من المعلوم أن القول بالنسخ هو من تلازمات الشريعة الإسلامية، فهي تعتبر نفسها الناسخة لما قبلها من الأديان جميعا
كما أن النسخ جواب لكثير من المسائل الواردة على الإسلام كمسألة نقص القرآن وتغير أحكامه فإن بعض أحكامه ناسخة لبعض
وقد ألف فيه خلق جم، منها الناسخ والمنسوخ لابن حزم، وقتادة، والمقري، والقاسم بن سلام، والنحاس، وقلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن لمرعي المقدسي وغيرهم كثير
لكن هذا الرد طرح عليه إشكال آخر وهو أن القول بالنسخ يثبت على الله البداء ومن هذا انبجس خلاف بين الفرق الإسلامية
1-فذهبت الرافضة إلى جواز البداء على الله تعالى
وافترقوا هل يكون ذلك مقترنا بالمشيئة والإرادة على ثلاث مقالات:
- فالفرقة الأولى منهم يقولون أن الله تبدو له البداوات وأنه يريد أن يفعل الشيء في وقت من الأوقات ثم لا يحدثه لما يحدث له من البداء وأنه إذا أمر بشريعة ثم نسخها فإنما ذلك لأنه بدا له فيها وأن ما علم أنه يكون ولم يطلع عليه أحداً من خلقه فجائز عليه البداء فيه وما اطلع عليه عباده فلا يجوز عليه البداء فيه.
- والفرقة الثانية منهم يزعمون أنه جائز على الله البداء فيما علم أنه يكون حتى لا يكون وجوزوا ذلك فيما أطلع عليه عباده وأنه لايكون كما جوزوه فيما لم يطلع عليه عباده.
- والفرقة الثالثة منهم يزعمون أنه لا يجوز على الله البداء وينفون ذلك عنه -من مقالات الإسلاميين للأشعري
والثالثة أعقلها فإن كان الله قد خلق الزمان وهو يرى أوله كما يرى آخره، فإن الحدوث فيه لا يخفى عليه بحال من الأحوال والنصوص العامة متوافرة متكاثرة في هذا، فبهذا يستحيل البداء على الله مطلقا لأنه يستلزم الجهل والنقص من وجوه كثيرة
وإن كان الرافضة قد عبدوا عليًّا والأئمة على نقصهم، فكيف لا يتورعون عن عبادة إله على نقص
2- وذهبت المعتزلة إلى أن الله ليس بذي علم محدث يعلم به ولا يجوز أن تبدو له البدوات (من بداة كقناة وقنوات) ولا يجوز على أخباره النسخ لأن النسخ لو جاز على الأخبار لكان إذا أخبرنا أن شيئاً يكون ثم نسخ ذلك بأن أخبر أنه لا يكون لكان لا بد من أن يكون أحد الخبرين كذباً قالوا: وإنما الناسخ والمنسوخ في الأمر والنهي. -من مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري
لكنهم تناسوا كثيرا من النصوص ما ظاهرها يوحي بالبداء من جهة العلم كقوله "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)" [محمد]وقوله "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا....(7)" [هود] وقوله "وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ...... (21) [سبأ]، وقوله"وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ....(143) [البقرة].
فهم مع كيسهم نفوا أن تكون علاقة بين النسخ في الأحكام والبداء في العلم والأخبار، فذلك قد يكون منهم روما للتنزيه
ولكن الإشكال الذي يبدوا عند حصر النسخ على الأحكام فقط من نهي وأمر من جهة البداء
هو أن كل مأمور فهو مرغوب محبوب فيه مصلحة، كما أن النهي عن شيء يدل على أنه منبوذ مكروه في نفسه
وهذا ما يدعوا للقول هل ما كان يبدوا أن لله فيه مصلحة قد تبين له في الحقيقة عبر تمخض الزمن أنه في الحقيقة مفسدة فغيّر الحكم بناء على ذلك.
ومن باب الأمانة العلمية وجدت جوابا عن ذلك لأبي بكر الباقلاني في تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل قال:
"وَكَذَلِكَ يسْأَلُون عَن نقض الجماد بعد تأليفه وتربيعه بعد تسديسه وترطيبه بعد تيبيسه وتحريكه بعد تسكينه وتسويده بعد تبييضه وَغير ذَلِك من تغير أَحْوَاله وأوصافه فَيُقال لَهُم أَلِبداءٍ من الله واستدراك علم غير مَا فعله وَنقض مَا أَلفه وَفرق مَا جمعه وحرك مَا سكنه وَأَحْيَا مَا أَمَاتَهُ أم لَيْسَ لِبَداء؟ فَإِن قَالُوا لبداء تَركُوا دينهم واعتلالهم، وَإِن قَالُوا لَيْسَ لبداء وَلَكِن لِأَن النَّقْض فِي وَقت مصلحَة للمكلفين والتأليف مصلحَة فِي غَيره وَكَذَلِكَ التحريك والتسكين قيل لَهُم مثله فِي الْأَمر بالشَّيْء فِي وَقت وَالنَّهْي عَن مثله فِي غَيره وَلَا جَوَاب لَهُم عَن شَيْء من ذَلِك"
إلا أن الجواب الأقرب إليه والأولى به هو الأول (يعني أن تطويره وتحريكه للحياة يقتضي البداء أيضا) لأنه إذا كان قد فرغ من الخلق في ستة أيام فهذا يقتضي أن يكون الخلق مصمتا ميتا ثابتا لا تطور فيه من نسل وتكاثر وحركة وغيرها، ونتيجة هذا الجواب إثبات النقص على الله والخروج من الدين، كما قال الباقلاني.
كما أن الجواب عن الشطر الثاني موجود أيضا، وهو: - ماذا إن تقارب وقت المصلحة مع غيره بحيث اشتبه الحال ولم تعد حكمة في النسخ أبدا
فلو كان الوقت بين الحكم ونسخه طويلا لكان للحكمة في ذلك مدخل، مثلا كنسخ الأديان بعضها لبعض قد تكون لطول أمد وقسوة قلب وفترة من الرسل وتغير لأحوال الناس كما قيل.
أما أن يرادف المنسوخ ناسخه ببرهات، فليس للحكمة والتعليل أي منفذ إلى العقل من ذلك
وبذكر أمثلة من النصوص يتبين هذا الاعتراض
فمن ذلك قوله "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) [الأنفال] فلم يفصل بين الحكم وناسخه إلا رقم الآية
فما فائدة النسخ هنا وقد اجتمعت من الأسباب والعَدد والعُدة لدا العدو حين اللقاء، ما يدل على الضعف مسبقا، فإن قيل ربما قد نزلت الآيتان مفترقتين، إلا أنهما أُردفتا حين جمع المصحف، فيقال: قد ثبتت النصوص بنزول السورتين (الأنفال وبراءة) جملة واحدة
وحديث عن البراء، قال: لما نزلت: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} [النساء: 95] ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ادع لي زيدا وليجئ باللوح والدواة والكتف - أو الكتف والدواة -» ثم قال: " اكتب {لا يستوي القاعدون}" وخلف ظهر النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن أم مكتوم الأعمى، قال: يا رسول الله فما تأمرني، فإني رجل ضرير البصر؟ فنزلت مكانها: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير لأولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله} [النساء: 95] {غير أولي الضرر} [النساء: 95] الجامع الصحيح للبخاري
فكيف لم يفصل بين الآيتين إلاّ هُنيّات، مع علم الله المسبق باعتراض ابن أم مكتوم بضرره، ومع علمه أيضا بوجود هذه العلل في خلقه تمنعهم وتشق عليهم في الجهاد
فتقرر إذن أنه إن كان للنسخ حكمة فالحِكَم بقدرها، ولا جواب لهم عن ذلك
وأخيرا ينبغي بيان أن البداء في حق خالق مستحيل، إلا أنه في حق البشر ليس جائزا فقط بل واجب.
كما أن النسخ جواب لكثير من المسائل الواردة على الإسلام كمسألة نقص القرآن وتغير أحكامه فإن بعض أحكامه ناسخة لبعض
وقد ألف فيه خلق جم، منها الناسخ والمنسوخ لابن حزم، وقتادة، والمقري، والقاسم بن سلام، والنحاس، وقلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن لمرعي المقدسي وغيرهم كثير
لكن هذا الرد طرح عليه إشكال آخر وهو أن القول بالنسخ يثبت على الله البداء ومن هذا انبجس خلاف بين الفرق الإسلامية
1-فذهبت الرافضة إلى جواز البداء على الله تعالى
وافترقوا هل يكون ذلك مقترنا بالمشيئة والإرادة على ثلاث مقالات:
- فالفرقة الأولى منهم يقولون أن الله تبدو له البداوات وأنه يريد أن يفعل الشيء في وقت من الأوقات ثم لا يحدثه لما يحدث له من البداء وأنه إذا أمر بشريعة ثم نسخها فإنما ذلك لأنه بدا له فيها وأن ما علم أنه يكون ولم يطلع عليه أحداً من خلقه فجائز عليه البداء فيه وما اطلع عليه عباده فلا يجوز عليه البداء فيه.
- والفرقة الثانية منهم يزعمون أنه جائز على الله البداء فيما علم أنه يكون حتى لا يكون وجوزوا ذلك فيما أطلع عليه عباده وأنه لايكون كما جوزوه فيما لم يطلع عليه عباده.
- والفرقة الثالثة منهم يزعمون أنه لا يجوز على الله البداء وينفون ذلك عنه -من مقالات الإسلاميين للأشعري
والثالثة أعقلها فإن كان الله قد خلق الزمان وهو يرى أوله كما يرى آخره، فإن الحدوث فيه لا يخفى عليه بحال من الأحوال والنصوص العامة متوافرة متكاثرة في هذا، فبهذا يستحيل البداء على الله مطلقا لأنه يستلزم الجهل والنقص من وجوه كثيرة
وإن كان الرافضة قد عبدوا عليًّا والأئمة على نقصهم، فكيف لا يتورعون عن عبادة إله على نقص
2- وذهبت المعتزلة إلى أن الله ليس بذي علم محدث يعلم به ولا يجوز أن تبدو له البدوات (من بداة كقناة وقنوات) ولا يجوز على أخباره النسخ لأن النسخ لو جاز على الأخبار لكان إذا أخبرنا أن شيئاً يكون ثم نسخ ذلك بأن أخبر أنه لا يكون لكان لا بد من أن يكون أحد الخبرين كذباً قالوا: وإنما الناسخ والمنسوخ في الأمر والنهي. -من مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري
لكنهم تناسوا كثيرا من النصوص ما ظاهرها يوحي بالبداء من جهة العلم كقوله "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)" [محمد]وقوله "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا....(7)" [هود] وقوله "وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ...... (21) [سبأ]، وقوله"وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ....(143) [البقرة].
فهم مع كيسهم نفوا أن تكون علاقة بين النسخ في الأحكام والبداء في العلم والأخبار، فذلك قد يكون منهم روما للتنزيه
ولكن الإشكال الذي يبدوا عند حصر النسخ على الأحكام فقط من نهي وأمر من جهة البداء
هو أن كل مأمور فهو مرغوب محبوب فيه مصلحة، كما أن النهي عن شيء يدل على أنه منبوذ مكروه في نفسه
وهذا ما يدعوا للقول هل ما كان يبدوا أن لله فيه مصلحة قد تبين له في الحقيقة عبر تمخض الزمن أنه في الحقيقة مفسدة فغيّر الحكم بناء على ذلك.
ومن باب الأمانة العلمية وجدت جوابا عن ذلك لأبي بكر الباقلاني في تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل قال:
"وَكَذَلِكَ يسْأَلُون عَن نقض الجماد بعد تأليفه وتربيعه بعد تسديسه وترطيبه بعد تيبيسه وتحريكه بعد تسكينه وتسويده بعد تبييضه وَغير ذَلِك من تغير أَحْوَاله وأوصافه فَيُقال لَهُم أَلِبداءٍ من الله واستدراك علم غير مَا فعله وَنقض مَا أَلفه وَفرق مَا جمعه وحرك مَا سكنه وَأَحْيَا مَا أَمَاتَهُ أم لَيْسَ لِبَداء؟ فَإِن قَالُوا لبداء تَركُوا دينهم واعتلالهم، وَإِن قَالُوا لَيْسَ لبداء وَلَكِن لِأَن النَّقْض فِي وَقت مصلحَة للمكلفين والتأليف مصلحَة فِي غَيره وَكَذَلِكَ التحريك والتسكين قيل لَهُم مثله فِي الْأَمر بالشَّيْء فِي وَقت وَالنَّهْي عَن مثله فِي غَيره وَلَا جَوَاب لَهُم عَن شَيْء من ذَلِك"
إلا أن الجواب الأقرب إليه والأولى به هو الأول (يعني أن تطويره وتحريكه للحياة يقتضي البداء أيضا) لأنه إذا كان قد فرغ من الخلق في ستة أيام فهذا يقتضي أن يكون الخلق مصمتا ميتا ثابتا لا تطور فيه من نسل وتكاثر وحركة وغيرها، ونتيجة هذا الجواب إثبات النقص على الله والخروج من الدين، كما قال الباقلاني.
كما أن الجواب عن الشطر الثاني موجود أيضا، وهو: - ماذا إن تقارب وقت المصلحة مع غيره بحيث اشتبه الحال ولم تعد حكمة في النسخ أبدا
فلو كان الوقت بين الحكم ونسخه طويلا لكان للحكمة في ذلك مدخل، مثلا كنسخ الأديان بعضها لبعض قد تكون لطول أمد وقسوة قلب وفترة من الرسل وتغير لأحوال الناس كما قيل.
أما أن يرادف المنسوخ ناسخه ببرهات، فليس للحكمة والتعليل أي منفذ إلى العقل من ذلك
وبذكر أمثلة من النصوص يتبين هذا الاعتراض
فمن ذلك قوله "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) [الأنفال] فلم يفصل بين الحكم وناسخه إلا رقم الآية
فما فائدة النسخ هنا وقد اجتمعت من الأسباب والعَدد والعُدة لدا العدو حين اللقاء، ما يدل على الضعف مسبقا، فإن قيل ربما قد نزلت الآيتان مفترقتين، إلا أنهما أُردفتا حين جمع المصحف، فيقال: قد ثبتت النصوص بنزول السورتين (الأنفال وبراءة) جملة واحدة
وحديث عن البراء، قال: لما نزلت: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله} [النساء: 95] ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ادع لي زيدا وليجئ باللوح والدواة والكتف - أو الكتف والدواة -» ثم قال: " اكتب {لا يستوي القاعدون}" وخلف ظهر النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن أم مكتوم الأعمى، قال: يا رسول الله فما تأمرني، فإني رجل ضرير البصر؟ فنزلت مكانها: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير لأولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله} [النساء: 95] {غير أولي الضرر} [النساء: 95] الجامع الصحيح للبخاري
فكيف لم يفصل بين الآيتين إلاّ هُنيّات، مع علم الله المسبق باعتراض ابن أم مكتوم بضرره، ومع علمه أيضا بوجود هذه العلل في خلقه تمنعهم وتشق عليهم في الجهاد
فتقرر إذن أنه إن كان للنسخ حكمة فالحِكَم بقدرها، ولا جواب لهم عن ذلك
وأخيرا ينبغي بيان أن البداء في حق خالق مستحيل، إلا أنه في حق البشر ليس جائزا فقط بل واجب.
( الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ )) ، ولكنه تعالى ثبَّت البشارة لمن أراد أن يغتنمها فحقَّق أسبابها أو لمن اضطر إليها ، ولقد أثْبَت التاريخُ ذلك كثيرًا .
Comment