و على مر التاريخ -عدا الخلافة الراشدة- لم يكن هناك اختيار للحاكم بالطريقة المثالية التي تتحدث عنها بل ذلك لم يكن الا عن طريق الثورات و الغصب (و على سبيل المثال : الدولة العباسية،الدولة الفاطمية..
كما أشار إلى ذلك الأخ متروي ..لا تؤخذ قواعد نظام الحكم في الإسلام من التاريخ الإسلامي ، هناك فرق بيّن بين الإسلام وما صدر من أفعال وتصرفات من المسلمين على مر التاريخ
إن مصادر التشريع مبينة في أصول الفقه : الكتاب والسنة والقياس أو الأجتهاد عموما والإجماع على اختلاف في حجيته مع اتفاقهم على حجية إجماع الصحابة، وتحت هذا المسمى الأخيريدخل ما ارتضوه واتفقوا عليه رضوان الله عليهم من نظام ليحكموا به دولة الإسلام آنذاك ..وإن شئتم مزيد تفصيل في مصادر النظام السياسي في الإسلام يمكنكم الرجوع ا لكتاب الشيخ خالد العنبري: فقه السياسة الشرعية
عودةً إلى تصرفات وسياسات وحِكَم المسلمين وغيرهم من البشر ، فإنها إن لم تصادم الشريعة وأثبتت فعالية من حيث أنها حققت مصلحة أو درأت مفسدة ، فهي معتبرة في نظام الحكم وغيره ، إذ أن الشريعة كلها مصالح إما درء مفاسد أو جلب مصالح كما قال العز بن عبد السلام في قواعده ، والسياسة الشرعية لا تقف على ما نطق به الشرع الشريف، وإنَّما يشترط أن لا تخالف نصوص القرآن والسنة، وإجماع الأمة، وقواعد الشريعة وأصولها العامة
قال ابن قيم الجوزية: "ومن قال: لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط، وتغليط للصحابة، وهذا موضع.. فرط فيه طائفة، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بِمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها.. فلما رأى ولاة الأمور ذلك.. أحدثوا من أوضاع سياساتِهم شرًّا طويلاً، وفسادًا عريضًا، فتفاقم الأمر، وتعذر استدراكه.. فإن الله -سبحانه- أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل.. فإذا ظهرت أمارته وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه.."الطرق الحكمية
وهذا مما لا خلاف فيه ، إلا أننا نأخذ على الأخ يحي ـ وإن كنا فهمنا مقصده الطيب ـ عبارته:
البعض ربما يبالغ عندما يقول الاسلام نظام و الاسلام دين و دولة وفيه و فيه هكذا اطلاقا بدون تبيان
وثانيا : مما يدل على وجود نظام حكم إسلامي كامل :
ـ كثرة الأحاديث إضافة إلى الأيات التي تطرقت لمواضيع: البيعة والسمع والطاعة والقضاء والحدود والمعاهدات ونَحوها
ـ بلوغ أمر الحكم عند المسلمين من الأمية مبلغ مبايعة الخليفة قبل دفن الرسول صلى الله عليه وسلم
ـ وجوب لإقامة الدولة الإسلامية وجوبا شرعيا بخلاف المسيحية مثلا فقد أسست المسيحية دائمًا تقريبًا على بنية مزدوجة: بنية للدين، وبنية للسياسة حتَّى لو كانتا مرتبطتين بشكل وثيق، ومن حيث المبدأ، فإنه ليس لطائفة المؤمنين المسيحيين من مهمة سياسية، وإنَّما فقط روحية أو دينية ، فيما أن مملكة المسيح ليست من هذا العالم، فإنه ينبغي أن "نعطي ما لقيصر لقيصر، وما لله لله.. وهي في حالة الإسلام تدعو للربط بين الدين والسياسة، وفي حالة المسيحية تدعو للتمييز بينهما، وهذا شيء له أهميته بحد ذاته.
ـ شهادات من مستشرقين ممن يتعذر أن يوجه إليهم الوصف بالميل أو المجاملة للإسلام.
يقول أ.د/ فتزوجوالد: "ليس الإسلام دينًا فحسب، ولكنه نظام سياسي أيضًا، وعلى الرغم من أنه ظهر في العهد الأخير بعض أفراد من المسلمين ممن يصفون أنفسهم بأنَّهم عصريون يُحاولون أن يفصلوا بين الناحيتين، فإن صرح التفكير الإسلامي كله قد بُنِي على أساس: أن الجانبين متلازمان، لا يُمكن أن يُفصل أحدهُما عن الآخر".
ويقول ستروتمان: "إن الإسلام ظاهرة دينية وسياسية، إذ إن مؤسسه كان نبيًّا، وكان حاكمًا مثاليًّا خبيرًا بأساليب الحكم".
ويقول شاخت: "إن الإسلام يعنِي أكثر من دين، إنه يُمثل أيضًا نظريات قانونية وسياسية، وجملة القول: إنه نظام كامل من الثقافة، يشمل الدين والدولة معًا"(1 ).
أما استدلالكم أخي الفاضل بِحديث تأبير النخل، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "أنتم أعلم بأمور دنياكم " فهو غير موفق إذ أنه دليل نفاة أن يكون للإسلام نظام حكم وأنه شريعة روحية مَحضة جاءت لتنظيم العلاقة بين الإنسان وبين وربه فقط، ولا علاقة لها بالحكم والسياسة، وأن مهمة النبِي صلى الله عليه وسلم كانت مجردة من الحكم والتنفيذ، ولا تتجاوز حدود البلاغ والبشارة والنذارة كعلي عبد الرزاق ، وهو دليل عليهم لا لهم كما أشارت أخت مسلمة بارك الله فيها فالحديث يتناول وسيلة المحافظة على غزارة ثمار النخل، ولا يستطيع أحد أن يقول: إن مثل هذه الأمور من وظائف الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلم يرسل ليعلم الناس أمور الزراعة والصناعة والتجارة، أما نظام الحكم وقواعده فقد أنزله الله على رسوله، وأمره بتبليغه وتطبيقه.
عندما تقول أخي يحي :
هل في الاسلام نظرية أو نظام اقتصادي كامل شامل لا دخل للاجتهاد البشري فيه (ليس مبنيا على ثوابت الاسلام و انما وحي انزله الله)؟ اسأل هذا لاني تعلمت في المدرسة أن الاقتصاد علم يهتم بدراسة الحاجيات الانسانية و السبل الكفيلة لسد هذه الحاجيات. عبر دراسة الانتاج, التوزيع و الاستهلاك, المواد و الخدمات, هذا يعني الاجتهاد البشري يتدخل فيه.
فإنه حتى أحكام العبادات والمعاملات وأحكام الأسرة .. لم تأت منصوصا عليها بجميع جزئياتها ، بل إن جزءا منها استنبط بالقياس على ما نص عليه ، أو أدرج تحت نصوص عامة تمثل قواعد وأصولا عامة كقاعدة "الضرر يزال" مثلا، والتي تدل عليها نصوص منها حديث : لا ضرر ولا ضرار ، والتي قد يبني عليها القاضي حكما بالتفريق مثلا لثبوت الضرر على أحد الزوجين
أو مثال ذلك في ما يخص العبادات مما لم يختص به نص شرعي ، الإحرام في الطائرة مثلا وهذا ما أطلق عليه الفقه الافتراضي ، أي توقع أو افتراض مسألة والبحث عن الحكم فيها (بين مسوغ له ومانع منه ) وعبر عنها القدامى بمسألة : لو أحرم وهو على متن طائر، ويمثل ذلك أيضا فقه النوازل ،وتغيّر الفتوى بتغير الزمان والمكان ،وما يدرج تحت السياسة الشرعية المتاحة للحاكم مثلا كمنع الخليفة عمر رضي الله عنه من الزواج بكتابيات لمصلحة رآها أو إيقافه حد السرقة مؤقتا وأحكام كثيرة مستنبطة من طريق المصالح المرسلة والاستحسان والعرف ..، فكل هذه من الأمور التي لم تتناولها النصوص بصفة خاصة ، إلا أنها من الشرع وإليه ،بأدلة عامة مجملة لأن الشريعة أتت لتؤصل لقواعد وكليات عامة تستوعب كل الجزئيات وتدرجها تحتها ، والنصوص متناهية والوقائع غير متناهية، وهذا من محاسن الشريعة ودليل خلودها وصلاحها لكل زمان ومكان .
فقولنا إن الحادثة الجزئية التي تطبق عليها هذه القاعدة لعدم وجود نص خاص بها ،لا يسوغ لنا أن نقول إن أحكام العبادات في الشريعة أتت منقوصة ، أو أن نظام الأسرة مثلا قاصرٌ لأنه احتاج إلى زيادات وضعية ليكتمل .
وكذلك كون النظام الاقتصادي أو نظام الحكم في الإسلام احتاج الى توضيحات وتفصيلات وإسقاطات على الواقع لا يعني أبدا أنه لا يستحق أن نطلق عليه مصطلح نظام كامل .وربما مرد النقص الذي تراه هو قلة البحث والدراسات التي توضح للعالم أجمع إحكامَ وروعة النظام الأقتصادي الإسلامي لا غير ، والله أعلم
المسألة واضحة و إنما نحن نختلف هنا في المصطلحات و التعبير فقط.
ـــــــــــــــ
(1) باختصار من كتاب الشيخ خالد العنبري: فقه السياسة الشرعية
علمنا "انتم اعلم بامور دنياكم".
Leave a comment: