كي لا تنخدع بالإلحاد ( متجدد )
Collapse
This is a sticky topic.
X
X
-
نظرات في كلام ملحد
سنتناول بإذن الله في هذه الجزئية الرد على بعض ما كتبه أحد الملاحدة في مواقعهم الخبيثة .
يقول الملحد : ( قيمة الأشياء تتميز في مقدار تأثيرها علينا ،و تأثير الله علينا هو الخلق ،والخلق ليس سببا كافيا للعبادة )،و قوله : قيمة الأشياء تتميز في مقدار تأثيرها علينا حق أريد به باطل ،وقوله : تأثير الله علينا هو الخلق فيه غض الطرف عن جميع آثار الله ،وقصرها على الخلق وهذا من الظلم والجور ،وليس من العدل والإنصاف .
والواقع والمشاهد أن آثار الله أكبر من أن تعد وتحصى ،ولو خلق الله الكون وتركه هملا لهلك الكون فالكون يحتاج للخالق كي يظل قائما فلابد من عناية الله بالكون ،وهذه نعمة تستوجب استحقاق الله بالعبادة .
وخلق الله الكون بهذه السعة وهذا الإحكام والتناسق لدليل على عظمة الله وكماله وحكمته مما يوجب استحقاقه بالعبادة .
و خلق الله للإنسان بعد أن لم يكن شيئا ووهب الحياة له ما هو إلا فضل و جود وكرم من الله للإنسان يستوجب استحقاق الله بالعبادة .
والله هو الذي يرزقنا و يجلب لنا الخير و يدفع عنا الضر ،و كل هذه نعم تستوجب استحقاق الله بالعبادة .
والله هو الذي سخر لنا ما في الأرض جميعا ،وهذه نعمة تستوجب استحقاق الله بالعبادة .
والله هو الذي وهبنا السمع والبصر والفؤاد والتذوق والعقل والكلام والحركة ،و كل هذه نعم تستوجب استحقاق الله بالعبادة .
والله هو الذي خلق لنا النبات والحيوان والطيور والأسماك لنستمتع ولنتمتع ولننتفع بها ،و كل هذه نعم تستوجب استحقاق الله بالعبادة .
والله هو الذي يطعمنا ويسقينا و إذا مرضنا يشفينا ،ويجيب المضطر إذا دعاه و كل هذه نعم تستوجب استحقاق الله بالعبادة .
وقول الملحد : والخلق ليس سببا كافيا للعبادة فيه جحود لحق الخالق على المخلوق وهذا من الظلم والجور و أعظم جرما وفرية ممن ينكر حق الوالدين على الولد،وحق المدرس على تلاميذه وحق الوطن على أبنائه.
ويقول الملحد هداه الله : ( الخلق لابد أن يكون له هدف سامي ،و غياب أي الهدف يجعل عملية الخلق عبثيةً ،و في حالة وجود هدف، فالهدف في حد ذاته ينسف صفة الكمال والاكتفاء الذاتي عند الله، وفي حالة غياب أي هدفٍ أو غايةٍ للخلق فلماذا سنعبده ؟ ) وقوله : الخلق لابد أن يكون له هدف سامي ،و غياب أي الهدف يجعل عملية الخلق عبثيةً حق أريد به باطل ،ونحن نعتقد أن الله لا يفعل شيء إلا لحكمة عرفها من عرفها وجهلها من جهلها ،وليس معنى عدم معرفتنا للحكمة من شيء ألا حكمة فيه فعقولنا قاصرة وعلمنا محدود والعلم يكشف لنا كل يوم أشياء كنا نجهلها فيما سبق .
وقول الملحد : و في حالة وجود هدف، فالهدف في حد ذاته ينسف صفة الكمال والاكتفاء الذاتي عند الله ،هذا سفسطة و إدعاء بلا دليل ، وأي إدعاء بلا دليل فهو باطل مرفوض فوجود هدف وغاية من عمل الشيء ينفي عن الفاعل العبثية وعدم الغائية وعدم وجود هدف من عمل الشيء شيء مذموم لا محمود ،والخالق منزه عن النقص والذم .
ولعل الملحد قصد بالهدف الدافع ،وهو قوى محركة تبعث النشاط في الكائن الحي و تُبدئ السلوك وتوجهه نحو هدف أو أهداف معينة أو الدافع هو أي عمل داخلي في الكائن يدفعه إلى عمل معين، والاستمرار في هذا العمل مدة معينة من الزمن حتى يشبع هذا الدافع فالدافع ينشأ عن حالة من التوتر يصحبه شعور الفرد بنقص أو حاجة معينة ليوجه السلوك باتجاه تحقيق هدف أو نتيجة لإشباع الحاجة أو النقص لدى الفرد .
ووراء كل سلوك يصدر عن الكائن الحي دافع قوي يحركه أو حاجة قوية تحركه وتدفعه إلى الظهور أي الدافع ينشأ نتيجة افتقاد الكائن الحي لشيء ما فينتج عن ذلك نوع من التوتر يدفعه إلى محاولة إرضاء الحاجة المفتقدة ،و الله عز وجل لا يوصف بذلك فهو القيوم وواجب الوجود لذاته.
و الله - عز وجل – لم يخلق الخلق ليحقق كمالا ما فهو واجب الوجود لذاته وكامل في ذاته و صفاته .
و الله - عز وجل – لم يخلق الخلق ليشبع حاجة ما فهو قيوم قائم بنفسه مستغني بنفسه عن غيره ، و الله - عز وجل – لا يحتاج لشيء بل الخلق يحتاجون إليه .
و الله - عز وجل له حكمة وغاية وهدف من الخلق ،وليس له حاجة من الخلق ،والحكمة من الخلق أن نعبده قال تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ( الذاريات : 56) و في عبادته سبحانه صلاحنا و سعادتنا في الدنيا و الآخرة ونحن الذين نحتاج عبادته ،ونحن من ننتفع بعبادته فأمره لنا بالعبادة من حبه لنا ،ومن فضله وكرمه علينا
و الله – عز وجل - خلقنا لنعبده باختيارنا تشريفا لنا و تمييزا لنا عن كثير من خلقه سبحانه .
و الله – عز وجل - خلقنا لنعبده ؛ لأنه يحب أن يرى امتثالنا و طاعتنا له سبحانه .
و الله – عز وجل - خلقنا لنعبده باختيارنا لينعم علينا في الآخرة - إذا عبدناه وحده وأطعناه - بالسعادة الأبدية ،وذلك كرم منه و فضل .
وكون الله هو الخالق فهذا يقطع بعدم احتياجه لغيره فكيف ندعي أنه يحتاج عبادتنا ،وهو لايحتاج لغيره ؟!!
و الله – عز وجل - ما كلف المكلفين ليجرّ إلى نفسه منفعةً أو ليَدْفَع عن نفسه مضرَّة ؛ لأنه تعالى غني على الإطلاق فيمتنع في حقه جر المنفعة ودفع المضرة، لأنه واجب الوجود لذاته وواجب الوجود لذاته في جميع صفاته يكون غنياَ على الإطلاق و أيضاً فالقادر على خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسيّ والعناصر الأربعة والمواليد الثلاثة ممتنع أن ينتفع بصلاة «زَيْدٍ» وصيامِ «عَمْرٍو» وأن يستضر بعدم صلاة هذا وعدم صيام ذلك .
وقول الملحد : وفي حالة غياب أي هدفٍ أو غايةٍ للخلق فلماذا سنعبده ؟ والجواب نقطع بأن أي فعل لله – عز وجل - له غاية وحكمة فهو الحكيم في أفعاله ،ودقة الكون وتناسقه ووضع كل شيء في الكون في موضعه دليل على علم الله وقدرته و حكمته .
ومجرد خلق الله لنا ،وإنعامه علينا بالحياة فهذه نعمة تستوجب العبادة سواء علمنا الغاية من الخلق أو لم نعلم ،ومن يقول لا أعبد الله رغم أنه خلقني ؛ لأني لا أعرف الغاية من خلقي كمن يقول لا أطيع والدي رغم أني أعرف أنه والدي ؛ لأنه لم يبين لي لماذا أنجبني ؟
ومجرد إنعام الله علينا بأجل النعم كالحياة والسمع والبصر والعقل فهذا يستوجب عبادته سبحانه سواء علمنا الغاية من الخلق أو لم نعلم ،ومجرد اتصاف الله بصفات الجلال والكمال فهذا يستوجب عبادته سبحانه سواء علمنا الغاية من الخلق أو لم نعلم ،ومن رحمة الله بنا أرسل لنا أنبياء ورسلا ليعرفونا الغاية من الخلق و كيف نعبد الخالق ؟ .
يقول الملحد : ( ربما عظمته وجلاله في حد ذاتها سببٌ كافي يدفعنا للعبادة ) حقا عظمة الله وجلاله وكماله وجماله تستوجب استحقاق عبادة الله لذاته .
ويقول الملحد : ( ربما السبب أن الله بنفسه طلبَ مِنا عبادته ،و طلبه هذا جاء من كائنٍ في موقع قوةٍ تجاه كائنٍ آخر في موقع ضعف ،وهذا فيه استغلال للقوة و القدرة في إيذائنا ليفرض أحكامهِ علينا بل يلجأ للتهديد والترغيب (قانونياً هذه جريمة ابتزاز) يلجأ للتهديد والترغيب (قانونياً هذه جريمة ابتزاز) لإجبارنا على تنفيذ أوامره التي لا نعرف سببًا واضحًا لها أو غايةً معينة ) وهذا سوء أدب وتشويه للحقائق بالسفسطة فما علاقة طلب العبادة باستغلال القوة ؟ وهل أجبرنا الله على العبادة أم خيرنا ؟ وهل أسلوب الترهيب دليل على حب الله لنا أم كرهه لنا ؟ .
و تحذير الله لنا أن نعصيه دليل على حبه لنا كما أن الوالد الذي يخاف على ولده من الرسوب في الامتحان يحذره من الرسوب فيقول لولده : لو رسبت سأفعل بك وأفعل ،وكما أن الأم التي تحب أن يكون لباس ابنها نظيفا تحذره من اتساخ الملابس فتقول : لو اتسخت ملابسك سأفعل بك وأفعل وهل تهديد الحكومة لمن يخالف القانون شيء مذموم ؟ وهل تهديد الأب لابنه الذي لا يذاكر أنه سيعاقبه شيء مذموم ؟ ،وهل تهديد رئيس العمل للموظف الذي يخطئ شيء مذموم ؟
.
ولو سلمنا جدلا أن أسلوب الترهيب فيه استعمال القوة فهل استعمال القوة لتقويم المعوج شيء مذموم ؟ وهل تقويم الحكومة للمجرم شيء مذموم ؟ وهل عقاب الأب لابنه على خطأ ارتكبه شيء مذموم ؟
سبحان ربي الله يأمرنا بما فيه الخير لنا و الملحد لا يريد الخير ،والله يأمرنا بما فيه الصلاح لنا والملحد لا يريد الصلاح قال تعالى : ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ ( النساء : 27 )
وقول الملحد : ( لإجبارنا على تنفيذ أوامره التي لا نعرف سببًا واضحًا لها ) الملحد يعترض على خالقه أنه يأمره بأوامر لا يعرف الغاية منها لكنه لا يعترض على من أعلى منه في العمل عندما يأمره بشيء لا يعرف الغاية منه ،وهل يجب على الأعلى إذا أراد من الأدنى منه أن يفعل شيء أن يبين له الحكمة من الأمر ؟!
ويقول الملحد : ( إن ضررها – يقصد الصلاة - في أغلب الأحيان أكثر من فوائدها لما تثيره من تبلدٍ للفكر (ترديد نفس العبارات مراراً وتكراراً) وإضاعةٍ للوقت وتبذيرٍ للجهد ) وهذا كلام مخالف للواقع فالصلاة إذا أديت كما ينبغي نهت عن الفحشاء والمنكر وكانت سببا في زوال الهموم وكانت راحة للنفس والبدن ،و من المعلوم أن الركوع والسجود في الصلاة يقويان عضلات البطن والساقين والفخذين ،و تزيد حركات الصلاة من نشاط الأمعاء وبالتالي تقلل من الإمساك ،والملحد يكره ضياع جزء من الوقت بسبب الصلاة لخالقه ، و كم ضيع وقته في مداعبة زوجته أو ولده أو صديقه !!
والملحد يعيب تكرار نفس العبارات في الصلاة رغم أنها كلمات طيبة والسؤال ما المانع من تكرار الكلام الطيب ؟ وهل تكرار الكلام الطيب يؤثر تأثيرا سلبيا على الإنسان ؟ وهل تكرار تعبيرك لزوجك بالحب أمر غير مرغوب ؟ وهل تكرار تعبيرك لأمك بالحب أمر غير مرغوب فيه ؟
و يقول الملحد : ( حاجة الله لعبادتنا تنفي عنه صفة الكمال لثبات حاجته ) والسؤال ما دليلك أن الله يحتاج العبادة منا ؟ ألا تعلم أن الله عندنا واجب الوجود لذاته ؟ ألا تعلم أن الله عندنا قيوم ؟ والملحد ربما توهم أن طلب الله العبادة منا دليل على احتياجه لها ،وهذا الفهم مبني على مغالطة أن كل أمر يأمر به السيد عبده يحتاجه السيد من العبد ،وهذا ليس صحيحا فقد يكون الأمر اختبارا من السيد لعبده ،وقد يكون الأمر تشريفا للعبد بفعل شيء جدير أن يفعله ، وقد يكون الأمر لمحبة السيد أن يرى امتثال عبده له وطاعته له ، وقد يأمر السيد عبده بشيء إذا فعله رفع منزلته عنده و أفاض عليه بعطايا عظيمة ، ولله المثل الأعلى .
و يقول هذا الملحد : ( ولو افترضنا نحن حاجتنا لعبادته فإن تلك الحاجة تنفي التكليف الذي يفرضه علينا، لأن العبادة حينها ستكون حاجةً طبيعيةً مثل الحاجات الإنسانية الأخرى كالهواء والغذاء ) .وهذا الكلام تشويه للحقائق بالسفسطة وأين الدليل الدال أن الحاجة تنفي التكليف ؟ وهل من موانع التكليف الاحتياج ؟ نحن نعلم أن من موانع التكليف الجهل والخطأ والنسيان والإكراه ،ولم نقرأ في أي شرع أو قانون أن الحاجة من موانع التكليف ،وما قولك في حاجة المغتصب في الاغتصاب و حاجة السارق في السرقة ؟!!.
هذا و الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات
مراجع المقال :
آثار ابن باديس
التفسير المنير للزحيلي
الفتاوى الكبرى لابن تيمية
القرآن وعلم النفس لمحمد عثمان نجاتي
اللباب في تفسير الكتاب
المخصص لابن سيده
تجريد التوحيد المفيد لتقي الدين المقريزي
تفسير الشعراوي
شرح أسماء الله الحسنى للرازي
طريق الهجرتين لابن القيم
علم النفس التربوي لأحمد زكي صالح
قاعدة في المحبة لابن تيمية
مجموع الفتاوى لابن تيمية
مذاهب فكرية معاصرة لمحمد قطب
مفتاح دار السعادة لابن القيم
مناهج التربية أسسها وتطبيقاتها لعلى أحمد مدكور
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي
Leave a comment:
-
مفهوم العبادة
للعبادة العديد من التعريفات من أحسنها وأجمعها تعريف ابن تيمية – رحمه الله – حيث قال : ( الْعِبَادَة هِيَ اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة. فَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج وَصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وبرّ الْوَالِدين وصلَة الْأَرْحَام وَالْوَفَاء بالعهود وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالْجهَاد للْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَالْإِحْسَان للْجَار واليتيم والمسكين وَابْن السَّبِيل والمملوك من الْآدَمِيّين والبهائم وَالدُّعَاء وَالذكر وَالْقِرَاءَة وأمثال ذَلِك من الْعِبَادَة.
وَكَذَلِكَ حب الله وَرَسُوله وخشية الله والإنابة إِلَيْهِ وإخلاص الدَّين لَهُ وَالصَّبْر لحكمه وَالشُّكْر لنعمه وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ والتوكل عَلَيْهِ والرجاء لِرَحْمَتِهِ وَالْخَوْف من عَذَابه وأمثال ذَلِك هِيَ من الْعِبَادَة لله.
وَذَلِكَ أَن الْعِبَادَة لله هِيَ الْغَايَة المحبوبة لَهُ والمرضية لَهُ الَّتِي خَلق الْخلق لَهَا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ( الذاريات : 56) وَبهَا أرسل جَمِيع الرُّسُل ) .
و يقول ابن باديس – رحمه الله - : ( العبادة هي التوجه بالطاعة لله امتثالا لأمره وقياما بحقه مع الشعور بالضعف والذل أمام قوة وعز الربوبية وذلك يبعث على الخوف المأمور به، ومع الشعور بالفقر والحاجة أمام غنى وفضل الربوبية وذلك يبعث على الرجاء المأمور به ) .
و من الناس من يتوهم أن العبادة مقصورة على الصلاة والصوم والزكاة والحج ،وهذا خطأ فالعبادة ليست مقصورة على مناسك التعبد المعروفة من صلاة وصيام وزكاة وحج.. إلخ, بل إن العبادة هي العبودية لله وحده، والتلقي من الله وحده في كل أمور الدنيا والآخرة، إنها الصلة الدائمة لله في كل قول أو عمل أو شعور، فالإنسان عابد لله حيثما توجه إلى الله، ومن ثم تشمل "العبادة" الحياة، ويصبح الإنسان عابدا في كل حين .
الله عز وجل مستحق للعبادة لذاته وصفاته وأفعاله
الله - عز وجل - مستحق للعبادة ؛ لأنه خالق الكون ومدبره ورب جميع العوالم والكائنات ،والعبادة حق الله على جميع مخلوقاته حق الخالق على المخلوق ، و الله خالقنا ومالكنا، وللمالك أن يأمر وينهى ، ومن ينكر حق الله على خلقه أعظم جرما وفرية ممن ينكر حق الوالدين على الولد ،وحق المدرس على تلاميذه وحق الوطن على أبنائه .
و الله - عز وجل - يستحق العبادة لذاته بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى إذ النفوس مجبولة على حب الكمال ، و الله - عز وجل – له الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة له وحده عقلاً وشرعا وفطرةً ،و الله – سبحانه وتعالى - يستحق العبادة لا لكونه خلق الخلق فقط بل أيضا يستحق العبادة لذاته .
ويقول ابن القيم – رحمه الله - : ( وَلَا ريب أَن كَمَال الْعُبُودِيَّة تَابع لكَمَال الْمحبَّة وَكَمَال الْمحبَّة تَابع لكَمَال المحبوب فِي نَفسه وَالله سُبْحَانَهُ لَهُ الْكَمَال الْمُطلق التَّام فِي كل وَجه الَّذِي لَا يَعْتَرِيه توهم نقص أصلا وَمن هَذَا شَأْنه فان الْقُلُوب لَا يكون شَيْء أحب إِلَيْهَا مِنْهُ مَا دَامَت فطرها وعقولها سليمَة وَإِذا كَانَت أحب الْأَشْيَاء إِلَيْهَا فَلَا محَالة أَن محبته توجب عبوديته وطاعته وتتبع مرضاته و استفراغ الْجهد فِي التَّعَبُّد لَهُ والإنابة إِلَيْهِ وَهَذَا الْبَاعِث أكمل بواعث الْعُبُودِيَّة وأقواها حَتَّى لَو فرض تجرده عَن الْأَمر وَالنَّهْي وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب استفرغ الوسع واستخلص الْقلب للمعبود الْحق ) .
و الله - عز وجل - يستحق العبادة ؛ لأنه المنعم علينا بالحياة و السمع والبصر والعقل والإحساس وغير ذلك من النعم التي لا تعد و لا تحصى ، وقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وأعطاها وبغض من أساء إليها ومنعها ، وكلما ازداد العطاء و الإحسان ازداد الحب خاصة إذا ما كان العطاء بلا مقابل .
والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم كالحياة والفهم والسمع والبصر .
والعبادة غاية التعظيم، والعقل يشهد بأن غاية التعظيم لا يليق إلا بمن صدر عنه غاية الإنعام والإحسان
والله – سبحانه وتعالى – هو الذي يجلب للإنسان النفع والرزق ويدفع عنه الضر والمرض ،ويصرف عنه الشر و السوء ،ويجيب المضطر إذا دعاه ،وهذه الأمور لا يستطيعها إلا من ملك السماوات والأرض وما بينهما فالله – سبحانه وتعالى - هو مصدر خير الإنسان ونفعه ومنع الضرر عنه .
ويقول ابن تيمية – رحمه الله - : (فمن اعتمد عليه القلب في رزقه ونصره ونفعه وضره؛ خضع له وذل؛ وانقاد وأحبه من هذه الجهة وإن لم يحبه لذاته لكن قد يغلب عليه الحال حتى يحبه لذاته ) .
و الله – سبحانه وتعالى - كما يستحق العبادة لذاته يستحقها لنعمه فالذي لا يعبد الله لذاته سبحانه يعبده لنعمه وحاجته إليه فعندنا عبادة للذات ؛ لأنه سبحانه يستحق العبادة لذاته، وعبادة لصفات الذات في معطياتها، فمَنْ لم يعبده لذاته عبده لنعمته .
ويقول ابن تيمية – رحمه الله – : ( في وجوب اختصاص الخالق بالعبادة والتوكل عليه: فلا يعمل إلا له، ولا يرجى إلا هو، هو سبحانه الذي ابتدأك بخلقك والإنعام عليك بنفس قدرته عليك ومشيئته ورحمته من غير سبب منك أصلا ؛ وما فعل بك لا يقدر عليه غيره. ثم إذا احتجت إليه في جلب رزق أو دفع ضرر: فهو الذي يأتي بالرزق لا يأتي به غيره، وهو الذي يدفع الضرر لا يدفعه غيره ) .
و يقول ابن القيم – رحمه الله -: ( ولما كانت عبادته تعالى تابعة لمحبته وإجلاله وكانت المحبة نوعين : محبة تنشأ عن الأنعام والإحسان فتوجب شكرا وعبودية بحسب كمالها ونقصانها ومحبة تنشأ عن جمال المحبوب وكماله فتوجب عبودية وطاعة أكمل من الأولى كان الباعث على الطاعة والعبودية لا يخرج عن هذين النوعين ) .
و إذا اعترف الإنسان أن الله ربه وخالقه وأنه مفتقر إليه، محتاج إليه عرف العبودية المتعلقة بربوبية الله .
والناس مفطورون على التعبد لمعبود معين ،وعند النفس البشرية حاجة ذاتية إلى إله تعبده و معبود تتعلق به وتسعى إليه، وتعمل على مرضاته ،وجميع الأمم التي درس العلماء تاريخها تجدها اتخذت معبودات تتجه إليها وتقدَّسها مما يدل على وجود اتجاه فطري إِلَى أن يكون هناك إله معبود .
و إذا لم يهتد الإنسان إلى الإله المعبود بحق وهو الله سبحانه تعالى بسبب وجود مؤثرات تجعله ينحرف عن الفطرة السليمة فإنه يُعبِّد نفسه لأي معبود آخر ليشبع في ذلك نهمته إلى العبادة ، وذلك كمن استبد به الجوع فإنه إذا لم يجد الطعام الطيب الذي يناسبه فإنه يتناول كل ما يمكن أكله ولو كان خبيثا ليسد به جوعته .
لماذا نعبد الله ؟
نعبد الله ؛ لأنه خالقنا ومالكنا ،ومن حق الخالق أن يعبد .
ونعبد الله ؛ لأنه خالقنا ومالكنا وقد أمرنا بعبادته قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ ( البقرة : 21 ) وإذا طلب منك ملك من ملوك الدنيا فعل شيء فهل ستتأخر عن ذلك ؟!! وإذا طلب منك رئيس من رؤساء الدول فعل شيء فهل ستتأخر عن ذلك ؟!! وإذا طلب منك أحد الوزراء فعل شيء فهل ستتأخر عن ذلك ؟!! والله أحق أن تطيعه.
ونعبد الله ؛ لأن في عبادته السعادة في الدنيا والآخرة قال تعالى : ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (النحل:97) ، و قال تعالى : ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ ﴾ ( طه :123-124 ) ،و قال تعالى : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ ( النور : 55 ) ،و قال تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ ( الأعراف : 96 )
ونعبد الله ؛ لأن في عبادته الخير لنا قال تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ ( النساء :66 ) وقال قتادة و غيره من السلف : « إنَّ الله سبحانه لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليه، ولا نهاهم عنه بخلاً منه ، بل أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم » .
ونعبد الله ؛ لأنه يستحق العبادة لذاته فهو كامل في أسمائه وكامل في صفاته وكامل في أفعاله قال تعالى : ﴿ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ ( النحل : 60 ).
ونعبد الله ؛ لأنه المنعم علينا بأجل النعم فقد خلقنا في أحسن تقويم وفضلنا على كثير مما خلق ، و سخر لنا ما في الأرض ورزقنا من الطيبات ووهب لنا السمع والبصر والفؤاد وغير ذلك من النعم التي لا تعد ولا تحصى قال تعالى : ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ( النحل : 18 ) ،وقال تعالى : ﴿ ومَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ الله ﴾ ( النحل : 53 )
ونعبد الله ؛ لنفوز بمرضاته وحبه وقربه منا قال تعالى : ﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ ( العلق : 19 )،و الواحد من الناس يحب أن يفعل الأمر الذي يحبه ملك من ملوك الدنيا ،و الله – سبحانه وتعالى - ملك الملوك فهو أحق بأن نفعل ما يحبه .
ونعبد الله ؛ لأن في عبادة الله مع استشعار مناجاته وقربه لذة لا تضاهى بلذات الدنيا ،ويجد المرء أثناء ممارسته العبادة أنسا وسعادة وانشراحا وراحة ما بعدها راحة و حلاوة ما بعدها حلاوة ،و المحب يتلذذ بخدمة محبوبه وتصرفه في طاعته، وكلما كانت المحبة أقوى كانت لذة الطاعة والخدمة أكمل .
Leave a comment:
-
مفهوم العبادة
للعبادة العديد من التعريفات من أحسنها وأجمعها تعريف ابن تيمية – رحمه الله – حيث قال : ( الْعِبَادَة هِيَ اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة. فَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج وَصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وبرّ الْوَالِدين وصلَة الْأَرْحَام وَالْوَفَاء بالعهود وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالْجهَاد للْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَالْإِحْسَان للْجَار واليتيم والمسكين وَابْن السَّبِيل والمملوك من الْآدَمِيّين والبهائم وَالدُّعَاء وَالذكر وَالْقِرَاءَة وأمثال ذَلِك من الْعِبَادَة.
وَكَذَلِكَ حب الله وَرَسُوله وخشية الله والإنابة إِلَيْهِ وإخلاص الدَّين لَهُ وَالصَّبْر لحكمه وَالشُّكْر لنعمه وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ والتوكل عَلَيْهِ والرجاء لِرَحْمَتِهِ وَالْخَوْف من عَذَابه وأمثال ذَلِك هِيَ من الْعِبَادَة لله.
وَذَلِكَ أَن الْعِبَادَة لله هِيَ الْغَايَة المحبوبة لَهُ والمرضية لَهُ الَّتِي خَلق الْخلق لَهَا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ( الذاريات : 56) وَبهَا أرسل جَمِيع الرُّسُل ) .
و يقول ابن باديس – رحمه الله - : ( العبادة هي التوجه بالطاعة لله امتثالا لأمره وقياما بحقه مع الشعور بالضعف والذل أمام قوة وعز الربوبية وذلك يبعث على الخوف المأمور به، ومع الشعور بالفقر والحاجة أمام غنى وفضل الربوبية وذلك يبعث على الرجاء المأمور به ) .
و من الناس من يتوهم أن العبادة مقصورة على الصلاة والصوم والزكاة والحج ،وهذا خطأ فالعبادة ليست مقصورة على مناسك التعبد المعروفة من صلاة وصيام وزكاة وحج.. إلخ, بل إن العبادة هي العبودية لله وحده، والتلقي من الله وحده في كل أمور الدنيا والآخرة، إنها الصلة الدائمة لله في كل قول أو عمل أو شعور، فالإنسان عابد لله حيثما توجه إلى الله، ومن ثم تشمل "العبادة" الحياة، ويصبح الإنسان عابدا في كل حين .
الله عز وجل مستحق للعبادة لذاته وصفاته وأفعاله
الله - عز وجل - مستحق للعبادة ؛ لأنه خالق الكون ومدبره ورب جميع العوالم والكائنات ،والعبادة حق الله على جميع مخلوقاته حق الخالق على المخلوق ، و الله خالقنا ومالكنا، وللمالك أن يأمر وينهى ، ومن ينكر حق الله على خلقه أعظم جرما وفرية ممن ينكر حق الوالدين على الولد ،وحق المدرس على تلاميذه وحق الوطن على أبنائه .
و الله - عز وجل - يستحق العبادة لذاته بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى إذ النفوس مجبولة على حب الكمال ، و الله - عز وجل – له الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة له وحده عقلاً وشرعا وفطرةً ،و الله – سبحانه وتعالى - يستحق العبادة لا لكونه خلق الخلق فقط بل أيضا يستحق العبادة لذاته .
ويقول ابن القيم – رحمه الله - : ( وَلَا ريب أَن كَمَال الْعُبُودِيَّة تَابع لكَمَال الْمحبَّة وَكَمَال الْمحبَّة تَابع لكَمَال المحبوب فِي نَفسه وَالله سُبْحَانَهُ لَهُ الْكَمَال الْمُطلق التَّام فِي كل وَجه الَّذِي لَا يَعْتَرِيه توهم نقص أصلا وَمن هَذَا شَأْنه فان الْقُلُوب لَا يكون شَيْء أحب إِلَيْهَا مِنْهُ مَا دَامَت فطرها وعقولها سليمَة وَإِذا كَانَت أحب الْأَشْيَاء إِلَيْهَا فَلَا محَالة أَن محبته توجب عبوديته وطاعته وتتبع مرضاته و استفراغ الْجهد فِي التَّعَبُّد لَهُ والإنابة إِلَيْهِ وَهَذَا الْبَاعِث أكمل بواعث الْعُبُودِيَّة وأقواها حَتَّى لَو فرض تجرده عَن الْأَمر وَالنَّهْي وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب استفرغ الوسع واستخلص الْقلب للمعبود الْحق ) .
و الله - عز وجل - يستحق العبادة ؛ لأنه المنعم علينا بالحياة و السمع والبصر والعقل والإحساس وغير ذلك من النعم التي لا تعد و لا تحصى ، وقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وأعطاها وبغض من أساء إليها ومنعها ، وكلما ازداد العطاء و الإحسان ازداد الحب خاصة إذا ما كان العطاء بلا مقابل .
والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم كالحياة والفهم والسمع والبصر .
والعبادة غاية التعظيم، والعقل يشهد بأن غاية التعظيم لا يليق إلا بمن صدر عنه غاية الإنعام والإحسان
والله – سبحانه وتعالى – هو الذي يجلب للإنسان النفع والرزق ويدفع عنه الضر والمرض ،ويصرف عنه الشر و السوء ،ويجيب المضطر إذا دعاه ،وهذه الأمور لا يستطيعها إلا من ملك السماوات والأرض وما بينهما فالله – سبحانه وتعالى - هو مصدر خير الإنسان ونفعه ومنع الضرر عنه .
ويقول ابن تيمية – رحمه الله - : (فمن اعتمد عليه القلب في رزقه ونصره ونفعه وضره؛ خضع له وذل؛ وانقاد وأحبه من هذه الجهة وإن لم يحبه لذاته لكن قد يغلب عليه الحال حتى يحبه لذاته ) .
و الله – سبحانه وتعالى - كما يستحق العبادة لذاته يستحقها لنعمه فالذي لا يعبد الله لذاته سبحانه يعبده لنعمه وحاجته إليه فعندنا عبادة للذات ؛ لأنه سبحانه يستحق العبادة لذاته، وعبادة لصفات الذات في معطياتها، فمَنْ لم يعبده لذاته عبده لنعمته .
ويقول ابن تيمية – رحمه الله – : ( في وجوب اختصاص الخالق بالعبادة والتوكل عليه: فلا يعمل إلا له، ولا يرجى إلا هو، هو سبحانه الذي ابتدأك بخلقك والإنعام عليك بنفس قدرته عليك ومشيئته ورحمته من غير سبب منك أصلا ؛ وما فعل بك لا يقدر عليه غيره. ثم إذا احتجت إليه في جلب رزق أو دفع ضرر: فهو الذي يأتي بالرزق لا يأتي به غيره، وهو الذي يدفع الضرر لا يدفعه غيره ) .
و يقول ابن القيم – رحمه الله -: ( ولما كانت عبادته تعالى تابعة لمحبته وإجلاله وكانت المحبة نوعين : محبة تنشأ عن الأنعام والإحسان فتوجب شكرا وعبودية بحسب كمالها ونقصانها ومحبة تنشأ عن جمال المحبوب وكماله فتوجب عبودية وطاعة أكمل من الأولى كان الباعث على الطاعة والعبودية لا يخرج عن هذين النوعين ) .
و إذا اعترف الإنسان أن الله ربه وخالقه وأنه مفتقر إليه، محتاج إليه عرف العبودية المتعلقة بربوبية الله .
والناس مفطورون على التعبد لمعبود معين ،وعند النفس البشرية حاجة ذاتية إلى إله تعبده و معبود تتعلق به وتسعى إليه، وتعمل على مرضاته ،وجميع الأمم التي درس العلماء تاريخها تجدها اتخذت معبودات تتجه إليها وتقدَّسها مما يدل على وجود اتجاه فطري إِلَى أن يكون هناك إله معبود .
و إذا لم يهتد الإنسان إلى الإله المعبود بحق وهو الله سبحانه تعالى بسبب وجود مؤثرات تجعله ينحرف عن الفطرة السليمة فإنه يُعبِّد نفسه لأي معبود آخر ليشبع في ذلك نهمته إلى العبادة ، وذلك كمن استبد به الجوع فإنه إذا لم يجد الطعام الطيب الذي يناسبه فإنه يتناول كل ما يمكن أكله ولو كان خبيثا ليسد به جوعته .
لماذا نعبد الله ؟
نعبد الله ؛ لأنه خالقنا ومالكنا ،ومن حق الخالق أن يعبد .
ونعبد الله ؛ لأنه خالقنا ومالكنا وقد أمرنا بعبادته قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ ( البقرة : 21 ) وإذا طلب منك ملك من ملوك الدنيا فعل شيء فهل ستتأخر عن ذلك ؟!! وإذا طلب منك رئيس من رؤساء الدول فعل شيء فهل ستتأخر عن ذلك ؟!! وإذا طلب منك أحد الوزراء فعل شيء فهل ستتأخر عن ذلك ؟!! والله أحق أن تطيعه.
ونعبد الله ؛ لأن في عبادته السعادة في الدنيا والآخرة قال تعالى : ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (النحل:97) ، و قال تعالى : ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ ﴾ ( طه :123-124 ) ،و قال تعالى : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ ( النور : 55 ) ،و قال تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ ( الأعراف : 96 )
ونعبد الله ؛ لأن في عبادته الخير لنا قال تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ ( النساء :66 ) وقال قتادة و غيره من السلف : « إنَّ الله سبحانه لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليه، ولا نهاهم عنه بخلاً منه ، بل أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم » .
ونعبد الله ؛ لأنه يستحق العبادة لذاته فهو كامل في أسمائه وكامل في صفاته وكامل في أفعاله قال تعالى : ﴿ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ ( النحل : 60 ).
ونعبد الله ؛ لأنه المنعم علينا بأجل النعم فقد خلقنا في أحسن تقويم وفضلنا على كثير مما خلق ، و سخر لنا ما في الأرض ورزقنا من الطيبات ووهب لنا السمع والبصر والفؤاد وغير ذلك من النعم التي لا تعد ولا تحصى قال تعالى : ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ( النحل : 18 ) ،وقال تعالى : ﴿ ومَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ الله ﴾ ( النحل : 53 )
ونعبد الله ؛ لنفوز بمرضاته وحبه وقربه منا قال تعالى : ﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ ( العلق : 19 )،و الواحد من الناس يحب أن يفعل الأمر الذي يحبه ملك من ملوك الدنيا ،و الله – سبحانه وتعالى - ملك الملوك فهو أحق بأن نفعل ما يحبه .
ونعبد الله ؛ لأن في عبادة الله مع استشعار مناجاته وقربه لذة لا تضاهى بلذات الدنيا ،ويجد المرء أثناء ممارسته العبادة أنسا وسعادة وانشراحا وراحة ما بعدها راحة و حلاوة ما بعدها حلاوة ،و المحب يتلذذ بخدمة محبوبه وتصرفه في طاعته، وكلما كانت المحبة أقوى كانت لذة الطاعة والخدمة أكمل .
Leave a comment:
-
الملحد وزعمه الجائر أن الخالق لا يستحق العبادة تعالى الله عما يقول الظالمون
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى أصحابه الغر الميامين ، و على من أتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد :
فقد انتشر في عصرنا مرض الإلحاد ، وهو أحد الأمراض الفكرية الفتاكة إذ يفتك بالإيمان و يعمي الحواس عن أدلة وجود الخالق الرحمن ،و تجد المريض يجادل في البديهيات و يجمع بين النقيضين ويفرق بين المتماثلين ،ويجعل من الظن علما و من العلم جهلا و من الحق باطلا و من الباطل حقا .
ومن عوامل انتشار هذا المرض الجهل بالدين و ضعف العقيدة واليقين والاسترسال في الوساوس الكفرية والسماع والقراءة لشبهات أهل الإلحاد دون أن يكون لدى الإنسان علم شرعي مؤصل .
وشبهات أهل الإلحاد ما هي إلا أقوال بلا دليل وادعاءات بلا مستند ،ورغم ضعفها و بطلانها إلا أنها قد تؤثر في بعض المسلمين لقلة العلم وازدياد الجهل بالدين ولذلك كان لابد من كشف شبهات ومغالطات ودعاوي أهل الإلحاد شبهة تلو الأخرى و مغالطة تلو المغالطة ودعوى تلو الدعوى حتى لا ينخدع أحد بكلامهم وشبههم .
و في هذا المقال سنتناول - إن شاء الله وقدر - زعم الملاحدة الجائر بأن الله – سبحانه وتعالى – لا يستحق العبادة - تعالى الله عما يقول الظالمون - .
عرض زعم الملاحدة الجائر
يزعم الملاحدة أن الله – سبحانه وتعالى – لا يستحق العبادة - تعالى الله عما يقول الظالمون - ويبرر أحدهم هذا الزعم الجائر قائلا : أن قيمة الأشياء تتميز في مقدار تأثيرها علينا ،و تأثير الله علينا هو الخلق ،والخلق ليس سببا كافيا للعبادة ؛ لأن الخلق لابد أن يكون له هدف سامي ،و غياب أي الهدف يجعل عملية الخلق عبثيةً ،و في حالة وجود هدف، فالهدف في حد ذاته ينسف صفة الكمال والاكتفاء الذاتي عند الله، وفي حالة غياب أي هدفٍ أو غايةٍ للخلق فلماذا سنعبده ؟
ويستطرد في سفسطته قائلا : ربما عظمته وجلاله في حد ذاتها سببٌ كافي يدفعنا للعبادة... ربما السبب أن الله بنفسه طلبَ مِنا عبادته ،و طلبه هذا جاء من كائنٍ في موقع قوةٍ تجاه كائنٍ آخر في موقع ضعف ،وهذا فيه استغلال للقوة و القدرة في إيذائنا ليفرض أحكامهِ علينا بل يلجأ للتهديد والترغيب (قانونياً هذه جريمة ابتزاز) لإجبارنا على تنفيذ أوامره التي لا نعرف سببًا واضحًا لها أو غايةً معينة بل إن ضررها في أغلب الأحيان أكثر من فوائدها لما تثيره من تبلدٍ للفكر (ترديد نفس العبارات مراراً وتكراراً) وإضاعةٍ للوقت وتبذيرٍ للجهد.
ثم يفترض هذا الملحد افتراض خاطئ أن الله يحتاج لعبادتنا ومن ثم هذا ينفي عنه صفة الكمال لثبات حاجته ثم يقول هذا الملحد : ولو افترضنا نحن حاجتنا لعبادته فإن تلك الحاجة تنفي التكليف الذي يفرضه علينا، لأن العبادة حينها ستكون حاجةً طبيعيةً مثل الحاجات الإنسانية الأخرى كالهواء والغذاء .وقبل الرد على هذه الدعاوي والتفاهات لابد من بيان مفهوم العبادة .
Leave a comment:
-
نظرات في كلام الملاحدة واللادينين
قال بعضهم : ( وجدت الأخلاق قبل الدين ،و اخترع الدين لتنظيم المسيرة الأخلاقية فالأخلاق مستمدة من احتياجات الإنسان و اهتماماته بل الإنسان إذا وجد بعض القيم الخلقية في الدين فإنها مأخوذة من المجتمع الذي ظهر به هذا الدين ) ،و هذا الكلام غير صحيح إذ مبناه أن الدين جاء بعد فترة زمنية من وجود البشر ،و الدين موجود منذ أن وجدت البشرية ،ولا يوجد على الإطلاق في أي عصر من العصور ، و لا في أي أمة من الأمم مجتمع بلا دين و لا بلا إله معبود حقاً كَانَ أو باطلاً فهناك اتجاه فطري إِلَى أن يكون هناك دين ، و إله معبود و كما قال البعض : لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات ، و لم توجد جماعة بغير ديانة و ذكر آخرون أن فكرة التدين لم تخل منها أمة من الأمم في القديم و الحديث .
و لا يضير الدين الحق وجود أديان باطلة فكل هذه أمور طارئة والإنسان قد تحيط به مؤثرات كثيرة تجعله ينحرف عن الدين الحق فإذا لم يهتد الإنسان إلى الله تعالى و إلى الدين الحق فإنه يُعبِّد نفسه لأي معبود آخر ليشبع في ذلك نهمته إلى التدين ، وذلك كمن استبد به الجوع فإنه إذا لم يجد الطعام الطيب الذي يناسبه فإنه يتناول كل ما يمكن أكله ولو كان خبيثا ليسد به جوعته .
والدين ليس اختراعا بشريا بل عطاءا ربانيا من الله للبشر ليهدي البشرية ويوجهها ويرشدها إلى خير الدنيا و الآخرة .
ولا يختص الدين بتنظيم السلوكيات الأخلاقية بل يختص بتنظيم جميع السلوكيات و جميع أمور الناس إذ يوجد بالدين جميع أنواع التشريعات من تشريعات اجتماعية و تشريعات اقتصادية وتشريعات دولية وتشريعات جنائية وتشريعات أسرية وتشريعات سياسية وغير ذلك من التشريعات فالدين منهج حياة .
والزعم بأن الأخلاق مستمدة من احتياجات الإنسان و اهتماماته زعم باطل وكلام بلا دليل فأين الحاجة للتضحية و الفداء ؟ وأين الحاجة للكرم والجود ؟ وأين الحاجة للإيثار ؟ وأين الحاجة للعطف على الحيوانات ؟وأين الحاجة للعطف على الفقراء والمساكين والمرضى ؟ وأين الحاجة للتعاطف مع الناس ؟
والزعم بأن القيم الأخلاقية الموجودة في الدين مأخوذة من المجتمع الذي ظهر به هذا الدين زعم باطل وكلام عار عن الصحة فكم عارض الدين أخلاقيات المجتمع الذي وجد فيه والدين يصحح أخلاقيات المجتمع فيرفض الأخلاقيات السيئة كالعري و زنا المحارم وزواج المثليين و اللواط و تبرج النساء والظلم والعدوان .
و قال بعضهم: ( وجود بعض الأخلاق في بلاد لا تدين بدين سماوي ،ووجود بعض الأخلاق في بلاد يكثر فيها الإلحاد ،و انتشار الفساد في البلاد الإسلامية أي يوجد من هو متدين بدين وليس لديه أخلاق ، بينما يوجد من هو لا ديني ولديه أخلاق ،وهذا دليل على عدم مصدرية الدين للأخلاق ) و هذا قول باطل إذ وجود بعض الأخلاق في بلاد لا تدين بدين سماوي ،ووجود بعض الأخلاق في بلاد يكثر فيها الإلحاد ليس دليلا على عدم مصدرية الدين للأخلاق بل دليل على وجود دين كانت تدين به هذه البلاد ،و هذه الأخلاق من بقايا آثار هذا الدين .
وإن كان مصدر الأخلاق هو الدين إلا أن ممارسة الأخلاق قد تستمر مع غياب هذا الدين أو اندثاره فتظل الأخلاق موروثاً دينياً يمتد حتى بعد غياب الدين أو تشوه حقائقه كما تظل بعض التقاليد والعادات تنتقل بين الأجيال برغم تغير الأديان والعقائد والثقافات، فتظل موروثاً ثقافياً مستمراً وإن جهلنا أصله ومنشأه .
وقولهم يوجد من هو متدين بدين وليس لديه أخلاق ، بينما يوجد من هو لا ديني ولديه أخلاق ليس دليلا على عدم مصدرية الدين للأخلاق إذ الأخلاق كمبدأ لا يمكن وجودها بغير دين أما الأخلاق كممارسة أو حالة معينة من السلوك فإنها لا تعتمد مباشرة على التدين .
والإيمان بالشيء لا يستلزم العمل له و إن كان دافعا على العمل له فالناس تعلم و تتيقن أن النار محرقة و بعضهم يحرق نفسه بالنار و أيضا قد تجد أن الولد الذي يعلم أن فلان أبيه لا يبر هذا الأب و أيضا قد تجد أن الدائن لا يعطي المال للمدين و بعض الناس تعلم أن الزنا يكون سبابا في العديد من الأمراض الجنسية و مع ذلك يرتكبه و بعض الناس تعلم أن من قتل سيعاقب من الحكومة و مع ذلك يقتل .
واحتج بعضهم : ( أن الدين ثابت و أخلاقيات بعض المنتسبين إلي الدين تتغير مع الوقت ) والجواب أن تغير أخلاقيات بعض المنتسبين إلي الدين دليل على ضعف التدين عندهم ، و ليس دليلا على عدم مصدرية الدين للأخلاق ففرق بين العلم بالدين وبين العمل بالدين أو ممارسة الدين فقد لا يعمل الشخص بما علم بسبب هوى في النفس أو شبهة أو مغالطة أو تعلق قلبه بشيء آخر ،وعلى سبيل المثال كثير ممن يدخن يعلم الآثار السيئة للتدخين ومع ذلك يدخن ،ومن يقتل شخصا يعلم أن القتل مجرم دينيا وقانونيا ومع ذلك يقتل .
و قال بعضهم : ( ليس من الأخلاق قطع يد السارق و رجم الزاني ،وكيف يكون الدين مصدرا للأخلاق و يشترط شهادة أربعة رجالا لتطبيق حد الزنا فلو فعلها الشخص دون علم لأحد أو أمام سيدات لا بأس بذلك ؟ ) و قطع يد السارق و رجم الزاني من الأحكام الدينية ،وليس من الأحكام الأخلاقية فإدخاله في الأخلاق مغالطة وتزييف ، والعقوبة على قدر الجريمة و غلظة العقوبة بسبب غلظة الجريمة ،و هذه العقوبات المغلظة الهدف منها التخويف والردع وهؤلاء الملاحدة نظروا إلى غلظة العقوبة و لم ينظروا إلى شناعة الجريمة وهذا ليس من العدل و الإنصاف في شيء .
أما قول بعضهم : (و يشترط شهادة أربعة رجالا لتطبيق حد الزنا فلو فعلها الشخص دون علم لأحد أو أمام سيدات لا بأس بذلك ؟ ) فهذا الكلام ينم عن الجهل الشديد بالشريعة الإسلامية و أحكامها فقد اشترط الشرع شهادة أربعة رجالا لتطبيق حد الزنا تغليظاً على من يرمي شخصا بالزنا ؛ لأن شهادة المدعي قد يترتب عليها قتل وعار دائم ،وليس هذا الشرط لجواز الزنا بل لسدّ السبيل على الذين يتهمون الأبرياء ظلماً، وكذلك سدّ السبيل على الذين يريدون إشاعة الفاحشة في المجتمع .
والإسلام قد حرم الزنا فقد قال تعالى : ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ﴾ (الإسراء: الآية 32) ،وقال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴾ ( الفرقان : الآية 68 ) ،وقال تعالى : ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) ( الأعراف : الآية 33 ) ،ومن المعلوم أن الزنا من أفحش الفواحش وأشد الجرائم ، وأبشع المعاصي ، وأقبح الذنوب.
و قال البعض : ( ليس الدين مصدر الأخلاق إذ كيف يضبط السلوك الاجتماعي عن طريق التهديد بالعذاب الأبدي بواسطة كائن فوق الطبيعة ؟ و عدم التخلق بالخلق السيئ خوفا من النار كأنه تقديم رشوة للرب ،و أسلوب الترغيب في الأخلاق الحسنة بدخول الجنة والترهيب من الأخلاق السيئة بدخول النار ليس من الأخلاق في شيء ) و دعواهم أن السلوك الاجتماعي لا يضبط عن طريق التهديد بالعذاب كلام مخالف للواقع فكم من شخص ارتدع عن فعل معصية خوفا من عذاب الله يوم القيامة لكن الناس طبائع شتى منهم من يرتدع بالترهيب و منهم من يرتدع بالترغيب ومنهم من يرتدع بوازع الضمير ومنهم من يرتدع بوازع العقل ومنهم من يرتدع بوازع السلطان ،والدين قد عدد طرق الإلزام لمعرفته بطبيعة النفس البشرية .
وقول بعضهم
عدم التخلق بالخلق السيئ خوفا من النار كأنه تقديم رشوة للرب و أسلوب الترغيب في الأخلاق الحسنة بدخول الجنة والترهيب من الأخلاق السيئة بدخول النار ليس من الأخلاق في شيء ) فيه تشويه للحقائق فالمؤمن يعبد الله و يتخلق بالخلق الحسن طاعة لله المتفضل عليه بالنعم و خوفا من العذاب وطمعا في الثواب فأين هذا الحال من حال المرتشي والراشي الذي يفعل فعلا مشينا ؟!! والناس تحب و تمدح من يعبد الله خوفا من العذاب وطمعا في الثواب لكنها تذم المرتشي والراشي فأين هذا من هذا ؟
و الرشوة كل مال دفع لذي جاه عوناً على ما لا يحل أما التخلق بالخلق الحسن خوفا من العذاب وطمعا في الثواب فهو فعل ما يستحسن أن يفعل – أي التحلي بالخلق الحسن - و يستقبح ألا يفعل - أي عدم التحلي بالخلق الحسن - فأين هذا من هذا ؟ والرشوة يترتب عليها ضياع الحقوق وفساد المجتمعات و العبادة والتخلق بالخلق الحسن طاعة لله وخوفا من العذاب وطمعا في الثواب يترتب عليها سعادة الفرد والمجتمع و صلاح الفرد والمجتمع فأين هذا من هذا ؟
والملحد يتوهم أن أسلوب الترغيب والترهيب يقلل من الأخلاق ،و كأنه يريد أن يقول أن الأخلاق الحسنة يجب فعلها بصرف النظر عما يترتب عليها من جزاء أو مكافأة و أن الأخلاق السيئة يجب تركها بصرف النظر عما يترتب عليها من عقاب وهذه أخلاق كانط و مثل هذه الأخلاق إن تصلح لفئة خاصة أمثال كانط فإنها لا تصلح لجميع الفئات، والأخلاق الإسلامية جاءت لجميع الفئات مراعية لجميع النفوس ولجميع الفروق الفردية .
ومن طبيعة النفس البشرية محبة ما فيه نفعها ومصلحتها والإقبال عليه وكره ما يضرها ويؤذيها ويفسد عليها أمرها والنفور منه ، و يعد الثواب والعقاب هو الأسلوب الذي يتفق مع الفطرة الإنسانية ، والذي ثبت صلاحيته في كل زمان ومكان ،وربط الأخلاق بالجزاء أمر ضروري؛ لأنه يزيد قيمة الأخلاق كما تزيد قيمة الشجرة ثمرتها وبذلك اختلفت الأخلاق الإسلامية عن الأخلاق الكانطية التي لا تربط الأخلاق بالجزاء والمكافأة, والأخلاق من غير جزاء ومكافأة جافة لا طعم فيها أو قليلة الفائدة وناقصة القيمة .
وقال البعض : ( لا يحق لأي دين أن يفرض رؤيته للفضيلة الأخلاقية و الإثم و السلوك الجنسي و الزواج و الطلاق و التحكم في النسل أو الإجهاض أو أن تسن القوانين بحسب تلك الرؤية على بقية المجتمع ،والمبادئ الأخلاقية من الممكن أن تكتشف في سياق التشاور الأخلاقي و الديموقراطية ) وهذا الكلام فيه إجحاف لحق الخالق فالخالق له الحق أن يشرع لخلقه ما يصلحهم و هو أعلم بمصالح خلقه منهم ،و لو كلّ فرد في المجمتع له الحق في أنْ يفعل ما يريد ويشتهي، ولا يحقّ للدين أنّ يمنعه فإنّ ذلك سيستلزم حدوث الهرج والمرج .
وقول بعضهم : (والمبادئ الأخلاقية من الممكن أن تكتشف في سياق التشاور الأخلاقي و الديموقراطية ) كلام في غاية السخف والسقوط ،و الناس بفطرتهم يحبون الأخلاق الحسنة كالعدل و الكرم والوفاء ، كما ينفِرون بفطرتهم من الأخلاق السيئة كالكذب والغدر والخيانة ،وهل مثل هذه الأمور تحتاج للتشاور ؟ إن من يريد التشاور في معرفة الأخلاق الحسنة و السيئة كمن يريد التشاور في معرفة أن الواحد نصف الاثنين ،وأن النقيضين لا يجتمعان .
وإن أرادوا التشاور في الإلزام بالأخلاق الحسنة و اجتناب الأخلاق السيئة عن طريق وضع قانون فهذا القانون سلطانه على بعض الظاهر فضلا عن الباطن ،وهذا القانون من الممكن التحايل عليه والإفلات منه والقانون من الصعب أن يطبق على كل الأخلاق .
والقوانين ليس لها سلطان على النفوس، ولا تقوم على أساس من العقيدة والإيمان كما هو الحال بالنسبة للإسلام، ولهذا فإنَّ النفوس تجرؤ على مخالفة القانون الوضعي كلما وجدت فرصة لذلك، وقدرة على الإفلات من ملاحقة القانون وسلطان القضاء، ورأت في هذه المخالفة إتباعا لأهوائها وتحقيقًا لرغباتها.
إنَّ القانون لا يكفي أن يكون صالحًا، بل لا بُدَّ له من ضمانات تكفل حسن تطبيقه، ومن أول هذه الضمانات إيجاد ما يصل هذا القانون بنفوس الناس، ويحملهم على الرضى به، والانقياد له عن طواعية واختيار.
ولا يحقق مثل هذه الضمانة مثل الإسلام؛ لأنه أقام تشريعاته على أساس الإيمان بالله واليوم الآخر ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم، وأن الالتزام الاختياري بهذه التشريعات واحترامها هو مقتضى هذا الإيمان .
وقال البعض : ( العقل و الإنسانية كفيلان بجعل الإنسان يتخلق بالخلق الحسن ،ومن طبائع الإنسانية و دون حاجة لتوجيه ديني مباشر أو غير مباشر مسائل مثل تجريم القتل و السرقة و الخيانة المالية و الزوجية و العلاقات الممنوعة بين المحارم ، والأخلاق موجودة في الضمير الإنساني ،والحاجة للدين كي يبين أن ممارسة جنس المحارم و قتل الإنسان هو شيء خاطئ يصور الإنسان كأنه كائن لا أخلاقي وحوش ، وإذا كان هذا الوحش موجوداً داخل أي إنسان فلن ينفع لا الدين ولا القوانين بالقضاء عليه ) وهذا الكلام باطل و مخالف للواقع فمن الناس من لا ينفع معه وازع العقل و لا ينفع معه وازع الضمير الإنساني وكم من أناس خالفوا عقولهم وباعوا ضمائرهم بسبب الهوى والشهوة ،ومن الممكن أن ينحرف العقل والضمير عن الحق بسبب بعض المؤثرات ولذلك لابد من موجه ومرشد للعقل والضمير حتى لا يحيدا عن الحق .
أما قول بعضهم : ( الحاجة للدين كي يبين أن ممارسة جنس المحارم و قتل الإنسان هو شيء خاطئ يصور الإنسان كأنه كائن لا أخلاقي وحشي ) فهذا الكلام ينم عن الجهل الشديد بالدين فالدين لا يعرفنا الأخلاق الحسنة والأخلاق السيئة فقط بل يلزمنا بفعل الخلق الحسن و اجتناب الخلق الرذيل و يعرفنا ثواب الخلق الحسن وعقاب الخلق الرذيل و يشجعنا على فعل الخلق الحسن و اجتناب الخلق الرذيل وبذلك يكون الدين عونا في إيقاظ الدوافع النبيلة في النفس البشرية و عونا في إخماد دوافع الشر في النفس البشرية .
ولأن من الناس من يقل عنده الوازع الديني ومنهم من لا يجدي معه وازع الترغيب والترهيب ومنهم من لا يجدي معه وازع العقل ، ومنهم من لا يجدي معه وازع الضمير لذلك نوع الشرع طرق الإلزام فمن لا يجدي معه وازع الدين قد يجدي معه وازع المجتمع الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر ، و من لا يجدي معه وازع الدين قد يجدي معه وازع السلطان .
أما قول بعضهم : ( وإذا كان هذا الوحش موجوداً داخل أي إنسان فلن ينفع لا الدين ولا القوانين بالقضاء عليه ) فهذا الكلام مخالف للواقع والتاريخ فكم غير الدين مجتمعات كانت تألف المحرمات وترتكب المحظورات وتفعل الموبقات ،وكم غير بعض المصلحين مجتمعاتهم .
وقال البعض : ( الافتراض بأنّ الخوف والطمع يدفعان الإنسان لعمل الخير أو اجتناب الشرّ يصور الإنسان كأنه شرّيرٌ بالفطرة لذلك لا بدّ من ترويضه بالقوة كالحيوان المتوحّش ) ،وهذا الكلام فيه تشويه للحقائق إذ من طبيعة النفس البشرية محبة ما فيه نفعها ومصلحتها والإقبال عليه وكره ما يضرها ويؤذيها ويفسد عليها أمرها والنفور منه ، و يعد الثواب والعقاب هو الأسلوب الذي يتفق مع الفطرة الإنسانية ، والذي ثبت صلاحيته في كل زمان ومكان .
و الجزاءات المترتبة على السلوكيات الأخلاقية تعد من أقوى الحوافز والدوافع القوية إلى الالتزام الدائم بالقيم الأخلاقية ، ذلك أنه بقدر ما يعرف الإنسان قيمة الشيء يلتزم به وبقدر ما يعرف العواقب الوخيمة لسلوكيات سيئة يتجنبها ، وهذا وذلك يدفعانه إلى مزيد من التضحية من أجل التمسك بالقيم في هذه الحياة .
و الإنسان بطبيعته يتصرف في كثير من الأحيان وفق الخوف و الطمع, فهو يفعل أمرا طمعا في شيء معين و لا يفعل أمر آخر خوفا من شيء معين ،و على سبيل المثال يعمل الإنسان طلبا للمال ويزيد في عمله ويجد طمعا في الحوافز والترقيات ولا يتأخر عن عمله خوفا من الجزاءات فهل هذا السلوك سلوك مذموم ؟ ،والطالب يذاكر طمعا في النجاح و خوفا من الرسوب فهل هذا السلوك سلوك مذموم ؟،والسائق يلتزم بإشارات المرور خوفا من الغرامة فهل هذا السلوك سلوك مذموم ؟
وقال البعض : ( القول بأن الأديان مصدر الأخلاق مسألة غير عملية لا تصمد أمام التجارب الحقيقية على أرض الواقع ) وهذا الكلام مخالف للحقائق إذ الدين موجود منذ أن وجدت البشرية ،ولا يوجد على الإطلاق في أي عصر من العصور ، و لا في أي أمة من الأمم مجتمع بلا دين ،و يمثل الاهتمام بالأخلاق قاسماً مشتركاً في جميع الأديان ،ولا توجد ديانة إلا وهي تدعو أتباعها إلى الالتزام بالقيم الأخلاقيّة على اختلاف في التفاصيل .
ولم تشهد أمة أو جماعة التزمت القيم الأخلاقية و تقيدت بضوابطها دون الاعتماد على وازع يقودها إلى ذلك ، و لا يوجد وازع ينجح في حمل الناس على هذا الالتزام إلا الوازع الديني الذي يجعل الإنسان يشعر الإنسان بمراقبة الله - سبحانه و تعالى - الدائمة و الشاملة له فالوازع الديني يعتبر أقوي إلزام للإنسان ،و هو خير ضمان لاستقامة الفرد في حياته وبغير الدين لا يهتم الإنسان بالأخلاق ولا يعيرها اهتماما.
وقال البعض : ( إن خصصنا الأديان كمصدر للأخلاق لوجود نصوص أخلاقية فعليه سنقول الأديان مصدر القتل لوجود تعاليم ترتبط بالقتل و أنها مصدر الحرب لوجود تعاليم ترتبط بالحرب ) وهذا الكلام تشويه للحقائق فالدين مصدر الأخلاق ؛ لأنه منهج حياة وضعه الله للبشر لسعادة الدارين ،و الدين عقيدة وعمل والدين عقيدة وعبادات ومعاملات وأخلاق، والكلام عن الأخلاق الدينية فرع عن الكلام عن الدين فإذا ثبت بالأدلة أن دين معين هو الدين الحق فلابد من الإيمان والانقياد والتسليم لكل ما جاء به هذا الدين من عقائد وعبادات ومعاملات و أخلاق ، و عزل القيم الأخلاقية عن الدين يؤدي إلى زوال حقيقتها فتصبح خاضعة إما للضمير المتقلب المتغير أو للعقل القاصر المتفاوت أو للمنفعة النسبية أو للمجتمع المتغير غير المثالي.
وقال البعض: ( لنفرض أن أمامنا عدة كتب (التوراة، الإنجيل، القرآن، ...) كل منها يزعم أنه الصحيح ويحتوي الأخلاق الصحيحة وفقط هو يمتلك هذه المعرفة. كيف سيكون بإمكاننا معرفة أي منها هو الصادق إذا لم نعرف أصلاً ما تعنيه الأخلاق؟ أي كيف يمكننا أن نقول أن كتاباً معيناً هو الصحيح من وجهة نظر أخلاقية إذا لم تكن لدينا فكرة مسبقة مستقلة عما يعنيه أن يكون حكماً ما أخلاقياً أو لا؟ بأي معيار أستطيع أن أقول أن كتاباً معيناً صادق بحكم أخلاقي ما (أو بكل أحكامه الأخلاقية) بدون أن أعرف ما تعنيه الأخلاق؟ بالتالي من هنا ضرورة أن تكون المعرفة الأخلاقية سابقة ومستقلة وذات أولية على الدين ما يؤدي إلى أن الكتب الدينية لا يمكنها أن تكون مصدراً للأخلاق ) ،وهذا الكلام سفسطة باطلة إذ الكلام عن الأخلاق الدينية فرع عن الكلام عن الدين فإذا ثبت بالأدلة أن دين معين هو الدين الحق فلابد من الإيمان والانقياد والتسليم لكل ما جاء به هذا الدين من عقائد وعبادات ومعاملات و أخلاق ، و صدق الدين يستلزم صدق التعاليم التي جاء بها والتي من ضمنها التعاليم الأخلاقية ،و صدق الدين يستلزم أن تكون تعاليمه مصدر للعقيدة ومصدر للعبادات ومصدر للمعاملات ومصدر للأخلاق.
والمعرفة الأخلاقية لا تستقل بنفسها في تأسيس الأخلاق بل تحتاج إلى الدين ،ولا يمكن أن نستغني بها عن الدين إذ القضية ليست مجرد معرفة الحسن والقبح للسلوك الأخلاقي فقط فما فائدة العلم بحسن الصدق مع عدم التحلي به ،وما فائدة العلم بقبح الكذب مع اقترافه وعليه فالمعرفة الأخلاقية لا تؤتي ثمرتها إذ لم يعمل بمقتضها ،وكي تؤتي المعرفة ثمارها لابد أن تكون ملزمة وهذا قدر زائد على المعرفة يتميز به الدين عن المعرفة إذ الأخلاق الدينية ملزمة ،والأخلاق الدينية يترتب عليها ثواب وعقاب أي مرتبطة بالجزاء وربط الأخلاق بالجزاء يزيد قيمة الأخلاق ،و الأخلاق من غير جزاء ومكافأة قليلة الفائدة وناقصة القيمة.
و الدين يعرفنا الأخلاق المحمودة و يلزمنا بها و يحث على فعلها و يبين ثواب الامتثال بالفعل و يكون عونا في إيقاظ دوافع السلوك الحميد في النفس البشرية ويعرفنا الدين أيضا الأخلاق المذمومة ويلزمنا بتركها ويحثنا على تركها و يبين عقاب عدم الامتثال بالترك ، و يكون عونا في إخماد دوافع السلوك المذموم في النفس البشرية .
ولم تشهد أمة أو جماعة التزمت القيم الأخلاقية و تقيدت بضوابطها دون الاعتماد على وازع يقودها إلى ذلك ، و لا يوجد وازع ينجح في حمل الناس على هذا الالتزام إلا الوازع الديني الذي يجعل الإنسان يشعر الإنسان بمراقبة الله - سبحانه و تعالى - الدائمة و الشاملة له فالوازع الديني يعتبر أقوي إلزام للإنسان ،و هو خير ضمان لاستقامة الفرد في حياته وبغير الدين لا يهتم الإنسان بالأخلاق ولا يعيرها اهتماما.
وقال البعض : ( الدين هو مصدر الأخلاق هي مقولة خاطئة لأنها تؤدي إلى تناقض ذاتي: لنفرض أن إنسان أ1 يتبع الأخلاق التي يمليها عليه دينه د1 وأما الإنسان أ2 فيتبع الأخلاق التي يمليها عليه دينه د2. في حال اختلاف الدينين فيما يطالبان به بخصوص حالة معينة (كضرورة أو عدم ضرورة رجم الزانية مثلاِ) فإن هذا يؤدي العمل ذاته سيكون أخلاقياً من منظور الدين الأول وغير أخلاقي من منظور الدين الثاني. أي أن الحكم الموضوعي على العمل نفسه لن يكون ممكناً إذا كان مرجعنا فيما يجب فعله أو الاستنكاف عن عمله هو فقط ما يسوغه دين معين أو غيره ) وهذا الكلام سفسطة فمن المشاهد أن أهل كل مجال معين قد يختلفون في الحكم على شيء معين لكن هذا لا ينفي مصدريتهم في الحكم على هذا الشيء ،وعلى سبيل المثال مريض يشتكي من أعراض مرضية لمرض معين يمكن أن يذهب لخمسة أطباء كل منهم يشخصه غير الآخر بل عكس الآخر هل يمكن أن ننفي مصدرية الأطباء في الحكم على المسائل الطبية بسبب هذا الاختلاف ؟ ،ومثال آخر مسألة قانونية تعرض على عشرة مستشارين كل منهم يحكم فيها غير الآخر بل عكس الآخر هل يمكن أن ننفي مصدرية المستشارين في الحكم على المسائل القانونية بسبب هذا الاختلاف ؟
هذا و الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات .
مراجع المقال :
أصول الدعوة للدكتور عبد الكريم زيدان
الإسلام بين الشرق والغرب للفيلسوف على عزت
التعريفات للجرجاني
بناء المجتمع الإسلامي للدكتور نبيل السمالوطي
دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف
علم الأخلاق الإسلامية لمقداد يالجن
موسوعة الأخلاق لخالد عثمان الخراز
Leave a comment:
-
الحاجة إلى الدين في تأسيس الأخلاق و الإلزام بها
إن القيم الأخلاقية لا معنى لها إذا لم تكن مطلقة وملزمة ، ولا تكون القيم الأخلاقية كذلك إلا إذا استمدت وجودها و إلزاميتها من مصدر متعالي ،وهذا المصدر المتعالي هو الدين ، وأمام الدين يصبح الإنسان أمام مرجعية عليا للأخلاق بحيث يستند إليها في تقرير صحة القواعد والمبادئ الأخلاقية من عدمها، و المبادئ التي جاء بها الدين في المجال الأخلاقي مبادئ ثابتة ومطلقة وغير قابلة للتغير والتبدل ، وعزل القيم الأخلاقية عن هذا المصدر المتعالي يؤدي إلى زوال حقيقتها فتصبح خاضعة إما للضمير المتقلب المتغير أو للعقل القاصر المتفاوت أو للمنفعة النسبية أو للمجتمع المتغير غير المثالي.
وبغير الدين لا يهتم الإنسان بالأخلاق ولا يعيرها اهتماما ،و لم تشهد أمة أو جماعة التزمت القيم الأخلاقية و تقيدت بضوابطها دون الاعتماد على وازع يقودها إلى ذلك ، و لا يوجد وازع ينجح في حمل الناس على هذا الالتزام إلا الوازع الديني الذي يجعل الإنسان يشعر الإنسان بمراقبة الله - سبحانه و تعالى - الدائمة و الشاملة له فالوازع الديني يعتبر أقوي إلزام للإنسان ،و هو خير ضمان لاستقامة الفرد في حياته .
و إن حضور الدين في مشاعر الحب والخوف والرضا والغضب والرغبة والكره تنمي في شخصية الإنسان مقاومة الانحراف و الشر ، بينما خلو المشاعر من التدين يؤدي إلى سهولة انحراف الإنسان ، والذي يستشعر أن الله سبحانه هو الحسيب والرقيب يكون من أبعد الناس عن الغش والكذب والظلم ،والذي لا يؤمن بإله خالق حسيب ورقيب يكون من أقرب الناس إلى الغش والكذب والظلم ،و يقول البعض : إذا لم يكن إله ولا دين فليس غريبا ولا مجافيـا للواقع أن تعيث في الأرض فسادا ولو على حساب الآباء والأبناء ،ويقول آخرون : إذا لم يكن لك دين فلا مانع أن تخونك زوجتك ويسرقك خادمك .
و في المجتمعات غير الملتزمة بالدين يمكن أن يقدم الناس على ارتكاب جميع أنواع الأعمال المنافية للأخلاق لكن الشخص المتدين حق التدين لا يمكن أن يفعل الأعمال المنافية للأخلاق مثلا لا يقبل أن يتعامل بالرشوة أو القمار أو أن يحسد أحدا، أو أن يكذب لأنه يعلم أن عليه مراقبة أعماله وتذكر الحساب بعد الموت أما ّالشخص غير المتدين فلا يمنعه شيء عن ارتكاب هذه الأعمال .
و ليس كافيا أن يقول الشخص غير المتدين : أنا لا أؤمن بالله ولكنني لا آخذ رشوة أو أن يقول : أنا لا أؤمن بالله و لكنني لا أقامر أو أن يقول : أنا لا أؤمن بالله ولكنني لا أسرق أو أن يقول : أنا لا أؤمن بالله و لكنني لا أزني و السبب أنّ الإنسان الملحد الذي لا يخشى الله ولا يستشعر رقابته، ولا يخاف الحساب بعد الموت قد يرتكب أي فعل من هذه الأفعال عند تغير المواقف أو الأوضاع من حوله .
وإذا قال شخص ما : أنا ملحد ولكنني لا أزني فالشخص نفسه قد يرتكب الزنا في مكان يعتبر فيه الزنا أمرا عاديا. وممكن للشخص الذي لا يأخذ رشوة أن يقول : إني أحتاج المال فعلي أن أقبل الرشوة هذا إذا لم يكن في قلبه خوف من الله تعالى.
وفي حالة غياب الدين ، فإن السرقة نفسها يمكن أن تصبح أمرا مشروعا تحت ظروف معينة فالإنسان الذين لا دين له يمكن ألا يعتبر - حسب رأيه - أن أخذ المناشف وأدوات الزينة من الفنادق سرقة.
و من ناحية أخرى فإن الشخص المتدين لا يظهر مثل هذا العمل ؛ لأنه يخشى الله ويعلم أن الله يعلم سره وعلانيته، فالمؤمن يعمل بإخلاص ويتجنب المعاصي، ويمكن لملحد أن يقول : أنا ملحد ولكنني أتسامح مع الناس، فأنا لا أشعر برغبة في الانتقام ولا أكره أحدا ، ولكن في يوم ما يمكن أن يحدث شيء ما يجعله يظهر تصرفا غير متوقع منه، كأن يحاول قتل شخص ما أو إيذائه لأن الأخلاق التي لديه تتغير بحسب البيئة والظروف التي يوجد فيها ،وانعدام الوازع الديني عند الملحد يجعله كلما تحركت في نفسه شهوة أو نزوة سارع إلى قضائها .
أما الإنسان المؤمن بالله واليوم الآخر حق الإيمان فلا يحيد أبدا عن الأخلاق الفاضلة مهما كانت المؤثرات ، فأخلاقه غير متقلبة ،و الوازع الديني عنده ومراقبة الله والخوف من ارتكاب الإثم يجعله يتجنب الوقوع في رذائل الأخلاق .
Leave a comment:
-
أهمية وجود قيم أخلاقية مطلقة و ثابتة
إن وجود قيم أخلاقية مطلقة و ثابتة يجعل من السهل الحكم على بعض السلوكيات بالخير أو الشر ، بالخطأ أو الصواب ،بالحسن أو القبح لوجود مبادئ أخلاقية مطلقة و ثابتة يمكن أن نحتكم إليها و نستند في حكمنا على السلوكيات عليها .
و في وجود قيم أخلاقية مطلقة و ثابتة يسهل التمييز بين السلوك المحمود والسلوك المذموم ،و يسهل التمييز بين السلوك الحسن و السلوك القبيح لوجود معايير أخلاقية مطلقة و ثابتة يمكن أن تدلنا على السلوك الحسن والسلوك القبيح .
و في وجود قيم أخلاقية مطلقة و ثابتة يسهل التحفيز على فعل السلوك المحمود و التنفير من فعل السلوك المذموم ،و يسهل الالتزام بالقيم الأخلاقية .
و في وجود قيم أخلاقية مطلقة و ثابتة يميز الإنسان بين السلوك الحسن و السلوك القبيح ، و يبحث عن أفضل العلاقات وأحسنها في معاشرة الناس ،و بذلك يتميز سلوك الإنسان عن سلوك البهائم و يحافظ الإنسان على إنسانيته التي يترتفع بها عن الحيوان .
أهمية الالتزام بالقيم الأخلاقية
إن الالتزام بالقيم الأخلاقية ذو أهمية بالغة إذ مع الالتزام بالقيم الأخلاقية يكثر الخير والصلاح والصالحون، ويقل الشر والفساد و المفسدون .
و في وجود قيم أخلاقية مطلقة و ثابتة يتحلي أفراد المجتمع بها و يلتزمون بها تجد الفرد والمجتمع يعيشون في سعادة إذ الكل يفعل الخير ويجتنب الشر فتنتشر الفضيلة وتختفي الرذيلة و العيش في ظل الفضيلة يبعث السعادة والبهجة .
و في وجود قيم أخلاقية مطلقة و ثابتة يتحلي أفراد المجتمع بها و يلتزمون بها تجد الفرد والمجتمع يعيشون في طمأنينة و أمان و سلام إذ الكل يفعل الخير ويتوقعه ممن حوله .
و في وجود قيم أخلاقية مطلقة و ثابتة يتحلي أفراد المجتمع بها و يلتزمون بها يتخلص المجتمع من ظاهرة القلق والاضطرابات التي تسوده لانتشار الخير و الثقة المتبادلة والألفة والمحبة بين الناس .
أهمية الإلزام بالقيم الأخلاقية
القيم الأخلاقية لا معنى لها إذا لم تكن ملزمة ،و لا أخلاق بدون إلزام إذ بدون الإلزام لا يهتم الإنسان بالأخلاق ولا يعيرها اهتماما و بانعدام الإلزام تنعدم المسؤولية الأخلاقية ، وإذا انعدمت المسؤولية الأخلاقية التي تلزم الإنسان بالعمل الخلقي ،ولا يوجد ما يحمله على الالتزام ضاعت الأخلاق فكل شخص يفعل ما يحلو له .
مصدر الإلزام الأخلاقي في غياب الدين
إذا كانت الأخلاق لا معنى لها دون إلزام فما مصدر الإلزام الأخلاقي في غياب الدين هل هو الضمير أم العقل أم المجتمع أم المنفعة أم القانون ؟
و إن قيل مصدر الإلزام الضمير فالجواب لا يكفي وازع الضمير الإنساني وحده لحمل الإنسان على التحلي بالفضائل فمن الناس من يتميز بضعف الضمير وكثيرا ما تتغلب العواطف والانفعالات والعادات والتقاليد والمواقف الخاصة والمصالح الشخصية في ضمائر الناس وأحكامهم ، وقد يخطئ الضمير بسبب العديد من المؤثرات ، وقد ينحرف بسبب العديد من المؤثرات الخارجية فيرى المنكر معروفا والمعروف منكرا والضمير ليس ملكة معصومة من الخطأ بل يحتاج إلى من يرشده .
و الضمير يختلف في البيئة الواحدة وفي الجماعة الواحدة فما يمليه ضمير شخص قد لا يمليه ضمير شخص آخر ،و كما قيل : الناس في كل العصور، وفي جميع الأقطار، يستشيرون ضمائرهم، ولكنها لا تسمعهم جميعاً لحناً واحداً إذ أن ما يظهر عدلاً وخيراً لبعض النفوس المخلصة في عصر خاص، لا يظهر عدلاً ولا خيراً لنفوس أخرى، هي أيضا مخلصة، ولكنها عاشت في عصر آخر أو مكان آخر .
و إن قيل مصدر الإلزام الأخلاقي العقل فالجواب لا يكفي وازع العقل وحده لحمل الإنسان على التحلي بالفضائل فالعقول قاصرة لا تهدي أصاحبها في جميع الأحوال و أحكام العقول متناقضة ، وما يحكم عليه شخص بأنه خير له يحكم عليه آخر بأنه شر له ،والأخلاق عقليًا من منظور مادي غير مربحة بل ضارة بل هي أكبر عبء على صاحبها .
وقد يخطئ العقل بسبب العديد من المؤثرات ، وقد ينحرف بسبب العديد من المؤثرات الخارجية فيرى المنكر معروفا والمعروف منكرا ، وقد يصاب عند بعض الناس بعلة من العلل المرضية، فيعشى أو يعمى أو تختل عنده الرؤية، فيصدر أحكاماً فاسدة ،والعقل ليس ملكة معصومة من الخطأ بل يحتاج إلى من يرشده .
و إن قيل مصدر الأخلاق و الإلزام الأخلاقي هو المجتمع الذي يعيش فيه الفرد فالجواب لا يمكن أن يكون المجتمع مصدرا للأخلاق ولا مصدرا للإلزام الأخلاقي إلا إذا اعتبرنا المجتمع مجتمعا مثاليا أضف إلى ذلك أن ليس كل فرد مندمجا في المجتمع فالقيم الأخلاقية تتباين داخل المجتمع الواحد ،و لك أن ترجع إلى التاريخ لترى أن بعض الأفراد من أنبياء ورسل ومصلحين كانوا مصدرا لقيم أخلاقية ساعدت المجتمعات على النهوض والتقدم .
و أعراف الناس متغيرة وغير ثابتة إذ تختلف الأعراف باختلاف الزمان والمكان فما كان مألوفا متعارفا عليه في زمان أو مكان قد يكون منكرا ومستهجنا في زمان آخر أو مكان آخر ، والأخلاق تتمتع بالمطلقية والثبات في كل زمان ومكان .
و اعتبار المجتمع مصدر الأخلاق و الإلزام الأخلاقي يجعل الأخلاق خاضعة إلى ما تواضع عليه الناس في المجتمع ، وبدلا من أن تُحدث القيم الأخلاقية تحولات في الواقع والمجتمع تصبح الأخلاق مجرّد انعكاس لهذا الواقع وتبريراً له وبالتالي تفقد الأخلاق مطلقيتها و إلزامها و ماذا لو تواضع الناس على جواز الزنا و جواز اللواط وجواز زنا المحارم هل يلتزم الفرد بمثل هذه السلوكيات الفاسدة أم يخالف مجتمعه ؟.
و إن قيل مصدر الأخلاق و الإلزام الأخلاقي هو المنفعة فالجواب الأخلاق التي تبنى على المنفعة هي الأخلاق النفعية ،و الأخلاق النفعية لا تحمل من الأخلاق إلا اسمها ،واعتبار المنفعة مقياسا للأخلاق يجعل الأخلاق نسبية ومتغيرة ، فيصبح السلوك الواحد خيرا وشرا في آن واحد ، خيرا عند الذي حقق له منفعة ، وشرا عند الذي لم يتحقق له منفعة وبالتالي لا يوجد خلق حميد و لا خلق رزيل وهذا مخالف للواقع بدليل وجود قيم أخلاقية تحتفظ بقدر من التوافق العام والتصور المشترك كالعدالة و الفضيلة والكرم.
و اعتبار المنفعة مقياسا للأخلاق يلغي الأخلاق ؛ لأن المبدأ الذي تستند إليه الأخلاق وتحتكم إليه مفقود فالمنافع متعارضة ، وما ينفعني قد لا ينفع غيري مما يؤدي لحدوث التنازع و اصطدام مصالح الناس بعضها ببعض وعموم الفوضى .
و ربط الأخلاق بالمنفعة يحط من قيمة الأخلاق ؛ لأنه ينزلها إلى مستوى الغرائز ،والغرائز موجودة في الإنسان و الحيوان معا فيصبح سلوك الإنسان لا يتميز عن سلوك الحيوان .
و إن قيل مصدر الإلزام الأخلاقي هو القانون فالجواب لا يكفي القانون وحده وازعا لحمل الناس على التحلي بالأخلاق إذ يمكن التحايل عليه ويستطيع الإنسان الإفلات منه و تجاوزه والهروب من العقوبة ،و سلطان القانون على الظاهر لا على الباطن والقانون قد يعاقب المسيء لكنه لا يكافئ المحسن ، و إذا كانت القوانين عاجزةً عن أن تزجر الإنسان عن الشر والفساد بدليل كثرة الشر والفساد ، فهي أشدُّ عجزاً من أن تدفع الإنسان إلى الخير والإصلاح.
ومن هنا لا يكفي كل من الضمير و العقل و المجتمع و المنفعة و القانون لأن يكون أحدهم مصدرا للإلزام الأخلاقي ، و الاكتفاء بوضع باعث واحد للالتزام أدعى إلى عدم الالتزام .
و لو جعلنا طرق الإلزام كل هذه الطرق دون الإلزام بوازع الدين فهذا لا يصح أيضا ؛ لأن الضمير متفاوت متغير و العقول قاصرة متفاوتة في إدراك ما ينفعها و المنفعة نسبية فما ينفعني قد لا ينفع غيري و المجتمع متغير و ما هو سائد في هذا المجتمع قد لا يكون سائدا في مجتمعي ،والقانون سلطانه على الظاهر دون الباطن فلابد من مصدر متعالي يهيمن على كل هذه المصادر و يرشدها ويوجهها ويقومها إذا إعوجت.
Leave a comment:
-
الأخلاق قيمة مطلقة ثابتة
الأخلاق قيمة مطلقة ثابتة لا يعتريها التبديل من عصر لعصر ولا من بلد لبلد ولا من شخص لشخص شأنها شأن الأفلاك والمدارات التي تتحرك فيها الكواكب لا تتغير بتغير الزمان .
و رغم أن العديد من الناس لديهم ممارسات أخلاقية مختلفة، إلا أنهم يتشاركون في مبادئ أخلاقية عامة مثلا، يتفق مناصري الإجهاض ومعارضيه أن القتل أمر خاطئ، و لكنهم يختلفون حول ما إذا كان الإجهاض يعتبر قتلاً أم لا. لهذا، حتى في هذه الحالة تثبت حقيقة وجود الأخلاقيات العامة المطلقة ، و لا يوجد مجتمع بكامله يمكن أن يرى أن زنا المحارم مسألة عادية و ليس أمرا مشينا ، نعم قد يوجد بعض الأفراد الشواذ الذي يرون أن زنا المحارم مسألة عادية فالعيب في هؤلاء الأفراد الشاذين وليس في المجتمع .
و يوجد قيم أخلاقية تحتفظ بقدر من التوافق العام والتصور المشترك على أنها خير عند جميع الأمم كالعدالة و الأمانة والكرم ،ويوجد قيم أخلاقية تحتفظ بقدر من التوافق العام والتصور المشترك على أنها شر عند جميع الأمم كالكذب و الخيانة .
وتجد جميع الأمم والشعوب في كل الأزمان و كل الأماكن تحب الخير وتمدحه و تكره الشر وتذمه ،و تحب الفضيلة و تكره الرذيلة وتحب الصدق وتمدحه و تكره الكذب وتذمه ،وتحب الأمانة وتمدحها وتكره الخيانة وتذمها ،وتحب الشجاعة وتمدحها وتكره الجبن وتذمه ،و تحب الكرم وتمدحه و تكره البخل وتذمه ،وتحب الاحترام وتمدحه وتكره الاحتقار وتذمه ،وتحب العدل وتمدحه وتكره الظلم وتذمه ،ولا معنى للمدح والذم ،ولا معنى لحب الخير و كره الشر إذ لم تكن الأخلاق مطلقة .
وتجد جميع الأمم والشعوب تشيد أو تكافئ على فعل بعض السلوكيات الحسنة كالشجاعة والوفاء والإخلاص ، وتجرم أو تندد أو تعاقب على فعل بعض السلوكيات السيئة كالسباب و الفساد والقتل والغش ،ولا معنى للثواب والعقاب إذ لم تكن الأخلاق مطلقة ،ولا معنى للمكافأة و المعاقبة و التجريم في غياب الأخلاق المطلقة .
و لا توجد أمة من الأمم في أي وقت و أي زمان تجعل السرقة عملا بطوليا و لا توجد أمة من الأمم في أي وقت و أي زمان تمتدح الكذب و لا توجد أمة من الأمم في أي وقت و أي زمان تعظم الخيانة .
و إذا كان الواحد منا يرى بعض السلوكيات فيرفضها ،ويقول أنها منافية للأخلاق كقتل الرجل لأبيه أو سب الرجل لشخص فهذا دليل على مطلقية الأخلاق و من خلال مطلقيتها حكمنا على بعض السلوك أنه منافي للأخلاق .
Leave a comment:
-
الملحد و تشكيكه في مصدرية الدين للأخلاق
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى أصحابه الغر الميامين ، و على من أتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد :
فقد انتشر في عصرنا مرض الإلحاد ، وهو أحد الأمراض الفكرية الفتاكة إذ يفتك بالإيمان و يعمي الحواس عن أدلة وجود الخالق الرحمن ،و تجد المريض يجادل في البديهيات و يجمع بين النقيضين ويفرق بين المتماثلين ،ويجعل من الظن علما و من العلم جهلا و من الحق باطلا و من الباطل حقا .
ومن عوامل انتشار هذا المرض الجهل بالدين و ضعف العقيدة واليقين والاسترسال في الوساوس الكفرية والسماع والقراءة لشبهات أهل الإلحاد دون أن يكون لدى الإنسان علم شرعي مؤصل .
وشبهات أهل الإلحاد ما هي إلا أقوال بلا دليل وادعاءات بلا مستند ،ورغم ضعفها و بطلانها إلا أنها قد تؤثر في بعض المسلمين لقلة العلم وازدياد الجهل بالدين ولذلك كان لابد من كشف شبهات ومغالطات ودعاوي أهل الإلحاد شبهة تلو الأخرى و مغالطة تلو المغالطة ودعوى تلو الدعوى حتى لا ينخدع أحد بكلامهم وشبههم .
و في هذا المقال سنتناول إن شاء الله وقدر تشكيك الملاحدة و اللادينين في مصدرية الدين للأخلاق بالعرض والنقد ،وقبل بيان دعاويهم والرد عليها لابد من معرفة مفهوم الأخلاق ومفهوم الدين
مفهوم الأخلاق
الأخلاق مفرد كلمة خلق ،و الخلق عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كان الصادر عنها الأفعال الحسنة كانت الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة سمّيت الهيئة التي هي مصدر ذلك خلقا سيئا، وإنما قلنا إنه هيئة راسخة لأن من يصدر منه بذل المال على الندور بحالة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه[1] .
والذي يفصلُ الأخلاق وُيميِّزُهَا عن غيرها هي الآثار القَابلة للمدح أو الذَّم، وبذلك يتميز الخُلُق الحسن عن الغريزة فالأكل مثلا غريزة، والإنسان عند الجوع يأكلُ بدافع الغريزة وليس مما يمدح به أو يذم. لكن لو أنَّ إنسانَا أكلَ زائدًا عن حاجته الغريزية، صارَ فعله مذمومًا، لأنه أثر لخلق في النفس مذموم، وهو الطمع، وعكس ذلك أثر لخلق في النفس محمود، وهو القناعة. كذلك فإن مسألة حبّ البقاء ليست محلًا للمدح أو الذم في باب السلوك الأخلاقي، لكن الخوف الزائد عن حاجات هذه الغريزة أثر لخلق في النفس مذموم، وهو الجبن، أما الإقدامُ الذي لا يصلُ إلى حد التهور، فهو أثر لخلق في النفس محمود، وهو الشجاعة .
وهكذا سائرُ الغرائزِ والدوافع النفسية التي لا تدخلُ في باب الأخلاق، إنَّما يميزها عن الأخلاق كون آثارها في السلوك أمورًا طبيعية ليست مما تُحمد إرادة الإنسان عليه أو تذم [2].
مفهوم الدين
الدين له عدة تعريفات منها الشرع الإلهي المتلقَّى عن طريق الوحي[3]،ومن تعريفات الدين وضع إلهي سائق لذوي العقول - باختيارهم إياه - إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل[4]،ومن تعريفات الدين كل ما يتخذه الناس ويتعبدون له سواء كان صحيحاً، أو باطلاً [5].
الشبه التي لجأ إليها الملاحدة لتشكيك في مصدرية الدين للأخلاق
لجأ الملاحدة للعديد من الشبه للتشكيك في مصدرية الدين للأخلاق فقالوا : وجدت الأخلاق قبل الدين ،و اخترع الدين لتنظيم المسيرة الأخلاقية فالأخلاق مستمدة من احتياجات الإنسان و اهتماماته بل الإنسان إذا وجد بعض القيم الخلقية في الدين فإنها مأخوذة من المجتمع الذي ظهر به هذا الدين .
وقال آخرون : وجود بعض الأخلاق في بلاد لا تدين بدين سماوي ،ووجود بعض الأخلاق في بلاد يكثر فيها الإلحاد ،و انتشار الفساد في البلاد الإسلامية الأخلاق أي يوجد من هو متدين وليس لديه أخلاق ، بينما يوجد من هو لا ديني ولديه أخلاق ،وهذا دليل على عدم مصدرية الدين للأخلاق .
واحتج بعضهم : أن الدين ثابت و أخلاقيات بعض المنتسبين إلي الدين تتغير مع الوقت .
و قال البعض : ليس من الأخلاق قطع يد السارق و رجم الزاني ،وكيف يكون الدين مصدرا للأخلاق و يشترط شهادة أربعة رجالا لتطبيق حد الزنا فلو فعلها الشخص دون علم لأحد أو أمام سيدات لا بأس بذلك ؟ .
و قال البعض : ليس الدين مصدر الأخلاق إذ كيف يضبط السلوك الاجتماعي عن طريق التهديد بالعذاب الأبدي بواسطة كائن فوق الطبيعة ؟ و عدم التخلق بالخلق السيئ خوفا من النار كأنه تقديم رشوة للرب ،و أسلوب الترغيب في الأخلاق الحسنة بدخول الجنة والترهيب من الأخلاق السيئة بدخول النار ليس من الأخلاق في شيء .
وقال البعض : لا يحق لأي دين أن يفرض رؤيته للفضيلة الأخلاقية و الإثم و السلوك الجنسي و الزواج و الطلاق و التحكم في النسل أو الإجهاض أو أن تسن القوانين بحسب تلك الرؤية على بقية المجتمع ،والمبادئ الأخلاقية من الممكن أن تكتشف في سياق التشاور الأخلاقي و الديموقراطية .
وقال البعض : العقل و الإنسانية كفيلان بجعل الإنسان يتخلق بالخلق الحسن ،ومن طبائع الإنسانية و دون حاجة لتوجيه ديني مباشر أو غير مباشر مسائل مثل تجريم القتل و السرقة و الخيانة المالية و الزوجية و العلاقات الممنوعة بين المحارم ، والأخلاق موجودة في الضمير الإنساني ،والحاجة للدين كي يبين أن ممارسة جنس المحارم و قتل الإنسان هو شيء خاطئ يصور الإنسان كأنه كائن لا أخلاقي وحوش ، وإذا كان هذا الوحش موجوداً داخل أي إنسان فلن ينفع لا الدين ولا القوانين بالقضاء عليه.
وقال البعض : الافتراض بأنّ الخوف والطمع يدفعان الإنسان لعمل الخير أو اجتناب الشرّ يصور الإنسان كأنه شرّيرٌ بالفطرة لذلك لا بدّ من ترويضه بالقوة كالحيوان المتوحّش .
وقال البعض : القول بأن الأديان مصدر الأخلاق مسألة غير عملية لا تصمد أمام التجارب الحقيقية على أرض الواقع
وقال البعض : إن خصصنا الأديان كمصدر للأخلاق لوجود نصوص أخلاقية فعليه سنقول الأديان مصدر القتل لوجود تعاليم ترتبط بالقتل و أنها مصدر الحرب لوجود تعاليم ترتبط بالحرب .
وقال البعض : لنفرض أن أمامنا عدة كتب (التوراة، الإنجيل، القرآن، ...) كل منها يزعم أنه الصحيح ويحتوي الأخلاق الصحيحة وفقط هو يمتلك هذه المعرفة. كيف سيكون بإمكاننا معرفة أي منها هو الصادق إذا لم نعرف أصلاً ما تعنيه الأخلاق ؟ أي كيف يمكننا أن نقول أن كتاباً معيناً هو الصحيح من وجهة نظر أخلاقية إذا لم تكن لدينا فكرة مسبقة مستقلة عما يعنيه أن يكون حكماً ما أخلاقياً أو لا؟ بأي معيار أستطيع أن أقول أن كتاباً معيناً صادق بحكم أخلاقي ما (أو بكل أحكامه الأخلاقية) بدون أن أعرف ما تعنيه الأخلاق؟ بالتالي من هنا ضرورة أن تكون المعرفة الأخلاقية سابقة ومستقلة وذات أولية على الدين ما يؤدي إلى أن الكتب الدينية لا يمكنها أن تكون مصدراً للأخلاق .
وقال البعض : الدين هو مصدر الأخلاق هي مقولة خاطئة لأنها تؤدي إلى تناقض ذاتي: لنفرض أن إنسان أ1 يتبع الأخلاق التي يمليها عليه دينه د1 وأما الإنسان أ2 فيتبع الأخلاق التي يمليها عليه دينه د2. في حال اختلاف الدينين فيما يطالبان به بخصوص حالة معينة (كضرورة أو عدم ضرورة رجم الزانية مثلاِ) فإن هذا يؤدي العمل ذاته سيكون أخلاقياً من منظور الدين الأول وغير أخلاقي من منظور الدين الثاني. أي أن الحكم الموضوعي على العمل نفسه لن يكون ممكناً إذا كان مرجعنا فيما يجب فعله أو الاستنكاف عن عمله هو فقط ما يسوغه دين معين أو غيره .
[1] - التعريفات للجرجاني ص 104
[2] - موسوعة الأخلاق لخالد عثمان الخراز ص 22-23
[3] - دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف ص 9
[4] - دائرة المعارف للبستاني مادة (دين).
[5] - دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف ص 10
Leave a comment:
-
نظرات في كلام بعض الملاحدة
يقول بعضهم : ( من المستحيل أن تعمم الأخلاق على جميع البشر .. نعم قد يتفق مجموعة من الأشخاص على مفاهيم أخلاقية معينة ولكن هذا لا يعني أن التعميم في الأخلاق مستساغ من قبل جميع الناس ؛ لأنه بكل بساطة عادات الناس وطبائعهم مختلفة بعضها عن بعض ) ،وهذا الكلام باطل إذ المستحيل خلافه فمن المستحيل ألا تعمم الأخلاق على جميع البشر ،ويوجد الكثير من الأخلاق المطلقة التي لا تتغير من أمة لأمة و لا من زمن لزمن كفضيلة الصدق و الوفاء والعدل و الأمانة فكل الأمم تحب مثل هذه الأخلاق و تستحسنها و يوجد خلق أخرى تستقبحها و تكرهها جميع الأمم كالغدر والخيانة و الكذب .
والاستدلال بتغير عادات الناس وطبائعهم استدلال في غير محل النزاع فليست العادات والطباع من قبيل الأخلاق فالعادات من اسمها أمور تعود الناس على عملها أو القيام بها أو الاتصاف بها ، وتكرَّرَ عملها حتى أصبحت شيئاً مألوفاً ، وهي نمطٌ من السلوك أو التصرُّف يُعتادُ حتى يُفعل تكراراً ، ولا يجد المرء غرابة في هذه الأشياء لرؤيته لها مرات متعددة في مجتمعه وفي البيئة التي يعيش فيها ،وما يكون معهودا في مجتمعه وبيئته قد لا يكون معهودا في مجتمع آخر .
والطباع مفرد طبع و هو كل ما كان في أصل خِلقة الإنسان، وجُبِلَ عليه أي ثابت الأخلاق التي جبلت النفوس عليها فالطبع مجموعة من السمات الداخلية في الإنسان تؤثر في سلوكه ومن الناس من جبل على الخلق الحسن فيتخلق به ومنهم من جبل على الخلق الرذيل فيتخلق به ، وطباع الإنسان الْخُلُقيِّة يمكن تغييرها بالتهذيب والتربية ،ونحن لا نتكلم عن طباع خلقية يمكن تغييرها بل نتكلم عن استحسان الخلق الحميد و استقباح الخلق الرذيل نتكلم عن وجود أخلاق يمدح صاحبها و أخلاق أخرى يذم صاحبها نتكلم عن أخلاق يحبها جميع الناس و أخلاق أخرى يكرهها جميع الناس .
ويقول بعضهم : ( كل الأخلاق أخلاق نسبية قد تكون صحيحة هنا و خطأ هناك ) ،و هذا الكلام باطل إذ من الأخلاق ما يكون خيرا و يمدح فاعله بإطلاق كالصدق والعدل والكرم والأمانة ومن الأخلاق ما يكون شرا ويذم فاعله كالكذب والخيانة والإفساد في الأرض فيوجد أخلاق محمودة عند جميع الناس و أخلاق مذمومة عند جميع الناس .
و يقول بعضهم : ( الأخلاق مبنية على المنفعة ،ومنفعة الإنسان هي بالطبع السعادة أو البعد عن الألم علي أقل تقدير. و لهذه السعادة متطلبات تختلف من مجتمع لأخر بناءا علي اختلاف الاحتياجات و الخبرات و الثقافات و بالتالي تصبح الأخلاق علي إطلاقها نسبية ) و الأخلاق التي تبنى على المنفعة هي الأخلاق النفعية و الأخلاق النفعية خارجة عن محل النزاع إذ هذه الأخلاق لا تحمل من الأخلاق إلا اسمها ،واعتبار المنفعة مقياسا للأخلاق يجعل الأخلاق نسبية ومتغيرة ، فيصبح السلوك الواحد خيرا وشرا في آن واحد ، خيرا عند الذي حقق له منفعة ، وشرا عند الذي لم يتحقق له منفعة وبالتالي لا يوجد خلق حميد و لا خلق رذيل وهذا مخالف للواقع بدليل وجود قيم أخلاقية تحتفظ بقدر من التوافق العام والتصور المشترك كالعدالة و الفضيلة والكرم.
و اعتبار المنفعة مقياسا للأخلاق يلغي الأخلاق ؛ لأن المبدأ الذي تستند إليه الأخلاق وتحتكم إليه مفقود فالمنافع متعارضة ، وما ينفعني قد لا ينفع غيري مما يؤدي لحدوث التنازع و اصطدام مصالح الناس بعضها ببعض وعموم الفوضى .
و ربط الأخلاق بالمنفعة يحط من قيمة الأخلاق ؛ لأنه ينزلها إلى مستوى الغرائز ،والغرائز موجودة في الإنسان و الحيوان معا فيصبح سلوك الإنسان لا يتميز عن سلوك الحيوان .
ويقول بعضهم: ( لما كان لكل ثقافة معاييرها الخاصة بها فإن المرغوب فيه يختلف تبعا لذلك من ثقافة إلى ثقافة، ومن ثم تختلف القيم من ثقافة إلى ثقافة ) ،و الجواب أن الثقافة هي الإطار الأساسي والوسط الذي تنمو فيه الشخصية وتترعرع، فهي التي تؤثر في أفكاره ومعتقداته ومعلوماته ومهاراته، وخبراته ودوافعه، وطرق تعبيره عن انفعالاته ورغباته، كما تحدد له القيم والمعايير التي يسترشد بها وتفرض عليه التقاليد التي يتمسك بها .
ويمكن أن نعرف الثقافة بأنها الطريقة التي يفكر بها الناس في مجتمع ما، ويعملون بها، وتقوم عليها نظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية, والطريقة التي يتحدثون بها, ويسيرون بها في الشوارع، ويقودون بها السيارات، ويتعاملون بها مع بعضهم البعض داخليا، ومع الآخرين خارجيا، وعاداتهم وتقاليدهم.. إلخ .
و يمكن أن نعرف الثقافة بأنها مجموعة الأعراف والطرق والنظم والتقاليد التي تميز جماعة أو أمة أو سلالة عرقية عن غيرها .
ولكل أمة ثقافة و أسلوب للحياة و طريقة للتعايش الناس بعضهم مع بعض تتسق مع عقيدتها ،والذي يتغير تبعا للثقافة هو عادات الناس وتقاليدهم فهذه عرضة للتغيير والتبديل أما الأخلاق فلا تتغير بتغير الثقافة بدليل وجود قيم أخلاقية تحتفظ بقدر من التوافق العام والتصور المشترك على أنها خير عند جميع الأمم كالعدالة و الأمانة والكرم ،ويوجد قيم أخلاقية تحتفظ بقدر من التوافق العام والتصور المشترك على أنها شر عند جميع الأمم كالكذب و الخيانة ،والشر محبب عند جميع الأمم والثقافات و الشر مذموم عند جميع الأمم والثقافات و الصدق والعدل والكرم والأمانة والشجاعة أخلاق محمودة عند جميع الأمم والثقافات والكذب والغش والخيانة أخلاق مذمومة عند جميع الأمم والثقافات.
ويقول بعضهم: ( المبادئ الأخلاقية نسبية ومتغيرة ومتطورة؛ لأنها ترتبط بعجلة التطور الاجتماعي، وتخضع لتأثير العوامل الاقتصادية والدينية والثقافية والتاريخية، وهذه كلها متطورة ومتغيرة من عصر إلى عصر، وعليه تتطور الأخلاق بتطور هذه المؤثرات ) والجواب أن الذي يتغير هو أعراف الناس وتقاليدهم وعاداتهم لكن الأخلاق تتمتع بالثبات فكل العصور و كل الأمم عندها الصدق فضيلة والكذب رذيلة ،و كل العصور و كل الأمم عندها الأمانة خير و الخيانة شر ،و كل العصور و كل الأمم عندها الكرم محمود و البخل مذموم.
هذا و الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات
مراجع المقال :
التعريفات للجرجاني
الثقافة والشخصية لسامية الساعاتي
كواشف زيوف الشيخ عبد الرحمن الميداني
علم الأخلاق الإسلامية لمقداد يالجن
مناهج التربية أسسها وتطبيقاتها لعلى أحمد مدكور
موسوعة الأخلاق لخالد عثمان الخراز
Leave a comment:
-
الناس أنفسهم يعملون بخلاف القول بنسبية الأخلاق
الناس أنفسهم يعملون بخلاف القول بنسبية الأخلاق فتجد الواحد من الناس يحكم على بعض السلوكيات أنها منافية للأخلاق مثل زنا المحارم و السباب و الفساد في الأرض مما يدل على وجود قيم أخلاقية مطلقة ،ومن خلال مطلقيتها حكم الشخص على بعض السلوكيات أنها منافية للأخلاق .
والواحد من الناس يحكم على بعض سلوكيات الأفراد أنها حميدة مثل الشجاعة والشهامة والكرم مما يدل على وجود قيم أخلاقية مطلقة ،ومن خلال مطلقيتها حكم الشخص على بعض السلوكيات أنها حميدة .
وهناك سلوكيات كالبخل و الجشع و السباب يذمها جميع الناس إلا النذر اليسير مما يدل على وجود قيم أخلاقية مطلقة ،ومن خلال مطلقيتها حكم الشخص على بعض السلوكيات أنها مذمومة .
و الناس تمدح الشخص ذي الأخلاق الحسنة وتذم الشخص ذي الأخلاق السيئة ،ولو كانت الأخلاق نسبية لما كان للمدح أو الذم معنى .
وأي دولة من الدول تجرم بعض السلوكيات من الأفراد ،وتعاقب على فعل بعض السلوكيات و أي مجتمع من المجتمعات يجرم بعض السلوكيات من الأفراد ، ويعاقب على فعل بعض السلوكيات مثل الخيانة والاعتداء والفساد ولو كانت الأخلاق نسبية لما كان للتجريم أو العقاب معنى .
بعض ملامح المجتمع الذي يسود فيه اعتقاد نسبية الأخلاق
المجتمع الذي يسود فيه اعتقاد نسبية الأخلاق مجتمع لا يأمنُ الناسُ فيه على أنفسهِم ولا أموالهِم ولا أعراضهِم، وكفى بذلك سبباً في عدمِ الأمنِ والاستقرارِ، وانتشارِ الخوف، واضطراب حياةِ الناس إذ كل شخص يفعل ما يريد وفق رأيه الشخصي ومعاييره الخاصة التي يراها صحيحة .
المجتمع الذي يسود فيه اعتقاد نسبية الأخلاق مجتمع لا سعادة فيه ولا أمن ولا استقرار إذ كيف تتأتى السعادة وكيف يأتي الأمن والاستقرار إذا لم يكن هناك أخلاق حميدة يمارسها الفرد ويتوقعها من الآخرين حوله ؟!!.
المجتمع الذي يسود فيه اعتقاد نسبية الأخلاق مجتمع لا يشجع على فضيلة ،ولا يُبَغِض في رذيلة فيقل فيه فعل الفضائل و يكثر فيه فعل الرذائل .
المجتمع الذي يسود فيه اعتقاد نسبية الأخلاق مجتمع لا قيمة فيه للعفة و الطهر فيكثر فيه الزنا وإتيان الفواحش .
المجتمع الذي يسود فيه اعتقاد نسبية الأخلاق مجتمع يصبح الإنسان فيه كالحيوان فكما أن سلوكيات الحيوان لا تمدح و لا تذم فكذلك إنسان المجتمع النسبي الأخلاق سلوكياته لا تمدح و لا تذم .
المجتمع الذي يسود فيه اعتقاد نسبية الأخلاق مجتمع ضعيف مفكك لكثرة النزاع والصراع فيه و لا وجود لقيم ثابتة يحتكم إليها الناس فتفض النزاع .
القائل بنسبية الأخلاق يناقض نفسه
نجد الكثير من القائلين بنسبية الأخلاق يناقضون أنفسهم فمنهم من يستقبح الظلم و يستحسن العدل و يحب الخير و يكره الشر ،وهذا يخالف مذهبه بنسبية الأخلاق إذ استقباح الظلم و استحسان العدل وحب الخير وكراهة الشر دليل على وجود أخلاق مطلقة .
ومنهم – إن لم نقل كلهم - من يقابل الظلم في حقه بالانتقام فلما يقابل الظلم في حقه بالانتقام ،والظلم عنده نسبي فما يراه ظلما قد يراه غيره عدلا ؟!!
ومنهم– إن لم نقل كلهم - من يعاقب ابنه على فعل سلوك غير أخلاقي كالكذب ،ويمدح ابنه على فعل سلوك أخلاقي كالصدق فلما يعاقب ابنه على الكذب و يمدح ابنه على الصدق ولا معنى للعقاب ولا معنى للمدح في إطار نسبية الأخلاق .
المغالطات التي لجأ إليها الملاحدة و غيرهم من المضللين لتسويغ القول بنسبية الأخلاق
بعد أن بينا أن القول بنسبية الأخلاق قول باطل يخالف الواقع ،ويستلزم لوازم باطلة ويعمل الناس بخلافه حتى من يعتقد به قد لا يعمل به حري بنا أن نبين المغالطات التي لجأ إليها الملاحدة وغيرهم إلى تسويغ القول بنسبية الأخلاق من كلام الشيخ عبد الرحمن الميداني – رحمه الله – فقد بين و أجاد و أفاد ،وذكر أن المغالطات التي لجأ إليها الملاحدة وغيرهم إلى تسويغ القول بنسبية الأخلاق كالتالي:
مدُّ عُنوان الأخلاق مداً يشمل التقاليد والعادات والآداب، وبعض الأحكام الدينية التي لا علاقة لها بموضوع الأخلاق من حيث ذاتها.
مفاهيم بعض الناس للأخلاق ولأسسها، مع أنها مفاهيم غير صحيحة.
اضطراب الفكر الفلسفي في تحديد المبادئ التي يرجع إليها الأخلاق، كالقوة، والمنفعة، واللذة، وغيرها.
ومن التعميم الفاسد الذي يطلقونه ويقررونه، ومن مفاهيم بعض الناس غير الصحيحة للأخلاق، ومن اضطراب الفكر الفلسفي في تحديده للمبادئ التي ترجع إليها الأخلاق، يجد المضلون أمامهم مجالاً مُهَيّأً لاستغلال أمثلة تدخل في هذه الأُطر العامة الموسّعة بالباطل، وهذه الأمثلة تخضع للتغيّر والتبدّل، ولا تظهر فيها قِيمٌ خلقية ثابتة، لأنها في الحقيقة ليست من الأخلاق، وإنما دُسَّت في الأخلاق تزييفاً لنقض الأخلاق بها.
و اللعبة تتم على الوجه التالي: هذه أمثلة من مفردات الأخلاق التي يؤمن بها الأخلاقيون.
هذه الأمثلة تخضع للتغيّر والتبدّل، فليس لها قيم ثابتة.
إذن فالأخلاق كلها أمور ذات مفاهيم متغيرة متبدلة.
إذن فالأخلاق كلها ليس لها قيم ثابتة.
إذن فالأخلاق أمور اعتبارية، أو نسبية.
وبلعبة المغالطة هذه يسهل على مدمري الأخلاق في المجتمعات الإنسانية، إفساد الأجيال، حتى تتمرد على جميع الضوابط الخلقية، التي تُمثّل في الأمم قوى مترابطة وتماسكها، وعناصر الدفع لارتقائها الإنساني، وشروط المحافظة على أمجادها الموروثة والمتجددة بأعمالها.
شرح وتحليل :
منشأ المشكلة يرجع إلى الخطأ في تحديد مفهوم الأخلاق، وتحديد دوافعها وغاياتها، وتحديد مستوياتها، من قِبَل كثير من الناس، وفيهم كثير من الباحثين في علم الأخلاق، من فلاسفة ومفكرين.
وهذا هو الذي يفتح الثغرة الفكرية التي يعبُر منها الخبثاء الماكرون، ليهدموا الأبنية الأخلاقية الحصينة التي تتمتع بها الشعوب العريقة بأمجادها، لا سيما المسلمون الذين سبق أن رفعتهم الأخلاق العظيمة إلى قمة مجد لم يطاولهم فيها أحد.
وحين يتبصر الباحث بالأسس الأخلاقية، التي تم فيها تحديد مستوياتها، وفق المفاهيم المقتبسة من التعاليم الإسلامية، يتبين له بوضوح تساقط أقوال الذين يزعمون أن الأخلاق اعتبارية أو نسبية، وأنها من الأمور التي تتواضع عليها الأمم، وأنها ليست ذات قيم حقيقية، أو حقائق ثابتة .
فالباحث المتحري للحقيقة يستطيع أن يكتشف بسرعة عناصر المغالطة التي يصطنعها هؤلاء المضللون، إذ يأتون بأمثلة جزئية يزعمون أنها من الأخلاق، ثمّ يثبتون أنها أمور اعتبارية أو نسبية تتواضع عليها الأمم، وليس لها حقائق ثابتة في ذاتها، ثمّ ينقضون بها ثبات الأخلاق نقضاً كلياً، بطريقة تعميمية لا يقبل بها العلم، حتى على افتراض أن هذه الأمثلة هي من الأخلاق فعلاً، لأنه لا يجوز علميّاً الحكمُ على النوع كله من خلال الحكم على بعض أفراه، ما لم يثبت أن سائر الأفراد مشتركة بمثل الصفة التي كانت علة صدور الحكم على بعض الأفراد .
إن مغالطتهم هذه تشبه مغالطة من يأتي بمجموعة من القرود، ويلبسها لباس بني آدم، ويدخلها بين مجموعاتهم ثمّ يقول: إن الناس جميعهم لهم صفات القرود، بدليل أن هذا الإنسان - ويشير إلى بعض قروده - له صفات القرود، بدليل أن هذا الإنسان - ويشير إلى فرد آخر من هذه المجموعة المزيفة- له صفات القرود. وهكذا يأتي بأمثلة متعددة من هذا العنصر الدخيل، ثمّ يصدر حكمه التعميمي في مغالطة أخرى، فيقول: ومن هذا يتبين لنا أن جميع الناس لهم صفات القرود.
إن هذه العملية قد تضمنت مغالطة مركبة تمت على مرحلتين:
المرحلة الأولى: إدخال عنصر ليس من البشر تحت عنوان البشر.
المرحلة الثانية: تعميم الحكم الذي يَصدر على هذا العنصر الدخيل، وجعله شاملاً للناس جميعاً.
وهذا مثال مطابق تماماً لمغالطتهم في موضوع الأخلاق، فهي أيضاً تشتمل على إدخال ما ليس من أفراد الأخلاق تحت عنوان الأخلاق، ثمّ تعميمهم حكمهم على هذه الأفراد الدخيلة، وجعله شاملاً لجميع أفراد الأخلاق الحقيقية .
نماذج من الأمثلة التي يدخلونها في الأخلاق وهي ليست منها :
فمن الأمثلة الجزئية التي يدخلونها في الأخلاق وليست منها، وغرضهم من ذلك التمهيد لنقض الأخلاق بها، ما يلي:
1- يقولون: إن أكل لحم الميتة أمر لا يعتبر منافياً للأخلاق عند بعض القبائل، بينما يعتبر منافياً للأخلاق عند الذين لا يأكلون لحم الميتة، حتى حين تأكل بعض القبائل موتاها من الناس فإن لها في ذلك مبرراتها الاقتصادية، إذ ترى أن انتفاعها بلحوم موتاها خير من تركها للدود، وخير من دفنها في التراب، وتركها تتعفن وتتفسخ وتتحلل.
وهذا يدل على أن الأخلاق أمور اعتبارية ونسبية، وليس لها قيم حقيقية ثابتة، وهي قابلة للتغير والتبدل من زمان إلى زمان، ومن أمة إلى أمة.
2- ويقولون: إن بعض الأمم تحرم شرب بعض أنواع من الأشربة، كالخمور، وتعتبر شربها عملاً منافياً للأخلاق، بينما ترى أمم أخرى أنه لا شيء في شربها.
3- ويقولون: إن بروز المرأة بزينتها، وتعريها من ثيابها، وعرضها مفاتنها للرجال الأجانب، أمرٌ لا يعتبر منافياً للأخلاق عند كثير من الشعوب، بينما يعتبر عند شعوب أخرى من الرذائل الخلقية.
ويأتون بمثال تعدد الزوجات وإباحته عند أمة وتحريمه عند أمة أخرى.
4- ويقولون: إن دعم مراعاة الأنظمة المتبعة في الطعام والشراب واللباس عند بعض الأمم، يعتبر من الأمور المستنكرة جداً، والمنافية للأخلاق، بينما ترى أمم أخرى خلاف ذلك، إذ ترى أن ترك الإنسان حراً يتصرف كما يحلو له في طعامه وشرابه ولباسه هو الفضيلة الخلقية.
ويأتون بأمثلة الطقوس في البلاد الأقيانوسية، ومنها تحريمهم الطعام تحت سقف، والمكث في المسكن إذا كان الإنسان مريضاً، وتحريمهم استعمال الأيدي في تناول الطعام بعد فراغ الإنسان من حلق شعره، أو بعد فراغه من صنع زورق، وهكذا يوردون أمثلة هي من العادات والتقاليد الاجتماعية، أو من الظواهر الجمالية، أو من الأحكام الدينية لدين صحيح أو لدين وضعي من وضع البشر.
قالوا: وكل هذا يدل على أن الأخلاق أمور اعتبارية ونسبية، وليست لها قيم حقيقية مطلقة ثابتة، وهي قابلة للتغير والتبدل من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، ومن بيئة اجتماعية إلى بيئة اجتماعية أخرى، ومن أمة إلى أمة أخرى.
وحين يورد المضلون مثل هذه الأمثلة الجزئية، لا يعرجون على أخلاق الصدق، والعدل، والأمانة، والوفاء بالعهد والوعد، والكرم، والشجاعة وأمثالها، ولا يذكرون الرذائل الخلقية المضادة لها، كالكذب، والجور، والظلم، والخيانة، والغدر، والشح، والجبن في المواطن التي تحسن فيها الشجاعة، وأمثالها.
المناقشة:
لدى تحليل الأمثلة التي يذكرونها لنقض الأخلاق بها، يلاحظ الباحث الفاحص أنها ليست في الحقيقة من فروع الأخلاق، وإنما ترجع إلى أصول أخرى.
فالمنع من أكل لحم الميتة مثلاً، أو شرب الخمور يرجع إلى أنه حكم دينيٌّ، لابتلاء إرادة الإنسان في الحياة الدنيا، وهو من ناحية أخرى حكم تقتضيه موجبات الحماية الصحية.
فإدخاله في الأخلاق، وإرجاعه إلى أصولها، واعتباره من مفرداتها، غلطٌ فكري، أو مغالطة وتزييف.
وحجاب المرأة وإلزامها بالحشمة، وعدم عرض زينتها ومفاتن جسمها للرجال الأجانب، حكم ديني لابتلاء إرادة الإنسان في الحياة الدنيا، وهو أيضاً أمر اقتضته قاعدة سد الذرائع، فهو يساعد على درء الفتنة، وحماية المجتمع من أن تنتشر فيه الفاحشة، التي يتولد عن انتشارها اختلاط الأنساب، وتفكك الأسر، وانهيار المجتمعات.
فإدخال هذا الموضوع في الأخلاق، وإرجاعه إلى أصولها، واعتباره من مفرداتها، غلطٌ فكري، أو مغالطة وتزييف.
وتعدد الزوجات حكم ديني روعيت فيه مصالح إنسانية لا دخل له في الأخلاق .
ومراعاة الأنظمة المتبعة عند بعض الأمم في الطعام والشراب واللباس، أمرٌ من الآداب الجمالية الحضارية لديهم، وليس فرعاً من فروع الأخلاق.
فإدخاله في الأخلاق، وإرجاعه إلى أصولها، واعتباره من مفرداتها، غلط فكري، أو مغالطة وتزييف.
أليس عجيباً أن يدخلوا مثل هذه الأمثلة في باب الأخلاق مع أنها في جوهرها من أبواب غير باب الأخلاق، فهي إما أحكام دينية، أو طقوس وعادات وتقاليد؟! وإدخالها في باب الأخلاق مغالطة.
ولستر مغالطتهم التي يدخلون بها في الأخلاق ما ليس منها، تمهيداً لنسف الأخلاق من جذورها، يعتمدون على مفاهيم بعض الناس الخاطئة للأخلاق، إذ يعتبرون أن هذه المفاهيم جزء من حقيقة الأخلاق.
مع أن مفاهيم الناس قد تصدق وقد تكذب، فهي لا تمثل جزءاً من حقيقة الشيء الذي هو موضوع البحث، وإنما تمثل مقدار إدراك أصحابها لحقيقة الشيء، وهذا الإدراك قد يكون مطابقاً لحقيقة الشيء، وقد يكون مخالفاً لها، وقد يكون كاملاً وقد يكون ناقصاً، وهو لا يؤثر بحالٍ من الأحوال على حقيقة الشيء.
لقد كان للفلاسفة القدماء مفاهيم عن السماء، وهذه المفاهيم مخالفة لواقع حال السماء، ومع ذلك فإن أي ذي عقل سليم لا يقبل اعتبار هذه المفاهيم جزءاً من حقيقة السماء.
وللناس مفاهيم كثيرة باطلة عن الخالق، ولا يجوز مطلقاً أن تكون هذه المفاهيم جزءاً من حقيقة الخالق.
وينكر كروية الأرض منكرون، ولكن مفاهيمهم هذه لا يمكن أن تجعل الأرض في واقع حالها غير كروية.
على مثل هذا الغلط الفكري يدخل كثير من الناس في الأخلاق ما هو ليس من الأخلاق، كتقاليد، وعادات، وأحكام وضعية، ليس لها أسس ولا جذور تجعلها نابعة من الأسس الخلقية، أو منبثقة عنها.
كذلك يجحد كثير من الناس بعض ما هو من الأخلاق فعلاً، فيزعم أنه لا داعي للتقيد بقواعد الأخلاق فيها.
فهل يؤثر هؤلاء أو هؤلاء على الحقيقة المطلقة للأخلاق؟!.
إن مفاهيم الناس ليست هي التي تصنع الحقائق، بل وظيفتها أن تعمل على إدراك الحقائق، حتى تكون صورة الحقائق فيها مطابقة لما هي عليه في الواقع.
وما قيمة مفاهيم الناس حول حقيقة من الحقائق، ولنفرض أن بعض الناس استحسنوا رذائل الأخلاق، ولم يجدوا أي رادع من ضمائرهم يردعهم عنها، فمارسوا الظلم بمثل الجرأة التي يمارسون بها العدل، ومارسوا الخيانة بمثل الجرأة التي يمارسونها بها الأمانة، ومارسوا قسوة القلب بمثل الجرأة التي يمارسون بها الشفقة والرمة، ومارسوا الكذب الضار بمثل الجرأة التي يمارسون بها الصدق النافع، أفيغير ذلك واقع حال الرذائل فيجعلها من قبيل الفضائل؟!.
كم نشاهد من شعوب تألف القذارات، وتعيش فيها، ولا تشعر بأنها تعمل عملاً غير مستحسن أو غير جميل، فهل تغير مفاهيمهم من واقع حال القذارة القبيح شيئاً؟!.
إن فساد مفاهيم الناس حول حقيقة من حقائق المعرفة لا يغير من واقع حال هذه الحقيقة شيئاً، وجميع حقائق المعرفة تتعرض لمشكلة فساد مفاهيم الناس عنها، وفساد تصور الناس لها.
ويوجد سبب آخر للخطأ الذي يقع فيه الباحثون في علم الأخلاق، هو اعتمادهم على أفكارهم وضمائرهم فقط، وجعلها المقياس الوحيد الذي تقاس به الأخلاق، ونسبوا إلى هذا المقياس العصمة عن الخطأ مع أنه مقياس غير كافٍ وحده، فقد يخطئ، وقد يُصابُ عند بعض الناس بعلةٍ من العلل المرَضِيَّة، فيعشى أو يعمى، أو تختلُّ عنده الرؤية، فيصدّر أحكاماً فاسدة .
تلخيص لأسباب الغلط أو المغالطة:
مما سبق يتضح أن أسباب الغلط أو المغالطة عند القائلين بأن الأخلاق اعتبارية أو نسبية، وليس لها ثبات ولا قيمٌ حقيقية مطلقة، ترجع إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول: تعميم اسم الأخلاق على أنواع كثيرة من السلوك الإنساني، فلم يميّزوا الظواهر الخلقية، عن الظواهر الجمالية والأدبية، وعن العادات والتقاليد الاجتماعية، وعن التعاليم والأحكام المدنية أو الدينية البحتة، فحشروا مفردات كل هذه الأمور تحت عنوان الأخلاق، فأفضى ذلك بهم إلى الخطأ الأكبر، وهو حكمهم على الأخلاق بأنها أمور اعتبارية أو نسبية.
الأمر الثاني: أنهم جعلوا مفاهيم الناس عن الأخلاق مصدراً يرجع إليه في الحكم الأخلاقي، مع أن في كثير من هذه المفاهيم أخطاءً فادحة، وفساداً كبيراً، يرجع إلى تحكم الأهواء والشهوات والعادات والتقاليد فيها، ويرجع أيضاً إلى أمور أخرى غير ذلك.
والتحري العلمي يطالب الباحثين بأن يتتبعوا جوهر الحقيقة، حيث توجد الحقيقة، لا أن يحكموا عليها من خلال وجهة نظر الناس إليها، فكل الحقائق عرضة لأن يثبتها مثبتون , وينكرها منكرون، ويتشكك فيها متشككون، ويتلاعب بها متلاعبون، ومع ذلك تبقى على ثباتها، لا تؤثر عليها آراء الناس فيها.
الأمر الثالث: اعتمادهم على أفكارهم وضمائرهم فقط، وجعلها المقياس الوحيد الذي تقاس به الأخلاق، مع أن هذه عرضة للصواب والخطأ .
Leave a comment:
-
مفهوم الأخلاق
الأخلاق مفرد كلمة خلق ،و الخلق عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كان الصادر عنها الأفعال الحسنة كانت الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة سمّيت الهيئة التي هي مصدر ذلك خلقا سيئا، وإنما قلنا إنه هيئة راسخة لأن من يصدر منه بذل المال على الندور بحالة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه .
والذي يفصلُ الأخلاق وُيميِّزُهَا عن غيرها هي الآثار القَابلة للمدح أو الذَّم، وبذلك يتميز الخُلُق الحسن عن الغريزة فالأكل مثلا غريزة، والإنسان عند الجوع يأكلُ بدافع الغريزة وليس مما يمدح به أو يذم. لكن لو أنَّ إنسانَا أكلَ زائدًا عن حاجته الغريزية، صارَ فعله مذمومًا، لأنه أثر لخلق في النفس مذموم، وهو الطمع، وعكس ذلك أثر لخلق في النفس محمود، وهو القناعة. كذلك فإن مسألة حبّ البقاء ليست محلًا للمدح أو الذم في باب السلوك الأخلاقي، لكن الخوف الزائد عن حاجات هذه الغريزة أثر لخلق في النفس مذموم، وهو الجبن، أما الإقدامُ الذي لا يصلُ إلى حد التهور، فهو أثر لخلق في النفس محمود، وهو الشجاعة .
وهكذا سائرُ الغرائزِ والدوافع النفسية التي لا تدخلُ في باب الأخلاق، إنَّما يميزها عن الأخلاق كون آثارها في السلوك أمورًا طبيعية ليست مما تُحمد إرادة الإنسان عليه أو تذم .
و الخُلُق منه ما هو طبيعي أي فطري يولد الإنسان مجبولا عليه كالحلم والتؤدة والحياء ، ومنه ما هو مكتسب ينشأ من التعود والتدرب والبيئة كالشجاعة والكرم .
مفهوم نسبية الأخلاق
نسبية الأخلاق تعني أن الأخلاق تتغير بتغير الزمان والمكان و الثقافة و الأشخاص والمجتمع فلا توجد أخلاق مطلقة، وعليه ليس هناك صواب وخطأ أخلاقي فقد يكون السلوك الأخلاقي محرماً عند شخص ولكنه محلل عند شخص آخر ، وقد يكون السلوك محمودا عند شخص ولكنه مذموم عند شخص آخر ،وقد يكون الفعل من قبيل الرحمة عند شخص ،وعند شخص آخر من قبيل القسوة ،وقد يكون السلوك محمودا في مجتمع ولكنه مذموم في مجتمع آخر .
مخالفة القول بنسبية الأخلاق للواقع
إن القول بنسبية الأخلاق يخالف الواقع إذ توجد مجموعة من الأخلاق تفرض نفسها على الجميع فرضا فيوجد سلوكيات مستهجنة عند جميع المجتمعات كالسرقة و الكذب و الغدر و الخيانة و البخل ويوجد سلوكيات مستحسنة عند جميع المجتمعات كالصدق و العدل والأمانة و الوفاء والكرم .
ومن المستحيل أن يكون الصدق فضيلة عند مجتمع معين و يكون رذيلة عند مجتمع آخر ،ومن المستحيل أن يكون العدل فضيلة عند مجتمع معين و يكون رذيلة عند مجتمع آخر ،ومن المستحيل أن يكون الوفاء فضيلة عند مجتمع معين و يكون رذيلة عند مجتمع آخر ،ومن المستحيل أن يكون الصدق فضيلة في زمن معين و يكون رذيلة في زمن آخر.
مع القول بنسبية الأخلاق لا يمكن التمييز بين الخير والشر
مع القول بنسبية الأخلاق لا يمكن التمييز بين الخير والشر فليس لدينا مقياس نفرق به بين الخير والشر ،و ليس لدينا معيار نحكم به أن هذا الخلق خير و هذا الخلق شر ،و ليس لدينا قيم أخلاقية ثابتة مطلقة يمكن أن نحتكم إليها ،و تجعل بوسعنا الحكم والتمييز بين ما هو خير من الخلق و ما هو شر ، و إذا كان مع القول بنسبية الأخلاق لا يمكن التمييز بين الخير والشر ،وهذا أمر باطل فالقول بنسبية الأخلاق قول باطل ؛ لأن ما يلزم منه اللازم الباطل فهو باطل لا اعتبار له .
و نحن في الكثير من الأحيان نستطيع التّمييز بسهولة بين ما هو خير وما هو شرّ، و إن كان في أحيان أخرى لمؤثرات معينة قد يلتبس علينا الأمر فنظن أن الشيء فيه خيرًا وهو شر، أو نظن أن الشيء فيه شرا وهو خير ،و تمييزنا في كثير من الأحيان بين ما هو خير وما هو شر يدل أن لدينا معايير نحكم بها على أن هذا الخلق خير و هذا الخلق شر ،وهذا يناقض القول بنسبية الأخلاق .
و من مساوئ القول بالنسبية الأخلاقية أنها تساوي بين قتل عشرات الناس و بين إطعام عشرات الناس فعلى النسبية الأخلاقية قتل عشرات الناس لا خير فيه و لا شر ، وإطعام عشرات الناس لا خير فيه و لا شر .
و من مساوئ القول بالنسبية الأخلاقية أنها تساوي بين اغتصاب فتاة و بين إنقاذ فتاة من خطر معين فعلى النسبية الأخلاقية اغتصاب فتاة لا خير فيه و لا شر ، وإنقاذ فتاة من خطر معين لا خير فيه و لا شر .
مع القول بنسبية الأخلاق تلغى الأخلاق
مع القول بنسبية الأخلاق تلغى الأخلاق فما هو حسن عند شخص يكون قبيحا عند آخر ، و ما هو مستحسن في مجتمع يكون مستقبحا في مجتمع آخر ،وما هو خلق رفيع في زمان يكون خلقا وضيعا في زمان آخر وبالتالي تختفي مع النسبية أي معايير أخلاقية ؛ لأن المبدأ الذي تستند إليه الأخلاق وتحتكم إليه مفقود ،وعليه فالدعوة إلى النسبية الأخلاقية دعوة إلى التحرر من القيم الأخلاقية ودعوة إلى إلغاء القيم الأخلاقية .
وكيف نحكم على سلوك أنه موافق للأخلاق إذ لم يكن لدينا أخلاق مطلقة نحتكم إليها ؟
وكيف نحكم على سلوك أنه مخالف للأخلاق إذ لم يكن لدينا أخلاق مطلقة نحتكم إليها ؟
وكيف نحكم أن القتل مخالف للأخلاق إذ لم يكن لدينا أخلاق مطلقة نحتكم إليها ؟ وكيف نحكم أن الغدر مخالف للأخلاق إذ لم يكن لدينا أخلاق مطلقة نحتكم إليها ؟ وكيف نحكم أن الظلم مخالف للأخلاق إذ لم يكن لدينا أخلاق مطلقة نحتكم إليها ؟ وكيف نحكم أن الغش مخالف للأخلاق إذ لم يكن لدينا أخلاق مطلقة نحتكم إليها ؟ وكيف نحكم أن الاغتصاب مخالف للأخلاق إذ لم يكن لدينا أخلاق مطلقة نحتكم إليها ؟
القول بنسبية الأخلاق يهدم المسئولية الأخلاقية
لو كانت الأخلاق نسبية فستفقد قوتها الإلزامية إذ لا معنى للخير و الشر ،ولا معنى للثواب والعقاب ولا معنى للمدح و الذم في وجود النسبية الأخلاقية ، وكيف يلتزم الإنسان بقيم خلقية يؤمن بأنها متغيرة و نسبية ؟ وكيف يشين المجتمع سلوكا معينا لشخص إذ لم يكن لديهم أخلاق مطلقة يحتكمون إليها ؟ وكيف يشيد المجتمع بسلوك معين لشخص إذ لم يكن لديهم أخلاق مطلقة يحتكمون إليها ؟ وعليه فالقول بنسبية الأخلاق يفقد الأخلاق قوتها الإلزامية وبالتالي يهدم و ينكر مسئولية الفرد الأخلاقية ،و إنكار مسئولية الفرد الأخلاقية مخالف للواقع .
وكيف للناس تجريم القتل إذ لم يكن لديهم أخلاق مطلقة يحتكمون إليها ؟ وكيف للناس تجريم الاغتصاب إذ لم يكن لديهم أخلاق مطلقة يحتكمون إليها ؟ وكيف للناس تجريم الغش إذ لم يكن لديهم أخلاق مطلقة يحتكمون إليها ؟
وكيف للناس تكريم أو مدح الشخص الأمين إذ لم يكن لديهم أخلاق مطلقة يحتكمون إليها ؟ وكيف للناس تكريم أو مدح الشخص الشجاع إذ لم يكن لديهم أخلاق مطلقة يحتكمون إليها ؟ وكيف للناس تكريم أو مدح الشخص المصلح إذ لم يكن لديهم أخلاق مطلقة يحتكمون إليها ؟ وكيف للناس تكريم أو مدح الشخص المخلص إذ لم يكن لديهم أخلاق مطلقة يحتكمون إليها ؟ وكيف للناس تكريم أو مدح الشخص الشهم إذ لم يكن لديهم أخلاق مطلقة يحتكمون إليها ؟
ولو كانت الأخلاق نسبية لما جرم القاتل إذ له أن يحتج بأنه تصرف وفق رأيه الشخصي ومعاييره الخاصة التي يراها صحيحة ، ولو كانت الأخلاق نسبية لما جرم المغتصب إذ له أن يحتج بأنه تصرف وفق رأيه الشخصي ومعاييره الخاصة التي يراها صحيحة ، ولو كانت الأخلاق نسبية لما وجد الكثير من الناس حرجا في التحلي برذائل الأخلاق ،و من هنا ندرك أن الدعوة إلى نسبية الأخلاق دعوة إلى الانحراف الأخلاقي ،ودعوة إلى اقتراف الجرائم و الأخلاق المشينة إذ مع نسبية الأخلاق لا معنى للعقاب و لا معنى للذم و لا معنى للتجريم .
Leave a comment:
Leave a comment: