الانتصار للفاطميات[1]
قال المقبلي رحمه الله: ومثل ما استصغر في الفروع ما فعله الزيدية في عصرنا هذا , ولم يكن في أوائلهم، وهو تحريم الفاطميات على من ليس بفاطمي، ووجه العلو في الرئاسة، ولا ينبغي أن يذكر ما تشبثوا به ، فإنما هو كذب , ومخرفة، مثل ما يروى من الأحاديث الجمة في تزويج فاطمة رضي الله عنها، وأحوالها من الموضوعات المعلومة، رفع الله شانها بما أغناها به من الاختصاصات عن تلك الهنات التي جاءوا بها، قالوا: فيلحق بها بناتها، وعلى فرض كلامهم هذا كانت بناتها ممنوعات الأزواج شرعاً ، لأنهن لم يكن لهن حينئذ إلا إخوانهن كما في بنات آدم جعل الله لهن مخرجاً، وهؤلاء لا مخرج لهن عند الزيدية، وقال إمام العصر هذا حفظه الله تعلى، وهو ذو المشاركة القوية في العلوم، والذهن السيال والتأله، والتعبير , والمقاصد الحسنة، والوقوف عند الحق بجهده، وكان في أول أمره فيما بلغنا لا يعبأ بهذه المقالة، ثم غلا فيها وجاوز، حتى روى أحد كتابه أنه بلغ إلى أن قال: من خالف هذا فقد كفر، قال ذلك الكاتب مؤكداً بالكاف , والفاء , والراء، ولما سئل عن الدليل قال: نحن نعتبر الكفاءة , وللأعلى في سائر الناس إسقاط حقه فيها، وأما في الفاطميات , فالحق لله ليس لأحد أن يسقطه ، وقوله: الحق لله هو معنى دعواه أن الله حرمه ، فجعل الدعوى دليلاً ، وهكذا من سلك متن عمياء , وخبط عشواء، وقد استدل بعضهم بأنه قد صار نكاح الفاطمية لمن ليس بفاطمي بحسب العرف الطارئ، كالهتك لحرمة أهل البيت , والوضع من شانهم، فلا يجوز فعله.
والجواب: أيدعي هذا على أهل الأرض جميعاً، فهذا مقابل للضرورة.
والتطبيق منذ عصر الصحابة إلى الآن على التزوج بهن في جميع الأرض، حتى رأينا وضعاء يرتفع عنهم آحاد الناس يتزوجون بالفاطمية، لعارض فقر ونحو ذلك، ولم يقع استنكار، وإن أردتم في بقعتكم هذه من جبال اليمن خاصة، فأما علماء الدين فليس عندهم إلا اتباع الدليل، ولا يستنكرون إلا مخالفته، كما قال الإمام المهدي، وقد يقال: إن هذا القول قريب من خلاف الإجماع، وزيادة لفظ قرب قريب، وأما العامة أتباع كل ناعق، فإنهم نشؤا في منع الدولة ودعوى تحريمه وتهويله، كذلك فإن المسألة دولية لا دليلية.
إلى أن قال رحمه الله: والمراد الآن ذكر مفسدة هذه المسألة السهلة فأولاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم رغب في نسبه وسببه فقال: "كل نسب وسبب ينقطع إلا نسبي وسببي" فهذا ما يحمل الصلحاء على المنافسة على سببه صلى الله عليه وسلم، ويزيد الفاطميات حظوة , ولو لم يكن من مطالب الرجال. كالعجوز , والشوهاء ، ثم صارت الآن في اليمن يشيب أكثرهن بلا زواج، وتفسد من تفسد، ويتفرع على فساد من تفسد منهن مفاسد أخرى، لأن الرفيع يحاذر ما لا يحاذره الوضيع ، فيقتحم في تستيره نفسه كل هول.
وقد علم أن النساء أكثر من الرجال، وسيما وهو خصيصة آخر الزمان، فمن أين لنا فاطميون بهن؟ وليتهم مع هذا حملتهم النخوة , والحمية على القيام بهن وأبنائهن، ولكن يعدلون إلى ما تقتضي به أهواؤهم من بنات السوقة , والجيش، فترى الفاطميات اليوم مع كثرتهن في اليمن متجرعات لهذه المظلمة، مع ما علم من الأمر الشرعي من المسارعة إلى التزويج، مع وجود من ترضى شرعاً(إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) الأنفال: 73.لقد كان والله – أخبرني بعض الحجاج- رجل صالح عدل أنه وصل إلى اللحية , فرأته امرأة ذات حشم وأبهة، فأرادت الزواج به، فطمعت فيه لكونه غريباً يخفى، فقالت له : أنت شريف وقل، وكررت عليه وهو يقول: لا . فرجعت تبتهل إلى الله سبحانه وتعالى وتقول: فعل الله بك يا مؤيد وفعل، تريد المؤيد بن القاسم، لأنه كان شديداً في نحو هذا. وابن سعد الدين المذكور من تلامذته ووزيره ، فيالها من رحم قطعوها، وضيعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أزلفوها، وما أحسن ما قيل في الغلو: ما جاوز حده جانس ضده، وإنما خصصنا المثال بهذه المسألة ، لأنها حديثة السن ربما لم يسمع بها أهل المذاهب , أو غالبهم، وكانت ولادتها فيما أظن وقت أحمد بن سليمان , وأيام المنصور، واستحكمت قوتها في زمن صلاح بن علي، ووقع بسببها ما وقع، وأما الهادي وغيره , فما نقلوا عنهم إلا نقيض ذلك.
ومما فرعوا عليها من الافتراء أن عمر رضي الله عنه اغتصب أم كلثوم بنت علي، وتهدده، حتى تلافى ذلك العباس وعقد له. وقال بعضهم: لم يدخل بها عمر. قالوا ذلك لما رأوا فعل علي يهد بدعتهم هذه، وكان يلزمهم أن الزنا بالإكراه، وصان الله أمير المؤمنين وبني هاشم والمهاجرين والأنصار وسائر المسلمين أجمعين.
لقد بلغوا من حطه وحطهم إلى حد لم يبلغ إليه أرذال العرب , وأذلهم وأقلهم، وهذا من أعظم مطالب إبليس ، فدس لهم هذا السم في حلوى تلك الأهواء.
وكفى بالمذهب شناعة أن يشهدوا على أئمتهم بأنهم فعلوا هذا المنكر العظيم في زعمهم: علي والحسن والحسين وجميع أهل البيت، كما ذلك في السير جميعاً في كتب هؤلاء الغالين فضلاً عن غيرهم ، ولم يسمع بخلاف إلا من المذكورين ونوادر بعدهم.
وليت شعري كيف يتصور دعوى الإجماع إن لم يكن في هذه المسألة التي أطبقت أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم على العمل بها من غير نكير , وكان ينبغي أن يحرموا ذات الدين المتين لمن ليس يدانيها من المسلمين، فإن هذا في العرف العام شنيع ، فهلا اقتضى التحريم فإن الله تعالى يقول: ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات :13 . فهل يترك هذا الفضل الذي ترى، وتعتبر الأنساب التي لم يعتبرها الله ورسوله ، بل نزلت الآية لردها ، فكأنهم أجابوها بهذه المقالة . حتى نشوان الحميري في بعض رسائله مناظرة بين بعض الزيدية أحمد بن سليمان , أو بعض شيعته في هذه المسألة , وأن الشريف: لعلك متزوج بشريفة. فقال: قد فعلت . قال: ممن؟ قال: من الذين قال الله فيهم: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ) البينة: 7فهل فوق هذا؟.
ومرادنا من هذا إنكار المنكر، لا منازعة الدولة في عملهم ، فإنما هذا مسلك من تلك المسالك، وما أردنا إلا ضرب المثل ، ولا قيد للباطل , ولا نهاية له ، ولا ينجي منه إلا الوقوف على الحدود الشرعية، ولو أنصفوا لما اختلفوا. والله المستعان.
وقد بلغ غلو بني إسرائيل في رفعهم لنفوسهم إلى أنهم حصروا النبوة عليهم، فأدركوا كل الشقاء: ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ) النساء 171 . اهـ كلامه رحمه الله.
وهذه المسألة قريبة العهد كما يقول المقبلي رحمه الله تعالى، ولم تكن عند أهل بيت النبوة، ففي المحبر (ص437) : وتزوجت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه عمر بن الخطاب، ثم خلف عليها عون بن جعفر بن أبي طالب، ثم محمد بن جعفر، وتزوجت أم الحسن بنت علي بن أبي طالب جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي، ثم خلف عليها جعفر بن عقيل بن أبي طالب، ثم عبد الله بن الزبير بن العوام.
وتزوجت أم القاسم بنت الحسن بن علي بن أبي طالب مروان بن أبان بن عثمان ابن عفان ، ثم خلف عليها علي بن الحسين ثم الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب.
وتزوجت سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب – عبد الله - بن الحسن ابن علي، وكان أبا عذرها ، فمات عنها، فخلف عليها مصعب بن الزبير ، فولدت له فاطمة ماتت وهي صغيرة، فقتل عنها، فخطبها عبد الملك بن مروان فأبته، فتزوجها عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام بن خويلد ، ثم الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان فلم يصل إليها، فارقها قبل ذلك ، ثم زيد بن عمر بن عثمان، ثم إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف فلم يدخل بها، وخيرت فاختارت نفسها.
وتزوجت أم علي بنت علي بن الحسين بن علي – علي بن الحسين بن الحسن ثم خلف عليها عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، ثم محمد بن معاوية بن عبد الله ، ثم نوح بن إبراهيم بن محمد بن أبي طلحة بن عبيد الله . وأغلب هؤلاء الذين تزوجوا بعلويات ليسوا بعلويين فمن متى أصبحت العلوية مظلومة؟ .
فأنت تجد هؤلاء الذين يزعمون أنهم سادة، وليس لهم من السيادة شيء، ينهونا معشر القبائل عن التعصبات القبلية، وهم أشد الناس تعصباً ، أوليس الله سبحانه وتعالى يقول: ( إنما المؤمنون إخوة) الحجرات:10 .ويقول
يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن) الحجرات :11
ويقول: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات : 13.
وقد استنكر هذه المسألة محمد بن إسماعيل الأمير، وهو من أهل بيت النبوة ، فقال في سبل السلام في باب الكفاءة والخيار: وللناس في هذه المسألة عجائب لا تدور على دليل غير الكبرياء والترفع. ولا إله إلا الله ! كم حرمت المؤمنات النكاح لكبرياء الأولياء واستعظامهم أنفسهم . اللهم ، إنا نبرأ إليكم من شرط ولده الهوى , ورباه الكبرياء، ولقد منعت الفاطميات في جهة اليمن ما أحل الله لهن من النكاح، لقول بعض مذهب الهادوية: إنه يحرم نكاح الفاطمية إلا من فاطمي من غير دليل ذكروه.
وليس مذهباً لإمام المذهب الهادي عليه السلام، بل زوج بناته من الطبريين , وإنما نشأ هذا القول من بعده في أيام الإمام أحمد بن سليمان , وتبعهم بيت رياستها، فقالوا بلسان الحال: تحرم شرائفهم على الفاطميين إلا من مثلهم، وكل ذلك من غير علم , ولا هدى , ولا كتاب منير، بل ثبت خلاف ما قالوه عن سيد البشر كما دل له: وعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "انكحي أسامة" رواه مسلم، وفاطمة قرشية فهرية أخت الضحاك بن قيس، وهي من المهاجرات الأول كانت ذات جمال , وفضل وكمال. جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن طلقها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة بعد انقضاء عدتها منه، وأخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أما أبو جهم فلا يضع عصاه من عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد" الحديث . وأمرها بنكاح أسامة مولاه ابن مولاه وهي قرشية وقدمه على أكفائها ممن ذكره , ولا أعلم أنه طلب من أحد أوليائها إسقاط حقه.
ثم تكلم على حديث أبي هريرة فقال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا بني بياضة ،أنكحوا أبا هند" اسمه يسار، وهو الذي حجم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان مولى لبني بياضة ، وأنكحوا إليه وكان حجاماً. رواه أبو داود والحاكم بسند جيد، فهو من أدلة عدم اعتبار كفاءة الأنساب. وقد صح أن بلالاً نكح هالة بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف. وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على سلمان الفارسي. اهـ كلامه رحمه الله.
قال المقبلي رحمه الله: ومثل ما استصغر في الفروع ما فعله الزيدية في عصرنا هذا , ولم يكن في أوائلهم، وهو تحريم الفاطميات على من ليس بفاطمي، ووجه العلو في الرئاسة، ولا ينبغي أن يذكر ما تشبثوا به ، فإنما هو كذب , ومخرفة، مثل ما يروى من الأحاديث الجمة في تزويج فاطمة رضي الله عنها، وأحوالها من الموضوعات المعلومة، رفع الله شانها بما أغناها به من الاختصاصات عن تلك الهنات التي جاءوا بها، قالوا: فيلحق بها بناتها، وعلى فرض كلامهم هذا كانت بناتها ممنوعات الأزواج شرعاً ، لأنهن لم يكن لهن حينئذ إلا إخوانهن كما في بنات آدم جعل الله لهن مخرجاً، وهؤلاء لا مخرج لهن عند الزيدية، وقال إمام العصر هذا حفظه الله تعلى، وهو ذو المشاركة القوية في العلوم، والذهن السيال والتأله، والتعبير , والمقاصد الحسنة، والوقوف عند الحق بجهده، وكان في أول أمره فيما بلغنا لا يعبأ بهذه المقالة، ثم غلا فيها وجاوز، حتى روى أحد كتابه أنه بلغ إلى أن قال: من خالف هذا فقد كفر، قال ذلك الكاتب مؤكداً بالكاف , والفاء , والراء، ولما سئل عن الدليل قال: نحن نعتبر الكفاءة , وللأعلى في سائر الناس إسقاط حقه فيها، وأما في الفاطميات , فالحق لله ليس لأحد أن يسقطه ، وقوله: الحق لله هو معنى دعواه أن الله حرمه ، فجعل الدعوى دليلاً ، وهكذا من سلك متن عمياء , وخبط عشواء، وقد استدل بعضهم بأنه قد صار نكاح الفاطمية لمن ليس بفاطمي بحسب العرف الطارئ، كالهتك لحرمة أهل البيت , والوضع من شانهم، فلا يجوز فعله.
والجواب: أيدعي هذا على أهل الأرض جميعاً، فهذا مقابل للضرورة.
والتطبيق منذ عصر الصحابة إلى الآن على التزوج بهن في جميع الأرض، حتى رأينا وضعاء يرتفع عنهم آحاد الناس يتزوجون بالفاطمية، لعارض فقر ونحو ذلك، ولم يقع استنكار، وإن أردتم في بقعتكم هذه من جبال اليمن خاصة، فأما علماء الدين فليس عندهم إلا اتباع الدليل، ولا يستنكرون إلا مخالفته، كما قال الإمام المهدي، وقد يقال: إن هذا القول قريب من خلاف الإجماع، وزيادة لفظ قرب قريب، وأما العامة أتباع كل ناعق، فإنهم نشؤا في منع الدولة ودعوى تحريمه وتهويله، كذلك فإن المسألة دولية لا دليلية.
إلى أن قال رحمه الله: والمراد الآن ذكر مفسدة هذه المسألة السهلة فأولاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم رغب في نسبه وسببه فقال: "كل نسب وسبب ينقطع إلا نسبي وسببي" فهذا ما يحمل الصلحاء على المنافسة على سببه صلى الله عليه وسلم، ويزيد الفاطميات حظوة , ولو لم يكن من مطالب الرجال. كالعجوز , والشوهاء ، ثم صارت الآن في اليمن يشيب أكثرهن بلا زواج، وتفسد من تفسد، ويتفرع على فساد من تفسد منهن مفاسد أخرى، لأن الرفيع يحاذر ما لا يحاذره الوضيع ، فيقتحم في تستيره نفسه كل هول.
وقد علم أن النساء أكثر من الرجال، وسيما وهو خصيصة آخر الزمان، فمن أين لنا فاطميون بهن؟ وليتهم مع هذا حملتهم النخوة , والحمية على القيام بهن وأبنائهن، ولكن يعدلون إلى ما تقتضي به أهواؤهم من بنات السوقة , والجيش، فترى الفاطميات اليوم مع كثرتهن في اليمن متجرعات لهذه المظلمة، مع ما علم من الأمر الشرعي من المسارعة إلى التزويج، مع وجود من ترضى شرعاً(إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) الأنفال: 73.لقد كان والله – أخبرني بعض الحجاج- رجل صالح عدل أنه وصل إلى اللحية , فرأته امرأة ذات حشم وأبهة، فأرادت الزواج به، فطمعت فيه لكونه غريباً يخفى، فقالت له : أنت شريف وقل، وكررت عليه وهو يقول: لا . فرجعت تبتهل إلى الله سبحانه وتعالى وتقول: فعل الله بك يا مؤيد وفعل، تريد المؤيد بن القاسم، لأنه كان شديداً في نحو هذا. وابن سعد الدين المذكور من تلامذته ووزيره ، فيالها من رحم قطعوها، وضيعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أزلفوها، وما أحسن ما قيل في الغلو: ما جاوز حده جانس ضده، وإنما خصصنا المثال بهذه المسألة ، لأنها حديثة السن ربما لم يسمع بها أهل المذاهب , أو غالبهم، وكانت ولادتها فيما أظن وقت أحمد بن سليمان , وأيام المنصور، واستحكمت قوتها في زمن صلاح بن علي، ووقع بسببها ما وقع، وأما الهادي وغيره , فما نقلوا عنهم إلا نقيض ذلك.
ومما فرعوا عليها من الافتراء أن عمر رضي الله عنه اغتصب أم كلثوم بنت علي، وتهدده، حتى تلافى ذلك العباس وعقد له. وقال بعضهم: لم يدخل بها عمر. قالوا ذلك لما رأوا فعل علي يهد بدعتهم هذه، وكان يلزمهم أن الزنا بالإكراه، وصان الله أمير المؤمنين وبني هاشم والمهاجرين والأنصار وسائر المسلمين أجمعين.
لقد بلغوا من حطه وحطهم إلى حد لم يبلغ إليه أرذال العرب , وأذلهم وأقلهم، وهذا من أعظم مطالب إبليس ، فدس لهم هذا السم في حلوى تلك الأهواء.
وكفى بالمذهب شناعة أن يشهدوا على أئمتهم بأنهم فعلوا هذا المنكر العظيم في زعمهم: علي والحسن والحسين وجميع أهل البيت، كما ذلك في السير جميعاً في كتب هؤلاء الغالين فضلاً عن غيرهم ، ولم يسمع بخلاف إلا من المذكورين ونوادر بعدهم.
وليت شعري كيف يتصور دعوى الإجماع إن لم يكن في هذه المسألة التي أطبقت أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم على العمل بها من غير نكير , وكان ينبغي أن يحرموا ذات الدين المتين لمن ليس يدانيها من المسلمين، فإن هذا في العرف العام شنيع ، فهلا اقتضى التحريم فإن الله تعالى يقول: ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات :13 . فهل يترك هذا الفضل الذي ترى، وتعتبر الأنساب التي لم يعتبرها الله ورسوله ، بل نزلت الآية لردها ، فكأنهم أجابوها بهذه المقالة . حتى نشوان الحميري في بعض رسائله مناظرة بين بعض الزيدية أحمد بن سليمان , أو بعض شيعته في هذه المسألة , وأن الشريف: لعلك متزوج بشريفة. فقال: قد فعلت . قال: ممن؟ قال: من الذين قال الله فيهم: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ) البينة: 7فهل فوق هذا؟.
ومرادنا من هذا إنكار المنكر، لا منازعة الدولة في عملهم ، فإنما هذا مسلك من تلك المسالك، وما أردنا إلا ضرب المثل ، ولا قيد للباطل , ولا نهاية له ، ولا ينجي منه إلا الوقوف على الحدود الشرعية، ولو أنصفوا لما اختلفوا. والله المستعان.
وقد بلغ غلو بني إسرائيل في رفعهم لنفوسهم إلى أنهم حصروا النبوة عليهم، فأدركوا كل الشقاء: ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ) النساء 171 . اهـ كلامه رحمه الله.
وهذه المسألة قريبة العهد كما يقول المقبلي رحمه الله تعالى، ولم تكن عند أهل بيت النبوة، ففي المحبر (ص437) : وتزوجت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه عمر بن الخطاب، ثم خلف عليها عون بن جعفر بن أبي طالب، ثم محمد بن جعفر، وتزوجت أم الحسن بنت علي بن أبي طالب جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي، ثم خلف عليها جعفر بن عقيل بن أبي طالب، ثم عبد الله بن الزبير بن العوام.
وتزوجت أم القاسم بنت الحسن بن علي بن أبي طالب مروان بن أبان بن عثمان ابن عفان ، ثم خلف عليها علي بن الحسين ثم الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب.
وتزوجت سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب – عبد الله - بن الحسن ابن علي، وكان أبا عذرها ، فمات عنها، فخلف عليها مصعب بن الزبير ، فولدت له فاطمة ماتت وهي صغيرة، فقتل عنها، فخطبها عبد الملك بن مروان فأبته، فتزوجها عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام بن خويلد ، ثم الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان فلم يصل إليها، فارقها قبل ذلك ، ثم زيد بن عمر بن عثمان، ثم إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف فلم يدخل بها، وخيرت فاختارت نفسها.
وتزوجت أم علي بنت علي بن الحسين بن علي – علي بن الحسين بن الحسن ثم خلف عليها عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، ثم محمد بن معاوية بن عبد الله ، ثم نوح بن إبراهيم بن محمد بن أبي طلحة بن عبيد الله . وأغلب هؤلاء الذين تزوجوا بعلويات ليسوا بعلويين فمن متى أصبحت العلوية مظلومة؟ .
فأنت تجد هؤلاء الذين يزعمون أنهم سادة، وليس لهم من السيادة شيء، ينهونا معشر القبائل عن التعصبات القبلية، وهم أشد الناس تعصباً ، أوليس الله سبحانه وتعالى يقول: ( إنما المؤمنون إخوة) الحجرات:10 .ويقول
يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن) الحجرات :11ويقول: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات : 13.
وقد استنكر هذه المسألة محمد بن إسماعيل الأمير، وهو من أهل بيت النبوة ، فقال في سبل السلام في باب الكفاءة والخيار: وللناس في هذه المسألة عجائب لا تدور على دليل غير الكبرياء والترفع. ولا إله إلا الله ! كم حرمت المؤمنات النكاح لكبرياء الأولياء واستعظامهم أنفسهم . اللهم ، إنا نبرأ إليكم من شرط ولده الهوى , ورباه الكبرياء، ولقد منعت الفاطميات في جهة اليمن ما أحل الله لهن من النكاح، لقول بعض مذهب الهادوية: إنه يحرم نكاح الفاطمية إلا من فاطمي من غير دليل ذكروه.
وليس مذهباً لإمام المذهب الهادي عليه السلام، بل زوج بناته من الطبريين , وإنما نشأ هذا القول من بعده في أيام الإمام أحمد بن سليمان , وتبعهم بيت رياستها، فقالوا بلسان الحال: تحرم شرائفهم على الفاطميين إلا من مثلهم، وكل ذلك من غير علم , ولا هدى , ولا كتاب منير، بل ثبت خلاف ما قالوه عن سيد البشر كما دل له: وعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "انكحي أسامة" رواه مسلم، وفاطمة قرشية فهرية أخت الضحاك بن قيس، وهي من المهاجرات الأول كانت ذات جمال , وفضل وكمال. جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن طلقها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة بعد انقضاء عدتها منه، وأخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أما أبو جهم فلا يضع عصاه من عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد" الحديث . وأمرها بنكاح أسامة مولاه ابن مولاه وهي قرشية وقدمه على أكفائها ممن ذكره , ولا أعلم أنه طلب من أحد أوليائها إسقاط حقه.
ثم تكلم على حديث أبي هريرة فقال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا بني بياضة ،أنكحوا أبا هند" اسمه يسار، وهو الذي حجم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان مولى لبني بياضة ، وأنكحوا إليه وكان حجاماً. رواه أبو داود والحاكم بسند جيد، فهو من أدلة عدم اعتبار كفاءة الأنساب. وقد صح أن بلالاً نكح هالة بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف. وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على سلمان الفارسي. اهـ كلامه رحمه الله.
Comment