كي لا تنخدع بالإلحاد ( متجدد )

Collapse
This is a sticky topic.
X
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts

  • د.ربيع أحمد
    replied
    الملحد ودعواه نسبية الأخلاق


    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى أصحابه الغر الميامين ، و على من أتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد :

    فقد انتشر في عصرنا مرض الإلحاد ، وهو أحد الأمراض الفكرية الفتاكة إذ يفتك بالإيمان و يعمي الحواس عن أدلة وجود الخالق الرحمن ،و تجد المريض يجادل في البديهيات و يجمع بين النقيضين ويفرق بين المتماثلين ،ويجعل من الظن علما و من العلم جهلا و من الحق باطلا و من الباطل حقا .

    ومن عوامل انتشار هذا المرض الجهل بالدين و ضعف العقيدة واليقين والاسترسال في الوساوس الكفرية والسماع والقراءة لشبهات أهل الإلحاد دون أن يكون لدى الإنسان علم شرعي مؤصل .

    وشبهات أهل الإلحاد ما هي إلا أقوال بلا دليل وادعاءات بلا مستند ،ورغم ضعفها و بطلانها إلا أنها قد تؤثر في بعض المسلمين لقلة العلم وازدياد الجهل بالدين ولذلك كان لابد من كشف شبهات ومغالطات ودعاوي أهل الإلحاد شبهة تلو الأخرى و مغالطة تلو المغالطة ودعوى تلو الدعوى حتى لا ينخدع أحد بكلامهم وشبههم .

    وفي هذا المقال سنتناول بإذن الله دعوى يرددها الكثير من الملاحدة واللادينين ألا وهي نسبية الأخلاق و حسب كلامهم أن الأخلاق أمور اعتبارية نسبية لا ثبات لها فهي تختلف من شعب إلى شعب، ومن أمة إلى أمة، ومن زمان إلى زمان... فبعض الأمور تعتبر منافية لمكارم الأخلاق عند شعب من الشعوب أو أمة من الأمم في حين أنها غير منافية لمكارم الأخلاق عند شعب آخر أو أمة أخرى، وبعض الأمور كانت في زمان مضى أموراً منافية لمكارم الأخلاق، ثم صارت بعد ذلك أموراً غير منافية لها؛ وهذا يدل على أن الأخلاق مفاهيم اعتبارية تتواضع عليها الأمم والشعوب، وليس لها ثبات في حقيقتها، وليس لمقاييسها ثبات.

    و يقول بعض الملاحدة واللادينين : من المستحيل أن تعمم على جميع البشر .. نعم قد يتفق مجموعة من الأشخاص على مفاهيم أخلاقية معينة ولكن هذا لا يعني أن التعميم في الأخلاق مستساغ من قبل جميع الناس ؛ لأنه بكل بساطة عادات الناس وطبائعهم مختلفة بعضها عن بعض... فماذا نقول عن بعض المجتمعات التي من عادتها في استقبال الضيوف جلوس الضيف على حضن المستضيف كنوع من التكريم أو التعبير عن المحبة ونجد أن هناك عادات غربية قد يستهجنها الشرقيين وهذا أمر طبيعي ونستطيع أن نطلق إذا صفة النسبية على الأخلاق.

    ويقول بعضهم : كل الأخلاق أخلاق نسبية قد تكون صحيحة هنا و خطأ هناك .

    و يقول بعضهم : الأخلاق مبنية على المنفعة ،ومنفعة الإنسان هي بالطبع السعادة أو البعد عن الألم علي أقل تقدير. و لهذه السعادة متطلبات تختلف من مجتمع لأخر بناءا علي اختلاف الاحتياجات و الخبرات و الثقافات و بالتالي تصبح الأخلاق علي إطلاقها نسبية و لكن بدور في غاية الأهمية ؛ لأنها تضع القوانين التي يستطيع أفراد المجتمع أن يحققوا بها سعادتهم من خلال البناء الاجتماعي و بدون القلق من تعرض أمانهم للاعتداء من الآخرين ... و من هنا تتطور الأخلاق, فكل ما يهدم هذا البناء الاجتماعي و يجعل الفرد في حالة انعدام للأمان هو لا أخلاقي ؛ لأنه يعود بالإنسان ( و لو في لحظة) لحالة العشوائية و قانون الغاب الذي هجره الإنسان ليصل إلي ما هو أفضل منذ أزمان بعيدة .
    ويقول بعضهم: لما كان لكل ثقافة معاييرها الخاصة بها فإن المرغوب فيه يختلف تبعا لذلك من ثقافة إلى ثقافة، ومن ثم تختلف القيم من ثقافة إلى ثقافة .

    ويقول بعضهم: المبادئ الأخلاقية نسبية ومتغيرة ومتطورة؛ لأنها ترتبط بعجلة التطور الاجتماعي، وتخضع لتأثير العوامل الاقتصادية والدينية والثقافية والتاريخية، وهذه كلها متطورة ومتغيرة من عصر إلى عصر، وعليه تتطور الأخلاق بتطور هذه المؤثرات.

    ويقول بعضهم: إن الخير والشر والمرغوب فيه أو غير مرغوب فيه هو ما تقرر الثقافة (والثقافة وحدها هي الحكم) أنه كذلك، فالحرب، والأخذ بالثأر، وقتل أسرى الحرب، واحتكار الأقلية لأرض، والديكتاتورية، كل هذه أمور تكون مرغوبا فيها وذات قيمة إذا قررت الثقافة ذلك، فالقيم إذن نسبية إلى طبيعة الإنسان، كما تتضح هذه الطبيعة في فعله وتفاعله الاجتماعي والثقافي .

    وقبل الرد على هذه الدعاوي لابد من بيان مفهوم الأخلاق ،ومفهوم النسبية الأخلاقية .

    Leave a comment:


  • د.ربيع أحمد
    replied
    تحميل الملحد ودعواه أن الأخلاق مصدرها الطبيعة من هنا أو هنا

    Leave a comment:


  • د.ربيع أحمد
    replied
    القول بأن مصدر الأخلاق هو الطبيعة يلغي دور الإنسان في التاريخ و الحضارة

    إذا كان الإنسان يخضع لحتميات الطبيعة فلا إرادة عنده و لا عزيمة و لا اختيار و لا رغبة في التغيير و لا إرادة للتغيير مثله مثل أي كائن آخر في الطبيعة .

    وأحد دعائم التاريخ و الحضارة العنصر البشري الذي مهمته التغيير و البناء و الابتكار و الإبداع و هذا يحتاج إرادة ذاتية وعزيمة داخلية تنبعث في نفس الإنسان تحثّه على التغيير و البناء و الابتكار و الإبداع ،ومن خلال العقل المدرك الذي وهبه الله للإنسان و العزيمة الداخلية و الإرادة الذاتية و الطاقات التي زوده بها يستطيع الإنسان أن يصنع تاريخه و حضارته على هذه الأرض .

    و الواقع العملي أثبت الدور الإيجابي للإنسان في صنع التاريخ والحضارة لكن الماديين يريدون سلب هذا الدور من الإنسان و بذلك يلغون مصدر أصيل في إنشاء التاريخ إذ الحتمية تفترض أنه لا إرادة للإنسان ،وكأن الإنسان يشاهد حركة التاريخ و يرى ما يحدث له وللمجتمع دون أن يشارك فيه وهذا مخالف للواقع .





    التفسير الدارويني لنشأة الأخلاق

    فسر كثير من الملاحدة نشأة الأخلاق بالتطور الدارويني الذي آليته الصراع من أجل البقاء والبقاء للأصلح فكل كائن حي يسعى من أجل بقائه، و ينتهي هذا السعي إلى التنازع من أجل البقاء، وهذا التنازع ينتهي إلى الانتخاب الطبيعي، وانتخاب الأصلح و عليه فأخلاق البشر تطورت تطورًا تدريجيًّا ثم استقرت تبعا لما يحقق للإنسان المصلحة والتفوق والانتخاب الطبيعيّ هو صاحب الكلمة الأخيرة في تقرير سلوك الإنسان ،و قد أنتج هذا الانتخاب عند الكائن البشريّ نوع من القاعدة الأخلاقيّة الكونيّة فالأخلاق ما هي تكيف بيولوجي تطوري لتنظيم عملية التكاثر الذي يخدم بقائنا والعملية البيولوجية هي معيار الأخلاقيات، وكل شيء يدعمها فهو خير، وكل شيء يعارضها فهو شر .

    و زعم الدارونيين أن كل كائن حي يسعى من أجل بقائه، و ينتهي هذا السعي إلى التنازع من أجل البقاء، وهذا التنازع ينتهي إلى الانتخاب الطبيعي، وانتخاب الأصلح زعم باطل ورجم بالغيب فمن المشاهد و الملاحظ وجود تعاون بين الأنواع أكبر من التنازع، وهناك تلاقي و تعاون و تكامل بين الكائنات أقوى من الصراع ،وهذا الالتقاء والتعاون والتكامل هو دافعها إلى الحركة والقوة والنماء.

    و قد شهد التاريخ ببطلان نظرية التنازع من أجل البقاء والبقاء للأصلح والأقوى فإذا نظرنا إلى تاريخ البشر نجد خلاف هذه النظرية فها هم أهل الكتاب يهود و نصارى عاشوا ضعاف في الدولة الإسلامية 12 قرنا ، ومازالوا باقين ،و هاهم المسلمون كانوا هم حاكمي البلاد و بالتالي هم الأقوياء و مع ذلك بقي أهل الكتاب في حكمهم و هاهم المسلمون كانوا في بداية الدعوة ضعفاء ثم قويت شوكتهم ،و هاهم النصارى كانوا ضعفاء في الدولة الرومانية ثم قويت شوكتهم ،و هاهم اليهود كانوا في بداية دعوة موسى عليه السلام ضعفاء ثم قويت شوكتهم .

    و من المعلوم بالحس و المشاهدة أن أي دولة من الدول تجد فيها الضعيف و القوي و مع ذلك لم ينقرض الضعفاء و مازال الأقوياء موجودين .

    و بالنسبة للحيوانات و الطيور و الأسماك و النباتات فليس هناك تنازع من أجل البقاء و لا بقاء للأقوى و الأصلح بل بقاء الحيوانات و الطيور و الأسماك و النباتات يرجع لعدم وجود عوامل الانقراض و التي من أهمها :
    القطع الجائر للنباتات .
    الصيد الجائر للحيوانات والطيور و الأسماك .
    تعديل البيئة فتعديل البيئة يؤدي إلى إبادة كثير من الأنواع النباتية والحيوانية و العديد من الطيور .
    تلوث البيئة ،وقد أهلكت الملوثات المائية من زيت البترول و العناصر الثقيلة و المبيدات العديدة من الطيور المائية و الأحياء البحرية الدقيقة و الأسماك التي تتغذى عليها .

    و ترجع عوامل البقاء إلى توافر مقومات الحياة ،و عدم وجود عوامل الانقراض ،و لو كان البقاء للأقوى لما انقرضت الديناصورات و بقيت الحشرات .

    ومن المعروف أن الكثير من الكائنات الحية لا تستطيع إنتاج غذائها بنفسها فتتغذى على غيرها ،وغيرها يتغذى عليها و هذا من التكامل بين الكائنات مثلا يأكل الأرنب الأعشاب و تأكل البومة الأرنب و تموت البومة فيأكلها الضبع و يموت الضبع فتتغذى عليه الكائنات المحللة أو قمح يأكله فأر و الفأر يأكله ثعبان و الثعبان يأكله نسر و النسر يموت فتتغذى عليه الكائنات المحللة و هكذا .

    و الذكر القوي إذا تزوج بأنثى قوية لا يستلزم ذلك إنجاب ولد قوي فقد ينجبا ولدا ضعيفا حسب قوانيين الوراثة و كم رأينا من رجل جميل يتزوج بامرأة جميلة و ينجبا طفلا غير جميل و رأينا العكس أيضا .

    و عقليا ومنطقيا البقاء عن طريق التعاون بين الإنسان والحيوان والنبات أكبر وأوسع من البقاء عن طريق التنازع .

    و تفسير نشأة الأخلاق بالتطور الدارويني الذي آليته الصراع من أجل البقاء والبقاء للأصلح تفسير لا يفرز إلا الوحشية والدناءة ، فالتطور الدارويني لا يُنتج إلا أمثال هتلر، والمجتمع الدارويني لا يكون إلا مجتمعاً فاشيا ينتشر فيه التعصب العنصري والتصفية العرقية .

    و قد كان الفكر التطوري الدارويني سببا في نشأة اثنين من أسوأ النظم الاجتماعية والسياسية الشيوعية في الاتحاد السوفيتي ،والنازية في ألمانيا ،وقد طبق الفكر السياسي الاستعماري هذه النظرية على الشعوب المستعمرة وجعلوا منها مبرراً لسيطرة المستعمرين .

    و دارون يعتبر الأخلاق من نتائج الانتخاب الطبيعي في المجال السلوكي مثلها مثل أي صفات بيولوجية أخرى مثل منقار الطائر هل يوصف منقار الطائر بأنه خير أو شر ؟ إنه فقط مفيد للقيام بوظائفه لهذا الطائر بالتحديد تحت هذه الظروف في هذه الفترة من الزمن لذلك فاستخدمنا لاصطلاح جيد أو سيء يكون من منطق الفائدة المادية ،وليس القيمة الأخلاقية أي ليس هناك أخلاق فاضلة و أخرى شريرة ، ولكن هناك سلوكيات و مفاهيم تعين بشكل مباشر أو غير مباشر في الصراع من أجل البقاء .

    و إذا كان الانتخاب الطبيعي مبني على تحقيق المنفعة الفردية حيث كلُّ فرد لا يهمه إلا نفسه في صراعه مع الآخرين من أجل البقاء، فهذا التفسير يلغي الأخلاق إذ من قوام الفضائل الأخلاقية التضحية و الإيثار و التعاطف مع الآخرين وفي التضحية يبذل الشخص النَّفس أو الوقت أو المال لأجل الآخرين دون مقابل منهم ، وفي الإيثار يقدم الإنسان حاجة الآخرين على حاجته، برغم احتياجه لما يبذله، فقد يجوع ليشبع غيره، ويعطش ليروي سواه و في التعاطف يضع الشخص نفسه محل الآخر ويتبنى مشاعره وأحاسيسه وآلامه ،وكل هذه السلوك الأخلاقية من منطلق مادي لا تخدم البقاء و ليس فيها تحقيق منفعة للفرد بل تحقق منفعة لغيره ولذلك هذه السلوك الأخلاقية تضع الانتخاب الطبيعي في مأزق .

    والانتخاب الطبيعي يعجز عن تفسير وجود أخلاق حميدة تمارسها الكائنات تجاه كائنات من أنواع أخرى كالرفق بالحيوان و الشفقة على الحيوان فهذه السلوك الأخلاقية لا تخدم البقاء و ليس فيها تحقيق منفعة مادية للفرد .

    و إذا كانت نشأة الأخلاق تفسر بالتطور الدارويني و الانتخاب الطبيعي فما المصلحة من وجود الأخلاق السيئة كالكذب و الغش و الغدر و الخيانة و القتل فهل مثل هذه الأخلاق تخدم البقاء أم تساعد على الفناء ؟!! والإنسان يقوى بإخوانه فهل قتل الناس بعضهم بعضا يخدم البقاء أم يساعد على الفناء ؟

    و إذا كانت الأخلاق نشأة بآلية الصراع من أجل البقاء و البقاء للأصلح فلماذا يوجد الخلق و ضده فإما الخلق الحسن هو الذي يخدم البقاء فيصطفيه الانتخاب الطبيعي أو الخلق المذموم هو الذي يخدم البقاء فيصطفيه الانتخاب الطبيعي .

    وحسب الانتخاب الطبيعي فأي شيء يحافظ على بقاء صور الحياة الأكثر تعقيداً والأفضل تكاملاً يوصف بالخير ، وما يعوق التطور الدارويني يعتبر شراً ولو تركنا قانون الغاب يعمل عمله بأن يبقى الأصلح وحده ، فإن سلوكنا عندئذ يكون صواباً لأن الاتجاه الرئيسي للتطور الدارويني يكون قد حقق الهدف منه ، ولكن لو تدخلنا في مسار التطور الدارويني بمعاونة الأضعف على البقاء ، فإن سلوكنا عندئذ يكون من الناحية الأخلاقية خاطئاً .

    و في عالم دارون تصبح الدعوى إلى حماية الضعفاء والمرضى والمعاقين و الإشفاق عليهم والعناية بهم دعوى ضد الطبيعة ضد الانتخاب الطبيعي و البقاء للأصلح .

    و في عالم دارون تصبح الدعوى إلى الإنفاق على الفقراء واليتامى والمساكين دعوى ضد الطبيعة ضد الانتخاب الطبيعي و البقاء للأصلح .
    و في عالم دارون تصبح الدعوى إلى تحريم الزنا و زواج المحارم دعوى ضد الطبيعة و ضد الانتخاب الطبيعي .

    و إنسان دارون إنسان الغاب لا مانع عنده أن تخونه زوجته أو يزني بمحارمه .

    و الإنسان يمكن أن نسميه كائناً أخلاقياً بينما لا نسمى الحيوان كائناً أخلاقياً ، إذ لا معنى للحديث عن قيم خلقية وسلوك خلقي ومسئولية و جزاء في عالم الحيوانات فالأخلاق مرتبطة بالاختيار ، ويقوم الاختيار على الوعي بمبادئ وقواعد يتصرف الإنسان وفقاً لها ، ولا ترتبط هذه القواعد والمبادئ بالغريــزة والحاجة القريبة دائماً ، لكن سلوك الحيوان محدود بحاجاته القريبة فقط .

    إن السلوكيات الأخلاقية وآدابها هي التي تميز سلوك الإنسان عن سلوك البهائم سواء في تحقيق حاجاته الطبيعية أو في علاقاته مع غيره من الكائنات الأخرى، فالآداب زينة الإنسان من حيث الجنس والأكل والشرب والنظافة، وتذوق السلوك الجميل وتمييزه عن السلوك القبيح، والبحث عن أفضل العلاقات وأحسنها في المعاشرة والمحادثة والتعاون والتآلف وتبادل المحبة والإكرام والإحسان والتراحم والتعاطف وغيرها ولهذا فالآداب الأخلاقية زينة الإنسان وحليته الجميلة، وبقدر ما يتحلى بها الإنسان يضفي على نفسه جمالا وبهاء، وقيمة إنسانية .

    وإذا كانت الأخلاق التي يتحلى بها الجنس البشري يتحلى بها عن وعي كامل و قدرة على الاختيار ، ولا نجد في غيره من الكائنات مثل ذلك فلماذا حصل هذا التطور عند النوع الإنساني دون غيره ؟ أي إذا كان الإنسان على زعمهم يمثل امتدادا طبيعيا لمن سبقه في سلم التطور البيولوجي فلماذا خضع الإنسان للتطور في الأخلاق دون غيره ؟.

    و الزعم بأن أخلاق البشر تطورت تطورًا تدريجيًّا يحتاج إلى دراسة تاريخية متعمقة تشمل الإنسان الأول إلى أن تصل للإنسان المعاصر ، وتسير الدراسة مع الإنسان سيراً متأنياً لتكشف عن سلوكه و أخلاقه خلال الظروف والأحوال التي تحيط به .

    و لابد للدراسة أن تبين هل كانت هناك مؤثرات خارجية غيرت من سلوك الإنسان الأخلاقي أم لا ؟ والإنسان يتميَّز كل فرد فيه بخصوصيات لا يمكن محوها أو تجاهلها، فالأفراد ليسوا نسخاً متطابقة يمكن صبها في قوالب جاهزة وإخضاعها جميعاً للقوالب التفسيرية نفسها .

    و يصعب إخضاع السلوك الإنساني الأخلاقي للتجربة ،والتأكد من صحة الفروض شرط أساسي من شروط المنهج العلمي فإن التجربة تقتضي قدرة الباحث على التحديد والضبط و التحكم في السلوك الإنساني الأخلاقي محل البحث وضبط كل المتغيرات المؤثرة فيه ،و لخصوصية السلوك الإنساني فهو أمر يصعب ضبطه ويستحيل أن يطلب الباحث من الإنسان تكرار السلوك الإنساني بهدف إجراء التجربة .
    و لا يخضع الإنسان لمبدأ الحتمية التي تخضع لها الظواهر الطبيعية بل يخضع للأهواء و الميولات و التقلبات وهذه الأمور و غيرها تجعل القول بأن أخلاق البشر تطورت تطورًا تدريجيًّا تحكم علمي ومجازفة ورجم بالغيب .

    و الزعم بأن الأخلاق تكيف بيولوجي تطوري لتنظيم عملية التكاثر الذي يخدم بقائنا يجعل الأخلاق نسبية غير مطلقة وتختفي مع النسبية أي معايير أخلاقية ، وبالتالي تلغى الأخلاق فقد يكون السلوك الأخلاقي محرماً عند شخص ولكنه محلل ‏عند شخص آخر ، وقد يكون السلوك محمودا عند شخص ولكنه مذموم عند شخص آخر ،وقد يكون الفعل من قبيل الرحمة عند شخص ،وعند شخص آخر من قبيل القسوة ،وهذا الكلام مخالف للواقع والتاريخ .

    والخير خير عند الصالح والطالح والشر شر عند الصالح والطالح و هناك سلوكيات مستهجنة عند جميع المجتمعات كالسرقة و الكذب و الغدر و الخيانة و البخل وهناك سلوكيات مستحسنة عند جميع المجتمعات كالصدق و العدل والأمانة و الوفاء والكرم .

    و ثبات الأخلاق يبعث الطمأنينة و السعادة في حياة الفرد، و المجتمع ،و لا تتأتى السعادة والأمن والاستقرار إذا لم يكن هناك أخلاق يمارسها الفرد ويتوقعها من الآخرين حوله .

    و في عالم دارون عالم الغاب لا يأمنُ الناسُ على أنفسهِم ولا أموالهِم ولا أعراضهِم، وكفى بذلك سبباً في عدمِ الأمنِ والاستقرارِ، وانتشارِ الخوف، واضطراب حياةِ الناس .
    و الزعم بأن الأخلاق تكيف بيولوجي تطوري يلغي التزام الأفراد ومسئولياتهم و إرادتهم و يهدم المسئولية الأخلاقية من أساسها فلا معنى للخير و الشر ،ولا معنى للثواب والعقاب ولا معنى للمدح و الذم .

    و في الختام أهمس في أذن كل ملحد قائلا إذا كانت الأخلاق قد نشأت عن طريق التطور الدارويني و تنازع البقاء و انتخاب الأصلح – على حد زعمك - فمن الذي يصطفي هذا الخلق دون غيره ؟!!

    والانتخاب الطبيعي ما هو إلا وصف لظاهرة ،وليس هو سبب الظاهرة فمن الذي ينتخب و يصطفي ويختار هل هو الطبيعة أم الانتخاب نفسه أم شيء غير الطبيعة و الانتخاب ؟!! إن قلت الطبيعة فهذا خطأ ؛ لأن الطبيعة لا إرادة لها ولا اختيار ،وإن قلت الانتخاب نفسه فهذا خطأ ؛ لأن الانتخاب حدث و الحدث لابد له من محدِث فيتعين أن هناك شيء غير الطبيعة هو الذي يصطفي و يختار فأنت من هذا المنطلق تثبت شيء غير الطبيعة و المادة ،وهذا يخالف ويناقض اعتقادك .

    و إني أسأل كل من يدعي أن الطبيعة مصدر الأخلاق : كيف عرفت أن الطبيعة هي مصدر أخلاقك ؟ هل أعلمتك ذلك أم رأيتها تعطيك الأخلاق أم ماذا ؟

    هذا و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات


    مراجع المقال :
    التعريفات للجرجاني
    الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان للدكتور عبد الوهاب المسيري
    خرافة الإلحاد للدكتور عمرو شريف
    علم النفس الإسلامي العام والتربوي للدكتور محمد رشاد خليل
    علم الأخلاق الإسلامية لمقداد يالجن
    موسوعة الأخلاق لخالد عثمان الخراز
    موسوعة الفلسفة للدكتور عبد الرحمن بدوي
    موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري

    Leave a comment:


  • د.ربيع أحمد
    replied
    مفهوم الداروينية الاجتماعية

    الداروينية الاجتماعية كلمة منسوبة إلى اسم تشارلز داروين (1731 ـ 1820) . وهي فلسفة علمانية شاملة، واحدية عقلانية مادية كمونية تنكر أية مرجعية غير مادية، وتستبعد الخالق من المنظومة المعرفية والأخلاقية وتَرُد العالم بأسره إلى مبدأ مادي واحد كامن في المادة وتدور في نطاق الصورة المجازية العضوية والآلية للكون.


    والآلية الكبرى للحركة في الداروينية هي الصراع والتَقدُّم اللانهائي وهو صفة من صفات الوجود الإنساني. وقد حققت الداروينية الاجتماعية ذيوعاً في أواخر القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي تَعثَّر فيها التحديث في شرق أوربا، وبدأ فيها بعض يهود اليديشية في تبنِّي الحل الصهيوني للمسألة اليهودية، كما بدأ التشكيل الإمبريالي الغربي يتسع ليقتسم العالم بأسره. ويمكن القول بأن الداروينية هي النموذج المعرفي الكامن وراء معظم الفلسفات العلمانية الشاملة، إن لم يكن كلها.

    ويرى دعاة الداروينية الاجتماعية أن القوانين التي تسري على عالم الطبيعة والغابة هي نفسها التي تسري على الظواهر الإنسانية، التاريخية والاجتماعية. وهم يذهبون إلى أن تشارلز داروين قد وصف هذه القوانين في كتابيه الكبيرين: حول أصل الأنواع من خلال الانتخاب الطبيعي وبقاء الأجناس الملائمة في عملية الصراع من أجل الحياة. وقد ذهب داروين إلى أن الكون بأسره سلسلة متواصلة في حالة حركة من أسفل إلى أعلى وأن الإنسان إن هو إلا إحدى هذه الحلقات، قد يكون أرقاها ولكنه ليس آخرها. ويرى داروين أن تَقدُّم الأنواع البيولوجية الحية يعتمد على الصراع من أجل البقاء الذي ينتصر فيه الأصلح .
    الطبيعة محايدة

    من المعلوم أن الطبيعة محايدة لا تعرف الخير أو الشر أو القبح أو الجمال ،والطبيعة محايدة لا تعرف ما هو أخلاقي و ما هو غير أخلاقي ، والإنسان لا يمكن أن يكون محايدا بالنسبة للأخلاق ولذلك فهو إما أن يكون صادقا في أخلاقه أو كاذبا، أو مازجا بين الصدق والكذب، وهي حالة أكثر شيوعا بين البشر , فكيف تكون الطبيعة المحايدة مصدرا لشيء غير محايد ؟! والإنسان عنده وعي أخلاقي و الطبيعة ليس عندها وعي أخلاقي و الملحد إذ اعتبر نفسه مادة فهذا يستلزم ألا توجد أخلاق عنده ؛ لأن المادة لا أخلاق عندها ،و كيف تكون الأخلاق في الإنسان مستمدة مما لا خلق عنده ؟!! وحسبُ التناقض دليلاً على إسقاط أيّ مذهب .


    الطبيعة حتمية

    الطبيعة عند الماديين خاضعة لقوانين آلية ثابتة ومنتظمة وصارمة و مطردة ولا إرادة فيها و لا اختيار وما يميِّز فعل الإنسان الأخلاقي عن أيِّ فعل آخر هو المصدر الدافع إليه ؛ إذ يصدر الفعل الأخلاقي من داخل النفس البشرية من المبادئ والقيم والمُثُل المغروسة فيها دون قسر أو إكراه خارجي عليه فالإنسان يتمتع بالإرادة ،وحرية الاختيار فيمكن أن يفعل الشيء بإرادته واختياره ويمكن ألا يفعل الشيء بإرادته مثلا : يمكن أن يصدق بإرادته واختياره ويمكن ألا يصدق ،ويمكن أن يفي بعهد من العهود بإرادته واختياره و يمكن ألا يفي ،ويمكن أن يرفق بالإنسان والحيوان بإرادته واختياره و يمكن ألا يرفق ،ويمكن أن يحترم غيره بإرادته واختياره ،ويمكن ألا يحترم ،فكيف تكون الطبيعة التي لا إرادة فيها ولا اختيار مصدرا لأخلاق الإنسان التي يتحلى بها عن إرادة واختيار وفاقد الشيء لا يعطيه ؟!!

    وكيف تكون الطبيعة حتمية و الإنسان لا تجوز عليه الحتمية ثم يقال أخلاق الإنسان صادرة من الطبيعة ،و الناس ليسوا كرات بليارد تتحرك بحتمية قوانين الطبيعة ؛ ولكنها مجموعة إرادات حرة تدخل في علاقات متعددة يستحيل فيها التنبؤ القائم على قوانين مادية ؟!!

    و إذا كان الإنسان يسرى عليه ما يسرى على الطبيعة وهو من الطبيعة و ابن الطبيعة فكيف يتمرد عليها من أين له حرية الإرادة و القدرة على التمرد على الطبيعة ؟

    والحتمية إنما تنطبق على ما هو من الكون مجبور لا اختيار له، فهي لا تنطبق على سلوك الحيوان الذي عنده هامش من الإرادة فضلا عن الإنسان الذي يمتلك حرية الإرادة والاختيار .






    الطبيعة مادية

    إذا كانت الطبيعة هي المادة ،والمادة هي الطبيعة والمادة تدرك بالحواس ،و الأخلاق صفات معنوية ،وليست صفات حسية تدرك بالحواس فلا أحد يرى أو يسمع أو يشم أو يتذوق أو يلمس أي خُلق من الأخلاق الحميدة كالشجاعة و الكرم و أداء الأمانة والاحترام والتوقير، والاعتدال والتوسط، والإخاء ، والإصلاح بين الناس، والإيثار، والإخلاص، والاستقامة، ، والحياء، والرحمة، والرفق ، والبر، والشكر، والصدق، والعدل، والعفة وغير ذلك.

    ولا أحد يرى أو يسمع أو يشم أو يتذوق أو يلمس أي خُلق من الأخلاق السيئة كالكبر، والاعتداء، والإفساد، والإسراف ، والتشاؤم ، والمن، والبخل، والبغي، والبغض، والبهتان، والتبذير، والجبن، والتجسس، والتواكل، والحسد، والخيانة، والرياء، والشماتة و السباب، والسخرية، وسوء الظن، والطمع، والظلم،والعجب، والغدر، ونقض العهود، والعنف، والغضب، والغيبة، والنميمة، والغيرة، والغش، والغرور، والجفاء، والتعيير، والفجور، والكذب، وقول الزور، ، والكبر وغير ذلك ،وعليه كيف تكون الطبيعة أو المادة مصدرا لشيء غير مادي ،ومن المعلوم أن فاقد الشيء لا يعطيه ؟!!!

    أخبرونا أيها الملاحدة : من أي مادة جاءت الرحمة ؟
    ومن أي مادة جاء العدل ؟
    ومن أي مادة جاء الكرم ؟
    ومن أي مادة جاء الإيثار ؟
    ومن أي مادة جاء الصدق ؟
    ومن أي مادة جاءت الشجاعة ؟

    وفي إطار المرجعية المادية يصير كل شيء مباحاً ونسبياً فعلى أي أساس مادي يمكن أن نحكم على سلوك الإنسان أنه سلوك حميد أو سلوك مذموم ؟!
    وفي إطار المرجعية المادية كيف نحب الصدق و نكره الكذب ؟!،و كيف نحب العدل ونكره الظلم ؟!! وكيف نحب الكرم و نكره البخل ؟!! وكيف نحب الشجاعة و نكره الجبن ؟!! و كيف نحب الأمانة و نكره الخيانة ؟

    و في إطار المرجعية المادية كيف يكون عندنا إدراك للأخلاق الحسنة و إدراك للأخلاق السيئة من الطبيعة التي ليس لديها إدراك ؟!!

    وإذا كنا في إطار المرجعية المادية نعجز عن تفسير الأخلاق فإننا نعجز أشد العجز عند تفسير خلق كالإيثار و التضحية ،و لا يوجد أي تفسير مادي يجعل المادة تؤثر مادة على نفسها ،ولا يوجد أي تفسير مادي يجعل المادة ترفض ما هو أصلح لها كمادة وتقبل التضحية من أجل مادة غيرها .

    والأخلاق تضع الملحد في مأزق فليس أمامه إلا خيارين إما أن يؤمن بوجودها و بذلك يؤمن بوجود مصدر غير مادي تسبب في نشأتها ،وإما ألا يعترف بوجودها وبذلك يصبح كائن غير أخلاقي مثله مثل الجماد .
    الطبيعة تتميز بالوحدة و السببية

    الطبيعة عند الماديين تتسم بالوحدة فهي نظام واحد صارم ، وفعلها متشابه لأنها واحدة في نفسها لا تفعل بإرادة ولا مشيئة فلا يمكن اختلاف أفعالها، ولا يوجد شيء متجاوز لها أو دونها أو وراءها ، و الطبيعة أيضا سببية فلكل ظاهرة سبب، وكل سبب يؤدي إلى نفس النتيجة في كل زمان ومكان مثلا الماء يغلي في كل الأماكن عند 100 درجة مئوية والتفاحة تسقط على الأرض ولن ترتفع إلى السماء في كل مكان ، ولا تكترث الطبيعة عندهم بالخصوصية ولا التفرد .

    والإنسان يتميَّز كل فرد فيه بخصوصيات لا يمكن محوها أو تجاهلها، فالأفراد ليسوا نسخاً متطابقة يمكن صبها في قوالب جاهزة وإخضاعها جميعاً للقوالب التفسيرية نفسها ،و من المشاهد و الملاحظ تباين طباع الناس وأخلاقهم ، فلو كانت الطبيعة مصدر الأخلاق فمن أين لها هذا الاختلاف ؟ وكيف تختلف أفعالها ؟! و لو كانت الطبيعة مصدر الأخلاق لكان الخلق متساوين في الأخلاق غير متفاوتين .

    و الإنسان حر في اختياره قادر على اتخاذ قرارات أخلاقية وعلى تحمُّل المسئولية ومقاييس مثل الحرية والقدرة على الاختيار مقاييس تستند إلى الإيمان بوجود شيء ما غير مادي، شيء متجاوز المادة شيء متجاوز الطبيعة .

    القول بأن مصدر الأخلاق هو الطبيعة يلغي إرادة الإنسان ومسئوليته تجاه أفعاله

    القول بأن مصدر الأخلاق هو الطبيعة يلغي إرادة الإنسان ؛ لأن الطبيعة تتسم بالحتمية فلا معنى لحرية الإرادة و الاختيار بل يصبح الإنسان كالريشة في مهب الريح، لا تملك لنفسها تصريفاً ولا توجيهاً ،و الحرية ترتبط دائما بالمسئولية، فإن لم يكن الشخص حر الإرادة، فلا مسئولية عليه وبذلك يصبح القول بأن مصدر الأخلاق هو الطبيعة ملغيا لالتزام الأفراد ومسئولياتهم و إرادتهم و يهدم المسئولية الأخلاقية من أساسها ، و لا تستقيم أمور الدنيا علي ذلك ؛ لأن الإنسان لابد أن يحاسب بعمله، ويحاسب على تصرفاته والقول إذا كان يلزم منه اللازم الباطل فهو قول فاسد لا اعتبار له .

    و هل يمكن أنْ نكلّف شخصاً بأيّ تكليف، ونحمّله مسؤولية ذلك إذا لم يكن له الخيار فيما يفعل؟ وكيف نمدح الناجح في عمله و نذم الفاشل إذا لم يكن له الخيار فيما يفعل ؟

    و في عالم الحتمية لا معنى للخير و الشر ،ولا معنى للثواب والعقاب ولا معنى للمدح و الذم ،ويصبح الحديث عن القيم الأخلاقية العليا لغوا لا معنى له إذ كل شيء يجري وفق قوانين ثابتة لا يمكن أن يحيد عنها .


    و في عالم الحتمية المحسن لا يكون مختاراً عندما يحسن، ولا المسيء يكون مختاراً عندما يسيء .

    Leave a comment:


  • د.ربيع أحمد
    replied
    مفهوم الداروينية الاجتماعية

    الداروينية الاجتماعية كلمة منسوبة إلى اسم تشارلز داروين (1731 ـ 1820) . وهي فلسفة علمانية شاملة، واحدية عقلانية مادية كمونية تنكر أية مرجعية غير مادية، وتستبعد الخالق من المنظومة المعرفية والأخلاقية وتَرُد العالم بأسره إلى مبدأ مادي واحد كامن في المادة وتدور في نطاق الصورة المجازية العضوية والآلية للكون.


    والآلية الكبرى للحركة في الداروينية هي الصراع والتَقدُّم اللانهائي وهو صفة من صفات الوجود الإنساني. وقد حققت الداروينية الاجتماعية ذيوعاً في أواخر القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي تَعثَّر فيها التحديث في شرق أوربا، وبدأ فيها بعض يهود اليديشية في تبنِّي الحل الصهيوني للمسألة اليهودية، كما بدأ التشكيل الإمبريالي الغربي يتسع ليقتسم العالم بأسره. ويمكن القول بأن الداروينية هي النموذج المعرفي الكامن وراء معظم الفلسفات العلمانية الشاملة، إن لم يكن كلها.

    ويرى دعاة الداروينية الاجتماعية أن القوانين التي تسري على عالم الطبيعة والغابة هي نفسها التي تسري على الظواهر الإنسانية، التاريخية والاجتماعية. وهم يذهبون إلى أن تشارلز داروين قد وصف هذه القوانين في كتابيه الكبيرين: حول أصل الأنواع من خلال الانتخاب الطبيعي وبقاء الأجناس الملائمة في عملية الصراع من أجل الحياة. وقد ذهب داروين إلى أن الكون بأسره سلسلة متواصلة في حالة حركة من أسفل إلى أعلى وأن الإنسان إن هو إلا إحدى هذه الحلقات، قد يكون أرقاها ولكنه ليس آخرها. ويرى داروين أن تَقدُّم الأنواع البيولوجية الحية يعتمد على الصراع من أجل البقاء الذي ينتصر فيه الأصلح .
    الطبيعة محايدة

    من المعلوم أن الطبيعة محايدة لا تعرف الخير أو الشر أو القبح أو الجمال ،والطبيعة محايدة لا تعرف ما هو أخلاقي و ما هو غير أخلاقي ، والإنسان لا يمكن أن يكون محايدا بالنسبة للأخلاق ولذلك فهو إما أن يكون صادقا في أخلاقه أو كاذبا، أو مازجا بين الصدق والكذب، وهي حالة أكثر شيوعا بين البشر , فكيف تكون الطبيعة المحايدة مصدرا لشيء غير محايد ؟! والإنسان عنده وعي أخلاقي و الطبيعة ليس عندها وعي أخلاقي و الملحد إذ اعتبر نفسه مادة فهذا يستلزم ألا توجد أخلاق عنده ؛ لأن المادة لا أخلاق عندها ،و كيف تكون الأخلاق في الإنسان مستمدة مما لا خلق عنده ؟!! وحسبُ التناقض دليلاً على إسقاط أيّ مذهب .


    الطبيعة حتمية

    الطبيعة عند الماديين خاضعة لقوانين آلية ثابتة ومنتظمة وصارمة و مطردة ولا إرادة فيها و لا اختيار وما يميِّز فعل الإنسان الأخلاقي عن أيِّ فعل آخر هو المصدر الدافع إليه ؛ إذ يصدر الفعل الأخلاقي من داخل النفس البشرية من المبادئ والقيم والمُثُل المغروسة فيها دون قسر أو إكراه خارجي عليه فالإنسان يتمتع بالإرادة ،وحرية الاختيار فيمكن أن يفعل الشيء بإرادته واختياره ويمكن ألا يفعل الشيء بإرادته مثلا : يمكن أن يصدق بإرادته واختياره ويمكن ألا يصدق ،ويمكن أن يفي بعهد من العهود بإرادته واختياره و يمكن ألا يفي ،ويمكن أن يرفق بالإنسان والحيوان بإرادته واختياره و يمكن ألا يرفق ،ويمكن أن يحترم غيره بإرادته واختياره ،ويمكن ألا يحترم ،فكيف تكون الطبيعة التي لا إرادة فيها ولا اختيار مصدرا لأخلاق الإنسان التي يتحلى بها عن إرادة واختيار وفاقد الشيء لا يعطيه ؟!!

    وكيف تكون الطبيعة حتمية و الإنسان لا تجوز عليه الحتمية ثم يقال أخلاق الإنسان صادرة من الطبيعة ،و الناس ليسوا كرات بليارد تتحرك بحتمية قوانين الطبيعة ؛ ولكنها مجموعة إرادات حرة تدخل في علاقات متعددة يستحيل فيها التنبؤ القائم على قوانين مادية ؟!!

    و إذا كان الإنسان يسرى عليه ما يسرى على الطبيعة وهو من الطبيعة و ابن الطبيعة فكيف يتمرد عليها من أين له حرية الإرادة و القدرة على التمرد على الطبيعة ؟

    والحتمية إنما تنطبق على ما هو من الكون مجبور لا اختيار له، فهي لا تنطبق على سلوك الحيوان الذي عنده هامش من الإرادة فضلا عن الإنسان الذي يمتلك حرية الإرادة والاختيار .






    الطبيعة مادية

    إذا كانت الطبيعة هي المادة ،والمادة هي الطبيعة والمادة تدرك بالحواس ،و الأخلاق صفات معنوية ،وليست صفات حسية تدرك بالحواس فلا أحد يرى أو يسمع أو يشم أو يتذوق أو يلمس أي خُلق من الأخلاق الحميدة كالشجاعة و الكرم و أداء الأمانة والاحترام والتوقير، والاعتدال والتوسط، والإخاء ، والإصلاح بين الناس، والإيثار، والإخلاص، والاستقامة، ، والحياء، والرحمة، والرفق ، والبر، والشكر، والصدق، والعدل، والعفة وغير ذلك.

    ولا أحد يرى أو يسمع أو يشم أو يتذوق أو يلمس أي خُلق من الأخلاق السيئة كالكبر، والاعتداء، والإفساد، والإسراف ، والتشاؤم ، والمن، والبخل، والبغي، والبغض، والبهتان، والتبذير، والجبن، والتجسس، والتواكل، والحسد، والخيانة، والرياء، والشماتة و السباب، والسخرية، وسوء الظن، والطمع، والظلم،والعجب، والغدر، ونقض العهود، والعنف، والغضب، والغيبة، والنميمة، والغيرة، والغش، والغرور، والجفاء، والتعيير، والفجور، والكذب، وقول الزور، ، والكبر وغير ذلك ،وعليه كيف تكون الطبيعة أو المادة مصدرا لشيء غير مادي ،ومن المعلوم أن فاقد الشيء لا يعطيه ؟!!!

    أخبرونا أيها الملاحدة : من أي مادة جاءت الرحمة ؟
    ومن أي مادة جاء العدل ؟
    ومن أي مادة جاء الكرم ؟
    ومن أي مادة جاء الإيثار ؟
    ومن أي مادة جاء الصدق ؟
    ومن أي مادة جاءت الشجاعة ؟

    وفي إطار المرجعية المادية يصير كل شيء مباحاً ونسبياً فعلى أي أساس مادي يمكن أن نحكم على سلوك الإنسان أنه سلوك حميد أو سلوك مذموم ؟!
    وفي إطار المرجعية المادية كيف نحب الصدق و نكره الكذب ؟!،و كيف نحب العدل ونكره الظلم ؟!! وكيف نحب الكرم و نكره البخل ؟!! وكيف نحب الشجاعة و نكره الجبن ؟!! و كيف نحب الأمانة و نكره الخيانة ؟

    و في إطار المرجعية المادية كيف يكون عندنا إدراك للأخلاق الحسنة و إدراك للأخلاق السيئة من الطبيعة التي ليس لديها إدراك ؟!!

    وإذا كنا في إطار المرجعية المادية نعجز عن تفسير الأخلاق فإننا نعجز أشد العجز عند تفسير خلق كالإيثار و التضحية ،و لا يوجد أي تفسير مادي يجعل المادة تؤثر مادة على نفسها ،ولا يوجد أي تفسير مادي يجعل المادة ترفض ما هو أصلح لها كمادة وتقبل التضحية من أجل مادة غيرها .

    والأخلاق تضع الملحد في مأزق فليس أمامه إلا خيارين إما أن يؤمن بوجودها و بذلك يؤمن بوجود مصدر غير مادي تسبب في نشأتها ،وإما ألا يعترف بوجودها وبذلك يصبح كائن غير أخلاقي مثله مثل الجماد .
    الطبيعة تتميز بالوحدة و السببية

    الطبيعة عند الماديين تتسم بالوحدة فهي نظام واحد صارم ، وفعلها متشابه لأنها واحدة في نفسها لا تفعل بإرادة ولا مشيئة فلا يمكن اختلاف أفعالها، ولا يوجد شيء متجاوز لها أو دونها أو وراءها ، و الطبيعة أيضا سببية فلكل ظاهرة سبب، وكل سبب يؤدي إلى نفس النتيجة في كل زمان ومكان مثلا الماء يغلي في كل الأماكن عند 100 درجة مئوية والتفاحة تسقط على الأرض ولن ترتفع إلى السماء في كل مكان ، ولا تكترث الطبيعة عندهم بالخصوصية ولا التفرد .

    والإنسان يتميَّز كل فرد فيه بخصوصيات لا يمكن محوها أو تجاهلها، فالأفراد ليسوا نسخاً متطابقة يمكن صبها في قوالب جاهزة وإخضاعها جميعاً للقوالب التفسيرية نفسها ،و من المشاهد و الملاحظ تباين طباع الناس وأخلاقهم ، فلو كانت الطبيعة مصدر الأخلاق فمن أين لها هذا الاختلاف ؟ وكيف تختلف أفعالها ؟! و لو كانت الطبيعة مصدر الأخلاق لكان الخلق متساوين في الأخلاق غير متفاوتين .

    و الإنسان حر في اختياره قادر على اتخاذ قرارات أخلاقية وعلى تحمُّل المسئولية ومقاييس مثل الحرية والقدرة على الاختيار مقاييس تستند إلى الإيمان بوجود شيء ما غير مادي، شيء متجاوز المادة شيء متجاوز الطبيعة .

    القول بأن مصدر الأخلاق هو الطبيعة يلغي إرادة الإنسان ومسئوليته تجاه أفعاله

    القول بأن مصدر الأخلاق هو الطبيعة يلغي إرادة الإنسان ؛ لأن الطبيعة تتسم بالحتمية فلا معنى لحرية الإرادة و الاختيار بل يصبح الإنسان كالريشة في مهب الريح، لا تملك لنفسها تصريفاً ولا توجيهاً ،و الحرية ترتبط دائما بالمسئولية، فإن لم يكن الشخص حر الإرادة، فلا مسئولية عليه وبذلك يصبح القول بأن مصدر الأخلاق هو الطبيعة ملغيا لالتزام الأفراد ومسئولياتهم و إرادتهم و يهدم المسئولية الأخلاقية من أساسها ، و لا تستقيم أمور الدنيا علي ذلك ؛ لأن الإنسان لابد أن يحاسب بعمله، ويحاسب على تصرفاته والقول إذا كان يلزم منه اللازم الباطل فهو قول فاسد لا اعتبار له .

    و هل يمكن أنْ نكلّف شخصاً بأيّ تكليف، ونحمّله مسؤولية ذلك إذا لم يكن له الخيار فيما يفعل؟ وكيف نمدح الناجح في عمله و نذم الفاشل إذا لم يكن له الخيار فيما يفعل ؟

    و في عالم الحتمية لا معنى للخير و الشر ،ولا معنى للثواب والعقاب ولا معنى للمدح و الذم ،ويصبح الحديث عن القيم الأخلاقية العليا لغوا لا معنى له إذ كل شيء يجري وفق قوانين ثابتة لا يمكن أن يحيد عنها .


    و في عالم الحتمية المحسن لا يكون مختاراً عندما يحسن، ولا المسيء يكون مختاراً عندما يسيء .

    Leave a comment:


  • د.ربيع أحمد
    replied
    مفهوم الأخلاق

    الأخلاق مفرد كلمة خلق ،و الخلق عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كان الصادر عنها الأفعال الحسنة كانت الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة سمّيت الهيئة التي هي مصدر ذلك خلقا سيئا، وإنما قلنا إنه هيئة راسخة لأن من يصدر منه بذل المال على الندور بحالة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه .

    والذي يفصلُ الأخلاق وُيميِّزُهَا عن غيرها هي الآثار القَابلة للمدح أو الذَّم، وبذلك يتميز الخُلُق الحسن عن الغريزة فالأكل مثلا غريزة، والإنسان عند الجوع يأكلُ بدافع الغريزة وليس مما يمدح به أو يذم. لكن لو أنَّ إنسانَا أكلَ زائدًا عن حاجته الغريزية، صارَ فعله مذمومًا، لأنه أثر لخلق في النفس مذموم، وهو الطمع، وعكس ذلك أثر لخلق في النفس محمود، وهو القناعة. كذلك فإن مسألة حبّ البقاء ليست محلًا للمدح أو الذم في باب السلوك الأخلاقي، لكن الخوف الزائد عن حاجات هذه الغريزة أثر لخلق في النفس مذموم، وهو الجبن، أما الإقدامُ الذي لا يصلُ إلى حد التهور، فهو أثر لخلق في النفس محمود، وهو الشجاعة .

    وهكذا سائرُ الغرائزِ والدوافع النفسية التي لا تدخلُ في باب الأخلاق، إنَّما يميزها عن الأخلاق كون آثارها في السلوك أمورًا طبيعية ليست مما تُحمد إرادة الإنسان عليه أو تذم .


    و الخُلُق منه ما هو طبيعي أي فطري يولد الإنسان مجبولا عليه كالحلم والتؤدة والحياء ، ومنه ما هو مكتسب ينشأ من التعود والتدرب والبيئة كالشجاعة والكرم .


    ولابد أن نفرق بين الخلق والتخلق إذ التخلق هو تكلف و تصنع خلق معين وهذا التصنع لا يدوم طويلاً بل يرجع إلى الأصل، والسلوك المتكلف لا يسمى خلقًا حتى يصير عادة وحالة للنفس راسخة يصدر عن صاحبه في يسر وسهولة، فالذي يصدق مرة لا يوصف بأن خلقه الصدق ومن يكذب مرة لا يقال إن خلقه الكذب بل العبرة بالاستمرار في الفعل حتى يصير طابعًا عامًا في سلوكه .







    مفهوم الطبيعة

    الطبيعة لفظ مشترك المعاني – أي له عدة معاني – غامض جدا مما دعا بعض علماء الطبيعة في القرن السابع عشر إلى تجنب استعماله لقد استعمله علماء الطبيعة بمعنى كل ما هو مشاهد .

    و الطبيعة قد تعني ذوات الأشياء المادية المحسوسة الموجودة في الكون حولنا من جماد وحيوان ونبات ،وقد تعني صفات الأشياء الموجودة في الكون من حركة وسكون, وحرارة وبرودة, وليونة ويبوسة, وغير ذلك ، وقد تعني الخصائص الثابتة التي تميز كائنا أو شيئا ما بحيث لا يمكن تصوره بدونها كالاحتراق بالنسبة للنار أو المكر بالنسبة للثعلب ، وقد تعني مجموع الخصائص الأساسية الثابتة للشيء المنتمية إلى ماهيته أو جوهره في مقابل صفاته المؤقتة أو الثانوية ، وقد تعني صفات الكائن الحي واستعداداته المنتمية إلى الإرث البيولوجي في مقابل الصفات المكتسبة ،وقد تعني مجموعة الأشياء التي لم يتدخل الإنسان في صنعها كالأشجار و الجبال مثلا وقد تعني مجموع السنن و القوانين المتحكمة في ظواهر العالم المشاهد المحسوس السارية على جميع موجوداته ،وقد تعني المادة التي تتكون منها الأشياء في العالم المشاهد المحسوس ،وقد تعني مجموعة الخصائص الفطرية و الغريزية التي تولد مع الإنسان و المشتركة بين جميع الناس، كالأكل و النوم. و بهذا المعنى فالطبيعة هي عكس ما هو مكتسب و ثقافي.

    و يكثر استعمال كلمة الطبيعة في الخطاب الفلسفي الغربي محل كلمة المادة فهي عند الفلاسفة الجوهر المادي الأول الذي تصنع منه الأشياء، وهذا الجوهر المادي هو أصل الوجود، والعلة الأولى في وجود هذا الكون ، وهي عند أفلاطون المثال، وعلة الوجود، والنفس الكلية، وعند أرسطو هي أصل الأشياء ، و مصدر الحركة ، والمادة التي تصنع منها الأشياء .

    وقد استخدمت الفلسفات الغربية مفهوم الطبيعة، بهذا المعنى الإغريقي القديم ، فالطبيعيون والمثاليون و الواقعيون و الدارونيون يرون الطبيعة هي الأشياء، وهي القانون الطبيعي الذي يعمل في الأشياء، والطبيعة هي أصل الأشياء .

    ويقول الدكتور عبد الوهاب المسيري : ( مفهوم الطبيعة مفهوم أساسي في الفلسفات المادية التي تدور في إطار المرجعية الكامنة، وخصوصاً في الغرب، فكلمة «طبيعة» داخل السياق الفلسفي الغربي لا تشير إلى الأحجار والأشجار والسحب والقمر والتلقائية والحرية، وإنما هي كيان يتسم ببعض الصفات الأساسية التي يمكن تلخيصها فيما يلي:
    1 ـ تتسم الطبيعة بالوحدة، فهي شاملة لا انقطاع فيها ولا فراغات، وهي الكل المتصل وما عداها مجرد جزء ناقص منها، فهي لا تتحمل وجود أية مسافات أو ثغرات أو ثنائيات. وجماع الأشياء والإجراءات التي توجد في الزمان والمكان هو الطبيعة، وهي مستوى الواقع الوحيد ولا يوجد شيء متجاوز لها أو دونها أو وراءها، فالطبيعة نظام واحد صارم.
    2 ـ تتسم الطبيعة بالقانونية (لكل ظاهرة سبب وكل سبب يؤدي إلى نفس النتيجة في كل زمان ومكان) ، أي أن الطبيعة بأسرها متسقة مع نفسها، فهي تتحرك تلقائياً بقوة دفع نابعة منها، وهي خاضعة لقوانين واحدة ثابتة منتظمة صارمة مطردة وآلية، قوانين رياضية عامة واضحة، حتمية لا يمكن تعديلها أو التدخل فيها ، وهي قوانين كامنة فيها.
    3 ـ الحركة أمر مادي، ومن ثم، لا توجد غائية في العالم المادي (حتى لو كانت غائية إنسانية تسحب خصوصيات النشاط البشري على الطبيعة المادية) .
    4 ـ لا تكترث الطبيعة بالخصوصية ولا التفرد ولا الظاهرة الإنسانية ولا الإنسان الفرد واتجاهاته ورغباته، ولا تمنح الإنسان أية مكانة خاصة في الكون، فهو لا يختلف في تركيبه عن بقية الكائنات ويمكن تفسيره في كليته بالعودة إلى قوانين الطبيعة. والإنسان الفرد (أو الجزء) يذوب في الكل (الطبيعي/المادي) ذوبان الذرات فيها، أي أن الطبيعة تلغي تماماً الحيز الإنساني.
    5 ـ الإيمان بأنه لا توجد غيبيات ولا يوجد تَجاوُز للنظام الطبيعي من أي نوع، فالطبيعة تحوي داخلها كل القوانين التي تتحكم فيها وكل ما نحتاج إليه لتفسيرها؛ فهي علة ذاتها، تُوجَد في ذاتها، مكتفية بذاتها وتُدرَك بذاتها، وهي واجبة الوجود.

    يُلاحَظ أن الطبيعة، حسب هذا التعريف الفلسفي، هي نظام واحدي مغلق مكتف بذاته، تُوجَد مقومات حركته داخله، لا يشير إلى أي هدف أو غرض خارجه، يحوي داخله كل ما يلزم لفهمه. وهو نظام ضروري كلي شامل تنضوي كل الأشياء تحته، وضمن ذلك الإنسان الذي يُستوعَب في عالم الطبيعة ويُختزَل إلى قوانينها بحيث يصبح جزءاً لا يتجزأ منها ويختفي ككيان مركب منفصل نسبياً عما حوله وله قوانينه الإنسانية الخاصة (ولذا فالرغبة في العودة إلى الطبيعة هي تعبير عن النزعة الجنينية في الإنسان) . وهذه هي الصفات الأساسية للمذهب المادي. ولذا، فنحن نرى أن كلمة «المادة» يجب أن تحل محل كلمة «الطبيعة» أو أن تُضاف الواحدة للأخرى، وذلك لفك شفرة الخطاب الفلسفي الذي يستند إلى فكرة الطبيعة، ولكي نفهمه حق الفهم وندرك أبعاده المعرفية المادية.

    ولعل كثيراً من اللغط الفلسفي ينكشف إذا استخدمنا كلمة «مادي» بدلاً من كلمة «طبيعي» ، فبدلاً من «المذهب الطبيعي» نقول «المذهب المادي» ، وبدلاً من «القانون الطبيعي» نقول «القانون المادي» ، وبدلاً من «الإنسان الطبيعي» يمكننا أن نقول «الإنسان المادي» ، وبدلاً من «الطبيعية ( بالإنجليزية : ناتشوراليزم naturalism) » نقول «مادية» . وحينئذ، فإننا نؤكد أن الإنسان الطبيعي، في واقع الأمر، شخص يُعرَّف في إطار وظائفه الطبيعية البيولوجية ويعيش حسب قوانين الحركة المادية ويُرَدُّ إليها، ولذا فهو يجمع براءة الذئاب وتلقائية الأفعى وحياد العاصفة وتَسطُّح الأشياء وبساطتها. وحينما نقول «العودة للطبيعة» ، فنحن نقصد أن العودة ستكون لقوانين الطبيعة، أي قوانين المادة. وقد فك هتلر شفرة الخطاب الفلسفي الغربي بكفاءة غير عادية حينما قال يجب أن نكون مثل الطبيعة، والطبيعة لا تعرف الرحمة أو الشفقة، وقد تبع في ذلك كلاً من داروين ونيتشه ) .





    Leave a comment:


  • د.ربيع أحمد
    replied
    مفهوم الأخلاق

    الأخلاق مفرد كلمة خلق ،و الخلق عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كان الصادر عنها الأفعال الحسنة كانت الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة سمّيت الهيئة التي هي مصدر ذلك خلقا سيئا، وإنما قلنا إنه هيئة راسخة لأن من يصدر منه بذل المال على الندور بحالة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه .

    والذي يفصلُ الأخلاق وُيميِّزُهَا عن غيرها هي الآثار القَابلة للمدح أو الذَّم، وبذلك يتميز الخُلُق الحسن عن الغريزة فالأكل مثلا غريزة، والإنسان عند الجوع يأكلُ بدافع الغريزة وليس مما يمدح به أو يذم. لكن لو أنَّ إنسانَا أكلَ زائدًا عن حاجته الغريزية، صارَ فعله مذمومًا، لأنه أثر لخلق في النفس مذموم، وهو الطمع، وعكس ذلك أثر لخلق في النفس محمود، وهو القناعة. كذلك فإن مسألة حبّ البقاء ليست محلًا للمدح أو الذم في باب السلوك الأخلاقي، لكن الخوف الزائد عن حاجات هذه الغريزة أثر لخلق في النفس مذموم، وهو الجبن، أما الإقدامُ الذي لا يصلُ إلى حد التهور، فهو أثر لخلق في النفس محمود، وهو الشجاعة .

    وهكذا سائرُ الغرائزِ والدوافع النفسية التي لا تدخلُ في باب الأخلاق، إنَّما يميزها عن الأخلاق كون آثارها في السلوك أمورًا طبيعية ليست مما تُحمد إرادة الإنسان عليه أو تذم .


    و الخُلُق منه ما هو طبيعي أي فطري يولد الإنسان مجبولا عليه كالحلم والتؤدة والحياء ، ومنه ما هو مكتسب ينشأ من التعود والتدرب والبيئة كالشجاعة والكرم .


    ولابد أن نفرق بين الخلق والتخلق إذ التخلق هو تكلف و تصنع خلق معين وهذا التصنع لا يدوم طويلاً بل يرجع إلى الأصل، والسلوك المتكلف لا يسمى خلقًا حتى يصير عادة وحالة للنفس راسخة يصدر عن صاحبه في يسر وسهولة، فالذي يصدق مرة لا يوصف بأن خلقه الصدق ومن يكذب مرة لا يقال إن خلقه الكذب بل العبرة بالاستمرار في الفعل حتى يصير طابعًا عامًا في سلوكه .







    مفهوم الطبيعة

    الطبيعة لفظ مشترك المعاني – أي له عدة معاني – غامض جدا مما دعا بعض علماء الطبيعة في القرن السابع عشر إلى تجنب استعماله لقد استعمله علماء الطبيعة بمعنى كل ما هو مشاهد .

    و الطبيعة قد تعني ذوات الأشياء المادية المحسوسة الموجودة في الكون حولنا من جماد وحيوان ونبات ،وقد تعني صفات الأشياء الموجودة في الكون من حركة وسكون, وحرارة وبرودة, وليونة ويبوسة, وغير ذلك ، وقد تعني الخصائص الثابتة التي تميز كائنا أو شيئا ما بحيث لا يمكن تصوره بدونها كالاحتراق بالنسبة للنار أو المكر بالنسبة للثعلب ، وقد تعني مجموع الخصائص الأساسية الثابتة للشيء المنتمية إلى ماهيته أو جوهره في مقابل صفاته المؤقتة أو الثانوية ، وقد تعني صفات الكائن الحي واستعداداته المنتمية إلى الإرث البيولوجي في مقابل الصفات المكتسبة ،وقد تعني مجموعة الأشياء التي لم يتدخل الإنسان في صنعها كالأشجار و الجبال مثلا وقد تعني مجموع السنن و القوانين المتحكمة في ظواهر العالم المشاهد المحسوس السارية على جميع موجوداته ،وقد تعني المادة التي تتكون منها الأشياء في العالم المشاهد المحسوس ،وقد تعني مجموعة الخصائص الفطرية و الغريزية التي تولد مع الإنسان و المشتركة بين جميع الناس، كالأكل و النوم. و بهذا المعنى فالطبيعة هي عكس ما هو مكتسب و ثقافي.

    و يكثر استعمال كلمة الطبيعة في الخطاب الفلسفي الغربي محل كلمة المادة فهي عند الفلاسفة الجوهر المادي الأول الذي تصنع منه الأشياء، وهذا الجوهر المادي هو أصل الوجود، والعلة الأولى في وجود هذا الكون ، وهي عند أفلاطون المثال، وعلة الوجود، والنفس الكلية، وعند أرسطو هي أصل الأشياء ، و مصدر الحركة ، والمادة التي تصنع منها الأشياء .

    وقد استخدمت الفلسفات الغربية مفهوم الطبيعة، بهذا المعنى الإغريقي القديم ، فالطبيعيون والمثاليون و الواقعيون و الدارونيون يرون الطبيعة هي الأشياء، وهي القانون الطبيعي الذي يعمل في الأشياء، والطبيعة هي أصل الأشياء .

    ويقول الدكتور عبد الوهاب المسيري : ( مفهوم الطبيعة مفهوم أساسي في الفلسفات المادية التي تدور في إطار المرجعية الكامنة، وخصوصاً في الغرب، فكلمة «طبيعة» داخل السياق الفلسفي الغربي لا تشير إلى الأحجار والأشجار والسحب والقمر والتلقائية والحرية، وإنما هي كيان يتسم ببعض الصفات الأساسية التي يمكن تلخيصها فيما يلي:
    1 ـ تتسم الطبيعة بالوحدة، فهي شاملة لا انقطاع فيها ولا فراغات، وهي الكل المتصل وما عداها مجرد جزء ناقص منها، فهي لا تتحمل وجود أية مسافات أو ثغرات أو ثنائيات. وجماع الأشياء والإجراءات التي توجد في الزمان والمكان هو الطبيعة، وهي مستوى الواقع الوحيد ولا يوجد شيء متجاوز لها أو دونها أو وراءها، فالطبيعة نظام واحد صارم.
    2 ـ تتسم الطبيعة بالقانونية (لكل ظاهرة سبب وكل سبب يؤدي إلى نفس النتيجة في كل زمان ومكان) ، أي أن الطبيعة بأسرها متسقة مع نفسها، فهي تتحرك تلقائياً بقوة دفع نابعة منها، وهي خاضعة لقوانين واحدة ثابتة منتظمة صارمة مطردة وآلية، قوانين رياضية عامة واضحة، حتمية لا يمكن تعديلها أو التدخل فيها ، وهي قوانين كامنة فيها.
    3 ـ الحركة أمر مادي، ومن ثم، لا توجد غائية في العالم المادي (حتى لو كانت غائية إنسانية تسحب خصوصيات النشاط البشري على الطبيعة المادية) .
    4 ـ لا تكترث الطبيعة بالخصوصية ولا التفرد ولا الظاهرة الإنسانية ولا الإنسان الفرد واتجاهاته ورغباته، ولا تمنح الإنسان أية مكانة خاصة في الكون، فهو لا يختلف في تركيبه عن بقية الكائنات ويمكن تفسيره في كليته بالعودة إلى قوانين الطبيعة. والإنسان الفرد (أو الجزء) يذوب في الكل (الطبيعي/المادي) ذوبان الذرات فيها، أي أن الطبيعة تلغي تماماً الحيز الإنساني.
    5 ـ الإيمان بأنه لا توجد غيبيات ولا يوجد تَجاوُز للنظام الطبيعي من أي نوع، فالطبيعة تحوي داخلها كل القوانين التي تتحكم فيها وكل ما نحتاج إليه لتفسيرها؛ فهي علة ذاتها، تُوجَد في ذاتها، مكتفية بذاتها وتُدرَك بذاتها، وهي واجبة الوجود.

    يُلاحَظ أن الطبيعة، حسب هذا التعريف الفلسفي، هي نظام واحدي مغلق مكتف بذاته، تُوجَد مقومات حركته داخله، لا يشير إلى أي هدف أو غرض خارجه، يحوي داخله كل ما يلزم لفهمه. وهو نظام ضروري كلي شامل تنضوي كل الأشياء تحته، وضمن ذلك الإنسان الذي يُستوعَب في عالم الطبيعة ويُختزَل إلى قوانينها بحيث يصبح جزءاً لا يتجزأ منها ويختفي ككيان مركب منفصل نسبياً عما حوله وله قوانينه الإنسانية الخاصة (ولذا فالرغبة في العودة إلى الطبيعة هي تعبير عن النزعة الجنينية في الإنسان) . وهذه هي الصفات الأساسية للمذهب المادي. ولذا، فنحن نرى أن كلمة «المادة» يجب أن تحل محل كلمة «الطبيعة» أو أن تُضاف الواحدة للأخرى، وذلك لفك شفرة الخطاب الفلسفي الذي يستند إلى فكرة الطبيعة، ولكي نفهمه حق الفهم وندرك أبعاده المعرفية المادية.

    ولعل كثيراً من اللغط الفلسفي ينكشف إذا استخدمنا كلمة «مادي» بدلاً من كلمة «طبيعي» ، فبدلاً من «المذهب الطبيعي» نقول «المذهب المادي» ، وبدلاً من «القانون الطبيعي» نقول «القانون المادي» ، وبدلاً من «الإنسان الطبيعي» يمكننا أن نقول «الإنسان المادي» ، وبدلاً من «الطبيعية ( بالإنجليزية : ناتشوراليزم naturalism) » نقول «مادية» . وحينئذ، فإننا نؤكد أن الإنسان الطبيعي، في واقع الأمر، شخص يُعرَّف في إطار وظائفه الطبيعية البيولوجية ويعيش حسب قوانين الحركة المادية ويُرَدُّ إليها، ولذا فهو يجمع براءة الذئاب وتلقائية الأفعى وحياد العاصفة وتَسطُّح الأشياء وبساطتها. وحينما نقول «العودة للطبيعة» ، فنحن نقصد أن العودة ستكون لقوانين الطبيعة، أي قوانين المادة. وقد فك هتلر شفرة الخطاب الفلسفي الغربي بكفاءة غير عادية حينما قال يجب أن نكون مثل الطبيعة، والطبيعة لا تعرف الرحمة أو الشفقة، وقد تبع في ذلك كلاً من داروين ونيتشه ) .





    Leave a comment:


  • د.ربيع أحمد
    replied
    الملحد ودعواه أن الأخلاق مصدرها الطبيعة












    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى أصحابه الغر الميامين ، و على من أتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد :

    فقد انتشر في عصرنا مرض الإلحاد ، وهو أحد الأمراض الفكرية الفتاكة إذ يفتك بالإيمان و يعمي الحواس عن أدلة وجود الخالق الرحمن ،و تجد المريض يجادل في البديهيات و يجمع بين النقيضين ويفرق بين المتماثلين ،ويجعل من الظن علما و من العلم جهلا و من الحق باطلا و من الباطل حقا .

    ومن عوامل انتشار هذا المرض الجهل بالدين و ضعف العقيدة واليقين والاسترسال في الوساوس الكفرية والسماع والقراءة لشبهات أهل الإلحاد دون أن يكون لدى الإنسان علم شرعي مؤصل .

    وشبهات أهل الإلحاد ما هي إلا أقوال بلا دليل وادعاءات بلا مستند ،ورغم ضعفها و بطلانها إلا أنها قد تؤثر في بعض المسلمين لقلة العلم وازدياد الجهل بالدين ولذلك كان لابد من كشف شبهات ومغالطات ودعاوي أهل الإلحاد شبهة تلو الأخرى و مغالطة تلو المغالطة ودعوى تلو الدعوى حتى لا ينخدع أحد بكلامهم وشبههم .

    وفي هذا المقال سنتناول بإذن الله دعوى يكثر تكرارها من الملاحدة و اللادينين ألا وهي أن أخلاق الإنسان مصدرها الطبيعة و تستمد من الطبيعة ، ومنشأ الأخلاق هو منشأ طبيعي بحت هدفهُ الحفاظ على النوع واستمرار بقاء الفرد وتحقيق فائدة شخصية غير مباشرة من خلال الفائدة العامة المباشرة .

    ومنهم من يقول الأخلاق يجب أن تُفسَّر تفسيرًا ماديًّا، ووفقًا لقانون طبيعي، فمنطق الحاجة الطبيعيَّة المباشِرة هو الذي يتحكَّم في الأخلاق الإنسانيَّة، تمامًا مثلما تتحكَّم الجاذبية في سقوط التفَّاحة.

    و بالغ بعضهم في الطبيعة حتى وصل أن قال إننا مجبورون على السير في الطريق الذي رسمته لنا الطبيعة فإننا لا نسير إلا في الطريق الذي نحبه ولكننا لم نحب نحن هذا الطريق, ولكن الطبيعة هي التي جعلتنا نحبه وهي التي تجبرنا على السير فيه ،و الإنسان نظام كغيره من النظم في الطبيعة يخضع بدوره لقوانين الطبيعة الحتمية .

    ومنهم من يزعم أن الانتخاب الطبيعيّ هو صاحب الكلمة الأخيرة في تقرير سلوك الإنسان ،و قد أنتج هذا الانتخاب عند الكائن البشريّ نوع من القاعدة الأخلاقيّة الكونيّة ، والأخلاق تطورت تطورًا تدريجيًّا، وليس عبر قفزات نوعية .

    ومنهم من يدعي أن الأخلاق تكيف بيولوجي تطوري .

    ومنهم من يزعم أن وجود قيم أخلاقية مشتركة بين الشعوب المختلفة يمكن تفسيره بالداروينية الاجتماعية .

    ومنهم من يدعي أن الأخلاق قوانين سلوكية تفرضها الطبيعة وحسب آليّة الانتقاء التّطوريّ والقائمة على الغربلة الطّبيعية المستمرة عبر ملايين السّنين صارت الكائنات تمتلك مزيجًا من السّلوكيات الأنانية (الشريرة) من ناحية، والسّلوكيات الأخلاقيّة الإيثارية (الخيّرة) من ناحيةٍ أخرى، ممّا مكنها من التّعاون الدّاخلي وتحسين مجتمعها والحفاظ على بقائها ضد الأعداء .

    وقبل الرد على هذه الدعاوي لابد من معرفة مفهوم الأخلاق و معرفة مفهوم الطبيعة و معرفة مفهوم الداروينية الاجتماعية .

    Leave a comment:


  • د.ربيع أحمد
    replied
    الملحد وسؤاله الخاطئ من خلق الله ؟ التحميل من هنا أو هنا

    Leave a comment:


  • د.ربيع أحمد
    replied




    الرد على سؤال الملاحدة : لماذا لا نفترض أن المادة الأولى غير معلولة الوجود ؟

    يقول الملاحدة إذا كان الله عندكم لا علة لوجوده فلماذا لا تفترضون أن المادة الأولى غير معلولة الوجود ؟ والجواب فرق شاسع بين صفات الخالق التي تحمل دليل قدمه و أزليته و بين صفات المادة التي تحمل دليل حدوثها وافتقارها لمحدث ،وقول الملاحدة أن المادة الأولى غير معلولة الوجود قول بلا دليل ،والجواب عليه من وجوه :
    الوجه الأول : أن العلم لا يدري ماذا كان قبل الانفجار العظيم الذي نشأ منه الكون ،و لا يدري من أين جاءت المادة التي نشأ منها الكون و تطور منها كل شيء ؟
    الوجه الثاني : ليس هناك ما يدعو إلى أن المادة و الطاقة كانتا موجودتين قبل الانفجار العظيم .
    الوجه الثالث : الفضاء والزمان وجدوا مع الانفجار العظيم ، والمادة هي كل ما له كتلة وحجم ويشغل حيز في الفراغ أي المادة تحتاج لمكان أو حيز ليحويها ،وبالتالي لا مادة دون وجود المكان الذي سيحويها .
    الوجه الرابع : كون الكون تطور من المادة الأولى إلى الحالة التي هو عليها فهذا يدل أن المادة الأولى قد طرأ عليها التغير و التبدل ،وما يجري عليه التغير والتبدل لا يكون أزليا ؛ لأن كل ما يتغير و يتبدل لا بد له من مغيِّر و مبدل أي لابد له من سبب يغيره و يبدله ،وهذا السبب لابد أن يكون سابقا له مما ينافي الأزلية ،و مادامت المادة الأولى احتاجت إلى سبب يغيرها من حال إلى حال و سبب يبدلها من حال إلى حال فالمادة محتاجة إلى غيرها غير مستغنية بنفسها مما يدل أن المادة حادثة ،و لو كان الأصل فيها الوجود الأزلي لم تكن عرضة للتحول والتغير والتبدل .
    .
    هل القول بخالق للكون يفتح الباب للتسلسل الممنوع ؟

    يزعم الملاحدة أن القول بخالق للكون سيؤدي بنا إلى القول أن هذا الخالق له خالق آخر ، وهذا يمهد الطريق لآخرين ليضيفو خالقين آخرين مما يفتح الباب للتسلسل الممنوع وهذا الكلام فيه خلط للحقائق ،وتسوية بين صفات الخالق القديم الأزلي ،وصفات المخلوق الحادث فالخالق لا يُخلق ،والقديم لا يُحدَث ،وكون الله الخالق قد خلق الكون فهذا يقطع بعدم التسلسل في الفاعلين ؛ لأن من صفات الخالق أنه الأول فليس قبله شيء ،وبذلك لايوجد تسلسل في الفاعلين .



    هذا و الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات

    مراجع المقال :
    1- الشرك في القديم والحديث أبو بكر محمد زكريا
    2- الفيزياء ووجود الخالق د.جعفر شيخ إدريس
    3- صراع مع الملاحدة حتى العظم الشيخ عبد الرحمن الميداني
    4- كواشف زيوف الشيخ عبد الرحمن الميداني

    Leave a comment:


  • د.ربيع أحمد
    replied

    الرد على زعم بعضهم أن استغناء الله‏ عن علة توجده يستلزم أن الله‏ توقف في وجوده على نفسه

    يقول بعض الملاحدة قولكم أيها المؤمنون بأن الله لا علة لوجوده يستلزم أن الله‏ توقف في وجوده على نفسه أي أن الله‏ هو الذي أوجد نفسه بنفسه ،و هذا يستلزم أنه الله علة لنفسه ،و الجواب كلامكم أيها الملاحدة يصح لو كان الله ممكن الوجود إذ ممكن الوجود هو ما كان حادثاً بعد عدم أي وجوده له بداية فيتصور العقل وجوده وعدم وجوده فيمكن أن يوجد و يمكن ألا يوجد و هذا الحادث بعد عدم لابد له من موجد يوجده وخالق يحدثه أي يحتاج في وجوده إلي موجِد .

    ولكن الله عندنا واجب الوجود أي وجوده ذاتي لا ينفك عنه فلم يكن في زمن من الأزمان بمفتقرٍ إلى الوجود ، و لم يكن في زمن من الأزمان معدوماً حتى يحتاج إلى من يخرجه من العدم إلى حَيّز الوجود سبحانه خالق الزمان والمكان ، وعليه فإن الله‏ لا يصدق عليه أنه مخلوق ومعلول حتى نسأل عن خالقه وعلته أو أن نقول بأنه خلق نفسه بنفسه .




    الرد على سؤالهم لماذا تقفون بمبدأ السببية وتعطلونه عندما يتعلق الأمر بالله؟

    يقول الملاحدة عندما نسألكم أيها المؤمنون عن علة وجود الله تجيبون بأن الله غير معلول الوجود ، فلماذا تقفون بمبدأ السببية وتعطلونه عندما يتعلق الأمر بالله ؟ والجواب على سؤالهم من وجوه :
    الوجه الأول : أن الأصل في الخالق الوجود إذ لو كان الأصل فيه العدم لما أوجد الكون ؛ لأن فاقد الشيء الذي لا يملكه، ولا يملك سبباً لإعطائه لايعطيه ، و إذا كان الأصل في الخالق الوجود فلايصح أن نسأل عن سبب وجوده .
    الوجه الثاني : أن الله أزلي فوجوده ذاتي لا ينفك عنه فلايصح أن نسأل عن سبب وجوده ، ووجوده ليس له بداية .
    الوجه الثالث : أن الله له الكمال المطلق إذ هو واهب الكمال لمخلوقاته فهو أحق بالاتصاف بها من الموهوب ، وكل كمال ثبت للمخلوق المحدث المربوب الممكن، فإنه يكون ثابتا للخالق من باب أولى ،وإذا كان الكمال المطلق لله ،والاحتياج يناقض الكمال المطلق فالكامل المطلق لا يحتاج إلى غيره ،وعليه فالخالق لا يحتاج إلى غيره ،وإذا لم يحتج إلى غيره فهو غير معلول ،و إذا كان غير معلول فلايصح أن نسأل عن علته .
    الوجه الرابع : أن السؤال عن سبب وجود شيء يصح فيما كان الأصل فيه الحدوث و أنه لم يكن موجودا ثم أصبح موجودا بعد عدم ،والله قديم وليس حادثا .
    الوجه الخامس : لو قلنا بأن كل خالق له من خلقه أي خالق الكون له من خلقه،ومن خلق خالق الكون له من خلقه ومن خلق خالق خالق الكون له من خلقه وهكذا إلى ما لا نهاية فهذا يستلزم أن لا خلق للكون ،وهذا باطل لوجود الكون فوجود الكون يستلزم عدم تسلسل الفاعلين إلى ما لانهاية ، إذ لا بد أن تصل سلسلة الفاعلين إلى علة غير معلولة ، و لا بد من سبب تنتهي إليه الأسباب وليس هناك أسباب لا تنتهي إلى شيء ، وإلا لم يكن هناك شيء أي أن التسلسل في الفاعلين ممنوع، بل لابد أن نصل إِلَى نهاية ، وهذه النهاية في الفاعلين أو المؤثرين هي إِلَى الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وهذا أحد ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ﴾ ( النجم : الآية 42 ) .

    و للتقريب نأخذ مثال الجندي والرصاصة الجندي يريد أن يطلق النار ،و لكن حتى يطلق النار، يجب على الجندي أن يستأذن من الجندي الذي خلفه ، و هذا الجندي حتى يعطي الإذن يجب أن يستأذن من الجندي الذي خلفه، و هكذا إلى ما لا نهاية. السؤال، هل سيطلق الجندي النار ؟ الجواب لا ؛ لأنه لن يصل إلى الجندي الذي سيعطيه الإذن بإطلاق النار أما إذا انتهت السلسلة إلى شخص لا يوجد فوقه أحد ليعطيه الإذن بإطلاق النار فستنطلق الرصاصة و بدون هذا الشخص ومهما كثر عدد الأشخاص لن تنطلق الرصاصة فهم كالأصفار إذ وضعتها بجانب بعضها البعض فمهما كثرت وبلغت حدا لا نهاية له : فستظل لا تساوي شيئا إلا أن يوضع قبلها رقم 1 فأكثر .




    Leave a comment:


  • د.ربيع أحمد
    replied
    الملحد وسؤاله الخاطئ من خلق الله ؟
    د.ربيع أحمد






    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى أصحابه الغر الميامين ، و على من أتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد :

    فقد انتشر في عصرنا مرض الإلحاد ، وهو أحد الأمراض الفكرية الفتاكة إذ يفتك بالإيمان و يعمي الحواس عن أدلة وجود الخالق الرحمن ،و تجد المريض يجادل في البديهيات و يجمع بين النقيضين ويفرق بين المتماثلين ،ويجعل من الظن علما و من العلم جهلا و من الحق باطلا و من الباطل حقا .

    ومن عوامل انتشار هذا المرض الجهل بالدين و ضعف العقيدة واليقين والاسترسال في الوساوس الكفرية والسماع والقراءة لشبهات أهل الإلحاد دون أن يكون لدى الإنسان علم شرعي مؤصل .

    وشبهات أهل الإلحاد ما هي إلا أقوال بلا دليل وادعاءات بلا مستند ،ورغم ضعفها و بطلانها إلا أنها قد تؤثر في بعض المسلمين لقلة العلم وازدياد الجهل بالدين ولذلك كان لابد من كشف شبهات ومغالطات ودعاوي أهل الإلحاد شبهة تلو الأخرى و مغالطة تلو المغالطة ودعوى تلو الدعوى حتى لا ينخدع أحد بكلامهم وشبههم .

    و في هذا المقال سنتناول بإذن الله بيان خطأ سؤالهم من خلق الله فهو سؤال غير منطقي و غير صحيح إلا أن الملاحدة يكررونه دوما .

    بيان شبهة الملاحدة

    يقول الملاحدة : أنتم أيها المؤمنون بوجود الإله تسألون عن علة وجود المادة الأولى للكون وتجيبون بأن علة وجود المادة الأولى للكون هي الله، ونحن نسألكم وما علة وجود الله ؟ وستجيبون بأن الله غير معلول الوجود، فلماذا تقفون بمبدأ السببية وتعطلونه عندما يتعلق الأمر بالله؟ و هنا نجيبكم ، و لماذا لا نفترض أن المادة الأولى غير معلولة الوجود، وبذلك يُحسم النقاش .

    ويقول بعضهم : إذا قلنا بأن للكون خالق فهذا سيؤدي بنا إلى القول أن هذا الخالق له خالق آخر ، وهذا يمهد الطريق لآخرين ليضيفو خالقين آخرين ،وهذا تسلسل ممنوع فالتوقف عند الكون يعني التوقف عند المحسوس والملموس المدعوم بدليل، ويغلق الباب أمام من يحاول إضافة أسباب أخرى، بينما الإيمان بخالق هو بحد ذاته من يفتح الباب للقول بالتسلسل .








    عدم منطقية سؤال من خلق الله

    سؤال من خلق الله من الأسئلة غير المنطقية فالخالق لا يُخلق ،و الله ليس مخلوقا لنسأل من خلقه ، و الله قديم ليس حادثا أول ليس قبله شيء ، فلاينطبق عليه قانون الحوادث في السؤال عن خالقه ، و السؤال عمن أحدثه ،و المخلوقية من صفات الحوادث ،وهي الأشياء التي وجدت بعض أن لم تكن موجودة فكيف نصف الخالق بصفات الحوادث و ننسب له ما لا يليق ؟!!.

    قال الله تعالى: ﴿ هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم ﴾ (الحديد : الآية 3 ) أي : الله هو الأول الذي ليس قبله شيء, وهو الآخر الذي ليس بعده شيء, وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء, وهو الباطن الذي ليس دونه شيء, ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء, وهو بكل شيء عليم .

    و الله – سبحانه وتعالى - أزلي ليس لوجوده بداية فوجوده ذاتي لا ينفك عنه أي يبقى إلى الأبد ،وإذا كان الله ليس لوجوده بداية فكيف نسأل عن سبب وجوده ؟!! وكيف نسأل عن علة لوجوده ؟!

    والأصل في الخالق الوجود إذ لو كان الأصل فيه العدم لما أوجد الكون ؛ لأن فاقد الشيء لايعطيه ، وإذا كان وجود الله هو الأصل ، فهذا يستلزم أنه لا يحتاج إلى موجِد يوجده ، ولا علة لوجوده إذ لا يبحث عن علة وجود ما الأصل فيه الوجود .

    وقول القائل : إن خالق الكون بحاجة إلى خالق رغم أنه خالق قريب من قول القائل إن الملح يحتاج إلى ملح كي يكون مالحاً رغم أنه ملحا، وإن السكر يحتاج إلى سكر حتى يكون حلواً رغم أنه سكر ، وإن الأحمر يحتاج إلى اللون الأحمر كي يكون أحمرا رغم أنه أحمر.


    و قول القائل : من خلق الله ؟ يساوي قوله : ما الذي سبق الشيء الذي لا شيء قبله ؟ و يساوي قوله : ما بداية الشيء الذي لا بداية له ؟ ويساوى قوله : ما بداية وجود الشيء الذي لا بداية لوجوده ؟ وهذا قول في غاية السخف والسقوط .

    Leave a comment:


  • د.ربيع أحمد
    replied
    الملحد ووهم أزلية المادة والكون التحميل من هنا أو هنا

    Leave a comment:


  • د.ربيع أحمد
    replied
    احتجاج الملاحدة بفرضية الكون المتذبذب

    يحتج بعض الملاحدة على أزلية الكون بفرضية تدعى الكون المتذبذب ،وهذه النظرية ترى أن الكون نشأ من انفجار أعقبه انسحاق أعاد الكون إلى حالة المفردة ثم أعقب ذلك انفجار ثم انسحاق ثم انفجار ثم انسحاق و هكذا إلى ما لا نهاية في القدم ،وهذه النظرية مجرد ظن لا يغني من الحق شيئا فلا دليل على أن كوننا كان قبله قد سبقه كون منسحق ،و حسب قوانين الديناميكا الحرارية يستحيل أن تكون هناك انفجارات أزلية ؛ لأن كل انفجار يجب أن ينتج كونا له عمر أطول من الكون السابق أي دورة الكون السابق أقصر من الكون اللاحق فإذا رجعنا إلى الوراء، سيتقلص زمن كل كون في هذه السلسلة، ونعود إلى كون زمن دورته صفر ، فنسأل عن هذا الانفجار الأول وعن المؤثر الذي أحدثه، وستكون هذه هي بداية دورات التذبذب ،و أيضا يستحيل تحقق اللانهائية في الواقع فهو مفهوم رياضي يستحيل تحققه في العالم المادي ،و لا يمكن أن يكون هناك عدد لانهائي من الأكوان تم في الماضي ؛ لأن أحداث الماضي واقعية ، و ليست مجرد أفكارا ، فإن عدد أحداث الماضي يجب أن يكون نهائياً أي يجب أن يكون له بداية .

    هذا و الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات


    مراجع المقال :
    1- أوهام الملحدين أوهى من بيت العنكبوت شحاته صقر
    2- الشرك في القديم والحديث أبو بكر محمد زكريا
    3- الفيزياء ووجود الخالق د.جعفر شيخ إدريس
    4- الله يتحدى الملحدين د.محمد شيخاني
    5- خرافة الإلحاد د.عمرو شريف
    6- للكون إله د.صبري الدمرداش
    7- موقف الإسلام من نظرية ماركس أحمد العوايشة
    8- العقيدة الإسلامية في مواجهة التيارات الإلحادية د.فرج الله عبد الباري
    9- صراع مع الملاحدة حتى العظم الشيخ عبد الرحمن الميداني

    Leave a comment:


  • د.ربيع أحمد
    replied

    نظرية الانفجار العظيم تنافي أزلية الكون

    تقول نظرية الانفجار العظيم Big Bang إن الكون نشأ من كتلة واحدة ثم انفجرت وتباعدت أجزاؤها وتناثرت ،وفي اللحظات الأولى من الانفجار الهائل ارتفعت درجة الحرارة إلى عدة تريليونات، حيث خلقت فيها أجزاء الذرات، ومن هذه الأجزاء خلقت الذرات، وهي ذرات الهيدروجين والهليوم، ومن هذه الذرات تألف الغبار الكوني الذي نشأت منه المجرات فيما بعد، ثم تكونت النجوم والكواكب، وما زالت تتكون حتى وصل الكون إلى ما نراه عليه اليوم ،ومادام الكون له بداية فكيف يكون أزليا ؟!!.

    و من أدلة حدوث الانفجار العظيم : وفرة غاز الهيدروجين و الهيليوم في الكون ،و إشعاع الخلفية الكونية ،و توسع الكون باستمرار .

    و نعلم أن أي انفجار لا يكون إلا مخربًا وهادمًا ومشتتًا ومبعثرًا للمواد، ولكن عندما نرى أن انفجارًا بهذا العنف وبهذا الهول يؤدي إلى تشكيل وتأسيس كون منظم غاية النظام، فإن هناك إذن وراءه يد قدرة وعلم وإرادة فوق الطبيعة ،وهي يد الله – سبحانه وتعالى - .

    وفرة غاز الهيدروجين و الهيليوم في الكون تنافي أزلية الكون

    وجد العلماء أن غاز الهيدروجين يكون أكثر قليلاً من (74%) من مادة الكون، ويليه في النسبة غاز الهليوم الذي يكون حوالي (24%) من تلك المادة ، ومعنى ذلك أن أخف عنصرين يكونان معاً أكثر من (98%) من مادة الكون المنظور، أما بقية العناصر مجتمعة فتكون أقل من (2%) من مادة الكون ، ونسب وجود غازَي الهيدروجين والهليوم في الكون تتطابقان مع حسابات نظرية الانفجار العظيم ، ولو كان الكون أزليًّا لاحترق جميع الهيدروجين وتحول إلى غاز الهليوم.




    احتجاج الملاحدة بنظرية الحالة الثابتة أو نظرية الحالة المستقرة على أزلية الكون


    يحتج الكثير من الملاحدة بنظرية الحالة الثابتة أو نظرية الحالة المستقرة Steady State theory أو نظرية الكون اللامتناهي أو الخلق المستمر على أن الكون أزلي ،وموجود منذ الأبد لا يتغير ،وهذه النظرية عبارة عن نموذج تم تطويره في عام 1949 من قبل فريد هويلو توماس غولد و هيرمانبوندي وآخرون كبديل عن نظرية الانفجار العظيم ،وحسب نظرية الحالة الثابتة، هناك مادة جديدة تتشكل وتخلق باستمرار مع توسع وتمدد الكون، بحيث يؤمن الحفاظ على المبدأ الكوني المثالي ،وقد تراجع الكثير من العلماء عنها في أواخر الستينات مع اكتشافهم إشعاع الخلفية الكونية cosmic background radiation .

    و إشعاع الخلفية الكونية ما هو إلا ضوء خافت يملأ الكون ساقطاً نحو الأرض من كل الاتجاهات بشدة ثابتة تقريباً , و يمكن القول أنه الحرارة المتبقية من الخلق – بقايا التوهج الناتج عن الانفجار الأعظم – التي ظلت تتدفق عبر الفضاء خلال ال 14 مليار سنة الماضية فعندما كان الكون صغيرا جدا وقبل تكون النجوم والمجرات كان شديد الحرارة ، وكان يملأه دخان ساخن جدا موزعا توزيعا متساويا في جميع أنحائه، ومكونات هذا الدخان كانت بلازما الهيدروجين، أي بروتونات وإلكترونات حرة من شدة الحرارة وعظم الطاقة التي تحملها.

    وبدأ الكون يتمدد ويتسع فبدأت بالتالي درجة حرارة البلازما تنخفض، إلى الحد الذي تستطيع فيه البروتونات الاتحاد مع الإلكترونات مكونة ذرات الهيدروجين، وأصبح الكون مضيئا وانتهت فترة الظلمة، وكانت الفوتونات الموجودة تنتشر في جميع الأرجاء إلا أن طاقتها بدأت تضعف حيث يملأ نفس عدد الفوتونات الحجم المتزايد بسرعة للكون، وهذه الفوتونات هي التي تشكل اليوم إشعاع الخلفية الكونية ، وانخفضت درجة حرارتها عبر نحو 14 مليار سنة الماضية هي العمر المقدر فلكيا للكون .


    و يعتبر إشعاع الخلفية الكونية من الأدلة الهامة على صحة نظرية الانفجار العظيم فقد قال العلماء : لو كان هناك مثل هذا الانفجار لكان من الضروري أن يخلف وراءه إشعاعًا. وفعلاً تم العثور على هذا الإشعاع عام 1989م .


    توسع الكون باستمرار ينافي أزليته

    لاحظ العلماء أَن هناك مجرات في الكون تتحرك مبتعدة بعضها عن بعض و أن الأجسام السماوية تترك عند تحليل طيفها لوناً أكثر احمراراً في حال كانت تقترب من مركز المراقبة، ولكنه يميل إلى الأزرق عندما تبتعد فالضوء المنبعث من النجوم في مجرات بعيدة ينحرف نحو موجات الضوء الحمراء والطويلة للطيف ،وهذه الظاهرة تدعى الإزاحة الحمراء red shift فسرت على أنها ناتجة عن الحركة السريعة للمجرات في ابتعاد كل منها عن الأخرى. وأصبح بمقدور العلماء أن يحسبوا سرعة حركة المجرة من الانحراف الأحمر .

    و قد أعلن أدوين هابل عام 1929م أن المجرات تبتعد عنا بسرعة تتناسب طرديًّا مع بعدها عنا أي أن الكون يتمدد و يتوسع باستمرار ، وما دام الكون في توسع دائم، إذن لو عدنا بحساباتنا إلى الوراء فمن الضروري أن الكون في الماضي كان كله متركزًا في نقطة واحدة أطلق عليها العلماء اسم الذرة البدائية أو الحساء الكوني.

    وتوسع الكون ينافي أزليته فإذا كان الكون يتمدد ،وكان أزليا لكان قد تبعثر ، وتناثرت مادة الكون وتشتت الكون .

    Leave a comment:

Working...