كل شيء يدل عليه أنه خالق عليم حكيم , ومخلوقاته على ذلك دليل , لا شك بأن الخالق موجود ,وأن الخالق سبحانه كان قبل المخلوق , الله خالق كل شيء , خلق السماء والأرض, خلق الجبال والسهول والوديان , خلق الانس والجان , ثم بعد ذلك يخوض المرء في كل شيء, فيقول الله خلق كل شيء سبحانه . ثم تراود النفوس شياطين الإنس والجن, لتلبس على المؤمن إيمانه, وعلى أهل الفطرة فطرتهم , فيقولوا له هذا الله خلق كل شيء ... فمن خلق الله !!!
قد يتهم المرء نفسه أحيانا فيقول أوصلت الى هذا الحد !!!! فيستغفر ربه ويتعوذ من شيطان رجيم , فتزول التوهمات ويفكر في المخلوقات وقدرة الله وحكمته فيها , فيزداد إيمانا , وآخر تابع نفسه بالتفكير وأخذ يسأل نفسه ويكرر كيف ؟؟ فلا يجد جوابا لسؤاله الا الخذلان في البحث والتعب في الجهد وأرق الليل , ومسامرة الشياطين يدعونه للإلحاد بخالقه عز وجل .
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك , وبين سببه وبين علاجه , وهو علاج سهل , فعن أبي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ " متفق عليه .
وبعد ذلك تنتقل الشبهة ممن فكر بها إلى أن تتناقلها الألسن , فيكفون الشيطان الوسوسة التي لبس فيها على الناس فيصبح الناس يتناقلوها ويتسائلوا فيما بينهم عنها , كما خبر النبي صلى الله عليه وسلم :لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولُوا هَذَا اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ
متفق عليه .
فهذا خبر عنه صلى الله عليه وسلم أن الشبهة التي ألقاها الشياطين على أوليائه, تناقلها الناس في مجالسهم , ولا يخوا انسان من وساوس شيطان كما أخبرنا الله عنه فقال عنه : لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [النساء/118-120]
فهذا سلطان الشيطان الذي لا يتعداه وسوسة في الصدور , بالإستعاذة يزول , ولكن عند تساؤل الناس عنها أصبحت شبة إبليس , تقلفها الملاحدة وظنوا أنهم على شيء , فلا تجد ملحد إلا ويسأل ذلك على سبيل التعجيز . ولما أصبحت من الشبه التي يحاول أهل الزندقة الدخول بها على أهل الإسلام كان للمسلم أن يرد على هؤلاء بطريقة صحيحة , فالاستعاذة هي من ما يفعله أهل الإيمان , أما أهل الإلحاد فان الرد عليهم بإلزامهم بالقواعد العقلية المتفق عليها , وبتحليل السؤال وبيان الخطأ فيه .
- اثبات الخالق عز وجل وأنه الأول : وقد بين الله عز وجل كيف يستدل على ذلك بقوله تعالى : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ
ومعنى الآية هل وجدوا من غير أن يخلقوا أم أنهم أوجدوا أنفسهم . فإن كان كلا الأمرين غير صحيح فلا بد من أنهم مخلوقين لم يكونوا ثم بعد ذلك كانوا , ويقول الله عز وجل عن باقي المخلوقات: أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فما انطبق عليهم انطبق على السماوات والأرض وما فيهن من فكل ما فيها مخلوق بعد أن لم يكن . والذي خلقها ليس شيئا من الارض ولا مما تحويه السماء بل هو خالق كل شيء . وبما أنه خالق لكل شيء فليس قبله شيء , والذي ليس قبله شيء لا يكون مخلوقا .
لذلك كان أثر هذه الآيات على قلوب العباد أثرا عظيما , حتى أن جبيري بن مطعم رضي الله عنه قصته مع هذه الآيات فقال : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ
{ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ }
قَالَ كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ"صحيح البخاري - (ج 15 / ص 95)
وهذا كله ينفي ان يسأل سؤال من خلق الأول : لأن الأول هو من ليس قبله شيء .والسؤال يفترض وجود شيء قبل الأول وهذا خطأ في السؤال , لأن قبل تستخدم ظرف زمني . والله كان ولم يكن غيره ., فلا يكون وجود للزمن الذي يستخدمه الناس والذي هو مقدار التغير في الزمن لشيء منسوب لآخر , فالأول لو كان قبله شيء لما كان أولا ولأصبح مخلوقا وليس خالقا , فلذا وجب التسليم العقلي أن الأول ليس قبله شيء فلا يكون موجد له . بل يكون ما بعده مفتقر إليه , وهو لا يحتاج لشيء مما كان بعده , وقولهم من خلق . تعني افتقار الخالق اضافة لنفيها أن يكون الأول .
ومقرر ذلك في القواعد العقلية : أن الشيء لا يتغير إلا بسبب وعلة . فكل وكل شيء يكون له سبب لا يكون إلا بعد حدوث السبب , والعقول تحيل ان يكون الشيء موجودا إذا كان معلول إلا بعد حدوث سببه وحدوث علة الوجود أو التغير ,والعقل يقبل ان تتسلسسل العلل والأسباب ولكنها تمنع ان تكون بلا بداية ,لسبب عقلي وهو أ، تسلسل العلل بلا بداية , يعني أن السبب الأول غير موجود . وهذا ينفي وجود الشيء لان سببه غير موجود و لانه لا يمكن أن نجد أللابداية لأن وجودها يعني إنها بداية, وحقيقة نعلم أن الشيء موجود فيجب ان يكون سببها الأول موجود ,والسبب الأول ليس قبله شيء كي لا يصبح ثاني وثالث وغير ذلك .
فإن قال قائل وما يمنع أن يكون السبب بلا بداية , قيل له إن كان السبب الأول في اللانهاية فنحن في اللابداية , لأن الابداية مصطلح يعني أن البداية لن نجدها لانها نقطة زمنية وهمية لا وجود لها, فكلما طلبنا سبب وجدنا سبب أسبق له , ومعلوم أن الزيادة والنقص من اللابداية واللانهاية لا يؤثر فتبقى اللابداية لا بداية والانهاية لانهاية لها وهذه كلها تعابير زمنية وكمية وهمية غير حقيقية بالنسبة للمخلوقات .
والمانع القلي الآخر من كون الخالق بحاجة لخالق قبله , هو لزوم نفس الشيء للذي قبل , فيسري ذلك الى سلسلة لا نهائية , وهذا خلاف ما ابطل سابقا
وقد يقول ملحد عبارة أخرى وهي مشابهة للاولى ولكنها تتعلق بأين وليس من فيقول قائلهم :من أين أتى الله ؟ والجواب بنفس الطريقة الأولى وهي أن أين بعد مكاني يعتمد على البعد بين شيئين والله عز وجل خالق كل شيء فهو الأول الذي لم يكن معه شيء . وبذلك لا يكون هناك بعد مكاني لأن المكان الذي هو عندهم وعاء المادة الذي يكون معها وجودا وعدما هو من مخلوقات الله عز وجل وأين لا معنى لها بعدم وجود بعد مكاني يعتمد على تحيز في شيء , فالخالق عز وجل كان ولم يكن شيء غيره فعندها ما كان غيره ولا كان هناك بعدنا الزماني الذي نقيسه بمقدار التغير , ولا بعد مكاني يعتمد على الجهات الست , والخالق عز وجل لم يتغير عليه شيء بخلق الخلق فما احتاج المكان ولا الزمان بل هو يجري الزمان وهو الذي خلق المكان . فكيف يقال أين كان ولم يكن هناك شيء غيره ؟ وكيف يقال من خالق ولم يكن أحد قبله ؟ إذا السؤال غير صحيح من أساسه وإنما هو قائم التلبيس على قلب السامع لان الأول منفرد بإنتفاء البعد الزماني والمكاني عنه لعدم وجود غيره . ولا يوجد أثر لهما الا بعد وجود شيء آخر غيره عز وجل .فلم يكن عندها زمان لانه مقدار التغير من شيء لآخر ولا جهة ولا مكان .
لذلك يحث الله عز وجل المسلمين على أن يتفكروا في المخلوقات ولا يتفكروا في امور لا يستطيعوا استيعابها أو معرفتها إلا على النحو الذي ذكر , و والايمان بما أخبرنا الله عز وجل من صفات له وأن لا نتعداها بشيء , فان لأن الخالق عزوجل ليس كمثله شيء, ولا يحيط به المخلوق ,وانما يستطيع الإنسان ان يفهم ما علمه الله وما أعطاه من قدرة على استيعابه . والعقل مناط التكليف بدونه لا تستطيع أن تفهم الشرع , والشرع يبين للناس ما لا يستطيع معرفته بالعقل أوما قد يغفل عنه .
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليسألنكم الناس عن كل شيء حتى يسألوكم هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله؟ فإن سئلتم فقولوا : الله كان قبل كل شيء ، وهو خالق كل شيء ، وهو كائن بعد كل شيء .
إذا العقول تدرك أن الكون لا بد له من خالق ليس مخلوقا يكون سببا في كل شيء ولا يكون محدث أو مخلوق لكونه أولا , والأول ليس قبله شيء فلا يقال قبل الأول لانه ليس قبله شيء وهذا نفي لأصل شبهة الشيطان في هذا الباب والخالق ليس من جنس المخلوق بل هو ليس كمثله مخلوق ولا يشبه شيء من عبيده عز وجل . فلا يقال عنه ما يقال عن المخلوق ولا يقاس عليه صفاتهم ولا أحوالهم . والخالق عز وجل الأول فلم يكن قبله شيء.

Comment