ردود غير منطقية على حجة الصدفة

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • أبو الفداء
    غفر الله له ولوالديه
    • Jan 2009
    • 189

    #46
    الحمد لله وحده.
    لست هنا لمحاورة صاحب الموضوع، فأرجو ألا يتكلف مجادلتي!
    ولكني في عجب حقيقة من تأخر بيان بعض الأفاضل لأصل المغالطة المنطقية الفجة في كلام صاحب الموضوع.
    يقول الرجل:
    وبالتالي .. حين يتحدث أحد عن إعجاز عددي او علمي أو كذا في القرآن ويحاجج بأن احتمالية أن يأت الأمر هكذا صدفة بدون تدخل إلهي , هي ضعيفة جدا تقارب الصفر في المائة ومن ثم ينطلق إلى النتيجة -الخاطئة- وهي أن الأمر أتى من إله لا من رسولهم محمد , كل هذا انحراف عن المنطق السليم .. لأن القريب من الصفر لا يعني الصفر وستظل هناك احتمالية ولو ضئيلة .. ووجود مثل هذه الاحتمالية تهدم قطعية الحكم بالتدخل الإلهي ..أو أي حكم مشابه

    والقاعدة , إذا تسلل الاحتمال-مهما بلغ من الضآلة- إلى الدليل سقط به الاستدلال

    نفس الشيء عندما يعطون مثالا على استحالة نشوء الكون صدفةً , ويقولون لو أن قردا جلس على حاسب آلي وأخذ يعبث بأزراره فما احتمالية أن يكتب قصيدة لشكسبير صدفة ؟ احتمالية تكاد تكون معدومة وبالتالي مرفوضة من وجهة نظرهم , ولكن على خلاف ما يريدون , ستظل احتمالية في حيز الإمكان الوجودي وبالتالي غير مرفوضة بل فقط مستبعدة وفرق كبير بين الاثنين
    فهنا خلط واضح بين قضايا لا تستوي في ميزان المنطق أصلا..
    أولا، يتكلم صاحبنا عن مفهوم "الصدفة"، فيقرر قاعدة مفادها أن ضعف احتمال الحدوث Probability لا يعني نفي إمكان الحدوث Rational Possibility، "بمعنى أن غلبة عدم حدوث (س) على الظن لا تسوغ لنا في منطق الاحتمالات الرياضي أن نعتقد (كحكم منطقي modal belief) استحالة حدوث (س)، وهذا صحيح قطعا، ولكن هذا الحكم المنطقي بالإيجاب والمنع لا يوصل إليه من المنطق الاحتمالي أصلا، ذلك أن المنطق الاحتمالي محصور تطبيقه في دائرة الممكنات العقلية contingency وحدها، أي في دائرة ما يجيز العقل وقوعه من الحوادث، أما ما كان حكمه المنطقي امتناع الوقوع أو وجوب الوقوع فهذا لا يجري عليه المنطق الاحتمالي أصلا! هذه قاعدة منطقية يجب أن يتنبه إليها الأفاضل حتى لا يستدرجوا إلى ما يرجوه هواة السفسطة! لا يجوز في العقل أن نتكلم عن خلق الكون بلغة الاحتمالات ولغة الصدفة، لأن نوع الدعوى المعرفية نفسها خارج عن دائرة المنطق الاحتمالي أصلا!!
    ثم إن الصدفة في اللغة الطبيعية وصف لحالة بشرية معرفية، وليست وصفا للواقع الأنطولوجي الوجودي للأشياء أو الأحداث في الخارج. فأنا عندما أقول رأيت فلانا صدفة، فالذي أقصده أن هذا اللقاء لم يكن عن ترتيب مسبق بيننا أو عن ترتيب أعلم أنا به، ولا يلزم من كلامي هذا نفي وجود من قام بترتيب هذا اللقاء مطلقا كما هو واضح، وإن كنت أجهل بذلك الترتيب. ومثل هذا الحدث يجيز العقل أن تقاس الاحتمالية الإحصائية لوقوعه بالنظر إلى الحالات المشابهة ومعدلات التكرار ونحو ذلك، كحكم على قدرتنا نحن البشر على التنبؤ بالنظائر والأشباه لما عهدناه من خبرتنا البشرية! أما عندما يكون الكلام عما إذا كان الكون قد خلق أم لم يخلق، فإننا ننتقل حتما من الكلام حول التجربة البشرية المحصورة في الممكنات العقلية، إلى إطلاق الأحكام المنطقية الأولية a-priori modal judgments، أولا لأن ما نتكلم عنه في ذلك ليس حدثا من جملة ما يدخل في دائرة تجربتنا الحسية - كما هو واضح أيضا - فضلا عن أن يُتصور إمكان تكرار وقوعه أمامنا وفي إطار تجربتنا البشرية، حتى نطبق عليه المنطق الاحتمالي! وثانيا لأنه حتى لو سلمنا تنزلا بأن رأينا بأعيننا كونا ينشأ في يوم من الأيام، فإن النزاع فيما إذا كانت تلك النشأة خلقا أم "صدفة" = نزاع منطقي محض ولا دخل للترجيح الاحتمالي فيه! فإذا كان الكلام عن "الصدفة" في الممكنات العقلية التي نراها تتكرر من حولنا قلت أو كثرت، ينبغي ألا يتخطى دائرة عدم العلم لينتقل إلى العلم بالعدم، بمعنى أنه لا يجوز لنا إنكار وجود قانون حاكم أو وجود عامل منظم من جنس ما نصفه بالإمكان العقلي، لمجرد أن غاب علينا العلم به في المحسوس، فما بالك بحدث يزعم العقلاء أن وقوعه خلقا وتكوينا ضرورة عقلية وليست من جنس الممكنات؟

    المهم، والطامة التي حملتني على كتابة هذا التنبيه، إنما هي قوله "والقاعدة , إذا تسلل الاحتمال-مهما بلغ من الضآلة- إلى الدليل سقط به الاستدلال"! هذا كلام باطل قطعا! ولا أدري كيف يقبل صاحب دعوى كهذه أحكام القضاة في المحاكم بل كيف يقبل العلم الطبيعي نفسه الذي يتداوى به عند الأطباء، الذي يقوم من أوله إلى آخره على الاستقراء الحسي empirical induction، الذي هو نوع من الأدلة يتسلل إليه من الاحتمالات ما لا يكاد يحصى؟ والله لو التزم هذا الرجل بلوازم هذه العبارة وحدها في كلامه، لأهلك نفسه، لو كان يعقل!
    الفهم الصحيح لهذه القاعدة، الذي لا تنهدم به سائر المعارف البشرية قاطبة، أن يقال إن الدليل الذي تستوي فيه وجوه الاحتمال يبطل به الاستدلال، وهذا ما قصده أئمتنا الذين حرروا القاعدة التي يتعلق بها صاحبنا بلفظ مشابه، بمعنى أن يكون احتمال إثبات الدعوى المعرفية knowledge claim ونفيها من طريق هذا الدليل نفسه = متساويا (0.5 / 0.5) في ميزان الناظر، فيخدم كلا من الفريقين المتنازعين على التساوي (المثبت والنافي للدلالة المزعومة)، فهنا يسقط الدليل ولا يصلح للاستدلال! فإن تنازعته ثلاث طوائف - مثلا - كل منها تزعم دلالته على دعواها، وكانت احتمالية موافقته لقول كل واحدة منهم 0.3 (بالتقدير الإحصائي التقريبي)، لم يكن لأي من تلك الطوائف أن تتخذه من جملة أدلتها، وهكذا.
    أما أن يقال إن مجرد ورود الاحتمال (بمعنى الإمكان العقلي) وإن ضعف ذلك الاحتمال وقارب الصفر، يُسقط الاستدلال بأي دليل، فهذا لا يقول به عاقل أصلا! اللهم إلا إن كان الرجل من أتباع الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم الذي هدم المنطق الاستقرائي كله بدعاوى مشابهة (بما في ذلك منطق الاستدلال بالاحتمالات الرياضية بالمناسبة Probabilistic inference الذي يبدو أنه جاء إلى هنا ليعلمنا فيه درسا)، فأشبعه فلاسفة العلم الطبيعي ردا في كتبهم من زمانه وإلى اليوم، حتى صارت تلك المسألة مما يتندرون به أو يوردونه من باب الرياضة الذهنية والتحديات العقلية الشاحذة للذهن لا غير، وما ذلك إلا لأنهم يعلمون ما يستلزمه هذا الاعتراض من هدم للمعرفة البشرية عموما والعلم الطبيعي خصوصا، فليراجع صاحبنا ذلك في مظانه من مؤلفاتهم إن شاء! ولا مانع عندي من إحالته على كتاب من كتب المبتدئين في فلسفة العلم الطبيعي Philosophy of science for dummies إن أراد!
    والقصد أنه ليس لمن يفهم قاعدة ورود الاحتمال على الاستدلال الظني بهذا الفهم الهيومي الساقط أن يكلمنا في المنطق الاحتمالي الرياضي أصلا!

    أما كلامه عن (الإعجاز) فأقول بإيجاز إن دلائل صدق القرءان (التي يقال لها إعجاز) منها القطعي ومنها الظني الراجح، ومنها ما أخطأ فيه أصحابه ولا إشكال عندنا في ذلك (إبستميا)، ولا يرجع ذلك على ثبوت إلهية مصدره بالنقض والإبطال. فمثلا عندما يقال إن احتمالية أن يكون النبي عليه السلام قد عرف كذا وكذا مستقلا بنفسه دون اتصال بالوحي من الخالق، احتمالية ضئيلة للغاية، وتقام الدلائل على ذلك، فإن هذا إن صح يعد دليلا عند عامة العقلاء، ولا يعترض عليه بمجرد إثبات الإمكان العقلي لوقوع العكس! والأدلة الظنية عندما تتكاثر فإنها يعضد بعضها بعضا وتفيد درجة من درجات اليقين المعرفي، وهذه قاعدة عقلية بدهية معتمدة في جميع العلوم ولا يخالف فيها إلا هيوم وأتباعه، فكيف إذا كان من تلك الأدلة ما لا يقبل المراء والجدال أصلا؟ والقصد أن المنطق الاحتمالي وإن كان يرِد على مسألة كهذه التي ضرب الرجل بها المثل هنا، فإن هذا لا يعني بطلانها ضرورة! المنطق الاحتمالي يرد على تصحيح الأحاديث وتضعيفها (إلا ما كان منها محل إجماع لحجية الإجماع في شريعتنا) وعلى ترجيح الأحكام الشرعية (إلا ما كان منها قطعيا لحجية الإجماع أيضا) ويرد على كل استدلال يقوم على الموازنة بين القرائن والأدلة ولا إشكال! ولكن إذا كان المنطق الاحتمالي واردا في هذا (ونحن نسلم بهذا كما تقدم)، فبأي عقل يسوي من يتكلم باسم المنطق بين دعوى مفادها أن الكون "مكوَّن" معلل هو وجميع أسبابه بعلة تامة خارجة عنه واجبة عقلا، وبين دعوى مفادها نصب القرينة الظنية على ضآلة احتمالية أن يكون القرءان من تأليف محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؟ هذا خلط واضح لا يخفى!

    هذا ما أردت تنبيه الإخوة الأفاضل إليه، والله الموفق.
    Last edited by د. هشام عزمي; 06-29-2012, 03:23 AM. السبب: بناءً على طلب صاحب المشاركة (مراقب 2)

    Comment

    • ابو ذر الغفارى
      باحث علمي
      • Nov 2011
      • 1115

      #47
      بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله
      الزميل (تجسد الشك ) كما يسمى نفسه
      انت تعتب علينا أننا ندرى أن لنا خالق حكيم لأننا وجدنا إحكام حولنا فقلنا وراءه حكيم
      وتقول أنك لا تدرى فلربما كان صدفة ولو كان هذا احتمال ضئيل جدا فلا أدرى لعله وقع
      والسؤال كيف دريت أن هناك احتمال اصلا ولو ضئيل جدا جدا
      أولا: أنت إذا تدرى هذا فاخبرنا ما دليلك عليه ؟
      ثانيا : ونحن نزعم أنه حتى هذا الإحتمال الضئيل غير موجود قطعا وسنذكر دليلنا عليه
      مجموعة ورينا نفسك على الفيسبوك
      مدونتي

      Comment

      • عبدالحق
        عضو
        • Mar 2012
        • 269

        #48
        بسم الله الرحمن الرحيم
        عذراً على المقاطعة
        سؤال لتجسد الشك
        ما هي الأشياء القطعية عندك بنسبة 100 %
        أم ليس عندك
        و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

        Comment

        • عبد الواحد
          محاور
          • May 2005
          • 2498

          #49
          المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو الفداء مشاهدة المشاركة
          لا يجوز في العقل أن نتكلم عن خلق الكون بلغة الاحتمالات ولغة الصدفة
          بالفعل أخي الكريم..
          فحساب الإحتمال لا يكون إلا في نظام قائم يخضع لمجموعة من القوانين الأولية المؤسسة له.
          والصدف في هذه الحالة = هي توافق/إحترام النتيجة لشرطٍ لا ينتمي الى تلك القوانين الأولية.
          أما احترام النتيجة للقوانين المؤسسة للنظام = 100% .
          المشاركة الأصلية كتبت بواسطة utagai no keshin مشاهدة المشاركة
          سبق وأن وضحت أن الأمر جائز منطقيا وبانتظار برنولي عسى الأمر ينحسم
          القانون يقول بكل بساطة أن الإحتمال النظري يقترب من النتيجة في أرض الواقع كلما كان عدد التجارب/الأحداث أكبر.
          وهذا يعني أنه يمكنك أن تحصل على الرقم 4 عندما ترمي النرد مرة أو حتى ألف مرة ..
          لكن يستحيل أن تحصل على الرقم 4 عندما ترمي بالنرد ( 10^ ترليون ) مرة
          اعتقادك أن هذا ممكن نظريا هو غير صحيح. فالدليل النظري المتمثل في مبرهنة برنولي يقول باستحالته!
          ويقول أنه بل لا بد أن تحصل على نتيجة قريب جداً من ( 10^ ترليون ) تقسيم 6
          والتجربة تثبت صحة الدليل النظري في المثل التالي:
          المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد الواحد مشاهدة المشاركة
          قام الأخ الفاضل أسامة عزام جزاه الله خيرا بتحسين البرنامج السابق الى برنامج جديد يأخذ الأرقام العشوائية من موقع random.org الذي بدوره يقيس مباشرة الظواهر العشوائية في الطبيعة بدل توليدها في الحاسوب.
          شرح التجربة: المطلوب إثبات قانون برنولي من خلال توليد رقم بين (1) و(5) لعدد من المرات يساوي 10000 مرة في خانة الأعداد الكبيرة، و 25 مرة في خانة الأعداد الصغيرة. ثم نحسب عدد مرات تكرار كل قيمة: 1 و 2 و 3 و 4 و 5 . فيلاحظ أن النتيجة في أرض الواقع تقترب من الاحتمال النظري لظهور كل رقم - أي 20% - كلما كبر العدد . الأرقام الموجودة أدناه تم توليدها عشوائيًا بواسطة موقع random.org
          النتيجة : قانون برنولي الذي تم إثباته نظريا .. يمكن إثباته أيضا بالتجربة في الطبيعة!
          الأخ الفاضل أسامة عزام أصر أن نستعمل عشوائية حقيقة من موقع random حتى لا يأتي ملحد ويعترض على العشوائية التي يولدها الحاسوب
          ولو قمتَ بإختبار هذه الصفحة ألف سنة : http://fahrs.net/set/s1/c2/bernoulli2.php
          لن تحصل على نتيجة تخالف مبرهنة برنولي..

          {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا}

          Comment

          • مجرّد إنسان
            باحث أكاديمي
            • Jan 2008
            • 3524

            #50
            الأخوة الأفاضل....عموم الأعضاء:

            أرجو أن تبدأوا من حيث انتهى الأستاذ الفاضل أبو الفداء...لنبني حواراتنا بشكل تراكمي لا عشوائي

            (كلامي على العموم ولا أقصد أحدا)
            لا يحزنك تهافت الجماهير على الباطل كتهافت الفراش على النار ، فالطبيب الحق هو الذي يؤدي واجبه مهما كثر المرضى ، ولو هديت واحداً فحسب فقد أنقصت عدد الهالكين


            العجب منّا معاشر البشر.نفقد حكمته سبحانه فيما ساءنا وضرنا، وقد آمنا بحكمته فيما نفعنا وسرّنا، أفلا قسنا ما غاب عنا على ما حضر؟ وما جهلنا على ما علمنا؟ أم أن الإنسان كان ظلوماً جهولاً؟!


            جولة سياحية في جزيرة اللادينيين!!


            الرواية الرائعة التي ظلّت مفقودة زمنا طويلا : ((جبل التوبة))

            Comment

            • حامل اللواء
              عضو
              • May 2012
              • 17

              #51
              المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو الفداء مشاهدة المشاركة
              الحمد لله وحده.
              لست هنا لمحاورة صاحب الموضوع، فأرجو ألا يتكلف مجادلتي!
              ولكني في عجب حقيقة من تأخر بيان بعض الأفاضل لأصل المغالطة المنطقية الفجة في كلام صاحب الموضوع.
              يقول الرجل:

              فهنا خلط واضح بين قضايا لا تستوي في ميزان المنطق أصلا..
              أولا، يتكلم صاحبنا عن مفهوم "الصدفة"، فيقرر قاعدة مفادها أن ضعف احتمال الحدوث Probability لا يعني نفي إمكان الحدوث Rational Possibility، بمعنى أن غلبة الظن على عدم حدوث (س) لا تسوغ لنا في منطق الاحتمالات الرياضي أن نعتقد (كحكم منطقي modal belief) استحالة حدوث (س)، وهذا صحيح قطعا، ولكن هذا الحكم المنطقي بالإيجاب والمنع لا يوصل إليه من المنطق الاحتمالي أصلا، ذلك أن المنطق الاحتمالي محصور تطبيقه في دائرة الممكنات العقلية contingency وحدها، أي في دائرة ما يجيز العقل وقوعه من الحوادث، أما ما كان حكمه المنطقي امتناع الوقوع أو وجوب الوقوع فهذا لا يجري عليه المنطق الاحتمالي أصلا! هذه قاعدة منطقية يجب أن يتنبه إليها الأفاضل حتى لا يستدرجوا إلى ما يرجوه هواة السفسطة! لا يجوز في العقل أن نتكلم عن خلق الكون بلغة الاحتمالات ولغة الصدفة، لأن نوع الدعوى المعرفية نفسها خارج عن دائرة المنطق الاحتمالي أصلا!!
              ثم إن الصدفة في اللغة الطبيعية وصف لحالة بشرية معرفية، وليست وصفا للواقع الأنطولوجي الوجودي للأشياء أو الأحداث في الخارج. فأنا عندما أقول رأيت فلانا صدفة، فالذي أقصده أن هذا اللقاء لم يكن عن ترتيب مسبق بيننا، ولا يلزم من كلامي هذا نفي وجود من قام بترتيب هذا اللقاء مطلقا كما هو واضح. ومثل هذا الحدث يجيز العقل أن تقاس الاحتمالية الإحصائية لوقوعه بالنظر إلى الحالات المشابهة ومعدلات التكرار ونحو ذلك، كحكم على قدرتنا نحن البشر على التنبؤ بالنظائر والأشباه لما عهدناه من خبرتنا البشرية! أما عندما يكون الكلام حول نشأة الكون فإننا ننتقل حتما من الكلام حول التجربة البشرية المحصورة في الممكنات العقلية، إلى إطلاق الأحكام المنطقية الأولية a-priori modal judgments، لأن ما نتكلم عنه في ذلك ليس حدثا من جملة ما يدخل في دائرة تجربتنا الحسية - كما هو واضح أيضا - فضلا عن أن يُتصور إمكان تكرار وقوعه أمامنا وفي إطار تجربتنا البشرية، حتى نطبق عليه المنطق الاحتمالي! فإذا كان الكلام عن "الصدفة" في الممكنات العقلية التي نراها تتكرر من حولنا قلت أو كثرت، ينبغي ألا يتخطى دائرة عدم العلم لينتقل إلى العلم بالعدم، بمعنى أنه لا يجوز لنا إنكار وجود قانون حاكم أو وجود عامل منظم من جنس ما نصفه بالإمكان العقلي، لمجرد أن غاب علينا العلم به في المحسوس، فما بالك بحدث يزعم العقلاء أن وقوعه خلقا وتكوينا ضرورة عقلية وليست من جنس الممكنات؟

              المهم، والطامة التي حملتني على كتابة هذا التنبيه، إنما هي قوله "والقاعدة , إذا تسلل الاحتمال-مهما بلغ من الضآلة- إلى الدليل سقط به الاستدلال"! هذا كلام باطل قطعا! ولا أدري كيف يقبل صاحب دعوى كهذه أحكام القضاة في المحاكم بل كيف يقبل العلم الطبيعي نفسه الذي يتداوى به عند الأطباء، الذي يقوم من أوله إلى آخره على الاستقراء الحسي empirical induction، الذي هو نوع من الأدلة يتسلل إليه من الاحتمالات ما لا يكاد يحصى؟ والله لو التزم هذا الرجل بلوازم هذه العبارة وحدها في كلامه، لأهلك نفسه، لو كان يعقل!
              الفهم الصحيح لهذه القاعدة، الذي لا تنهدم به سائر المعارف البشرية قاطبة، أن يقال إن الدليل الذي تستوي فيه وجوه الاحتمال يبطل به الاستدلال، وهذا ما قصده أئمتنا الذين حرروا القاعدة التي يتعلق بها صاحبنا بلفظ مشابه، بمعنى أن يكون احتمال إثبات الدعوى المعرفية knowledge claim ونفيها من طريق هذا الدليل نفسه = متساويا (0.5 / 0.5) في ميزان الناظر، فيخدم كلا من الفريقين المتنازعين على التساوي (المثبت والنافي للدلالة المزعومة)، فهنا يسقط الدليل ولا يصلح للاستدلال! فإن تنازعته ثلاثة طوائف - مثلا - كل منها تزعم دلالته على دعواها، وكانت احتمالية موافقته لقول كل واحدة منهم 0.3 (بالتقدير الإحصائي التقريبي)، لم يكن لأي من تلك الطوائف أن تتخذه من جملة أدلتها، وهكذا.
              أما أن يقال إن مجرد ورود الاحتمال (بمعنى الإمكان العقلي) وإن ضعف ذلك الاحتمال وقارب الصفر، يُسقط الاستدلال بأي دليل، فهذا لا يقول به عاقل أصلا! اللهم إلا إن كان الرجل من أتباع الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم الذي هدم المنطق الاستقرائي كله بدعاوى مشابهة (بما في ذلك منطق الاستدلال بالاحتمالات الرياضية بالمناسبة Probabilistic inference الذي يبدو أنه جاء إلى هنا ليعلمنا فيه درسا)، فأشبعه فلاسفة العلم الطبيعي ردا في كتبهم من زمانه وإلى اليوم، حتى صارت تلك المسألة مما يتندرون به أو يوردونه من باب الرياضة الذهنية والتحديات العقلية الشاحذة للذهن لا غير، وما ذلك إلا لأنهم يعلمون ما يتسلزمه هذا الاعتراض من هدم للمعرفة البشرية عموما والعلم الطبيعي خصوصا، فليراجع صاحبنا ذلك في مظانه من مؤلفاتهم إن شاء! ولا مانع عندي من إحالته على كتاب من كتب المبتدئين في فلسفة العلم الطبيعي Philosophy of science for dummies إن أراد!
              والقصد أنه ليس لمن يفهم قاعدة ورود الاحتمال على الاستدلال الظني بهذا الفهم الهيومي الساقط أن يكلمنا في المنطق الاحتمالي الرياضي أصلا!

              أما كلامه عن (الإعجاز) فأقول بإيجاز إن دلائل صدق القرءان (التي يقال لها إعجاز) منها القطعي ومنها الظني الراجح، ومنها ما أخطأ فيه أصحابه ولا إشكال عندنا في ذلك (إبستميا)، ولا يرجع ذلك على ثبوت إلهية مصدره بالنقض والإبطال. فمثلا عندما يقال إن احتمالية أن يكون النبي عليه السلام قد عرف كذا وكذا مستقلا بنفسه دون اتصال بالوحي من الخالق، احتمالية ضئيلة للغاية، وتقام الدلائل على ذلك، فإن هذا إن صح يعد دليلا عند عامة العقلاء، ولا يعترض عليه بمجرد إثبات الإمكان العقلي لوقوع العكس! والأدلة الظنية عندما تتكاثر فإنها يعضد بعضها بعضا وتفيد درجة من درجات اليقين المعرفي، وهذه قاعدة عقلية بدهية معتمدة في جميع العلوم ولا يخالف فيها إلا هيوم وأتباعه، فكيف إذا كان من تلك الأدلة ما لا يقبل المراء والجدال أصلا؟ والقصد أن المنطق الاحتمالي وإن كان يرِد على مسألة كهذه التي ضرب الرجل بها المثل هنا، فإن هذا لا يعني بطلانها ضرورة! المنطق الاحتمالي يرد على تنصحيح الأحاديث وتضعيفها (إلا ما كان منها محل إجماع لحجية الإجماع في شريعتنا) وعلى ترجيح الأحكام الشرعية (إلا ما كان منها قطعيا لحجية الإجماع أيضا) ويرد على كل استدلال يقوم على الموازنة بين القرائن والأدلة ولا إشكال! ولكن إذا كان المنطق الاحتمالي واردا في هذا (ونحن نسلم بهذا كما تقدم)، فبأي عقل يسوي من يتكلم باسم المنطق بين دعوى مفادها أن الكون "مكوَّن" معلل هو وجميع أسبابه بعلة تامة خارجة عنه واجبة عقلا، وبين دعوى مفادها نصب القرينة الظنية على ضآلة احتمالية أن يكون القرءان من تأليف محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؟ هذا خلط واضح لا يخفى!

              هذا ما أردت تنبيه الإخوة الأفاضل إليه، والله الموفق.
              رائع

              (((الفهم الصحيح لهذه القاعدة، الذي لا تنهدم به سائر المعارف البشرية قاطبة، أن يقال إن الدليل الذي تستوي فيه وجوه الاحتمال يبطل به الاستدلال )))

              Comment

              • فهد سليمان السبيعي
                عضو
                • Jun 2012
                • 12

                #52
                بسم الله والحمدلله والسلام على رسول الله

                هذا مثال لعل الله يفتح على قلبك بالهدايه (( لو أن رجل يصنع القوارير من الطين أخذ عجينة طين وضل يعفسها ويمزجها ولم يهندسها ويشكلها فقط يعفسها ويمزجها . هل تعتقد أن عجينته ستصبح صدفه قاروره )) وأنت تعلم أن الصدفه لا تكون أبدا في الصناعه , أنا مستيقن 100 % أنه لو جلس أبدا لن يصنع قاروره وستتجمد عجينته
                وتتفتت وتصبح تراب , ضربنا مثال على مجرد قاروره , فما بالك بمصنوعات الله الثقال الشمس والقمر والأرض والنجوم وتعليقهن كلهن في الجو والأرض وما عليها من مصنوعات الناس والحيوانات والطيور إلخ............

                Comment

                • فهد سليمان السبيعي
                  عضو
                  • Jun 2012
                  • 12

                  #53
                  والأخ ابو حب الله شرح لك من المصنوعات الإنسان كيف هو مصنوع من الداخل والخارج , جزاه الله خيرا الأخ أبو حب الله

                  Comment

                  • عبد الرحمن العطار
                    عضو
                    • Jun 2012
                    • 56

                    #54
                    المشاركة الأصلية كتبت بواسطة utagai no keshin مشاهدة المشاركة
                    بانتظار أخينا صاحب قانون برنولي



                    سبق وأن وضحت أن الأمر جائز منطقيا وبانتظار برنولي عسى الأمر ينحسم



                    كاف التشبيه والمقاربة واضحة وظاهرة فلا حديث عن يقين أو عدم جاد هنا.. والاحتمال مهما صغر إذا تطرق للدليل نسف ركائز استدلاله

                    وبالنسبة لما أُشكِل عليك فالأمر معقد وأنا خلطت دوائري ببعضها عن غير قصد فسببت الإشكال الموضح .. ببساطة فكرة الإله الواحد الأزلى أكثر تعقيدا ولا منطقية وفيها من المنزلقات الكثير ..على عكس الحديث عن قضية شكسبير وتأليفه لقصيدته



                    سنرى ما يمكننا القيام به هنا
                    أولا : أنتظر مشاركتك في المناظرة الأخرى.
                    ثانيا : حدت - للمرة الثانية - عن سؤال : هل الحياة سلسلة من المصادفات.
                    فأجبت :
                    المشاركة الأصلية كتبت بواسطة utagai no keshin مشاهدة المشاركة
                    سبق وأن وضحت أن الأمر جائز منطقيا وبانتظار برنولي عسى الأمر ينحسم
                    لم يكن السؤال عن كون ذلك ( جائزا منطقيا) وإنما كان عن كونه (واقعا).
                    مرة أخرى : هل الحياة سلسلة من المصادفات؟
                    وما زلت في انتظار الجواب بدون حيدة.
                    ثالثا : سألتك : معنى كلامك أن احتمال وجود خالق للكون - إذا حكمنا بناء على تناسق الكون ونظامه - لكون الكون نشأ صدفة هو كنسبة 99.9999999999999999999999999 الى 0.00000000000000000000000000001 مثلا , فهل هذا صحيح؟
                    فأجبت : بالتأكيد لا ..وسيتضح هذا أثناء نقاشنا.
                    فأرجو التدبر جيدا قبل الجواب والانتبياه للعبارة (إذا حكمنا بناء على تناسق الكون ونظامه ).
                    وفي انتظار ردك.
                    يُثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

                    Comment

                    • عبد الرحمن العطار
                      عضو
                      • Jun 2012
                      • 56

                      #55
                      المشاركة الأصلية كتبت بواسطة utagai no keshin مشاهدة المشاركة

                      والقاعدة , إذا تسلل الاحتمال-مهما بلغ من الضآلة- إلى الدليل سقط به الاستدلال
                      قلت : القاعدة : إذا تسلل الاحتمال إلى الدليل سقط به الاستدلال.
                      (مهما بلغ من الضآلة) هذه من كيسك.
                      أو ايت بدليل عليها.
                      انتهى.
                      يُثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

                      Comment

                      • هيزم
                        عضو
                        • Mar 2011
                        • 313

                        #56
                        شئ عجيب , علم الاحتمالات الذي تتمسك به يقول لك ان اي احتمال اكثر من 10 اس 50 مستحيل الحدوث يعني صفر .يعني اصلا لا نتحدث هل يمكن ان يحدث ام لا . فلماذا لا تعمل بكل علم الاحتمالات.
                        رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ

                        Comment

                        • المَاسَّةُ قُرطبة ©™
                          عضو
                          • May 2012
                          • 997

                          #57
                          الشيخ ابوا الفداء شخصية فلاذية وثاقبة النظر فعلا يؤتي الحكمة من يشاء
                          قسا فالأسد تفزع من قواه
                          ورق فنحن نفزع أن يذوبا
                          أشد من الرياح الهوج بطشا
                          وأسرع في الندى منها هبوبا

                          Comment

                          • مسلم أسود
                            عضو نشيط
                            • Apr 2012
                            • 2906

                            #58
                            ما الذي أدى إلى أيقافه ؟ أخشى ادعاء الهروب المعتاد من أعداء الدين

                            Comment

                            • عبد الرحمن
                              الدعم الفنى
                              • Sep 2004
                              • 255

                              #59
                              المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مسلم أسود مشاهدة المشاركة
                              ما الذي أدى إلى أيقافه ؟ أخشى ادعاء الهروب المعتاد من أعداء الدين

                              Comment

                              • utagai no keshin
                                عضو
                                • Jun 2012
                                • 54

                                #60
                                جاري إعداد الردود

                                Comment

                                Working...