمان ؟
والسارق لم يرحم الناس بل ظلمهم وروعهم و اعتدى على أموالهم و أخذها بغير حق فاستحق بذلك عدم تخفيف العقوبة ،ووجوب تنفيذ الحد عليه ومن لا يرحم الناس لا يرحمه الله .
إن قانون العقل يقول: إن الرحمة تكون بمن وقعت عليهم الجريمة، وهم الآحاد والجماعة، والنكال الشديد بمن وقعت منه الجريمة، وإن النكال بهذا هو الرحمة بهؤلاء، فلينل حكم الله من جريمته ولتكن شاهد عار إلي يوم القيامة، ليرتدع من غوى ولا يضل من اهتدى، وعسى أن يكون العقاب لذنبه إن تاب وأناب[4].
[1] - إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم 2/69
[2] - تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا 6/314
[3] - التشريع الجنائي في الإسلام لعبد القادر عودة 1/653
[4] - شريعة القرآن من دلائل إعجازه لأبي زهرة ص 76
Leave a comment:
-
الملحد وتشنيعه على حد السرقة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى أصحابه الغر الميامين ، و على من أتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد :
فقد انتشر في عصرنا مرض الإلحاد ، وهو أحد الأمراض الفكرية الفتاكة إذ يفتك بالإيمان و يعمي الحواس عن أدلة وجود الخالق الرحمن ،و تجد المريض يجادل في البديهيات و يجمع بين النقيضين ويفرق بين المتماثلين ،ويجعل من الظن علما و من العلم جهلا و من الحق باطلا و من الباطل حقا .
ومن عوامل انتشار هذا المرض الجهل بالدين و ضعف العقيدة واليقين والاسترسال في الوساوس الكفرية والسماع والقراءة لشبهات أهل الإلحاد دون أن يكون لدى الإنسان علم شرعي مؤصل .
وشبهات أهل الإلحاد ما هي إلا أقوال بلا دليل وادعاءات بلا مستند ،ورغم ضعفها و بطلانها إلا أنها قد تؤثر في بعض المسلمين لقلة العلم وازدياد الجهل بالدين ولذلك كان لابد من كشف شبهات ومغالطات ودعاوي أهل الإلحاد شبهة تلو الأخرى و مغالطة تلو المغالطة ودعوى تلو الدعوى حتى لا ينخدع أحد بكلامهم وشبههم .
و في هذا المقال سنتناول بإذن الله تشنيع الملاحدة على حد السرقة ودعواهم أن قطع يد السارق عقوبة وحشية فيها ضرب من القسوة التي تبعث على الاشمئزاز و تتنافى مع الإنسانية الراقية الرحيمة ، وتصيب الإِنسانِ الذي طبق عليه هذا الحد بالإِعاقةِ والبِطالة إذ يصير مقطوع اليد لا يستطيع العمل إذا كان في عمله يعتمد على يده فيصبح عالة على المجتمع ، و إذا قطع يد شخص بريء ظنا من القضاء انه سارق فلا يمكن رد يده إليه لكن في عقوبة الحبس يمكن أن يتم تعويض الشخص عنها ، و قطع يد شخص سوف يولد منه شخصا حاقدا على المجتمع و سوف يحول مشاعر الحب في قلبه تجاه الناس و المجتمع إلى مشاعر انتقام و سوف يبقى يحلم بيوم ينتقم فيه منهم ، و عقوبة قطع اليد سوف تؤثر على نظرة المجتمع للسارق حيث أنه سوف يعرفه الجميع بسبب يده المقطوعة و لن يعود يثق به أحد وقبل بيان فساد هذه الشبهة يحسن بنا ذكر بعض مفاسد السرقة .
مفاسد السرقة
للسرقة العديد من المفاسد منها :
ظلم الناس بالتعدي على أموالهم والاعتداء عليها ،وضياع أموال الناس وأكلها بالباطل ،وأخذها بغير حق وحرمان الناس من أموالهم ،وإفساد معاشهم وترويعهم ،و اضطراب أمنهم على أموالهم ،وإذا انتشرت السرقة أدت إلى إشاعة الخوف بدل الأمن والقلق بدل الطمأنينة والفوضى بدل الاستقرار .
استحقاق السارق لقطع يده التي باشر بها السرقة
من المسلم به أن عقاب أي شخص لابد أن يتناسب مع جسامة الجريمة التي ارتكبها فكلما زادت جسامة الجريمة زاد العقاب ،والسارق قد اعتدى على أموال الناس و أخذها بغير حق بغيا وظلما وحرم صاحب المال من ماله ،وأفسد على الناس معاشهم وظلمهم أشد ظلم وروعهم أشد الترويع ،وتعتبر يده أكبر مساعد له على فعله فهي آلة و أداة ظلمه وعدوانه وبطشه وسطوه فاستحق بذلك قطعها و إتلافها جزاءا وفاقا .
واللهُ – عز وجل - هو الذي مَنَحَ الإنسان اليَدَ ليكسبَ بها ويَعتاشَ ويرتزق، ولكنَه حَوَّلَها إِلى أَداةٍ للعدوان، فناسَبَ أَنْ تُقْطَع، وأَنْ تُزالَ القُوَّةُ الباغيةُ التي يَعْتَدُّ بها، ويَعْتَدي بها على الآخَرين، وهو الذي أَساءَ لنفسِه وليدِه، وهو الذي عَطَّلَها عن مهمتِها الإِيجابية، وحَولَها إِلى وسيلةٍ تخريبية، ولذلك أَدَّبَهُ اللهُ بقَطْعِها[1].
وقطع يد السارق فيه ضرب من القسوة والغلظة والعذاب نكالا له على ما اقترفه من الجرم العظيم ،وهذه القسوة التي في العقوبة سببها فعل أشد قسوة ولعظمه وعظم آثاره عظم الحد و العقاب.
وحد السرقة ليس مكافأة بل عقوبة على فعل مُجَرَم ،و لا عقوبة بلا قسوة و ألم ،و القسوة ليست شرا في كل أحوالها ،و لابد أن تشتمل العقوبة على عقاب رادع و ألم حسي أو معنوي أو الاثنين معا يزداد بزيادة جسامة الجريمة ،وإلا لما كان للعقوبة أثر في الزجر والردع .
ومن لم يبال بغلظة العقوبة وأقدم على السرقة فلا بد من إقامة الحد عليه بقطع يده لتطهير المجتمع منها كي لا يفسد باقي المجتمع كما يستأصل العضو الفاسد في جسد الإنسان كي لا يفسد باقي الجسد .
وقد يقول قائل : "إن قطع يد السارق يساوى من سرق قطعة ذهب مع من سرق ألف قطعة ، و من سرق للمرة الألف مع من يسرق للمرة الأولى " ،ويقول آخر : "إن عقاب السارق بقطع يده ليس فيه مساواة بين الجريمة والعقاب، فقد يكون المسروق ضئيلاً، ولقد حدَّ نصاب السرقة على مذهب من حده بقدر ضئيل، وهو ربع دينار أو عشرة دنانير.." ، وإن ذلك الكلام يبدو بادئ الرأي وجيهاً وهو عند الله و عند أهل الفكر والإصلاح والعدل الاجتماعي والرحمة العامة الشاملة ليس بوجيه، لأنه التماثل بين الجريمة والعقوبة ليس بشرط - لا في نظر القانونيين ولا في شريعة السماء، إلا إذا كانت العقوبة قصاصا، فإن القصاص أساسه التساوي .
وأما فيما عدا القصاص فالتساوي ليس بشرط لأن المقصد من العقوبة ليس هو المقصود من الضمان المالي، بأن يضمن المعتدي على مال غيره بقدر ما أتلف له من مال، وما ضيع له من منافع، إنما المقصود من العقوبة هو الردع، ومنع التفكير فيها من كل أمرئ تكون نفسه مستعدة لهذا الأثم، وحاله تسهل له ارتكاب ذلك الجرم، فالعقوبة إصلاح اجتماعي وتهذيب عام وزجر نفسي للآحاد و الشذاب .
ولقد نهجت القوانين الحديثة ذلك المنهاج فهي لا تنظر في جرائم السرقات ونحوها إلى مقدار المسروق بمقدار نظرها إلى نفس السارق، وما يترتب على جريمته من إشاعة للخوف وإزعاج للأمن، ولذلك تضاعف العقوبة إذا اعتاد الجريمة وتكررت منه، وقد تحكم ببضع سنين في سرقة بضعة جنيهات، والتفاوت كبير بين الجريمة والعقاب، بل تعطي الجريمة وصفاً إن ارتكبها من غير اعتياد، ووصفاً آخر إن اعتادها وألفها، فتكون العقوبة بمقدار خطر المجرم على المجتمع، وبمقدار الجرأة على الشر، ينشرها بتركه فيفسد الناس[2].
قطع يد السارق من باب ارتكاب أخف الضررين و دفع أعلى المفسدتين
لاشك أن قطع يد السارق فيه ضرر ومفسدة عليه وقد يعيقه عن العمل لكن في ترك قطعها وبقاءها سليمة شر على المجتمع ،وضرر على المجتمع ،و من أمثلة الأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد مع رجحان مصالحها على مفاسدها قطع يد السارق فإنه إفساد لها، ولكنه زاجر حافظ لجميع الأموال فقدمت مصلحة حفظ الأموال على مفسدة قطع يد السارق [3].
وقد يقول قائل : " إن قطع يد السارق يربح المجتمع شخص معاق وعالة على غيره " والجواب أن مصلحة المجتمع مقدمة على مصلحة الفرد ،والإضرار بالسارق أحد أفراد المجتمع عن طريق قطع يده أقل ضررا ومفسدة من اضطراب أمن المجتمع ،وعيش المجتمع في رعب وذعر وقلق إثر تفشي السرقة والسراق .
وإقامة حد السرقة يحتاج لإثبات شروط و انتفاء موانع والحدود تدرأ بالشبهات ،و كما أن العَقوبة مشددة فإن أدلة الإثبات كذلك مشددة فيها ،و قطع يد السارق قطع ليد شريرة لا تعمل ولا تنتج، بل إنها يد خبيثة تعطِّل العمل والإنتاج وتضيِّع على العاملين المنتجين ثمرات أعمالهم وإنتاجهم .
وكل ذي لب يدرك أن قطع يد السارق أقل ضررا من ظهور الآثار السيئة التي تسببها السرقة في المجتمع ،ولولا عقوبة الجناة والمفسدين لأهلك الناس بعضهم بعضا، وفسد نظام العالم، وصارت حال الدواب والأنعام والوحوش أحسن من حال بني آدم[4].
ويد السارق يد خبيثة خائنة ،واليد الخائنة بمثابة عضو مريض يجب بتره ليسلم الجسم، والتضحية بالبعض من أجل الكل مما اتفقت عليه الشرائع والعقول [5].
و قطع يد السارق أهون عند الله وعند كل من يفهم حكمة شرع الله، من أن تنتهب الأموال ويسود الخوف بدل الأمن ، وترتكب الجرائم والجنايات على الأرواح في جنح ظلام الليل البهيم ، وليسأل الذين ينفذون حكم الشارع في هذا: كم جريمة سرقت أفضت إلى موت المسروق؟ وكم يد تقطع كل عام إذا أقيم حد السرقة؟ مع ملاحظة أن الحد لا يقام إلا إذا انتفت كل شبهة، كما قال عليه السلام: "أدرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم" إن نتيجة الإحصاء ستوضح لا محالة أن عدد المقطوعين بحكم الله دون من يموتون تحت سلطان الهوى وغواية الشيطان[6].
و قد يقول قائل : " إن عقوبة قطع اليد سوف تؤثر على نظرة المجتمع للسارق حيث أنه سوف يعرفه الجميع بسبب يده المقطوعة و لن يعود يثق به أحد ،وفي هذا إضرار بالغ بالسارق" ،والجواب هذا مطلوب لمزيد من الزجر والردع على جريمة السرقة ففي القطع تنفير للمجتمع من السارق كي يعتبر به غيره ، إذ يعرف كل من يرى يده المقطوعة أنه قد سرق وأقيم عليه الحد فيعتبر و يرتدع من أن يفعل مثل فعله فلا يقدم على السرقة ، و أيضا إذا علم الإنسان أن هذا الشخص قد قطعت يده بسبب السرقة فإنه سيحذر منه و يحتاط منه حتى لا يسرقه .
[1] - القرآن ونقض مطاعن الرهبان للدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي ص 382
[2] - شريعة القرآن من دلائل إعجازه لأبي زهرة ص 76
[3] - قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام 1/99
[4] - إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم 2/69
[5] - فقه السنة للشيخ سيد سابق 2/485
[6] - شريعة القرآن من دلائل إعجازه لأبي زهرة ص 76
Leave a comment:
-
حقا إن الرجم رحمة
في رجم الزناة المحصنين تطهير للمجتمع من الأفراد الفاسدين ،وهذا رحمة .
في رجم الزناة المحصنين ردع لباقي أفراد المجتمع عن الوقوع في الفاحشة فيأمن الناس على أعراضهم ،وهذا رحمة .
مع رجم الزناة المحصنين لا تشيع الفاحشة في المجتمع ،وهذا رحمة .
في رجم الزناة المحصنين حفظ للأعراض من الانتهاك ،والأنساب من الاختلاط ،وهذا رحمة .
في رجم الزناة المحصنين مكافحة للأمراض الجنسية المعدية التي يسببها الزنا كالإيدز و الزهري و في ذلك حماية للمجتمع منها ومن أخطارها وهذا رحمة .
في رجم الزناة المحصنين توطيد للعلاقة الزوجية ومنع للخيانة ، وحفظ للرابطة الأسرية من التفكك وحفظ لكيان الأسرة ،وهذا رحمة .
وكما أن عَقوبة الزنا مشددة فأدلة إثباته كذلك فشرط إقامة الحد على الزاني المحصن والزانية المحصنة إما الاعتراف القاطع الصريح وإما بشهادة أربعة شهود برؤية الفعل على حقيقته مبالغة في الحيطة والحذر حتى لا يرمى بها الأبرياء وتغليظا على المدعي وسترا على العباد،و هذا رحمة .
هذا و الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات
Leave a comment:
-
رجم الزاني المحصن فيه ردع لمن تسول له نفسه بالزنا
إن من تسول له نفسه بالإقدام على الزنا إذا استحضر عقوبة الرجم بالحجارة حتى الموت فقد يستيقظ ضميره و ويؤنب نفسه ويرجع عن الزنا ،وبذلك تكون عقوبة رجم الزاني المحصن وسيلة لكف الناس عن الإقدام على الزنا وليرتدعوا أشد الردع فكلما اشتدت العقوبة قوى المنع .
و رجم الزاني المحصن والزانية المحصنة بالحجارة حتى الموت ليرتدع الباقون عن الزنا خير من أن يعاقبا بعقوبة أخف من الرجم فيأمن الناس و يرتكب بعضهم الزنا ويستشري الزنا في المجتمع إذ من أمن العقوبة الرادعة أساء الأدب ،ومن المعلوم أن عقوبة الجناة والمفسدين لا تتم إلا بمؤلم يردعهم، ويجعل الجاني نكالا وعظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله، وعند هذا فلا بد من إفساد شيء منه بحسب جريمته في الكبر والصغر والقلة والكثرة[1].
وقد غلظ الله جل وعلا عقوبة المحصن بالرجم تغليظا أشد من تغليظ عقوبة البكر بمائة جلدة ; لأن المحصن قد ذاق عسيلة النساء ، ومن كان كذلك يعسر عليه الصبر عنهن ، فلما كان الداعي إلى الزنا أعظم كان الرادع عنه أعظم وهو الرجم [2].
رجم الزاني المحصن فيه ضرب من القسوة لمصلحة الفرد والمجتمع
إن رجم الزاني المحصن و الزانية المحصنة فيه ضرب من القسوة والغلظة لمصلحتهما ومصلحة المجتمع الذي يعيشا فيه فقبل الإقدام على جريمة الزنا إذا تذكر المرء أنه سيرجم بالحجارة حتى الموت ربما خاف وارتدع فيمتنع عن الزنا ويكف عنه فيسلم .
والتشديد في عقوبة الزنا فيه ردع لأفراد المجتمع عن اقتراف هذه الفعلة المشينة وبذلك يأمن كل فرد من أفراد المجتمع من أن يدنس عرضه فتحفظ أعراض الناس وبذلك يكون إقامة حد الزنا على المحصن أنفى للزنا ويشعر كل إنسان في المجتمع بأنه مصون في عرضه .
وفي رجم الزاني المحصن صيانة للمجتمع باستئصال الفرد الفاسد منه ليدفع شره البالغ غاية الشناعة والبشاعة عن المجتمع الذي يعيش فيه ،وفي ذلك رحمة بالمجتمع بإنقاذه من الفساد والمفسدين ،واستئصال الفساد والمفسدين .
ومن لم يبال بغلظة العقوبة وأقدم على الزنا فلا بد من تطهيره ، وتطهير المجتمع منه كي لا يفسد باقي المجتمع كما يستأصل العضو الفاسد في جسد الإنسان كي لا يفسد باقي الجسد وقتل مرتكب الزنا بالرجم أقل ضررا من ظهور الآثار السيئة التي يسببها الزنا في المجتمع .
ولولا عقوبة الجناة والمفسدين لأهلك الناس بعضهم بعضا، وفسد نظام العالم، وصارت حال الدواب والأنعام والوحوش أحسن من حال بني آدم[3]
رجم الزاني المحصن فيه شفاء لنفوس أهل الزانية وزوجها – إن كانت متزوجة -
حادثة الزنا تجلب لأهل الزانية وزوجها – إن كانت متزوجة - الخزي والعار والحزن والأسى فتثير في نفوسهم الانتقام شر الانتقام ممن فعلا هذه الفعلة المشينة فشرع الله إقامة الحد ليشفي نفوسهم ويذهب غيظ قلوبهم ،و يرد اعتبارهم وحين يعلموا أن الزاني الذي انتهك عرضهم سيرجم فإن في ذلك شفاء لصدورهم فلا يفكرون في الانتقام.
والزانية والزاني حينما أقدما على الزنا لم يراعا مصلحة الآخرين ولم يبالا بحق الآخرين ولم يبالا بالفاحشة التي ارتكبت والعرض الذي انتهك والعار الذي سيلحق بالأهل ولذلك ليس لهما أن يطمعا في تخفيف العقاب ومن لا يرحم لا يرحم .
رجم الزاني المحصن و الزانية المحصنة فيه قسوة عليهما قسوة فيها رحمة
إن رجم الزاني المحصن و الزانية المحصنة فيه ضرب من القسوة والغلظة والعذاب نكالا لهما على ما اقترفاه من الذنب العظيم ،والفاحشة المبينة ،فهذه القسوة التي في العقوبة سببها فعل أشد قسوة بل فعل همجي بهيمي ولعظمه وعظم آثاره عظم الحد و العقاب.
والرجم ليس مكافأة بل عقوبة على فعل مُجَرَم ،و لا عقوبة بلا قسوة و ألم ،و القسوة ليست شرا في كل أحوالها ،و لابد أن تشتمل العقوبة على عقاب رادع و ألم حسي أو معنوي أو الاثنين معا يزداد بزيادة جسامة الجريمة ،وإلا لما كان للعقوبة أثر في الزجر والردع .
ولما كان الداعي إلى الزنا داع قوي في الطباع غلظت هذه العقوبة لمقابلة قوة الداعي رحمة بضعاف النفوس ،وإعانة لهم على النفور من هذه الفعلة الشنيعة فلا يقدمون عليها فإذا أقدموا عليها بعد هذا التحذير الشديد كان العقاب شديدا .
[1] - إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم 2/69
[2] - أضواء البيان للشنقيطي 3/37
[3] - إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم 2/69
Leave a comment:
-
الملحد وتشنيعه على حد الرجم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى أصحابه الغر الميامين ، و على من أتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد :
فقد انتشر في عصرنا مرض الإلحاد ، وهو أحد الأمراض الفكرية الفتاكة إذ يفتك بالإيمان و يعمي الحواس عن أدلة وجود الخالق الرحمن ،و تجد المريض يجادل في البديهيات و يجمع بين النقيضين ويفرق بين المتماثلين ،ويجعل من الظن علما و من العلم جهلا و من الحق باطلا و من الباطل حقا .
ومن عوامل انتشار هذا المرض الجهل بالدين و ضعف العقيدة واليقين والاسترسال في الوساوس الكفرية والسماع والقراءة لشبهات أهل الإلحاد دون أن يكون لدى الإنسان علم شرعي مؤصل .
وشبهات أهل الإلحاد ما هي إلا أقوال بلا دليل وادعاءات بلا مستند ،ورغم ضعفها و بطلانها إلا أنها قد تؤثر في بعض المسلمين لقلة العلم وازدياد الجهل بالدين ولذلك كان لابد من كشف شبهات ومغالطات ودعاوي أهل الإلحاد شبهة تلو الأخرى و مغالطة تلو المغالطة ودعوى تلو الدعوى حتى لا ينخدع أحد بكلامهم وشبههم .
و في هذا المقال سنتناول بإذن الله تشنيع الملاحدة على حد الرجم ودعواهم أن الرجم عقوبة وحشية همجية في غاية القسوة والبشاعة والعنف والتخلف ،ودليل على انعدام الرحمة عند المسلمين
شناعة جريمة الزنا
لاشك أن الزنا جريمة من أقبح الجرائم و موبقة من أخبث الموبقات و فاحشة من أشد الفواحش و منكر من أبشع المنكرات ، والزنا جريمة شنيعة مشينة منكرة مستقذرة في جميع الشرائع والملل والأعراف الأخلاقية في كل عصر ومصر .
و النفوس مجبولة على النفرة من الزنا و الزناة وبغض الزنا والزناة ، ومن من الناس لا يستقبح و لا يستنكر و لا يستبشع أن تزني زوجه أو ابنته أو أمه أو أخته إلا عديم الرجولة والمروءة خبيث النفس والطباع ؟!! وهل توجد امرأة عفيفة لا تستقبح و لا تستنكر و لا تستبشع أن يزني زوجها أو ابنها أو أبوها أو أخوها ؟!!!
ولو وقعت جريمة زنا في حي أو قرية علم بها الأهالي لوجدتهم مشمئزين غاضبين مسارعين في الانتقام من الزاني والزانية ينهالون عليهما ضربا وسبا إلى أن يتم تسليمهم للأولي الأمر .
مفاسد جريمة الزنا
للزنا العديد من المفاسد في العاجل والآجل منها هتك الأعراض واختلاط الأنساب وانحطاط الآداب وإلقاء العداوة والبغضاء بين الناس و فساد المجتمع وتهديده بالفناء والانقراض عن طريق إشاعة الفحش و الفجور والتبرج والسفور و انتشار الأمراض الجنسية المعدية و فقد الثقة بين الأزواج والزوجات وتقطيع العلاقات الزوجية و تفكك الروابط الأسرية و تعريض النسل للخطر والضياع والتشرد و الانحراف .
والسعي لإشباع الغريزة الجنسية بالحرام يؤدي لعزوف الشباب عن الزواج فيقل بناء الأسر التي هي لبنة المجتمع فيضمحل المجتمع .
و المرأة إذا حملت من الزنا فربما قتلت ولدها و بذلك تجمع بين الزنا والقتل وإذا كانت متزوجة و قتلت ولدها جمعت بين الزنا والقتل والخيانة الزوجية ، والزنى قد ينتج عنه الحمل و يتوهم الزوج أنه منه فينسبه إليه و يقوم بتربيته ويرث هذا الولد ممن ليس بأبيه ،والزانية تجلب العار لزوجها وأهلها وولدها وربما قتلت زوجها من أجل عشيقها والرجل إذا رأى زوجته تزني ربما قتلها و قتل عشيقها وربما يشك في أولاده أهم من صلبه أم لا فيقتلهم أو يعاملهم أسوأ معاملة .
الزاني المحصن يستحق الرجم
من الأمور التي يجب معرفتها أن العقوبة المستحقة لابد أن تتناسب مع جسامة الجريمة التي ارتكبها المدان فكلما زادت جسامة الجريمة زاد العقاب فمثلا عقوبة من قتل شخص أشد و أغلظ من عقوبة من ضرب شخص ،وعقوبة من خان الدولة أشد و أغلظ من عقوبة من خان فرد من أفراد الدولة ،و عقوبة القتل العمد أشد و أغلظ من عقوبة القتل شبه العمد ،وعقوبة اللواط أشد و أغلظ من عقوبة فعل مقدمات اللواط ،وعقوبة من زنا بامرأة أشد و أغلظ من عقوبة من قبل امرأة ،وعقوبة من اعتدى على مجتمع أشد و أغلظ من عقوبة من اعتدى على فرد .
و الزنا فيه اعتداء على العرض و المجتمع .
والعرض أغلى ما يملك المرء بعد دينه ،والعرض أعز من نفس الإنسان وماله ،وإذا زنى الإنسان فقد هتك عرض أخيه الإنسان ،وحكم على طهر أخته في الإنسانية بالإعدام ،والناس قد تسامح من قتل شخصا عزيزا لهم لكن لا تسامح من هتك عرضا لهم .
والزانية تلحق بأهلها وزوجها – إن كانت متزوجة - عار يجعلهم مقتولي الكرامة بين الناس و عرضة للنقص والازدراء من قبل الآخرين.
و الزنا أقوى معول يهدم كيان الأسرة ويفكك رابطتها، ويأتي على بنائها من أساسه و يعرض الأولاد للخطر والضياع والتشرد و الانحراف .
والزنا يضعف قوى المجتمع إذ ماذا يبقى للمجتمع من قوة إذا تهدمت الأسر وانحلت روابطها وتحطمت قواها بسبب الزنا وهل المجتمع إلا مجموعة أسر ؟.
والزاني المحصن عنده الحلال الطيب فيتركه ويذهب للحرام الخبيث فيهتك العرض ويشيع الفاحشة و يخون الزوجة إلى غير ذلك من المفاسد .
والزاني المحصن قد تمَّت عليه النعمة بالزوجة، فإقدامه على الزنا يعد دليلاً على أنَّ الشر متأصل في نفسه، وأما غير المحصَن فلعلَّ داعي الشهوة غلبه على ذلك، فخُفِّفَ عنه الحد – بالجلد - مراعاة لحاله وعذره [1].
و استحق الزاني المحصن أشد العقوبة وهي الرجم نكالا من الله لشناعة فعله وبشاعة جريمته وقذارتها و عظم آثارها السيئة والمدمرة على الفرد و الأسرة والمجتمع فالعقوبة تكون على الجريمة و الآثار الناتجة عنها، والأضرار المترتبة عليها ، والجزاء من جنس العمل .
[1] - توضِيحُ الأحكَامِ مِن بُلوُغ المَرَام للبسام 6/218
Leave a comment:
Leave a comment: