السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سبحان الله ... المداخلات طويلة عريضة أمامك تنفي ما تزعم .
مداخلاتك من السهولة بماكان يا أخ المحتكم ،، ولا أقصد بذلك إهانتك ،، بل شبهات منكري السنة أعرفها منذ زمن وأنجزت فيها بحوثا بحمد الله ، وهي سهلة النقد ضعيفة الأرضية ...
الآية الكريمة التي تتحدث عنها لا تصلح لنصرة مذهبك ، لأن هذه الآية بالذات أثيرت حولها روايات ومعانِ باطلة إليك بيان بطلانها من عدة وجوه :
الوجه الأول : أنه ليس فى الآية ما يدل على أن رسول الله
صدر منه في هذه الواقعة مذمة، ولا عاتبه الله على شيء منه، ولا ذكر أنه عصى أو أخطأ، ولا ذكر استغفار النبي
منه، ولا أنه اعترف على نفسه مخطئاً، وأنه لو صدر عنه زلة لوجد من ذلك شيء، كما في سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام متى صدرت عنهم زلة – إن صح التعبير – أو ترك مندوب .
الوجه الثاني : أنه ذكر في القصة بصريح القرآن الكريم : {ما كان على النبيء من حرج فيما فرض الله له} ونفي الحرج عن النبي
تصريح بأنه لم يصدر منه ذنب البتة، كما أن نفي الحرج رد على من توهم من المنافقين نقصاً فى تزويجه
إمرأة زيد مولاه، ودعيه الذي كان قد تبناه .
الوجه الثالث : أنه تعالى ذكر الحكمة والعلة من زواجه
من زينب رضى الله عنها بقوله : {فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها كيلا يكون على المومنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهم وطراً} ولم يقل : إني فعلت ذلك لأجل عشقك ! أو نحو ذلك.
الوجه الرابع : قوله تعالى : {زوجناكها} ولو حصل في ذلك سوء لكان قدحاً في الله تعالى، وهو ما يؤكد أنه لم يصدر منه
ذنب البتة فى هذه القصة.
الوجه الخامس : أنه لو كان ما ترمي إليه صحيحاً، لكان قوله
لزيد كما حكى القرآن الكريم {أمسك عليك زوجك} نفاقاً، لأنه أظهر بلسانه خلاف ما يضمره فى نفسه! لكن الله عز وجل عصم نبيه
من ذلك.
الوجه السادس : أن رسول الله
لم يكن يرى زينب للمرة الأولى، فهي بنت عمته، ولقد شاهدها منذ ولدت، وحتى أصبحت شابة، أى شاهدها مرات عديدة، فلم تكن رؤيته لها مفاجأة، كما تصور القصة الكاذبة التي جعلتك تفهم الآية فهما خاطئا، ولو كان رسول الله
يحمل أي ميل نحو زينب رضي الله عنها لتقدم بزواجها، وقد كان هذا أملها، وأمل أخيها حين جاء يخطبها منه، فلما صرح لهما بزيد، أبيا، فأنزل الله تعالى : {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم فقالا : رضينا بأمر الله ورسوله، وكانت هذه الآية توطئة وتمهيداً لما ستقرره الآيات التالية لها من حكم شرعي يجب على المؤمنين الانصياع له، وامتثاله والعمل به، وتقبله بنفس راضية، وقلب مطمئن، وتسليم كامل.
الوجه السابع : أن ما أخفاه النبي ، وأبداه الله تعالى هو : أمره بزواج زينب ليبطل حكم التبني، هذا ما صرحت به الآية، لا شيء آخر غيره، قال تعالى : {فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكيلا يكون على المومنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً}
فكيف تعدل عن صريح القرآن الكريم إلى روايات لا زمام لها ولا خطام؟ وتقرر عين ما قررته تلك الروايات المكذوبة ؟؟ وليس فى هذا الإخفاء ما يعاب عليه
أصلاً، وإلا لكان ذنباً تجب منه التوبة، وليس فى الآية الكريمة ما يشعر بشيء من ذلك ؟؟
وعليه فالإخفاء هو غاية العقل، وعين الكمال، لأن ذلك إنما كان سراً بينه وبين خالقه عز وجل، لم يأمره بإذاعته قبل أوانه، فكتمانه فى الحقيقة، قبل مجيء وقته هو الكمال الذي لا ينبغى غيره، ويوضح هذا ويبينه ما وقع منه عليه الصلاة والسلام في قصة عائشة رضى الله عنها، حين أتاه جبريل عليه السلام، قبل أن يتزوجها بأمد بعيد، بصورتها على ثوب من حرير، وقال له : "هذه امرأتك"، وقد عرفها رسول الله يقيناً، ولم يشك في أنها ستكون من أزواجه الطاهرات، ومع ذلك فقد ترك هذا الأمر سراً مكتوماً بينه وبين ربه، وقال : "إن يك هذا من عند الله يمضه" أي أنه من الله ولابد، فلأتركه إلى أن يجيء وقته الموعود، فلما جاء هذا الوقت أظهره الله تعالى، وتم ما أراد عز وجل، إذن ليس فى الإخفاء المذكور منقصة، ولا خيانة للوحي، كلا، بل لو أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أذاع هذا السر المكنون، والأمر المصون، لكان ذلك هو الخروج عن دائرة الحزم والكمال .
وهنا نصل إلى أصح المحامل في قصة زينب رضى الله عنها، وهو : أن الله تعالى قد أعلم نبيه أنها ستكون من أزواجه، فلما شكاها له زيد، وشاوره فى طلاقها، ومفارقتها، قال له على سبيل النصيحة والموعظة الخالصة "أمسك عليك زوجك واتق الله" أى واتق الله فى شكواك منها واتهامك لها بسوء الخلق، والترفع عليك، لأنه شكا منها ذلك، وأخفى رسول الله في نفسه ما كان أعلمه الله به من أنه سيتزوجها، مما الله مبديه، ومظهره بتمام التزويج، وطلاق زيد لها، ويصحح هذا قول المفسرين فى قوله تعالى بعد هذا {وكان أمر الله مفعولاً} أي لابد لك أن تتزوجها، ويوضح هذا أيضاً أن الله عز وجل لم يبد من أمره معها غير زواجه لها، فدل أنه الذي أخفاه مما كان أعلمه به ربه عز وجل وبهذا القول : الذى تعطيه التلاوة من أن الذي أخفاه النبي
هو إعلام الله له أنها ستكون زوجة له بعد طلاقها من زيد، قال به جمهور السلف، والمحققون من أهل التفسير، والعلماء الراسخون كابن العربي والقرطبي والقاضي عياض والقسطلاني فى المواهب والزرقاني فى شرحها وغيرهم ممن يعنون بفهم الآيات القرآنية وفقهها، وتنزيه الرسل عما لا يليق بهم من الروايات البعيدة عن منطق الحق والواقع.
بقى في القصة : قوله تعالى : {وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} فليس مرد هذه الخشية عند رسول الله
رهبة شيء يحول بينه وبين تبليغ رسالته من قريب أو بعيد، ولا يصح أن يفهم منها أنه لم يكن يخشى الله تعالى، ، بدليل ما ورد فى القرآن الكريم فى أكثر من آية الشهادة له بالخشية والخوف قال تعالى : {قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم} وقوله عز وجل : {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيبا} وهذه الآية الكريمة تشمله عليه الصلاة والسلام شمولاً أولياً لأنها فى صدر الحديث عنه، ومن هنا فالخشية في آية بحثنا {وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} مردها إلى شدة حياءه ، فقد كان يتحرج حياء من بيان ما قد اطلعه الله عليه، مما سيؤول إليه أمر زينب رضى الله عنها، لأن الناس كانوا يعدون ذلك أمراً كبيراً، ولكن لما كان شرعاً محكماً، كان لابد من بيانه.
أما من أول في معنى الخشية بأنها : مجرد خوفه من قالة المنافقين، وطعنهم فى ذاته الكريمة بقولهم: تزوج زوجة ابنه، أي من تبناه. فهذا التأويل ترده سيرته العطرة مما تعالم وعرف فى تاريخ تبليغه الرسالة على مدى مدة الإقامة فى مكة – ثلاثة عشر عاماً – وما مضى من مدة قدومه المدينة إلى حين وقوع قصة زيد وزينب، وهي قد وقعت فى السنة الثالثة أو الرابعة من الهجرة، من مناهضة الكفر والشرك والوثنية، وطغيان ملأ قريش وعتوهم وفجور سفهائهم من مواقف حفظها تاريخ السيرة النبوية العطرة من صبر على البلاء، ومجابهة الأعداء في وقائع وأحداث كثيرة تدل قطعاً على أن النبي ما كان في حياته المباركة يخشى أحداً غير الله تعالى، ولا يقيم وزناً لأقوال الناس فيه، وأفعالهم معه، وفى مهاجره لقي من أعداء الإسلام اليهود والمنافقين وبقايا المشركين مالا يقل فى عنفونه وعتوه، عن فجور مشركي مكة، فلم يحفل به، ولا خشي أحداً من الناس، ولو لم يكن من صور صبره على سفاهة السفهاء، وقالة السوء من أعدى أعداء الإسلام المنافقين واليهود إلا صبره فى قصة الإفك وعدم المبالاة بتقول المتقولين، وافتراء المفترين، لكفاه ذلك في مواقف الفخر بالاعتصام بالله، وأفراده وحده بالخشية منه دون خشية أحد من خلقه.
والذى أرتضيه في المراد بالخشية في قوله تعالى: {وتخشى الناس} هو ما أشار إليه عالم الأندلس ابن حزم في كتابه الفصل فى الملل والنحل:"أنه عليه الصلاة والسلام خشي ضرر الناس، ووقوعهم فى الهلاك بسبب إساءة ظنهم به، وبسط ألسنتهم فيه بالسوء" كما وقع له ، أنه كان واقفاً مرة مع زوجته صفية بنت حي بن أخطب رضى الله عنها، ليلاً، فمر عليه رجلان من أصحابه، فلما أبصراه واقفاً معها أسرعا فى المشي، فقال لهما رسول الله ، "على رسلكما، إنها صفية بنت حي" فقالا : سبحان الله يا رسول الله، وكبر عليهما ذلك. فقال النبي : "إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم، وقد خشيت أن يقذف فى قلوبكما شيئاً" فالخشية كانت من سوء الظن، والإشاعات الكاذبة التى قد تؤثر على بعض ضعفاء الإيمان، أو تقف عقبة فى سبيل تبليغ الرسالة، فيستغلها الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم،وهذا هو المعقول اللائق بعظيم منزلته صلى الله عليه وسلم، وإلا فمجرد الخوف من قالة الناس، وخشية الطعن منهم، مما يجب أن ينزه عنه مقام النبوة الأسمى، فإنه أي خوف الناس، لا ينشأ إلا من حب المحمدة والثناء، والحرص على الجاه عند الناس، وحسن الأحدوثة بينهم، وهذا مما يترفع عنه آحاد الأتقياء، فضلاً عن سيد الأنبياء، وعلى ذلك فليست قصة زينب المذكورة، مسوقة مساق العتاب له ، كما توهمه المفسرون، وإنما سيقت فى الحقيقة لبيان كماله وحزمه ، وشدة شفقته على الناس، وحرصه على سلامتهم من الأذى، كما يوميء إليه قوله تعالى قبل هذه القصة {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} فإن إعطاء النبي هذا المنصب العظيم، وإحلاله هذه المنزلة الرفيعة، التى جعلت رأيه فوق رأي الجميع، بحيث لا يكون لمؤمن ولا مؤمنة الخيرة فى شئ ما، بعد قضائه ورأيه ، يدل على دلالة ظاهرة على أن هذه القصة، وهي قصة زينب المذكورة، إنما ذكرت هنا كالتعليل لاستحقاقه ما ذكر، فلابد حينئذ أن يكون مضمونها مدحاً له ، وتنزيهاً له عن جميع الأغراض والحظوظ النفسية، فما قيل من أنه أبصرها فتعلق قلبه بها وأخفاه، فهو قول باطل كما قال بعض العلماء، لا يلتفت إليه، وإن جل ناقلوه، فإن أدنى الأولياء لا يصدر عنه مثل هذا، وكذلك لا يجدي فيه الاعتذار، بأن ميل القلب غير مقدور، فإنه هنا أيضاً مما يجب صيانة النبي وعصمته عنه، ويرد هذا القيل : أن الله سبحانه وتعالى لم يبده، أى لم يبد الميل القلبي كما زعمتم، وإنما أبدى نكاحه إياها نسخاً لما كان عليه الجاهلية من تحريم أزواج الأدعياء .
فإن قيل : فما تصنع بقوله تعالى : {والله أحق أن تخشاه} فإنه يدل على معاتبة النبس، بأنه خشي الناس، ولم يخش الله الأحق بالخشية؟
فالجواب : بأن ظاهر الآية غير مراد، وإنما المعنى : والله أحق أن تخشاه، أي : جدير بأن تخشاه كما فعلت يا رسول الله، وذلك لأن خشية ضرر الناس، وتوقي هلاكهم على ما وقع منه فى قصة صفية بنت حي السابقة، إنما نشأت من مراقبته لله تعالى، وقيامه بحق الرعاية التى جعلها الله تعالى له عليهم، فهو فى الواقع إنما خشى الله فى الناس، فجاء قوله عز وجل: {والله أحق أن تخشاه} تعزيزاً له على ما فعل، وإخباراً بأن الله تعالى جدير بأن يخشاه مثلك يا رسول الله فى عباده، بأن يقيهم أسباب الضرر والهلاك، ويحرص على هدايتهم وسعادتهم فى الدارين قلت : وهذا الوجه الأخير من أحسن ما تنزل عليه الآية الكريمة، لأنه اللائق بما جبل عليه رسول الله من الرأفة والرحمة، وبما كان فى المسلمين من حدثاء الإسلام، الذين لم تتعمق جذور الإيمان فى قلوبهم بعد، فخشي رسول الله عليهم ذلك. وهذا الجواب قرره صاحب النفحات الشذية فيما يتعلق بالعصمة والسنة النبوية.
ولكنني قد آتيكم بالمختصر المفيد الذي تعجزون عن الرد عليه .
ما رأيك في قول محمد في سورة الأحزاب (امسك عليك زوجك واتق الله) قبل نزول الآيه هل كان هذا النطق وحيا مباشرا من الله ؟ واذا كان كذلك فلما قال الله (وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله احق ان تخشاه ) ؟ فانك بذلك الفهم المعوج للآية (وما ينطق عن الهوى) اما ان تنسب الخطأ لله ووحيه واما ان تكذب الآية فتقول ان حادثة النبي مع زيد لم تحدث اساسا .....
الآية الكريمة التي تتحدث عنها لا تصلح لنصرة مذهبك ، لأن هذه الآية بالذات أثيرت حولها روايات ومعانِ باطلة إليك بيان بطلانها من عدة وجوه :
الوجه الأول : أنه ليس فى الآية ما يدل على أن رسول الله
صدر منه في هذه الواقعة مذمة، ولا عاتبه الله على شيء منه، ولا ذكر أنه عصى أو أخطأ، ولا ذكر استغفار النبي
منه، ولا أنه اعترف على نفسه مخطئاً، وأنه لو صدر عنه زلة لوجد من ذلك شيء، كما في سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام متى صدرت عنهم زلة – إن صح التعبير – أو ترك مندوب .الوجه الثاني : أنه ذكر في القصة بصريح القرآن الكريم : {ما كان على النبيء من حرج فيما فرض الله له} ونفي الحرج عن النبي
تصريح بأنه لم يصدر منه ذنب البتة، كما أن نفي الحرج رد على من توهم من المنافقين نقصاً فى تزويجه
إمرأة زيد مولاه، ودعيه الذي كان قد تبناه .الوجه الثالث : أنه تعالى ذكر الحكمة والعلة من زواجه
من زينب رضى الله عنها بقوله : {فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها كيلا يكون على المومنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهم وطراً} ولم يقل : إني فعلت ذلك لأجل عشقك ! أو نحو ذلك.الوجه الرابع : قوله تعالى : {زوجناكها} ولو حصل في ذلك سوء لكان قدحاً في الله تعالى، وهو ما يؤكد أنه لم يصدر منه
ذنب البتة فى هذه القصة.الوجه الخامس : أنه لو كان ما ترمي إليه صحيحاً، لكان قوله
لزيد كما حكى القرآن الكريم {أمسك عليك زوجك} نفاقاً، لأنه أظهر بلسانه خلاف ما يضمره فى نفسه! لكن الله عز وجل عصم نبيه
من ذلك.الوجه السادس : أن رسول الله
لم يكن يرى زينب للمرة الأولى، فهي بنت عمته، ولقد شاهدها منذ ولدت، وحتى أصبحت شابة، أى شاهدها مرات عديدة، فلم تكن رؤيته لها مفاجأة، كما تصور القصة الكاذبة التي جعلتك تفهم الآية فهما خاطئا، ولو كان رسول الله
يحمل أي ميل نحو زينب رضي الله عنها لتقدم بزواجها، وقد كان هذا أملها، وأمل أخيها حين جاء يخطبها منه، فلما صرح لهما بزيد، أبيا، فأنزل الله تعالى : {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم فقالا : رضينا بأمر الله ورسوله، وكانت هذه الآية توطئة وتمهيداً لما ستقرره الآيات التالية لها من حكم شرعي يجب على المؤمنين الانصياع له، وامتثاله والعمل به، وتقبله بنفس راضية، وقلب مطمئن، وتسليم كامل.الوجه السابع : أن ما أخفاه النبي ، وأبداه الله تعالى هو : أمره بزواج زينب ليبطل حكم التبني، هذا ما صرحت به الآية، لا شيء آخر غيره، قال تعالى : {فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكيلا يكون على المومنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً}
فكيف تعدل عن صريح القرآن الكريم إلى روايات لا زمام لها ولا خطام؟ وتقرر عين ما قررته تلك الروايات المكذوبة ؟؟ وليس فى هذا الإخفاء ما يعاب عليه
أصلاً، وإلا لكان ذنباً تجب منه التوبة، وليس فى الآية الكريمة ما يشعر بشيء من ذلك ؟؟وعليه فالإخفاء هو غاية العقل، وعين الكمال، لأن ذلك إنما كان سراً بينه وبين خالقه عز وجل، لم يأمره بإذاعته قبل أوانه، فكتمانه فى الحقيقة، قبل مجيء وقته هو الكمال الذي لا ينبغى غيره، ويوضح هذا ويبينه ما وقع منه عليه الصلاة والسلام في قصة عائشة رضى الله عنها، حين أتاه جبريل عليه السلام، قبل أن يتزوجها بأمد بعيد، بصورتها على ثوب من حرير، وقال له : "هذه امرأتك"، وقد عرفها رسول الله يقيناً، ولم يشك في أنها ستكون من أزواجه الطاهرات، ومع ذلك فقد ترك هذا الأمر سراً مكتوماً بينه وبين ربه، وقال : "إن يك هذا من عند الله يمضه" أي أنه من الله ولابد، فلأتركه إلى أن يجيء وقته الموعود، فلما جاء هذا الوقت أظهره الله تعالى، وتم ما أراد عز وجل، إذن ليس فى الإخفاء المذكور منقصة، ولا خيانة للوحي، كلا، بل لو أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أذاع هذا السر المكنون، والأمر المصون، لكان ذلك هو الخروج عن دائرة الحزم والكمال .
وهنا نصل إلى أصح المحامل في قصة زينب رضى الله عنها، وهو : أن الله تعالى قد أعلم نبيه أنها ستكون من أزواجه، فلما شكاها له زيد، وشاوره فى طلاقها، ومفارقتها، قال له على سبيل النصيحة والموعظة الخالصة "أمسك عليك زوجك واتق الله" أى واتق الله فى شكواك منها واتهامك لها بسوء الخلق، والترفع عليك، لأنه شكا منها ذلك، وأخفى رسول الله في نفسه ما كان أعلمه الله به من أنه سيتزوجها، مما الله مبديه، ومظهره بتمام التزويج، وطلاق زيد لها، ويصحح هذا قول المفسرين فى قوله تعالى بعد هذا {وكان أمر الله مفعولاً} أي لابد لك أن تتزوجها، ويوضح هذا أيضاً أن الله عز وجل لم يبد من أمره معها غير زواجه لها، فدل أنه الذي أخفاه مما كان أعلمه به ربه عز وجل وبهذا القول : الذى تعطيه التلاوة من أن الذي أخفاه النبي
هو إعلام الله له أنها ستكون زوجة له بعد طلاقها من زيد، قال به جمهور السلف، والمحققون من أهل التفسير، والعلماء الراسخون كابن العربي والقرطبي والقاضي عياض والقسطلاني فى المواهب والزرقاني فى شرحها وغيرهم ممن يعنون بفهم الآيات القرآنية وفقهها، وتنزيه الرسل عما لا يليق بهم من الروايات البعيدة عن منطق الحق والواقع.بقى في القصة : قوله تعالى : {وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} فليس مرد هذه الخشية عند رسول الله
رهبة شيء يحول بينه وبين تبليغ رسالته من قريب أو بعيد، ولا يصح أن يفهم منها أنه لم يكن يخشى الله تعالى، ، بدليل ما ورد فى القرآن الكريم فى أكثر من آية الشهادة له بالخشية والخوف قال تعالى : {قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم} وقوله عز وجل : {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيبا} وهذه الآية الكريمة تشمله عليه الصلاة والسلام شمولاً أولياً لأنها فى صدر الحديث عنه، ومن هنا فالخشية في آية بحثنا {وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} مردها إلى شدة حياءه ، فقد كان يتحرج حياء من بيان ما قد اطلعه الله عليه، مما سيؤول إليه أمر زينب رضى الله عنها، لأن الناس كانوا يعدون ذلك أمراً كبيراً، ولكن لما كان شرعاً محكماً، كان لابد من بيانه.أما من أول في معنى الخشية بأنها : مجرد خوفه من قالة المنافقين، وطعنهم فى ذاته الكريمة بقولهم: تزوج زوجة ابنه، أي من تبناه. فهذا التأويل ترده سيرته العطرة مما تعالم وعرف فى تاريخ تبليغه الرسالة على مدى مدة الإقامة فى مكة – ثلاثة عشر عاماً – وما مضى من مدة قدومه المدينة إلى حين وقوع قصة زيد وزينب، وهي قد وقعت فى السنة الثالثة أو الرابعة من الهجرة، من مناهضة الكفر والشرك والوثنية، وطغيان ملأ قريش وعتوهم وفجور سفهائهم من مواقف حفظها تاريخ السيرة النبوية العطرة من صبر على البلاء، ومجابهة الأعداء في وقائع وأحداث كثيرة تدل قطعاً على أن النبي ما كان في حياته المباركة يخشى أحداً غير الله تعالى، ولا يقيم وزناً لأقوال الناس فيه، وأفعالهم معه، وفى مهاجره لقي من أعداء الإسلام اليهود والمنافقين وبقايا المشركين مالا يقل فى عنفونه وعتوه، عن فجور مشركي مكة، فلم يحفل به، ولا خشي أحداً من الناس، ولو لم يكن من صور صبره على سفاهة السفهاء، وقالة السوء من أعدى أعداء الإسلام المنافقين واليهود إلا صبره فى قصة الإفك وعدم المبالاة بتقول المتقولين، وافتراء المفترين، لكفاه ذلك في مواقف الفخر بالاعتصام بالله، وأفراده وحده بالخشية منه دون خشية أحد من خلقه.
والذى أرتضيه في المراد بالخشية في قوله تعالى: {وتخشى الناس} هو ما أشار إليه عالم الأندلس ابن حزم في كتابه الفصل فى الملل والنحل:"أنه عليه الصلاة والسلام خشي ضرر الناس، ووقوعهم فى الهلاك بسبب إساءة ظنهم به، وبسط ألسنتهم فيه بالسوء" كما وقع له ، أنه كان واقفاً مرة مع زوجته صفية بنت حي بن أخطب رضى الله عنها، ليلاً، فمر عليه رجلان من أصحابه، فلما أبصراه واقفاً معها أسرعا فى المشي، فقال لهما رسول الله ، "على رسلكما، إنها صفية بنت حي" فقالا : سبحان الله يا رسول الله، وكبر عليهما ذلك. فقال النبي : "إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم، وقد خشيت أن يقذف فى قلوبكما شيئاً" فالخشية كانت من سوء الظن، والإشاعات الكاذبة التى قد تؤثر على بعض ضعفاء الإيمان، أو تقف عقبة فى سبيل تبليغ الرسالة، فيستغلها الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم،وهذا هو المعقول اللائق بعظيم منزلته صلى الله عليه وسلم، وإلا فمجرد الخوف من قالة الناس، وخشية الطعن منهم، مما يجب أن ينزه عنه مقام النبوة الأسمى، فإنه أي خوف الناس، لا ينشأ إلا من حب المحمدة والثناء، والحرص على الجاه عند الناس، وحسن الأحدوثة بينهم، وهذا مما يترفع عنه آحاد الأتقياء، فضلاً عن سيد الأنبياء، وعلى ذلك فليست قصة زينب المذكورة، مسوقة مساق العتاب له ، كما توهمه المفسرون، وإنما سيقت فى الحقيقة لبيان كماله وحزمه ، وشدة شفقته على الناس، وحرصه على سلامتهم من الأذى، كما يوميء إليه قوله تعالى قبل هذه القصة {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} فإن إعطاء النبي هذا المنصب العظيم، وإحلاله هذه المنزلة الرفيعة، التى جعلت رأيه فوق رأي الجميع، بحيث لا يكون لمؤمن ولا مؤمنة الخيرة فى شئ ما، بعد قضائه ورأيه ، يدل على دلالة ظاهرة على أن هذه القصة، وهي قصة زينب المذكورة، إنما ذكرت هنا كالتعليل لاستحقاقه ما ذكر، فلابد حينئذ أن يكون مضمونها مدحاً له ، وتنزيهاً له عن جميع الأغراض والحظوظ النفسية، فما قيل من أنه أبصرها فتعلق قلبه بها وأخفاه، فهو قول باطل كما قال بعض العلماء، لا يلتفت إليه، وإن جل ناقلوه، فإن أدنى الأولياء لا يصدر عنه مثل هذا، وكذلك لا يجدي فيه الاعتذار، بأن ميل القلب غير مقدور، فإنه هنا أيضاً مما يجب صيانة النبي وعصمته عنه، ويرد هذا القيل : أن الله سبحانه وتعالى لم يبده، أى لم يبد الميل القلبي كما زعمتم، وإنما أبدى نكاحه إياها نسخاً لما كان عليه الجاهلية من تحريم أزواج الأدعياء .
فإن قيل : فما تصنع بقوله تعالى : {والله أحق أن تخشاه} فإنه يدل على معاتبة النبس، بأنه خشي الناس، ولم يخش الله الأحق بالخشية؟
فالجواب : بأن ظاهر الآية غير مراد، وإنما المعنى : والله أحق أن تخشاه، أي : جدير بأن تخشاه كما فعلت يا رسول الله، وذلك لأن خشية ضرر الناس، وتوقي هلاكهم على ما وقع منه فى قصة صفية بنت حي السابقة، إنما نشأت من مراقبته لله تعالى، وقيامه بحق الرعاية التى جعلها الله تعالى له عليهم، فهو فى الواقع إنما خشى الله فى الناس، فجاء قوله عز وجل: {والله أحق أن تخشاه} تعزيزاً له على ما فعل، وإخباراً بأن الله تعالى جدير بأن يخشاه مثلك يا رسول الله فى عباده، بأن يقيهم أسباب الضرر والهلاك، ويحرص على هدايتهم وسعادتهم فى الدارين قلت : وهذا الوجه الأخير من أحسن ما تنزل عليه الآية الكريمة، لأنه اللائق بما جبل عليه رسول الله من الرأفة والرحمة، وبما كان فى المسلمين من حدثاء الإسلام، الذين لم تتعمق جذور الإيمان فى قلوبهم بعد، فخشي رسول الله عليهم ذلك. وهذا الجواب قرره صاحب النفحات الشذية فيما يتعلق بالعصمة والسنة النبوية.
Comment