اللبنة الأولى فى الحوار حول طول ابونا آدم عليه السلام
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
بداية كل عام و الأمة الاسلامية بخير بمناسبة عيد الأضحى المبارك.
لأن الله خلق آدم على صفات شكلية معينة بالتشكيل من الطين بيديه كما قال تعالى {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ }ص75.
اذا فآدم لا أب له و لا أم حملته فى بطنها و لا تنقل فى النشأة أطوارا كبنيه, و لكن خلقه الله على صفة معلومة بدون حاجة الى جينات تعمل على تصنيع بروتينات جسده الشريف أو تحديد صفاته الشكلية.
أما اذا تكلمنا عن صفات بنى آدم الشكلية فالأمر يختلف, لأن الابن لا يخلق الا فى الأرحام و ذلك من مجموع الجينات التى انتقلت اليه من أبيه و أمه عبر النطفة الأمشاج, أى أن الجينات هى التى تحدد الصفات الشكلية للجنين الانسانى فى الرحم و ذلك خلال رحلته من طور العلقة الى طور المضغة و هكذا حتى يخرج الى الدنيا طفلا رضيعا تتغير هيئته الشكلية بمرور الوقت حتى يصل الى الشيخوخة, وهو فى كل أحواله محكوم بعدد معين من الصفات الجينية التى تعطى صفاته الشكلية المعينة فى كل مرحلة من مراحل حياته (و بمعنى آخر تعدل شكله من وقت الى آخر).
و اذا بحثنا عن اقتران كلمة التعديل فى القرآن بالانسان نجدها مع أبناء آدم و لا نجدها مع آدم, قال تعالى (الذى خلقك فسواك فعدلك فى أى صورة ما شاء ركبك) 8 الانفطار, و قد اتفق المفسرون على ما أعلم على أن الخطاب فى هذه الآية لبنى آدم من دون آدم, فيكون التعديل للذرية فى الأرحام و ليس لآدم الذى لم تحمله الأرحام.
اذا فالكلام عن خلق آدم يختلف عن الكلام عن خلق بنيه, مع ملاحظة أن الخلقين غير منفصلين كما قد يتوهم البعض (كيف هذا؟).
لأن الله وضع فى خلق آدم و حواء معجزة فريدة و سنة كونية لخلق الذرية ألا و هى الأعضاء الجنسية المسؤولة عن انتاج الأمشاج فى الخصية و المبيض كما خلق فى حواء الرحم المخصص لاستقبال النطفة الأمشاج (الزيجوت) حيث يتم خلق أعضاء الجنين و نفخ الروح فيه و التعديل فى الشكل حتى الوصول الى الشكل النهائى للجنين و الخروج الى الحياة الدنيا. و ان شاء الله فى الأبحاث القادمة سوف نرى دقة و اعجاز القرآن و السنة فى وصف خلق الذرية فى صلب آدم من قبل خلق حواء, ثم فى و صف خلق الذرية من حواء قبل الزواج من آدم.
و لما كان الخلقين (خلق آدم و خلق بنيه) غبر منفصلين, وجدنا أن الربط بين خلق الانسان الأول آدم من الطين لا ينفصل عن خلق بنيه من الأمشاج فى القرآن كما هو فى الآيات التالية:
{خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ}الزمر6
(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ) 7, 8 السجدة.
{وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }فاطر11
{قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً }الكهف37
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ }الروم20
{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً }غافر67
{ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } النجم32
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء }النساء1
{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ }الأعراف189
و بناء على فهم عدم الانفصال بين خلق آدم و و خلق ذريته, فان أى تغير فى صفات آدم لابد و أن يتبعه تغيير فى صفات أبناءه و ذلك لتغير صفات الخلايا الجنسية فى الخصية عند آدم كجزء لا يتجزأ من خلايا جسده.
و هذا الفهم العلمى يجرنا الى فهم علمى آخر و هو أن جسد الكائن الحى له صفتين الأولى هى الصفة الشكلية للجسد من طول و حجم و لون و غيره, أما الصفة الثانية فهى الصفة الجينية أو الشفرة الوراثية التى تحكم كيفية ظهور الصفة الشكلية, مع العلم بأن أى تغير فى الصفة الشكلية كالطول أو اللون لا يحدث الا بعد تغير الصفة الجينية المماثلة على الحمض النووى.
و بالتالى عندما أقول أن طول آدم و هو صفة شكلية قد تغير أو أن أبناءه قد نقصوا فى الطول فمعنى ذلك أن الصفة الجينية للطول قد تغيرت فى الخلايا الجسدية و الجنسية عند آدم ثم حدث توريث للصفة الجديدة فى الأبناء, و مع كل نقصان جديد فى الطول لابد و أن يكون هناك تغير فى جينات الأباء لكى تتغير صفات الأبناء.
و للتوضيح اكثر نضرب المثال التالى (هل يمكن أن يكون لون آدم حين هبط إلى الأرض أخضر أو أزرق)؟
فاذا قلنا لا لأن لونه من معنى اسمه (آدم) أى أسمر (بين البياض و السواد) و ذلك حسب أحد تعريفات المجمع اللغوى لكلمة آدم.
فنسأل سؤال آخر هل هناك تفسير علمى يمنع أن يكون لون آدم أخضر أو أزرق؟
فيقول العلم نعم هناك ما يمنع أن يكون لونه اخضر أو أزرق لأن أبناء آدم أخذوا من صفات آدم و حواء فلو كان لون أحدهما بهذه الصفة لظهر ذلك فى الأبناء لأن صفات الأبناء ليست بمعزل عن صفات الأباء.
و لذا قال سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم للأعرابي الذى جاء يسأله عن لون ابنه فقال (يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاما أسود, فقال هل لك من إبل؟ قال نعم قال ( ما ألوانها ) . قال حمر قال ( هل فيها من أورق ) . قال نعم قال ( فأنى كان ذلك ) . قال أراه عرق نزعه قال ( فلعل ابنك هذا نزعه عرق), صحيح البخارى.
و هذا الحديث يظهر أن ما يحدث فى الأبناء من تغير فى الصفات الوراثية ليس بمعزل عن الأباء و الأجداد بل لا ينفك عن آدم نفسه كما قال صلى الله عليه و سلم فى الحديث الصحيح (إذا أراد الله جل ذكره أن يخلق النسمة فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعصب منها فإذا كان يوم السابع أحضر الله عز وجل له كل عرق بينه وبين آدم ثم قرأ : ( في أي صورة ما شاء ركبك) رواه الطبرانى فى المعجم الكبير و صححه الألبانى فى السلسلة الصحيحة.
و فى الحديثين السابقين دلالة واضحة على أننا ورثة آدم فى الصفات الجينية و بالتالى فى الصفات الشكلية. و ان شاء الله فى الأبحاث القادمة سوف نرى كيف اتفق علم الهندسة الوراثية مع القرآن و السنة على أن أصل البشرية لا يمكن أن يكون الا آدم و حواء, فهما أصل البشر و لا بشر قبلهما.
و فى الحديثين السابقين اعجاز علمى واضح لا شك فيه لكون النبى صلى الله عليه و سلم يتحدث عن أمور علمية لم تعرف الا فى وقتنا الحاضر و لم يكن للنبى سبيل للاطلاع عليها فى زمنه الا أن يعلمها عن رب العزة الذى لا تخفى عليه خافية فى الأرض و لا فى السماء.
فقد أثبت علم الوراثة أن فى كل خلية من خلايا الجسم عدداً ثابتاً من أجسام صغيرة تسمى كروموسومات (سماها النبى بالعروق ولذلك بحث خاص ان شاء الله) تحمل عوامل وراثية مسئوولة عن الصفات التى تظهر فى الإنسان؛ حيث إن هذه الكروموسومات ما هى إلا الجسر الذى تنتقل عليه صفات النوع من جيل إلى جيل آخر.
وقد يكون تاثير العامل الوراثى خافياً مستتراً، فيطلق عليه فى هذه الحالة العامل الوراثى الكامن أو المتنحي .. وهذا ما أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما جاءه الأعرابى يقول له: ولدت امرأتى غلاماً أسود، وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه, ولم يرخص له النبى فى الانتفاء منه و ذلك لسعة علم رسول صلى الله عليه و سلم ، وقدرته التى لا تدانى فى الحوار والإقناع، بحيث أرجع السائل إلى ما يعهده من إبله سائلاً إياه عن ألوانها حتى إذا قرر السائل الحقيقة بنفسه كانت الحجة دامغة تملأ عقله وقلبه، وتزيل ما قد ران على نفسه من ظلال الشكوك القائمة فى زوجته. و بحوث علماء الوراثة؛ تؤكد أن الشبه بين المولود ووالديه قد يكون غير ظاهر، بل بعيداً كل البعد عن كلا الأبوين .. كما حدث للأعرابى الذى جاءته امرأته بغلام أسود؛ حيث إن الصفات الوراثية قد تكون سائدة Dominant وقد تكون منتحية Recessive فإذا اتفق وكان كل من الأب والأم يحملان أحد هذه الصفات المنتحية، فإن ربع أولادهم تقريبا ستظهر فيهم هذه الصفة المنتحية بصورة واضحة جلية، وذلك لاجتماع الصفتين من كل الأب والأم .
من ذلك كله يظهر لنا أن الرسول صلى الله عليه و سلم قد وضع معالم وأسس علم الوراثة منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان، وفى ذلك إعجاز علمي قد أثبته العلم الحديث اليوم.
والقرآن أيضا يخبرنا باعجاز علمى آخر, فيقرر أن صفات الجنين تأتى من النطفة الأمشاج فى البطون فاذا غابت صفة معينة فى النطفة الأمشاج داخل البطن استحال أن توجد مثل هذه الصفة فى المولود, قال تعالى (و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ) 78 النحل, و هذه الآية توضح لنا الفرق بين الصفة المكتسبة من البيئة و الصفة الموروثة من النطفة الأمشاج فى البطون:
1. الصفات المكتسبة: هى صفه لم تخلق فى آدم كالعلم و اللغه و لكنه تعلمها من الله أو اكتسبها من البيئه المحيطه بالحواس المخلوقة فيه, و بالتالى هذه الصفات المكتسبة لا تورث فى أبنائه فيخروجون من بطون أمهاتهم بدونها ثم يكتسبونها من البيئه المحيطه. قال تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها) 31 البقرة, وعكس العلم الجهل فآدم كان يجهل كل شئ و لم تكن من صفاته الوراثية العلم و لو كان كذلك لما احتاج إلى أن يعلمه الله, و يؤكد هذا المعنى أن ذرية آدم هي الأخرى تخرج إلى الدنيا لا تعلم شيئا مما يؤكد بأن العلم ليس بصفة موروثة و لكنه صفة مكتسبة (و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا) 78 النحل.
2. الصفات الموروثة: هى كل صفه شكليه خلقها الله فى آدم و حواء كالسمع و البصر ثم جعل الله لها صوره جينيه على الحامض النووى لكل خلاياهم بما فيها الخلايا الجنسيه المسؤوله عن تكوين الأمشاج فى الأصلاب, و بالتالى فان هذه الصفه تورث الى الأبناء فيخروجون من بطون أمهاتهم بها. قال تعالى (و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ) 78 النحل, فالانسان يخرج من بطن أمه بالسمع و البصر لأن جينات السمع و البصر موجوده فى النطفه الأمشاج (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) و فى الحديث (إذا مر بالنطفة اثنتان و أربعين ليله بعث الله إليها ملكا فصورها و خلق سمعها وبصرها).
اذا فالقرآن و السنة يقرران أن صفات الجسد الشكلية تابعة للصفات الجينية فى النطفة الأمشاج, و هذا اعجاز علمى آخر نثبت به أن ما تكلم به النبى صلى الله عليه و سلم انما هو بوحى الله كما قال تعالى (و مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) 3-5 النجم .
وهذا الذى سقناه اليكم من حديث القرآن و السنة عن علم الوراثة انما هو بمثابة مقدمة بسيطة لحديث القرآن و السنة عن الحامض النووى بصريح العبارة التى لا لبث فيها و لا غموض و هو ما نشاهده فى المباحث التالية باذن الله تعالى. ثم بعد ذلك نعود الى متابعة النقاش حول حديث طول آدم عيه السلام.
و لكن و قبل الدخول فى صلب البحث ينبغى أولا توضيح بعض النقاط التى قد تتسبب فى تشويش الباحث حول مسألة طول آدم و تجعله يستشهد بأمور خاطئة من حيث لا يدرى, و هى كالآتى:
1. استشهاد البعض بصور العماليق التى تعود الى ما بعد زمن بعثة موسى عليه السلام مع أن ذلك قد ينفى الحديث و لا يثبته و يتفق مع معتقد اليهود و النصارى الذين حرفوا التاريخ و اخترعوا قصص العماليق.
2. ما هى الجنة التى سكنها آدم وهل تغير طول آدم حقا ليناسب البيئة فيكون طويلا فى الجنة التى سكنها فى أول حياته و قصيرا على الأرض التى استقر فيها حتى مماته.
3. هل عمر البشرية سحيق على الأرض و هل هناك بشر قبل آدم أو أشباه بشر و بيان خداع التطور
اذ أن العمر قليل و لا بشر قبل آدم و كلمة الزمن السحيق للبشرية خدعة كبيرة من أصحاب نظرية التطور.
و بإذن الله سوف نتناول هذه القضايا بشيء من التفصيل قبل الدخول في حديث القرآن و السنة عن الحامض النووي.
اللهم انى أسألك التوفيق و أعوذ بك من الخزي و الندامة.
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
بداية كل عام و الأمة الاسلامية بخير بمناسبة عيد الأضحى المبارك.
الفرق بين صفات آدم الجسدية و صفات أبناءه
قبل الكلام عن طول آدم ينبغي أن نعرف أن هناك فرق كبير بين الكلام عن آدم و عن بنيه (لماذا؟) لأن الله خلق آدم على صفات شكلية معينة بالتشكيل من الطين بيديه كما قال تعالى {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ }ص75.
اذا فآدم لا أب له و لا أم حملته فى بطنها و لا تنقل فى النشأة أطوارا كبنيه, و لكن خلقه الله على صفة معلومة بدون حاجة الى جينات تعمل على تصنيع بروتينات جسده الشريف أو تحديد صفاته الشكلية.
أما اذا تكلمنا عن صفات بنى آدم الشكلية فالأمر يختلف, لأن الابن لا يخلق الا فى الأرحام و ذلك من مجموع الجينات التى انتقلت اليه من أبيه و أمه عبر النطفة الأمشاج, أى أن الجينات هى التى تحدد الصفات الشكلية للجنين الانسانى فى الرحم و ذلك خلال رحلته من طور العلقة الى طور المضغة و هكذا حتى يخرج الى الدنيا طفلا رضيعا تتغير هيئته الشكلية بمرور الوقت حتى يصل الى الشيخوخة, وهو فى كل أحواله محكوم بعدد معين من الصفات الجينية التى تعطى صفاته الشكلية المعينة فى كل مرحلة من مراحل حياته (و بمعنى آخر تعدل شكله من وقت الى آخر).
و اذا بحثنا عن اقتران كلمة التعديل فى القرآن بالانسان نجدها مع أبناء آدم و لا نجدها مع آدم, قال تعالى (الذى خلقك فسواك فعدلك فى أى صورة ما شاء ركبك) 8 الانفطار, و قد اتفق المفسرون على ما أعلم على أن الخطاب فى هذه الآية لبنى آدم من دون آدم, فيكون التعديل للذرية فى الأرحام و ليس لآدم الذى لم تحمله الأرحام.
اذا فالكلام عن خلق آدم يختلف عن الكلام عن خلق بنيه, مع ملاحظة أن الخلقين غير منفصلين كما قد يتوهم البعض (كيف هذا؟).
لأن الله وضع فى خلق آدم و حواء معجزة فريدة و سنة كونية لخلق الذرية ألا و هى الأعضاء الجنسية المسؤولة عن انتاج الأمشاج فى الخصية و المبيض كما خلق فى حواء الرحم المخصص لاستقبال النطفة الأمشاج (الزيجوت) حيث يتم خلق أعضاء الجنين و نفخ الروح فيه و التعديل فى الشكل حتى الوصول الى الشكل النهائى للجنين و الخروج الى الحياة الدنيا. و ان شاء الله فى الأبحاث القادمة سوف نرى دقة و اعجاز القرآن و السنة فى وصف خلق الذرية فى صلب آدم من قبل خلق حواء, ثم فى و صف خلق الذرية من حواء قبل الزواج من آدم.
و لما كان الخلقين (خلق آدم و خلق بنيه) غبر منفصلين, وجدنا أن الربط بين خلق الانسان الأول آدم من الطين لا ينفصل عن خلق بنيه من الأمشاج فى القرآن كما هو فى الآيات التالية:
{خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ}الزمر6
(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ) 7, 8 السجدة.
{وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }فاطر11
{قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً }الكهف37
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ }الروم20
{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً }غافر67
{ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } النجم32
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء }النساء1
{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ }الأعراف189
و بناء على فهم عدم الانفصال بين خلق آدم و و خلق ذريته, فان أى تغير فى صفات آدم لابد و أن يتبعه تغيير فى صفات أبناءه و ذلك لتغير صفات الخلايا الجنسية فى الخصية عند آدم كجزء لا يتجزأ من خلايا جسده.
و هذا الفهم العلمى يجرنا الى فهم علمى آخر و هو أن جسد الكائن الحى له صفتين الأولى هى الصفة الشكلية للجسد من طول و حجم و لون و غيره, أما الصفة الثانية فهى الصفة الجينية أو الشفرة الوراثية التى تحكم كيفية ظهور الصفة الشكلية, مع العلم بأن أى تغير فى الصفة الشكلية كالطول أو اللون لا يحدث الا بعد تغير الصفة الجينية المماثلة على الحمض النووى.
و بالتالى عندما أقول أن طول آدم و هو صفة شكلية قد تغير أو أن أبناءه قد نقصوا فى الطول فمعنى ذلك أن الصفة الجينية للطول قد تغيرت فى الخلايا الجسدية و الجنسية عند آدم ثم حدث توريث للصفة الجديدة فى الأبناء, و مع كل نقصان جديد فى الطول لابد و أن يكون هناك تغير فى جينات الأباء لكى تتغير صفات الأبناء.
و للتوضيح اكثر نضرب المثال التالى (هل يمكن أن يكون لون آدم حين هبط إلى الأرض أخضر أو أزرق)؟
فاذا قلنا لا لأن لونه من معنى اسمه (آدم) أى أسمر (بين البياض و السواد) و ذلك حسب أحد تعريفات المجمع اللغوى لكلمة آدم.
فنسأل سؤال آخر هل هناك تفسير علمى يمنع أن يكون لون آدم أخضر أو أزرق؟
فيقول العلم نعم هناك ما يمنع أن يكون لونه اخضر أو أزرق لأن أبناء آدم أخذوا من صفات آدم و حواء فلو كان لون أحدهما بهذه الصفة لظهر ذلك فى الأبناء لأن صفات الأبناء ليست بمعزل عن صفات الأباء.
و لذا قال سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم للأعرابي الذى جاء يسأله عن لون ابنه فقال (يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاما أسود, فقال هل لك من إبل؟ قال نعم قال ( ما ألوانها ) . قال حمر قال ( هل فيها من أورق ) . قال نعم قال ( فأنى كان ذلك ) . قال أراه عرق نزعه قال ( فلعل ابنك هذا نزعه عرق), صحيح البخارى.
و هذا الحديث يظهر أن ما يحدث فى الأبناء من تغير فى الصفات الوراثية ليس بمعزل عن الأباء و الأجداد بل لا ينفك عن آدم نفسه كما قال صلى الله عليه و سلم فى الحديث الصحيح (إذا أراد الله جل ذكره أن يخلق النسمة فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعصب منها فإذا كان يوم السابع أحضر الله عز وجل له كل عرق بينه وبين آدم ثم قرأ : ( في أي صورة ما شاء ركبك) رواه الطبرانى فى المعجم الكبير و صححه الألبانى فى السلسلة الصحيحة.
و فى الحديثين السابقين دلالة واضحة على أننا ورثة آدم فى الصفات الجينية و بالتالى فى الصفات الشكلية. و ان شاء الله فى الأبحاث القادمة سوف نرى كيف اتفق علم الهندسة الوراثية مع القرآن و السنة على أن أصل البشرية لا يمكن أن يكون الا آدم و حواء, فهما أصل البشر و لا بشر قبلهما.
و فى الحديثين السابقين اعجاز علمى واضح لا شك فيه لكون النبى صلى الله عليه و سلم يتحدث عن أمور علمية لم تعرف الا فى وقتنا الحاضر و لم يكن للنبى سبيل للاطلاع عليها فى زمنه الا أن يعلمها عن رب العزة الذى لا تخفى عليه خافية فى الأرض و لا فى السماء.
فقد أثبت علم الوراثة أن فى كل خلية من خلايا الجسم عدداً ثابتاً من أجسام صغيرة تسمى كروموسومات (سماها النبى بالعروق ولذلك بحث خاص ان شاء الله) تحمل عوامل وراثية مسئوولة عن الصفات التى تظهر فى الإنسان؛ حيث إن هذه الكروموسومات ما هى إلا الجسر الذى تنتقل عليه صفات النوع من جيل إلى جيل آخر.
وقد يكون تاثير العامل الوراثى خافياً مستتراً، فيطلق عليه فى هذه الحالة العامل الوراثى الكامن أو المتنحي .. وهذا ما أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما جاءه الأعرابى يقول له: ولدت امرأتى غلاماً أسود، وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه, ولم يرخص له النبى فى الانتفاء منه و ذلك لسعة علم رسول صلى الله عليه و سلم ، وقدرته التى لا تدانى فى الحوار والإقناع، بحيث أرجع السائل إلى ما يعهده من إبله سائلاً إياه عن ألوانها حتى إذا قرر السائل الحقيقة بنفسه كانت الحجة دامغة تملأ عقله وقلبه، وتزيل ما قد ران على نفسه من ظلال الشكوك القائمة فى زوجته. و بحوث علماء الوراثة؛ تؤكد أن الشبه بين المولود ووالديه قد يكون غير ظاهر، بل بعيداً كل البعد عن كلا الأبوين .. كما حدث للأعرابى الذى جاءته امرأته بغلام أسود؛ حيث إن الصفات الوراثية قد تكون سائدة Dominant وقد تكون منتحية Recessive فإذا اتفق وكان كل من الأب والأم يحملان أحد هذه الصفات المنتحية، فإن ربع أولادهم تقريبا ستظهر فيهم هذه الصفة المنتحية بصورة واضحة جلية، وذلك لاجتماع الصفتين من كل الأب والأم .
من ذلك كله يظهر لنا أن الرسول صلى الله عليه و سلم قد وضع معالم وأسس علم الوراثة منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان، وفى ذلك إعجاز علمي قد أثبته العلم الحديث اليوم.
والقرآن أيضا يخبرنا باعجاز علمى آخر, فيقرر أن صفات الجنين تأتى من النطفة الأمشاج فى البطون فاذا غابت صفة معينة فى النطفة الأمشاج داخل البطن استحال أن توجد مثل هذه الصفة فى المولود, قال تعالى (و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ) 78 النحل, و هذه الآية توضح لنا الفرق بين الصفة المكتسبة من البيئة و الصفة الموروثة من النطفة الأمشاج فى البطون:
1. الصفات المكتسبة: هى صفه لم تخلق فى آدم كالعلم و اللغه و لكنه تعلمها من الله أو اكتسبها من البيئه المحيطه بالحواس المخلوقة فيه, و بالتالى هذه الصفات المكتسبة لا تورث فى أبنائه فيخروجون من بطون أمهاتهم بدونها ثم يكتسبونها من البيئه المحيطه. قال تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها) 31 البقرة, وعكس العلم الجهل فآدم كان يجهل كل شئ و لم تكن من صفاته الوراثية العلم و لو كان كذلك لما احتاج إلى أن يعلمه الله, و يؤكد هذا المعنى أن ذرية آدم هي الأخرى تخرج إلى الدنيا لا تعلم شيئا مما يؤكد بأن العلم ليس بصفة موروثة و لكنه صفة مكتسبة (و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا) 78 النحل.
2. الصفات الموروثة: هى كل صفه شكليه خلقها الله فى آدم و حواء كالسمع و البصر ثم جعل الله لها صوره جينيه على الحامض النووى لكل خلاياهم بما فيها الخلايا الجنسيه المسؤوله عن تكوين الأمشاج فى الأصلاب, و بالتالى فان هذه الصفه تورث الى الأبناء فيخروجون من بطون أمهاتهم بها. قال تعالى (و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ) 78 النحل, فالانسان يخرج من بطن أمه بالسمع و البصر لأن جينات السمع و البصر موجوده فى النطفه الأمشاج (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) و فى الحديث (إذا مر بالنطفة اثنتان و أربعين ليله بعث الله إليها ملكا فصورها و خلق سمعها وبصرها).
اذا فالقرآن و السنة يقرران أن صفات الجسد الشكلية تابعة للصفات الجينية فى النطفة الأمشاج, و هذا اعجاز علمى آخر نثبت به أن ما تكلم به النبى صلى الله عليه و سلم انما هو بوحى الله كما قال تعالى (و مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) 3-5 النجم .
وهذا الذى سقناه اليكم من حديث القرآن و السنة عن علم الوراثة انما هو بمثابة مقدمة بسيطة لحديث القرآن و السنة عن الحامض النووى بصريح العبارة التى لا لبث فيها و لا غموض و هو ما نشاهده فى المباحث التالية باذن الله تعالى. ثم بعد ذلك نعود الى متابعة النقاش حول حديث طول آدم عيه السلام.
و لكن و قبل الدخول فى صلب البحث ينبغى أولا توضيح بعض النقاط التى قد تتسبب فى تشويش الباحث حول مسألة طول آدم و تجعله يستشهد بأمور خاطئة من حيث لا يدرى, و هى كالآتى:
1. استشهاد البعض بصور العماليق التى تعود الى ما بعد زمن بعثة موسى عليه السلام مع أن ذلك قد ينفى الحديث و لا يثبته و يتفق مع معتقد اليهود و النصارى الذين حرفوا التاريخ و اخترعوا قصص العماليق.
2. ما هى الجنة التى سكنها آدم وهل تغير طول آدم حقا ليناسب البيئة فيكون طويلا فى الجنة التى سكنها فى أول حياته و قصيرا على الأرض التى استقر فيها حتى مماته.
3. هل عمر البشرية سحيق على الأرض و هل هناك بشر قبل آدم أو أشباه بشر و بيان خداع التطور
اذ أن العمر قليل و لا بشر قبل آدم و كلمة الزمن السحيق للبشرية خدعة كبيرة من أصحاب نظرية التطور.
و بإذن الله سوف نتناول هذه القضايا بشيء من التفصيل قبل الدخول في حديث القرآن و السنة عن الحامض النووي.
اللهم انى أسألك التوفيق و أعوذ بك من الخزي و الندامة.


Comment